علم الآثار والنوبة - 3

المسألة العرقية واللغوية 

 

 

المسألة العرقية

علاوة على المادة النصية والآثارية، أسهمت بقايا الهياكل البشرية للنوبيين القدماء في الكثير من الجهود السابقة التى بذلت لإعادة تركيب التاريخ النوبي. عندما نظم المسح الآثارى الأول للنوبة، وافق السير اليوت سميث، عالم التشريح المرموق الذى كان يعيش وقتها في القاهرة، على أن يضطلع بتحليل الهياكل البشرية التى يتم الكشف عنها ووصفها. اصطحب البعثة الأولى إلى الميدان وقام بعمل قياسات وسجل ملاحظات دقيقة عن العظام في وضعها الأصلي. أما تلك التى كانت محفوظة بصورة جيدة (جماجم في الأساس) فقد نقلت من ثم وأرسلت إلى القاهرة للمزيد من الدراسة الموسعة. عدد الجماجم التى جمعت بهذه الطريقة لم برق أبداً لأكثر من 15- %20 من التى نبشت من المقابر، حيث أن أغلب جنائز النوبة السفلى كانت في حالة سيئة من الحفظ.

 

كان سميث، مثله مثل ريزنر، مضطراً لترك المسح بعد الموسم الأول، على أن مناهجه وعمله تولاها دوقلاس ديرى، مبدئياً تحت إشراف سميث، في الحملات اللاحقة. نشرت تحليلاتهما التشريحية جنباً إلى جنب مع النتائج الآثارية الخالصة في كل من النشرات الأولى للمسح الآثارى، وبشكل أكثر اكتمالاً في تقرير موسم 1907-1908. النمط الذى استنه سميث وديرى تم إتباعه في المسح الآثارى الثاني من جانب أحمد بطراوي في دراسته للبقايا التشريحية.

 

لم يواجه سميث وديرى مشقة في التعرف على وجود اختلافات عرقية ذات دلالة ومغزى بين الهياكل البشرية التى تم الكشف عنها في القبور النوبية المتنوعة. اعتقدا أن أناساً (المجموعة الأولى) يظهرون تماثلاً مع المصريين ما قبل الأسريين، في حين استبصرا في " المجموعة الثانية " تياراً زنجياً أشد قوة بكثير. هذا العنصر الزنجي اعتقدا ببقائه، ولو بصورة مخففة، في المجموعة الثالثة- وهى حالة دفعت بكل من سميث وريزنر لافتراض حدوث وصول عناصر شمالية إلى السودان في هذا الوقت. لوحظ هذا المزيج العرقي وسط السكان النوبيين اللاحقين حتى أزمان " المجموعة المجهولة "، عندما وقع مجدداً دفق زنجي كثيف. كانت هذه الاختلافات التشريحية- فيما يبدو بينة دالة على وقوع هجرات عرقية- هي التى دفعت ريزنر إلى أن يعرف أنواع المقابر النوبية بجماعات سكانية متميزة، والتي تكمن بهذه الكيفية وراء مجمل التفسير "متعدد- الأطوار" للتاريخ النوبي.

 

يمكن توجيه نقد لعمل سميث وديرى التشريحي على أساس عدد من العلل. حتى في حالة النوايا الأفضل والشروط الأحسن، كانت المناهج المتوفرة لهما في بداية القرن العشرين بدائية وذاتية إلى حد بعيد. لقد أرسيا تأكيداً ثقيلاً على عدد ضئيل من السمات المميزة، مثل الدليل الرأسي الذى كثر سوء استعماله، وكان الكثير من تلك السمات ملامح مورفولوجية لا يمكن إثباتها بالقياس. وربما أن الأشد خطورة من بدائية المنهجية هو النزعة العنصرية المتضمنة باكورة التشريح المقارن. لقد كان في جوانب علماً- زائفاً، تعمد تفريق الأشكال الحية للإنسان كأنما كانت أنواعاً جلية للحيوان أو النبات. كانت إستراتيجية هذا العلم التعرف على الفروق الثابتة بين سلالات مدركة حدسياً، متجاهلاً التماثلات- دونما اعتبار للسؤال المتعلق بما إذا كانت "السلالات" نفسها ذات صلاحية بوصفها مفاهيم للنوع. كانت تلك صرخة نائية عن الدراسة العلمية الحديثة لديناميات السكان.

 

آخذين في الحسبان المنهج والفرضيات السائدة في عام 1907، فإن أفضل علماء التشريح المقارن قد يجدون في مادتهم التأكيد على أي من النظريات التاريخية التى يرغبون في التسليم بها. حدث هذا بلا جدال بالنسبة لسميث، وديرى، وريزنر. لا بدَّ من الاعتراف بأن وجهة النظر العنصرية التى تقاسمها كل الدارسين الأوائل للتاريخ النوبي تمثل إدانة للعصر أكثر منها إدانة للرجال. ربما كان اليوت سميث المتحدث الأكثر بروزاً بينهم بتأكيده في تقاريره " أقل مزيج من الدم الزنجي يظهر نفسه فوراً في تبلد المبادرة و"إعاقة التطور اللاحق لفنون الحضارة"  بيد أن الاعتقاد نفسه قد تمَّ التعبير عنه بطريقة أو أخرى في كتابات معظم معاصريه. لم يتم الإقلاع، على كل، عن مفاهيم التفوق والتدني العرقي إلا بعد جيل لاحق أعملت الأنثروبولوجيا الفيزيقية خطوطاً قيمة وهامة في الجيل الفاصل بين المسحين الأول والثاني للنوبة. امتلك أحمد بطراوي في دراسته للهياكل البشرية من مسوح ايمرى وكيروان المزية المتمثلة في منهجية أكثر صفاءً وذهن أقل انحيازاً بكثير مما امتلكه سميث وديرى على حد سواء. أخفقت دراساته في معظم الحالات أن تبرهن على استنتاجاتهما، بصفة خاصة فيما يتعلق بالمسألة العرقية. لقد كان نفوذ اليوت سميث، رغم ذلك، من الهيمنة بحيث أن بطراوي امتنع عن تحدى نظريات سلفه التاريخية حتى عندما جادل أساسها التجريبي. نتائج بطراوي الخاصة المنشورة تصدر مقدمتها نوع من التعبير المتردد من الممالأة لنظريات سابقيه، مما يبدو متناقضاً بقدر كبير في الفقرات الأخيرة لعمله.

 

أصبح بطراوي أكثر حكمة بعد عقد لاحق، بعد أن ألقى نظرة ثانية لا على عمله الخاص بمفرده، وإنما على المسح الآثارى الأول السابق أيضاً. ففي مقالتين نشرتا بمجلة المعهد الأنثروبولوجي الأمريكي (1946) دحض في جلاء الفرضيَّة القائلة بالتعددية العرقية معترفاً بالسكان النوبيين الأصليين (أي بدون المستعمرين المصريين) غديراً وراثياً متميزاً واحداً من البداية إلى النهاية. كذلك اعترف بأن " الفشل في التفريق بصفاء ما بين إنجازات السكان وأوصافهم البيولوجية الموروثة سبب ربكة كبيرة في الكتابات الأنثروبولوجية. إن الأدب الذى يعالج التاريخ العرقي لمصر [والنوبة] يقدم مثالاً غير عادى لخطر تقدير العلاقات البيولوجية من واقع بينة ثقافية ". ضاع هذا التحذير من الوقوع في الخطأ الذى دام طويلاً، وظهر في مجلة قليلاً ما يستشيرها المؤرخون، غير مكترث به إطلاقاً. نتيجة ذلك لا تزال نظرية الأعراق المتعددة ملازمة لنا بكثرة وفيرة، مثال ذلك ما نجده في صفحات مؤلف ايمرى مصر في النوبة. مدعمة بشبكة من الخيال التاريخى الذى نسج حولها، تظل النظرية باقية بعد ردح طويل من هدم ركائزها التجريبية.

 

لقي رأى بطراوي الأخير عن التاريخ العرقي النوبي دعماً إضافياً بفضل الدراسات المقارنة للهياكل البشرية التى تمَّ الكشف عنها في جبل موية والتي اضطلع بها موخيريه، مستخدمين طقماً معقداً من المصنفات الإحصائية، إحتسبوا درجات من العلاقة بين حوالي عشرين مجموعة سكانية أفريقية، بما في ذلك زنوج " أنقياء " إضافة إلى نوبيين وإثيوبيين، ومصريين. في تركيبتهم تبرز المجموعات النوبية السبعة (أي كل أولئك الذين درسهم في الأصل سميث وديرى، ومؤخراً بطراوي) كفئة متميزة لصيقة التجانس الوراثي، مفصولة فصلاً عريضاً عن الكل عدا اثنتين من الثلاثة عشر فئة المتبقية التى أجريت المقارنة معها. مثل بطراوي خلص موخيريه ورفاقه إلى أن الجماعات النوبية تمثل غديراً منفرداً قليل الاختلاف وراثياً. في وقت أقرب فشلت دراسة لخصائص الأضراس (التى سلم بها في وقت لاحق كمؤشرات وراثية عالية الحساسية) في الكشف عن أية اختلافات هامة ذات معنى بين أهل المجموعة المجهولة والسكان المرويين والمسيحيين.

 

أكثر الأعمال المنشورة حداثة هو تحليل جماجم من فترات تاريخية مختلفة كانت قد كشفت عنها البعثة الاسكندنافية المشتركة للنوبة السودانية في الفترة 1961-1964. من تلك الدراسة توصل فاقن نيلسن إلى وجود تأكيد ضعيف للغاية للعديد من النظريات السالفة التى طرحها اليوت سميث وديرى، أي أنه يرى وجود اختلافات طفيفة لكنها متماسكة في السكان في كل مرحلة متعاقبة من التاريخ النوبي. إن تشخيصه لهذه الاختلافات بمصطلحات عرقية بعيد كل البعد عن تشخيص سميث وديرى: "فيما يختص بمسألة الأثر الزنجي في النوبة بوجه عام، يجب أن يقرر من هذه الاختبارات أن سكان المجموعة الثالثة أسفر تشخيصهم عن سمات زنجية طفيفة للغاية، أو أنها غير موجودة. كانت السلسلة الفرعونية من غير سمات زنجية. المزيج الزنجي يأخذ في الظهور مع السلسلة المرَّوية، لكنه في المجموعة المجهولة يجوز الحديث عن سمات زنجية عامة أشد تميزاً، أياً كان الأمر فإن الجماعة لا يمكن وصفها بأي حال بالزنجية".

 

واضح أن "زنجي" تمثل في ذهن فاقن نيلسن نوعاً من الشكل "النقي" وهو ما لم يوجد أبداً في النوبة في الفترة التاريخية. إن المؤلف راعى الحذر في إرجاع الاختلافات الوراثية الطفيفة إلى هجرات بالجملة أو إلى إحلالات سكانية؛ إنه يميل إلى أن يرى في تلك الاختلافات نتاج تطور ارتقائي وتشرب تدريجي بدم جديد (أحياناً من الجنوب وأحياناً أخرى من الشمال) في وسط السكان النوبيين. دراسة أخرى أجريت مؤخراً، تشير أيضاً أنه ربما كان هناك تنوع كبير وسط السكان النوبيين في فترات معينة من التاريخ كما هو بين مرحلة إلى أخرى.

 

تلك الأجيال للدراسات التشريحية وكأنها قد تركتنا حيث بدأنا: مع إدراكنا لحقيقة أن النوبة كانت تضم سكاناً أفارقة أو جزئياً أفارقة يختلفون عن سكان مصر، ومع معرفتنا أيضاً أن ذلك لا يجعلنا أكثر حكمة فيما يتعلق بالتاريخ السياسي، والاجتماعي، والثقافي للبلاد، لا يمكننا في الوقت الراهن فعل شئ أفضل من إبراز تحذير بطراوي بأن "نميز بصفاء بين منجزات السكان وسماتهم البيولوجية الموروثة". علينا أيضاً ملاحظة أن غياب البرهان التشريحي لا يستبعد مطلقاً إمكانية الهجرات في التاريخ النوبي، ولا يتضمن التجانس السلالي البادي الآن تجانساً لغوياً أو ثقافياً. إن الاستنتاج الشرعي هو أنه لكي ما نعلم شيئاً حول اللغة والمجتمع يتوجب علينا أن ننظر إلى بينة اللغة والمجتمع، لا لبينة علم الأحياء البيولوجي.

 

التاريخ اللغوي

اللغة هي المصدر الأولى للهُويَّة الذاتية لمعظم بني الإنسان. وسط الأقوام البدائية يوجد ترافق لصيق بين مجموعات اللهجات وشبكات القرابة، في مجتمعات أشد تعقيداً يتم التعرف بشكل مماثل على الدول الوطنية باللغة أحياناً كثيرة. هكذا دائماً ما تبدأ مساعينا لاكتشاف الأصول وصلات القرابة الاجتماعية للأقوام المبكرة بمحاولة الكشف عن اللغة التى كانوا يتحدثونها.

 

البينة المباشرة للغة مفقودة بالتأكيد بالنسبة لمجمل مرحلة ما قبل التاريخ. اختراع الكتابة هو ما يقدم لنا المفتاح الأول الدال على لغة الحديث. في المدنيات القديمة لم تكن العلاقة بين لغة الكتابة ولغة الحديث بالضرورة لصيقة، على مدى قرون كثيرة كانت أنظمة كتابية محدودة العدد تكفي لأعداد كبيرة من الناس. أما أولئك الذين لم يطوروا كتابة لأنفسهم فقد استعاروا لغة جيرانهم المكتوبة. هذه الظاهرة بادية بوجه الدقة في النوبة، حيث استعمل النوبيون ما لا يقل عن ست لغات مكتوبة في أزمان مختلفة من تاريخهم. من بين الخمس لغات التى يمكننا فك حروفها- هيروغليفية، وإغريقية، وقبطية، ونوبية قديمة، وعربية- تقارب واحدة فحسب لغة أصيلة متحدث بها. يعتقد أن لغة سادسة لم تفك مفرداتها بعد، هي اللغة المروية، كانت أصيلة بسبب افتقادها العلاقة مع أية لغة معروفة، لكن هذا يظل بالطبع افتراضاً.

 

لن نعلم أبداً أية لغات نطق بها النوبيون خلال الفترة القبلية السابقة للكتابة. مع هذا فإن التجانس الثقافي المميز للمجموعتين الأولى والثالثة، مصحوباً بالكثافة السكانية المتدنية، يحمل احتمالا بأن لغة واحدة كانت مستخدمة في كافة أجزاء المنطقة التى تم الكشف فيها عن تلك البقايا الثقافية. الحضارة الأسرية، على كل، مددت حدود النوبة بعيداً إلى خارجها، وبالتأكيد فإنها جلبت إلى المنطقة جماعات لغوية متنوعة. بدءاً من أزمان المملكة الحديثة وما أعقبها علينا أن نتصور على الأقل تشكيلة من اللهجات، إن لم تكن لغات مستقلة تماماً، بطول أجزاء مختلفة من النيل.

 

الموقف اللغوي في النوبة الحديثة يحتمل أن يكون مطابقاً لما كان عليه الحال في الماضي. المتحدثون باللهجات المحلية الثلاثة، بالإضافة إلى المستوطنين غير النوبيين، يستخدمون لغة مكتوبة مشتركة، أجنبية على قدم المساواة عنهم جميعهم. درسان مهمان يمكن استخلاصهما هنا. أولاً، أن استخدام لغة مكتوبة بمفردها في كل أنحاء المنطقة لا يتضمن بالضرورة لغة حديث مفردة. ثانياً، أن اللغة المكتوبة ربما لا تكون اللغة الأم لأي من الجماعات التى تستخدمها.

 

سببت علاقة النوبي الحديث باللغات المبكرة للمنطقة صعوبة دائماً. انعدام تشابه ظاهر مع اللغة المروية التى لم تفك مفرداتها، مترافقاً مع بينة الاختلاف السلالي كما استدل به اليوت سميث، أدى إلى نشوء فرضية ذائعة الانتشار بأن لغة اليوم جاءت إلى النوبة مع الغزاة الزنوج من أهل "المجموعة المجهولة" الذين حلوا محل أسلافهم المرويين أو أنهم قاموا باحتوائهم. إن القاعة التشريحية لهذه النظرية تبين زيفها، علاوة على ذلك، ليس أمامنا من طريق لمعرفة اللغة التى تحث بها المقيمون المرويون في النوبة السفلى. ربما نرجح أن اللغة المكتوبة التى تداولوها من وقت لآخر كانت لغة قبيلة حاكمة بعيداً إلى الجنوب (أي في مروى) ومختلفة للغاية عن حديثهم اليومي. إذا كانت البينة اللغوية معين على إزاحة الغطاء عن التاريخ الاجتماعي للنوبة، فإنه لزام علينا ألا نحل طلاسم اللغة المروية فحسب، لكن علينا بالإضافة الكشف عن المتحدثين بها. في الوقت الحالي فإن بينة اللغة لا تجعلنا أكثر حنكة، تاريخياً، عما تفعله البينة العرقية.

 

إشكالية التركيب

تحدث ونستون تشرشل، بتبصره المعهود، عن أن "مجراف عالم الآثار يصحح دراسة المؤرخ ويوسعها". تبدو العبارة ملائمة للنوبة حينما نقارن صورة التاريخ التى قدمها واليس بادج في عام 1907 بالتي كان باستطاعة ريزنر، معاناً بكشوفه الآثارية، أن يعرضها بالقدر نفسه بعد عامين أعقبا. إلا أن هنالك فارق ما بين " تصحيح " و "توسيع" دراسة المؤرخ، تتجسد هذه بدورها في حالة النوبة. إن مؤرخي النوبة من بادج إلى ايمرى اعتمدوا على علم الآثار في المقام الأول لتوسيع نظرتهم التاريخية لا لتصحيحها. ولأنهم كانوا قد تلقوا تدريبهم في الجزء الأعظم كعلماء لغة ومؤرخين، فقد أسندوا للبينة الآثارية دوراً ثانوياً أكثر منه دوراً تكميلياً تستحقه. وصف المجموعة الأولى والمجموعة الثالثة، والمراحل الأخرى غير المسجلة من التاريخ النوبي تستند بالضرورة على الكشوف الآثارية. في الوقت نفسه فإن الكثير من الوصف للأطوار الفرعونية، والمروية، والمسيحية قلما تعترف بوجود سجل آثارى. إنه التمنع دون الرجوع إلى علم الآثار، باستثناء حالة العجز التام للسجل النصي، الذى يجعل العديد من الدراسات في التاريخ النوبي، ذلك الذى يضفي على دراسات نوبية كثيرة ليس فحسب طابعاً سردياً للأحداث بل ومفكك الأوصال، في لحظة واحدة يبدو أننا ندرس تاريخاً سياسياً واجتماعياً، وفي اللحظة التالية ندرس تاريخاً ثقافياً، بينما نتأرجح جيئة وذهاباً ما بين السجل النصي والاصطناعي.

 

هذا الفارق متأصل إلى حد ما في البينة. إن علم الآثار والتاريخ المسجل لا يقدمان لنا آراء عن جوانب مختلفة جداً للحياة فحسب، إنما يتيحان لنا على حد سواء مقاييس مختلفة للهُويَّة والعلاقات. الآثار يمكنها فقط أن تزودنا بالمنتجات الثقافية الملموسة وغير القابلة للزوال، وما يسعنا أن نقرأه منها عن العادات والمعتقدات التى يحملها صانعوها. في نطاق هذا المدى المحدود يمكننا أن نطبق معايير للهُويَّة والقرابة هي من ابتكارنا- مؤسسة في المقام الأول على قدرتنا في التعرف على أنماط متميزة. هكذا ننسب أهمية كبيرة، كقياسات للهُويَّة، لنوعيات من الفخار، وللمارسات الجنائزية، دونما اعتبار لما إذا كانت لها أهمية مدركة بالنسبة للناس الذين أبدعوها. وبالقدر الذى يمكننا به أن نعيد تركيب التاريخ، بمقارنة بقايا فترة واحدة مع بقايا أخرى، نعيد بالطبع تركيب تطور الثقافة وحدها لا تطور الإنسان.

 

مع ظهور نصوص مكتوبة نبدأ في مشاهدة التاريخ من خلال عيون المشاركين فيه، أو على الأقل المراقبين له. إن منظور الثقافة في جوهره ربما لا يكون أكثر اتساعا من المنظور الذى يقدمه لنا علم الآثار؛ الحق دائماً أضيق. ميادين كثيرة للثقافة، وعلى وجه الدقة الميادين المادية والتقنية، بقيت غير مسجلة ولذلك "ما قبل تاريخية" زماناً طويلاً بعد اختراع الكتابة. كتاب تاريخ الأوائل ممن كانوا مهتمين بعموميات عريضة لكنهم اهتموا بأناس معينين وبأحداث بعينها. على قدم المساواة عندما تحدثوا عن "أقوام" بدلاً عن "أناس"، تحدثوا بمصطلحات اثنية لا ثقافية، المجتمعات المهمة بالنسبة لهم هي مجتمعات لغة، وقانون، وتقليد اجتماعي، لم تكن مجتمعات ثقافة مادية وتجارة مثل التى ألزمنا بمعالجتها في علم الآثار. وإلى المدى الذى تذهب فيه النصوص المدونة إلى أبعد من مجرد تسجبل الأحداث فإنها تقدم لنا تاريخاً اجتماعياً واثنياً، في حين يعطينا علم الآثار تاريخاً ثقافياً.

 

علم الآثار والتاريخ النصي يمكنهما بشكل بين ويجدر بهما أن يكملا بعضهما البعض. معاً يمكنهما أن يؤثثا صورة أكثر اكتمالاً للحياة في أي وقت من التاريخ عما باستطاعة أي مصدر منهما بمفرده. مع هذا، ليس بوسعهما أن يستخدما بالتناوب، كما كان معهوداً به في النوبة، كى يخرجا قصة متماسكة ومتواصلة لأي من التطور الاجتماعي أو الثقافي. عاجلاً أم لاحقاً على المرء أن يختار ما إذا كان سيدع السجل النصي أم السجل الآثارى يتحمل العبء الأساسي للقصة، وما إذا كان سيكتب لذلك تاريخاً اجتماعياً أم ثقافياً.

 

ما كان لوالس بادج مثل تلك الخبرة في عام 1907. مفتقداً للسجل الثقافي على نحو ما تكشف لنا من خلال علم الآثار، كان مؤلفه السودان المصري بالضرورة تاريخاً اجتماعياً وعرقياً، مع أنه واحداً غير مكتمل للغاية. برغم ذلك لم تر النور سوى مادة نصية إضافية قليلة جداً منذ زمانه، بخلاف ما يختص بشأن الفترة المسيحية، بحيث أننا لسنا أفضل إعداداً إلا بصعوبة لنكتب تاريخاً اجتماعياً اليوم. علاوة على هذا، يبدو غير محتمل أن كثيراً من الفراغات سوف تملأ أبداً. التداول المتواصل لتوصيفات ريزنر الهجائية للمجموعات الثقافية  A,B,C and X  شهادة بليغة لكوننا تفتقد المعلومات الاثنية والاجتماعية الصلبة بالنسبة لفترات كثيرة في التاريخ النوبي. نظرياته عن الانقطاع الإثنى ربما تبقى معنا كذلك لكل الوقت، علم الآثار بمفرده لن يثبتها أو يدحضها.

 

لئن كنا لا نزال غير قادرين أن نسمى أقواماً نوبية كثيرة بأسمائها السليمة، فإننا كيفما قضى الأمر حققنا تقدماً متصلاً في دراسة تطورهم الثقافي عبر علم الآثار. قصة الدراسات النوبية في القرن العشرين بغير منازع هة قصة للسدود العظيمة الثلاث، والمشروعات المخططة للإنقاذ الآثارى الذى تناسل منها. عبر تلك لم نمتلك فحسب بينتنا الوحيدة الدالة على المراحل غير الموثقة من التاريخ النوبي، إنما كتلة من تفصيل مقارن وغير مسجل في أكثريته فيما يتعلق بثقافات المراحل المعروفة تاريخياً. بكلمات أخرى، لا نزال نملك نصوصاً لفترات منتقاة دون غيرها في التاريخ النوبي، بيد أننا الآن نحوز آثاراً لكل الفترات بالتقريب. ما بوسعنا أن نفعله الآن، لذلك، أن نرفع علم الآثار إلى مكانته اللائقة به، ندعه يخبر عن قصة متواصلة من التطور الثقافي من أزمان ما قبل التاريخ إلى الحاضر.