رؤية مجددة في تاريخ كوش الثقافي - 8

 

 

النوبا الزرق والغزو الأكسومي

الأسباب الكامنة والتي أدت إلى بداية الانهيار في مملكة مروى يمكن رؤيتها في تحول الطرق التجارية من النيل إلى البحر الأحمر فمنذ بداية القرن الميلادي الأول، وظهور مملكة أكسوم منافساً في التجارة عبر البحر الأحمر، وأزمة الإمبراطورية الرومانية التى عانت من قلة الطلب على المنتجات المروية، وأخيراً عرقلة البليميين النوباديين لطرق القوافل، كل تلك العوامل تكاتفت لتؤدى في نهاية المطاف إلى عزلة المملكة عن عالم البحر الأبيض المتوسط وإلى بداية انهيارها الاقتصادي. هذا بالإضافة إلى عامل آخر يشير إليه بعض الباحثين وهو التغير الذى أصاب المناخ في هذا العصر مما أدى إلى تدنى منسوب هطول الأمطار وبالتالي إلى تقليص الرقعة المزروعة وجفاف المراعى.

 

خلال القرون الميلادية الأولى أخذت في التمدد شمالاً مجموعة اثنية ثقافية قادمة من الأجزاء الجنوبية الغربية للملكة، وهى المجموعة التى سماها لاحقاً نقش ملك أكسوم عيزانا بالنوبا الزرق. ونكاد لا نعرف شيئاً عن النوبا الزرق، لكننا نستطيع أن نستنتج من نص عيزانا، الذى سنورده لاحقاً، أنهم سيطروا في نهاية القرن الرابع الميلادي على جزء من جزيرة مروى، أي الرقعة الممتدة ما بين النيل الأزرق ونهر عطبرة، بعد وصولهم من جنوب كردفان. على كل فان بعض اللهجات في لغات جبال النوبا الحالية تظهر تشابهاً مع اللهجة الدنقلاوية للغة النوبية، ولا نتفق مع الادعاءات القائلة بأن مرَّد ذلك التشابه إنما يعود إلى الصلات التجارية التى نشأت بعد وصول الهجرات العربية إلى السودان. ويمكن عد موقع جبل مويَّة الذى تم إجراء التنقيب الآثارى فيه في نهاية الأربعينات 1949 Addison من القرن الماضي حيث تمَّ الكشف عن موقع سكنى و جبانة. وكان من بين المكتشفات المختلفة مصنوعات فخارية منها ما يشير إلى وجود صلة للموقع بالمناطق الأبعد إلى الشمال في المملكة، ومنها الكثير الذى يتميز بشكل وأسلوب تقل نظائره في المناطق الأبعد شمالاً، ويتغيب في تلك المصنوعات النماذج المروية ذات الجدران النحيفة والتي تحمل زخرفاً مرسوماً متعدد الألوان والتي شاعت في القرنين الميلاديين الأول والثاني، وهو ما قد يشير إلى أن الموقع كان مأهولاً في فترة أسبق ومن ثم تمت الهجرة منه إلى الشمال احتمالا. وتشير دراسة المدافن في جبل مويَّة إلى طقوس للدفن و لعادات تختلف عن تلك المميزة لمناطق مملكة مروى الأبعد إلى الشمال، بل هي طقوس وعادات أقرب إلى مجموعات جبال النوبا وأيضا لبعض المجموعات النيلية الحالية والذين كانوا يعيشون إلى الشمال بعيداً عن موطنهم  الحالي.

 

يبدو أنه وقبل انهيار مملكة مروى بعشرات السنوات استولى النوبا الزرق على بعض المدن المروية، ويحتمل أنهم تدريجياً وبدون اللجوء لاستخدام القوة تمددوا في جزيرة مروى. وقد سكن النوبا الزرق، حسب نقش عيزانا في منازل من القش (قطاطي؟) و مارسوا الزراعة و الرعي وانتقلوا إلى نمط حياة مستقر. لازال غير واضح العمق الشمالي لهذا التمدد، لكن عيزانا يشير إلى تمدد وضعهم بجوار ما اسماهم النوبا الحمر(؟)

 

تمثل العدو الأكثر خطورة في تلك الفترة في مملكة أكسوم التى كانت حينها في عنفوان ازدهارها. تشير أعمال التنقيب التى أجريت في حاضرة تلك المملكة إلى أن المدينة قد شيدت في منتصف القرن الأول الميلادي وليس بحال من الأحوال بعد القرن الثاني Doresse، ولذلك لم يعرف بليني عنها شيئاً، لكن الإغريق عرفوا عنها بسرعة بعد ذلك حيث ارتبطت أكسوم عبر ميناء أدوليس بالبحر الأبيض المتوسط، وجاء أول ذكر لها في دفتر يوميات الطواف حول البحر الاريتري الذى يشير إلى امتداد أكسوم على ساحل البحر الأحمر بدءاً من سواكن حتى باب المندب دون الإشارة إلى امتدادها إلى الداخل.

 

لا نعرف شيئاً عن العلاقة بين كوش وأكسوم فيما قبل حملة عيزانا لكن أشار دفتر يوميات الطواف حول البحر الاريتري إلى أن أكسوم وفرت عبر ميناء أدوليس العاج الذى يجلب، على حد تعبيره، من "بلاد النيل تلك"  (§ 4) . وقد تم الكشف في مدينة أكسوم على كأسين من البرونز مطابقين تماماً لكؤوس برونزية عثر عليها في فرس وتحمل رسماً مروياً أصيلاً يمثل ضفدعة وزهرة لوتس، كما تم العثور أيضاً في أكسوم على تمائم من المرمر يرجع تاريخ صنعها إلى القرون 1-3 بعد الميلاد. هذه التحف موجودة حالياً بمتحف أديس أبابا. ويصف جليدور في اثيوبيته الشهيرة الاكسوميين بأنهم أصدقاء للملك المروى وتابعين له ويجلبون له الهدايا. ويبدو أن تمثالي الأسدين المنحوتين في وضع جالس والذين شاهدهما بروس أيضاً (واعتقد بأنهما لكلبين) والأشبه بما صوره ملوك مروى في حاضرتهم وفي البعصة، والنقعة، والمصورات الصفراء، وأم أسودة، وسوبا (والتي قمنا بعرض ستة منها في حديقة المتحف القومي للآثار عند المدخل لصالة العرض)، وهى تماثيل لا يوجد لها نظائر لا في مصر ولا لدى الإثيوبيين في فترات سابقة. ويرى كروفوت أيضاً وجود تأثيرات مروية على الفن المعماري في أكسوم Crowfoot على كل ظلت العلاقات الكوشية الاكسومية خلال القرون الميلادية الثلاث الأولى سلمية وودية، رغم أن هنتزا رأى في اللوحة المنقوشة فوق صخرة جرانيتية في جبل قيلى بالبطانة والتي تمثل الملك شيراكارير تمجيداً لنصر حققه هذا الملك المروى على الاكسوميين الذين حاولوا التقدم إلى الشمال. يصعب علينا قبول مثل هذه القراءة ذلك أن اكسوم في عهد شيراكارير كانت في طور تأسيسها بحيث لا نعتقد بامتلاكها حينها جيشأ  يجعلها تفكر في التقدم إلى مثل هذا العمق الشمالي الغربي.

 

لمناقشة العلاقات بين أكسوم ومروى نرى أن نبدأ بنقش الملك عيزانا والذي لم يحظ بترجمة إلى اللغة العربية في صورته الكاملة، وقد ارتأيت ترجمته عن الترجمة الروسية التى قام بها الباحث 1990 Бауэр  ونشرت ضمن كتاب هام شمل الكثير من الوثائق القديمة والقروسطية عن تاريخ أفريقيا:

 

نص نقش عيزانا

1.   بقوة سيد السموات الذى حقق النصر في السماء وعلى الأرض ضد (كافة) المخلوقات

2.   عيزانا بن على أميدا، بسخالينا، نجاشي أكسوم، و حاكم حمير

3.   وريدان وسبأ وصالحين، و حاكم سيامو و البجة

4.   وكاسو، نجاشي النجوش، ابن على أميدا غير المهزوم أمام الأعداء .

5.   بقوة سيد السموات الذى وهبني السيادة على الجميع، جاعلاً منى محبوباً لديه

6.   الملك غير المهزوم أمام الأعداء. لا يقف في وجهي عدو، ولا يطاردني عدو

7.   من ظهري بقوة سيد الجميع هجمت على النوبا حين أشهر أهلها الحرب

8.   وتفاخروا : لن يجتاز التكازى  قائلين

9.   لأهل النوبا. أساءوا معاملة أهالي مانجورتو والخاسا والباريا، على الزرق

10. هجموا وعلى الحمر هجموا، وخنثوا بعهدهم مرتين وثلاث

11. وقاموا مرة أخرى بقتل جيرانهم بلا رحمة، دع عنك سفيرنا وكل من ذهب من طرفنا وكل من

12. أرسلته لهم لإعادتهم للانصياع، فإنهم سلبوهم ونهبوا ممتلكاتهم وسرقوا منهم

13. صولجاناتهم. وحين راسلتهم مرة أخرى فإنهم لم يصغوا إلىَّ ورفضوا العدول عن أفعالهم وتمادوا يراوغون

14. و يمارسون الشرور. حينها هجمت عليهم. شرعت في حملة بقوة سيد

15. الأرض، وتعاركت معهم عند نهر التكازى ومخاضة كيمالكى حتى لاذوا بالفرار و

16. ما توقفوا. تعقبت الفارين على مدى عشرين يوماً وثلاث

17. فقتلت وأسرت واستوليت على الغنائم والأسرى

18. الذين جلبتهم قواتى التى نفذت الهجوم. حينها حرقت مدنه (النوبا)

19. تلك المشيدة بالحجر وتلك المشيدة بالتبن. ونهبت (القوات) حبوبهم وفضتهم وحديدهم ولحمهم

20. المقدد، ودمرت رسوم معابدهم ومخازن حبوبهم وقطنهم، ورميتهم أنفسهم

21. في نهر سيدا ومات الكثيرون منهم غرقاً

22. أعدادهم غير معروفة. عندها صعدت قواتي إلى داخل مراكبهم المليئة بالناس

23. رجالاً ونساءً. أخذت في الأسر زعيمين (كانا قد)

24. وصلا على ظهري جمليهما للتجسس واسميهما

25. اييّساكا وبوتإلى. كذلك أسرت إنجا بنتسا الكبير. أولئك الذين لقوا حتفهم من الزعماء

26. دانوكفي، وداجإلى، وأناكفي، وحبارى، وكاركارا، وجرح كاهنهم

27. بداية و نزع عنه تاجه الفضي وخاتمه الذهبي. وأولئك هم الزعماء الذين

28. لقوا حتفهم، ووصلت إلى إقليم كاسو وقتلت منهم وأسرت عند

29. ملتقى نهري سيدا والتكازى. في اليوم الثاني بعد وصولي (إلى هنا) أرسلت

30. كتائبي: كتيبة ماحازا، وكتيبة حارا، وداماو، وفلاح، وسيرا

31. إلى أعإلى سيدا حيث المدن المشيدة بالحجر وتلك المشيدة بالتبن. وتسمى مدنه (الكاسو)

32. المشيدة بالحجر علوة و دارو. وقتلت (القوات) وأسرت ورمت في

33. الماء ورجعت بدون خسائر أصابتها بعد أن أدخلت الرعب في قلوب الأعداء و أخضعتهم لارادة سيد

34. الأرض. بعد ذلك أرسلت كتيبة خالين، وكتيبة لاكن، و

35. كتيبة صابرات، وفلاح، وسيرا إلى أسفل سيدا إلى مدن النوبا

36. المشيدة بالتبن: نجفس، وإلى المدن المشيدة بالحجر والتابعة للكاسو لكن النوبا سلختها عنهم : تابيتو

37. وفيرتوتى. ووصلت القوات إلى مناطق خاضعة للنوبا الحمر، ورجعت

38. قواتي بدون خسائر آخذة في الأسر بعد أن قتلت وسبت مواشيهم بقوة سيد

39. السموات. ونصبت عرشاً في موضع ملتقى نهرى سيدا و

40. التكازى ضد المدن من الحجر التى هي في هذه الجزيرة. كل ما وهبني إياه

41. سيد السموات: 214 أسرى من الرجال، و415 أسرى من النساء، كل ذلك كان 629.

42. الرجال الذين قتلوا 602، والنساء اللآئى قتلن والاطفال 156 كل ذلك كان 700 و

43.   58 وكان الأسرى والقتلى 1378، و كانت الغنائم من الأبقار 10.500

44. و60، و من الضان 51.500. ونصبت عرشاً هنا في شادو

45. بقوة سيد السموات الذى وهبني المساعدة و حباني بالملوكية.

     

تلي ذلك ستة أسطر أخرى يعبر فيها عيزانا عن امتنانه لسيد السموات.

 

يشير النص إلى أن عيزانا يرى منذ البداية في نفسه ملكاً لكوش، وهو ما يعنى احتمالاً أن الاكسوميين قد وصلوا إلى كوش قبل عيزانا. إضافة فانه لا يشير إلى هجوم شنه على مروى فأعداؤه هم النوبا الزرق الذين استولوا على مدن الكاسو. فالصراع ما كان بين عيزانا والمرويين إذ يبدو أنه في هذا الوقت كانت مملكة مروى قد تفككت تماماً وسيطر النوبا الزرق على أجزاء كبيرة منها وأضحى الملكين الأخيرين الجالسين على عرش المملكة وهما كيريبار وأكيدكتيفال مجرد ملكين شكليين لمملكة تفتت إلى إمارات ومشيخات غير عابئة بالمركز.

 

المصير اللاحق لجزيرة مروى غير واضح إلى حد بعيد، غالباً ما يكون السكان المحليون قد تمازجوا مع المجموعة الجديدة، وتفككت المملكة إلى أقاليم متفرقة تولى أمرها الأمراء المحليون أو الزعامات القبلية مثل أولئك الذين دفنوا في المقابر التلية الضخمة بدءاً من الأطراف الشمالية لكوش في بلانا وقسطل وعلى امتداد النيل جنوباً حتى ملتقى النيلين الأبيض والأزرق وإلى الجنوب من الخرطوم مع مجرى النيل الأبيض إلى ما وراء الجبلين على ضفتي النيل الأبيض جنوباً على الأقل حتى ملكال والسوباط، وإلى الداخل بعيداً عن النيل على حواف الوديان، وفي بحر الغزال عند ملتقى نهر بونجو مع نهر قول وباتجاه الشرق إلى نهر جور، وكذلك في السهل والصحراء بعيداً عن النيل. هذه المدافن التلية تمثل طريقة الدفن الكوشية التى نلحظها منذ العصر الحجري الحديث المتأخر وهى التى سبقت الإشارة إليها.

 

ليس مستبعداً أن يكون أفراد الأسرة المالكة هروباً من الأعداء وجدوا مع القيادات المقربة منهم ملجأ آمناً في مكان ما إلى الغرب من النيل في شمال كردفان أو حتى دارفور. مثل تلك الفرضية كان قد تمَّ طرحها من قبل آركل محاولاً تدعيمها بالرجوع إلى بعض التقاليد والتحدارات الشفهية المتوارثة لدى بعض المجموعات الاثنية في تلك المناطق النائية عن مروى والتي تشير إلى أنهم أتوا إلى مكان إقامتهم الحالي بقيادة ملكة تم دفنها في مقبرة تلية ضخمة في جبل كبويَّة. في شمال كردفان تم الكشف عن مخربش كتب باللغة النوبية القديمة بأحرف إغريقية ورد فيه ذكر كوش 1951 Arkell، وهو ما يؤكد على أن ذكرى كوش لم تتلاش حتى بعد انهيار مروى. وفي أبى سفيان وجدت أواني من النوع المميز لمصر في عصر البطالسة وبقايا مبانٍٍ لما يحتمل أن يكون أطلال هرم شيد بالطوب غير المحروق 1931 Penn. وجدت أطلال أخرى في وادي الملك في زنكور.

 

وتشير القصة الشعبية التى سجلها فروبينوس 1923 Frobenius في كردفان في عام 1912 إلى الاحتفاظ بذكريات عن دولتهم العظيمة والقوية ذات الشهرة. اللافت أن الأحداث التى ترويها القصة ترتبط باسم نبتة لا مروى، لكن الأهم هو الاحتفاظ بالرواية في التحدار الشفهي على مدى خمس عشرة قرناً. يدور الحديث في القصة عن ملك نفتة (نبتة) من كردفان"حكم بلداً واسعاً تسكنه مجموعات متنوعة كثيرة العدد، وكان أكثر ثراءً من غيره من الملوك، وامتلك ذهباً وفضة أرسلها عبر النوبة إلى الغرب، وفي الجنوب صنعت له الأسلحة من الحديد، ومن هناك وصلت إليه أعداد كبيرة من الرقيق". كل هذه السمات المميزة لمملكة مروى، بالإضافة إلى وجود عادة الاغتيال الطقوسي للملك، لا تترك شكاً في مصداقية القصة الكردفانية إلا أننا لازلنا نفكر في السبب الذى جعل فروبينوس يعتقد بأن مصدر القصة هو جنوب شبه الجزيرة العربية مصراً على أن "شكل القصة لا علاقة له بنبتة مروى ذلك أن الناس في تلك الفترة قاموا برواية قصص تختلف، حيث أن هذا النوع من الروايات لم يكن قد ظهر في العصر الكلاسيكي"، ومن ثم يتوصل إلى استنتاج مفاده أن هذه القصة الكردفانية جاءت من جنوب شبه الجزيرة العربية في فترة تمتد مابين القرون الثامن والرابع عشر معتمداً في ذلك على وجود عادة الاغتيال الطقوسي للملك في جنوب شبه الجزيرة العربية. إلا أنه وكما أشرنا في بحثنا حول أركامانى وطقوس اغتيال الملك في كوش المذكور آنفاً، فان عادة الاغتيال الطقوسي للملك انتشرت ومورست في أفريقيا و في السودان حتى وقت قريب مضى وهى عادة ترجع ممارستها لأزمان ضاربة في القدم. فرغم أن أركامانى كان قد ألغى هذه العادة فان ملوك الفونج المسلمين في سنار عادوا إلى ممارستها، في حين أن الشلك ظلوا يمارسونها حتى وقت متأخر من الثلاثينات من القرن العشرين المنصرم.

 

رغم أن أحداث الماضي البعيد تم فقدانها منذ أزمان، وكذلك معرفة الكتابة المروية التى توقف استعمالها في الغالب بنهاية القرن الخامس الميلادي فانه قد بقيت ذكريات عالقة عن مملكة عظيمة انعكست في الوصف الدقيق لمملكة كوش في الرواية الكردفانية التى سجلها فروبينوس والتي تقول: "الآن في كردفان شجيرات قليلة متفرقة، حينها كانت الأشجار أكثر كثيرا. الآن الأرض في كردفان جرداء، حينها كانت الأراضي خصبة. الآن في كردفان قرى قليلة صغيرة، حينها كانت هناك مدن أكبر من مدن مصر. الآن في كردفان ليس هناك أناس قادرون على صناعة النحاس والذهب والحديد والبرونز، حينها كان كل النحاس، كل الذهب ، وكل البرونز في الأرض يأتي من كردفان. في تلك الأزمان حكم كردفان ملوك عظماء جلب لهم البشر كلهم الهدايا "ويقول فروبينوس أن الناس في منطقة الفرتيت إلى الجنوب الغربي من كردفان يسمون النوبا نفتاسن، فهل ستخفي علينا علاقة هذه التسمية بالملك الكوشي نستاسن!

 

ظلت شعوب السودان تحتفظ في ذاكرتها التاريخية حتى اليوم بأمجاد الماضي التليد، ما نسيت أسلافها العظماء الذين أقاموا دعائم مدنية أصيلة في أقاصي الأصقاع الجنوبية للعالم القديم. كما أن العديد من العادات والطقوس التى يمارسها السودانيون ويتمسكون بها في حياتهم اليومية وفي مناسباتهم المختلفة تعود إلى ذلك التراث الثقافي: حمل جثمان المتوفي على عنقريب مفروش بحصيرة ملونة، عادة كسر التربة التى تمارسها النسوة، طقوس الجرتق بجعرانها وحقها ودلكتها، سيرة العريس إلى النيل وقطع جرائد النخل وما إلى ذلك، وهى موضوعات سأتناولها في بحث قائم بذاته تبياناً للتواصل الذى تتجاهله الذهنية السودانية مما يساعد على استمرارية الانفصام الذى تعانى منه الذهنية السودانية المعاصرة.

 

ـــــــــــــــــــــ

8. التكازى هو الاسم الحالي للفرع الرئيس لنهر عطبرة الذى يجرى جزء منه في الأراضي الإثيوبية. يعرف داخل الأراضي السودانية بـ الستيت. يبدو أن المقصود في نقش عيزانا هو نهر عطبرة

9. مانجورتو والخاسا والباريا من هذه المجموعات الاثنية نعرف الاثنين الأخيرتين. على كل فإنه حسب رواية ابن سعيد الغرناطى - منتصف القرن الثالث عشر الميلادي - عاشت مجموعة الخاسا، التى هي فرع من شعب البجة، في أزمانه في منطقة كر. حالياُ نعرف مجموعتين من الخاسا في منطقة كسلا. أما الباريا فهي مجموعة ذكرها ابن حوقل وتعيش الآن في ارتريا وشمال غرب اثيوبيا فيما بين نهرى التكازى والقاش. ومانجورتو لا يعرف مكان سكنها. في نص إغريقي يعود تاريخه للقرن السادس الميلادي وردت تلك المجموعات باسم: مانجارتو وخاسا وباريوتى.

15. موقع هذه المخاضة (كيمالكى) لم يتم تحديده، لكنها إلى الأسفل من ملتقى نهر عطبرة الخالي مع الستيت - التكازى.

16. ليس واضحاً المسار اللاحق لقوات عيزانا، فحسب السطر 21 تم التضييق على النوبا باتجاه النيل (سيدا) ورمى جزء منهم في النهر. من ثمَّ (السطر 29) ذهب الملك إلى مكان التقاء نهر عطبرة (التكازى) والنيل، ومن هناك (السطور 30-32) أرسل الكتائب إلى أعلى لضرب المدن المروية التى استولى عليها النوبا، علوة ودارو، هكذا يطرح استنتاج بأن الكتائب سارت لا مباشرة إلى الغرب باتجاه النيل، بل بمحاذاة الضفة اليسرى لنهر عطبرة على مدى 23 يوما حتى حصروا النوبا في مكان ضيق إلى الجنوب من ملتقى نهر عطبرة مع النيل.

20. كان المرويون قد عرفوا زراعة القطن وهو ما يشير إليه عيزانا، وليس صحيحاً الخطأ الشائع أن القطن وصل إلى السودان مع العرب أو مع محمد على باشا، بل الأمر بالعكس فقد كتب إميل لودفيغ : " مثل ذات يوم فرنسي، مثل الرحالة كايو، أمام وإلى مصر بهدية غريبة، وذلك أنه جلب إليه من السودان كيساً مشتملاً على بذور قطن وثماره، وأثار لديه فكرة تجربة زراعة القطن في دلتا مصر" (ص.282).

37. مواقع المدن لم تحدد. فيرتوتى قد يجوز مطابقتها بتسمية مصرية قديمة برتوت (بيت الإله توت) فإن صحت المطابقة تكون فيرتوتى هي بنوبس.

37(1). الحمر هم ذو البشرة الفاتحة، أي النوبة الذين يعيشون إلى الشمال من النوبا الزرق. يصعب القول عما إذا كان التمييز بين الشعبين بلون البشرة قد نشأ منذ أزمان هذه الحملة، أم أنه ظهر منذ أزمان أسبق.

 

F.Addison: Jebel Moya, London.

J.Doresse 1957: Découvertes en Ethiopie et découverte de l’Ethiopie,- Bibliotheca Orientalis 14.

J.W.Crowfoot 1911: The Island of Meroe. London.

Г.М.Бауэр: Надписи ранных царей Аксума , In: История Африки в древних и средневековых источниках,  Хрестоматия 2-е изд. Москва :Наука.

A.J.Arkell: Varia Sudanica,- Journal of Egyptian Archaeology 36.

A.E.Penn: The Ruins of Zankor.- Sudan Notes and Records 14.

L.Frobenius: Atlantis. Volksmärchen und Volksdichtungen Afrikas, Bd 4. Märchen aus Kordofan. Jena.