أعمال التنقيب الآثارى في كرمة (السودان)

التقرير المبدئي لموسمي 1993-1994  و 1994-1995

شارلس بونيه

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

مقدمة

نفذت البعثة الآثارية السويسرية في النوبة أعمال التنقيب كاشفة للمرة الثانية عن بينة ذات دلالة هامة. خطوة إثر خطوة، تمَّ تسليط الضوء على مدى أهمية مملكة كرمة، التى فرضت قوتها حتى على المصريين أن يهابوها. من خلال الكم المعتبر من البقايا، اتضح أن الموقع الرمزي يشكل مصدراً لا ينضب للمعلومات لإنجاز فهم أفضل لتاريخ السودان.

 

بفضل التمويل الذى قدمه صندوق الدعم السويسري للبحث العلمي وبفضل الإعانات الفردية، فقد نفذ العمل  في ظروف ملاءمة. منحة كريمة قدمت لنا من قبل لجنة أعمال التنقيب بجامعة جنيفا، التى يترأسها البروفسور ميشيل فالوجيا Michel Valloggia. كل تلك الإسهامات ساعدتنا على نشر أعمال المؤتمر السابع للدراسات النوبية الذى انعقد في جنيفا من الثالث حتى الثامن من سبتمبر 1990. كان جهد الإخراج من نصيب نورا فيريرو Mme Nora Ferrero، والتي نعبر لها عن خالص شكرنا.

 

كان للدعم في الحقل الذى تلقيناه من قبل البروفسور أحمد على حاكم وحسن حسين إدريس، المدير العام لمصلحة الآثار والمتاحف القومية، أثره القيم. لسنوات طوال ظل التعاون الوثيق بين أعضاء مصلحة الآثار، واشترك العديد من مفتشيها في أعمال البعثة، تحت إشراف صلاح الدين محمد أحمد. وقد انضم مصطفي أحمد الشريف إلى موسمنا الأخير.

 

نفذت أعمال التنقيب في الفترة بين السابع من ديسمبر 1993 والحادي والثلاثين من يناير 1994، والرابع من ديسمبر 1994 والحادي والثلاثين من يناير 1995. اشترك في العمل ما يزيد عن المائة وخمسين شخصاً، كان ثلثهم قد تولى مهام أعمال الترميم والحماية بإشراف الريس جاد عبدالله وصالح مليح، ساعدهما عبدالرازق عمر نورى. جدار بلغ حوالي 1300 متر كان قد شيد حول الموقع الرئيس. بعد الانتهاء من العمل في القصر والمنزل الدائري، تمت إعادة تأهيل مقر إقليمي وبقايا سبع مصليات للمدينة الثانوية. كنتيجة لأعمال الترميم تلك، أضحى المنظر الرائع من قمة الدفوفة يسمح بإدراك فهم أفضل لتمدن هذا الجزء الممتد. تركز عمل البحث على المركز المديني الثانوي، وعلى الجبانة الشرقية. تمَّ حفر العديد من المقابر في منطقة التخوم بين  فترتي كرمة القديمة والوسطى (حوالي 2100 ق.م.)، ونفذت عملية تحليل جديدة للمصلى K XI . استمرت الأعمال في إطار موقع إقامة ما قبل كرمة. أعمال النسخ  التى نفذت للوحات من المصلى هي في الغالب الاكتشاف الأكثر إثارة خلال الموسم السابق، انها تصور جوانب من بيئة كرمة التى لا تزال غير مفهومة، وتشير إلى أن البيئة الحيوانية التى كانت متوحشة بالقدر نفسه مدجنة قامت بدور سائد.

 

مرة أخرى، علينا أن نعبر عن امتناناً لأعضاء البعثة، الذين كان لكفاءتهم وتجربتهم الفضل في نجاحنا، كانت بياتريس بريفاتى مسئولة عن دراسة ورسم اللقى، في حين قام ثوماس كوهلر بتنفيذ المسح للمباني الطينية للمدافن، والذي كلل صبره بالكشف عن ترسب للأواني مؤلف من آلاف الشقوف الفخارية. واحتفظ دانيل برتى بالسجل الآثارى، وكان مسئول كذلك عن نسخ الرسوم في المصلى K XI، وعن صيانة العديد من الموضوعات الجلدية التى تمَّ الكشف عنها في المدافن. أما ماريون برتى فقد كانت الإدارية المسئولة والمرمم إلى جانب كونها نفذت مهام الرسام. تمت دراسة البقايا العظمية البشرية من قبل كرستيان سيمون، في حين قام لويس شاى بدراسة البقايا العظمية للحيوانات البرية والمدجنة. تقاريرهما ملحقة بهذا التقرير (ستقوم أركامانى بترجمتهما مستقبلاً). أخيراً، في عام 1995، قام عالم آثار ما قبل التاريخ ماثيو هونيجر بدراسة موقع ماقبل كرمة، والمواد الصوانية بصورة عامة. ملاحظاته الأولية معطاة أيضاً ضمن ملحقات التقرير، وهى ذات أهمية معتبرة لبحثنا الراهن والمستقبلي.

 

العديد من البحوث ذات الصلة بدراسات متنوعة للموقع تم نشرها خلال السنوات الأخيرة Bonnet 1994.

 

موقع إقامة ما قبل كرمة

بين 1986 و 1988، تم الكشف عن موقع إقامة، والذي، برغم انتمائه لثقافة المجموعة الأولى وهو من الآفاق الثقافية المميزة للنوبة السفلى، نفضل تسميته بـ "ما قبل كرمة" وذلك لوجود بعض الاختلافات في مركب الصناعات الفخارية. كرونولوجياً، يقع الموقع بين نهاية الألفية الرابعة وبداية الجزء الأول من الألفية الثالثة ق.م. وكنا نأمل في أن يتولى دراسة الموقع متخصص في علم آثار ما قبل التاريخ، وهو ما تمَّ تحقيقه في عام 1995.

 

تمت دراسة ست وأربعين حفرة تخزين، إضافة إلى 134 كان قد سبق تنقيبها. تحتوى واحدة من حفر التخزين على جرة في وضعها الطبيعي، مقلوبة في قاع الحفرة. جزء من حاجز طويل مستدير دلت عليه سلسلة من الشقوف. المواد الأثرية ما كانت بكميات كبيرة، لكنها شكلت إضافة إلى مجاميع الفخار الموجودة.

 

عندما تم تنظيف المستوى الأول، ظهرت إلى الضوء بقايا موقع إقامة أسبق. اصطفاف شقوف وموقد يمكن أن يكون منتمياً إلى مستوى رملي ملئ بشظايا فحم وعُلمت بآثار قطع غير مصقولة من كسارة الحجارة. وجود هذا المستوى أو هذين المسويين كشف عنه على عمق 20 أو 30 سم على امتداد منطقة واسعة. تمَّ تنظيف سطح واحد فقط، كاشفاً عن رقائق صوانية، وعظام حيوانات وشقفين مزخرفين. واضح أن مثل هذه الإستراتيجرافية تمثل كشفاً هاماً بالنسبة لدراسة ما قبل تاريخ المنطقة إلى الجنوب من الشلال الثالث، وقد تكون هناك فائدة من توسيع رقعة أعمال التنقيب.

 

موقع الإقامة الثانوي

لا يزال صعباً تحديد أصل موقع الإقامة الثانوي فيما وراء جدران المدينة القديمة. ورغم أن أعمال التنظيف الضخمة التى أجريت في الموسم السابق أعطت صورة جيدة لبقايا كرمة القديمة والوسطى، فإن تفسير تلك البقايا يواجه صعوبة. وجدت آثار لجدار تحصينات مشيراً إلى الحدود الشرق-غربية مع تراجع باتجاه الجنوب. عُلم خط الجدار بانطباعات ترتيبات متوازية للفروع، وبحفر أعمدة مزدوجة. الحد الغربي، خندق وفر عنصراً ثانياً من منظومة دفاعية. وجدت حفر الأعمدة في منحدر الخندق، مما يشير إلى سلسلة من الحواجز المستديرة أمام البوابة. ظل هذا مستخدماً مدخلاً حتى نهاية فترة كرمة الكلاسيكية.

 

تم الكشف في ترسبات فترة كرمة القديمة وفترة كرمة الوسطى عن العديد من المباني المستديرة مصطفة على امتداد مسافة معتبرة. تميزت تلك المباني بقوة أساساتها، التى شيدت عليها في بعض الحالات جدران مستطيلة. مثل هذه الأساسات شبيهة بتلك التى ميزت مستودعات الغلال، إلا أن هذا لا يستبعد تفسيرات أخرى لوظيفتها. 

 

من جانب ثان، كشفت أعمال التنقيب في مقدس المصلى E 1 عن طبقات عديدة دللت على تاريخها المعماري. ومع أنه لم يتم بعد الوصول إلى الطبقات المبكرة، إلا أنه من المؤكد أن المبنى الأول ينتمي إلى فترة كرمة القديمة. كان ذلك عبارة عن كوخ دائري، قطره 4.3 متر. تدل التعديلات التى أجريت على جدرانه على مرحلة ممتدة من الإقامة فيه. وتدل عظام الحيوانات إلى أماكن القمامة حول أطرافه وتشير إلى أن هذا المبنى كان في حدود المنطقة السكنية.

 

هذا المبنى الأول قطعه مبنى ثان بلغ قطره 4 أمتار، وأعمدة بقطاعات متطابقة مع أعمدة المبنى السابق بين 0.06 و 0.08 متر. المبنى الثاني أعيد بناؤه ووسع ليبلغ قطره 4.30 متر. ازداد قطر الأعمدة الجديدة قليلاً.

 

المستوى الثاني دلت عليه حفر لأعمدة أكبر، هذه المرة حددت مبنى مستطيلاً بفسحتين أو ثلاث بين الأعمدة. من الجائز أن  يكون هذا التغيير في خريطة المبنى لهدف ديني؛ يشير إلى ذلك وجود مواقد على سطح الأرض، وهى ظاهرة وجدت في العديد من المصليات. احترم اتجاه هذا المبنى وضع الدائرة السابقة. الصرح اللاحق كان هو الآخر مستطيلاً في تخريطه، وبنى بالخشب. كان، على كل، أكبر من المبنى السابق، وتلاءم تماماً مع المصلى E 1 المشيد بالطوب الأخضر الذى أعقبه. هذا المبنى الأخير تمَّ تعديله عدة مرات: شيد بداية بصالة أعمدة في الوسط، أضيف ملحق شرقي، وأخيراً، أصبح المبنى ثلاثي الأطراف، بإضافة صالتي أعمدة أخرتين. من الممكن أن يكون الفناء الطويل أمام المدخل قد كان موجود في وقت المباني الخشبية.

 

التطور المركب، مع انتقال المعمار من الخشب والطين أو الطوب الأخضر، مشهود في صروح أخرى مثل المصلى E X، حيث تم الكشف عن مبان بأعمدة ذات خريطة مستطيلة إلى هذا القدر أو ذاك. يمكن أن يكون المبنى E VIII بصالتي أعمدة على الجانب الأيمن قد أعقب مبنى خشبي أكثر قدماً.

 

المبنيان الطويلان E VII و E XVIII، والذين وجدا في الجزء الشمال- شرقي للكتلة الثانوية يرجع تاريخه لفترة كرمة الوسطى. انهما مشابهان لتلك التى عثر عليها في الطبقة الأولى التى درست في الحي الديني للمدينة القديمة، إلى الغرب من المعبد الرئيس، الدفوفة. مثل تلك المباني خدمت ولا شك عدة أغراض لكنها قطعاً ذات ارتباطات طقوسية.   E XVIII والذي بلغ طوله 18 متر وعرضه 5 أمتار، ضم مخابز لتجهيز الخبز للقرابين. وجدت أربعة أفران وضعت جنباً إلى جنب. لا بدَّ وأن E XVIII كان أصل مركب المباني للمصلى الكبير  E XVI. غض النظر عما مثله المبنيان، E XVIII و E XVII، فإن كل منهما ضم صالة أعمدة مزدوجة أو ثلاثية وشكل كل منهما مجموعة متميزة في قطاع اتسم بتاريخ معماري طويل.

 

خلال الفترة نفسها، وعلى امتداد فترة كرمة الوسطى وفترة كرمة الكلاسيكية، شيدت مصليات أخرى، عادة بأحجام أكثر تواضعاً، واتجهت شمال- جنوب مع فتحة الباب إلى الجنوب كحماية من هبوب الرياح. عادة ما كانت هناك قواعد للمسلات في الجزء الشمالي وآثار موقد في الوسط، لكن نادراً ما وجدت مواد أثرية. بينما كانت مواضع تلك المصليات تتبع فيما يبدو قواعد محددة، إلا أنها أصبحت لاحقاً تقام بجانب بعضها الآخر، أو على جانبي الشارع. لقد سبق أن قدمنا وصفاً في تقرير سابق للخصائص المعمارية لبعض تلك المصليات، والتي تتخذ عموماً شكل مقدس بصالات أعمدة، مع ملحق أو ملحقين في الجانب وفناء جنوبي.

 

المساكن الكبيرة إلى حد ما، والتي احتمالا ما تخص شخص مهم، والتي لا بدَّ من ذكرها. المسكنان M 137 وM 138 كانا مأهولين في فترتي كرمة الوسطى وكرمة الكلاسيكية. كانت المطابخ، بأفرانها المنزلية الأكبر إلى حد معتبر من تلك التى وجدت عادة، قد وضعت في فناء منعزل بين المنزلين وغالباً ما تكون مشتركة. الأبقار والخراف رميت خلف الأفران.

 

أخيراً، تم الكشف عن ورشتين، كانت واحدة منهما قد شيدت خلال عملية تعديل أساسية أجريت أثناء إنشاء طريق شمال- جنوبية فوق خندق مردوم. تميزت الورشتان بتقسيماتهما إلى عدة غرف صغيرة (A 42) وجدت فيها مواقد ومقاعد. في واحدة من تلك الغرف كانت هناك كتلة مستطيلة مبلطة. تشير حفر أعمدة لمبنى خشبي ارتفعت فوق سطحه إلى أنها استخدمت قاعدة لطاولة عمل. تعطى شظايا بوتقات تحمل آثار نحاس وقالب ذهب صغير للغاية، جاهزة للتصنيع، إشارة إلى النشاطات الممارسة في الورشة.

 

الحواجز الخشبية التى تحمى البوابة الغربية في فترتي كرمة القديمة وكرمة الوسطى تم استبدالها ببرج يكاد يكون مربعاً، وقد ظل هذا البرج باقياً لعدة قرون. كان هذا المدخل محمياً بنظام مشابه، رغم أنه أدنى تطوراً، للنظام الذى تمَّ الكشف عنه بالقرب من المنزل الكبير المستدير. للوصول إلى الإقامة، كان من الضروري عبور ذلك الخندق، وتتبع طريق ضاق عرضها بفعل حواجز من الأعمدة الكبيرة، والالتفاف حول البرج وصولاً إلى مدخل ضيق في جدار التحصينات ومن ثمَّ الدخول إلى الطريق التى تقود إلى المصليات.

 

K-1

شكل 1: الخندق المحفور بين المدينة الرئيسة والإقامة الثانوية. تظهر في الخندق بقايا جدار بنى بألواح من حجر رملي جلب من الشلال الثالث

مثل هذا النظام، وبخاصة الحصون إلى الشرق، يشير إلى الرغبة في حماية موقع الإقامة الذى أحاط بكل من أماكن الصلوات، غالباً لعبادة ذكرى مؤسسي المملكة، والورش حيث صنعت الأشياء الثمينة بلا ريب.

 

عبر السنوات، وسع النظام الدفاعي، وضحى بعدد من المصليات من أجل بناء مصاطب قوية لدعم المباني الطينية الدائرية. وعُمق الخندق المحفور بين المدينة الرئيسة والإقامة الثانوية إلى أكثر من ستة أمتار. ويدل جدول على أن الفيضان تسبب في ترسب متزايد. إضافة، انهار جدار بنى بألواح من حجر رملي جلب من الشلال الثالث في الخندق وتمكنا من إخراج الحجارة التى انزلقت إلى المنحدر في منطقة  كثيراً ما كانت عرضة للفيضان (شكل 1).

 

مخزن الجرار

خلال العقود الأخيرة لفترة كرمة الكلاسيكية، غالباً خلال الفترة غير المستقرة، تمَّ حفر منخفض 27x25 متر بالقرب من البوابة الشرقية للإقامة الثانوية، على حساب النظام الدفاعي. كان عمق المنخفض قد بلغ على الأقل متر ونصف. ترسبت على منحدريه وبلا شك في قاعته المغمورة، بين 200 و 250 جرة. كانت الجرار كروية الشكل بعنق منفتح، وبدت عليها آثار الاستخدام والترميم. كانت الحافة والجسم مزخرفين بنمط هندسي محفور أو مختوم.

 

كانت الجرار مقلوبة، مع حوافها مطمورة في الطين. غطى قاع المنخفض بكم لا حصر له من الشقوف. تبدو المجموعة كلها قد ترسبت في وقت واحد، بعد فترة استخدام وجيزة: أغلق المنخفض بالتالف من الطوب غير المحروق لمبان قريبة. كانت المطمورة محددة للغاية وتألفت من طبقات أفقية لهذا الحد أو ذاك من بناء يظهر أنه غمر أيضاً.

 

أخيراً تم حفر بئر أيضاً فوق المطمورة، بجدران من الطوب المحروق المنحنى الذى صنع خصيصاً لهذا الغرض.. أحاطت طبقة من الرمل بالجدران، سامحة بانسياب الماء. المواد التى عثر عليها داخل البئر انتمت إلى الفترة نفسها التى انتمت إليها الجرار، أي أنها ظهرت هي الأخرى بنهاية ثقافة كرمة.

 

يصعب تحديد الظروف التى أدت إلى إنشاء هذا الترسب. هل كان يمثل قرابين نذرية؟ هل وضعت خلال احتفال، كما حدث في القرى حتى وقت قريب مضى؟ في تلك الاحتفالات يقوم كل مشارك بتجهيز بيرة أو خمر البلح (دكاى- المترجم) وما كان نادراً أبداً أن نرى مئات الجرار المخزونة في ساحات القرى والتي تشبه في شكلها تلك التى تم الكشف عنها في المنخفض. بمجرد إفراغها تقلب الجرار لطمر رائحة الكحول التى تفوح منها.

 

الجبانة الشرقية

خلال الموسمين السابقين، عملنا في منطقة انتقالية، تؤرخ بالفترة بين كرمة القديمة وكرمة الوسطى (2100 ق.م.). تم التنقيب في ستة عشر مدفناً، تميزت بأعداد كبيرة من ovicaprines الموضوعة داخل المدافن، و جماجم الثيران موضوعة على الأرض إلى الجنوب من الردمية التلية. كل هذه المنطقة قد تعرضت فيما هو بادي للنهب بانتظام، ولا غرابة في ذلك طالما أن المقابر كانت ثرية بموادها الجنائزية.  مدفنان فقط (184 a and b) في القطاع CE20 حظيا ولم يتم نهبهما. كانا قد تداخلا ويبدو أنهما كانا جزءاً من مدافن ثانوية ارتبطت بالمدفن 185. (شكل 2).

 

في حفرة الدفن الدائرية الكبيرة في هذا المدفن، كان المتوفى رجل يبلغ سن 39، راقداً على عنقريب، والذي تظهر إلى جانبه آثار قوس. وجدت قاعدة جعبة سهام جلدية احتوت بقايا ثلاثة سهام مع ريش نعامها في وضعه الطبيعي.

K-2

شكل 2: المقبرتان

 184 و 185

 وجد معلق مصنوع من محار مرصع باللؤلؤ من البحر الأحمر في الطبقات المنبوشة، مع العديد من الأوانى الفخارية إلى جانبها. وجدت إلى جانب العنقريب ثلاث خراف ومعزة، كان احد الخراف مرتدياً خوذة رأس من ريش النعام. وضع حمل مقطع إلى أجزاء إلى الشمال من حفرة الدفن، سوياً معه عدد من القدور. على مستوى الأرضية وضعت سبع منها على بعد مسافات منتظمة بين عظام الجبهة لمواشي (ثيران، وأبقار، وعجول) رتبت على هيئة شكل هلالي إلى الجنوب من المدفن التلي: كانت من ظباء كبيرة، مشابهة للتيتل الأفريقي الضخم، أو من الأبقار ذات القرون المشوهة.

 

المدفنان a and b 184 اقيما في مواجهة المدفن التلى 185، ولم تتعرضا للسلب، بالتإلى وفرتا مرفقات جنائزية مكتملة. المقبرة السفلى كانت لإمرأة بالغة، دفنت في وضع مثنى (مقرفص) مع الراس في إتجاه الشرق، على مفرش من الجلد. كانت تحمل عصا (صولجان؟) وتلبس سواراً من خرز خزفي و عقد بخرز فضى واحد. إلى جانب مفاصل لحم وقدور فخارية كان هناك خروف كامل مكوم إلى الغرب. سلال، ووسائد مصنوعة من مادة نباتية، وجلد معزة وآخر لبقرة أكملت الترسب (شكل 3).

 

المدفن الأعلى كان لطفل يبلغ العام والنصف من العمر، راقداً على لحاف من جلد حمل. على حزامه اندس خنجر برنزى صغير بمقبض من العاج. تألفت مجوهراته من معلق قرصى كبير وحلق مصنوعان كلاهما من الذهب.

 

في القطاع نفسه، كان المدفن 186 يضم مصلى إلى الشمال الشرقى لدائرة من الحجارة تم وضعها لحماية المدفن من التآكل. الميت، وهو رجل يبلغ من العمر خمسون عاماً، اصطحب معه ثلاثة خراف ومعزة. في الجزء الجنوبى للمقبرة تمَّ الإحتفاظ جزئياً بصندوق من الجلد المقوى بالخشب. في البداية اعتقدنا انه قد أعيد استخدامه تابوتاً، لكن اكتشاف صندوق مماثل آخر في القطاع CE21 دلل على استخدامه لأغراض حياتية يومية (شكل4 و5).

K-3

شكل 3 : مقبرة لإمرأة بالغة، دفنت في وضع مثنى (مقرفص) مع الراس في إتجاه الشرق، على مفرش من الجلد. كانت تحمل عصا (صولجان؟) وتلبس سواراً من خرز خزفي و عقد بخرز فضى واحد. إلى جانب مفاصل لحم وقدور فخارية كان هناك خروف كامل مكوم إلى الغرب. سلال، ووسائد مصنوعة من مادة نباتية، وجلد معزة وآخر لبقرة أكملت الترسب.

 

K-4

شكل 4 (أعلى) :صندوق من الجلد المقوى بالخشب من المدفن 186. إعادة تركيب. شكل 5 (أسفل) : صندوق من الجلد للإستخدام الحياتى اليومى. المدفن 186

 

احتوت المقابر الخمس في القطاع CE21 على أعداد كبيرة من الخراف- بلغت 11 في مقبرة واحدة منها. وجدت أقراص من ريش النعام على جماجم العديد من الحيوانات. صنعت تلك بإستخدام تقنية اختلفت عن المستخدمة في صنع الأقراص التى وجدت في القطاعات الأخرى من الجبانة. لإبراز الزخرف فقد جمعت من دائرة مكونة من ربطة ريش ثنيت اعمدتها لتشكل حلقة لحبل الرباط.

 

إلى الجنوب من مدفن تلى ضخم قريباً من القطاعات الجارية دراستها، وجدت شظية من الكالسيت (كربونات الكالسيوم المتبلرة) تحمل خرطوشاً بداخله اسم الفرعون المصرى مريا أو بيبى الأول، والذى كان عهده في نهاية المملكة القديمة. هذا الإكتشاف، في محتوى إنتقإلى بين فترتى كرمة القديمة والوسطى، يقدم معلماً كرونولوجياً قيماً. قررنا بالتإلى دراسة القطاع CE22. تمَّ حفر ثلاثة مدافن، وعثر على قطعة كالسيت أخرى، بدون كتابة، بالقرب من السطح. التنقيب الجارى في المدفن الضخم المجاور قد توفر مؤشرات كرونولوجية إضافية.

 

 

 

في واحد من المدافن التى جرى تنقيبها (t193) تناثرت بقايا جثتين الأولى لإمراة بلغت من العمر 55 سنة والثانية لأخرى بلغت 30 سنة لم يمكن تحديد إن كانت لذكر أم أنثى. المدفن الرئيس كان لرجل بلغ من العمر 60 سنة، راقداً على بقايا عنقريب. بعض موضوعات القبر الجنائزية بقيت في ردمية المدفن، وشملت عصاة استخدمت مقبضاً لحلية مصنوعة من ريش النعام، وخنجر برنزى، وشطايا سوار من العاج، ومعلق مكون من بلورة صخرية موشورية مغطاة بالذهب. كانت هناك أيضاً ثمانية خراف، و46 مفصل ذبائح وحبوب شعير.

 

المصلى K XI

تضرر الصرح الجنائزى الكبير الذى نقب فيه ريزنر بين الأعوام 1913-1915 بفعل الطقس المتقلب والتخريب الحيوانى والنهب الإنسانى؛ قبل فترة وجيزة تمت إزاحة عمود باب. تسببت أمطار 1994 الغزيرة في المزيد من الضرر، بالتإلى أصبحت هناك حاجة لأجراء المزيد من أعمال التنظيف, لدهشتنا وجدنا أن زخارف الجدار لازالت بحالة جيدة إلى حد ما بما يسمح بدراستها. تم مسح تفصيلى للعديد من المناظر التى لم يسجلها ريزنر.

 

استمرت الدراسة المعمارية للمبنى، وتمكنا من رسم خريطة جديدة بمقياس رسم كبير. إذا صح أن المبنى في حالته الأصلية كان ذو سقف مقبب، فإن ذلك قد أستبدل بسرعة بسقف أقل  فخامة، مشهود بإضافة صف أعمدة. ارتبطت طبقتا اللوحات الجدارية الملونة في الغرفة (B) بأرضية لاحقة للقواعد الرخامية الدولوميتية للأعمدة. انتمت التجاويف بالقرب من المدخل إلى الغرفة، والتي وفقاً لريزنر، كانت من منصة أو عنقريب جنائزي، إلى مرحلة السقف المقبب بدون صف الأعمدة.

 

K-5

شكل 6: ثلاث مسلات منليثية مهيبة أمام مدخل الصرح   K XI

وكان الكشف عن ثلاث مسلات منليثية مهيبة أمام مدخل الصرح أمراً أثار دهشتنا للمرة الثانية، ذلك أنه لا يوجد ذكر لها في تقارير أعمال التنقيب التى أجراها ريزنر. بلغ ارتفاع إحداها، وهى مكسورة في القاعدة، 4.73 متر. كان سطحها، مثلها مثل المسلتين الأخرتين، منقراً. كان من الضروري توسيع المنطقة المنظفة أمام واجهة K XI للكشف عن الحفر التى نصبت فيها تلك المسلات. أصبح ممكناً ترميم طاولة في قاعدة الجدار المؤمن بحجارة، وقد كانت في وضعها الطبيعى في الجانب الغربى (شكل6).

 

K-6

شكل 7: جدار المصلى K XI وتظهر عليه خطوط منقوشة عميقة وردية الشكل.

عثر على ثلاث شظايا كتل حجرية على أرضية الواجهة، منقوشة بخطوط عميقة وردية الشكل. كانت مغطاة بشظايا "فايانس" أزرق ملتصق بجص. لم تكن تلك الكتل صلبة لتشكل السقف "النجمى" للمدخل وغالباً ما انتمت لزخرف جدار الواجهة. شظيتان أخرتان تظهران الخطوط وردية الشكل موجودتان في متحف بوسطن للفنون الجميلة (شكل7).

 

في الداخل، كانت اللوحات الجدارية الملونة في حالة حفظ لإرتفاع متر تقريباً، في حالات لإرتفاع أقل، وكانت على طبقة سميكة من الجص. تظهر الأرضية وكأنها مغطاة بالمغرة الحمراء ومدهونة بلون أبيض. ليس هذا هو المكان الذى يتوجب فيه وصف التعديلات التى

 أدخلت على المبنى بالتفصيل؛ علينا أن نقول بأن زخرف الجدران الداخلية نفذ في مرحلة متأخرة أعقبت أعمال توسيع المبنى. في الغرفة B، تم الكشف عن طبقتين من اللوحات الجدارية، ويظهر أن الرسم قد أعيدت صياغته؛ بالإضافة، انهار جزء من الزخرف الأصلي على الأرضية.

 

في أقصى الجزء الشمالي للغرفة B وجد أساس حجري مستطيل بلغ عرضه0.94، ووضع مباشرة على الأرض. وجدت بعض آثار طلاء على السطح. في ركام الرمل والتراب وجدت كسرة كتلة من النوع نفسه، ملونة أيضاً. أظهر الفحص الدقيق للسطح جزء من الرسم. كان الرسم عبارة عن شكلين، أحدهما لأنثى منحنية على موضوع، في حين كان الثاني يرتقى على سلم. يستحيل القول إذا ما كانت تلك الكتل تشكل قواعد حجرية، أو مذبح أو مسلة. غض النظر عما كانت، فإن الشكل المرسوم كان مرئياً من المدخل، ذلك أن الأعمدة كانت مرصوصة إلى الغرب قليلاً بما يسمح برؤية مباشرة.

z

K-7

شكل 8: عضادة باب في المصلى K XI مزخرف بأشكال لفرس البحر

 

احتوت الجدران الشرقية على تنوع أكبر من الزخرف. في الفسحة بين البابين الأول والثانى منظر رجل يصطاد السمك، يميل جسمه إلى الأمام، يناور شبكته التى يبدو أنها مربوطة على اطار خشبى ومؤمنة بحبلين. مجموعة من 12 سمكة قد تشير إلى أمل النجاح في الإصطياد. فوق الصياد صور زورق قصبى عليه إمرأتان. قطرياً عبر الموضوع تمساح كبير أبيض وأسود، مضيفاً عنصراً درامياً. يمكن مشاهدة بعض الطيور المائية على سطح الماء: بجع، وأوز، وخواض. في الأرضية الوسطى، منظر لبقرتين مجرورتين إلى الماء عن طريق رجل في حين كانت الخلفية عبارة عن مبنى خشبى.

 

في خلفية الباب منظر لحيوانات متوحشة وأبقار، والمنظر المشهور للبئر الذى ناقشه ريزنر. غالباً ما يكون وصفه قد اعتمد على صور غير واضحة: الحيوان الأكثر قرباً من البئر لم يكن حماراً بالتأكيد، بل انه أقرب لأن يكون ثوراً أو كبشاً، كما يشير إلى ذلك شكل القرنين والحوافر. في مواجهة هذا الحيوان صورة رائعة لثور؛ امتدت البئر إلى أعلى، كما امتد إلى أعلى أيضاً الحبل الأصفر الذى استخدم لجر السطل إلى أعلى. بالتإلى فإن هذا المنظر في كليته يحتاج إلى إعادة فحصه (شكل 9).

K-8

شكل 9: رسم حيوانات مدجنة، ومركب  من مصلى K XI

 

صور عدد من مراكب التجديف على الجدار الشرقى للغرفة A وأركانها، وكانت هناك خمس مراكب تزين الجدار الشمإلى للغرفة B. هناك زرافات على جدران الممر الموصل بين الغرفتين. على كلٍ، بالنسبة لنا، فإن المنظر الأكثر لفتاً للإنتباه كان في الغرفة صورت فيه ثلاثة أطقم لثورين في مواجهة بعضهما الآخر، رأس برأس، أمام شكل لشحص طويل القامة.

 

للأسف، كانت حالة الحفظ بما لا يسمح بتحريك الرسومات، ومن ثم تم ردم الصرح من جديد.

 

الجبانة الغربية

تم حفر عدة مئات من المدافن في فترات مختلفة في أطلال المدينة القديمة. أثناء المواسم المبكرة قمنا بدراسة العديد من المقابر المروية، دون أن نلتفت إلى تنفيذ أعمال تنظيف منتظمة. من جانب ثانٍ، تم التنقيب في الجانب الجنوب غربي لموقع الإقامة الثانوي، عن أعداد كبيرة من المدافن كانت كلها من فترة نبتة. كانت تلك المدافن ذات أهمية لكونها أكدت الملاحظات التى توصل إليها جريفيث في صنم في 1912، فيما يتعلق بوجود تقليد دفن مزدوج: الأول دفن مثنى (مقرفص)، يرقد الميت على جانبه، مصحوباً بالعديد من المرفقات الجنائزية، في حين كان الثاني دفن ممدد على ظهره، وعادة في تابوت. التقليد الأول وجد في النوبة منذ العصر الحجري الحديث، في حين أن الثاني ارتبط بالعادات المصرية. بالتالي، وفقاً لجريفيث، فإن المدافن الملكية في نورى والكرو وجبل البركل كانت لسكان مصريين في حين أن مجمل الطبقات الوسطى ظلوا أوفياء لتقاليد الدفن المحلية. على كلٍ، يجدر بنا ملاحظة أن هذا التقليد المزدوج غير معروف في النوبة السفلى ولا في كرمة وبالتالي فإن منطقة الشلال الثالث تمثل حدوده.

 

من الأربعين مقبرة التى تمت دراستها، فإن حوالي الربع منها كان وفق التقاليد النوبية. شملت المرفقات الجنائزية العديد من الجعالين والتعاويذ، وموضوعات حديدية (سكاكين وملاقط) أو برنزية (آلات حلاقة) وخرز متنوع. ضم الفخار أواني يدوية الصنع وأخرى على عجلة الفخاري. العديد منها قد يكون صنع في ورشة الفخاري التى اكتشفت قبل عشر سنوات على بعد عدة مئات الأمتار. الموتى كلهم في وضع مثنى (مقرفص)، يتجهون عادة شرق-غرب، مع الرأس إلى الغرب، والوجه متجه إلى الجنوب أو الشمال.

 

المدافن في تابوت تحتوى على مرفقات جنائزية فقيرة؛ مقارنة، على أية حال، بالبناء الحقيقي لغرف الدفن. الوصول إلى غرف الدفن يتم من الشرق عن طريق حدلة أو درجات قطعت بأسلوب دقيق في الغرين الطبيعي. اشتملت تلك في حالات على عنصر طوب غير محروق، والذي استخدم عادة في التوابيت. ورغم أن خشب التوابيت قد قضى عليه النمل الأبيض، فإنه يمكن رؤية آثار الزخرف الزاهي الألوان (الأصفر، والأحمر، والأخضر، والأسود، والأزرق). رأس المدفون عادة ما تدار باتجاه الغرب. تميز مدفونان بوجود شبكة من الخرز تغطى الجثمان، مع تشكيلة موضوعات هندسية معقدة على الوجه والصدر, المدفنان كانا لأنثيين.

 

عمق هذين النوعين للدفن تشير إلى أنهما متعاصرين. المدافن الأخرى شملت، في حالة واحدة، قدحان مصقولان مكسوران بشفة حمراء على الدرجات، وكان القدحان متطابقان تماماً مع ما كشف عنه في المدافن المحفورة وفق التقليد المحلى. هناك ضرورة للمزيد من البحث لفهم تلك الاختلافات وإدراكها. مسألة التأثير المصري، والذي يمثل أهمية خاصة بالنسبة للأسرة الخامسة والعشرين، والذي يعد إشكالية يدور حولها الجدل فيما يتعلق بالمدافن القديمة في الكرو، تستحق انتباها محدداً، رغم أن مناطق النوبة الوسطى لازالت بعيدة عن أن تكون درست كلياً.

 

Ch.Bonnet (ed.), Études nubiennes. Conférence de Genève. Actes du VIIe Congrès International d’Ėtudes Nubiennes 3-8 septembre 1990. vols.I-II, Genève.

Ch.Bonnet 1994, Des premières différences sociales à l'émergence d'un Etat. La Moyenne Nubie (IVe-IIe millénaire avant J.-C.),-In: F.Geus (assembled): ‘Nubia Thirty Years Later’. Pre-publication of main papers, Society for Nubian Studies eighth Internatinal Conference, Sept,1994. Lille.