رؤية مجددة في تاريخ كوش الثقافي - 2

 

 

الدولة في كوش: التأسيس

ليس من خلاف حالياًً حول ارتباط نشوء الدولة في كوش بعدد من العناصر السياسية والعسكرية والاقتصادية والأيديولوجية. العنصر الأيديولوجي تحديداً لن نتعرض له هنا نسبة للتعقيدات والصعوبات التى تعترضه والتي نتجت عن حقيقة أن المعلومات المتوفرة لنا في الوقت الراهن عن مرحلة النشوء الأولى تأتى كلها من فترة أعقبت عملية التأسيس. ومن ثم يفرض علينا هذا الوضع الالتفات إلى العناصر الأخرى، في المقام الأول الاقتصادية والعسكرية.

 

نقول أن النظرة السابقة المعبر عنها في الكتابات الخاصة بنشوء الدولة في كوش قد أصبحت بالية اليوم بفعل الاكتشافات الآثارية الأخيرة وبفضل العديد من الدراسات النظرية راقية المنهج.لم تعد مقبولة الفرضيات السابقة التى رأت في جماعات العصر الحجري الحديث في كوش مجتمعات غير معقدة لم تعرف ظهور تراتب اجتماعي وبروز زعامات ذات شأن في تسيير أمور تلك الجماعات، ذلك أن السجل الآثارى يظهر رؤية مختلفة. سبقت الإشارة إلى أن مدافن الكدرو تشير إلى ظهور التراتب الاجتماعي، وكذلك الحال بالنسبة لمدافن المجموعة الأولى في الأطراف الشمالية لكوش. ومعروف الآن أن أهل المجموعة الأولى قاموا باستغلال مناجم الذهب والأحجار الثمينة في الصحراء الشرقية وتاجروا بها مع سكان مصر العليا لتصبح تلك السلع جزءاً أساسياً في المتاع الجنائزي في مدافن الزعماء أشباه الملوك في عصر ما قبل الأسرات وفي مدافن فراعنة الأسرة الأولى، إلى جانب ذلك تشير الأدلة إلى أن أهل المجموعة الأولى وثقوا صلاتهم بالجماعات الاثنية المماثلة إلى الجنوب من الشلال الثاني فأصبحوا وسطاء في التجارة النيلية بين مصر والمناطق الواقعة فيما وراء الشلال الثاني.

 

باعتقادنا أن النجاحات التى حققها أهل المجموعة الأولى بفعل المتاجرة في الذهب والأحجار الثمينة والسيطرة على التجارة الوسيطة نجم عنها تسارع عملية الفرز والتراتب الاجتماعي وهو ما تؤكد عليه المدافن الخاصة بالزعماء والتي لا تقل عن مدافن نظرائهم من حكام مصر العليا المعاصرين لهم، ومن جانب ثانٍٍ تبلور الأطماع المصرية في السيطرة على المنطقة. فمنذ أن نجح حكام هيراكنوبولس في توحيد شطري مصر أصبحت مسألة تأمين مصدر إمدادهم بالسلع الترفية والسيطرة على طرق التجارة النيلية مع المناطق الجنوبية شغلهم الشاغل. هكذا بدأت الحملات المصرية إلى الأطراف الشمالية لكوش التى شنها الفرعونين جر و واجى.

 

بنهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد اختفت الآثار الخاصة بالمجموعة الأولى وهو ما يشير إلى هجرة الكوشيين عن المنطقة بعيداًً عن أسنة رماح الغزاة لعدة قرون لاحقة. يتوافق اختفاء آثار المجموعة الأولى في أطراف كوش الشمالية مع الحملات العسكرية المصرية إذن. ويدل وجود الموقع المحصن المصري في بوهين والذي يرجع تاريخه إلى تلك الفترة إلى أن المنطقة أصبحت واقعة تحت سيطرة الغزاة. كما وتدل العديد من المكتشفات في صرص غرب، وكوبان، ومرجسا على نشوء معسكرات بين الشلالين الأول والثاني. ومع أن المصنوعات الفخارية تشير إلى بقاء جزء من السكان من أهل المجموعة الأولى في بوهين إلا أنه من الواضح أن الغالبية العظمى منهم صاروا يجوبون الصحراء في الأطراف الشمالية لكوش وإلى الجنوب منها بقطعانهم في نمط حياة شبه بدوى بعد أن أغلق الغزاة وادي النيل أمامهم وأعاقوا نشوء أي شكل من استقرار الكوشيين على ضفتي النيل في المنطقة.

 

في حوالي 2500 أو2400 ق.م. استعاد سكان كرمة ومن ثم أهل المجموعة الثالثة سيطرتهم على الأطراف الشمالية لكوش لفترة طويلة. يبدو أن الحملات العدوانية التى شنها فراعنة المملكة القديمة والتي أدت إلى إبعاد الكوشيين الشماليين عن أراضيهم قد حفزت الأخيرين على التفكير في توحيد أنفسهم بصورة أكثر فاعلية بما يمكنهم من الوقوف في وجه العدوان الخارجي. فإذا كان حرخوف قد تحدث عن حكام قبائل منفردة مثل حاكم يام، فان نصوص اللعنات التى ترجع إلى عصر الدولة الوسطى تؤكد على استمرار مشيخات كوشية وعلى نشوء اتحادات قبلية شملت الواوات وإرتت وساتيو وهو ما يدفعنا للاعتقاد بأن تلك العملية قد تكون أفضت إلى تأسيس مملكة كوشية امتدت من الأطراف الحدودية الشمالية عند الشلال الأول حتى إقليم دنقلا. فالنقوش الصخرية في الأطراف الشمالية لكوش تشهد على وجود ثلاثة حكام كوشيين: كاكارى ان، وادجاكارى سيجريستى، واييب حنترى والذين تبنوا نمطاً مصرياً في ألقابهم ورسومهم.

 

يمكن إرجاع تاريخ أولئك الحكام إلى الفترة ما بين عهد منتوحتب الرابع آخر ملوك الأسرة الحاديَّة عشرة (2160–1991ق.م.) والحملات التى شنها الفرعونين أمنمحات الأول (1991-1962ق.م.) وسنوسرت الأول (1962-1928 ق.م.) من الأسرة الثانية عشرة. وتؤكد نقوش هذين الفرعونين على المقاومة الشرسة التى واجهتها جيوش الغزو. فقط بعد سلسلة من الحملات التى بدأها أمنمحات الأول وواصلها ابنه سنوسرت الأول تمكن الأخير في العام الثامن لحكمه من استكمال فتح الأطراف الشمالية لكوش وأقام حامية عسكرية في بوهين عند الشلال الثاني، وفرض سيطرته على كوش حتى الشلال الثالث وعلى جزيرة صاي حيث مركز مملكة شات التى تذكرها نصوص اللعنات، وأقام علاقات تجارية مع مملكة كرمة. هكذا فقط بفعل حملات متواصلة على مدى عشرين عاماً كاملة نجح المصريون أخيراً في فرض سيطرتهم على الأطراف الشمالية لكوش.

 

مملكة كرمة

تطور الدولة في كوش مسجل بصورة مؤكدة بنشوء مملكة كرمة. عادة ما تفترض الكتابات المتخصصة بأن الدولة الكوشية التى ازدهرت في المرحلة الانتقالية الثانية 1785-1552 ق.م. كانت ظاهرة تعكس قدراً من "الانتهازية" وجاء امتدادها إلى الأطراف الشمالية لكوش نتيجة الضعف الداخلي الذى أصاب مصر في تلك الفترة. كان هذا بالطبع افتراضاً عاماً بشأن كوش: أصبحت كوش قوية لأن مصر كانت ضعيفة. العكس تماماً قد يكون صحيحاً. قد يكون ظهور دولة قوية في كوش هو ما أدى إلى ضعف مصر الآن في حالة مملكة كرمة وكذلك الحال أيضاً في نهاية المملكة المصرية الحديثة. لا نود أن نسهب في الحديث عن كرمة وثقافتها ونحيل القارئ الذى يطمح للإلمام بالمزيد عنها إلى بحثنا المنشور في العدد الحادي عشر من مجلة اتحاد المؤرخين العرب المؤرخ العربي 1970 بعنوان "عودة إلى مسألة تاريخ السودان الحضاري في المرحلة الانتقالية الثانية".

 

حكم مملكة كرمة ملوك أقوياء تمترسوا فيما وراء الشلال الثالث لكنهم مددوا سيطرتهم إلى الأطراف الشمالية لكوش وقاموا باحتلال بعض حصون الشلال واستخدموها، كما زاولوا التجارة بعيدة المدى مع حكام الدلتا متجاوزين مصر العليا باللجوء إلى الطرق الصحراوية. ورغم أنهم كانوا ملوكاً لدولة حقيقية تمتد على مسافة 800 كيلومتر على وادى النيل وبلغ عدد سكانها المأتى ألف نسمة، فانه يبدو أنهم أبقوا البنية الاجتماعية على صورتها إمارات ومشيخات تابعة لهم، وقد بقيت تلك الإمارات والمشيخات كوحدات شبه سياسية حتى أزمان الاحتلال المصري في عصر المملكة الحديثة. وتظهر النقوش هؤلاء الحكام الكوشيين وهم يضعون التاج الأبيض (رمز مصر العليا) على روؤسهم، وهناك رسوم صخرية ومجموعة أختام تصور حكاماً كوشيين وعلى روؤسهم الريش يلبسون القراب الساتر للقضيب. بعد طرد الهكسوس من مصر تولى أحمس أمر العمليات العدوانية ضد مملكة كرمة، هكذا نقرأ في مآثر أحمس بن أبانا: "بعد أن أجهز جلالته على الـ"منتيو" في آسيا صعد جنوباً إلى خنت نفر  1977 Elnur لابادة حاملي السهام الكوشيين. وحدثت مذبحة كبرى. وغنمت رجلين وثلاث أيدي. وكوفئت مجدداً بأن وهبت ذهباً كما وضعت امرأتان في خدمتي كأمتين. عندئذ هبط جلالته شمالاً راضياً بما أحرزه من انتصارات فقد أخضع شعوب الشمال والجنوب". إلا أن هذه الحملة لم تكن حاسمة إذ أعقبتها ثورة حاكم كوشي باسم عاتا لكنها أخمدت حيث يذكر أحمس بن أبانا: "قدم عاتا من الجنوب فكان مقدراً له أن يُهزم فأمسك آلهة الصعيد بخناقه. والتقى به جلالته عند بلدة تنتاعا. وأسره جلالته. ووقعت جميع قواته بين يديَّ جلالته غنيمة حرب".

 

كوش والمملكة المصرية الحديثة

توفي أحمس تاركاً العرش لابنه أمنحوتب الأول الذى شن حملات مكثفة على كوش وهى حملات استمر في تنفيذها كل من تحتمس الأول وتحتمس الثاني، إلا أن القضاء على المقاومة الكوشية في منطقة كرمة اكتمل فقط في فترة الحكم المشترك لتحتمس الثالث وحتشبسوت وتم تأسيس السلطة المصرية حتى الشلال الرابع في العام الحادي والثلاثين من حكم تحتمس الثالث 1460 ق.م. ويبدو أن السيطرة المصرية على المنطقة تمَّ إنجازها أخيراً عبر تداخل عدة عناصر أهمها الفعل العسكري والتدخل السياسي. لقد أخذ تحتمس الثالث ابن ملك كرمة إلى مصر رهينة، والذي يحتمل أن يكون قد أعيد لاحقاً إلى كرمة ملكاً تابعاً لمصر. وفي حين أن ذلك لم يمنع ثورته فان استمرار مثل هذه السياسة والميزات الأكيدة التى قد تكون قدمتها للحكام الكوشيين، لا بدَّ أن تكون قد قادت في نهاية الأمر إلى تقبل المنطقة للسيادة المصرية. اللافت للانتباه هو تكرار حكام مصر المماليك في القرون الوسطى لذات السياسة التى استنها تحتمس الثالث وذلك في تعاملهم مع مملكة المقرة النوبية المسيحية كما سنبين لاحقاً.

 

ينتهي مدى السيطرة المصرية في كوش عند الشلال الثالث في حين تظل المنطقة بين الشلالين الثالث والرابع مُحيَّدة دولة حاجزة قدم المصريون لحكامها الدعم العسكري. الإشراف الشكلي المصري تم من خلال موظفين مصريين سموا بمراقبي البلاد الأجنبية الجنوبية يترأسهم نائب الملك (ابن الملك في كوش : سا- ن- سوت- ن- كاش) الذى يعين مباشرة من قبل الفرعون. ويقوم نائب الملك بدوره بتعيين نائب له في الواوات (الأطراف الشمالية لكوش) ونائب آخر لكوش ما وراء الشلال الثاني. ويتم اختيار النائبين من بين أفراد الأسر المحلية. هكذا فان السيطرة المصرية لم تجلب إلى كوش سوى أعداد محدودة من المصريين: كبار موظفي الخدمة المدنية والعسكرية والكهنة تاركة التراتب الاجتماعي الكوشي على حاله دون مساس بحيث بقيت السلطات الفعلية بأيدي الحكام الكوشيين المحليين والإداريين المحليين من أفراد النخبة الكوشية. ونعرف عن ثلاثة حكام محليين من الواوات وستة من الزعماء الكوشيين في فترة حكم الفرعون توت عنخ امون. وتشير آثار الأسرة المحلية الحاكمة في تح خت بالنوبة السفلى إلى أن المناطق الأصلية للمشيخات الكوشية قد تمَّ تضمينها في التنظيم التراتبى الإداري المصري. تبعية الأمراء الكوشيين لم تمنع استمرار توريث منصب الأمراء طبقا للتقاليد الكوشية المحلية.

 

ظلت سائدة وجهة نظر تقول بالتماثل الكلى للسكان الكوشيين إلى درجة التمصير التام. ويعتقد أيضا بأن التمصير، أي التثاقف بمعنى التمثل من جانب واحد...تكيف الكوشيين مع الثقافة المصرية، نتج عن ازدراء المصريين للتقاليد الكوشية والهُويَّة الاثنية. وجهة النظر البالية هذه المعبر عنها في بعض الكتابات تقوم على أساس تحليل غير سليم للمعطيات الآثارية ، فالثقافة المادية الكوشية في عصر المملكة المصرية الحديثة مضللة نوعاً ما ذلك أن تركيبها يعكس في المقام الأول التكامل الاقتصادي الكوشي المصري. قامت البنية الحكومية على أساس المدن المعابد، إلا أنَّ البنية الاجتماعية وإعادة التوزيع المحلية قامت على قاعدة البنية التحتية للإمارات والمشيخات القديمة. حتى بعد  انهيار الاحتلال المصري في عهد رمسيس الحادي عشر وهجرة الموظفين المصريين الرسميين والكهنة لم تتأثر المدن المعابد ولم يهجرها سكانها. ففي حين تمت هجرة الأساسات الخاصة بالمملكة المصرية الحديثة في سيسبى وفي عمارة غرب وعكشة فان الجزء الأعظم من المدن المعابد لم تهجر من قبل سكانها الكوشيين وظلت باقية كمواقع سكنية عامرة. في عهد المملكة الحديثة تمت إعادة تنظيم الأطراف الشمالية لكوش الخاضعة لمصر اقتصاديا من خلال إنشاء المدن- المعابد. وقد يكون نوعاً من التبسيط، كما ألمحنا، الافتراض بأن تلك المراكز قد تم إفراغها من السكان بانتهاء المعبد كمركز إداري. انه في حالة انتقال الوظيفة الإدارية والدينية للموقع إلى مكان آخر فان توزيع الأراضي الزراعية في كوش لا بدَّ وانه تطلب انتشارا سكانياً على امتداد المناطق المزروعة. بالتالي فانه حتى عندما انتقل مركز العبادة على سبيل المثال من فرس إلى عكاشة فان الأرض لا بدَّ وقد أصبحت تابعة للعبادة الجديدة وأنها لازالت تحتاج لأن تفلح من قبل أناس يسكنون محلياً.

 

لدى مناقشة السنوات الأخيرة للمملكة الحديثة فإننا نجد أنفسنا في دروب شائكة. يبدو أن هناك نوع من المبالغة في وجهة النظر التقليدية حول التفكك المصري في عهد الرعامسة المتأخر كما تعبر عنه بعض الكتابات. فالإمبراطورية المصرية في غرب آسيا رغم عدد من الإخفاقات فإنها ظلت قائمة حتى عهد رمسيس السادس حيث يمكن ملاحظة تدمير عنيف للمراكز المصرية.يصعب تحديد الوضع في كوش في الفترة التى أعقبت انتهاء منصب نائب الملك، فالأدلة المتوفرة تشير إلى انخفاض منسوب النيل وهو ما يبدو سبباً كامناً وراء إفراغ الأطراف الشمالية لكوش من السكان بنهاية الأسرة الثامنة عشرة و ما بعدها.

 

حالياً فان فرضية التثاقف أصبحت مقبولة كتفسير لهذا الاختفاء للسكان المحليين من السجل الآثارى بدلاً عن التحدث عن التمصير الكامل. ففي الفترة المتأخرة لإدارة نائب الملك يمكن إرجاع تاريخ حاكمين كوشيين هما آرى و كتسن الذين قد يكون أحدهما استخدم كوة (على الضفة الشرقية للنيل بمواجهة دنقلا) عاصمة له. الدرجة الفعلية للتمصير يمكن الحكم عليها من خلال دراسة البقايا الجنائزية في الأطراف الشمالية لكوش التى حللها قبل فترة سودربيرج. أشار هذا العالم إلى أن محتويات المقابر اشتملت على مصنوعات مصرية أو مصنعة بأسلوب مصري في الوقت الذى لا توجد فيه آثار للطقوس الجنائزية المصرية إذ تتغيب كلياً المسلات والتماثيل الجنائزية والجعارين، كما يتغيب أي شكل من أشكال تخليد اسم المتوفي Säve-Söderbergh,1962. كل ذلك إنما يقف شاهداً على الاحتفاظ بمعتقدات محلية. ويبدو أن المفاهيم المصرية المرتبطة بالحياة الأخرى إن كان قد تمَّ تبنيها في كوش فإنما من قبل أعضاء النخبة من الذين نالوا تعليماً مصرياً.

 

تظل غير واضحة درجة العلاقة بين الكوشيين والآلهة المصرية التى أقيمت لها المعابد في كوش في عصر المملكة المصرية الحديثة. هنا قد يكون من المهم الإشارة إلى أنه قد وجدت في كرمة، بفترة سابقة للاحتلال المصري، معابد لآلهة محلية. ويبدو أن تلك المعابد كانت قد قامت بدور مركب في الدولة وفي الحياة الاقتصادية. أشارت أعمال التنقيب الجارية في كرمة في الآونة الأخيرة إلى وجود مفاهيم شمسية محلية مما قد يكون عملاً يسَّر عملية استيعاب المفاهيم الدينية الشمسية المصرية Bonnet,1995. من جانب ثان يمكن الافتراض بأن المعبودات الكوشية قد تمَّ استيعابها في المنظومة الدينية المصرية ومن ثم استمرار عبادتها بعد نهاية الاحتلال المصري بشكلها المتمصر.

 

خلافاً لوجهات النظر السابقة فان التحليلات الحديثة للمكتشفات الآثارية  تشير إلى أن الاستعمار المصري في كوش قام على قاعدة المنفعة المتبادلة وأن كوش لم تتعرض لاستغلال يفوق ما تعرضت له أية منطقة في مصر نفسها. التدهور الملاحظ في السجل الآثارى في القرن الأخير للمملكة المصرية الحديثة لا يعكس أكثر من تدهور مصر نفسها. مع الضعف الذى أصاب السلطة الملكية والحكومة المركزية وأخيراً تقسيم مصر إلى أقاليم تعرضت الحياة في كوش بدورها إلى تأثيرات سلبية. أصبح منصب نائب الملك بحلول الأسرة العشرين متداخلاً ليس فقط مع الوظائف العسكرية العليا بل وأيضاً مع منصب الكاهن الأعظم لآمون في طيبة بالتالي كان لنائب الملك سلطات غير عادية. في السنة الثانية عشرة لحكم رمسيس الحادي عشر طلب من نائب الملك في كوش بانحسي أن يهدئ الأوضاع في طيبة بالاستعانة بالقوات التى تحت إمرته. تطورت الحملة إلى انتفاضة ضد الفرعون تمكن خلالها بانحسى من توحيد كوش مع مصر العليا تحت حكمه الشخصي، لكن فُرض على بانحسى التراجع إلى كوش في العام التاسع عشر لحكم رمسيس الحادي عشر الذى عين نائباً جديداً للملك، وقد تتبع هذا الأخير بانحسي حتى الأطراف الشمالية لكوش لكنه أخفق في القضاء عليه حيث ظل بانحسي سيداً هناك حتى وفاته.

 

يبدو أن الحاميات العسكرية في كوش كان قد تم إخلاؤها حين سار بانحسي إلى مصر العليا في العام الثاني عشر لحكم رمسيس الحادي عشر. احتمال أن يكون قد تم الاحتفاظ بالحكومة في الأطراف الشمالية لكوش إلا أنه ونتيجة للانتفاضة فقد انشطرت منطقة النيل الأوسط بكاملها عن مصر وفقدت موقعها في نظام إعادة التوزيع المصري. كانت النتائج بعيدة المدى حيث تم استعادة احتلال الأطراف الشمالية لكوش من قبل حكام طيبة بعد وفاة بانحسي وظلت تحت السيطرة المصرية حتى القرن الثامن ق.م. وتسببت الصراعات التى دارت في المنطقة في انخفاض درامي لعدد السكان وفي تقلص مواقع الإقامة إلى مجرد محطات عسكرية يقيم فيها مرتزقة محليون. هاجر الموظفون المصريون الرسميون والكهنة من كوش. على الأقل يمكن القول بأن هجرة المعابد المصرية لا بدَّ وأن تكون قد عرقلت إلى حد ما في البداية مجمل البنية الاقتصادية. النتيجة النهائية كانت حدوث إفقار لم يتم تجاوزه إلا في أعقاب ظهور وحدات سياسية أكبر مجدداً.

 

ماذا حدث بالفعل في كوش في القرون التالية؟

تشير معلومات مصرية متفرقة إلى محاولات مجددة لاستعادة السيطرة المفقودة على كوش فيما وراء الشلال الثاني وذهبها ومصادرها الطبيعية الأخرى، ولم يتم تحقيق نجاح دائم. ويمكن أن تكون الحملات المصرية قد أدت إلى استيقاظ حاسة الحماية الذاتية وطورت نزعة لتوحيد الكيانات السياسية التى ظهرت إلى الوجود بنهاية الاحتلال المصري. وقادت هذه النزعة إلى بروز نزاعات داخلية قادت في نهاية المطاف إلى تلاحم الدولة الكوشية.لم تعد النشاطات الزراعية بحاجة إلى وجود نظام المدينة المعبد المصري بعد أن تمَّ تبنى أشكال جديدة للبنية السياسية السلطوية. لكن على كل فان السيطرة على التجارة الخارجية لا بدَّ وأن تكون قد أصبحت مركز اهتمام النخب الحاكمة. بداية كان التحكم في السلع العابرة إلى الشمال كافياً إلا أن الوصول المباشر إلى المصدر قاد إلى إنجاز نشاطات عسكرية باتجاه الجنوب نقول مجدداً أن العلاقة التى تعكسها كتابات المتخصصين في الدراسات المصرية تنحصر في إطار فرضية واهنة بأن كوش كانت قوية عندما كانت مصر ضعيفة. بعيداً عن نظرية ملئ الفراغ السياسي فإن قوة "الهامش" المتزايدة يمكن أن تكون عنصراً في انهيار السلطة في مصر، من ثم فإننا نشعر بميل أكثر إلى فرضيَّة معاكسة ترى أن القوة المتصاعدة لمملكة كرمة هي التى أدت في نهاية المطاف إلى انهيار سلطة المملكة المصرية الوسطى في كوش.

 

Осама Эль-Нур: О Древно Египтском Термине ђnt.hn.nfr.-  Мероэ Проблемы Истоийи Культурных Связей Выпуск 1.

T.Säve-Söderbergh: Preliminary Report on the Scandinavian Joint Expedition. Archaeological Investigations between Faras and Gamai, Jan.-March 1961.- Kush 10.

Ch.Bonnet, L.Chaix, M.Honegger and C.Simon: Kerma, Les Fouilles archéologiques de Kerma (Soudan). 1993-1994 and 1994-195, Extrait de Geneve-Nouvelle Série- Tome XLIII, Geneve.