علم الآثار والنوبة 

 

W.Y.Adams

 Nubia Corridor to Africa, Allen Lane: Princeton University Press, 1977

ترجمة د. محجوب التيجاني

تدقيق أسامة عبدالرحمن النور

 

 

الحاضر والمستقبل

بعثات رائدة أخرى

المؤرخون والجغرافيون العرب

النصوص المصرية

المسألة العرقية

المسح الآثارى الثاني

أوائل الرحالة الحديثين

النصوص الهيروغليفية النوبية

التاريخ اللغوي

بعثات أخرى

المصادر الآثارية

الكتاب اليونان والرومان

إشكالية التركيب

حملة السد العالي

المسح الآثارى الأول

التواريخ الكنّسية

 

 

 

النصوص المصرية

يظهر اسم كوش وأسماء مصرية أخرى للنوبة في عدد غزير من النصوص الهيروغليفية والهيراطيقية، لكن في الكثير منها كانت مجرد إشارات عابرة. طوال 3.000 سنة بأكملها من العلاقات الفرعونية النوبية هنالك بالكاد نصف مئة من النصوص التى تعني بكليتها أو حتى بشكل أساسي بالشئون النوبية [لمعلومات مفصلة عن النصوص الهيروغليفية والتي تعرضت للنوبة. لقد قصد منها كلها بالطبع الاحتفال بانتصارات ومغانم مصر أو المصريين أكثر من نقل أى وصف موضوعي للأرض الجنوبية، قيمتها الرئيسة موجهة لإعادة إنشاء التاريخ السياسي والاقتصادي. بالنسبة لجوانب أخرى من الحياة النوبية يتوجب علينا أن نقرأ ما بين السطور- ممارسة مريبة دائماً، تتضاعف ارتياباً حينما تنأى الأسطر نفسها عن الصفاء.

 

السجل التاريخي المعروف الأكثر قدماً المرتبط بالنوبة ينتمي إلى فجر التاريخ نفسه. إنه عبارة عن تمثيل صوري وجد على نتوء صخري بالقرب من الشلال الثاني، غالباً ما كان تخليداً لنجاح عسكري حققه فرعون الأسرة الأولى جر (أو زر) على عدو محلي. وجدت نقوش أخرى بمصر تعطي ذكراً موجزاً لحملات عسكرية إلى النوبة في عهد الأسرتين الثانية والثالثة، ومن فترة لاحقة قصيرة هناك مخربشات لمستكشفين وعمال المحاجر في أماكن متعددة بالصحارى النوبية. من الأسرة السادسة يأتي نصان لسيرة ذاتية يحتويان سرداً لعمليات تجارية وعسكرية على حد سواء جرت في السودان. النصان أكثر تفصيلاً من أي شئ سابق لهما، ويبيحان أول رؤية إلى الظروف الثقافية في الأراضي الجنوبية.

 

يكاد ألا يكون هناك سجل كتابي للعلاقات المصرية-النوبية خلال المرحلة الانتقالية الأولى (الأسر السابعة إلى العاشرة) شنت الأسرة الحادية عشر فيما يبدو حرباً متقطعة في الجنوب، واضعة الأساس لفتح النوبة السفلى واحتلالها من قبل الفراعنة الأوائل للأسرة الثانية عشر. وصف حملاتهم وإعلانات السيادة المصرية هي الوثائق العمادية في أمر النوبة في عهد المملكة الوسطى. بعد الأسرة الثالثة عشر يصمت السجل ثانية لزمن معتبر، حتى تتكرر قصة الفتح والاستغلال كأنما كلمة بكلمة في ظل المملكة الحديثة.

 

نصوص المملكة الحديثة (الأسر الثامنة عشر حتى العشرين) تمثل سجلاً كئيباً لعمليات عسكرية في مواجهة سكان بلا قدرة على الدفاع ظاهرياً. ليس أقل من ثمانية ملوك يزعمون أنهم فتحوا أو أعادوا فتح أجزاء من النوبة، مع أن السجل الآثارى يشير إلى احتلال مصري متواصل إلى هذا القدر أو ذاك. بعض هذه الحملات ما كان من الممكن أن تكون سوى غزوات للاسترقاق، متخفية بغلالة تتذرع باستعادة النظام المدني. يثبت آخر السجلات النصوصية للحكم المصري في النوبة استلام جزية في عهد رمسيس التاسع. بعد عهده كان هنالك صمت مجدداً على مدى قرون، إلى حين أخذ النوبيون أنفسهم بتلابيب القصة.

 

معلومات إضافية حول النوبيين المبكرين يمكن الحصول عليها من بينة الرسوم على جدران المعابد والمدافن المصرية. إنها تبين في أكثر الأحيان أسرى وخدماً من الأراضي الجنوبية، الذين يتيسر التعرف عليهم من سماتهم، في حالة الرسوم، ومن لون بشرتهم. من تلك الرسوم ندرك شيئاً عن مظهر الناس وملبسهم، والأدوار التى كان من الممكن لهم شغلها في النظام الاجتماعي المصري.

 

النصوص الهيروغليفية النوبية

النوبيون، أو على الأقل الملوك النوبيين، اغتنموا سانحة في النهاية ليدونوا رؤيتهم الذاتية للتاريخ بعد فتحهم لمصر في القرن الثامن قبل الميلاد. ورث النوبيون كحكام للأرض الشمالية جهاز الدعاية المنمقة الذى كان دوماً تحت إمرة الفراعنة، ولم يتباطأوا في استخدامه. فلئن كانت إعلاناتهم وحولياتهم الملكية لا تختلف في الأسلوب أو المحتوى عن تلك الخاصة بالفراعنة السابقين أو اللاحقين، فإنها تعرض على الأقل، للمرة الأولى في التاريخ، وجهة نظر مؤيدة للنوبيين. كانت على كل قد كتبت عن طريق كتبة مصريين بلغة ورموز مصرية، ولا بدَّ أنها قد وجهت في جزء معتبر إلى جمهور مصري. الكثير منها ما كان وثائق "نوبية" بالمرة، لكنها حوليات حكام نوبيين سيضحون حكاماً على مصر. إنها لا تخبرنا أبعد من ذلك عن الحياة في موطن النوبيين مما تخبر به النصوص المصرية النقية التى يرجع تاريخها إلى أزمان أخرى.

 

من وجهة نظر التاريخ السياسي، من جانب ثانٍ ، تمثل نصوص الفترة النبتية (عصر الحكم النوبي في مصر والقرون التالية) على الأقل الأهمية نفسها التى مثلتها حوليات عهود سابقة. بارزة من بينها لوحة بيَّا، الذى فتح مصر، وتهارقا الذى خسرها. من القرنين اللذين أعقبا تهارقا هنالك ثلاثة نقوش ملكية أخرى ذات أطوال معتبرة، كلها تسترجع أحداث عمليات عسكرية داخل السودان. ورغم أن الملوك النبتيين احتفظوا باللقب الفرعوني المأثور " سيد الأرضين " (أي مصر العليا والسفلى) فإنه لا توجد بينة دالة على كونهم قاموا بأي جهد عملي لفرضه بعد زمن تهارقا. إن لوحة نستاسن، المؤرخة الآن بحوالي 336 ق.م.، هي آخر نص من أصل نوبي متماسك تاريخياً. لا توفر لنا نقوش لاحقة سوى أسماء لحكام، كما وأنه لا يمكن ترتيبها وفق تواتر واضح.

 

من جانب فإنه من حسن الحظ أن الملوك النبتيين اختاروا اللغة والرموز المصرية لكتابة حولياتهم الملكية، إذ يعنى ذلك قدرتنا على قراءتها دون صعوبة. من جانب ثانٍ فإننا حرمنا من أي مفتاح للغة النوبية الأصلية، وبالتالي للهُويَّة الاثنية وصلات القرابة للسكان. في أزمان لاحقة تطورت في الحقيقة لغة أصلية خالصة مكتوبة (المرَّوية)، غير أنها لازالت حتى الآن غير مفهومة للباحثين المعاصرين. لا يبدو أنها لصيقة الصلة باللغة النوبية ولا بأي لغة من اللغات الحالية. لقد وظفت في عدد قليل من النقوش التذكارية، لكنها استخدمت في أغلب الأحيان لنصوص النذور القصيرة واحتمالاً للنصوص التجارية.

 

الكتاب اليونان والرومان

كان هناك الكثيرون من المغامرين والمستوطنين الإغريق في مصر ردحاً طويلاً قبل الاسكندر. كمرتزقة في الجيش المصري، رافق بعضهم الفرعون بسامتيك الثاني في حملته إلى النوبة في القرن السادس قبل الميلاد. المخربشات التى تركوها في معبد أبى سمبل، وفي مكان أو مكانين آخرين، تمثل أول بينة دالة على دخول أي من الأوربيين إلى النوبة.

 

جسدت زيارة هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد نقطة تحول في تدوين التاريخ النوبي والتاريخ المصري على حد سواء. لم يرتحل " أب التاريخ " أبداً بشخصه إلى ما وراء أسوان ، لكنه استجمع من المسافرين والتجار وصفاً جغرافياً دقيقاً (بالنسبة له) ومثيراً للعجب عن الأراضي الأبعد بأعلى النيل. إلى اليوم فإن معرفتنا بمملكة مروى تعتمد في قسط منها على بينة هيرودوت، رغم أنه لم يشاهدها مطلقاً. إن عمله هو الأقدم الباقي عن تاريخ النوبة وجغرافيتها الذى يدعي الشمولية أو الموضوعية، مع أنه يمكن أن يكون مسبوقاً بسرد هيكاتيوس المفقود.

 

لا غرو، بالنظر إلى شح المادة المصدرية، أن تكون معظم العروض المأثورة عن النوبة أقوى في جانب الجغرافيا والاثنولوجيا منها في جانب التاريخ. نسخ الكثيرون من مؤلفيها بفيض من هيرودوت، في حين أضاف القليلون منهم تفصيلاً إضافياً ذا أهمية وقيمة. من بين الأخيرين كان سترابو (الذى نسخ وصفه الجغرافي للنوبة إلى حد كبير من العمل المفقود لإيراتوسفين)، وديدور الصقلى، وبلينوس. إضافة إلى وصفهم للأرض والناس، فإن هؤلاء الكتاب يمثلون مصادرنا الأساسية للعلاقات بين البطالسة والنوبيين وبين الرومان والنوبيين. في بداية نهاية الفترة الكلاسيكية قدم ثلاثة من الكتاب صورة عرَّضية لحالة الفوضى التى سادت في النوبة عقب تحلل دولة مروى. السرد المبهم والمتناقض أحياناً الذى قدمه كل من بريسكوس واوليمبيودوروس وبروكوبيوس تمثل مصادر قيمة بالنسبة للتاريخ السياسي، كما وأنها أسهمت بأكثر من نصيبها في الضباب المحيط بمسألة "المجموعة المجهولة" النوبية.

 

وثيقة واحدة تقف متفردة من بين السجلات "الكلاسيكية" عن النوبة. تلك هي وثيقة إعلان نصر حققه الملك النوبي سيلكو في القرن السادس، وهو إعلان نقش بلغة يونانية بدائية غير نحوية على حجارة معبد كلابشة. بالرغم من حجمه المحدود ولغته غير الدقيقة فإنه يمثل آخر نص تاريخي وضع عمداً للسلطة النوبية حتى الأزمان الحديثة.

 

التواريخ الكنسية

كتب مؤرخان مبكران للكنيسة هما جون الأفسوسي وجون البكلارومي، وآخران متأخران هما يوتيخيس وميخائيل السوري، عن تحول النوبة إلى النصرانية في القرن السادس. تختلف رواياتهم في عدد من النقاط الهامة، كاشفة عن تحيز لواحدة أو أخرى من الطوائف الأرثوذكسية المتنافسة آنذاك. مثل النصوص الكلاسيكية المتأخرة، فقد أثارت كتاباتهم جدلاً لازال يلازمنا. الضوء الذى سلطته تلك الكتابات ينحصر إلى حد بعيد في القرن الأول للمسيحية النوبية، ذلك أن العالم الخارجي بعد الفتح العربي لمصر غض النظر عن نصرانية النيل حتى نهاية القرون الوسطى.

 

المؤرخون والجغرافيون العرب

الأعظم من بين المؤرخين العرب، القدامى والمحدثين، كان عبدالرحمن ابن خلدون (أواخر القرن السابع عشر). مع ذلك لم يكن سرده هو الأفضل من بين مصادر القرون الوسطى الخاصة بتاريخ النوبة أو جغرافيتها. تعود مثل تلك الأفضلية إلى معاصر له هو الجغرافي المقريزي. مؤلف المقريزي "الخطط" ليس فحسب مصدراً أصيلاً وهاماً، بل أنه يحتفظ كذلك بمقالة طويلة لزائر أصلي، ابن سليم الأسواني، الذى فقد ماعدا ذلك سرده لنوبة القرن العاشر. تجمع أعمال أخرى للمسعودي، والعمري التاريخ والجغرافيا، وتوفر ترتيباً زمنياً لوقائع العلاقات النوبية مع الخلافة الإسلامية، وفيما بعد مع الأسر المنشقة في مصر. عمل جغرافي خالص هو كنائس وأديرة مصر وبعض البلاد المجاورة ينسب لأبي صالح "الأرميني".

 

هبط ظلام على النوبة، بالقدر الذى نعنى به المصادر العربية، مع الفتح العثماني عام 1520. مع هذا، يبدو محتملاً أن المصادر الخطية لفترة القرون الوسطى المتأخرة بعيدة عن النفاد. الوثائق العثمانية، وحوليات الاستكشاف البرتغالية، وحوليات البندقية، والعروض التجارية، ودوريات رحالة مجهولين ربما تلقى المزيد من الضوء على فترة تظل حتى الآن واحدة من أحلك الفترات في التاريخ النوبي.

 

المصادر الآثارية المادية

أوائل الرحالة الحديثين

في العام نفسه الذى اختفت فيه النوبة وراء "الستار العثماني"، قدمت أرض إثيوبيا المجاورة للوعى الأوربي خلال البعثة التبشيرية الأولى من بعثات برتغالية عديدة. في هذا الزمن يأتي الضوء الخافت عن النوبة من الجنوب أكثر منه من الشمال. إن سرد الآباء اليسوعيين لا يقول سوى القليل عن الأحداث على النيل، لكنه يكاد يكون كل ما نملكه عن قرنهم.

 

في بداية القرن الثامن عشر سار مع النيل صعوداً رحالتان جسوران، الفرنسى بونسيه والألمانى كرمب، من القاهرة، الأول إلى حدٍ بلغ إثيوبيا والثاني إلى بعد بلغ سنار. بنهاية القرن صعد جيمس بروس عبر الطريق نفسها. أسرع كل هؤلاء باختراق ما عدوه أرضاً غير مضيافة في أعالي النيل، وقد تركوا لنا خطوطاً عريضة عاجلة من المناظر على امتداد الطريق. لقد كان الرحالة الدارسين العظماء الذين ساروا في صحوة احتلال فتح محمد على الذين أدخلوا مدلولات العصر الحديث في التاريخ النوبي. كان من أبرزهم كل من بوركهاردت، ووادنجتون وهانبري، وكايو، ولينان دى بلفوند، وبعد جيل لاحق، هوسكنز، ولبسيوس. كانت عروضهم الضخمة المدعمة بالرسوم التوضيحية بغزارة هي نقطة البداية لتاريخ مستمر للنوبة يمتد حتى أزماننا الحالية.

 

المصادر الآثارية

حفنة أعمال التنقيب الآثارى التى أجريت في النوبة فيما قبل 1907 كانت إما عمليات تنظيف صممت للكشف عن نقوش هيروغليفية، أو منشئات معمارية، أو بوضوح مجرد اصطياد كنوز. عملياً فقد أصبح علم الآثار متسقاً خطة وإجراءً مع جورج ريزنر والمسح الآثارى الأول للنوبة، الذى أصبح ضرورة بفضل توسيع خزان أسوان الأصلي (الذى كان قد شيد في الأعوام 1898-1902 والذي شهد توسعاً أولاً في 1908-1910). في ذلك الوقت كان التحدي الذى تمثله عملية إنقاذ الآثار ي التنقيب المنهجي المنتظم غير المتحيز بالنسبة لكافة المواقع المهددة بالدمار) غير مشهود في السابق. وجد ريزنر نفسه مضطراً إلى تطوير منهجه أثناء سير عمله. وجدت بعض إجراءاته ، مثل استخدام نماذج معيارية لتسجيل المعطيات، قبولاً عالمياً منذ ذلك.

 

المسح الآثارى الأول

دام المسح الآثارى الميداني الأول لأربعة مواسم ، من 1907 إلى 1911. تمَّ استكشاف خمسة وتسعين ميلاً من وادي النيل بين الشلال ووادي السبوع. أشرف ريزنر على المسح في الموسم الأول ومن ثم تولى فيرث الإشراف في الثلاثة مواسم اللاحقة. بحساب المسح فقد تم التنقيب في 151 جبانة وما يزيد على 8000 مقبرة فردية. تمت دراسة نصف دستة فقط من مواقع أخرى غير جبانات، واحد منها فقط درس بقدر من التدقيق. هذه النتائج، وبصورة أكثر تحديداً أعمال الموسم الأول، مثلت قاعدة المعطيات التى بنى عليها ريزنر واللاحقين إعادة تركيب التاريخ النوبي.

 

تبرز خاصتان في عمل المسح الآثارى الأول: أولاً، لقد كان مكرساً لبقايا جنائزية بما يكاد يستبعد أية بينة آثارية أخرى، وثانياً، التركيز المخل على المراحل المبكرة للتاريخ النوبي. الخاصتان كانتا إلى حد ما متعمدتين. إن ريزنر وفيرث لم يرتابا في أن البينة الكتابية ستؤثث الصورة الأساسية للمراحل التاريخية اللاحقة، وكان اختيارهما للمواقع المخضعة للدراسة قد اعتمد المبدأ الذى يركز على المراحل المعروفة بصورة أقل. علاوة على ذلك، فإنه حتى عام 1907 كان من المأخوذ به أن القاعدة الأولى لكل علم للآثار- بما في ذلك الأعمال الإنقاذية- هو الكشف عن الموضوعات المنقولة (القابلة للعرض). كان تنقيب المواقع الحية وتسجيلها عملية عرَّضية وثانوية أغلب الأمر (هناك، رغم هذا، مسح معماري وابيجرافي لمعابد النوبة جرى في الوقت نفسه). عبَّر فيرث مرة أو مرتين عن أسفه بأن ضغط الوقت لا يسمح لفرقه الميدانية بفحص بعض المدن الأطلال التى لاحظوها على امتداد الطريق Firth  لكنه لم يفكر أبداً بجدية في مسألة أن الدراسة التفصيلية لهذه الأطلال المدن قد يستحق الأولوية على الحفر المتواصل للقبور والجبانات التى كانت تيبولوجيتها قد أصبحت معروفة بحلول ذاك الوقت. هذا المدى للأولويات نفسه تمَّ تبنيه من قبل علماء الآثار اللاحقين وأثر على معالجتنا للتاريخ النوبي إلى يومنا هذا. كمحصلة، كثيراً ما يبدو لنا أننا نعرف أكثر عن كيف مات النوبيون الأوائل مما نعلم كيف أنهم عاشوا. تقدم معالجة الآثار المسيحية ضوءاً جانبياً مثيراً للاهتمام في عمل المسح الآثارى الأول. في الأسابيع الأولى للحملة التمهيدية نقب فريق ريزنر في كل الألف وستمائة خمس وعشرين مقبرة في جبانة مسيحية بالقرب من الشلال- وهو عدد من المقابر أكبر بكثير مما جرى التنقيب فيه لاحقاً في جبانة لأي فترة Reisner. لقد كانت المقابر بالطبع خالية من أي قرابين، حيث أن وضع موضوعات في القبر ما كان سمة للممارسة الجنائزية المسيحية. بعد هذه التجربة المحبطة لم بفتح المسح أبداً أي عدد مهم من القبور المسيحية ثانية، وفي المواسم الأخيرة فإن وجود تلك المقابر لم يسجل بصورة منتظمة. عدت المقابر المسيحية جنباً إلى جنب مع المقابر الإسلامية منتمية إلى فترة فقيرة للغاية وحديثة بحيث لا تثير الاهتمام. تحديداً لكون علم آثار النوبة المسيحية لم يكن " علماً للآثار الجنائزية " لم يسهم أي من المسحين الأول والثاني بأي شئ ذي قيمة بالنسبة لفهمنا لطور هذه التسعمائة عام من التاريخ النوبي.

 

كان الإنجاز البين للمسح الآثارى الأول يتمثل بلا شك في الكشف عن والتعرف على المجموعات الثقافية الأولى والثانية والثالثة والمجهولة غير المسجلة من قبل، وترتيب تلك الثقافات مثلها مثل الثقافات النوبية المعروفة تاريخياً في تعاقب منتظم. بصورة ما تمَّ إنجاز ذلك منذ البداية. بقايا الأربع مراحل كلها (وفي الواقع لكل فترة تقريباً من فترات التاريخ النوبي) وجدت في الجبانة رقم 7 في الشلال التى اكتمل التنقيب فيها في الأسابيع العشرة الأولى للحملة المبدئية. لذلك يمكن وصف هذه الجبانة بأنها مثلت قاعدة للمعطيات النهائية التى تقوم عليها التواريخ الحديثة للنوبة.

 

نشرت التقارير المبدئية عن المسح في شكل "نشرات" صغيرة ظهرت في غاية من التعجل أثناء كل موسم وبعده. تمَّ تعريف المجموعات الأولى والثانية والثالثة (فقط كأشكال للقبور) في النشرات الباكرة، واقترح رسمياً التواتر الكامل للأطوار (التى تتطابق الآن تحديداً بجماعات سكانية) في الصفحات الافتتاحية للنشرة الثالثة التى صدرت في عام 1909. بعد عام لاحق كرس ريزنر التقرير الأول لمسح آثار النوبة (1907-1908) لتعريف ومناقشة كل طور من أطوار الثقافية النوبية. وقام فيرث بتكرار المناقشة وتجديدها في كل من التقارير الثلاثة اللاحقة، إلا أن الأسس الانطلاقية التى ثبتها ريزنر ظلت غير متغيرة.

 

لا بدَّ من إضافة أنه لا النشرات ولا التقارير لا تمثل بحال سروداً شمولية لعمل المسح الآثارى الأول. بعض المواقع لم توصف أبداً في ما تمت طباعته، وفي حالات كثيرة نظل نجهل الحجم الذى أنجز وما لم ينجز. في العقد الأول للقرن العشرين كان التسليم بالتوثيق والنشر كجزأين حيويين من مهام عالم الآثار بادئاً لتوه.

 

مساوقة للمسح الآثارى، لكنها مستقلة عنه، أجريت دراسات في معمار المعابد الفرعونية والبطلمية- الرومانية ونقوشها في المنطقة المهددة. تولى هذا العمل بلاكمان، وفوتير، ورويدر، ونشر في سلسلة من المجلدات تحت العنوان الجمعي معابد النوبة الغارقة

 

بعثات رائدة أخرى

خمس بعثات أخرى ولجت الحقل النوبي خلال عام أو عامين من المسح الآثارى الأول. عملت بعثات جامعة بنسلفانيا، وجامعة أكسفورد، وأكاديمية فينا للعلوم في النوبة السفلى إلى الجنوب من المنطقة التى يهددها الخزان الواطئ. بعيداً صوب الجنوب، بدأت بعثة مروى في الكشف عن المدينة الملكية التى تحمل ذلك الاسم، واستطلعت حفريات ولكام بقايا ما قبل تاريخية في الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض. باستثناء بعثة فينا، دعمت كل هذه الحفريات عمل المسح الآثارى في جانبين مهمين. أولاً، أولت اهتماما أكبر للبقايا المعمارية، المنزلية منها والصروحية أكثر مما فعله المسح. ثانياً، كانت كلها معنية بقدر معتبر ببقايا الفترة المروية، التى كانت غير ممثلة في الشمال الأقصى للنوبة ولم تظهر بالتالي في أعمال ريزنر وفيرث. قامت بعثتا أكسفورد وبنسلفانيا بتقديم أول إسهام هام لدراسة الآثار النوبية  المسيحية، مجدداً على أساس معماري أكثر منه مخلفات جنائزية. خلال السنوات نفسها كان المهندس المعماري سومرس كلارك يقوم بمسح البقايا المسيحية فيما بين الخرطوم والقاهرة ويمثل مؤلفه الآثار المسيحية القديمة في وادي النيل العمل الرائد في هذا الميدان.

 

في عام 1913 عاد ريزنر إلى النوبة بعد غياب دام عدة سنوات، هذه المرة مديراً لبعثة هارفارد-بوسطن، وهى بعثة مشتركة بين جامعة هارفارد ومتحف بوسطن للفنون الجميلة حازت ترخيصاً للتنقيب كاد أن يكون احتكارا فعلياً للبقايا الآثارية الهامة في السودان الشمالي. خلال الثمانية عشر عاماً التالية أجريت الدراسات تقريباً في كل المواقع الصروحية التى يرجع تاريخها إلى الفترات الأسرية في التاريخ النوبي (فرعونية، ونبتية، ومرَّوية). يقع عمل البعثة تحت ثلاثة عناوين رئيسة:

1. تنقيب المركز التجاري المصري الكبير والجبانة الملكية النوبية في كرمة. أنجزت هذه المهمة بين الأعوام 1913-1916 ونشرت ضمن سلسلة دراسات هارفارد الأفريقية. إن معرفتنا لثقافة كرمة ما انفكت قائمة بما يقرب الكلية على هذه التقارير.

2. التنقيب في العديد من القلاع الهائلة في منطقة الشلال الثاني، المشيدة أصلاً في عهد المملكة الوسطى وتعرضت للتوسيع في ظل المملكة الحديثة. أجرى هذا العمل بصورة متقطعة طوال سنوات عدة تحت إشراف مديرين مختلفين. لم تظهر النتائج إلا منذ وقت قريب للغاية فقط في المجلدين المعنونين قلاع الشلال الثاني Dunham.

3. التنقيب في الجبانات الملكية النبتية والمروية، ومعابد مرافقة معينة بجوار كريمة وفي مروى.

 

جسدت تلك الأعمال بلا شك عمل ريزنر الطليعي في السودان. بفعل ذلك العمل أعاد ريزنر تركيب تعاقب الأسر الملكية النبتية والمروية وهو التركيب الذى لازال بمثل الإطار الأساسي للتسلسل الزمني (الكرونولوجى) لمناقشة هذه المرحلة من التاريخ النوبي. مرة أخرى لم تنشر النتائج الملموسة الرئيسة إلا بعد مضى وقت طويل على وفاة ريزنر في رتل من المجلدات التى تحمل رسوماً ولوحات توضيحية رائعة. وقد قام دنهام بإعداد تلك المجلدات التى نالت عنواناً جمعياً: جبانات كوش الملكية.

 

ما كانت الحفريات في السودان سوى جزء ثانوي من عمل بعثة هارفارد- بوسطن منذ بداية تنظيمها في عام 1905 حتى وفاة ريزنر بعد ما يقرب من أربعين عاماً لاحقة، استحوذ اهتمام البعثة أولاً وبالقدر الأكبر التنقيب في مقبرة المملكة القديمة بالجيزة، في ظل الأهرام الكبرى. أجريت الأعمال في السودان في الوقت نفسه على أفضل ما يمكن. أكثر الأحيان أنجز العمل في النوبة في وقت متأخر من الموسم، بعد الفراغ من العمل في مصر. كانت أعمال التنقيب في النوبة على أي أكبر جسم من العمل الآثارى المتسق الذى أنجز في النوبة العليا، وستظل نتائجها تؤلف دوماً العامود الفقري للدراسات في تاريخ نبتة- مروى.

 

 

* صدرت الترجمة الآن عن مطبعة الفاطمة بالقاهرة

 

C.M.Firth, The Archaeological Survey of Nubia. Report for 1908/09. Cairo.

G.A.Reisner, The Archaeological Survey of Nubia. Report for 1907-1908, vol.I. Archaeological Report. Cairo.

D.Dunham, Second Cataract Forts, vol.2. Uronarti, Shalfak. Mirgissa. Boston.