بيَّا والسيطرة الكاملة على مصر

 رؤية مجددة في تاريخ كوش الثقافي - 4

 

 

بيَّا والسيطرة الكاملة على مصر

كان بيَّا هو الأول من ملوك نبتة الذى أضفي على نفسه مجمل مركب الألقاب الفرعونية المصرية، وهى ألقاب أخذ ثلاثة منها عن ألقاب الفرعون المصري تحتمس الثالث المنقوشة بتكرار  معبد جبل البركل، وكان بيَّا محقاً في اتخاذ ذلك الإجراء طالما أنه قد فرض سيطرته الفعلية على التاج المصري المزدوج، وهكذا تبدل المصير التاريخى حيث ورث بيَّا تحديداً اسم ذلك الفرعون الذى قدر له أن ينجز استعمار كوش في عهد المملكة المصرية الحديثة السابق. نكاد لا نعرف شيئاً عن العشرين سنة الأولى من حكم بيَّا تقريباً، ويبدو أنه، كما هو الحال في كوش، تم تثبيته في العرش بعد انتخابه من النخبة الكهنوتية وموافقة الشعب شأنه شأن الملوك الكوشيين الذين أعقبوه، ويقول بيَّا في هذا الخصوص: "الآلهة تصنع الملك، والناس يصنعون الملك، إلا أن آمون قد جعلني ملكاً". لا يوجد في نص مصري واحد ما يفيد بأن للشعب الحق في تثبيت ملك جديد في العرش.

 

يتحدث بيَّا بقدر من الغموض عن كيفية إنجازه عملية توحيد كوش:  "وهبني آمون النبتي حق حكم جميع البلدان، فمن أقل له كن ملكاً يكن ملكاً، ومن أقل له لا تكن ملكاً لا يكون، ووهبني آمون في طيبة حكم مصر، فمن أقل له فلتصعد متوجاً يتوج، ومن أقل له  لا تصعد متوجاً لا يتوج، وكل من منحته حمايتي لا يخشى على مدينته، ولن أقوم بحال باحتلالها".

 

إذا صح تأريخ ريزنر لهذا النص فإنَّ ذلك قد يشير إلى أن بيَّا كان قد سيطر، قبل حملته على مصر والتى خلدها في السنة الحادية والعشرين لحكم، بقوة على جزء من مصر وهى سيطرة ورثها عن كاشتا، أما اذا كان تأريخ ريزنر غير صحيح بحيث يكون النص قد وضع بعد عودة بيَّا من حملته فان ذلك إنما يعنى أن الحديث يدور عن حكام الدلتا وأمرائها الذين أخضعهم وهم من تعرض لهم بيَّا بإسهاب في حولياته، لكن سواء في هذه الحالة أو تلك فان بيَّا قد أخضع كافة الزعماء المحليين في مصر وكوش على حد سواء. وبعد إخضاع كوش واحتمالا السلام الطويل الذى أعقب ذلك في الأطراف الشمالية لمصر العليا إلى الجنوب من الفيوم تمكن بيَّا من التفرغ للنشاط المعماري وبدأ في تزيين عاصمته نبتة وقام بتشييد المعبد الرائع في جبل البركل بدلاً عن المعبد القديم الأصغر حجماً، كما استكمل بناء المعبد الذى كان قد بدأ في تشييده كاشتا.

 

في السنة الحاديَّة والعشرين لحكمه، حوالي 730 ق.م.، قاد بيَّا بنجاح حملة إلى مصر خلد انتصاره الناجم عنها في حولياته التى كتبت بلغة مصرية رصينة بالخط الهيروغليفي. لكن ما هي الأسباب التى دفعت بيَّا إلى تنظيم تلك الحملة؟ قطعاً لم تكن تلك الحملة نتاج طباع سلوكية ولا بفعل أسباب دينية ولا إرضاء لحب ألذات، تفسير أسبابها لا بدَّ من البحث عنه في سياسة بيَّا التى اتبعها في مستعمرته المصرية، ذلك أنه اكتفي بما حققه من نجاح سابق وما ناله من هدايا وغنائم وما فرضه من جزية، فجعل الإشراف على إدارة الدلتا أمراً تنهض به طيبة البعيدة إلى الجنوب في حين غفل هو راجعاً إلى عاصمته الحبيبة نبتة تاركاً الدلتا تحت سيطرة حاكمها تف نحت. ويبدو أن هذا الأخير استغل عودة بيَّا إلى كوش فبدأ في تهديد أمن الممتلكات الكوشية في مصر العليا، متحالفاً مع ملوك وأمراء الشمال، ولم يصدر عن بيَّا أي رد فعلٍ بل تركهم يزحفون إلى الجنوب حتى استولوا على هيراكليوبولس، عندها أمر الفيلق الكوشي المرابط في منطقة طيبة بالتصدي لهم عند الإقليم الخامس عشر كما أرسل التعزيزات العسكرية: "فاستدعى جلالته القادة العسكريين والضباط الموجودين في مصر، وهم باروما و ليميرسكنى وسائر ضباط جلالته القائمين في مصر، وقال لهم: اتخذوا وضع الاستعداد، وخوضوا المعركة، والتفوا حول العدو وحاصروه! وأسروا رجاله ومواشيه وسفنه النهريَّة! وامنعوا المزارعين من التوجه إلى الحقول، والفلاحين من حرث الأرض! اضربوا الحصار حول إقليم الأرنب وقاتلوا العدو كل يوم بلا هوادة!" ويستمر النص ليوضح التزام القادة الكوشيين بأوامر مولاهم بيَّا: "وهذا ما فعلوه: وأرسل جلالته جيشاً إلى مصر، وأوصاهم مشدداً بالتعليمات التالية، لا تنقضوا على العدو ليلاً وكأنكم تلعبون وتلهون، ولا تحاربوا إلا وأنتم مبصرون، وخوضوا ضده المعركة دون الاقتراب منه! وإذا قال لكم: انتظروا المشاة وسلاح المركبات القادمة من مناطق أخرى! فتريثوا لحين وصول جيشه، ولا تبدأوا المعركة إلا عندما يطلب ذلك، واذا كان حلفاؤه في مدينة أخرى فأصدروا الأوامر بالانتظار حتى يصلوا، وحاربوا في المقام الأول القادة العسكريين المصاحبين له كحلفاء، وحرسه الخاص من الليبيين، وعند استعراض الجيش لا ندرى لمن نوجه الحديث، فنقول: أيا أنت أسرج أفضل ما في إسطبلك من جياد وهيئ نفسك للمعركة! عندئذ سوف تعرف أننا رسل آمون!" وينصح بيَّا قواته قائلاً: "إذا بلغتم طيبة و وقفتم أمام ابت سوت اغمروا في الماء وتطهروا في النهر وارتدوا الكتان النقي، وحطوا الأقواس والقوا السهام جانباً، لا تتباهوا بأنكم أصحاب سلطة في حضرة الذى بدون رضاه ليس للشجاع قدرة، فيجعل الضعيف قوياً ، والجموع تتراجع أمام القلة وتعود أدراجها ويتغلب الفرد على ألف! وتبللوا بماء هياكله، وقبلوا الأرض بين يديه وقولوا له: أرشدنا إلى الطريق، فلنحارب في ظل قوتك! ولتكن معارك المجندين الذين بعثت بهم مظفرة، وليستولى الرعب على الجموع عندما تواجههم.

 

ويبدو أن القوات الكوشية حاصرت القوات المصرية المتحالفة وأجبرتها على خوض المعركة، فارضة عليها الاحتماء بمدينة هرموبولس التى تم ضرب الحصار عليها, فقط حينها توجه بيَّا بنفسه إلى مسرح العمليات متوقفاً في طريقه للاحتفال بالعام الجديد في الكرنك، وكان غرض بيَّا من ذلك مزدوجاً، فمن جانب أراد أن يعلن للملأ اعتراف آمون به ملكاً، ومن جانب ثانٍ استهدف إضعاف القوات المصرية المُحاصرة بإطالة أمد الحصار تدميراً لروحها المعنوية. وأثناء ذلك اجتاحت قواته مصر الوسطى، ووصل إلى هرموبولس فأخضع ملكها نمرود كما استسلمت مدينة هيراكليوبولس دون أن تنتظر استيلاء بيَّا عليها واعترف حاكمها بولاية بيَّا في خطاب مشحون بالعبارات الأدبية جاء فيه: "تحية لك أيَّا حورس، أيها الملك القوى، إنك الثور الذى يقاتل الثيران! لقد استحوذت الدات (أى العالم السفلى) علىَّ وغمرتني الظلمات، فهل لي أن أمنح وجهاً كوجهك المشرق! لم أجد من يناصرني وقت الشدة، ولكن بفضلك أنت وحدك أيها الملك القوى انقشعت الظلمات من حولي! فأنا وجميع ممتلكاتي في خدمتك، وتدفع مدينة ننى سوت الضرائب لجهازك الإداري، فأنت بالتأكيد خور اختى، حور الأفقين الواقف على رأس الخالدين، وبقدر بقائه تبقى أنتَّ ملكاً، وكما أنه خالد لا يموت فأنت أيضاً خالد لا تموت، أيا بيَّا يا ملك الوجهين القبلي والبحري، لك الحياة إلى الأبد".

 

بعدها توجه بيَّا إلى الشمال واستولى دون مقاومة على القلعة التى شيدها اوسركون الأول لمراقبة مدخل الفيوم، ثم زار مدينة هليوبولس لأداء الشعائر التقليدية التى تقام للإله آمون وقدم القرابين فوق تل الرمال، ويسرد النص أن بيَّا اتجه إلى "مقر رع في موكب رهيب، فدخل المعبد وسط تهليل الحاضرين والكاهن المرتل يتعبد للإله لإبعاد أعداء الملك، ثم أقيمت شعائر بردوات وربط العصابة الملكية، وتطهر جلالته بالبخور والماء. ووقف الملك بمفرده، وكسر ختم المزلاج وفتح مصراعي الباب وشاهد والده رع في قصر البن بن المقدس ومركب النهار المخصصة لرع ومركب المساء المخصصة لأتوم، ثم أغلق مصراعي الباب ووضع الطين وختم الملك بخاتمه الخاص، وأصدر تعليماته للكهنة قائلاً: لقد قمت أنا شخصياً بوضع الختم، لن يدخل المكان أحد سواي ممن يدعون أنهم ملوك، وانبطحوا على بطونهم فوق الأرض قائلين: ثابت أنت ودائم، فليحي حورس محبوب رع، إلى الأبد! دخولاً إلى مسكن أتوم".

 

أما تف نخت قائد المتمردين فقد أرسل إلى الملك المنتصر بيَّا رسولاً ليتفاوض نيابة عنه وحملَّه رسالة إلى بيَّا جاء فيها: "ألم يهدأ قلب جلالتك بعد كل ما ألمَّ بى بسببك؟ أجل أنى بائس، ولكن لا تعاقبنى بقدر الجرم الذى ارتكبته، أنت تزن بالميزان وتحكم طبقاً للوزنات! وفي قدرتك مضاعفة جرمي أضعافاً مضاعفة، ولكن ابق على هذه الحبَّة، وسوف تعطيك حصاداً وفيراً في الوقت المناسب، لا تقتلع الشجرة من جذورها! إن كاءك (روحك) تثير الرعب في أحشائي وترتعد أوصالي من شدة الخوف! ومنذ أن علمت باسمي لم أجلس في بيت الجعة (إندايَّة) ولم أستمع إلى عزف الجنك، لقد أكلت وشربت ما يكفي فقط لرد جوعي وإطفاء ظمئي. وصل الألم إلى عظامي، وأسير عاري الرأس مرتدياً الأسمال حتى تعفو الآلهة نيت عنى. لقد فرضت على السير مسيرات طويلة، أنت تلاحقني على الدوام، فهل أسترد حريتي ذات يوم؟ طهر خادمك من ذنوبه، ولتنتقل ممتلكاتي إلى الخزينة العامة، وكافة ما أملك أيضاً من ذهب وأحجار كريمة وأفضل جيادي وكافة تجهيزاتى، أرسل رسولك ليطرد الخوف من قلبي وأذهب في صحبته إلى المعبد ليطهرني القسم الإلهي".

 

وأرسل له بيَّا بالفعل كبير الكهنة المرتلين يرافقه القائد العكسري الكوشي باورما حيث أقسم تف نخت أمامها في المعبد القسم الإلهي التالي: "لن انتهك المرسوم الملكي ولن أتهاون في أوامر صاحب الجلالة، ولن أسلك سلوكاً مذموماً في حق قائد عسكري في غيابه وسوف أتصرف في حدود الأوامر الصادرة من الملك دون أن اخرق ما أصدره من مراسيم، عندئذ أعلن صاحب الجلالة موافقته".

 

بعد تلك الانتصارات ثبت بيَّا حكام الدلتا المصريين كل في إقليمه متجنباً إعطاء الكثير للذرية الليبية لفراعنة مصر القدماء مستثنياً واحداً منهم فقط هو نمرود بوصفه متحدثاً نيابة عنهم. ويصف النص وصول أولئك الحكام لأداء فروض الطاعة والولاء: "لَّما أضاءَّ الأرض نهار جديد، حضر عاهلا الجنوب وعاهلا الشمال والصل على جبينهم وقبلوا تراب الأرض أمام قوة صاحب الجلالة. وهكذا جاء ملوك وقادة الشمال ليشاهدوا بهاءَ جلالته، وكانت سيقانهم ترتعش وكأنها سيقان نسوة، ولكنهم لم يدخلوا إلى مسكن الملك حتى لا يدنسوه بالنظر إلى أنهم لم يختنوا ولأنهم يأكلون السمك. أما الملك نمرود فقد دخل مسكن الملك إذ كان طاهراً ولا يأكل السمك".

 

ومن ثم قرر بيَّا العودة إلى نبتة وكان أن: "حُملت السفن بالفضة والذهب والأقمشة وسائر خيرات الشمال وكل ثمين وسائر كنوز سوريا وعطور بلاد العرب، وأقلعت سفن صاحب الجلالة صوب الجنوب وكان جلالته منشرح القلب، وعلى الجانبين كان الأهالي على شاطئ النهر يهللون من نشوة الفرح، وأخذ الجميع - شرقاً وغرباً- كلما بلغهم النبأ ينشدون عند عبور صاحب الجلالة أنشودة فرح وابتهاج، تقول الأنشودة: أيها الأمير القوى، أيها الأمير القوى، أيا بيَّا، أيها الأمير القوى! ها أنت تتقدم بعد أن فرضت سيطرتك على الشمال، إنك تحول الثيران إلى إناث! طوبى لقلب المرأة التى أنجبتك! وطوبى لقلب الرجل الذى من صلبك! وأهل الوادي يحيونه فلتحي إلى الأبد، فقوتك خالدة أيهُّا الأمير المحبوب من طيبة".

 

ما هي الأسباب التى دفعت بيَّا إلى العودة إلى نبتة بدلاً عن البقاء في مصر وإدارة المملكة الكوشية وممتلكاتها المصرية من طيبة؟ انطلاقا من مسلة النصر التى تعرضنا أعلاه لتفاصيلها واضح أن بيَّا نجح في فرض سيطرته الكاملة على كل مصر، لكنه فضلَّ ألا يحكمها شخصياً بصورة مباشرة، ومن ثم لجأ إلى إتباع سياسة منح الحكم الذاتي للمصريين تاركاً السلطات الإدارية بأيدي الحكام المحليين الذين أدوا له قسم الطاعة والولاء، مكتفياً بالإشراف الفعال على منطقة طيبة والطرق الغربية حتى الواحة الداخلة على الأقل. يبدو لنا أن فهم تلك الأسباب لا بدَّ وأن نبحث عنه في طبيعة الدولة الكوشية نفسها، ذلك أننا كنا قد أشرنا إلى نظام الإدارة الكوشية القائم على أساس مشيخات أو إمارات تابعة لنبتة، كما هو الحال في مملكة كرمة السابقة وفي مملكة مروى لاحقاً وفي الممالك المسيحية في القرون الوسطى بل حتى في مملكة الفونج الإسلامية. وفيما يبدو أن هذا الشكل من التنظيم الإداري الكوشي ارتبط بوجود إحساس قوى بضرورة نشوء وحدة سياسية في إطار الاعتراف بالتنوع الإثنى الثقافي المميز للبلاد منذ فجر تاريخها. هكذا ينقل لنا هيرودوت حديث الملك أمانى ناتاكى لبتى 538- 519 ق.م. للجواسيس الذين بعثهم قمبيز الفارسي إلى كوش "إن ملك الإثيوبيين (أي الكوشيين) له نصيحة يود أن يسديها إلى قمبيز ملك الفرس، عندما يتمكن الفرس من شد الأقواس التى هي من هذا الحجم بسهولة كما أفعل هكذا، حينها يمكنهم أن يأتوا للحرب بقوة ضاربة، لكنه يتوجب عليه أن يكون ممتناًَ للآلهة أنها حتى الآن لم تضع في عقول أطفالها الإثيوبيين أن يمتلكوا أرضاً هي ليست لهم” [انظر نص هيرودوت].

 

بقى بيَّا في ذاكرة خلفائه الحاكم المؤسس لعظمة كوش وعزتها وقوتها وهى الدولة التى أسسها أسلافه، وأصبح اسمه كناية للملك. في فترة حكمه خلق بيَّا الظروف التى سمحت لأخيه وخليفته شاباكا 716-701 ق.م. لا أن يبسط سيطرته الكاملة على مصر فحسب بل أن يصعد على مسرح السياسة الدولية في تلك الفترة. على الأرضية الصلبة التى أرساها بيَّا بغت كوش في العقود اللاحقة درجة غير مشهودة من العظمة.