رؤية مجددة في تاريخ كوش الثقافي - 5

 

شاباكا وشاباتاكا والصراع مع آشور

خلافاً لأخيه الملك بيَّا وجد شاباكا نفسه مضطراً للبقاء فترات أطول في شمال مصر مقيماً في منف لكن بدون أن يفقد كامل سيطرته على طيبة ونبتة، إذ تجلت في عهده الأطماع الآشورية وتزايد الخطر المحدق بأطراف مملكته الشمالية، وقد كانت أخته أمنارديس خير مساعد له من منصبها بوصفها عابدة الإله بالإضافة إلى قيامه بتعيين ابنه خارماخيس كاهناً أعظماً لآمون. وقد أصبحت كوش ومصر في عهد شاباكا بمثابة مملكة متحدة، ووضع شاباكا التاج المصري المزدوج على رأسه، وهكذا نجد الملك الآشوري سارجون يشير إليه بملك كوش ومصر. وإذا كان فراعنة مصر قد نظروا إلى كوش حين كانت تابعة لممتلكاتهم نظرة دونية وسموها كوش اللعينة، فإننا نجد أن الملوك الكوشيين كانوا أكثر إنسانية فنظروا إلى مصر التى فتحوها ووضعوا تاجيها على رؤوسهم نظرة جد مختلفة، فعاملوا أهلها خير معاملة وصبروا صبراً شديداً على حكام الدلتا المتآمرين دوماً، ولم يتوانوا في تقديم الهدايا الثمينة للمعابد المصرية، ولم يتأخروا عن أداء الخير بما جعلهم يكسبون دعم ومباركة المُجمع الكهنوتي المصري، وفي الواقع لا توجد إشارة إلى ممارسة الملوك الكوشيين العنف والقسوة إلا مرة واحدة، وهى المذكورة فقط في عمل المؤرخ المصري مانيثو، عندما اضطر شاباكا لحرق ملك سايس المتمرد بوكخوريس.

 

إذا كانت الأوضاع السياسية قد فرضت على شاباكا الاهتمام بالمناطق الشمالية لممتلكاته، واحتمالا أن يبقى هناك فترات أطول، فان نبتة ظلت هي العاصمة للمملكة وفيها كان القصر الملكي، وفيها دفن ملوك الأسرة الكوشية الخامسة والعشرين وأعضائها.

 

خضع زعماء القبائل الذين يمثلون النخب المحلية لملوك نبتة إما مباشرة أو احتمالا عبر حكام المناطق المختلفة. ووفر إقليم دنقلا- كريمة منتجات كافيَّة لتغطية احتياجات سكان العاصمة، بل ووفر فائضاً غطى احتياجات الجيش حتى في الفترة السابقة لاحتلال الكوشيين لمصر.

 

ورغم أنه بعد موت بوكخوريس أصبح شاباكا الملك الوحيد الذى يضع التاج على رأسه في مصر السفلى فان التوحيد الشامل لم يصل إلى مداه، ذلك أن الحكام المصريين في أقاليم الدلتا الوسطى والشرقية ظلوا يتمتعون بقدر كبير من الاستقلال. ويبدو أن هذا الظرف كان واحداً من الأسباب التى جعلت شاباكا حذراً في علاقاته مع أشور التى كانت جيوشها في تلك الفترة على أبواب دولة يهودا، فارتأى شاباكا عدم الدخول في مناوشات مع الملك الآشوري سارجون الثاني ومن ثم سلمه أشودا إمعنى، المتمرد الذى استولى على السلطة في مدينة أشدود الفلسطينية الواقعة شمالي عسقلان وثار على أشور، والذي التجأ إلى مصر طلباً للحماية، ولو أن شاباكا ظل غير راض عن سقوط آخر مدينة تشكل حاجزاً بينه وبين الآشوريين، ويبدو أنه بتسليمه إمعنى قد نجح في التوصل إلى إبرام اتفاق دبلوماسي مع الآشوريين. وتحت إحساسه بعدم استقرار الأوضاع في الدلتا حاول شاباكا كسب دعم النخبة الكهنوتية للإله بتاح في منف والإلهة تاست في بوباستس وغيرهم. السيرة الطيبة عن شاباكا ظلت باقية حتى عصر البطالسة حيث احتفظ أحد شوارع مدينة منف باسم شاباكا، بل حتى أيام هيرودوت ظلت شخصية هذا الملك تنال حقها من التبجيل، وهو تبجيل تحدث عنه ديودور الصقلي، وقبل عام أو اثنين من وفاته جعل شاباكا ابن أخيه شاباتاكا نائباً له.

 

المعلومات المتوفرة عن شاباتاكا شحيحة، لكننا نعرف أنه استدعى أخاه الأصغر تهارقا للقدوم إلى مصر بجيشه من كوش، في إشارة إلى أنه قرر اختيار خط متشدد في سياسته الخارجية واتخاذ مواقف أكثر صلابة من مواقف سلفه. ويبدو أن شاباتاكا قرر تقديم الدعم العسكري لحكام سوريا وفلسطين في صراعهم ضد الغزاة الآشوريين الذين انشغلوا في المعارك التى خاضوها في وسط زاجروس ضد دولة اورارتو. وفي عام 704 ق.م. اعتلى عرش أشور الملك سنحاريب خلفاً لسارجون واغتنم ملوك فينيقيا وفلسطين الفرصة لإعلان تمردهم، وكانت حينها صيدا بقيادة لوللى، وعسقلان بقيادة صدقيا، ومملكة يهوذا تحت حكم حزقيا. واستجاب شاباتاكا لطلب المساعدة الذى تقدم به حزقيا، فأرسل حملة عسكرية بقيادة أخيه تهارقا بينما كان سنحاريب يزحف على عسقلان بعد أن طرد لوللى من صيدا. إلا أن جيش تهارقا قد هزم من قبل الملك الآشوري سنحاريب الذى أشار إلى أن ذلك الجيش تألف من حكام مصريين بالإضافة إلى النبالين و الفرسان وجنود المركبات التابعين لملك كوش، بل وتمادى سنحاريب مزهواً بالنصر الذى حققه ليصف الملك الكوشي في خطابه الذى وجهه إلى حزقيا  قائلاً له: "ما الاتكال الذى اتكلت، قلت إنما كلام الشفتين مشورة وبأس حرب، والآن على من اتكأت وعصيت أوامري. فالآن هو ذا قد اتكأت على عكاز هذه القصبة المرضوضة، على مصر التى إذا توكأ أحد عليها دخلت في يده وثقبتها. هكذا هو فرعون ملك مصر لجميع المتكلين عليه" [سفر الملوك الثاني، الإصحاح 18 : 19-21] أما الجيش الثاني الذى أرسله شاباتاكا بقيادة تهارقا فانه لم يخض معركة ضد الآشوريين وذلك بفعل مرض فتاك انتشر بين الجنود الآشوريين وأدى إلى موت 18.500 جندي.

 

تهارقا ومجد كوش

بوفاة شاباتاكا ودفنه في جبانة الكرو أصبح تهارقا ابن كل من بيَّا وابار ملكاً متوجاً، والأكثر شهرة من بين ملوك الأسرة الخامسة والعشرين. فكما ذكرنا فان تهارقا كان قد تمَّ استدعاءه من كوش إلى مصر بجيشه ولم يكن عمره حينها قد تجاوز العشرين. اتجه تهارقا أولاً إلى طيبة ومنها إلى منف. اللافت للانتباه أننا نعرف الكيفية التى أصبح بها تهارقا ملكاً متوجاً على مصر في حين نجهل الكيفية التى توج بها في كوش نفسها. فالواضح أنه عندما غادر نبتة، كما يتضح ذلك من مسلته من العام السادس لحكمه، لم يكن ملكاً بعد. بعد اعتلائه العرش في مصر يبدو أن تهارقا قرر أن تكون إقامته في الدلتا بمدينة تانيس وهو ما يشير إلى ظروف فرضت عليه مثل ذلك الخيار. أيضاً يبدو أن تهارقا قرر إتباع سياسة مع حكام الدلتا المتمردين تمثلت في أخذ زوجاتهم رهائن إلى كوش، حيث سجل في أحد النقوش في معبد كوة: "جعلت زوجات حكام (أورو) مصر السفلى خادمات في المعبد".

 

لا شك أن الحروب والانتفاضات في الإمبراطورية الآشورية قد ألهت سنحاريب ومن بعده اسارحادون في أيام حكمه الأولى عن غزو مصر مما أباح لتهارقا الفرصة للانشغال بالنشاطات المدنية وتمكن من تشييد الكثير من المعابد في كل من كوش ومصر كما لم يتسن لأسلافه القيام به. تفاصيل تلك الأعمال المعمارية الهائلة لن نخوض فيها حالياً. لكن نقول أنه قياساً بحجم الهدايا والهبات التى قدمها تهارقا لمعبد آمون في كوة، وقياساً بأعمال البناء التى وجه بإجرائها هناك فانه كان يمتلك قدراً هائلاً من الثروة، ثروة توفرت للدولة من الضرائب المفروضة على المواطنين في كل من كوش ومصر بالإضافة إلى العمل المكثف في مناجم الذهب في الصحراء الشرقية. وكان من بين الهدايا العديد من المصنوعات والمواد الآسيوية المجلوبة إلى كوش من بينها خشب الأرز والبرونز الآسيوي، وهى موضوعات غالباً ما يكون قد تم اقتناءها عن طريق التجارة ذلك أن مرتفعات لبنان ما كانت في تلك الفترة تحت سيطرة الكوشيين.

 

امتدت حدود مملكة نبته في عهد تهارقا جنوباً حتى مكان يقال له رتيهو قابت (؟) وفي الشمال حتى مكان في آسيا يقال له كبح حور، ولازال الموقع الفعلي للمكانين غير محدد. في بداية عهده بلغت المملكة أوج ازدهارها وقوتها، ويحتمل أن تكون أعمال صهر الحديد في مروى (كبوشية الحالية) قد بدأت في أيامه حيث فرضت ظروف الصراع العسكري المستمر مع الإمبراطورية الآشورية العمل على تطوير صناعة الأسلحة. وكما هو واضح من النصوص التى تم الكشف عنها في كوة فان اقتصاد المعابد شهد ازدهارا، وأصبحت المعابد في كوش، كما هو حالها في مصر، مراكز علمية، ووجد في معبد آمون بكوة أربعة منجمين استطاعوا تحديد الوقت بحركة الأفلاك بمساعدة أجهزة متخصصة. ويلاحظ أن كل المسلات في كوة يرجع تاريخها إلى العشر سنوات الأولى من عهد تهارقا، أي الفترة  من 689 حتى 679 ق.م. هل كان ذلك مجرد صدفة؟ لا نعتقد ذلك إذ أنه بعد مقتل سنحاريب الآشوري في انقلاب داخل القصر تولى ابنه اسارحادون السلطة في عام 681 ق.م. لتبدأ مجدداً التهديدات الآشورية تطال الممتلكات الكوشية في مصر مما فرض على تهارقا الاهتمام بحماية حدود مملكته الشمالية في شرقي الدلتا، وهو ما أدى إلى تحجيم الدعم المالي والعيني الذى يقدمه للمعابد. ويبدو أن اسارحادون أدرك أنه طالما بقيت القوة الكوشية مسيطرة على مصر فان سيادة الإمبراطورية الآشورية على سوريا وفلسطين لن تستقر، ولذلك قام في عام 647 ق.م.، بمجرد أن قضى على المقاومة في سوريا، بمحاولة الهجوم على الكوشيين في مصر لكنه مُنىَّ بالهزيمة. وعاود الكرة مرة ثانية بعد ثلاثة أعوام فشن هجوماً حقق نجاحاً بفضل المساعدة التى قدمتها له زعامات قبائل البدو ومدَّ جيشه بالجمال تمكيناً له من عبور صحراء سيناء ليصل إلى منف ويحاصرها ويحتلها بعد أن أجلى عنها تهارقا الذى خلف زوجاته وأطفاله في المدينة ليقعوا في الأسر. أما حكام الدلتا المصريين فقد أعلنوا عن ولائهم للغازي الجديد القادم من الجزيرة الفراتية. ويقول اسرحادون بخصوص نصره: "ضربت الحصار حول مدينة ممبى (منف) المقر الملكي، واستوليت عليها قبل مرور نصف يوم بواسطة الأنفاق الأرضية والثغرات التى فتحت في أسوار المدينة وسلالم الاقتحام. ونقلت المغانم إلى أشور، ومن بينها الملكة وحريم القصر واوشى ناحورو الوريث الرسمي و أبناءه الآخرون وممتلكاته والعديد من جياده ودواب الحمل والماشية والقطعان، وأبعدت جميع الكوشيين إلى خارج البلاد ولم ابق على واحد منهم ليقدم ليّ فروض الطاعة والولاء، وحل محلهم في ربوع مصر ملوك وحكام وضباط ومراقبو موانئ وموظفون وإداريون جدد".

 

خلد اسارحادون انتصاره في لوحتين الأولى في زنجريلى والثانية في نار الكلب، وصور اسارحادون في الأولى وهو يقف أمام تهارقا الجاثي على ركبتيه، وفي الثانية أمام ابن تهارقا اوشى ناحورو. إلا أن انتصار اسارحادون لم يدم طويلاً إذ عاد تهارقا مجدداً إلى منف في عام 669 ق.م. وهو ما فرض على الملك الآشوري أن يجهز جيشاً لاستعادة مصر لكنه توفي وهو في طريقه إلى هناك وتوقفت تلك الحملة نتيجة ذلك.

 

في عام 666 ق.م. قرر ابن اسارحادون الملك أشور بن بعل فرض سيطرته على مصر مجدداً مما دفع تهارقا إلى التراجع من منف إلى طيبة. ومات تهارقا في عام 663 ق.م. والصراع بين الإمبراطورية الآشورية ومملكة نبتة على أشده للسيادة على مصر. ورغم أن تهارقا كان قد تعرض للهزيمة مرتين وأجبر على التراجع أمام الجيوش الآشورية فان التحدارات التاريخية تنظر إليه واحداً من الملوك الفاتحين العظماء، هكذا نجد أن سترابو ذكر تهارقا في المرتين اللتين تعرض فيهما لأعمال أعظم الملوك الفاتحين في القدم مشيراً إلى أن تهارقا قد وصل حتى أعمدة هرقل. كما أن نصوص الكهنة المصريين، والتي لم تجد الاهتمام من قبل علماء الدراسات المصرية القديمة، تتحدث عن تهارقا العظيم الذى عدوه ملكاً حتى في ظل السيادة الآشورية. ولا ننسى أن تهارقا في السنوات العشر الأولى لحكمه جعل من مصر دولة مزدهرة اقتصاديا وهو ما جعل ذكراه طيبة لدى المصريين. كما أن الحوليات التى دونت في عصره بأخبار فيضان النيل الذى حدث في العام السادس لحكمه، وبلغ ارتفاعه مستوى خطيراً كاد ينقلب إلى كارثة لولا العناية الإلهية، على حد تعبيره، التى حولت الفيضان لفائدة العباد. واحتفالاً بهذه المناسبة نصب تهارقا المدونات المتماثلة في تانيس بمصر وفي كوة بكوش وفي مدن مصرية وكوشية أخرى جاء فيها "أيَّا آمون يا أبى، ياربَّ عرشي القطرين. لقد أنعمت علىَّ بأربع معجزات في غضون سنة واحدة، وهو العام السادس من تتويجي ملكاً، عندما فاض النيل ليبلغ مستوى يمكن أن يسبب انجراف المواشي وإغراق سائر البلاد، ولكن ظلت المناطق الريفية جميلة على مد البصر، ولم يسمح لرياح الجنوب أن تقضى عليها، وماتت القوارض والزواحف وطردت أسراب الجراد. وهكذا استطعت أن أحصد حصاداً وفيراً بكميات لا تقدر من أجل بيت الغلال المزدوج".

 

تانوت أمانى وفقدان السيادة على مصر

أمر تهارقا بتشييد أهرامه في نورى غير البعيدة عن نبته في أكثر موقع ارتفاعا، ويبدو أن السبب من وراء ذلك هو عدم وجود مكان مرتفع في جبانة الكرو على الضفة المواجهة للنيل حيث ترقد رفات أسلافه. والمؤسف أن مدفن تهارقا، مثله مثل مدافن أسلافه، قد تعرض للنهب التام في القدم، ولم يتبق من جثمان هذا الملك، الذى عمت شهرته الآفاق وورد اسمه مرتين في الكتاب المقدس، سوى أجزاء من عظام رجليه، ولم يبق من المرفقات الجنائزية في مقبرته إلا عدد غير كبير من الأواني المصنوعة من الحجر وبعض التماثيل الجنائزية. وكان تهارقا بوقت قصير قبل وفاته، احتمالا في السنة الأخيرة من عمره، قد عين ابن أخيه تانوت أمانى نائباً له، ولازال الاختلاف قائم عما إذا كان الأخير ابناً لشاباكا أم شاباتاكا، إلا أن الباحثين المتخصصين في دراسة هذه الفترة تحديداً يعتقدون بأنه كان ابناً لشاباتاكا. عن اعتلاء تانوت أمانى تحدثنا المسلة التى اشتهرت باسم لوح الحلم والذي عثر عليه مع ألواح ملوك كوش الآخرين في جبل البركل في عام 1862، ويرجع تاريخ اللوح لفترة بعد اعتلائه العرش. يشير اللوح إلى حلم شاهده الملك: "وفي عام تتويج جلالته رأى في المنام أفعيين ضخمتين واحدة على يمينه والأخرى على يساره، فاستيقظ جلالته وبحث عنهما دون جدوى. وتسائل جلالته: ماذا حدث؟ فقدم له البعض هذا التفسير: إن البلاد في قبضتك، وبقى أن تفتح شمالها أنهما السيدتان اللتان ظهرتا فوق رأسك لتمنحاك البلاد دون منازع".

 

وتشير عبارات اللوح إلى أن تانوت أمانى بمجرد سماعه نبأ وفاة عمه تهارقا عاد إلى كوش من مصر العليا حيث تم تتويجه ملكاً في نبتة، وغادر بعد التتويج إلى مصر وزار معبد الإله خنوم في طيبة وغادرها متجهاً إلى الشمال حيث كانت الأوضاع معقدة، ذلك أن حكام الدلتا بعد أن ذاقوا الأمرين من الحكم الآشوري كرروا، كما فعلوا على أيام تهارقا، طلبهم للملوك الكوشيين أن أنقذونا من الاستبداد الآسيوي، الذى حرمهم من الاستقلال في إدارة ممتلكاتهم وهو استقلال تمتعوا به في ظل سيادة الملوك الكوشيين على مصر. والواضح أن تانوت أمانى لم يواجه مقاومة تذكر في طريقه إلى الشمال من طيبة حتى وصل إلى منف وضرب عليها الحصار واستولى عليها مجدداً، إلا أن ذلك لم يحرك حكام الدلتا الذين ظلوا يترقبون ما سينجلي عنه السجال العسكري بين الكوشيين الذين قدموا لإغاثتهم والآشوريين المحتلين لبلادهم فاحتموا بأسوار مدنهم بعيداً عن أرض المعارك الدائرة مكتفين فقط بإظهار ولائهم لتانوت أمانى (تالتاماني)، وهو ما تؤكد عليه الهدايا التى قدموها لجلالته كما هو مبين في لوح الحلم.

 

ما حدث في أعقاب ذلك نعرف عنه من حوليات الملك الآشوري أشور بن بعل الذى أرسل جيشاً لاستعادة سيطرته على مصر، وخاض معركة مع الكوشيين في أطراف منف هُزم فيها الكوشيون وتراجعوا إلى طيبة وتتبعتهم القوات الآشورية إلى هناك حيث تمكن الأخيرون من دخول المدينة وتدميرها وتراجع تانوت امانى إلى كوش. ولم نعد نعرف شيئاً عن سنوات حكمه الأخيرة، وتوفي في حوالي سنة 653 ق.م. ودفن في جبانة الكرو، وبوفاته تنتهي السيطرة الكوشية على مصر وتنتهي معها الأسرة الخامسة والعشرين.

 

ما هي الأسباب التى أدت إلى هزيمة الكوشيين في صراعهم مع الإمبراطورية الآشورية للسيادة على مصر؟ إن ملوك نبتة الذين عدوا أنفسهم الورثة الشرعيين للتاج المصري ادعوا أيضاً شرعية سيادتهم على الممتلكات المصرية السابقة في سوريا وفلسطين وهو ما يفسر التحركات النشطة لشاباكا وشاباتاكا وتهارقا في مناطق أصبحت تابعة للإمبراطورية الآشورية التى أضحت القوة العسكريَّة الكبرى في الشرق في تلك الفترة. إلا أن الملوك الكوشيين لم يمتلكوا لا القوة العسكرية الهائلة ولا الموارد البشرية والماديَّة التى تمكنهم من الصمود طويلاً في مواجهة القوة الآشورية الضاربة، هذا بالإضافة إلى أن حكام الدلتا بدلاً عن أن يقدموا الدعم للقوات الكوشية ظلوا على العكس يشكلون مصدر إضعاف لها بدخولهم في صراعات فيما بينهم  انشغل الملوك الكوشيين بالسيطرة عليها طوال الوقت.

 

مملكة نبتة بعد التراجع من مصر

للأسف فان فترة القرنين السابع والسادس قبل الميلاد والتي تم خلالها نقل العاصمة من نبتة إلى مروى (كبوشية- البجراوية) لازالت ضعيفة التوثيق لشح المعلومات، معروفة فقط أربعة نقوش ترجع ثلاثة منها إلى ملك واحد بالإضافة إلى عدد غير كبير من النقوش المصرية المقتضبة. فقط بفضل أعمال التنقيب في المدافن الملكية في نبتة ومروى أمكن تحديد تعاقب الملوك الذين أعقبوا تانوت امانى، وبهذا القدر أو ذاك تثبيت تواريخ حكمهم وشجرة نسبهم.

 

خلف تانوت امانى ابن عمه أتلانيرسا (653–643 ق.م.) الذى أعقبه بدوره ابنه سنكامانسكن (643–623 ق.م.) ومن ثم اعتلى العرش بالتوالي نجلاه أنلامانى (623-593 ق.م.) وأسبالتا (593–568 ق.م.) ورغم فقدان الكوشيين لمصر فان هؤلاء الملوك امتلكوا قوة وثروة هائلة مكنتهم من إنجاز الأعمال الضخمة، في المقام الأول في معابد جبل البركل.

 

شيد أتلانيرسا هرماً له بالقرب من هرم والده تهارقا، وكذلك فعل ابنه سنكامانسكن وابناه أنلامانى وأسبالتا في نورى. من حيث الحجم والمعمار المميز لتلك الأهرام يتضح مدى الثراء والقوة التى تمتع بها أولئك الملوك، وعلى سبيل المثال فان التابوتين الخاصين بالملكين سنكامانسكن وأسبالتا يزن الواحد منهما 15 طناً وغطيا بنقوش رائعة من النوع المميز للطقوس الجنائزية لفترة الأسر العشرين السادسة والعشرين، واحتوت على بعض نصوص اللعنات وعبارات من نصوص الأهرام وكتاب الموتى ونصوص التوابيت.

 

وبفضل لوحة أنلامانى التى تم الكشف عنها في كوة يمكننا أن نكون صورة عامة عنه وعن نظام الحكم في عهده. يبدأ أنلامانى نص لوحه، مثله مثل تهارقا، بتقديم امتنانه وعرفانه واحترامه لوالدته تاسالسى التى صُورت إلى جانبه مرتين في بداية اللوح، وهو أمر طبيعي علماً بالدور الخاص بالملكة الأم الكنداكة في كوش. ويعبر أنلامانى عن اهتمامه برخاء الشعب وسيادة النظام في البلاد: "يجب ألا يقتل في عهدي أي من المواطنين إلا أولئك المارقين وكل من يثير المشاكل، ويجب ألا يُغضب أحد الأرملة، وألا يفترى أحد في عهدي". هكذا خاطب الملك المسئولين في القصر قبيل مغادرته في مأمورية تفتيشية. ويحتوى النص على معلومات عن الحرب الوحيدة التى خاضها أنلامانى، فقد أرسل تجريدة عسكرية إلى بلاد بيلهى (البليميين) التى يبدو أنها كانت ذات طابع تأديبي عادى ذلك أنه بعد كل الحديث عن "الضرب المبرح الذى ناله سيئ السمعة هذا" فقد تمَّ أخذ أربعة رجال فقط أسرى.

 

أسبالتا والصراع الكوشي المصري

أما أسبالتا فقد وصلت إلينا منه ثلاثة نصوص طويلة من جبل البركل، يحتوى الأول منها معلومات عن عملية انتخاب الملك، ويحتوى الثاني لوح الإقصاء كالأول على معلومات ذات أهمية بالنسبة لدراسة تركيب الدولة وبنيّتها في كوش. فقد تمت عملية انتخاب أسبالتا ملكاً وفق التقاليد المتبعة بأن أشارت إليه الروح الإلهية أولاً ومن ثمَّ تمت الموافقة من قبل المحاربين (الجيش)، وهو نظام للحكم نال تسمية الديمقراطية العسكرية في الأدب المتخصص. وقد نالت الطبقة الكهنوتية أهمية من خلال تأثيرها في المجريات السياسية بوصفها المعبرة عن الروح الإلهية، إلا أن أسبالتا أبقاهم تحت رقابته وسيطرته الكاملة وهو ما نستشفه من محتوى النص الثالث الذى صار يعرف باسم نص التكريس والذي عين بمقتضاه أخته زوجته ماديكن كاهنة عليا للإله آمون وحدد المهام الموكول لها القيام بها والتي تُورَّث لمن يخلفها من أحفادها.

 

يبدو أن أول صدام وقع مع مصر نمتلك معلومات عنه كان في عهد أسبالتا، معلوم أنه بعد تراجع تانوت امانى من مصر إلى كوش ظلت العلاقات بين البلدين على الأقل غير عدائية حتى أن عابدة الإله شبنوبت (إبنة الملك بيَّا(  تبنت نيتوكريس إبنة بسامتيك الأول، وأنه لما امتدت سلطة الأسرة السادسة والعشرين لتشمل كل مصر لم يتم إبعاد أفراد الطبقة الأرستقراطية الكوشية الذين بقوا في طيبة من المناصب العليا التى كانوا يتبوأون فيها سواء في السلك الكهنوتي أم الإداري، بل أن موتمحات الذى أصبح حاكماً على مدينة طيبة كان من أصل كوشي، وبقى حوتسرديس الذى ينتمي إلى أسرة كوشية من الأرستقراطية حاكماً لادفو في مصر العليا. إلا أنَّ ملوك الأسرة السادسة والعشرين في سايس ظلوا يشعرون بأن الملوك الكوشيين لازالوا لم يتخلوا عن ادعائهم بشرعية وراثتهم للتاج المصري وهو ما يشكل تهديداً دائماً لسلطانهم، وازدادت مخاوفهم بفعل الشعور العام في مصر، في الأوساط الكهنوتية والشعبية، الموالي للكوشيين بوصفهم من وقف بوجه العدوان الآشوري، وهو ما ليس باستطاعة حكام سايس أسلاف بسامتيك ولا الأخير نفسه ادعاءه. بالإضافة فان الملوك الكوشيين للأسرة الخامسة والعشرين ظلوا في نظر الدوائر الكهنوتية هم حماة الدين والتقاليد.

 

وقد دفعت الصراعات بين حكام الدلتا من أجل السلطة بسامتيك للبحث عن قوة عسكرية فاعلة يعتمد عليها فلجأ لاستخدام جنود مرتزقة إغريق مما يعنى تهميش دور الجنود الليبيين الذين قام بإرسالهم إلى الحاميات الجنوبية بخاصة الفننين. ويبدو أن بسامتيك رمى من تلك السياسة إلى تحقيق هدفين، أي ضرب عصفورين بحجر واحد، فمن جانب إبعاد الليبيين غير المرغوب فيهم من قاعدتهم في الدلتا، ومن جانب ثان تأمين حدوده الجنوبية استبعاداً للخطر الكوشي.  إلا أنَّ ذلك لم يرض الجنود من الليبيين فهربوا من الخدمة واتجهوا جنوباً إلى كوش حيث تم إيواءهم في داخل البلاد، وهم المجموعة المسماة حسب رواية هيرودوت الاسمخاى والذين يروى أنهم جنود الحامية في الفننين بعد نوبتهم التى امتدت إلى ثلاث سنوات، في مكان كان في رأيهم منفي لهم، أصابهم شئ من التذمر من الحال التى صاروا فيها ومن ثم أعلنوا ثورتهم، وساروا مع النيل إلى نبتة، حيث عرضوا خدماتهم على ملك الإثيوبيين فقبلها وأعطاهم قطعة أرض كان يقطنها أعداء للملك، وطلب منهم طرد أولئك الأعداء، فتمكنوا من تحقيق النجاح، واستقروا في تلك المنطقة، ولقد حددت الأخبار التاريخية عددهم بنحو ألفين وأربعمائة مقاتل، غير أنه رقم فيه من المبالغة ما لا يخفي على أحد على حد تعبير كراوفورد.

 

في عهد بسامتيك الثاني، فيما يبدو، نشأت في نبتة ظروف يمكن عدها غير مطمئنة بالنسبة للأسرة المصرية السادسة والعشرين إذ عثر في تانيس على نقش يرجع تاريخه للعام الثالث لحكم بسامتيك الثاني جاء فيه "أتينا لنقول لجلالته في عام تتويجه الثالث: بلاد كوش تفكر في العراك معك". والحق يقال أن مثل هذا النص لا بدَّ من قراءته على ضوء الحملة الأيديولوجية التى أعلن بسامتيك بدايتها ضد الملوك الكوشيين للأسرة الخامسة والعشرين بإصدار أوامره بإزالة أسماء أولئك الملوك أينما وجدت وإحلال اسمه في مكانها. هدفت تلك الحملة إلى تبديل الصورة المنطبعة في التحدارات الشفهية عن الملوك الكوشيين كحماة للعقائد القديمة وكمحررين لمصر من الغزاة الآشوريين وإحلال صورة جديدة ترى فيهم غزاة دمويين اغتصبوا السلطة من الحكام المصريين الشرعيين. هكذا شرع بسامتيك الثاني في تجهيز الرأي العام في مصر لإعلان الحرب ضد كوش، وهى حرب لها مغزاها الاستراتيجي العسكري والاقتصادي. فمن الناحية العسكرية اشتركت مصر في الصراع الدائر في آسيا لاقتسام تركة الإمبراطورية الآشورية المحتضرة بتقديم الدعم لهذا أو ذاك من المتعاركين، وهو ما تطلب من الحكام المصريين ضرورة تأمين خط ظهرهم في الجنوب. ومن الناحية الاقتصادية فالاحتياج إلى ذهب كوش ومنتجاتها الأخرى المرغوبة في الأسواق العالمية مثل العاج والأبنوس وجلود الأفيال وغيرها ظل عنصراً له أهميته بالنسبة للاقتصاد المصري.

 

هكذا ومع بداية حكم الملك الكوشي أسبالتا قرر بسامتيك الثاني شن الحرب على كوش وقام بنفسه بقيادة جيش جرار تألف من فيلق مصري وفيلقين آخرين من الجنود المرتزقة الإغريق واليهود والفينيقيين والليديين. ويبدو أن تلك الحرب كانت من الأهمية بحيث ظلت ذكراها عالقة حتى أيام هيرودوت في القرن اللاحق. غير معروف المدى الذى وصلت إليه القوات الغازية، لكن إذا صحت مطابقة تا- ساش الواردة في نص تانيس مع دنقلا، فان في ذلك إشارة إلى تقدم جيش بسامتيك إلى ما وراء الشلال الثالث. إلا أنَّ المؤكد هو نجاح بسامتيك في تثبيت الحدود مؤقتاً عند الشلال الثاني. على كل فان تلك الحرب حددت مسار العلاقات السياسية الكوشية المصرية لعشرات السنوات اللاحقة.

 

يبدو أن حملة بسامتيك الثاني أسهمت بهذا القدر أو ذاك في القرار الخاص بانتقال العاصمة الكوشية من نبتة إلى مروى بعيدًا إلى الجنوب، لكنها قطعاً ما كانت العامل الأوحد. إن موقع مروى كان أكثر إستراتيجية من الناحية العسكرية والاقتصادية من نبتة، فمروى الواقعة على ضفة النيل تمثل ملتقى للعديد من الطرق التجارية التى تربط البحر الأحمر بالغرب البعيد، والطرق التى تربط الشمال بالجنوب. بالإضافة فإنها تقع في منطقة غزيرة الأمطار، وهى أمطار يتزايد معدلها كلما اتجهنا جنوباً حيث تمتد الأراضي المنبسطة بين النيلين الأزرق والأبيض وروافدهما وتتميز بالخصوبة المنبتة للقمح، وإلى الشمال الشرقي منها وعلى الرغم من أن هطول الأمطار فيه ليس كافياً لإنتاج محاصيل منتظمة أو لإقامة دائمة فان البيئة تعد صالحة للحياة وتوفر مرعىً ممتداً. هذا في حين أن نبتة الواقعة في الإقليم الممتد من بربر إلى الشلال الثالث تتوسط منطقة نادرة المطر، ومن ثم نجد أن الشريط النيلي وحده هو المأهول بصورة دائمة وتعتمد الزراعة فيه اعتماداً كلياً على مياه النيل.

 

ــــــــــــــــــ

(1) كوة : موقع جم آتون القديم، يقه على الضفة الشرقية للنيل بمواجهة مدينة دنقلا العرضي (الحديثة) ويجب عدم الخلط بين هذا الموقع وموقع "الكوة" (العيس سابقاً) على النيل الأبيض إلى الجنوب من الخرطوم. ويبدو أن الأستاذ الجليل سليم حسن لم يدقق في الأمر فسجل في موسوعته اسم "الكوة" بدلاً عن "كوة" للموقع، كما ولفت انتباهي كتابته لجبل البركل باستخدام ق "البرقل" وهو ما يجافي النطق السليم لجبل البركل، أي "الجبل النظيف" كما أسمته النقوش المصرية. نرجو التصحيح.