استهلال

إلى أولئك النفر الخير من خفراء المواقع الآثارية في مختلف أصقاع البلاد والى العمال والفنيين والى الإداريين الذين نذروا شبابهم لحماية تراث أمتنا السودانية.

 

 

 

 

 

أهداف أركاماني

 

أولاً : مساعدة الطلاب السودانيين والعرب الدارسين للآثار والأنثروبولوجيا والتاريخ في متابعة نتائج الأبحاث الميدانية والنظرية الجارية في مجال البحث الآثاري والأنثروبولوجي والتاريخي، والتى أصبحت، بفعل الفقر الشديد للمكتبات الجامعية والرسمية الأخرى في السودان، غير متوفرة، بخاصة فيما يتعلق بالدوريات والحوليات والمجلات المتخصصة التي تصدر بلغات أجنبية متعددة. يتم استكمال هذا الهدف عن طريق العمل على ترجمة أهم تلك الأبحاث والدراسات إلى اللغة العربية. وبما أن الجهد المبذول في الترجمة يحتاج إلى زمن لانجازها فإنه سيتم إعادة نشر الأبحاث والدراسات المهمة بلغاتها الأصلية ضمن ملف مكتبة خاصة تم انشاءها في الموقع.

 

ثانياً : السعي لجعل أركاماني منبراً للتفاعل المثمر بين الآثاريين والأنثروبولوجيين السودانيين في السودان وفي المهجر وبين نظرائهم من المهتمين بالدراسات السودانوية من الأجانب، بما يمكنهم من الإسهام الفاعل في الجهود المبذولة لتأسيس علم الآثار السودانوية فرعاً معرفياً جديداً مستقلاً.

 

ثالثاً : افساح المجال أمام الدراسات السودانوية لتشق طريقها إلى مناهج الجامعات العربية والأفريقية. فمع احتضار مساحات واسعة من أطراف السودان الشمالية تحت مياه بحيرة ناصر، احتضر في الوقت نفسه المنظور العتيق لتاريخ السودان الحضاري، وهو منظور كان قد شيده علماء الآثار الرواد الأوائل الذين عدوا عملهم في السودان ليس أكثر من مجرد بحث عن الامتدادات الجنوبية للحضارة المصرية القديمة. تجئ نتائج البحث الآثاري والأنثروبولوجي الجاري في السودان لتدق المسمار الأخير في نعش ذلك المنظور العتيق معلنة عن مولد فرع معرفي جديد "علم الآثار السودانوية"، الذى يشدد على دراسة الجذور المحلية لحضارات السودان القديم، وموفرة البينات الوثائقية والمادية التى تدعم منظوراً جديداً يرى في المؤثرات المصرية خلال العصر الفرعوني والمراحل اللاحقة مجرد عناصر خارجية. لا بدَّ من السعي لاحلال هذا المنظور الجديد في المناهج التعليمية السودانية والعربية والأفريقية بديلاً عن المنظور العتيق المعتمد على كتب دراسية عتيقة ترى في حضارة السودان القديم مجرد انعكاس شاحب وتقليد متوحش متدني للحضارة الفرعونية المصرية.

 

مع انطلاق أركاماني مجلة الكترونية تهدف التعريف بالبحث الآثارى والأنثروبولوجي الجاري في السودان بغية تشكيل وعى مشترك بمكونات الهُويَّة السودانية وخصوصياتها، لا بد لنا أن نذكر فضل أولئك الرجال الذين أسندوا العمل الآثارى الأنثروبولوجي منذ مطلع القرن الماضي استكشافا،ً وحماية، وتنقيباً، وإدارة لمشاريعه. لولا جهدهم المتصل ونكرانهم لحياة الدعة والراحة بإيثارهم العيش في الصحراء والمناطق المنعزلة البعيدة عن العمران والتي لا زالت تمثل الشدة بعينها، لما تطور المشروع البحثي عن التراث في السودان بما يخدم التراث الإنساني بأكمله.

 

نذكر في هذه اللحظة عرفاناً بالجميل أولئك الذين تركوا لنا الوصف والرسم والصورة للمباني والمخلفات الأثرية ووثقوا لنا تاريخ المجموعات الثقافية المتفاعلة على أرض السودان بكتاباتهم القيمة منذ ما قبل القرن الماضي.

 

تحية إجلال لأولئك الذين كانوا وراء مشروع قيام مصلحة الآثار السودانية منذ العام 1935 وهى المؤسسة التي يرجع لها الفضل في استكشاف التراث والتنقيب عنه وصيانته وحمايته، وهو ما لم يكن ممكن التحقيق لولا تفانى النفر الخير من خفراء المواقع الآثارية في مختلف أصقاع البلاد والعمال والموظفين في حماية التراث على كامل التراب الوطني، وأولئك العلماء والإداريين الذين تتابعوا في قيادة البحث الآثارى والأنثروبولوجى في السودان .. اركل، وشيني، وفيركوتيه، وثابت حسن ثابت، ونجم الدين محمد شريف الذين خلفوا وراءهم إلى جانب أعمالهم العلمية نظاماً إدارياً فاعلاً نجح، رغم شح الإمكانيات المادية والبشرية، في أداء الدور المنوط به بفاعلية منقطعة النظير.

 

إن إحياء ذكرى كل أولئك الرجال لن تكتمل مقاصده إلا بإسهام الجيل الحالي من الباحثين المهتمين في هذا المجال. فإذا كانت عمليات الاستكشاف الميداني والتنقيب عن الآثار والتراث قد ظلت مصبوغة بالأعمال والجهود المتميزة للبعثات الأجنبية الصديقة لظروف نعلمها ولا تنطبق على السودان وحده فإن صفحات أركاماني تظل مفتوحة، إلى جانب ترجمة الأبحاث الأجنبية، أمام الجميع للإسهام بالبحث والخبرة والتوجيه والرأي. لقد قصد منها أن تكون منبراً علمياً جماعياً يمد يد العون لطلابنا الدارسين للتاريخ والتراث ولعموم السودانيين والعرب المهتمين بقضايا التاريخ القديم والآثار والأنثروبولوجيا.

 

تنطلق أركاماني"مجلةً للبحث الآثارى الأنثروبولوجي في السودان" من قناعة راسـخة بأن التفكير الجاد في مشكل بناء الأمة السـودانية لا بد أن يبدأ بالتراجع القهقرى إلى فجر الثقافات الكوشـية السـابقة لوصول الهجرات العربية إلى السـودان وانتشـار نور الإسلام، الشئ  الذي يفضي إلى إدراك واقع "التنوع التاريخى" وواقع "التنوع المعاصر"مكونين أسـاسـيين للهُويَّة السـودانية. ترمى أركاماني من ذلك تمليك القراء جزءًا من الحقائق التاريخية التي أصبحت، بفعل سـياسـة تعليمية منحازة، ضمن الكثير المسكوت  عنه في السـودان.

 

والأمر كذلك فإن الجهد الذي أبذله لترى أركاماني النور مجلة الكترونية للآثار والأنثروبولوجيا السودانية يمثل اللبنة الأولى في مشروع جماعي لن يكتب له النجاح على الوجه الأكمل تحقيقاً لأغراضه إلا من خلال الجهد المشترك للزملاء المتخصصين وكل المهتمين بقضايا البحث الآثارى والأنثروبولوجى في السودان.

 

 

أسامة عبد الرحمن النور

المدير العام الأسبق للإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية

 

 

 

 

نداء

 

 

هذا الجهد بذل بأمل تحقيق هدف محدد وواضح ينحصر في دفع طلاب البحث العلمي من السودانيين والأفارقة والعرب الدارسين للتاريخ القديم والآثار والأنثروبولوجيا للإطلاع على أحدث ما تخرجه معاول علماء الآثار العاملين في السودان وما تطرحه أقلام الباحثين في هذا المجال. من ثم وتقديراً لهذا الجهد الفردي، المبثوث على شبكة الإنترنت، كلي أمل في أن تتم الإشارة إلى أركاماني مرجعاً في حالة الاقتباس من أي من المواد العلمية الواردة فيها.

مع خالص التقدير

 

 

الرجاء مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني للمجلة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أو على البريد الالكتروني للمحرر

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.  أو عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

يا روضة أزهارها شـتى

أشـم فيك

عبق المسـتقبل الجميل

حينما الجمـيع يلتقـون

فى التقاء الأبيض الحليم

بأخيه الأزرق المثير

أنظـر يوم يقبلون

عرباً وبجة ونوبة

وفجلو وباريا

وبرتة وبنقو

وزغاوة وامبررو

وأنقسنا ودينكا

وتبوسا وأشولي

ونوير ومساليت

وأنواك ولاتوكا

وغيرهم غيرهم

للبوش كل منهم يهدي

ولكن باعتزاز

شـيئه الصغير

 

مجلة الآثار السودانية/ العدد الأول/ أغسطس 2001

 

البحث الآثارى في النوبة  الشمالية والسودان - 4

 

إنقاذ آثار شمال السودان

كان الوضع أكثر تعقيداً فيما يتعلق بإنقاذ الآثار ودراستها في الأراضى السودانية. هنا بدءاً من حدود البلاد مع مصر في فرس حتى كوشا، على امتداد منطقة تغطي حوالي المئتى كيلومتر، أي المنطقة المهددة بالغرق، أشارت المعلومات الأولية إلى أن ما يقارب 75 موقعاً أثرياً ستغطيها مياه البحيرة الناشئة، وقد ازداد عدد هذه المواقع بعد إجراء المسح الجوي للمنطقة. وعند بدء العمل في خزان أسوان (السد العالي) كانت المواقع التى أخضعت للدراسة في هذه المنطقة لا تتجاوز العشرة وكانت الدراسة نفسها جزئية. محق كان فيركوتيه، الذى كان حينها مديراً لمصلحة الآثار السودانية، وهو يخطط لحملة إنقاذ آثار المنطقة المهددة أن وصفها بأنها غير منقبة. كلياً تم تسجيل 300 موقع في المنطقة تحتاج للدراسة والإنقاذ.

 

بداية تم بمساعدة المسح الجوى وضع الخارطة الآثارية للمنطقة من وادي حلفا حتى كوشا، والتي اكتملت في عام 1960 وتم التأكيد على قائمة المواقع التى يتوجب العمل فيها في المقام الأول. يجرى الآن بإشراف اليونسكو وبمشاركة المجتمع العلمي العالمي هذا البحث والدراسة على مدى سنوات التى أعطت نتائج واكتشافات مثيرة كما هو واضح حتى من التقارير المبدئية المختزلة.

 

في 1960-1962 أجريت من فرس في الشمال حتى جمى في الجنوب، أي على امتداد 50 كيلو متر في الضفة الغربية للنيل، عمليات المسح والاستكشاف المفصلة. عموماً في هذا الجزء تمَّ تحديد 312 وقعاً تحتاج للدراسة والإنقاذ.

 

إذا كانت البعثة البولندية العاملة في فرس والمنطقة المجاورة لها قد كللت مساعيها بالكشف عن آثار العصر المسيحي الشهيرة (الكنائس، واللوحات الجدارية، ومدافن الأساقفة وغيرها)، فإن آثار عصر نبتة ومروى في المنطقة كانت متواجدة بصورة أسوأ كماً ونوعاً. في داخل فرس نفسها وفي التل القائم فيما وراء الحصن المحيط تمَّ تنظيف بقايا مساكن يرجع تاريخها للعصر المروى. مثيرة كانت القطع المعمارية والأجزاء من التماثيل التى عثر عليها هنا: أفاريز، وقوائم الشبابيك المنقوشة ، أجزاء من نقوش بارزة ، التى استخدم البعض منها في رص الكنيسة عند بنائها، وكذلك ألواح القرابين وأجزاء من نقشين أرخهما ميخالوفسكى بالقرنين الميلاديين الأول والثاني، أى فترة ازدهار النوبة الشمالية. استمرت أعمال التنقيب حتى العام 1964.

 

على بعد ستة كيلومترات إلى الجنوب من فرس، في عكشة، عملت بعثة مشتركة من العلماء الفرنسيين والأرجنتينيين في موسم 61/1962  ترأسها كل من فيركوتيه وروزنفاسير. بالقرب من معبد رمسيس الثاني وفي الجزء الجنوبي الشرقي للمنطقة المصدق للبعثة العمل فيها تم الكشف عن جبانتين من العصر المروى، كانت الثانية منهما هي الأحدث عمراً (المتأخرة) بما يجعلها تتداخل مع مدافن المجموعة المجهولة (القرن الميلادي الرابع). خلال الموسمين من العمل تمَّ حفر 92 مدفناً كان الجزء الأعظم منها ذات شكل أشبه بالمنجم، مع وجود تجويف في قاع الحفرة. ورغم أنها كانت قد دمرت ونهبت في أزمان قديمة فإنه قد تمَّ النجاح في جمع كميات هائلة من القطع التى تسلط الضوء على عادات أهل المكان: أواني تحمل رسوماً ملونة مختلفة الأشكال على جدرانها، وأقراط، وختم، وتمائم، وأحقاق للعطور، وكؤوس من النحاس والبرنز، وبقايا قطع من الملابس، وبقايا أحذية من الجلد، ومصنوعات من الزجاج والخزف. الكثير من تلك المصنوعات نتاج عمل حرفيين يمتلكون قدراً عالياً من المهارة الفنية. ساعد المناخ الجاف في الاحتفاظ بجثمان الموتى في المقابر رغم نشاطات اللصوص المدمرة. احتفظت العديد من الهياكل بشعرها وجلدها، مما أعطى مادة قيمة للأنثروبولوجيين. في حالات متفرقة بقيت آثار الوشم. من الجبانة المتأخرة تأتي المسلة الجنائزية التى تحوى 17 سطراً والتي تخص أحد أفراد طبقة النبلاء المحليين واسمه أتقى Atqé بن اميريه Amerêye (الأب) وفقيكه Bêqêke (الأم) وهو نص توسل إلى اوزيريس وايزيس بعبارات نمطية معتادة وأرجع روزنفاسير تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي.

 

وتوجد ثلاث جبانات مروية في الضفة الغربية أيضاً في سرة القريبة من عكشة. جبانتان منها متأخرتان وتتداخل كرونولوجياً مع مدافن المجموعة المجهولة. تمَّ التنقيب في عشرين مقبرة كانت كلها قد تعرضت للنهب. استخدم الطوب غير المحروق لتشييد المقبرة عادة لبناء القبو. شكل الأواني من المقابر مشابه لما وصفه جريفيث في تقريره عن حفريات حينها في فرس. شمل متاع المقابر خرز من مواد مختلفة بما في ذلك الزجاج المتوفر بكثرة، وختم، وسنارات صيد أسماك، ورؤوس حراب وغيرها.

 

أبعد إلى الجنوب في أرقين تمَّ أثناء المجسات التجريبية التى أجريت في موسم 61/1962 على الضفة الغربية للنيل، تحديد مواقع عدد من المدافن المروية المتأخرة. وجد في المدافن المختلفة الأشكال التى أزيل التراب عنها، والتي كانت صيداً للنهابين في أزمان قديمة، متاع تألف أساساً من الفخار. بالقرب من القرية الواقعة مباشرة على ضفة النيل، نشأت إقامة في العصر المروى استمر الناس يقيمون بها حتى انتشار المسيحية. بالقرب من القرية وجد فرن لحرق الأواني. هذا الفخار إلى جانب ما وجده آدمز أيضاً يسمح بالتعرف بصورة أفضل بمهارة الفخاريين القدماء.

 

في موسم الحفريات التالي شرعت البعثة الأسبانية في التنقيب الأكثر شمولاً في أرقين. في نقع العرب نقبت البعثة في 220 مقبرة مختلفة الأشكال لجبانة مروية. كان من بينها مسطبتين من الطوب غير المحروق. استخدمت الجبانة من القرن الأول ق.م. حتى القرن الميلادي الثالث. المتاع الجنائزي مشابه لما تم الكشف عنه في الجبانات الأخرى. مكتشفات علماء الآثار في نقع العرب اتسمت بالثراء حيث أن تلك المقابر المحلية لم تجذب أنظار اللصوص. بعض الأواني: الامفورا، والجرار المصنوعة تحت تأثير نماذج يونانية رومانية. الهام هو أن التقرير الكامل لعمل البعثة قد تمَّ نشره.

 

في الجزيرة دبروسا، حيث تمَّ الاكتفاء بالمجسات التجريبية، كشف عن مبان من العصر المروى شغلت تلك المبانى مساحة 775 متر مربع. شيدت الجدران جزئياً من الطوب غير المحروق، وجزئياً من الحجر. حالياً نظفت خمسة منازل كانت ثلاثة منها مكتملة. وجدت فيها أواني متنوعة، كانت كبيرة الأحجام في غالبيتها مما يشير إلى أنها استخدمت لتخزين الطعام. ووجدت هنا حجارة رحى .وجدت آثار المواقد في منزلين.

 

المنزلان الآخران شيدا من الطوب غير المحروق كانا أكبر حجماً في جزيرة جمى نارتي. احتوى واحد من المنزلين على 11 غرفة، واحتوى الثاني على 21 غرفة. الخاصة المميزة للمنزلين تبدو في تكرار مركب غرفة قصيرة و وأخرى طويلة. في الغرفة الكبيرة يوجد الموقد، وفي القصيرة خزنت الأواني. وتشير الدراسة إلى أن المنازل توسعت تدريجياً . شيدت الغرف الإضافية ملتصقة بالغرف الأساسية وذلك مع تزايد حجم الأسرة. منازل مشابهة كان قد تم الكشف عنها في كارانوج. تمَّ هجر المنزلين فجأة وبصورة متعجلة حيث غرقا بفعل فيضان عال غير عادى للنيل. ولذلك بقيت في المنزلين أواني ومواد منزلية بما فيها من أشكال يندر تواجدها في المدافن.

 

منازل العصر المروى تم الكشف عنها كذلك في جزيرة ميلى المواجهة لجُمىّ. عند رأس جبل أبى صير وجد منزلان. بالقرب من الصخور تم تنظيف فرن لحرق الأواني  مشابه لذلك الذى وصفه آدمز. من ثم فان كل هذه المنطقة كانت مأهولة بالكوشيين في العصر الإغريقي الروماني. احتمالاً أن يكون نشاطهم مرتبط جزئياً بطرق المراكب. علينا انتظار النشر الكامل لمركب منازل جمى نارتي علَّ ذلك يكشف عن صورة حياة أولئك الكوشيين وعاداتهم في تلك الفترة.

 

في جزيرة ماتوكا الواقعة في وسط الجندل الثاني تمَّ الكشف عن 50 مدفن مروى، شبيهة بالمدافن التى أجرى التنقيب فيها في فرس، وكارانوج ومواقع أخرى. كانت هذه الأخيرة بدورها قد تعرضت للنهب. جبانة أخرى يرجع تاريخها للعصر نفسه كانت أحسن حالاً كشف عنها إلى الشمال من جُمىّ . تمت دراسة 29 مقبرة من مقابر هذه الجبانة.

 

في بوهين، حيث شيدت في عصر المملكة المصرية الوسطى قلعة ضخمة لحماية الإبحار في النيل أثناء تفكيك معبد حتشبسوت تمَّ تحديد آثار النشاط المعماري الذى قام به تهارقا.

 

في عام 1957 نجح فيركوتيه أثناء مجسات تجريبية أجراها في سمنة (القلعة التى كانت تحمى الجندل الثاني في العصور القديمة) موقع للإقامة (أو مدينة) يرجع تاريخها للعصر المروى وجبانة تابعة. الفخار الرقيق برسومه الملونة الرائعة الذى كشف عنه في المقابر قد يقف برهاناً على استقلال السكان وكبر حجم الموقع  .

 

في واحدة من أكبر جزر نهر النيل، صاي (على بعد 180 كيلومتر إلى الجنوب من وادي حلفا) أعيد استخدام القلعة المصرية، التى شيدت في عصر المملكة المصرية الحديثة والتي كانت قد هجرت على مدى فترة طويلة، في العصر المروى موقعاً للإقامة. على كل فقد وجد فخار مروى ومصباح في أحد المساكن. لا يستبعد أن تكون القلعة قد دمرت أثناء حملة بسامتيك الثاني إلى كوش، وظلت بعدها غير مأهولة على مدى أزمنة طويلة.

 

في موسم 63/1964 كشفت البعثة الإيطالية برئاسة شيف جورجيني، على بعد 300 متر إلى الشرق من المعبد الذى شيده امنحتب الثالث للإلهة تى، عن جبانة مروية ضخمة كانت بنياته الفوقية المشيدة من الطوب غير المحروق ذات شكل هرمي. وقد كانت الجبانة مليئة بالقطع التى يرجع تاريخها للعصر المروى. وكانت الجبانة قد تعرضت للنهب في أزمان القدم فإنها لم تقدم سوى عدد من النصوص ومادة إضافية تساعد في دراسة تطور المقابر. في واحدة من المقابر الخاصة بأحد النبلاء تم العثور على ختم وبعض الحلي الأخرى.

 

أبعد إلى الجنوب في صلب قامت البعثة نفسها على مدى سنوات بالتنقيب في معبد امنحتب الثالث وعثرت على مخربشات مروية.

 

أعمال الإنقاذ في جزيرة مروى (البطانة)

إذا كانت العشر سنوات الأخيرة قد شهدت تنشيطاً لأعمال علماء الآثار في الأجزاء الشمالية للسودان، فإن المؤسف حقاً أن ذلك لا ينطبق على بقية أنحاء السودان الأخرى، حيث توجد المراكز الثقافية والسياسية الأساسية لمملكة مروى.

 

كانت أكثر الأعمال نجاحاً وأكبرها حجماً تلك التى أجراها معهد الدراسات المصرية لجامعة همبولدت (ألمانيا الشرقية) بقيادة هنتزا. لا زالت تلك الأعمال مستمرة حالياً. ورغم أن الوصف الكامل لها لا يزال قيد الإعداد فإن التقارير المبدئية والنشرات تواكب بنجاح عمل العلماء الألمان الشرقيين، مثرية معرفتنا بملاحظات مثيرة ومصادر جديدة.

 

في بداية 1958 أجرى هنتزا وفريقه في البطانة، جزيرة مروى القديمة، استكشافا مبدئياً لما يقارب الأربعين موقعاً آثارياً تغطى المراحل من العصر الحجري حتى الفترة السابقة مباشرة للفتح العربي. تم رسم الخرط الجغرافية والهندسية، واستنسخت النقوش والرسامات البارزة والمحفورة، والتقطت الصور الفوتوغرافية، وتمت معاينة وقياسات العديد من المواقع بما في ذلك مواقع العصر المروى، على سبيل المثال في أم على، حيث توجد نقوش مروية، وفي جادو حيث تمَّ تسجيل تماثيل ورسوم بارزة وما إلى ذلك. وفي مروى تمَّ الكشف عن نقوش ومخربشات جديدة. اهتمام خاص أولته البعثة لموقع المصورات الصفراء، حيث أجرت البعثة لاحقاً على مدى سنوات حفريات ممنهجة وأعمال صيانة، نتج عنها الترميم الكامل لمعبد الإله الأسد. أجريت أعمال الاستكشاف أيضاً في معابد النقعة وفي المدينة التى نشأت في أبى قيلي والتي لم تكن قد درست حتى ذلك الوقت، وقد احتوت إلى جانب معابدها على منشئات للري. إجمالا تمت دراسة عشرين موقعاً آثارياً (بالإضافة إلى الجبانات) مواقع إقامة ومعابد ومدن ومنشئات وغيرها حظي البعض منها فقط بالتنقيب الذى أبعد ما يكون عن الوصول إلى نهايته. التقرير الموجز الذى نشره هنتزا يشير إلى شح العمل الذى نفذ حتى الآن وإلى الكنوز التى لا زالت مطمورة في باطن الأرض في هذه المنطقة.

 

عمل هنتزا وفريقه في المصورات الصفراء بدءاً من العام 1960 وكشفوا إلى جانب الكثير من النقوش والمخربشات عن أعمال نحت وآثار معمارية، مركب كامل للمعابد والأقداس، وأيضاً منشئات للري، حفائر وقنوات وما إلى ذلك، والتي وفرت المياه لري أراضى المعابد وبساتينها. المعبد المكرس للإله الأسد أبادماك، كما اتضح، كان قد شيده الملك أرنكامانى، والذي عده هنتزا على أساس تشابه النعوت في الألقاب قريباً من حيث الزمان ببطليموس الرابع، وهو ما يعطى بينات يمكن الانطلاق منها في تثبيت كرونولوجيا مطلقة [أعطت نتائج تحليل الكربون المشع لبعض المواد المتفرقة من العصر المروى المتأخر تقديراً للعمر 1710 بزيادة أو نقصان 1000 سنة وهو ما يعنى سنة 210 م. الشئ الذى يتطابق مع تأريخ هذا العصر].

 

بدأت بعثة جامعة غانا برئاسة شينى مع فريق متواضع العدد في عام 1965 في إجراء حفريات مبدئية في مروى ووضع خريطة مفصلة للمنطقة، تمهيداً للتنقيب المستقبلي. أشار أحد أكوام الخبث الذى تم تنظيفه إلى أن صهر الحديد تواصل حتى القرن الميلادي الثامن وهو ما يدل على أنه وبعد انهيار مملكة مروى فإن عاصمتها ظلت مأهولة ولم يتم الرحيل عنها. وفي بداية عام 1966 انشغل فينيك، أمين متحف برلين (ألمانيا الشرقية) بدراسة أقداس المدافن في أهرام الجبانة الشمالية بالبجراوية، والتي، احتمالاً، تم ترميمها جزئياً. كشف فينيك عن نقش خاص بأحد ملوك مروى غير المعروف من قبل "شسب عنخ ن امون ستب ن رع"، والذي حكم احتمالاً في القرن الثاني ق.م. ودفن غالباً في هرم رقم 8، الذى لازال غير محدد. أثبت فينيك أيضاً أن المدفونين في هرمي البجراوية رقم 21 و25 ليسا ملكين كما ساد الاعتقاد، وإنما ملكتين. إلى جانب ذلك قام فينيك باستنساخ نقوش مروية جديدة.

 

حفريات هامة من حيث نتائجها في جزيرة مروى أجريت في 1958-1960 في ودبانقا من قبل مصلحة الآثار السودانية برئاسة فيركوتيه. هنا وجد قصر مؤلف من طابقين مربع يبلغ كل جانب منه 61 متراً. احتوى القصر على 15 صالة. خصص الطابق الأرضي للمؤن والخدمات، وعثر فيه على كميات كبيرة من نماذج الفخار، وسن الفيل، وتماثيل الأسود، ومصنوعات صغيرة أخرى. مالك القصر، بالأصح مالكته (يرى فيركوتيه، وليس بدون وجه حق، أن الملكة الأم عاشت بالقصر) التى سكنت في الطابق العلوي كما تدل على ذلك المكتشفات في الطبقة العليا. بقيت قطعة من لوحة جدارية تمثل واحدة من الكنداكات (الملكات الأم)، وفي قطعة أخرى خرطوش ملكي يحمل اسم أمانى شاخيتى، المعاصرة لأغسطس، والتي يذكرها سترابو. وكشف عن تمثال مثير يمثل شخصاً برأس فيل، مما يذكر بتماثيل الهندية مشابهة. تماثيل ولوحات أخرى تصور أسداً، وصقراً، وضفدعة وترتبط بعبادات محلية. ويدلل مصباح يحمل رسم مصارع روماني على الصلات مع روما. إلى جانب القصر تم تنظيف معبد غير كبير عثر فيه على تمثال أسد واقف ولو حتى قرابين. أيضاً تمَّ تنظيف تل ترابي غطى مبنى دائرياً بقطر 20 متر تقريباً لازالت هويته مجهولة. يدل كسر من نقش مروى على أن الإقامة وجدت منذ القرن الثالث ق.م. شيد القصر احتمالاً في القرن الأول ق.م. غالباً ما كانت ودبانقا الواقعة على ضفة النيل ميناءً للمصورات الصفراء والنقعة.

 

في عام 1957 تم العثور على بعد 10 كيلو مترات شمال شرق الخرطوم على أبى هول يحمل اسم أسبالتا. أشارت الحفريات التى أجريت في العام التالي إلى أن المبنى الضخم الذى شيد في العصر المسيحي، ولم يبق منه شيئاً الآن، كان قد أقيم على أنقاض مروية.

 

ينتظر علماء الآثار والمؤرخون الكثير من العمل في السودان لاستكمال البحث الذى بدأ فقط في العقد الأخير. لا بدَّ بالضرورة وبأسرع فرصة ممكنة من نشر تقارير الحفريات التى أجريت خلال هذه السنوات. حينها فقط يسلط الضوء على ما خفي عنا من تاريخ السودان، حينها فقط يكون ممكناً تتبع الطرق التى ربطت في القدم البحر الأبيض المتوسط بالمناطق الداخلية لأفريقيا. 

 

ملحوظة: العديد من النتائج التى يشير كاتسنلسون إلى ضرورة الإسراع بنشرها قد تم نشرها الآن انظر الببليوغرافيا الملحقة بأركامانى.

 

آدمز: علم آثار النوبة

 


مجلة الآثارمجلة الأنثروبولوجيانصوص ملوك كوشمؤتمرات علميَّة عرض الكتب والدراسات ما قبل تاريخ الصحراء الليبية

ملوك وملكات كوش الديانة الكوشية الكتاب الكلاسيكيون تقنيات البحث الآثاريالثقافات الأفريقيةالببليوغرافياالصفحة الرئيسة

 

 

 

 

وقبل أن تنكرني

أسـمع قصة الجنوب والشـمال

حكاية العداء والإخاء من قدم

العربي حامل السـوط المشـل للجمال

شـكال كل قارح

ملاعب السـيوف والحراب

حلَّ على بادية السـودان

كالخريف.. بالسـنة والكتاب

خرَّب سـوبا .. وأقام في أنقاضها " سـنار "

والأخرى سـوارها " تيراب "

يحمل في رحاله طموحه ولوحه

وتمرتين في جراب

وشـجر الأنسـاب

لاقيته في تقلي، في الترعة الخضراء

في كاكا وتيجان الأقار والعلياب

تفتحت حقيقة سـمراء

في أحشـاء كل أم ولد منهن

من بنات جدك الأكبر

مما بذرته نطف الأعراب

فكان منها الفور والفونج

وكل سـحنة فاحمة

وشـفة غليظة

وشـعر مفلفل ذر على اهاب

حقيقة كبيرة عارية كالفيل كالتمسـاح

كالمنيف فوق كسـلا، سـليطة الجواب

كذاب الذى يقول في السـودان

أنني الصريح..

أنني النقي العرق..

أنني المحض..

أجل كذاب

ملوال صوت " رابح " يقول بلسـاني

رابح زينة جانقيك

وفهد جورك الأباة .. شـبل نمنمك

" عبدالفضيل " تمسـاح جزائر النيل

وقلب وطني الجامد

يا ملوال ابن عمك

و" ثابت " الثابت ..

حينما تحسـس الردى ضلوعه

في طـرف الخـرطوم

ربما كانت له علاقة بأمك

وابن كبرياء هذا الشـعب..

عينه.. لسـانه.. ضميره ويده..

" عـلى " العظيم..

فلذة من قومك

تحطم البيان

غير أن نغمات منه لا تزال تفعم الأثير

لا تزال تفعم الأثير

أسـمعها بأذن " وولت ويتمن " تقـول :

عيشوا إخوة .. برغم كل شـئ إخوة

وعمروا بالحب هذا البيت ..

هذا الوطن الكبير

أصداؤها تضج في دمـي

يا روضة أزهارها شـتى

أشـم فيك عبق المسـتقبل الجميل

حينما الجمـيع يلتقـون

في التقاء الأبيض الحليم بأخيه الأزرق المثير

أنظـر يوم يقبلون

عرباً و بجة و نوبة

و فجلو و باريا و برتة

و بنقو و زغاوة و امبررو

و أنقسـنا و دينكا و تبوسـا

و أشـولي و نوير و مسـاليت

و أنواك و لاتوكا و غيرهم غيرهم

للبوش كل منهم يهدي

ولكن باعتزاز

شـيئه الصغير

ويوم أن يسـود في السـودان

صوت العقل .. صوت العدل

صوت العلم واحترام الآخرين

فكر معي ملوال

أي مجد سوف ننشيه معاً على ضفاف النيل

أي مجد لو صفت نياتنا الاثنين

يتيه في مروجنا الخضراء مثل " آبيـس"

الإله يملأ العين

يسـر القلب

يهمز السـماء بالقرنين

فكر معي ملوال

قبل أن تنتابنا قطيعة رعناء

باسم عزة جوفاء

أو باسـم سـداد دين

يوغرها الأعداء بالذي مرَّ به الآباء

فنقل براء .. نحن منها

ننفض اليدين

تفتحي يا أمنيات الشـعب

عن مسـتقبل نحن معانيه معاً

وعن هناء الشـمال والجنوب

عن نضارة الإخاء في هذين

يوم لا تقوم بيننا السـدود والحدود

يوم لا يعذب الجدود في قبورهم حاضرنا

لا الدين ..

لا الأصل ..

ولا سـعاية الغريب

لا جناية الغبي ..

لا وشـاية الواشـي تدب

كالصلصال في القلبين

فكر معي ملوال

شاعر السودانوية الراحل

صـلاح أحمـد إبراهـيم

 

مجلة الآثار السودانية/ العدد الأول/ أغسطس 2001

 
البحث الآثارى في النوبة  الشمالية والسودان - 3

 

البحث الآثارى إلى الجنوب من الجندل الثالث

في الأعوام 1911-1914 أجرت البعثة الممولة من قبل السير ولكام حفرياتها في الجزء الجنوبي من الجزيرة، في جبل مويَّة (بين النيلين الأزرق والأبيض على بعد ثلاثين كيلومتر إلى الغرب من سنار القديمة). كما أشرنا مراراً فإن الجنوب الكوشي، بما في ذلك "جزيرة مروى" يكاد يكون غير مدروس من الناحية الآثارية، وأجريت الدراسات المنتظمة فقط في بعض الأماكن المتفرقة، من بينها العاصمة. من هنا أهمية الأعمال التى أجريت في جبل مويَّة، وهو الأبعد من بين المواقع فيما يبدو إلى الجنوب. إلا أن ما تم إخضاعه للحفر لا يتعدى 20 % من مساحة الموقع. الإقامة هنا تم تأسيسها في حوالي القرن العاشر ق.م. وامتدت إلى ستمائة عام تقريباً. يرجع تاريخ ازدهاره إلى القرن السابع ق.م.، وبداية انهياره إلى منتصف القرن السادس ق.م.

 

في الاستعراض القصير، الذى احتوى على عرض للمراحل الأساسية لتاريخ كوش، يعترض أديسون على نظرية ريزنر عن الأصل الليبي للأسرة النبتية، ويشير بصفة خاصة إلى أن ما تم الكشف عنه في مدافن الكرو مما سُمىَّ برؤوس الأسهم " الليبية " هي أكثر شبهاً بما تم الكشف عنه في جبل مويَّة (حيث لم يكن هناك وجود لأي ليبيين بالطبع)، منها برؤوس الأسهم الليبية الحقيقية. إن تلك الحقيقة ذات أهمية حيوية بالنسبة لجذور المملكة النبتية، التى ارتبطت بعلاقات تجارية مباشرة مع جبل مويَّة وهو ما تشير إليه المكتشفات في الطبقات العليا للموقع. هكذا فإنه يتوفر لنا تصور إن لم يكن عن حدود نبته السياسية فعلى الأقل عن مدى امتداد علاقاتها الاقتصادية وتأثيراتها الثقافية. للأسف لم يتم تحديد الأسباب التى أدت إلى ذبول الموقع. يفترض أديسون أن ذلك قد يعود، احتمالاً، إلى شح الأرض مع التزايد السكاني أو إلى هجرات قبلية دورية وهو ما يشير إليه الفخار. لكنه يترك هذه الإشكالية مفتوحة رهناً بنتائج الدراسات الآثارية للعصر الحجري الحديث في شمال أفريقيا.

 

وبنهاية عمل هذه البعثة جرت دراسة موقع إقامة آخر في أبى قيلي والجبانة التابعة له والذي يرجع تاريخه للعصر المروى المتأخر. ويقع الموقع في الضفة الشرقية للنيل على مبعدة 4-3 كيلومتر إلى الجنوب من سنار (حوالي 275 إلى الجنوب من الخرطوم). يقوم الموقع في رابية وكان مأهولاً من القرن الثاني- الأول ق.م. حتى القرن الثالث- منتصف الرابع الميلادي. الهام هو أن بعض المكتشفات- رؤوس أسهم حديدية ، وفخار- شديدة الشبه بما تم الكشف عنه في مقابر كارانوج التى يرجع تاريخها للفترة نفسها. من ثمَّ يمكن الحديث عن وجود درجة من الوحدة الثقافية ميزت مجمل المساحة الواسعة للمملكة المروية.

 

عند بدء أعمال التشييد مجدداً في خزان سنار في عام 1921 التى كانت قد انقطعت نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى، تم الكشف في الضفة الشرقية للنيل الأزرق عن جبانة من العصر المروى. للأسف فإن مصلحة الآثار السودانية لم تعلم بذلك إلا بعد انقضاء عامين أو ثلاثة, عندما بدأت بعض المواد من المقابر المنبوشة في الظهور في متحف الخرطوم. بعض المكتشفات تفرقت في الأيدي، وبعضها فقد في سفينة غارقة في الطريق إلى انجلترا. وكان أديسون قد نشر في حينها تقارير عن تلك المكتشفات Addison,1950.

 

يقع الموقع على مبعدة من قرية الني. عندما زاره أديسون كانت أغلبية المقابر قد نبشت، ولم يتم النجاح لا في تحديد مركب المقابر ولا الأحجام الفعلية لحفرة الدفن والتي غالباً ما كانت بيضاوية واستخدمت لدفن أكثر من جثمان. من بين المواد التى وصلت إلى متحف الخرطوم كانت هناك أواني من البرنز تظهر مؤثرات إغريقية، وفخار ومصنوعات من المرمر وأدوات للزينة. الكثير منها يظهر تماثلاً مع مواد تمَّ العثور عليها في النوبة الشمالية. من هنا يمكن الاستنتاج بأنه إما أن تكون التجارة قد ربطت بين طرفي مملكة مروى أو أن تكون هناك تحركات للقبائل من الجنوب إلى الشمال. العديد من الأواني تتماثل مع أواني ترجع إلى جبل مويَّة.

يشير الثراء الذى ميز المقابر، احتمالاً، إلى نشوء إقامة بحجم كبير ومزدهرة في جنوب البلاد لا تقل عن مواقع الإقامة في فرس وكارانوج في الشمال، وقد يكون هناك مركز إداري كما هو الحال في الموقعين الشماليين. بالتالي من المحتمل أن تكون حدود كوش امتدت أبعد إلى الجنوب ذلك أنه يصعب تصور نشوء موقع بهذا الحجم في أقصى نقطة في الحدود. للأسف، إذا استثنينا تقارير أديسون التى ذكرناها والعرض المختصر للغاية الذى كتبه قبل فترة قصيرة د. ديكسون Dixon,1964 فإن هذه المكتشفات المثيرة لا تزال غير منشورة.

 

التنقيب في كرمة

في بداية عام 1913 بدأت العمل في السودان بعثة العلماء الأمريكيين بقيادة ريزنر، واستمر نشاطها على ما يربو على العشرة أعوام لتجسد عصرا للبحث الآثارى في السودان. لقد قدم ريزنر ورفاقه لعملية إعادة تركيب تاريخ نبتة ومروى أكثر من أية بعثة أخرى. وتميزت أعمالهم بأنهم كانوا حريصين على اقتسام نجاحاتهم، ولو أن ذلك كان في البداية من خلال تقارير متقطعة، لكنهم نجحوا بسرعة في نشر التقارير الكاملة.

 

كان ريزنر محقاً، عندما كتب في مقدمة التقرير الكامل عن نتائج الحفريات في كرمة Reisner,1923 أن النوبة الشمالية تمثل من الناحية الآثارية "كتاباً مغلقاً"، وأن كل ما فعله كل من ماكيفر ووولى وجارستانج رغم أهميته، ما كان كافياً للتوصل إلى استنتاجات معممة مقنعة. كل المعلومات عن الماضي الغابر لهذه المنطقة محدودة فقط في المعطيات المستقاة من النصوص المصرية، بخاصة أخبار الإداريين المصريين عن رحلاتهم إلى الجنوب وكذلك المعلومات الواردة في الحوليات الملكية بدءاً من حجر باليرمو.

 

استمرت الحفريات في كرمة على مدى ثلاثة أعوام (بدءاً من1913  حتى بداية 1916)، ورغم أن الاستنتاجات التى توصل إليها ريزنر على أساس المادة التى اكتشفها كانت خاطئة،  فإن الآثار التى كشف عنها القناع كانت عالية الأهمية بحيث سمحت فيما بعد بتغطية فصل كامل من فصول تاريخ كوش. الآن وفي الوقت الذى تتعرض فيه استنتاجات ريزنر لإعادة تقييم نقدي فإننا نعرف أنه اكتشف لا مستعمرة تجارية مصرية ولا مدافن نبلاء مصريين تزعموا هذه المستعمرة الواقعة في الطرق التجارية الجنوبية حامية لها، وإنما جبانة لزعماء محليين هم الأسلاف المبكرين للأسرة الكوشية الذين حكموا قبائل محلية أصيلة امتلكت ثقافتها المحلية الخاصة التى كانت على درجة عالية من التطور. صحيح أن ريزنر حدد بوضوح المدافن المسماة مدافن- شاتى (أي التى يرافق فيها الرقيق أسيادهم إلى عالمهم الآخر قسراً- أركامانى)، وطريقة وضع الجثمان غير المصرية، والطقوس الجنائزية، لكنه مع كل ذلك ظل ريزنر أسيراً لنظريته الخاطئة، وتوصل إلى استنتاجات غير صحيحة، محاولاً لوى عنق الوقائع وتطويعها لتلائم فرضياته. هكذا فإن هذه المدافن بالقرابين البشرية المحتواة فيها، وبانعدام التوابيت فيها، وبوضع الجثمان بدلاً على عنقريب وما إلى ذلك فسرها ريزنر كبقايا من عصر أقدم وكتأثير للعادات الأفريقية على المستعمرين المصريين.

 

حالياً فإن كل المواد الهائلة التى جمعها ريزنر، والتي وصفها بدقة ونشرها تحتاج إلى إعادة نظر. تساعد تلك المواد كما سنوضح لاحقاً في الكشف عن الجذور المحلية لثقافة نبتة ومروى.

 

أعطت الجبانة المروية غير الكبيرة الموجودة في كرمة آثاراً محدودة للغاية. المثير في تلك المكتشفات أنها مطابقة تماماً لما تم الكشف عنه في كارانوج: نفس أسلوب المصنوعات من الزجاج وتقنيتها، ونفس رؤوس الأسهم الحديدية. بعض المفارقات الطفيفة يمكن تفسيرها بالظروف المحلية: فكرمة تقع على بعد ما يزيد عن 350 كيلومتر إلى الجنوب من كارانوج. بالتالي يجوز الحديث عن وحدة الثقافة في القرنين الميلاديين الثالث والرابع وفقاً لتقدير ريزنر.

 

التنقيب في البركل والكرو ونورى

في شتاء 15/1916 قام ريزنر بنفسه، بعد الدراسات الأولية في 12/1913، بالدراسة الشاملة لمعابد جبل البركل. نُشر التقرير عن النتائج التى تمَّ التوصل إليها خلال أعوام  قبل تنظيف المعابد قام ريزنر بدراسة  25من الغرف الجنائزية في الأهرام الملكية الواقعة عند "الجبل النظيف". اتضح أنها جميعها كانت قد تعرضت للنهب في القدم، باستثناء واحدة ترك فيها اللصوص، نتيجة التعجل أو لسبب آخر، بعض المجوهرات ومنتجات فنية يرجع تاريخها للقرن الأول ق.م. من ثمَّ اهتم الآثاريون بتنظيف معبد آمون الكبير الواقع فيما بين النهر وجبل البركل. أحاطت بالمعبد من جهة الجبل مبان أخرى. إلى الجنوب وجدت بعض المعابد الأخرى بما فيها المعبد الذى شيده أسبالتا ورممه سنكامانسكن. المعبد الأقدم من بينها يعود تاريخه إلى القرن الخامس عشر ق.م. في حين شيد الأخير من بينها في العصر المروى. فيما يتعلق بمعبد آمون الهائل والذي بدء في تشييده منذ الأسرة الثامنة عشرة فإنه تعرض لإعادة البناء أكثر من خمس مرات ليتخذ في نهاية المطاف أسلوباً وتخطيطاً مروياً كلياً.

 

عثر في المعابد وبالقرب منها على العديد من التماثيل للملوك الكوشيين- بيَّا، وتهارقا، وتانوت آمون (تالتاماني)، وأسبالتا، ونتاكامانى وغيرهم، وأيضاً، وهو الأهم، نقوش يرجع تاريخ أقدمها إلى عصر حكم الأسرة الثامنة عشرة. من بين تلك النقوش، على سبيل المثال مسلة تحتمس الثالث، التى تكمل حولياته، ومسلة الأمير خاليوت، ما يمكن عده من بين أهم المصادر التاريخية.

 

تعطى أعمال إعادة البناء والتعديلات اللاحقة في المعابد، وكذلك الأشياء الصغيرة التى وجدت بداخلها وبالقرب منها، مادة للحكم على التحولات والتقلبات السياسية الجارية في كوش على مدى ألفي سنة تقريباً. ورجع ريزنر مجدداً بعد فترة قصيرة 18/1919 إلى معابد جبل البركل حيث بدأ في التنقيب في جبانات كوش الملكية الواقعة بالقرب من نبتة: نورى و الكرو. أثبتت المواد إلى كشف عنها عالم الآثار الأمريكي أهميتها البالغة. فقد مكنته تلك المواد من القيام، للمرة الأولى، بوضع جدول كرونولوجي مطلق لتاريخ كوش في عصر مملكة نبتة. في المقام الأول وبمساعدة المواد المكتشفة التى تحمل أسماء الملوك، تمَّ التعرف على أهرام الجبانتين. بالطبع لم يتعرف ريزنر على أسماء المدفونين في كل الاثنين وخمسين أهراما التى نقب فيها، لكن التى بقيت بدون أسماء هي الأقلية.

 

لتأريخ المقابر استخدم ريزنر معطيات نقوش جبل البركل إلى جانب نصوص أخرى تم اكتشافها في مصر ولجأ إلى الأساليب الآتية:

- قارن أشكال الأهرام وأساليب تشييدها.

- أخضع التماثيل الجنائزية (الشوابتى)، والأواني من المرمر، والمسلات، وغيرها من التى وجدت في الأهرام أو بالقرب منها إلى التحليل التيبولوجي.

- كذلك حلل تيبولوجياً موضوعات القرابين بما في ذلك الفخار وكل الألواح الممكنة سواء التى عليها نقوش أو التى بدون نقوش، والأسلحة وغيرها.

- مقارنة التموضع النسبي للأهرام.

 

في ذلك انطلق ريزنر من الافتراض بأن أفضل الحرفيين والفنانين أسهموا في بناء الأهرام وفي إعداد المصنوعات التى وجدت فيها محافظين على تقاليد الفنانين المصريين للأسرة الخامسة والعشرين. مع ذلك كانت تظهر من وقت لآخر أساليب عمل جديدة وبعض الثغرات في الشكل والأسلوب. في هرم كل ملك وجدت مصنوعات تشير إلى تداخل أجيال لتؤلف مجموعة واحدة. بهذه الطريقة وجد ريزنر نفسه مضطراً لدراسة نظام تواتر المجموعات على أساس المصنوعات المختلفة وتعاقبها، وأشكال تبدل تقنية بناء الأهرام، وكذلك مواقعها من حيث علاقات بعضها بالآخر، مع ملاحظة أن الأكثر تميزاً من حيث الموقع هي التى شيدت في وقت أسبق. ونشر ريزنر تأملاته بصورة مقتضبة في مقال بمجلة الآثار المصرية (1923) وقدم في نهايته جدولاً يوضح تواتر تعاقب فترات حكم ملوك نبتة والسنوات النسبيَّة لحكمهم. وقد استفاد تلامذته لاحقاً من منهجه وأضافوا إلى ملاحظاته واستنتاجاته ودققوها، بخاصة جدوله الكرونولوجى. وظلت الاستنتاجات الأساسية بدون تعديلات جذرية ولم تفقد صلاحيتها إلى اليوم قاعدة لتشييد كرونولوجية كوش في القرون الثامن – السادس ق.م. وللوصف الشامل لجبانات كوش الملكية.

 

تؤرخ أقدم المدافن في الكرو بمنتصف القرن التاسع ق.م. وتشبه إلى حد بعض مدافن كرمة. جثمان المتوفى يسجى على عنقريب دون أن يتعرض للتحنيط. من ثم يهال على المدفن كوم ترابي ضخم. على مدى القرنين اللاحقين تعرض شكل المقبرة إلى تغيرات جذرية، فتحولت بداية إلى مسطبة ومن ثمَّ إلى هرم. في أقدم مدافن هذه الجبانة تم دفن ستة أجيال هم أسلاف مؤسس الأسرة الخامسة والعشرين بيَّا، وكذلك والده كاشتا. للأسف فإن كل المقابر كانت قد تعرضت لنهب شامل في القدم بحيث أصبح مستحيلاً تحديد أسماء المدفونين فيها. من بين الأشياء التى بقيت كان هنالك العديد من القطع الذهبية.

 

مع ظهور الأهرام تبدأ في السيادة طقوس الدفن المصرية، بما في ذلك التحنيط، رغم أن الجثمان ظل يسجى على عنقريب. النقوش على التماثيل الجنائزية ساعدت في التعرف على أسماء أولئك المدفونين في تلك الأهرام- ملوك وملكات الأسرة الخامسة والعشرين، بدءاً من بيَّا وزوجاته. تمَّ العثور على كميات كبيرة من المصنوعات الفنية بما في ذلك حلى ذهبية.

 

فاقت أهرام في نورى نظائرها في الكرو حجماً. كان تهارقا هو أول من شيد هرماً لنفسه في نورى وسبب ذلك في الغالب عدم توفر موقع ملائم في جبانة أسلافه. استخدمت جبانة نورى على مدى ثلاثة قرون ونصف- من 690 حتى 337 ق.م.، أي حتى بعد أن نقلت العاصمة إلى مروى. إجمالاً تم تنظيف 18 مقبرة لملوك و 54  مقبرة خاصة بملكات. خلال ذلك تم تحديد العديد من الأسماء غير المعروفة سابقاً، وكذلك تتابع حكم العديد من الملوك. وأعطت هذه الجبانة الكثير من الآثار التى تسمح بالحكم على العلاقات التجارية والصلات الثقافية لنبتة ومروى، وأيضاً على تطور ثقافاتهما الأصيلة. للأسف لا زالت بعض النقوش التى تم الكشف عنها تنتظر النشر.

 

في عام 1920 وبعد الانتهاء من التنقيب في معبد آمون بالبركل شرع ريزنر في دراسة الجبانات الثلاث في مروى (البجراوية) الجنوبية والشمالية والغربية، والتي عاصرت أقدمها مدافن الكرو. استخدمت الجبانة الغربية حتى العصر المروى المتأخر، ومن ثمَّ فإنها تكون قد استخدمت على مدى ألفية كاملة. خصصت هذه الجبانة لأعضاء الأسرة الملكية الأقل شأناً. في وقت متزامن مع الجبانة الغربية أنشأت الجبانة الجنوبية حيث استمر الدفن فيها حتى الربع الأخير من القرن الثالث ق.م. (آخر المقبورين فيها الملكين أركاكامانى وأمنيسلو، والملكة بارتارى). وعندما لم تتبق مواقع جيدة نشأت إلى الشمال منها الجبانة الجديدة الشمالية التى استخدمت حتى نهاية مملكة مروى. هنا يمكن تتبع، مع مرور الوقت وضعف الصلات بمصر، العودة المجددة إلى عادات الدفن القديمة بما في ذلك دفن العبيد الذين كان عليهم مرافقة سيدهم للوقوف على خدمته في العالم الآخر. وتسمح الكميات الهائلة من منتجات الفن المنظور بدراسة تطور الثقافة المحلية على مدى قرون كثيرة. منتجات الحرفيين ليست هامة فحسب لتحديد التواريخ وإنما تعطى إمكانية تحديد طبيعة الصلات بعالم البحر الأبيض المتوسط وكذلك مستوى تأثير الأخير على أداء فناني مروى الذين حققوا قدراً عالياً من المهارة، بخاصة في تجهيز مختلف أنواع الحلي.

 

 

البحث الآثارى في سمنة وأورونارتى

في24/1923 و 1929-1927 عملت البعثة المشتركة لجامعة هارفارد ومتحف بوسطن للفنون الجميلة بقيادة ريزنر عند الجندل الثاني في سمنة على ضفتي نهر النيل وأيضاً في جزيرة أورونارتى. كان لبداية العمل في دراسة التحصينات والقلاع المصرية في النوبة الشمالية التى شرعت هذه البعثة في إنجازها، أهمية كبيرة لإعادة تركيب تاريخ العلاقات بين مصر وكوش في العصر السابق لنشوء مملكة نبتة. بالنسبة لتاريخ كوش في الثلاثمائة وخمسين سنة اللاحقة لم تعط تلك الأعمال مادة تذكر خلافاً للأعمال في قلاع أخرى، على سبيل المثال في بوهين حيث تمَّ الكشف، كما في سمنة وكمة، عن آثار مثيرة للملكتين القديمة والوسطى. يشير معبد سمنة الذى شيده تهارقا من الطوب غير المحروق أمام المعبد القديم لتحتمس الثالث، إلى أن حكام نبتة التفتوا إلى أهمية تلك التحصينات الواقعة في الطريق الرئيس الذى يربط كوش بمصر.

 

إذا استثنينا أعمال ريزنر بعد الحرب العالمية الأولى، فإن البحث الآثارى في النوبة الشمالية وبخاصة في السودان كان محدوداً للغاية حتى نهاية العشرينات. في عام 1929 ارتباطاً بقرار رفع مستوى خزان أسوان إلى 122 متر مما ينتج عنه رفع منسوب المياه في البحيرة بين أسوان ووادي حلفا، بدأت مرحلة استكشافية جديدة استمرت حتى عام 1934. تم نشر نتائج تلك الأعمال في سلسلة تقارير شملت تحت عنوان "البعثة الآثارية للنوبة 1929-1934".

 

لم تجر في السودان في تلك الفترة ولا في السنوات التى تلت أية أعمال، ولذلك فإن المواد المكتشفة أضاءت فقط تاريخ الأطراف الشمالية لكوش. اشترك في الحفريات وفي وصف الآثار أبرز علماء الآثار والدراسات المصرية: بطراوى، وغوتيه، وجريفيث، وكيروان، ومونير دى فيلارد، وريدر، وشتيندورف، وايمرى، ويونكر.  وقد تمَّ إصدار تسع عشرة مجلداً من هذه السلسلة في الفترة من 1929 حتى 1938. للأسف فإن العديد لازال غير منشور أو أنه وصف بصورة غير مكتملة في تقارير مبدئية.

 

بالطبع فإن تلك الأبحاث التى أجريت في جبهة واسعة، رغم أنها انحصرت في منطقة محدودة، سلطت الضوء على كل مراحل تاريخ البلاد بدءاً من العصر الحجري القديم، وكللت بالنجاح في الكشف عن آثار هامة: هكذا تمَّ على سبيل المثال في عامي 1931- 1932 الكشف عن مدافن الزعماء أو الملوك النوباديين في بلانا وقسطل، والتى ينتمى لما يسمى بالمجموعة المجهولة والتي اؤرخت بالعصر البيزنطي.

 

أماطت الحفريات التى أجراها ايمرى وكيروان بين وادى السبوع وأديندان عن عدد من الجبانات المروية، التى كانت كبيرة إلى حد ما في بعض الحالات، والتي أعطت مواد تسمح بالحكم على حجم التجمعات السكانية في المنطقة المعنية في عصر نبتة- مروى ومدى انتشار التأثير السياسي للملوك الكوشيين. للأسف فإن غالبية المدافن كانت قد تعرضت للنهب في القدم، وانحصرت المكتشفات فقط في الفخار، والحلي الصغيرة، وبعض اللوحات الجنائزية المتفرقة. وبعد أن قدم ايمرى نتائج تلك الأعمال في تقارير مبدئية موجزة، قام بالاشتراك مع كيروان بنشر تقرير أكثر شمولية قدما فيه وصفاً لمقابر الجبانة المروية في وادى السبوع ، وكورسكو، وأمادا، والديوان، وتوماس، وأبى سمبل وغيرها. ومع ثراء ما تم جمعه من مواد فإن ذلك ما كان كافياً للحكم على مستوى التفاوت الاجتماعي وسط السكان المحليين في عصر نبتة- مروى. شمل التقرير نبذة تاريخية قصيرة عن تاريخ النوبة الشمالية منذ العصر الأسرى المبكر حتى انهيار مملكة مروى. والحق وصف الموضوعات الأثرية بالخصائص التيبولوجية للمواد المختلفة (الفخار، والجعارين، والأختام، والتمائم وغيرها)، وأيضاً المقابر. أفرد فصل خاص لوصف قلعة كوبان والإقامة الملحقة بها. وبما أن القلعة قد هجرت بنهاية الأسرة العشرين فإنه لم يتم الكشف آثار للعصر اللاحق تقريباً حتى بداية العصر المسيحي، عندما استغلت القلعة مجدداً وأزيلت عنها الرمال جزئياً.

 

الحفريات في كوة والأطراف الشمالية لكوش

انحصرت أعمال التنقيب في السودان في تلك الفترة في منطقة الجندل الثاني- الرابع. ففي 31/1930 عملت بعثة جامعة أكسفورد بقيادة جريفيث، وبعد وفاته بقيادة كيروان في الأعوام 34/35/1936، في موقع كوة، جم أتون القديمة. هنا فيما وراء الجندل الثالث نشأ موقع للإقامة، واحتمالاً مدينة كانت في الغالب مركزاً إدارياً للمنطقة، إذا ما أخذنا بالحسبان الأهمية التى أولاها الفراعنة المصريين والملوك الكوشيين لها. تمَّ تأسيس الموقع من قبل أمنحتب الثالث أو إخناتون على الضفة اليمنى للنيل بمواجهة دنقلا الحالية بحوالي 10-12 كيلو متر إلى الجنوب منها. أقدم المعابد في كوة شيده توت- عنخ- آمون. فيما بعد نقش كل من رمسيس الثاني والثالث والرابع أسماءهم. المعبد الثاني في كوة شيده شاباكا وكرسه لإلهة مياه النيل أنوكيس. إلا أن الازدهار الفعلي لكوة يبدأ مع اعتلاء تهارقا إلى العرش والذي، وفق ما تشير اليه نقوشه والآثار المعمارية المكتشفة، قام هنا بنشاطات هائلة. شيد تهارقا معبد آمون الضخم الذى تشبه خريطته معبد صنم. كما أن تهارقا رمم المعبد الذى شيده توت- عنخ- آمون، وقام بزراعة البساتين في الموقع. وفيما بعد ترك العديد من ملوك نبتة ومروى بصماتهم في كوة (أمان-نيتى-ايركى، وأسبالتا، وماليناكن وآخرون). المبنى الضخم، المسمى حرفياً "القصر الشرقي" يعود تاريخه إلى العصر المروى، في الغالب القرنين الثاني- الأول ق.م. كما تم العثور في كوة على آثار تعود لعصر أغسطس. في الموسم الثاني للحفريات تم تنظيف عدد من المنازل أشارت إلى مراحل متعاقبة للإقامة. كل هذه الآثار المعمارية مع ما وجد فيها من موضوعات (في عدادها شقوف فخارية بخاصة اليونانية والرومانية) تمثل مركباً للمصادر هاماً، والذي يسمح بإعادة تركيب لحظات متقطعة من تاريخ نبتة ومروى، على سبيل المثال الأحداث التى ارتبطت بحملة بيترونى، وأيضاً تتبع العلاقات التجارية والثقافية لكوش في الألفية الأولى السابقة للميلاد.

 

إلا أن أكبر اكتشاف في كوة أنجزه علماء الآثار، حوليات تهارقا وأمان-نيتى-ايريكى، لا تقل مستوى عن النقوش التى تمَّ الكشف عنها في حينه بجبل البركل. أهمية الحفريات التى أجريت هنا كبيرة بخاصة لأن وصفها نشر بصورة رائعة من جانب ليمنج ماكادام بمشاركة كيروان وباستخدام المواد التى عثر عليها جريفيث. إلا أن البحث في كوة بعيداً عن أن يكون قد اكتمل.

 

في موسم 34/1935 أجرى كيروان حفريات في فركة – على بعد حوالي 150 كيلومتر إلى الجنوب من وادي حلفا. أعطت الجبانات التى نقب فيها والتي تنتمي للمجموعة المجهولة، أي النوباديين، كما في بلانا وقسطل، مادة أماطت اللثام عن أهمية التراث الثقافي لنبتة وبخاصة مروى.

 

لم تعط الحفريات التى أجريت في 1936-1938 في سيسبى (التى تقع على بعد حوالي 270 كيلومتر إلى الجنوب من وادي حلفا) حيث وجدت قلعة وموقع تابع لها من عصر المملكة المصرية الحديثة، أية آثار لعصر نبتة- مروى.

 

وفي عمارة (الواقعة حوالي 100 كيلومتر إلى الشمال) عمل في الأعوام 1937-1939 و 1947-1948 علماء الآثار الإنجليز. تمَّ الكشف هنا أيضاً عن مدينة وجبانة من عصر المملكة المصرية الحديثة. فقط في الضفة الشرقية للنيل تمَّ العثور على بقايا معبد مروى. وتمَّ الكشف عن مدافن متفرقة للمجموعة المجهولة. من هنا انطلقت الطريق إلى واحة سليمة. هكذا يبدو أن عمارة مثلت البوابة إلى وادي النيل بالنسبة للقوافل القادمة من الغرب. وبما أن العمل الذى أجرى هنا كان مجرد استكشاف أكثر منه حفريات فإن نتائج العمل، كما هو بالنسبة لسيسبى، لم تنشر كاملة.

 

البحث الآثارى في وسط السودان

بالطبع فإن الحرب العالمية الثانية التى اندلعت أدت إلى توقف البحث الآثارى لسنوات في وادي النيل. فقط في الخرطوم تمَّ الكشف أثناء أعمال بناء جارية عن مدافن مروية و، احتمالاً، من عصر نبتة، والتي درسها آركل ووصفها. وكانت بقايا المتاع الجنائزي- فخار، ورؤوس أسهم من الحديد، وتمائم وغيرها- مشابهة لنظائرها التى سبق الكشف عنها في فرس وكارانوج، و احتمالاً، في مروى وجبل مويَّة. وكانت بعض الأواني المتفرقة مماثلة لتلك التى تمَّ الكشف عنها في نورى. من ثمّ فإنه هنا على ملتقى النيلين الأبيض والأزرق نشأ موقع للإقامة في عصر ازدهار نبتة، وهو موقع قد يرجع تاريخ تأسيسه إلى قرون سابقة.

 

وفي أحد مواقع الإقامة بالشهيناب (بين جبل أولياء والجندل السادس إلى الشمال من الخرطوم) والذي يرجع تاريخ نشوئه، انطلاقا من المكتشفات الهائلة، إلى العصر الحجري الحديث، كشف آركل في 49/1950 عن مدافن مروية: خمسة منها لأطفال وستة لراشدين. يؤرخ الموقع بحوالي سنة 100 – 150 ق.م. المتاع الجنائزي بها كان عادياً: فخار، وتمائم، ورؤوس أسهم، وقطع من الكتان. أهمية هذا الكشف في أنه سلط الضوء على حجم السكان في ذلك العصر.

 

في شتاء 51/1952 أكد كراوفورد، نتيجة رحلة أنفذها للمنطقة بين الجندلين الرابع والخامس بغرض رسم خرائط للتحصينات المسيحية القروسطية والكنائس الموجودة بها، أنه وفي التقاوى وجد موقع إقامة يرجع تاريخه للعصر المروى، وأنه وجدت في الجريف مدافن يعود تاريخها للفترة نفسها. بالإضافة فإنه حدد موقع إقامة بالقرب من الفكى محمود وفي القطينة على النيل الأبيض، إلى الجنوب من الخرطوم. يفترض كراوفورد أن الفخار المروى يمكن تقسيمه إلى شمالي وجنوبي. تنتمي إلى الشمالي  الأواني الفخارية المصنوعة من الصلصال الأحمر، وكذلك الأواني ذات الزخرف المرسوم. الأواني المصقولة ذات الزخرف المحفور تم إنتاجها في الجنوب.

 

إلى أواخر العصر المروى (270- 350 م) يرجع المدفن التلي في العشرة (وهى قرية تبعد 5 كيلو متر إلى الجنوب من أمدرمان) والذي عاصر المدافن المروية المتأخرة، والتي ارتبطت بتحركات النوباديين، ومن ثمَّ بانتشار ثقافة المجموعة المجهولة كما تتشابه مع المدافن التلية في تنقاسى، الواقعة على بعد 10 كيلومترات إلى الجنوب من مروى الحالية على ذات الضفة من النيل، مع بعض الاختلاف في التفاصيل الدقيقة. ويلاحظ أن المتاع الجنائزي في مدافن تنقاسى كانت أكثر فقراً مقارنة بمدفن العشرة.

 

في ربيع 1954 قام شيتيك بدراسة طريق القوافل من نبتة إلى مروى (كبوشية) والذي يسير مخترقاً صحراء البيوضة. أظهرت هذه الدراسة آثار ترجع في الأساس للعصر المسيحي.

 

حملة إنقاذ آثار النوبة الشمالية

في عام 1955 بدأت مرحلة جديدة  للبحث الآثارى في النوبة الشمالية والسودان عندما بدأت مصر، بعد تحريرها من الاحتلال الاستعماري طويل المدى، في وضع مشروع خزان أسوان (السد العالي) والذي سيؤدى إلى إغراق منطقة تمتد إلى 500 كيلو متر من الجندل الأول حتى كوشه في الجنوب. تطلب ذلك تنفيذ أعمال إنقاذ هائلة للآثار ودراستها. هكذا لأكثر من عشر سنوات تعمل العديد من البعثات من أقطار مختلفة تحت إشراف منظمة اليونسكو. بالطبع فقد انصب الاهتمام بالمنطقة المهددة بالغرق، ولذلك فإن البحث في المناطق الجنوبية كان في منطق متفرقة. نتائج الحفريات، باستثناء القليل، لا زالت تنشر في تقارير مبدئية موجزة للغاية. بالتالي فان البينات المتحصل عليها والمواد غير متوفرة فعلياً للاستخدام العلمي، وتلمح التجربة إلى أنه يستبعد أن يتم نشرها كاملة في وقت قريب. الحقيقة أن آثار عصر نبتة- مروى قليلة عموماً نوعاًً وكماًً. إن ذلك مفهوم حيث أن البحث يجرى في الأطراف الشمالية لكوش بعيداً عن مراكزها السياسية والإدارية.

 

بدءاً من عام 1951، بداية بصورة متقطعة، ومنذ 1961 بصورة منتظمة سنوياً قدم ليكلان في دورية Orientalia ملخصاً لاكتشافات البعثات الآثارية العاملة في السودان ومصر، مع ببليوجرافيا مفصلة، مغطياً كل ما تمَّ التوصل إليه خلال موسم الحفريات الجاري. ويجدر ذكر أن آدمز قدم بإيجاز النتائج التى تم الحصول عليها في السنوات الأخيرة في النوبة الشمالية والسودان. وقد حظيت الفترة من نهاية السيادة المصرية في كوش حتى قيام الحضارة المجهولة بخمس صفحات ونصف الصفحة في هذا الموجز. هذا إلى جانب التقارير التى سجلها رؤساء البعثات ، والتي نشرت عادة في مجلة "كوش". نحاول أن نجمل ما تم إنجازه في كل المواقع التى يرجع تاريخها إلى عصر نبتة- مروى خلال الاثني عشرة سنة الأخيرة، من عام 1955, وسنقوم بعرض المادة باتجاه النيل الأعلى (أي من الشمال إلى الجنوب).

 

هناك على حدود الدوديكاسخيونس حيث قامت الحدود عادة، التى تفصل ممتلكات البطالسة، ولاحقاً الرومان، عن الخاضعة لسيطرة ملوك كوش عثرت البعثة الإيطالية المتحدة برئاسة دونادوني في المحرقة بالقرب من المعبد الروماني على ست مدافن مروية تغطيها بنية فوقية أقرب إلى هيئة مساطب. وعثر فيها على نماذج من المصنوعات الفخارية المميزة للعصر الروماني، وأيضاً كأس من البرونز مزخرفة مشابهة للكؤوس التى سبق العثور عليها في كارانوج. يبدو أن الكوشيين عاشوا دوماً في هذه المنطقة الحدودية، ويحتمل داخل الممتلكات الرومانية.

 

بالقرب من توماس (كارانوج)، حيث نشأ مركز إداري في العصر الإغريقي- الروماني على حدود مملكة مروى، عثرت بعثة معهد الدراسات المصرية لجامعة ستراسبورغ على مسلة ولوحة قرابين تحملان اسم أبراتوى- حاكم (بشتى) هذه المنطقة. إن أبراتوى معروف من نقوش أخرى ومن الخربشات الإغريقية والديموطيقية في معبد فيلة، والتى يمكن بفضلها تحديد تاريخه بـ 253 و 260 م. بمعنى ثانٍ فإن أبراتوى كان معاصراً للملك المروى تيكريدأمانى (246- 266 م.) وفقاً للإفادة المقتضبة التى قدمها ايمرى فإنه تم العثور في إبريم (بريميس) في عام 1961 مدافن يرجع تاريخها للعصر المروى، وسبع مسلات من بينها قبطية، وكذلك العديد من الأواني البرنزية والزجاجية والفخارية. فيما بعد في 63/1964 اكتشف بلملى هنا نصوص مروية، وفي 1966 برديات جزئية عليها كتابة كورسيفية مروية، وهى المرة الأولى التى يتم فيها الكشف عن مثل هذه المادة. بالإضافة تم الكشف عن فخار مروى مزخرف. فيما يتعلق ببوابات القلعة التى نظفها بلملى فإنها شأنها شأن التحصينات  كان قد شيدها الرومان بعد حملة بتروني (23 ق.م.).

 

نقبت البعثة الأسبانية في مسماس جبانة مروية حيث وجدت نماذج رائعة من الفخار المروى المغطى برسوم ملونة. جبانة أخرى أجرى التنقيب فيها في توشكي في 1960/ 1961 من جانب البعثة المشتركة لجامعتي إيل وبنسلفانيا. ساعدت المصنوعات الرومانية المستوردة في تحديد تاريخ نشوء الجبانة. في واحدة من المقابر وجد ختم من البرنز نقش عليه شكل بأربعة أجنحة وأربعة أرجل شديد الشبه بالمردة المجنحين البابليين. ومن المكان نفسه جاءت النصوص المروية على البرديات الجزئية. فيما بعد تم العثور على مسلة مروية تحوى 13 سطراً في البنية الفوقية لمقبرة يرجع تاريخها للعصر القبطي، وتنتمي المسلة لشخص باسم ملى- وش. في أرمينى بالجوار على الضفة الشرقية نسخت مخربشات مروية. بعد انتشار المسيحية استمرت الإقامة التى تأسست في العصر المروى وهو ما يؤكد عليه العثور هنا على مسلات مروية جزئية وتماثيل "با" وبقايا بنيات فوقية للمدافن استخدمت في تشييد الكنيسة.

 

تقريباً على بعد كيلومترين ونصف الكيلو إلى الشمال من المعبد الكهف في أبى سمبل، في الصحراء ، قامت بعثة متحف ليدن بتنظيف مدينة كانت موجودة في القرون الأولى للميلاد احتلت المدينة مساحة 220x120 متر. تظهر بوضوح ثلاث مراحل للإقامة. لم يتبق من منازل الطبقة الأولى شيئاً سوى الأساسات على عمق أربعة أمتار، فوق تلك الأساسات تمَّ لاحقاً تشييد منازل الطبقة الثانية، والتي بقيت ثلاثة منها بحالة لا بأس بها. شيدت جدرانها من الطوب والسلالم وقوائم الأبواب من الحجر. عثر في الأفران على بقايا طعام – حبوب وفواكه. في القرنين الثالث والرابع، كما تشير منازل الطبقة الثالثة، أصبح الموقع فقيراً. استخدم الناس للمعاش منازل الطبقة الثانية. جمع علماء الآثار الكثير من شقوف الفخار المغطى برسوم ملونة، والمصابيح الهلنستية، والدمى، والتمائم وغيرها، وكذلك اوستركون عليها نصوص ديموطيقية ومرَّوية وخرائط المنازل. الإقامة هنا كانت زراعية وانتعش فيها الغزل مما مكن من نشوء مبادلة مع كل من الجنوب والشمال حيث تمَّ جلب الفخار ومواد الترفية (مثل المصابيح الرومانية). هذا المركب يمثل واحدا من المواقع القليلة التى أعطت تصوراً عن حياة السكان وعاداتهم في الجزء المروى من النوبة الشمالية في القرون الأولى للميلاد.

 

موقع إقامة مرَّوية آخر كبير حكماً بجبانته وجد في جبل آدا واستمر إلى ما بعد ذلك كشف علماء الآثار من مركز البحوث الأمريكي في مصر في عام 1962 بقايا أهرام شيد بعضها من الطوب غير المحروق، وكان بعضها قد شيد على أساس من الحجارة. اؤرخت الأقدم منها إلى عصر متأخر بداية القرن الميلادي الرابع. عثر هنا على كميات كبيرة من تماثيل-با وموائد قرابين. في إحداها ذكر اسم حاكم فرس، الذى دفن في هذه الجبانة، حيث قُبر أبناء النبلاء المحليين (بشتى). كما يشير احد النصوص القليلة فإن المدينة سميت قديماً "آجى". وقد حصنت المدينة باكروبول تمَّ تنظيف جدرانه الضخمة. عثر في القلعة على مخطوطات باللغة النوبية القديمة ووثائق عربية.

 

اكتشافات مثيرة ميزت البحث في بلانا وقسطل، حيث استمرت في عام 1959 الأعمال في الجبانة. هنا تمَّ الكشف عن مدافن زعماء أو حكام النوباديين وأفراد أسرهم. المدافن التلية في بلانا (عددها 26) اؤرخت بالقرون الثالث- السادس للميلاد. بعضها لم يتعرض للدمار مما سمح بإعادة تركيب صورة مكتملة عن الطقوس الجنائزية. المتاع كان غنياً ومتنوعاً. كثيرة كانت المصنوعات من المعادن: المصابيح، والأواني، والأحقاق. كان من بينها مصنوعات مستوردة. وفي قسطل تمت دراسة 43 مدفناً تلياً لحضارة المجموعة المجهولة، والتي مثلت ليس فقط نوباديين وإنما السكان المحليين ما بعد مرويين. كذلك درس عد من المدافن المروية كان معظمها قد تعرض للنهب. لكنه في بعضها بالرغم من ذلك وجدت بعض الحلي، ومواد للزينة الشخصية، والدمى، والمصنوعات الزجاجية والفخارية، وألواح القرابين منها ثلاثة تحمل نصوصاً.

 

 

بالقرب من المقابر "الملكية" التى كان قد نقب فيها سابقاً ايمرى، وجدت جبانة مروية ممتدة عثر في مدافنها على ما يزيد عن 600  قطعة مختلفة والكثير من المصنوعات الفخارية المزخرفة برسوم ملونة متنوعة: نباتات، وتماسيح، وطيور، وأسماك، وأفاعى، وكلاب،و رؤوس بشرية. المصنوعات من الزجاج وجدت مكاناً لها في تلك المجموعة. جمعت العديد من الحلي المختلفة: التمائم، والختم، والأسورة، والعقود. وجدت في بعض المقابر قطع من الكتان، وأحذية، ورؤوس أسهم وغيرها. كل ذلك عند نشره سيعطى مادة كافية وقيمة للحكم على الفن المروى والحرف، وكذلك عن مدى الصلات التجارية.

 

 

Addison 1950, 'Archaeological Discoveries on the Blue Nile', Antiquity, vol. 24, No.93.

 

M.D.Dixon 1964, 'The Origin of the Kingdom of Kush (Napata-Meroë) ', Journal of Egyptian Archaeology 50.

G.A.Reisner, The Meroitic Kingdom of Ethiopia: A Chronological Outline.- Journal of Egyptian Archaeology 9.