أماني رينا والمواجهة مع الامبراطورية الرومانية

 

رؤية مجددة في تاريخ كوش الثقافي - 7

 

 

أماني رينا والمواجهة مع الامبراطورية الرومانية

شهدت الفترة التى أعقبت الاحتلال الروماني لمصر في مملكة مروى اعتلاء تانيدأمانى للعرش حوالي 120-100 ق.م. وقد تم العثور على نقوشه في كل من مروى ونبتة 1887 Brugsch، وصُور الملك في نقشه الذى عثر عليه في عام 1920 في جبل البركل وهو يقف أمام الآلهة يطأ تحت قدميه أجساد الأعداء المقيدين مما يشير إلى أن النص، الذى تتعذر قراءته لكونه كتب بالخط المروى الكورسيف، عبارة عن حوليات. على كل فان نقش تانيدأمانى وكذلك اللوح البرونزي الذى يحمل اسمه مكتوباُ في داخل إطار ملكي (خرطوش) في نبتة يسمح بالتوصل إلى استنتاج محدد. الأمر يتعلق  بأن ريزنر، الذى قام بدراسة مجموعة أهرام جبل البركل توصل إلى استنتاج بأن كوش تفككت في نهاية القرن الثاني- القرن الأول قبل الميلاد إلى مملكتين و تأسست في نبتة أسرة مروية ثانية لم تكن قوية وسيطرت فقط على المنطقة المحيطة بنبتة، لكن في مثل هذه الحال يظل غير واضح كيف تمكن تانيدأمانى أن يترك حولياته في نبتة، كما أن الملكة التى عاشت بعده أماني رينا والأمير أكينيداد تركا نقوشهما في كل من دكة و كوة. بالتالي فان فرضية نشوء أسرة مروية ثانية حاكمة في نبتة وهو ما يعنى تفكك كوش إلى مملكتين لا مبرر لها، وهى فرضية أكدّ مكادم على بطلانها Macadam 1955  واتفق معه لاحقاً آركل Arkell 1961. يبدو أنه وجد في نبتة فرع ثانوي للأسرة المالكة خاضع لملوك مروى.

 

لا نملك معلومات كافية عن ملوك مروى أمانى خابإلى و تريتكاسى 70-30 ق.م. والملوك السابقين مباشرة لهما المعاصرين للبطالسة المتأخرين. يحتمل أن ضعفاً مؤقتاً أصاب المملكة إذا جعلنا من مدافن أولئك الملوك معياراً، ذلك أن أهرامهم كانت أصغر حجماً. إلا أن ذلك لم يستمر طويلاً وهى ظاهرة ميزت فقط نهاية القرن الأول قبل الميلاد. ومع الملكة أماني شاخيتى تأخذ المدافن الملكية مجدداً في العودة إلى ما كانت عليه إذ نجد هرم هذه الملكة (البجراوية –6) يبلغ حجمه 17.9 متراً مكعباً، وبلغت أحجام أهرام خلفائها في جبانة البجراوية  الشمالية 9 16متراً مكعباً. تحديدا في هرم الملكة أماني شاكيتى عثر "المخرب" فرلينى على المجوهرات الخاصة بالملكة وصيغتها المكونة من مصنوعات ذهبية رائعة الصنع (سميت فرلينى بالمخرب ذلك أنه قام بتفجير قمم (تيجان) الأهرام في البجراوية بالديناميت على أمل أن يجد الكنوز هناك في القمم).

 

ليست لدينا مصادر مباشرة يمكننا على أساسها إعادة تركيب الصورة كاملة لمملكة مروى في عصر ازدهارها، ومن ثم نضطر إلى الاعتماد في ذلك على مخلفات الثقافة المادية والأطلال المعمارية. أحد أهم المؤشرات على حالة البحبوحة التى عاشت فيها البلاد التطور الكبير للمدن، هكذا نجد بليني يعدد، نقلاً عن بيون و جوبا، عشرات المدن على ضفتي النيل من الشلال الأول حتى مروى وكذلك إلى الجنوب منها. ودللت أعمال الاستكشاف الآثارى في البطانة على أن المنطقة كانت تتميز في العصر المروى بكثافة سكانية عالية، وكان هنتزا قد حدد من خلال الاستكشاف الذى أجراه للمنطقة في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي خمسين مركزاً للإقامة 1960 Hintze هناك.

 

شيدت في حاضرة المملكة- مدينة مروى- معابد عظيمة و قصور فخمة، منها معبد إيزيس، ومعبد آمون، ومعبد أبادماك، ومصلى بالقرب من معبد الشمس، ومصلى ابيس الفخم الذى شيده أسبالتا، ومركب القصور الملكية بأعمدتها وصالتها وحماماتها الرائعة، بالإضافة إلى المرصد الذى شيد غالباً في القرن الثاني قبل الميلاد. ما كان هذا النشاط المعماري محصوراً فقط في العاصمة بل شمل المدن المروية الأخرى.

 

الهبات التى قدمها الملوك الكوشيين للمعابد والتي ذكرت في حوليات اريكى أمانوتى و هورسيوتف ونستاسن تؤكد أن خزينة الدولة لا  تنضب، وهو ما تؤكد عليه أيضاً أعمال البناء الضخمة في معابد جبل البركل وكوة. ويبدو أن التجارة الداخلية والخارجية شكلت جزءاً هاماً في اقتصاد البلاد مما دفع بالملوك الكوشيين الاهتمام بسلامة الطرق التجارية وتأمينها بإنشاء الحصون لا قامة الجنود المناط بهم توفير الحماية لتلك الطرق من هجمات اللصوص أو رجالات القبائل البدوية. 

 

أكدت أحداث نهاية القرن الأول قبل الميلاد على قوة كوش. فبعد أن امتلك أغسطس في عام 30 ق.م. مصر ووضع حداً لسيادة أسرة البطالسة تقدمت القوات الرومانية نحو الجنوب ووصلت إلى حدود مصر الجنوبية مع كوش. احتمالاً أنه وفي العام نفسه آلت السلطة في مروى للملكة أماني رينا 30-18 ق.م. خلفاً للملك تريتكاسى. وفي العام التاسع والعشرين للسيطرة الرومانية على مصر اضطر الحاكم الروماني كورنيللى جال إلى قمع انتفاضة في طيبة قام بها السكان المحليون. ويبدو أن أخبار الانتفاضة وقمعها وصلت إلى مروى ذلك أنه عندما ذهب كورنيللى إلى الحدود المصرية الجنوبية جاءه إلى جزيرة فيلة رسل ملك الإثيوبيين legalis regis Aethiopum. وبما أن النص يحدد بوضوح الملك "الباسيلوس basileus" بمواجهة الزعماء الخاضعين له "التيرانوى tyrannoi" فانه لا يستبعد أن يكون أولئك بالفعل رسل ملك مروى، إلا أنه من المستبعد أن تكون الكلمات التى نسبت لهم te presbeis Aithiopon enphilajs kai proksenian para tou basileus labon التى تشير إلى إعلان خضوع ملك مروى للحاكم الروماني مجرد تمنيات حاول كورنيللى أن يلبسها ثوب الحقيقة. على كل وضع الرومان الزعماء الخاضعين "التيرانوى" في الإقليم الثالث عشر تحت الحماية الرومانية وذلك لأن الرومان كانوا في أشد الحاجة إلى استقرار السلام في حدودهم الجنوبية.

 

وفي عام 24 ق.م. قام خليفة كورنيللى القائد ايلى جال بتعليمات من أغسطس بحملة إلى شبه الجزيرة العربية، وانتهز الكوشيون قلة عدد القوات الرومانية في مصر بفعل تلك الحملة فهجموا على جزيرة فيلة والفننين وأسوان، وأحالوا السكان إلى العبودية مجاراة لما فعله الرومان على ما يبدو، ودمروا تمثال القيصر. إلا أن انتصارهم لم يدم طويلاً إذ أن جاى بيترونى الذى عين بديلاً لايلى جال حاكماً على مصر، نجح في طردهم من هناك وقرر أن يتخذ إجراءات تعيق مثل هذه الهجمات من الجنوب في المستقبل. يحدثنا عن ذلك سترابو (الكتاب السابع عشر،1،5) وديون كاسى (الكتاب الرابع،5،4- 6) الذين يرجعان إلى بليني  Res gestae divi Augusti 26 § النص الأكثر اكتمالاً تم الاحتفاظ به لدى سترابو الذى، كما يقول هو نفسه، أنه لدى زيارته لمصر رافق ايلى جال إلى أسوان. ومن ثم لا نرى داعياً لإضافة أي شئ إلى نص سترابو الذى يقول أن بترونى سار "بقوة مؤلفة من 10.000 جنود مشاة و8.000 من الفرسان ضد 30.000 من جيش العدو، وفرض على العدو بداية الهروب إلى مدينة بسلخيس الكوشية ومن ثم بعث إليهم رسله طالباً منهم (أي الكوشيين – أسامة) إرجاع ما استولوا عليه، سائلاً إياهم عن السبب الذى جعلهم يبدأون الحرب. وعندما أجاب الإثيوبيون بأن حكام الأقاليم المصريين أغضبوهم، أجابهم بترونى أن الأخيرين ليسوا حكام البلاد وإنما الحاكم هو القيصر، عندها طلبوا إمهالهم ثلاثة أيام للتفكير، لكنهم لم يفعلوا شيئاً مما كان يتوجب عليهم فعله، فهجم عليهم فارضاً عليهم الدخول في معركة، وشتتهم بسرعة وجعلهم يفرون حيث أنهم كانوا منظمين بطريقة سيّئة وامتلكوا أسلحة رديئة...وكان من بين الفارين القادة العسكريون للملكة الكنداكة التى حكمت الإثيوبيين في وقتنا، امرأة ذات بنية رجولية وذات عين واحدة عمياء. كلهم أسرهم بترونى أحياءً وأرسلهم إلى الإسكندرية، ومن ثم هجم على بسلخيس و استولى عليها. بحصر أولئك الذين وقعوا في الأسر والذين قضوا نحبهم في المعركة يتضح أن القليل كانوا من الناجين. من بسخليس وصل بترونى إلى المدينة المحصنة بريميس (قصر إبريم- أركامانى)...هجم على القلعة واستولى عليها وأخذها تنازلاً. بعد ذلك بدأ هجومه ضد نبتة، وكانت هذه المدينة مقر الكنداكة وهناك أقام ولدها في حين كانت هي موجودة في مكان ما بجوار المدينة. ورغم أن الملكة بعثت برسل طالبة عقد اتفاقية صداقة عارضة إرجاع الأسرى وتمثال القيصر الذى استولت عليه قواتها في أسوان، فان بترونى هجم على نبتة واستولى عليها، ونجحت الملكة في الفرار منها، ودمرها حتى الأساس وحول سكانها إلى العبوديَّة وتراجع بالغنائم بعد أن رأى أن المناطق الواقعة فيما وراء نبتة مستعصية الاجتياز لجيشه. وقام بتقوية التحصينات في بريميس تاركاً هناك فرقة حماية ومواد تموينية تكفي أربعمائة شخص على مدى عامين، وغفل راجعاً إلى الإسكندرية ... عند ذلك هجمت الكنداكة فجأة على القلعة بقوة لا تحصى، إلا أن بترونى عاد راجعاً إلى نجدة القلعة وسبق الملكة في الوصول اليها. غادر بعد أن اتخذ سلسلة من الإجراءات اللازمة تأميناً للقلعة من هجمات الأعداء. مرة أخرى وصل رسل الملكة، لكن بترونى أمر بإرسالهم إلى القيصر. عندها قال الرسل أنهم لا يعرفون ذلك القيصر وإلى أين يجب الذهاب اليه، ومدهم بترونى بمن يرافقهم. وصل الرسل إلى ساموس حيث كان القيصر، وبعد أن نجحوا في الحصول على كل مطالبهم حرر القيصر بلادهم من الجزية المفروضة عليها". [انتهى نص سترابو]. 

 

 

 

كانت أماني رينا هي الكنداكة التى قامت بالهجوم على مصر. وجدت نقوش مروية يرد فيها اسم أماني رينا وابنها أكينيداد كانا قد نقشا على عمود معبد بسلكيس دكة، حينما حاولت للمرة الثانية مهاجمة الرومان وأحبطت كما يؤكد سترابو، وهو المكان الذى كان قد توقف فيه قادة ملكة مروى للتفاوض مع بترونى. رغم تعاطف سترابو مع الرومان فانه يسرد المجرى العام للأحداث بصورة كاملة ومتسلسلة، لكنه على ما يبدو بالغ في تحديد أعداد القوات سواء الرومانية أو الكوشية. ويشير سترابو إلى الأسباب التى أدت إلى هزيمة جيش ملكة مروى والمتمثلة في رأيه في سوء التنظيم والأسلحة في آن معاً مقارنة بالجيش الروماني الذى نال تدريباً عبر مئات السنوات والمعارك تحت قيادة عسكريين مرموقين من أمثال سبيونى، ويوليوس قيصر، ومارى، وبومبى وغيرهم. صحة رواية سترابو تؤكد عليها النتائج التى تحصل عليها علماء الآثار، فقد تم العثور في مروى في أحد القصور على رأس تمثال للقيصر أغسطس (حالياً معروض بمتحف السودان القومي للآثار في الخرطوم) وهو ما قد يشير إلى أن الكنداكة لم تقم بإرجاع كل تماثيل القيصر التى استولت عليها.

 

الأهم هو أن هناك مصدر آخر يحوى معلومات ذات أهمية لا نستطيع استخدامه بصورة فاعلة للأسف الشديد ، ذلك هو مسلة الأمير أكينيداد التى تمثل في الغالب حولياته عن الحرب مع الرومان، وهى مسلة تم الكشف عنها في شتاء 1913 /1914 أثناء التنقيب في قرية الحماداب الواقعة على بعد ثلاثة كيلومترات من قلب العاصمة مروى. النص المروى- وهو الأطول من بين النصوص المروية المكتشفة حتى الآن- يحمل في الجزء الأعلى صورة الكنداكة التى غالباً ما تكون أمانى رينا. لازالت هذه المسلة تستعصي على القراءة ويمكن فقط فهم بعض الكلمات المتقطعة والعبارات المتفرقة ويصعب إدراك المحتوى الكلى للنص، في الجزء الذى يبدو أن الحديث يدور فيه عن الحملة ضد الرومان، ووفقاً لتفسير جريفيث، يشار إلى أن أكينيداد أخذ في الأسر167 شخصاً كان من بينهم كبيَّره وهو حاكم محلى غالباً ما يكون هو الشخص نفسه الذى عينه كورنيللى في عام 29 قبل الميلاد لإدارة شئون الإقليم الثالث عشر. أما أبناء كبيَّره فانه في الغالب قد تم قتلهم.

 

يحمل أكينيداد في هذا النص وغيره من حولياته التى تم الكشف عنها في مروى، والنقعة، ودكة  لقب باكار- اوو- بيشا- ن- تىَّ  وهو ما يعنى الأمير وارث العرش. يبدو أن الأحداث الموصوفة في النص سابقة لحملة بترونى وهى أحداث قد تكون من أسباب تلك الحملة. إلا أن النص لا يورد اسم بترونى. هناك احتمال بأن أكينيداد ربما كان في فترة تلك الحملة في عامي 25/24 ق.م. قائداً للجيش ذلك أن سترابو أشار إلى أن ابن الكنداكة كان موجودا حينها في نبتة.

 

يعود تاريخ حملة الكوشيين المحبطة على بريميس إلى عامي 21/20 ق.م. ورغم فشل محاولتهم الاستيلاء على بريميس فإنهم حققوا نصراً له مغزاه السياسي تمثل في إجلاء الحاميَّة الرومانية، وفي الحل التفاوضي مع الرومان الذى نتج عنه إعفاء مملكة مروى من أداء الجزية وإطلاق سراح الأسرى الكوشيين الذين سبق إرسالهم إلى الإسكندرية، هذا بالإضافة إلى تثبيت الحدود بين كوش ومصر الرومانية هناك حيث كانت في عهد البطالسة، أى عند المحرقة (اييرا سياكمانا). تنازل أغسطس لا يجوز عده بدافع حب للكوشيين. ظلت مملكة مروى رغم الهزيمة التى تعرضت لها قواتها عدواً قوياً بما يكفي لأن يجعل الرومان يتجنبون استعداءه، أولاً حماية للسلام والاستقرار في مصر وهو ما يرغب فيه الرومان بشدة، وثانياً تأميناً للطرق التجارية مع أفريقيا الاستوائية وانسياب السلع المرغوبة من هناك وتدفقها. هكذا تحول الإقليم الثاني عشر- الدوديكاسخيونس- إلى منطقة حاجزة تحول بين تصادم كوش والرومان وبالتالي لم تكن خاضعة للإدارة المدنية الرومانية، فقط تركت بها دوريات عسكرية حماية للمنطقة من هجمات القبائل البدوية الصحراوية.

 

بعد وفاة أماني رينا اعتلى عرش مروى ابنها أكينيداد 18-12 ق.م. الذى، كما أشرنا سابقاً، كان قد ترك اسمه منقوشاً في مركب المعابد في كوة سوياً مع اسم أماني شاخيتى. لاشك أن الصدام مع الإمبراطورية الرومانية كانت له تأثيرات بعيدة المدى على مملكة مروى، لكننا نقول بأنه لا يجوز القفز إلى الاستنتاج بأن هزيمة مروى كانت بفعل أزمات وصراعات داخلية عانت منها المملكة أو القول بأن الهزيمة أدت إلى نشوء مثل تلك الأزمات. الأمر أكثر بساطة وأقل تعقيداً وهو عدم تكافؤ القوتين: كانت روما هي القوة العظمى في النظام العالمي حينها وهى القوة التى تقف في قلب ذلك النظام، في حين كانت مملكة مروى واحدة من الدول الهامشية في النظام القائم عالمياً. كان فقدان نبتة المؤقت إعلاناً ببدء مرحلة ختامية في تاريخ مروى، ولم تعد نبتة المركز الرئيس للحياة الدينية في كوش بانتقال ذلك المركز جنوباً إلى حاضرة المملكة في مروى مع ما يعنيه ذلك من انتقال للتطلعات الاقتصادية والسياسية نحو الجنوب.

 

اعتمدت مملكة مروى في سياستها الدفاعية على تشييد التحصينات في أطرافها الشمالية. عادة ما تم تشييد تلك التحصينات على الصخور المرتفعة على ضفتي النيل حيثما يكون المجرى ملتوياً الشئ الذى يعطى سلسلة من المزايا التكتيكية. هكذا بنيت القلاع في قصر إبريم وفي جبل عدا ومناطق عديدة أخرى من النوبة السفلى، وهى منطقة لا بدَّ من الاعتراف بأنها كانت ذات كثافة سكانية عالية في العصر المروى وهو ما تشهد عليه الجبانات الممتدة على ضفتي النيل والتي يرجع تاريخها لتلك الفترة. كان الجثمان في تلك المقابر يوضع في تجويف يحفر على جدار المقبرة ويغلق بحجارة أو بطوب غير محروق، وهى المقابر التى صار يطلق عليها اسم المقابر الكهف، ولم تكن طقوس الدفن فيها بمختلفة عن مقابر عصر نبتة حيث يوضع الجثمان على عنقريب أو حصيرة لا في تابوت. وكانت مقابر علية القوم تغطى بأكوام من الحجارة أشبه بالأهرام الصغيرة تقليداً لأهرام الملوك الكوشيين في الكرو، ونورى، والبركل، ومروى. المصنوعات الفخارية المرافقة كانت تظهر استمرارية لفخار المجموعة الثالثة وفي الحين نفسه لفخار إقليم المملكة الأبعد إلى الجنوب مثل جبل مويَّة. كما واحتوى الفخار الجنائزي على المصنوعات الفخارية المروية المزخرفة الرائعة.

 

يبدو أن القرن الميلادي الثاني شهد أوج ازدهار مدن الأطراف الشمالية لكوش وقراها Emery Kirwam 1935، وكانت أكثر النشاطات المعمارية في فرس في القرنين الميلاديين الأول والثاني. وبدء في وقت لاحق من القرن الثالث في تشييد التحصينات نتيجة تزايد معدل الهجمات التى تشنها القبائل البدوية من الصحراء الشرقية. اتسمت العلاقات في تلك الفترة بين كوش وروما بالمودة وهو ما تشير إليه بعثة الملك تيكريد امانى إلى مصر في العام الثالث لحكم تريبونيان جال، أي في عام 253 م. و يتضح من النقش الذى وضعه المبعوثون الكوشيون في معبد إيزيس بجزيرة فيلة يتضرعون للآلهة أن تصونهم وتمكنهم من الوصول إلى مبتغاهم لتقديم ما يحملون من هدايا، أن مملكة مروى كانت لازالت تمتلك من الخيرات ما يجعل ملوكها قادرين على ممارسة الكرم الكوشي. وكان طاقم كهنة إيزيس في فيلة قد تلقوا خلال عامين فقط هدايا من الملك تيكريدامانى ما يقارب العشرين تالنت من الفضة والمصنوعات الذهبية التى بلغ وزنها 16.5 رطلاً.

 

تفكك مملكة مروى

بدو كوش القوة الصاعدة

لازال غير واضح التطور الذى لحق بالعلاقات بين مروى و روما ذلك أن الأزمة التى تعرضت لها الإمبراطورية الرومانية تزامنت مع الضعف الذى أصاب جسم مملكة مروى وهو ما أدى إلى بروز قوة ثالثة على مسرح الأحداث في المنطقة فرضت على كلتا القوتين التعامل معها مما أثر على مجرى الأحداث المستقبلية. تجسدت القوة الثالثة تلك في قبائل البليميين البدوية المترحلة في الصحراء الشرقية التى أخذت في الإعلان عن تواجدها في وادي النيل، وهو ما لم يكن ممكناً في عصر ازدهار مروى و روما.

 

مسألة أصل البليميين ما عادت مثاراً للجدل في الوقت الراهن ذلك أنه قد تم الاتفاق على مطابقتهم بالمدجاى المذكورين بكثرة في النصوص المصرية القديمة والذين يؤلفون جزءاً من مجموعة البجة الاثنية، وهى مجموعة يقال بأن أسلافها الأباعد قد وصلوا في أزمان ضاربة في القدم إلى المنطقة من شبه جزيرة العرب ليمارسوا حياة البداوة المترحلة فيما بين تلال البحر الأحمر ووادي النيل. وتنتمي هذه الجماعة الاثنية إلى المتحدثين باللغات الآفرو- آسيوية (المسماة سابقاً السامية الحامية). بالطبع لا يصح إنشاء مطابقة تامة مابين البجة الحاليين والبليميين الذين يتردد اسمهم في الكتابات الإغريقية القديمة، لكن في الوقت نفسه لا يجوز نفي تلك القرابة.   

 

الاسم الإغريقي بليميون Blemmys (والجمع Blemmyes أو بمم واحدة Blemyes) احتمالاً أن يكون اشتقاقا من الاسم بهمو Behmw الوارد في النصوص المصرية الديموطيقية وهو ما ورَّد في القبطية بصيغة بالنيمووى Balnemmooui في اللهجة البحرية، وباليهموو أو بلهمووىBalehmou Blhmooue في اللهجة الصعيدية، لكن وبرغم ذلك فان تفسير التسمية الإغريقية تفسيراً كاملاً بمساعدة قوانين اللغة القبطية غير ممكن.

 

تشير المصادر الإغريقية إلى أن البليميين ظهروا للمرة الأولى في وادي النيل في عام 250 م. أي في فترة حكم الإمبراطور ديتسى، ويبدو أنهم كانوا يؤلفون مجموعة اثنية مكونة من قبائل أو عشائر متحدة تتمتع بقدر من بحبوحة العيش، وهو ما نجد انعكاساً له في حوليات الملك نستاسن الذى يتحدث عن الغنائم التى آلت إليه بعد انتصاره عليهم مشيراً إلى كميات كبيرة من الذهب وما يزيد عن المليون رأس من المواشي (المبالغة واضحة بالطبع). كانت تلك المجموعة الاثنية، مثلها مثل المجموعات الاثنية الأخرى في كوش، تدار من قبل زعمائها وملوكها التابعين لملك مروى وهى حقيقة لاحظها سينيكا وبلينى وأوردها سترابو في الكتاب السابع عشر من جغرافيته بقوله "البليميون الخاضعون للإثيوبيين".

 

الهجوم والتدفق البدوي إلى وادي النيل في القرن الميلادي الثالث ما كان الأول ذلك أن الرومان رغم علاقاتهم الودية مع مملكة مروى كانوا مضطرين لبذل جهود مضنية لحماية حدودهم الجنوبية من أولئك البدو، لكن الواقع هو أن البليميين أصبحوا في القرن الميلادي الثالث أكثر خطورة وتزايدت معدلات تدفقهم إلى وادي النيل. ثبتت روما حدودها الجنوبية عند المحرقة حيث أقامت هناك تحصيناتها وأبقت على أعداد كبيرة من الجنود ولم تحاول التغلغل إلى ما وراء ذلك. يبدو أن محاربة البليميين لم تكن بالأمر الهين على روما إذا ما راعينا قول هيرودوت بشأن سرعة التحرك في الصحراء المميزة للبليميين واعتماد تكتيكات تقوم على المباغتة "أضرب وأهرب" Prokopski 1876.

 

ويبدو أن البليميين ظلوا يشكلون خطورة على حدود روما الجنوبية عندما وصل الإمبراطور دوكليتيان إلى مصر في عام 297 م. مما اضطره إلى اللجوء إلى اتخاذ تدابير وصلت إلينا معلومات مفصلة عنها بفضل وصفها الدقيق في عمل بروكوبيوس القيسارى: "عندما وصل دوكليتيان إلى مصر في عام 297 رأى أن شن الحملات على الإقليم الثاني عشر غير مجدي حيث الأرض ضيقة، كما رأى أن الاحتفاظ لفترات طويلة بالجنود هناك يكلف خزينة الدولة الكثير، كما أن القريبين من مدن الواحات دائما ما يشنون الهجمات لنهب نقاط الجمارك. من ثم قرر الإمبراطور استدراج أولئك البرابرة وإقناعهم بترك الصحراء والاستقرار على ضفاف النيل، واعداً إياهم بمنحهم مدناً كبيرة وأراض واسعة أفضل من تلك التى عاشوا فيها في السابق، وافترض أن النوباديين لن يقوموا بعد ذلك بمهاجمة المناطق الواقعة حول الواحات. وافق النوباديون على ذلك العرض وانتقلوا بسرعة إلى المناطق التى حددها لهم دوكليتيان وشغلوا المدن والمناطق الرومانية بدءاً من الفنتين على ضفتي النيل، إضافة إلى ذلك وعدهم الإمبراطور هم والبليميين بإعطائهم سنوياً كمية من الذهب شريطة توقفهم عن نهب الأراضي الرومانية. وكانوا في عهدي (توفي بروكوبيوس في عام 565م أسامة) يستلمون هذه المبالغ المالية لكنهم ما كفوا عن الهجوم على نقاط الجمارك ونهبها. ليس من سبيل لجعل البرابرة يلتزمون باتفاقهم مع روما إلا بإخافتهم بشن الحرب عليهم".

 

بدأت روما في إتباع تكتيكها المعروف فرق وأحكم divide et impera فأخذت في تأجيج المواجهات بين البليميين و النوباديين. ورغم أن دوكليتيان قد حقق انتصارات على أعداء أكثر قوة وأفضل تنظيماً وأشد خطورة من البليميين، فانه فضل الابتعاد في سياسته تجاه هؤلاء عن الدخول في حرب نشطة معهم. فيما يبدو أن دافعه لإتباع مثل تلك السياسة ما كان  فقط توفيراً للطاقة والموارد التى لم يكن هناك من داع يدفع إلى تبديدها للسيطرة على منطقة بائسة اقتصادياً كالدوديكاسخيونس، كما وما كان فقط تجنباً للحرب مع بدو متحركين يحتمون دوماً بصحراء قاحلة موحشة لا ماء فيها. يبدو أن هناك دافع أهم تمثل في تدنى التبادل التجاري مع مروى، إن لم يكن توقفه تماماً، بالتالي انعدام المبرر لحمايَّة الطرق المؤدية إلى هناك ومن ثم صار همه فقط تأمين الحدود الجنوبية للإمبراطورية الرومانية، وهو ما نجح في تحقيقه ولو أن ذلك كان لفترة قصيرة.

 

عندما أصبحت المسيحية الديانة الرسمية للدولة في عهد قسطنطين الأول (306-337 م.) بدأت القلاقل مجدداً في المناطق الحدودية وأصبح البليميون هم المدافعون عن العقيدة القديمة. إلا أنه بفضل سياسة روما الأكثر مرونة لم تدم القلاقل طويلاً. ففي حين سعى دوكليتيان إلى خلق الفتنة بين النوباديين والبليميين فانه في الآن نفسه سمح لهؤلاء وأولئك بممارسة شعائرهم الدينية في معبد إيزيس بجزيرة فيلة، بل سمح لهم كذلك بحمل تمثال ايزيس لفترة محدودة لتخصيب الأرض وفق معتقداتهم، وكان النوباديون قد بنوا مركباً مقدساً لهذا الغرض. وأدار العبادة في المعبد كهنة اختارهم الرومان. هكذا فان سياسة دوكليتيان التى استمر عليها خلفاؤه سعت إلى إقرار السلام بكافة الوسائل مثبتة فاعليتها على مدى مائة وخمسين عاماً تقريباً Cuntz 1929. الواقع انه إذا امتدت الطريق الملكية حتى المحرقة حسب يوميات رحلة انطونى أغسطس Itinerarium Antoni Augsti فان القوات الحدوديَّة الرومانية بعد قرن أصبحت موجودة في أسوان وفيلة والفنتين حسب Notitia dignitatum.

 

كان البليمييون قد وصلوا إلى وادي النيل في وقت أسبق من النوباديين الذين يختلفون عنهم من حيث المعتقد الديني والذين تعود أقدم المدافن الخاصة بهم على ضفتي النيل إلى القرنين الميلاديين الثالث والرابع. وقد نجح البليميون في الاستيلاء على الأراضي من المصريين وإلى حد ما من الرومان و المرويين، وأخذ جزء منهم في التحول التدريجي إلى نمط حياة الاستقرار وانصهر في السكان المحليين.

 

بدءًا من منتصف القرن الميلادي الثالث بدأ النوباديون والبليميون الانفصال عن سلطة ملوك مروى لتصبح الأطراف الشمالية لكوش فعلياً في قبضتهم بنهاية هذا القرن الثالث. هكذا فان الأزمة التى عمت كل عالم البحر الأبيض المتوسط في القرن الثالث هزت ليس روما فحسب بل لحقت بكوش حيث توقفت تجارتها مع مصر كلياً، لا مروى ولا روما كانتا بقادرتين على الوقوف بوجه التمدد النوبادى البليمى في النوبة السفلى.

 

 

 

H.Brugsch: Entzifferung der Meroitischen Schriftdenkmäler. Zeitschrift für ägyptische Sprache und Altertumskunde 25.

 

M.F.L.Macadam: The Temples of Kawa II. History and Archaeology of the Site. London.

A.J.Arkell: A History of the Sudan from the Earliest Times to 1821, 2nd Ed., London.

 

F.Hintze: Eine neue Inschrift von 19 Jahe Königs Taharqas,- Mitteilungen des Instituts für Orientforschung 7,Hft 3.

 

W.B.Emery and L.P.Kirwan: Excavations and Survey between Wadi es Sebua and Adindan, 1929-1931. Cairo.

 

Прокопский Ксарииский: История войн римлян с персами, пер. с греч., С,Дестуниса, СПб.

 

O.Kuntz: Itineraria Romana. Leipzig.