رؤية مجددة في تاريخ كوش الثقافي

أسامة عبدالرحمن النور

 

 

العصر الحجري القديم

العصر الحجري الوسيط

العصر الحجري الحديث والانتقال إلى إنتاج الطعام

ثقافات أطراف كوش الشمالية

الدولة في كوش التأسيس

مملكة كرمة

كوش والمملكة المصرية الحديثة

مملكة نبتة: المرحلة الأولى للتأسيس

مملكة نبتة والسيادة الكوشية على مصر

تعاقب ملوك نبتة

بيَّا والسيادة على مصر

شاباكا وشباتاكا والصراع مع أشور

تهارقا ومجد كوش

تانوت أمانى وفقدان السيادة على مصر

مملكة نبتة بعد التراجع من مصر

أسبالتا والصراع الكوشى المصرى

مملكة نبتة مروى الموحدة

قمبيز والحملة الفارسية المجهضة

مملكة نبتة مابعد أسبالتا

مملكة مروى والدفاع أمام المد الإغريقي

المواجهة مع الإمبراطورية الرومانية

بدو كوش القوة الصاعدة

النوبا الزرق والغزو الاكسومى

التسلسل الكرونولوجى لتاريخ كوش

 

 

العصر الحجري القديم

تم التعرف على صناعات حجرية مميزة للعصر الحجري القديم الأوسط بصورة جيدة في كوش. أظهرت الدراسات التى أجريت وجود العديد من المراحل المتعاقبة لتلك الصناعات الحجرية التى عبرت عن وجود قدر كبير من التنوع. وقد كانت الأبقار البرية تمثل الغنائم الأساسية للصيادين الكوشيين. ففي أرقين القرب من وادي حلفا تم الكشف عن مواقع تحتوى على مثل تلك الأدوات الحجرية Chmielewski,1968 وبالقرب من أرقين عثر علماء الآثار على موقع إقامة في خور موسى معاصر لتك الصناعات شكلت فيه عظام الأسماك بقايا الطعام بصورة أساسية أبعد إلى الجنوب تمَّ الكشف بالقرب من الخرطوم على صناعات مماثلة بالإضافة إلى نوع من المثاقب الكبيرة والطويلة المرققة التى تشبه مثاقب تم الكشف عنها في لوبيمبا بسهل  كنشاسا Clark,1980 وهو ما قد يشير إلى نشؤ بيئة استوائية على امتداد وادي النيل الأبيض في تلك الفترة . حالياً تعد صناعة خور موسى معاصرة لصناعة ليبية تعرف باسم الضبعانية والتي ثُبت تاريخها بحوالي 35 ألف سنة مضت.

 

في أعقاب صناعة خور موسى، على الأقل بحوالي 25 ألف سنة مضت، ظهرت في كوش صناعة حجرية عرفت باسم الحلفاوية Marks,1968 التى ارتبطت بمواقع خاصة بصيد الحيوانات والأسماك في منطقة وادي حلفا. المهم هو أن تلك الصناعات المتباينة تبايناً واضحاً والتي تعايشت جنباً إلى جنب في وقت متزامن قريبة من بعضها البعض، تشير إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بنشاطات متنوعة وإنما بوجود جماعات سكانية كذلك. يحتمل أن تكون الضغوط السكانية المتزايدة، في بيئة محيطة وفرها نهر النيل، قد حفزت الإبداعات التقنية كجزء من المنافسة على السيطرة أو على اقتناء الموارد. هذه العملية نفسها قد شكلت بدورها حافزاً على نشوء الصلات الاجتماعية وقوت التنافس والتفاوت والهُويَّة بين المجموعات Wendorf-Schild,1989. استمر هذا الوضع من 15 ألف سنة إلى 11 ألف سنة مضت عندما كان هناك ارتفاع في منسوب النيل معاصر للبحيرات المرتفعة في كل من الصحراء وشرق أفريقيا.

 

لا يمكننا عزل تطور الصناعات الحجرية في كوش عن الأحداث الجارية حينها في الصحراء أو في الإقليم الشمالي لوادي النيل. إنه على امتداد المنطقة باستثناء ساحل البحر الأبيض المتوسط، اعتمدت طبيعة مواقع إقامة الإنسان وتوزيعها على الظروف البيئية المتغيرة. يمكن رؤية تجليات هذا الاعتماد في التوقف الذى أصاب عملية الإقامة في جزء كبير من الصحراء أثناء مرحلة الجفاف التى أعقبت ازدهار الصناعة الحجرية المعروفة باسم العاترية، والتمركز الكثيف لمواقع الإقامة على ضفتي النيل. كذلك هناك التطور لسلسلة من الإبداعات واسعة الانتشار في وقت مبكر للغاية، وهى إبداعات ارتبطت بالسعي إلى زيادة طاقة إنتاج الطعام من البيئة الطبيعية. وقد ارتبطت تلك التطورات ارتباطا وثيقاً بوجود جماعات ذات حدود معينة متقاربة أبدت، كما ينعكس ذلك في مخلفات ثقافاتها المادية، تفرداً بيناً في أنماط حياتها المتكيفة مع ظروف متنوعة.

 

الأمر كذلك فان عدم صلاحية جزء كبير من الصحراء شكل عائقاً أمام إقامة الإنسان في حين وفر النيل بيئة مناسبة سمحت على امتداد الفترة من 20 ألف سنة و11 ألف سنة مضت للسكان بالتزايد في إطار مساحات محددة. ولاشك أن النتيجة الحتميَّة لذلك تمثلت في نشوء التنافس على الموارد، وظهور التباين الاجتماعي. فرضيتنا هذه تجد دعماً لها في المخلفات الآثارية التى تم الكشف عنها في السنوات الأخيرة في العديد من المواقع في جنوب مصر مثل وادي الكبانية بالقرب من أسوان حيث شكلت درنات الجوز البرى عنصراً أساسياً في الغذاء، وحيث استخدمت حجارة طحن كبيرة. وتظهر واحدة من الصناعات الحجرية الكوشية في تلك الفترة، وهى الصناعة التى صارت تعرف باسم القادنية، تنوعاً هائلاً من الأدوات القزمية الحجم (الميكروليتية). كما مارس الكوشيون القادانيون صيد الأبقار البرية وغيرها من الحيوانات ذات الحوافر إلى جانب استخدامهم الأطعمة النباتية البرية بما في ذلك الحبوب. وقد دفن القادانيون موتاهم في جبانات كان من بينها الجبانة التى تمَّ الكشف عنها في جبل صحابة بالقرب من وادي حلفا، والتي تعرض المدفونين فيها للموت بفعل عمل عنيف وهو ما قد يشير إلى نشوب صراعات ونزاعات إقليمية بين المجموعات في تلك الفترة Wendorf-Schild,1989. الأكثر أهمية هو أن الأنواع الحيوانية التى تم الكشف عن بقايا عظامها تشير إلى بيئة حيوانية مكنت الإنسان من إجراء تجارب لتطوير تقنيات التحكم في القطعان البرية وشبه البرية. يجوز القول بأنه من الممكن النظر إلى تلك الإبداعات بوصفها استجابات للتمركز السكاني في وادي النيل بفعل الجفاف الذى ضرب الصحراء المحيطة.

 

العصر الحجري الوسيط

حالياً لازالت المعلومات عن الفترة بين 12 و8 ألف سنة مضت شحيحة إلى حد ما. فيما بعد هذا التاريخ تظهر صناعة حجرية كوشية عرفت باسم الشمارقية تشبه أدواتها تلك التى ميزت صناعات صحراوية Wendt,1966. تأتى معرفتنا الأكثر تفصيلاً عن سكان وادي النيل في هذه الفترة من منطقة الخرطوم حيث تم الكشف في موقع مستشفي الخرطوم عن بقايا ثقافة صارت تعرف باسم الخرطوم المبكرة ويرجع تاريخها إلى حوالي 6000–3750 ق.م Arkell,1949. شملت المواد التى تم الكشف عنها فخاراً مزخرفاً بخطوط متموجة، وأدوات حجرية قزمية الحجم، ورماح لصيد الحيتان مصنوعة من العظم، وحجارة طحن. وكانت رؤوس رماح صيد الحيتان المزودة بشوكة جانبية من جانب واحد فقط من السمات المميزة لصناعة الخرطوم المبكرة. وتشير حجارة مقطوعة على هيئة ختم وغيرها من الموضوعات التى استخدمت كمثقلات للشباك إلى أن أسلوب الصيد بالرماح ما كان هو الأسلوب الأوحد لصيد الأسماك. أيضاً تمَّ الكشف عن آثار جس جفف تحت الشمس مما يشير إلى تشييد نوع من المباني. تظهر البقايا العظمية وجود العديد من الأنواع الحيوانية التى تعيش عادة في المستنقعات مما يدل على أن المنطقة كانت تتميز بمناخ أكثر رطوبة مما هو عليه الحال اليوم. دفن أهل الخرطوم المبكرة موتاهم في وضع منقبض داخل مقابر حفرت في الموقع الخاص بالإقامة.

 

قدم موقع الخرطوم المبكرة مواد تشير إلى أن المجتمعات المبكرة في العصر الحجري الوسيط التى استخدمت الفخار وحجارة الطحن لم تتمركز كلها في قرى مستقرة كما لم تنشغل كلها بإنتاج الطعام. كان سكان  الخرطوم من الصيادين وصائدي الأسماك الجامعين للطعام، وسكنوا في مواقع شبه دائمة وقاموا بجمع الحبوب والخضروات البرية والمحار إلى جانب صيد الحيوانات والأسماك. وقد وجدت المعلومات المستخلصة من الخرطوم المبكرة دعماً لها في ما تم الكشف عنه في موقع شابونا (2) على النيل الأبيض على بعد 140 كيلومتر إلى الجنوب من الخرطوم Clark,1984. شكلت الأسماك المحمصة عنصراً هاماً في وجبات سكان شابونا الذين كانت ثقافتهم المادية مماثلة لثقافة الخرطوم المبكرة. ويبدو أن الحبوب البرية قد تم جمعها وطحنت لتجهيز العصيدة. كذلك تم الكشف عن حفر مسطحة يصل قطرها إلى مترين ونصف المتر يعتقد بأنها أعدت مكاناً للسكن.

  

في الأقاليم الشمالية لكوش يبدو أن الفخار ظل غير معروف حتى أزمان الصناعة الشمارقية المتأخرة حوالي 4500 ق.م. بالتالي لا يمكن القول بأن فخار الخرطوم المبكرة يمثل تقنية انتشرت جنوباً من مصر، بل ان الأدلة المتوفرة قد تشير إلى وجود فخار مشابه في مناطق أبعد إلى الجنوب في المنطقة الممتدة بين وادي النيل وبحيرة تركانا في كينيا.

 

الانتقال إلى إنتاج الطعام

التبني النهائي لتقنيات إنتاج الطعام في وادي النيل مشهود فقط في تاريخ متأخر نسبياً. لا يوجد مؤشر على ممارسة أي شكل من أشكال إنتاج الطعام في منطقة الخرطوم فيما قبل الألفية الخامسة السابقة للميلاد. وأظهرت الدراسات الميدانية أن نمط الاستقرار اكتسب بحلول تلك الفترة درجة من التعقيد غير مسبوقة. الموقع الأول الذى أظهر مثل هذه الدرجة من التعقيد تم الكشف عنه في الشهيناب التى تبعد 50 كيلومتر إلى الشمال من امدرمان Arkell,1953. تلمح صناعة الشهيناب إلى تطور مميز للخرطوم المبكرة. احتل موقع الشهيناب مكاناً على ضفة النيل شغل فيه نشاط صيد الأسماك أهمية كبيرة. تم هنا تطوير رمح صيد الحيتان المصنوع من العظم والمزود بشوكة. شمل التطوير تزويد الشوكة بثقب في قاعدتها لربطها بخيط، ذلك بالإضافة إلى استخدام صنارات مصنوعة من المحار. صناعة الحجر وتجهيز الفخار في الشهيناب لم يظهرا اختلافا عما كان سائداً في الخرطوم المبكرة، لكن فخار الشهيناب أصبح الآن مصقولاً إلى جانب كونه شمل أنواعاً جديدة تحمل قدراً من الشبه بالمنتجات الفخارية المعاصرة في مصر ما قبل الأسرية، تم تصنيع الخرز من الامازونيت المجلوب غالباً من تبستى الواقعة على بعد 1700 كيلومتر إلى الشمال. ويعتقد بأن عظام الحيوانات التى تم العثور عليها في الشهيناب تنتمي إلى أنواع أصيلة. حاليا تم التأكيد على وجود أبقار مستأنسة في الشهيناب.

 

المواقع في السودان الأوسط ذات الاقتصاد القائم على إنتاج الطعام لا على اقتصاد استحواذي يعتمد على الصيد والجمع يمكن تاريخها بحوالي 4900-3800 ق.م. اعتمد الاقتصاد في تلك المواقع على الأبقار والخراف والماعز احتمالا مع قدر من ممارسة الزراعة إلى جانب استمرار نشاطات الصيد وصيد الأسماك. إنه نوع من الاقتصاد المميز للمناطق الصحراوية النيلية المعتمد على استغلال قاعدة عريضة من الموارد. تأتى المادة التى تشير إلى مثل هذا النوع من التحول إلى الاقتصاد الإنتاجي، إلى جانب موقع الشهيناب من مواقع كوشية أخرى في السودان الأوسط مثل الكدرو، وأم دريوة، والجيلى ففي موقع الكدرو إلى الشمال الشرقي من الخرطوم، في الوقت الذى عاش فيه أهل الشهيناب على الضفة الغربية المواجهة، قام السكان برعي الأبقار بأعداد كبيرة جنباً إلى جنب مع رعى الخراف والماعز. وكانت نسبة 90% من عظام الحيوانات المكتشفة تنتمي لأنواع مستأنسة Krzyzaniak,1988. كذلك وجدت حجارة طحن مستهلكة بكميات كبيرة. وقد اتضح من حبوب وجدت ملتصقة بجدران بعض الأواني الفخارية أن الذرة السكرية والدخن شكلا النباتات الحبية المستغلة بصورة أساسية. واتسم صيد الحيوانات والأسماك بأهمية موسمية وسط جماعات الكدرو ويمكن عد موقع الكدرو قاعدة إقامة.

 

هناك عدد من المواقع في المنطقة كانت هي الأخرى مأهولة بجماعات قد تكون أصغر  حجماً على أسس موسمية أو بغرض تنفيذ نشاطات اقتصادية مختلفة بما في ذلك صيد الأسماك. الصورة العامة الآخذة في التبلور نتيجة الأبحاث الميدانية الجارية حالياً تشير إلى وجود مواقع عديدة مختلفة تمت الإقامة فيها قواعد موسمية استخدم سكانها موارد طعام اختلفت وفقاً للوفرة. فعلى سبيل المثال الارتباط بين موقعي الكدرو والزاكياب يشير إلى أنهما شكلا جزأين من نظام واحد كان فيه موقع الكدرو بمثابة إقامة موسمية في فصل الجفاف حيث قام السكان بحصد الذرة السكرية ونوعين من الدخن، وصنعوا أوانيهم الفخارية، في حين كانت الزاكياب موقعاً للإقامة في موسم الأمطار يختص برعي الأبقار وصيد الأسماك.

 

أظهرت نتائج التنقيب في المدافن الكثيرة هناك، بما في ذلك جبانة الكدرو، وجود نوع من التراتب الاجتماعي والتنظيم. خصصت بعض المقابر في الجبانة للراشدين في حين خصص جزء من الجبانة لدفن الأطفال. وتشير محتويات المقابر إلى تراتب من حيث كم الثروة وتراكمها ومن حيث الوضع الاجتماعي. يبدو أن هذا التركيب الاجتماعي استمر في العصر الحجري الحديث المتأخر حيث نجد أن المدافن التى تمت دراستها في إقليم دنقلا في موقع كدروكة Reinold,1991، وفي الكدادة بالإضافة إلى الكدرو تقدم كلها دليلاً يشير إلى تمركز السلطة بأيدي نخب محددة.

 

يظهر الطور الأخير للعصر الحجري الحديث في السودان الأوسط أدلة تشير إلى السيادة الفعلية لاقتصاد يعتمد على الرعي مع تغير في أنماط الاستقرار. خلافاً للمرحلة السابقة، حين كانت المواقع تتمركز على ضفتي النيل نظراً للاعتماد على الموارد النهرية في الأساس، أخذت جماعات الرعي في العصر الحجري الحديث في الانتشار بسرعة إلى مناطق أكثر اتساعا. ففي مناطق البطانة المتاخمة بدأت عملية ازدهار ثقافي هامة مع بروز اقتصاد رعوي قوى في الطور الذى أعقب مباشرة طور الخرطوم الحجري الحديث. فمع انحسار هذا الأخير في الألفية الرابعة قبل الميلاد بدأ ازدهار البطانة. يحتمل أن تكون الحاجة الدائمة لمراعى جديدة ضماناً لانتعاش اقتصاد يعتمد على الأبقار دافعاً لانتشار جماعات السودان الأوسط إلى مناطق البطانة. باعتقادنا أن ذلك قد يساعد في تفسير أصل اقتصاديات الرعي في الهضبة الإثيوبية وشرق أفريقيا في نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد.

 

هكذا يبدو أن تطور العصر الحجري الوسيط شكل عملية محلية تعكس وضعاً انتشر في إقليم أكثر اتساعا إلى الشرق بعيداً حتى منطقة البحيرات الكبرى (فيكتوريا، وتركانا، وادوارد)، وإلى الغرب باتجاه منخفضات الصحراء التى امتلأت موسمياً بالمياه. الانتقال من هذا الطور إلى العصر الحجري الحديث المتميز بإنتاج الطعام قد يكون بمثابة تطور محلى صرف. قد يكون اقتناء الحيوانات المستأنسة بفعل جماعات سكانية من الصحراء. مبدئياً لم تغير تلك الجماعات النمط الاقتصادي السائد الذى حافظ على قاعدة عريضة مميزة للعصر الحجري الوسيط مع أن الحيوانات المستأنسة كانت ذات أهمية كبيرة. لاحقاً فقط في العصر الحجري الحديث المتأخر سادت في كوش النشاطات الرعوية خالقة انفصالاً فعلياً عن التقاليد القديمة. في تلك الفترة انتقل المركب الرعوي ليحتل مركز الصدارة فارضاً هيمنة على الاقتصاد ومقصياً تقاليد صيد الحيوانات والأسماك.

 

شمالا مع مجرى النيل وجدت مصنوعات فخارية تظهر قدراً من التشابه مع مصنوعات الشهيناب وذلك في عدد من المواقع في إقليم دنقلا وإلى الشمال منها حيث ارتبط في الأخيرة مع صناعة نالت تسمية العبكية (اشتقاقا من قرية عبكة).

 

المجموعة الأقدم لمنتجي الطعام في الأطراف الشمالية لكوش هي تلك التى نالت تسمية المجموعة الأولى. تم الكشف عن مخلفات تلك المجموعة على امتداد الأطراف الشمالية لكوش فيما يعرف حالياً بالنوبة السفلى. ففي صرص الواقعة إلى الجنوب مباشرة من الشلال الثاني تم الكشف عن مواقع مميزة للمجموعة الأولى التى تتميز بالمصنوعات الفخارية الحمراء المصقولة المغطاة بزخرف متموج والتي يغلب وجودها في المدافن، في حين عثر في المواقع السكنية على كميات هائلة من الأواني المخصصة للاستعمال اليومي والتي تغلب فيها المصنوعات الخشنة أو المصقولة ذات اللون البني. وتحمل أغلبية الأواني المصقولة المزخرفة الكثير من أوجه الشبه مع الأواني المميزة لمواقع العصر الحجري الحديث في السودان الأوسط مثل الشهيناب وشقدود. تنعكس أوجه الشبه في المقام الأول في تقنية تشكيل السطح إلى جانب العديد من الزخارف. هذا إضافة إلى أن عنق الأواني الخاصة بالمجموعة الأولى يحمل النمط نفسه من الزخرف المميز للعديد من مصنوعات الشهيناب.

 

مثل هذا التشابه في تطور التقاليد والخبرات التقنية الحرفية في السودان الأوسط والأطراف الشمالية لكوش يمكن تفسيره فقط عبر طرح فرضية انتماء الإقليمين إلى نسق ثقافي مشترك. وقد تم الكشف في مواقع المجموعة الأولى عن أدوات من الظران وسلسلة من المنتجات المصرية بما في ذلك الأواني المصنوعة من الحجر، والأدوات النحاسية، وأدوات تشكيل سطح الفخار، والتمائم وغيرها مما يشير إلى رواج التجارة بين الأطراف الشمالية لكوش ومصر في عصر ما قبل الأسر. ويبدو أن المواد الخام كوشية الأصل مثل العاج والجلود وجدت طريقها إلى الشمال سلعاً تبادلية. مارس أهل المجموعة الأولى رعى الضان والماعز إلى جانب أعداد قليلة من الأبقار، وقاموا بزراعة الشعير والقمح إلى جانب صيد الحيوانات والأسماك. ورغم أن تلك الجماعات استخدمت سقائف غير كبيرة سكناً فان بعضهم، الذين غالباً ما مثلوا نخبةًً، سكنوا في منازل أكبر مثل تلك التى تمَّ الكشف عنها في أحد المواقع بالقرب من الشلال الأول وهى منازل مستطيلة يحتوى الواحد منها على عدة غرف بلغت الست في حالات. أؤرخ هذا الموقع بحوالي 3000 سنة ق.م Adams,1977. لازالت الأسباب التى أدت إلى زوال الإقامة المميزة للمجموعة الأولى بنهاية الأسرة المصرية الأول 2900 ق.م. غير مفهومة.

 

يمكن القول بأن ثقافة المجموعة الأولى شكلت نتاجاً محلياً مرتبطاً بثقافة الشهيناب الحجرية الحديثة الأبعد إلى الجنوب وليست الاختلافات بين الثقافتين سوى تنوع إقليمي وزمني. دللت الدراسات الميدانية على أنه كلما ازداد بعد مواقع ثقافة المجموعة الأولى باتجاه الجنوب قلت التأثيرات المصرية وازدادت أوجه الشبه مع نمط ثقافات السودان الأوسط. لاشك أن ثقافة مصر ما قبل الأسرية تركت بصماتها على تطور ثقافة المجموعة الأولى إلا أن التوصل إلى استنتاج يقول بأن مبدعي ثقافة المجموعة الأولى كانوا من المهاجرين المصريين الذين وفدوا إلى الأطراف الشمالية لكوش يشكل مجرد فرضية لا تجد دعماً في السجل الآثارى.

 

كذلك تنعدم المعطيات التاريخية التى يمكن أن تدعم فرضية نشوء علاقات عدوانية بين المنطقتين في الفترة ما قبل الأسرية. تأخذ الأوضاع في التبدل فقط بعد استكمال عملية توحيد شطري مصر ونشوء المملكة المصرية المبكرة. فقد تمَّ العثور على لوحة يرجع تاريخها في الغالب إلى فترة حكم حور أخا حوالي 3125 ق.م. كرست لتمجيد انتصار حققه هذا الفرعون على سكان الأطراف الشمالية لكوش. كذلك عثر على نص يشير إلى حملة أرسلها الفرعون جر 3100 ق.م. وقد مرت الحملة بالقرب من جبل شيخ سليمان وخلفت هناك هذا النقش الشهير الذى أثار تفسيره جدلاً بين الباحثين (النقش نقل حالياً حيث تم عرضه في حديقة المتحف القومي للآثار بالخرطوم). يرى البعض أن حملات الفرعونين جر و واجى على الأطراف الشمالية لكوش كانت ذات طابع تجارى وليست حملات عدوانية استيطانية. ويرى آخرون أن نقش جر يحمل إشارة واضحة إلى احتلال شمال كوش من الشلال الأول حتى وادي حلفا. لاشك أن فراعنة الأسرة الرابعة 2625-2510 ق.م. كانوا قد نجحوا في فرض سلطانهم على حكام إقليم جنوب مصر، وبالاعتماد على هؤلاء امتدت سلطة الفراعنة أبعد إلى الجنوب. إلا أن القول بأن مصر استطاعت في عهد أسرتها الأولى احتلال أراضى الأطراف الشمالية لكوش يظل مجرد فرضية لا تجد من الوقائع ما يدعمها.

 

ثقافات أطراف كوش الشمالية

كان ريزنر، وهو أول من نقب في مواقع المجموعة الأولى، قد افترض أنه بعد انقضاء المرحلة الأسرية وإنزياح ثقافة المجموعة الأولى ظهر طور ثقافي جديد أطلق عليه اسم المجموعة الثانية ظل أهلها يقطنون الأطراف الشمالية لكوش في عصر المملكة القديمة. انه وبالنظر إلى غياب أي نوع من المواقع السكنية التى يمكن إرجاعها إلى هذه المجموعة الثانية فقد اعتمدت فرضيَّة ريزنر كلياً على التحليل المقارن للمواد التى تمَّ الكشف عنها في المدافن التى يرجع تاريخها إلى تلك الفترة. من ثم فان فرضية وجود النسق الثقافي المسمى المجموعة الثانية واجه رفضاً في أوساط الباحثين. هكذا نجد سودربيرج يكتب قائلاً بأن "مسألة تحديد تاريخ انتهاء المجموعة الأولى وزوالها تواجه حتى الآن صعوبات كثيرة. إن دراسة المنطقة الواقعة على ضفتي النيل امتداداً من صرص في الشمال حتى وادي حلفا في الجنوب لم تعط أية مواد يمكن تحديد انتمائها إلى ما يسمى المجموعة الثانية. "ولا توجد معلومات تفيد بأن بعثة من البعثات الآثارية  العاملة في السودان حققت نجاحاً في تسجيل مثل هذا النوع من المواد" Säve-Södebergh,1992.

 

هذه الحقيقة فضلاً عن المصنوعات الفخارية المميزة للمجموعة الأولى والتي عثر عليها في بوهين تشير إلى أن ثقافة هذه المجموعة شغلت حيزاً زمنياً أطول مما تصورناه سابقاً، وقد حلت محلها مباشرة ثقافة المجموعة الثالثة بدون وجود طور انتقالي يفصل بينهما. ليست المواد الآثارية  التى يرى ريزنر وغيره أنها تنتمي للمجموعة الثانية سوى مواد جنائزية خاصة بالمقابر الأكثر فقراً من مجموعة مدافن المجموعة الأولى. وعليه يجوز القول أن معطيات الثقافة المادية المتوفرة تشير إلى أن الاختلاف بين نوعى المدافن ليس إلا مجرد اختلاف ذو طابع اجتماعي اقتصادي، وهو أبعد ما يكون عن كونه اختلاف تعاقب زمني.

 

تؤكد الأدلة المادية أن الأطراف الشمالية لكوش شهدت ازدهار ثقافة عرفت باسم المجموعة الثالثة غطت حيزاً زمنياً طويلاً يمتد من الأسرة المصرية السادسة تقريباً في حوالي (2460-2200 ق.م.) حتى الأسرة المصرية الثامنة عشرة (1552-1295)، أي أنها تشمل الفترات التالية في تاريخ مصر: المرحلة الانتقالية الأولى، و المملكة الوسطى، والمرحلة الانتقالية الثانية، وبداية المملكة الحديثة. تؤرخ آثار المجموعة الثالثة بالاعتماد على بعض الأواني الشبيهة بنظائرها المصرية وكذلك على بعض السلع المستوردة.

 

افترض ريزنر أن ثقافة المجموعة الثالثة تشكل حلقة لاحقة في تطور ثقافة الأطراف الشمالية لكوش. فيما بعد نالت انتشارا فكرة ظهور عناصر جديدة كلياً تميز المجموعة الثالثة، وتم بالتالي طرح فرضية تقول بوصول جماعات رعوية إلى المنطقة من الصحراء الشرقية أو من الأقاليم الواقعة على نهر عطبرة، في حين يطابق آخرون المجموعة الثالثة بقبائل البجة ويؤكدون أن المهاجرين جلبوا معهم تقليد الاستفادة من ألبان الأبقار. ويرى البعض أن أهل المجموعة الثالثة مهاجرون ليبيون قدموا من الغرب.

 

تؤكد اللغات التى كانت سائدة في شمال شرق أفريقيا في العصر السابق لوصول الوافدين العرب وانتشار الإسلام على الاستقرار طويل الأمد للتركيب الإثنى في هذا الجزء من القارة الأفريقية. فاللغات الكوشية للصحراء الشرقية، واللغات التشادية والبربرية للصحراء الغربية، واللغة المصرية القديمة، واللغات السامية تؤلف خمسة فروع لما أسماه جرينبيرغ بعائلة اللغات الآفرو-آسيوية Greenberg,1963 هذا في حين أن معظم اللغات في المناطق الواقعة إلى الجنوب من مصر مباشرة في الفترة السابقة لانتشار الإسلام لا تنتمي إلى هذه العائلة بل إلى عائلة اللغات السودانية الشرقية. يجدر هنا الإشارة إلى أن ثلاثة من الفروع الأساسية للعائلة الآفرو-آسيوية وجدت، ولازالت موجودة، في إقليم وادي النيل على كلتا ضفتيه. هذه الفروع بالرغم من استقلال كل فرع حالياً فإنها ترتبط بعضها بالأخرى من حيث الأصل المشترك. يشير هذا التتابع إلى أن التحولات الثقافية في إقليم شمال شرق أفريقيا ما كانت نتيجة إحلال جماعة اثنية مكان أخرى بقدر ما هو نتيجة ارتقاء طبيعي من جيل إلى جيل. تشير المصادر المكتوبة إلى أن الجماعات التى سكنت في وادي النيل والصحارى إلى الشرق والغرب منه لم تنعزل عن بعضها انعزالا كاملاً بالرغم من البعد الجغرافي الذى يفصل بينها.

 

معروف أيضاً أن سكان كوش قاموا بشن الحملات الحربية على مناطق الواحات اذ تتحدث نقوش المملكة القديمة عن ذلك. فقد ذكر الرحالة المصري حرخوف أنه سافر على درب الواحات ووجد أن حرباً قد استعرت بين زعيم يام (وهى منطقة فيما بين الشلالين الثانى والثالث) وبين قبائل التمحو (الليبية). وذكر حرخوف في هذا الصدد بأنه وجد "أن زعيم يام قد ذهب إلى أرض التمحو ليضرب التمحو حتى الركن الغربي للأفق، فذهبت وراءه وأدخلت السكنية إلى نفسه. كما أن نقوشاً مصرية يرجع تاريخها إلى المملكة الوسطى عثر عليها في سمنة عند الشلال الثاني تذكر معلومات عن المدجاى الذين كانوا يأتون إلى وادي النيل من الصحراء الشرقية بغرض التجارة. ثم أن الإقليم الواقع إلى الجنوب من الشلال الثاني عبارة عن سهل ممتد يساعد على نشوء صلات بين سكان تلك المنطقة. فالشروط الطبيعية كانت بالتالي ملائمة لنشوء علاقات التبادل التجاري في إطار هذا الإقليم، ومن ثم التبادل والاقتباس بين مختلف الجماعات الاثنية مع احتفاظ كل جماعة بسماتها وخصائصها المستقلة. هذا هو ما يمكن أن يفسر ظهور الأطوار الثقافية المتتابعة التى تتميز بالمصنوعات الفخارية ذات العنق الأسود. لا يصح عد هذا النوع من المصنوعات وأنماط الزخرف المميز لها إثباتاً يؤكد فرضيَّة الهجرات الاثنية بقدر ما يشهد على مدى تطور العلاقات الثقافية المتبادلة.

 

تثبت معطيات الثقافة المادية أصالة ثقافة المجموعة الثالثة وطابعها المحلى. لاشكّ أنها تمثل طوراً لاحقاً واستمراراً لثقافة المجموعة الأولى إذ أن المواد المميزة لكلتا المجموعتين تمَّ الكشف عنها في نفس الإقليم الآثارى، بالإضافة إلى الكشف عن الجبانات والمواقع السكنية التى تحتوى على مواد مميزة للطورين. وقد رأى آدمز أن هذا التوافق لا يمكن أن يكون نتيجة ضيق الأرض بحيث يفرض على أهل المجموعة الثالثة استخدام الجبانات الخاصة بالمجموعة الأولى. في حالة الاتفاق مع وجهة نظر آدمز فانه يمكن القول بأن أهل المجموعة الثالثة سكنوا في المواقع نفسها واستخدموا الجبانات ذاتها الخاصة بالمجموعة الأولى عن قصد Adams,1977.

 

انطلاقاً من هذا يمكننا طرح فكرتين: الأولى أن أهل المجموعة الثالثة شعروا بوحدة الانتماء لأهل المجموعة الأولى وأنهم أسلاف للأخيرين. والثانية أنه لم يكن هناك فاصل زمني طويل، كما كان يعتقد سابقاً، بين الطورين وإلا لما بقيت المواقع القديمة للمجموعة الأولى قائمة. ويمكن تتبع العديد من العناصر الثقافية لطور المجموعة الأولى في ثقافة المجموعة الثالثة مع أن الأخيرة أفرزت بعض العناصر المميزة الخاصة، في الأساس الطابع الرعوي. الاختلافات المتفرقة التى يمكن ملاحظتها بين الطورين يمكن ردها إلى عملية تطور طبيعية. وتؤكد النتائج التى تم الحصول عليها بفضل الدراسات الميدانية الأخيرة أن ثقافة المجموعة الثالثة في الأطراف الشمالية لكوش تشكل استمرارا لثقافة المجموعة الأولى. فكما أشرنا فان استخدام الجبانات الخاصة بالمجموعة الأولى نفسها إنما يدل على إحساس أهل المجموعة الثالثة بالانتماء إلى أولئك. هذا الظرف بالتحديد مضافاً إلى معطيات الثقافة المادية يشكل قاعدة لدحض المقولة الخاصة بالهجرة الخارجية والغزو. ويرى البعض أن أهل المجموعة الأولى اضطروا إلى الهجرة من أرضهم نتيجة الحملات العدوانية المستمرة التى شنها فراعنة مصر. ويبدو أن تلك الهجرة لم تدم طويلاً اذ عاد أهل المجموعة الأولى إلى موطنهم بعد أن اكتملت عملية الانتقال إلى الطور الرعوي المميز لما صار يعرف بالمجموعة الثالثة بعيداً في الجنوب حيث عاشوا في بيئة ايكولوجية مختلفة فرضت عليهم أنماطاً تكيفية جديدة أصبحت جزءاً من ثقافتهم نقلوها معهم عند رجوعهم مجدداً إلى موطنهم في الأطراف الشمالية لكوش.

 

الأمر كذلك فان الحلقة التى قد تربط بين الطورين لا بدَّ من البحث عنها في الإقليم الواقع إلى الجنوب من الشلال الثاني. مثل هذه الفرضية يمكن أن تجد دعماً لها في وجود العديد من السمات بين طور المجموعة الثالثة وطور كرمة. التشابه الإثنى الثقافي بين الطورين يتضح من دراسة الطقوس الجنائزية وعادة دفن الحيوانات مع المتوفى، وهى عادة  استمرت حتى عصر نبتة كما سنوضح. فقد تمَّ الكشف في جبانة للمجموعة الثالثة في فرس عن بقايا هياكل حيوانات بخاصة الماعز، وعن آثار للقرابين الحيوانية في مدافن المجموعة الثالثة في دبيرة، بالإضافة إلى دفن على عنقريب (سرير خشبي مخاط بجلد). كل ذلك إلى جانب التقارب والتشابه في المصنوعات الفخارية والمنتجات الحرفية الأخرى وفي أنماط الزخرف والخطوط المتموجة والمثلثات التى تغطى جدران الأواني الفخارية.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الضبعانية: اشتقاقا من كهف الضبعة في الجبل الأخضر بليبيا وهى صناعة حجرية تنتمي للعصر الحجري القديم الأعلى، وتتميز بأنصالها المدببة ومقاشطها وأدواتها الأشبه بالأزميل والمسماة بالمزار ف. ترتبط الضبعانية في الجبل الأخضر مع بداية جفاف الصحراء الذى أدى إلى كسوف الصناعة العاترية.

(2) موقع إقامة مخطط موسمياً وصفه كلارك بالتفصيل في تقريره عن أعمال التنقيب التى أجراها  في موقع شابونا على ضفة النيل الأبيض في وسط السودان ويرجع تاريخه لحوالي 7000 سنة مضت. طبقاً لكلارك فإن السنة قسمت إلى جزأين رئيسين، موسم الجفاف وموسم الأمطار. تكون شابونا مأهولة أثناء موسم الجفاف، عندما تأخذ مياه الفيضان في التراجع. الأسماك يمكن اصطيادها حينها باستخدام الحربون المصنوع من العظم، وكذلك الأبقار المتوحشة التى تتجمع حول المياه الدائمة. حتى التماسيح والأفيال قد يتم اصطيادها من حين لآخر. مع هطول الأمطار وارتفاع منسوب النيل وغمر المنطقة، ينتقل موقع الإقامة من شابونا إلى الداخل بعيداً عن النيل حيث يستمر السكان في صيد الحيوانات وحصد الحبوب البرية حتى نهاية موسم الأمطار.

 

W.Chmielewski, Early and Middle Palaeolithic Sites near Arkin, Sudan. In: F.Wendorf (ed.): The Prehistory of Nubia. Dallas.

J.D.Clark, Human Populations and Cultural Adaptation in the Sahara and the Nile During Prehistoric Times. In: Williams and Faure (eds.): The Sahara and the Nile. Rotterdam.

A.E.Marks, The Khormusan and the Halfan. In: F.Wendorf (ed.): The Prehistory of Nubia. Dallas.

F.Wendorf and R.Schild, (assemblers), A.E.Close (ed.): The Prehistory of Wadi Kubbaniya, vol.3. Dallas.

W.E.Wendt, Two Prehistoric Archaeological Sites in Egyptian Nubia.- Postilla 102.

A.J.Arkell, Early Khartoum. Oxford.

J.D.Clark, Prehistoric Cultural Continuity and Economic Change in the Central Sudan in the Early Holocene. In: J.D.Clark and S.A.Brandt (eds.), From Hunters to Farmers. Berkeley,Los Angeles,London.

A.J.Arkell1953, Shaheinab. An account of the excavation of a Neolithic occupation site carried out for the Sudan Antiquities Service in 1949-50, London: Oxford University Press.

L.Krzyzaniak, Early Farming in the Middle Nile basin: recent discoveries at Kadero (Cental Sudan), Antiquity 65(248).

J.Reinold, Néolithique Soudanais: les Coutumes Funéraires. In: W.V.Davies (ed.): Egypt and Nubia, Nubia from Prehistory to Islam. London.

W.Y.Adams, Nubia Corridor to Africa. London.

T.Säve-Söderbergh, The International Nubia Campaign: Two Perspectives. In: Ch.Bonnet (ed.): “Ėtudes Nubiennes”. Actes du VIIe Congrès International d’études nubiennes 3-8 septembre 1990. vol.I, Genève.

J.H.Greenberg, The Languages of Africa. Bloomington.

W.Y.Adams, Nubia Corridor to Africa. London.