نشؤ مملكة نبتة وتأسيسها (القرن العاشر- منتصف القرن الثامن ق.م.)

الوضع الراهن وإشكاليات دراسة تاريخ مملكتي نبتة ومروى - 2

 

نشؤ مملكة نبتة وتأسيسها (القرن العاشر- منتصف القرن الثامن ق.م.)

مع قدر كبير من الثقة يمكن حالياً الإقلاع كلياً عن الفرضية القائلة بأن حكام نبتة الأوائل، الذين أرسوا دعائم عظمة كوش، الارا وكاشتا والسابقين لهما كانوا أحفاداً لكهنة طيبة، الذين وجدوا في سنوات الفوضى التى ضربت في مصر ملاذاً لهم في الجنوب، أو الفرضية القائلة بالأصل الليبى لأولئك الملوك المؤسسين. يبدو أن عملية توحيد كوش اكتملت في عهد كاشتا. وكان كاشتا هو الأول الذى اتخذ لنفسه ألقاباً ملكية وعُد في أزمان لاحقة مؤسساً لعظمة الأسرة النبتية. ويحتمل أن يكون قد جرد الحملة الأولى على مصر.

 

إزدهار نبتة، يفسر، فيما يبدو، بموقعها في النهاية الشمالية لطريق القوافل القادمة من الجنوب. هنا وجدت أرض تميزت بخصوبة تربتها، وهو ما أسهم في رخاء السكان المحليين. عند جبل البركل قام معبد آمون- المعبود الأساسى لكوش. ومن ثم أصبحت نبتة إضافة المركز الدينى الرئيس للبلاد.

 

ازدهار نبتة والدولة المصرية الكوشية المتحدة (منتصف القرن الثامن- منتصف القرن السابع ق.م.)

خلافاً لتأكيد كل من مانيثو وديدور فإن الأسرة الخامسة والعشرين (المسماة بالأسرة الإثيوبية) ضمت ليس ثلاثة ملوك، وإنما خمسة ملوك، إجمالاً حكم أولئك الخمسة قرابة القرن. بقيت نبتة العاصمة الرسمية، حيث تأسس، إنطلاقاً من ألقاب المسئولين، نظام إدارى على النمط المصرى، لكن ليس كلياً، ذلك أن تسميات الألقاب المصرية ومناصب النبلاء المحليين لم تعكس دائماً الوظائف الفعلية التى يقومون بها. إنقسمت البلاد إلى مناطق سميت كل منها بإسم المدينة الكبرى فيها. شكل الزعماء القبليون والمشائخ إلى جانب الكهنة الطبقة السائدة، وكانوا تابعين لنبتة إما مباشرة وإما عبر حكام المناطق. 

 

عدم الإستقرار السياسى في الدلتا، والتنظيم الأفضل والتسليح الأرقى للجيش الآشوري حسم انتصاره على كوش. وأصبحت كوش منعزلة عن عالم البحر الأبيض المتوسط. ومن ثم بدأ ملوك نبتة في توسيع نشاطاتهم شطر الجنوب.

 

يحتمل أن يكون الإحتكاك مع أشور، إلى حد ما، قد أسهم في تعرف الكوشيين على فن صهر خام الحديد وتطور صناعة الحديد، وهو ما كان له تأثير بعيد المدى على تطور القوى الإنتاجية، ومن مصر كان الكوشيون قد أخذوا الكثير من العادات، والمعتقدات، والحرف، وبعض الأساليب الفنية والمعمارية، والتنظيم الكهنوتى، ويحتمل بعض أجهزة الدولة. كل ذلك أسهم في الإسراع بمعدلات التطور في كوش. النزعة للتمسك بالقديم والتي ميزت فراعنة الأسرة الخامسة والعشرين، هي سمة ميزت فترات الانهيار وبالنسبة للحكام الذين لا يجادلون بخصوص شرعية سلطتهم. جاهدوا لتدعيم تلك السلطة، مقلدين في ذلك الملوك الذين امتلكوا حقوقاً غير مشكوك فيها والمقننة بالأساطير والتحدارات القديمة. هذه السوابق يسرت سياسة بيَّا وخلفائه الأقربين في مصر. أكدَّ فراعنة الأسرة الخامسة والعشرين ولاءهم للتقاليد القديمة بالرعاية الكاملة التى أسبقوها على الكهنة والدين. هذه النزعة، بالإضافة إلى الحرب التى تزعموها ضد العدوان الآشوري، أصبحت فيما يبدو أساساً لنشوء المأثور الشعبي الذى احتفظ به الزمن في كتابات هيرودوت وسترابو حول "الإثيوبيين الخيرين"، وحول الملك المشرع ساباكون (شاباكا)، وحول "الفاتح العظيم" تهارقا.

 

مملكة مروى. المرحلة الأولى: النشؤ والازدهار (القرن السادس- نهاية القرن الأول ق.م.)

تتوافق بداية المرحلة الثالثة مع فقدان ملوك نبتة لمصر، لكنهم شأن ملوك مروى لم يتنازلوا عن ادعاء، ولو شكلياً، شرعية حكم مصر فظلوا يحملون الألقاب الفرعونية كاملة غير منقوصة. وقد شكل ملوك نبتة بالنسبة لملوك مصر الليبيين مصدراً دائماً للتهديد، خاصة وأن تعاطفاً كبيراً مع ملوك نبتة تغلغل في أوساط الطبقة الكهنوتية وبعض حكام الدلتا. وقد تم دحر الحملة على نبتة التى شنها بسامتيك الثاني في عام 591 ق.م. واستمرت النشاطات العدائية بين الجانبين، ووجد اللاجئون السياسيون ملاذاً في كوش. برغم ذلك فإن التبادل التجاري بين الدولتين لم يتوقف، ويحتمل أن تكون القوافل قد وصلت حتى سنار.

 

يبدو أن الهزيمة، زادت من عزلة كوش عن الشمال، ويحتمل أن تكون من بين الأسباب التى أدت إلى نقل العاصمة من نبتة إلى مروى. ومع نهوض مروى تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ البلاد. تميزت هذه المرحلة أولاً وقبل كل شئ في انتقال مركز الثقل في السياسة الداخلية والخارجية إلى الجنوب.

 

وقعت العاصمة الجديدة في ملتقى طرق تجارية تقود إلى الجنوب والشرق. الأراضي هنا كانت أكثر اتساعا منها في نبتة، وفي الصيف تهطل الأمطار، وكان بمقدور السكان القريبين الاستفادة من خيراتها. وكان خام الحديد غير بعيد من المنطقة. فرضية دنهام بخصوص وجود "عشيرتين" للسكان المحليين والزعماء النبتيين، والتي طرحها بناء على دراسته للجبانتين الغربية والجنوبية في البجراوية Dunham 1963، يصعب تأكيدها. يحتمل أن يكون الأمر متعلقاً بتراتب اجتماعي. ظلت نبتة ولفترة طويلة لاحقة المركز الديني الأهم للبلاد.

 

عن حكم الخلفاء المباشرين لأسبالتا (593-568 ق.م.) فإن الجهل بهم هو مآلنا. انطلاقا من الآثار المتوفرة فإن هذه الفترة تتميز بالمزيد من ضعف الصلات مع مصر، في المقام الأول الصلات الثقافية. في لغة حوليات الملوك تتزايد وتيرة "التوحش". لكن البلاد في الغالب ظلت مزدهرة. قبل فترة وجيزة تم الكشف إلى الجنوب من مروى مواقع زراعية ذات كثافات سكانية عالية، والتي تشير إلى وجود دولة قوية بما يكفي. عندما فقدت الاستقرار، تحول السكان إلى الرعي. اعتمادا على الحوليات الملكية، امتلكت الطبقة الكهنوتية، بخاصة كهنة آمون، نفوذاً واسعاً وتلقت الهدايا الثمينة. وأخذت كوش، ولو أن ذلك لم يكن مباشرة كما ولم يكن بقوة كما هو حال بلدان أخرى، بدءاً من القرن الثالث ق.م. في الانخراط في حياة العالم الهلينستى. الحملات الناجحة، والثروات الضخمة، ومناجم الذهب، والتوسط الفاعل والنشط في التجارة بين المناطق الداخلية للقارة الأفريقية ومصر- كل ذلك عمل لمصلحة ازدهار مملكة مروى، جاعلاً منها واحدة من أكثر الدول ثراءً في تلك الفترة.

 

كانت للبطالسة مصلحة في وصول البضائع المجلوبة من المناطق الممتدة  إلى الجنوب والجنوب الغربي من كوش. ولذلك سعوا للحفاظ على السلم مع جارتهم الجنوبية.  كان هذا زمن ازدهار النوبة الشمالية. حاول كل من البطالسة والمرويين استغلال مناجم الذهب في الصحراء الشرقية، كما اهتموا بتأمين الطريق الرئيسة التى كانت حينها عبر النيل. فقط منذ منتصف القرن الثالث ق.م. انتقلت هذه الطريق الرئيسة بالتدريج من النيل إلى البحر الأحمر. ساعد التبادل التجاري المكثف مع مصر ووصول الإغريق إلى مروى في نهضة الثقافة المحلية. فرضية انقسام كوش في هذه الفترة إلى مملكتين مركز الأولى في نبتة والثانية في مروى استمرتا لقرابة قرن من الزمان، لا تجد حقيقة واحدة تدعمها (1). ملوك ما يسمى بالأسرة المرَّوية في نبتة يمكن عدهم بثقة ضمن قائمة ملوك مروى. الدليل على سرعة زوالها أن أرنكانانى، الذى يعد واحداً من ملوكها، حكم في مروى.

 

وقد قام الملك أركامانى (248-220 ق.م.)، والذي قضى على عادة الاغتيال الطقوسي للملك، بتنفيذ إصلاحات كان من شأنها تقوية سلطة الملك والقضاء على بعض بقايا التركيب العشائري السابق.

 

مع بداية القرن الأول السابق للميلاد تبدل شكل العلاقات السلمية مع مصر لتصبح أكثر عدائية، وهو ما قد يكون بفعل  الدعم المتواصل الذى تقدمه كوش للثوار المصريين في جنوب مصر في مقاومتهم للاحتلال الإغريقي. ويحتمل أن يكون أرماخيس وأنخماسيس الذين سيطرا على طيبة في الفترة 206-186 ق.م. ينتميان إلى أصل كوشي. إضافة إلى ذلك، كما أشرنا سابقاً، فإن الطرق التجارية أخذت في التحول أكثر فأكثر إلى البحر الأحمر. مع بزوغ القرن الأول السابق للميلاد يلاحظ التدني في حجم أهرام الجبانات الملكية في مروى مع الانخفاض الواضح في المحتويات الجنائزية والزخرف والزينة. قد يكون السبب في ذلك أزمة داخلية ما في البلاد بفعل انهيار التجارة، أو هجمات البدو، أو بفعل السببين معاً.

 

ليس مستغرباً أنه تحديداً إلى هذه الفترة في مروى يرجع ظهور نظامها الكتابي الخاص. كان لهذا الإصلاح أهمية ثقافية تاريخية كبيرة: للمرة الأولى في أفريقيا تظهر كتابتها الهجائية (الألف بائية). تشكلت، غض النظر عن التأثير المصري الكبير، ومن ثم التأثير الإغريقي، الثقافة المروية المحلية، والتي لازالت خارج اهتمام العلماء إلى حد ما. استمر نشاط تشييد المنشئات المعمارية الضخمة - المعابد والقصور والقلاع - ليس فقط في العاصمة، وإنما في الأرياف كذلك. ورغم ما ميز المعمار والنحت من أساليب "عتيقة" فإن الكوشيين نجحوا في إبداع أساليبهم الخاصة مستخدمين في ذلك موضوعات بيئتهم المحلية. ليس من خطأ أكبر من الادعاء بأنّ الفن المروى يمثل انحطاطا للفن المصري. مثل هذا الادعاء يهمل كلياً إعادة الإدراك والتطويع لما هو مقتبس وفقاً للظروف الماثلة. يكفي الرجوع فقط إلى الفخار الرائع المتميز بنحافة جدرانه، والذي لا يقل من حيث نوعيته عن أفضل منتجات فخاري نيوكراتيس وأشهرها. تتطور في مروى بالتدريج مدنيتها الخاصة المتميزة، وتفرز "نخبتها الثقافية" إذا جاز لنا استخدام هذا المصطلح هنا. فقد احتفظ الزمن لنا بأطلال مرصد Griffith 1916، وعثر على ساعات شمسية، وبدون معرفة بعناصر علم الهندسة ما كان من الممكن تشييد المعابد. معروفة أسماء المنجمين والكهنة- "العارفين للوقت، متى تشرق الشمس والقمر"، "الحافظين لكتب كوش الملكية".

 

نالت سلع مروى انتشارا واسعاً وكثر الطلب عليها في اليونان وروما. وقد ارتبط تصور كوش هناك بكل ما هو رائع وغير عادى، ووفر مادة للكتاب ومدوني الحوليات.

 

كذلك تبدو خاطئة الفرضية الخاصة بوجود أسرة مروية ثانية في نبتة: دخلت أراضيها ضمن ممتلكات ملوك مروى، طالما أنه إلى الشمال من نبتة وجدت مناطق تابعة لهم؛ لكنه احتمال بعيد أن تكون دولة بهذا الضعف قادرة بصورة مستقلة، حتى بمساعدة جارة جنوبية قوية، على الوقوف بوجه روما، و، أخيراً، إذا اعترفنا بوجود هذه الأسرة، سيظل غير مفهوم، لماذا خلف ملوكها نقوشهم في مروى.

 

وبالرغم من أن الحرب مع روما، والتي أنهت المرحلة الرابعة لوجود مملكة نبتة مروى، انتهت بهزيمة الأخيرة، فإن السلام أبرم بشروط ممتازة بالنسبة لها. ظلت كوش على الرغم من تدمير نبتة عدو قوى بما يكفي، وتجنبت روما بهدف الحفاظ على الهدوء في مصر تصعيد الموقف مع كوش. إضافة فإن الرومان كانت لهم  مصلحة في السلع المجلوبة من هناك، رغم أنها أضحت أقل مما كان يجلب في السابق.

 

مملكة مروى. المرحلة الثانية: بداية الانهيار والزوال (القرن الأول ق.م.- حوالي منتصف القرن الميلادي الرابع)

بعد الحرب مع روما بدأت بالنسبة لمملكة مروى المرحلة الختامية في تاريخها. تم نقل المركز الديني للبلاد إلى مروى؛ اتجهت التطلعات السياسية والاقتصادية صوب الجنوب، وانقطعت بالتدريج الصلات مع عالم البحر الأبيض المتوسط. ترجع لهذه الفترة في الغالب  عن العلاقات الناشئة بين مروى والهند، ويبدو أنه تمَّ اقتباس فكرة زراعة القطن من الهند.

 

حالياً نظل نفتقد معلومات عن التاريخ الداخلي لمملكة مروى في القرون الأخيرة لوجودها. احتمالاً انه منذ منتصف القرن الأول الميلادي، أو بعد ذلك بفترة قصيرة، بدأت في الظهور سمات الأزمة القادمة، فيما يبدو، في الشمال بداية حيث تحولت القرى والمدن إلى مناطق مهجورة. في تلك الفترة كانت طرق تجارة عالم البحر الأبيض المتوسط قد تحولت كلياً وبصورة نهائية إلى البحر. يجدر أن نأخذ في الحسبان الهزات العامة التى تعرضت لها الإمبراطورية الرومانية. في وادي النيل ظهرت القبائل البدوية، والتي فرضت على روما الدخول في سلسلة ممتدة من الاشتباكات. كل ذلك لا بدَّ وأن يكون قد تسبب في الانهيار.

 

احتمالاً أن يكون التغير في المناخ قد ترك تأثيراً قاتلاً على تاريخ مروى: فمنذ القرن الأول السابق للميلاد أخذت في التراجع معدلات هطول الأمطار، وبالتالي انخفاض مساحات الرقعة الزراعية والمراعى، بفعل الجفاف، وهو ما أدى إلى تناقص حجم القطعان. بدأ الاقتصاد الزراعي، وهو عصب رفاهية السكان، في الانهيار. تزايدت حملات القبائل الرعوية. ويحتمل أن يكون الزعماء  والمشائخ القبليون قد انفكوا عن التبعية لمروى.

 

أدت الأزمة الداخلية إلى ضعف قوة كوش العسكرية. احتمالاً أن يكون مستوى الإعاشة المادي قد تعرض لانخفاض بالنسبة للمنتجين المباشرين، والذين كانت السلطة، المركزية والإقليمية على حد سواء، تحاول امتصاص كل ما أمكن منهم.كل هذه الأسباب والنتائج المترتبة عليها تضافرت في مجملها لتؤدى في نهاية المطاف إلى تسجيل شهادة وفاة مملكة مروى. إلا أن ذكراها، كما هي موثقة في التحدارات الكردفانية، ظلت باقية في ذاكرة الشعب إلى يومنا هذا.

 

هكذا يبدو التاريخ السياسي لمملكة نبتة مروى في خطوطه العامة. في هذا العرض العام لا بدَّ وأن الكثير قد تم تجاوز الحديث عنه.

 

يبقى علينا التعرض بصورة موجزة للبنية الحكومية والاقتصادية لكوش.

 

البنية السياسية (الحكومية)  والإقتصادية لكوش

مارست غالبية سكان "جزيرة مروى" إقتصاداً شبه رعوي- زراعي، بحيث يقضون جزءاً من العام في مواقع إقامتهم على ضفاف الأنهار، يزرعون الأرض ويحصدونها، وبعد الحصاد ينتقلون بقطعانهم إلى الداخل. في بعض المناطق، بخاصة الجبلية (نهر عطبرة والنيل الأزرق)، المتاخمة للنيل من الشرق ، شكلت الزراعة النشاط الأساسي للقبائل التى تعيش هناك.

 

من الممكن الافتراض اعتماداً على النظائر الاثنوغرافية، بأن المشائخ والزعماء، وفي المقام الأول الملوك امتلكوا أعداداً هائلة من القطعان، ذلك أن الأبقار كانت أحد دعامات الرخاء والثروة. ويبدو أن المعابد كذلك امتلكت أعداداً غير قليلة من القطعان، وهو ما يمكن استخلاصه من الحوليات.

 

الآثار الأولى للري الاصطناعي يرجع تاريخها إلى عصر المملكة المصرية الوسطى (منطقة كرمة) Arkell 1948. في جنوب البلاد فإنه بالرغم من هطول الأمطار، فإنه وبدون الرى ما كان الأمر ممكناً لتحقيق عائد زراعى كبير. إلى الجنوب من خط سنار- جبل موية تمتد سلسلة من الحفائر، والتى شيدت، غالباً، في عصر إزدهار مملكة مروى. لا أعتقد أن فكرة الحفير قد تمت إستعارتها من الهند، حيث انتشر الري الاصطناعي بدرجة أقل مما هو مشهود في وادي النيل. الأقرب إلى البديهة أنه قد تم تعلم تشييدها محلياً.

 

حالياً لا نمتلك معلومات عن الكيفية التى وزعت بها الأراضي ولا عن الكيفية التى تم بها تنظيم الاقتصاد الزراعي. يبدو أن ممتلكات المعابد لم تنحصر في الحقول والبساتين. انطلاقاً من حقيقة أن المشترك القروى العشائرى ظل محتفظاً به في السودان حتى القرن التاسع عشر، ويمكن تتبع بقاياه حتى وقت قريب مضى، فإنه يجوز الإفتراض بوجوده في كوش.

 

سادت في كوش تقريباً الفروع الزراعية نفسها التى كانت سائدة في مصر، ولكن بتناسب مختلف. غالباً، غلب الرعى على الزراعة، وكانت منتجات البستنة وزراعة العنب أقل. لكن القطن بدء في زراعته مبكراً. في الغالب الأعظم أنه سادت أشكال الإنتاج القائمة على أساس المشتركات القروية. المنتجات المتحصل عليها، وفق ما هو متوفر من معلومات، لم تصدر، ذلك أنها بالكاد كانت تكفي إحتياجات السكان المحليين.

 

شهرة كوش كواحدة من أكثر البلاد ثراءً تكمن في مناجم الذهب والحجارة الثمينة، وكذلك رواسب خام الحديد والنحاس. بدأ الحديد في الانتشار في التداول في القرنين الخامس والرابع ق.م. أكوام الخبث التى عثر عليها بالقرب من مروى تؤكد وجود واحد من أكبر مراكز صهر الحديد ليس فقط في أفريقيا ولكن في كل العالم القديم (2). صهر الحديد في أماكن أخرى. كفرضية يجوز على أساس التناظر، القول بأنه خلال استخراج خام الحديد والذهب استخدم عمل الرقيق، والمجرمين، والمحكومين من السكان الأحرار. ويحتمل أن يكون استخراج المعادن واستخدامها محتكراً من قبل الملك والمعابد، كما كان عليه الحال في مصر البطلمية. مثل هذه الأعمال ما كانت ممكنة للأفراد. لكن على كل تظل مثل هذه الفرضية بحاجة إلى ما يدعمها.

 

تاريخ الحرف في نبتة ومروى يظل غير مدروس. لكنه لا يجوز عدم الاعتراف بأن بعض الحرف، مثل صناعة المجوهرات والفخار، بلغت هناك شأواً عالياً ونجح الحرفيون في هذين المجالين من إبداع تحف فنية رائعة اعتمادا على تجربة قرون من الزمان.يمكن التكهن فقط فيما يتعلق بتنظيم العمل الحرفي. يبدو أنه، كما هو الحال في مصر، فإن القصور والمعابد كانت تضم ورشها الحرفية الخاصة. ورغم أن التبادل النقدي لم يكن موجوداً في كوش، فإن العديد من المصنوعات وصلت إلى الأسواق. المواد الجنائزية التى تم العثور عليها في المقابر تشهد على المستوى التخصصي العالي للحرفيين الصانعين لها، أي بمعنى وجود فروع متخصصة للحرف.

 

كانت التجارة الخارجية، مع بعض الاستثناءات، في غالبيتها مع مصر، ومن ثم عبر موانئ البحر الأحمر مع بلدان أخرى، بما في ذلك الهند. فيما يتعلق بالتجارة جنوباً فإن المعلومات لازالت مفقودة. غالباً حمل المرَّويون إلى الجنوب الحلي والمصنوعات الحديدية. الأكثر احتمالاً، أنه قد أرسلت إلى تلك الجهات حملات كانت جزئياً تجارية وجزئياً للنهب، وفي حالات حملات لإصطياد الرقيق، والعاج، وجلود الحيوانات النادرة وما إلى ذلك. ومن الشمال وصلت إلى كوش أدوات الزينة لتلبية متطلبات النبلاء والقصر، وهو ما تشير اليه المواد الجنائزية في المدافن. بدءاً من القرن الميلادى الثاني، قلت التجارة نتيجة الأزمة التى عانت منها روما ومروى.

 

رغم أن كوش في وقت متزامن مع مصر دخلت، مع أن ذلك كان بصورة مستقلة،  إلى "عصر الحديد"، سابقة في هذا المجال بلدان وشعوب أفريقيا الأخرى، فإن المستوى العام للقوى المنتجة والعلاقات المصاحبة لها كان متدنياً مقارنة بمصر. لا توجد معطيات تسمح بالتأكيد على نشوء إنتاج سلعى في كوش حتى في الفروع الاقتصادية الضخمة التابعة للمعابد. التجارة كانت في الأساس تجارة عبور، كما وكانت في الغالب محتكرة للملك، وإحتمالاً للمعابد. واكتفي السكان إما بما ينتجونه بإيدهم أو بما ينتجه الحرفيون الذين يوفرون الخدمات لعدد من القرى.

 

بالتالي، يمكن الافتراض، بأن مملكة نبتة- مروى كانت في المرحلة ذاتها للتطور الاقتصادي، التى كانت فيها دول الشرق الأخرى في فترات وجودها المبكرة (على سبيل المثال مصر). بالطبع، وجدت اختلافات، بخاصة تفسير أن كوش تطورت تحت تأثير مصري، ومن ثم، بالطبع بدرجة أقل، إغريقي وروماني. يتوجب الأخذ بعين الحسبان الخصائص المحلية المميزة لكوش: التطور المتأخر والمحدود نسبياً للزراعة المروية اصطناعياً، والبعد عن المراكز الأساسية للعالم القديم، والعزلة، والتجاور مع قبائل غير متطورة تقنياً، والإستغلال طويل المدى الذى تعرضت له من قبل مصر. هذا هو ما أدى للاستمرار القوى لبقايا التركيبات المشتركية العشائرية خلافاً لرؤية ميوللر، والتى تقبلها لاحقاً وعمقها ميير وكييز، ومن ثم كينيتز  Meyer 1928; Kees 1958; Kienitz 1953 والذين لقد شددوا على أن مملكة نبتة كانت استمراراً للدولة الثيوقراطية لكهنة طيبة.

 

بمقارنة إفادات المؤرخين والجغرافيين اليونان  مع حوليات الملكين الكوشيين أسبالتا وأمان-نيتى-ريكى، يمكن التوصل إلى الاستنتاجات التالية:

1. تقوم قوات المحاربين، أي كافة السكان الذكور البالغين، ولو أن ذلك بصورة شكلية، بانتخاب أو تثبيت خليفة الملك المتوفي.

2. يكون للوحى المسيطر عليه من قبل الكهنة دور كبير إن لم يكن الدور الحاسم في عملية الانتخاب.

3. لا بدَّ بالضرورة أن يمتلك الملك ميزات نوعية فيزيقية محددة.

4. يمنح الملك تبجيلاً إلهياً.

 

مثل هذه الإجراءات ما كانت مأخوذة عن مصر، حيث نشأت منذ نهاية الألفية الرابعة سلطة استبدادية مركزية، لكنها إجراءات ميزت بعض دول الشرق الأدنى في مراحل تطورها المبكرة (أكاد، وإسرائيل، والدولة النبطية وغيرها)، وبخاصة شعوب شمال شرق أفريقيا. دائرة الأفراد، الذين يدفع بالمرشحين من بينهم، كما هو الحال لدى العديد من شعوب أفريقيا، انحصرت في إخوة الملك؛ من ثم يصبح التاج من نصيب إبن الأخ الأكبر، لا ابن الملك.

 

كان هناك نفوذ كبير لأم الملك- الكنداكة. يماثل وضعها إلى حد بعيد دور أم الملك أو الزعيم لدى بعض الشعوب الأفريقية، حيث أنه نتيجة تعدد الزوجات وكثرة الإنجاب، وأيضاً نتيجة غياب نظام دقيق لتوارث العرش، لا بدَّ وأن تقدم أم المدعى للتاج شرعية حقه. في حالة قصر سنه تصبح الأم الوصى، وبالتإلى يحتفظ عن طريقها بأحد أهم المناصب في حياة البلاد السياسية. وبالطبع لا يجوز التقليل من تأثير بقايا الأمومية.

 

فيما يتعلق بالخصائص الفيزيقية المحددة للملك، فإنها ترتبط بالتصورات الدينية والعادات  لدى العديد من الشعوب بشأن الملك- الحامل للخيرات الإلهية، ومانح الإخصاب. من هنا نشأ تقليد إغتيال الملك الطقوسى بأمر الكهنة، الشئ الذى إعتمدت عليه في الأساس قوتهم وثروتهم. يحتمل أن تكون "مسلة الإقصاء" للملك أسبالتا محتوية على تلميحات تشير إلى تآمر كهنوتي ضد الملك. وتبدو إصلاحات أركامانى نتيجة للتناقضات بين السلطتين الملكية والكهنوتية، ملغية بقايا التركيبات المشتركية العشائرية التى ما عادت تواكب متطلبات العصر. وقد كان لتلك الإصلاحات في الغالب توجه سياسي أكثر منه دينى.

 

على أساس بعض المعايير القيمية، التى وردت شهادة عنها في المصادر المتأخرة (القرون 7- 9 ميلادية) كان الملك، على أية حال شكلياً، الموزع الأوحد لملكيات مواطنيه، والذين هم في الوقت ذاته ملكية له.

 

مما يمكن استنتاجه من إفادات الكتاب اليونان والرومان، وجد في مروى، إلى جانب الملك؛ زعماء، وشيوخ قبائل. إذا كان الملك يجسد السلطة الاستبدادية المركزية للدولة المتزايدة سلطاتها، فإن الأخيرين جسدو العلاقات المشتركية العشائرية القديمة. وجدت بالإضافة إلى طبقة النبلاء، فيما يبدو، مجموعة نبلاء القصر التى تشمل أقارب الملك والمقربين اليه. وجدت في كوش في تلك الفترة منظومة محددة للألقاب والمسميات، المشتقة جزئياً من مصر.

 

مع ذلك لم تكن مملكة نبتة- مروى دولة مركزية بالمعنى الكامل، مثل مصر. يمكن تفسير ذلك بالتركيب الإثنى المتنوع نسبياً، وفقدان الحاجة إلى تأسيس شبكة موحدة للرى الاصطناعي كما هو الحال في مصر، وطريق مائي أوحد يربط مجمل مساحة البلاد في كل واحد.

 

تشكلت القوات، فيما يبدو، وفق التقسيمات القروية أو الإقليمية-العشائرية، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من كلمات استرابو وهيرودوت. أثرت الغنائم المتراكمة مع مرور الوقت من الحملات كنوز المعابد والخزينة الملكية وخزائن النبلاء.

 

اعتماداً على التقاليد الباقية وبالقياس يمكن افتراض أن الضرائب كانت في شكل منتجات طبيعية وأنه قد سادت أحكام القانون العرفي.

 

فيما يتعلق بالاسترقاق، فإن هذه المسألة لازالت غير مطروقة حتى الآن 1964 Katznelson. في عصر مملكة نبتة ومروى اتسع مجال استخدام عمل الأرقاء، فيما يبدو، بصورة أكبر مقارنة بالفترات الأسبق. ظهرت الحاجة إلى تشييد المعابد، والقصور وما إلى ذلك، وكان لا بدَّ من فلاحة أراضى الملك، والمعابد، والزعماء بالإضافة للعمل في المناجم. كذلك استخدم عمل الأرقاء في الخدمات المنزلية. تسمح المعطيات المتوفرة بالتأكيد على أن الإسترقاق في كوش تطور ببطء مقارنة ببعض أقطار الشرق القديم، على سبيل المثال مصر أو بلاد الرافدين. وقد يكون ذلك سبباً في تخلفها النسبى. عمل الرقيق هنا كان محدود الإستخدام. يشير تحليل النقوش إلى أن استخدام الجوارى، للخدمات الخاصة والحريم، كان الأكثر شيوعاً من استخدام العبيد.

 

امتلكت كوش أراضى خصبة قليلة نسبياً، ولذلك ما كانت هناك ضرورة لإنشاء شبكة ري اصطناعي موحدة على مستوى الدولة، وهو ما يشكل عادة قاعدة للأنظمة الشرقية المركزية الاستبدادية الطابع. عمقت الظروف الطبيعية التشتت: صعوبة التواصل عبر النيل، صعوبة استخدام طرق القوافل، وقوع كوش في أقصى أقاليم الايكومنا وأكثرها صعوبة. لذلك كان إسهام كوش للتجارة العالمية في أزمان لاحقة أقل. أسهم ذلك في الاحتفاظ بأشكال الاقتصاد الطبيعي وما يصاحبه من تنظيم لجهاز الدولة الذى تميز بهشاشته المعروفة.

 

هذا هو ما يكمن في قاعدة استمرار العديد من بقايا التركيبات العشائرية البدائية التى اختفت في مصر أو إن بقيت فبصورة بقايا محدودة للغاية، لكنها مميزة للعديد من الشعوب الأفريقية الأخرى. إلى درجة معلومة انحصرت تلك البقايا في السلطة الاستبدادية للملك، رغم أنه عد المتملك الأعلى لتابعيه وممتلكاتهم.

 

من ثم، لا يجوز الإتفاق مع الراى القائل بأن مملكة نبتة مروى كانت ثيوقراطية. لا يصح الخلط بين الأوضاع الناتجة عن بقايا التركيب العشائري البدائي، والتى أعطت الكهنة صلاحية اختيار الملك واغتياله، والتى تحدد فقط التشابه الخارجي مع الثيوقراطية.  عادة ما لا يلاحظ وجود لتأليه الملك في الدولة الثيوقراطية، وهو ما ينتج من ذات التسمية. تنشأ الدولة الثيوقراطية في مجتمع طبقى متطور، عندما تتمركز كل السلطات الدينية والدنيوية بأيدي الكهنة. يصبح الإله مصدر التشريع الأعلى، وليس الملك، حتى لو كان هذا الأخير مؤلهاً ومصدرا للتشريع باسم الإله.

 

كل ذلك يسمح بتحديد مملكة نبتة مروى بوصفها دولة عبودية مبكرة، محتفظة ببقايا التركيب العشائرى البدائي. مثل هذا الاستنتاج أصبح ممكناً فقط نتيجة تزايد كم المعرفة التى أضحت متوفرة لدينا عن كوش بفعل مجهودات باحثين من بلدان مختلفة. لكن هذه مجرد البداية. الكثير ما زال بانتظار الإنجاز. ولذلك فإن حل المسائل والمهام المبينة أدناه يمثل ضرورة حيوية في الدراسة المستقبلية لتاريخ مملكة نبتة مروى.

 

المسائل والمهام العالقة للدراسة المستقبلية لتاريخ مملكة نبتة مروى 

1. أحد أهم المهام، التى تواجه علماء الآثار، تنفيذ أعمال تنقيب منهجية في المواقع السكنية للمدن والقرى، في المقام الأول مدينة مروى. المعلومات عن حياة سكان المدن والأرياف تكاد تكون غير متوفرة.

2. لا بدَّ من الإسراع بنشر كل التقارير غير المنشورة للحفريات، في المقام الأول أعمال ف.ل. جريفيث، ود. ريزنر، وغيرهما. ضرورة قصوى تتمثل في نشر النقوش التى تم العثور عليها في المدافن الملكية. للأسف، فإن هذا العمل قد تأخر لسنوات طويلة. في المرحلة المبدئية لا بدَّ من تجميع الآثار الابيجرافية المخزونة في مختلف المتاحف وجعلها في متناول الباحثين. مفيدة للغاية قائمة مجموعة النقوش التى جمعها ليكلان وايلر والتى تشير إلى النصوص المنشورة فقط. بالطبع ننتظر بفارغ الصبر نشر أولى البرديات المروية التى تم العثور عليها في قصر ابريم (3) .

3. نتائج هامة ومفيدة للغاية يمكن توقعها من البعثات المركبة الآثارية- الاثنوغرافية- اللغوية في دارفور وكردفان، وهى منطقة غير مستكشفة في هذا المجال. إذا صحت فرضية آركل بشأن انتقال الممثلين الأخيرين لأسرة مروى الحاكمة إلى هناك Arkell 1961، والتى دعمها بمعطيات مقنعة إلى حد بعيد، فإن نتائج الأبحاث يمكن أن تكون ناجحة إلى درجة كبيرة، كما تشير إلى ذلك رواية نهاية كوش التى سجلها فوربينيوس Katznelson 1968.

4. أبحاث مماثلة لا بدَّ من تنفيذها في عدد من بلدان أفريقيا الاستوائية لتحديد الصلات التى نشأت في القدم بينها وبين كوش. انتشرت عبر نبتة ومروى في أفريقيا التصورات والأفكار والنماذج المصرية القديمة. العديد من التقاليد والعادات، وبعض الإنجازات في مجال الإنتاج المادي، بخاصة صناعة الحديد، يحتمل، أن تجد جذورها في مروى. بدون تحديد هذه الصلات، لن ننجح في امتلاك تصور كاف لتاريخ أفريقيا وتاريخها الثقافي.

5. ارتباطاً بهذا تبرز مهمة دراسة التاريخ الداخلى للبلاد- بنية الدولة (4)، والعلاقات الاجتماعية الاقتصادية، والتركيب الاثني، واستغلال الأراضي.. الخ.يلاحظ أن العديد من هذه المسائل لم بتم تناولها. وجه الاهتمام الأساسي لتاريخ العلاقات السياسية الخارجية، بصفة غالبة الصلات مع مصر والصراع معها.

6. أيضاً تظل كلياً خارج إطار اهتمام الباحثين دراسة ثقافة مملكة نبتة مروى وفنها. باستثناء نشر تقارير أعمال تنقيب متفرقة (5) وقليلة للغاية لم تنشر أية دراسات متخصصة. على كلٍ، لم تجر في هذا الاتجاه أية محاولة للتعميم. وهنا تبرز سلسلة من المسائل، التى سنشير إليها لاحقاً.

7. الشئ نفسه يمكن قوله بشأن دراسة الدين في نبتة ومروى. باستثناء مقال جوتيه، ما كان هناك حتى وقت قريب أي عمل كرس لهذه المسألة الواسعة والهامة. لا بدَّ من تحديد، ما هو التأثير الذى تركته الديانة المصرية على كوش، وما هي الأشكال المحلية التى اتخذتها هناك، وما هي التصورات الدينية المحلية، وكيف تفاعلت مع الديانة المصرية والكثير من المسائل الأخرى (6).

8. لازالت غير واضحة حتى الآن علاقات مملكة نبتة مروى بالبلدان المجاورة: مصر، والعالم اليوناني الروماني، والهند، وسط أفريقيا وشمال شرق أفريقيا. تشتمل هذه العلاقات على سلسلة من الإشكالات التى قيل شئ عنها أعلاه. الباحثون مواجهون بتحديد ليس فقط طرق تجارة الصادر والوارد، لكن الأفكار، والنماذج، والأشكال الواردة إلى كوش من الخارج، وتحديد مدى التأثير الذى مارسته كوش من جانبها على البلدان والشعوب الأخرى.

 

بالإضافة إلى هذه الإشكالات العامة توجد إشكالات جزئية. عددها كبير ولا شك ومن ثم يستحيل تعدادها. نحاول ذكر مثالين منها: هل يمكن إيجاد توافق بين ما ذكرته المصادر الكلاسيكية حول مسألة اغتيال الملك الطقوسي وبين المصادر الكتابية والآثارية المادية الموجودة بين أيدينا؟ هذه المسألة لم يتم دعمها بصورة نهائية بعد. وما هو دور الكوشيين في النضال التحرري للمصريين ضد الإغريق والرومان؟

 

في مثل هذا الموجز القصير لا يمكن بحال تغطية كافة الأسئلة التى تحتاج إلى إجابة في دراسة تاريخ مملكة نبتة مروى، وهى التى أصبح تأثيرها على حياة العالم القديم أكثر تجلياً. بالضرورة لا بدَّ من إضافات وتصحيحات. الكثير قد تم نفاذه في السنوات الأخيرة، لكن ينتظر تنفيذ المزيد وهو الأكثر. فقط نتيجة جهد مشترك وممنهج لعلماء من بلدان مختلفة، يمكن، تحقيق نجاح في تفسير المصير التاريخى لمدنية أفريقية عظيمة- ثقافة كوش.

 

تذييل

في وقته، لم تسمح لى الظروف للمشاركة في مناقشة ورقتي هذه. وبما أن المناقشة قد نشرت بشكل مقتضب ضمن أعمال المؤتمر، فإنني سأحاول الآن الإجابة على بعض الاعتراضات والشكوك، التى أثارتها ورقتي، وذلك وفق الترتيب الذى وردت به تلك الاعتراضات والشكوك في أعمال المؤتمر المذكورة.

 

التسمية المقترحة من جانبي "الدراسات المروية" وتحديد محتواها بوصفها فرعاً معرفياً مركباً، يهتم بدراسة السودان القديم منذ أقدم الفترات حتى الاحتلال الأكسومي للبلاد، واجه قدراً من التشكيك. يفترض هنتزا وشينى وعلماء آخرون، أن حملة عيزانا لا يجوز منحها اهتماما كبيراً بهذا القدر، ويحتمل ألا تكون قد علّمت نهاية أسرة مروية، كما ولم تصبح معلماً لنهاية مملكة مروى. مع ذلك فإن حملة عيزانا، غض النظر عن ما ترتب عليها من نتائج، تمثل خاتمة لتاريخ السودان القديم، كما هو حال احتلال الاسكندر المقدوني لمصر الذى مثل نهاية لمصر الفرعونية وأرسى بداية لمرحلة تاريخية جديدة مختلفة بالنسبة لمصر. لا نمتلك حالياً بينة عما حدث في مروى في القرون الأولى التى أعقبت الاحتلال الاكسومى، إلا أن شيئاً واحداً واضح: هناك تحولات أساسية إلى حد ما في الثقافة يمكن ملاحظتها و، احتمالاً، في التركيبة السكانية. كل هذا لم يتم بعد تبيانه، لكن كون أننا لم نعد نستطيع الحديث عن مملكة مروى بالمعنى الذى ضمناه سابقاً في هذا المعنى، فهو أمر لا جدال حوله. بالطبع، شغلت المرحلة الانتقالية حيزاً زمنياً محدداً، لكن، على كل حال، فقد اكتملت تلك المرحلة الانتقالية في القرن الميلادي الرابع.

 

كان من الممكن أن تعطى تسمية "الدراسات الكوشية" محتوى العلم الخاص بالسودان القديم، لكنه، بالإضافة إلى  بعض عدم التوفيق الصوتي لهذا المصطلح، كما أشرنا، فإنه يمكن أن يقود إلى نوع من سوء الفهم. في الوقت الراهن يستخدم مصطلح الكوشيين للإشارة ليس فقط إلى سكان بلاد كوش القديمة، في إطار تلك الحدود، التى عرفها بها هم أنفسهم و قدماء المصريون. كما هو مثل تاريخ مصر ما قبل الأسرية، في وقت كانت فيه مصر كما هي الآن غير مكونة بعد، بما في ذلك "تاريخ مصر"، التى تمثل مجال اهتمام علم الدراسات المصرية القديمة Egyptology، من هنا شرعية كل العصر، السابق لظهور مملكة نبتة مروى والداعي إلى تأسيسه، وضمه إلى تاريخها وعده موضوع دراستها "الدراسات المروية".

 

قطعاً من غير الجائز تصور التسمية المقترحة "الدراسات النوبية"، وهو ما أشرنا اليه في ورقتنا. فكما هو معلوم فإن قبائل النوبة أو النوبا، مشهودين في المصادر في فترة متأخرة بكثير، حتى الآن غير واضحة صلتهم الوراثية بسكان مملكة نبتة مروى، والذين لا يمكن بحال من الأحوال النظر اليهم بوصفهم يؤلفون مرحلة سابقة في تاريخهم وثقافتهم، وهو ما تدعمه في المقام الأول حقيقة غياب تعاقب مباشر في اللغة، دع عنك عدم تطابق الحدود الجغرافية. لهذا فإن مصطلح الدراسات المروية يجد أفضلية إلى الحين الذى يتم فيه طرح ما هو أكثر ملاءمة. بقى أن نضيف، أن الإعتراض، الذى قدمه هنتزا على مصطلح "الدراسات المروية"، ينطبق بصورة أشمل على مصطلح "الدراسات النوبية".

 

فيما يتعلق بالشكوك التى أثارها شينى بشأن صحة التحديد المقترح لخصائص مملكة نبتة مروى فقد رفضه كل من هنتزا وبريزا وبخاصة تريجر على أساس وقائعى متين. تبقى أن نضيف أن رأى تريجر القائل بأن مملكة نبتة مروى يمكن عدها ضمن البلدان التى يسود فيها ما يسمى "بنمط الإنتاج الآسيوي"، والذى دارت حوله لدينا مناقشات مطولة، والذى لا يتعدى كونه شكل من أشكال التشكيلة الاجتماعية العبودية، فإننى لن أقوم بالتجادل حوله، طالما أن الحديث يدور هنا حول المصطلحات، غير المختارة بدقة. فكما هو معروف، فإن "نمطاً آسيوياً للإنتاج" لا يوجد. حول هذا كتب الكثير Korostowtzev 1966; Nikifrova 1975 . (لمناقشة نظرية لهذه الإشكالية أضغط هنا).

 

خلافاً لكلمات بريزا لم أطرح مطلقاً الرأي بأن الوحي في عملية انتخاب الملك يقوم بدور "سائد uberragend". كان الوحي، بالطبع، مجرد أداة في أيدى الكهنة، وكان دوره كبيراً فقط كوسيلة تأثير أيديولوجي يدعم شرعية حاكم البلاد المنتحب مجدداً.

 

يجب الاعتراف، بأن السؤال الخاص بالاغتيال الطقوسى للملك لا يزال غير واضح، وقد تمت الإشارة إلى هذه الحقيقة في الورقة. لكن معطيات متوازية أوردها اسامة النور مشتقة من مفاهيم مرتبطة بالسحر الهوميوباتى نالت انتشاراً واسعاً حتى وقت قريب لدى العديد من شعوب افريقيا بما في ذلك الشلك النيليون في جنوب السودان، لا تجعل من احتمال وجود مثل هذا الطقس فيمروى أمراً مستبعداً.  يجب ضم صوتى إلى تأكيد كل من جيرتزوج وتريجر بأن الرؤية السلبية للمعلومات التى أوردها استرابو لا مبرر لها وبالتالي يصبح من الضرورة بمكان الدراسة الأكثر عمقاً لهذه الإشكالية.

 

انتقال العاصمة من نبتة إلى مروى كرست له عدة صفحات في كتابى "نبتة ومروى: ممالك السودان القديم". سبب نقل حاضرة المملكة إلى الجنوب يجب البحث عنه في مجمل العناصر الاقتصادية والسياسية. المميز، أن الجبانة الملكية ظلت على مدى فترة طويلة في جبل البركل، ذلك أن التصورات الدينية، بوصفها أكثر محافظة، تخلفت عن الواقع الحياتى المعيش و، تلاءمت، كالعادة، مع متطلباته، وخضعت للمتغيرات الجارية.

 

التقسيم المرحلى المقترح في الورقة خضع بدوره للدمج بين العناصر الاقتصادية والسياسية. ظهور أشكال جديدة للمصنوعات الفخارية، رغم أن ذلك قد يكون مؤشراً لتحولات في التركيبة الاثنية للسكان بهذا القدر أو ذاك، فإنها تظل محتاجة إلى دعم عن طريق وقائع  ووثائق جديدة، في هذه الحالة بالذات، كما يشير إلى ذلك شينى: في ظهور المصنوعات السوداء "الافريقية" في حولى سنة 300 ق.م.، مثل هذه الإثباتات مفقودة. ألا يمكن أن تشكل نتاجاً لإعادة إحياء أشكال محلية "افريقية" للثقافة، والتى تنعكس على الأقل في العودة إلى طقوس الدفن القديمة؟ التقسيم المرحلي المقترح لا يستبعد مراحل فرعية في داخله.

 

بشأن مسألة الطرق التجارية، والتى أثارها هنتزا، فإن الحديث يدور، على ما يبدو، عن أشياء مختلفة.  يدور الحديث في الورقة عن النزعة المرتبطة بالتبادل التجاري في العصر الهلينستى، عندما أخذ البحث عن السلع غير الاعتيادية إرتباطاً بالإرتفاع العام لمستوى القوى المنتجة في توسيع آفاق الصلات الاقتصادية لعالم البحر المتوسط ونشأت صلات غير مباشرة مع الهند، وفيما بعد مع البلدان الواقعة أبعد منها إلى الشرق. الطرق البحرية، بالتالي طرق القوافل البرية المرتبطة بها، أخذت في الانتقال تدريجياً، لكن ليس كلياً، من النيل إلى البحر الأحمر. الأدلة على تلك العملية أوردها خفوستوف في كتابه المذكور بعاليه. قطعاً ما كان من الممكن ألا ينعكس ذلك على مروى.

 

يجدر الاتفاق كلياً مع تأكيد هنتزا بشأن التشكك في تأثير هندى مياشر أو غير مباشر على كوش. تصوير الآلهة متعددة الرؤوس والأيدي نجده في مصر، وهو ما أكدت عليه بوضوح دراسة أسامة النور المكرسة لعبادة الإله الأسد أبادماك. فيما يتعلق بتأثيرات ثقافة وفن آسيا الوسطى وإيران، التى يشير اليها هنتزا، فإنه وطالما أن نتائج هذه التنقيبات لم تنشر كاملة بعد، لا يمكننى أن أقول شيئاً. مع ذلك لا يمكننى إلا أن أعبر عن أملى في أن تتم دراسة مقارنة لنصوص ملوك مروى المكتوبة باللغة المصرية مع النصوص المصرية المتأخرة.

 

 

(1) يتفق مع رأينا هذا فينج 1967 Wenig، الذى أورد في أعماله إثباتات مقنعة

(2) محاولة امبورن 1970 Amborn لإثبات، عدم صلاحية القول بأهمية مروى في أفريقيا بوصفها أحد أهم مراكز الحديد، وجهة نظر أمبورن تقع خارج مجال دراستنا الموجزة هذه.   

(3) الجدير بالملاحظة أن كاتسنلسون كتب هذا في عام 1981. منذ ذلك الحين فإن الكثير مما يشير إلى ضرورة نشر قد نشر بالفعل كما هو مبين في قائمة الببليوغرافيا الملحقة بأركامانى.

(4) فقط في الآونة الأخيرة صدرت مونوجرافيا لازلو توروك المثيرة :

Economic Offices and Officials in Meroitic Nubia (A Study in Territorial Administration in Late meeeeroitic Kingdom), Budapest, 1979

(5) في الآونة الأخيرة أيضاً ظهرت كتابات موجزة عن فن نبتة ومروى

St.Wenig, Propylaen Kunstgeschichte. Bd. 18.B, [S.a], pp.400-427; J.Leclant, Le monde egyptien. T.III. L'Egypte du crepuscules. Paris 1980 pp.227-265; أنظر كذلك Meroitica 5.B, 1979. Africa in Antiquity. The Arts of Ancient Nubia and the Sudan.

 كذلك تقارير آدمز وجريزيمسكى عن الفن المعماري في كوش، ضمن أعمال المؤتمر المنعقد في برلين في نوفمبر 1980 للجمعية الدولية للدراسات المروية

(6) أنظر Minkowskaia 1974 ; Korostowtzev 1976;   Pavlova 1977Zabkar 1975;   Elnur Osama  1974

References

D.Dunham, The West and South Cemeteries at Meroë. Boston.

F.Ll.Griffith, An Omphalos from Napata,- Journal of Egyptian Archaeology 3.

St.Wenig, Bemerkungen zur Chronologie des Reiches von Meroe.- Metteilungen für Orientforschung 13.

A.J.Arkell, The Historical Background of Sudan Agriculture,- “Agriculture in the Sudan” (ed.), J.D.Tothil, Oxford

F.K.Keinitz, Die politische Geschichte Ägyptens von 7, bis zum 4, Jahrhundert von der Zeitwende, B.

H.Kees, Das alte Ägypten. Eine kleine Landeskunde, 2Aufl., B.

Ed.Mayer, Gottesstaat, Militärherrschaft und Ständewesen in Ägypten,- Preussische Akademie der Wissenschaften, Philos. Klasse, Sitzungaberichte, B. Bd 57.

И.С.Кацнельсон, Рабовладение в Куше.- Вестник Древней Истории no. 2.

H.Amborn, Problematik der Eisenverhüttung im Reich Meroe,- Paideuma 16

A.J.Arkell: A History of the Sudan from the Earliest Times to 1821, 2nd Ed., London

И.С.Кацнельсон, Аркамон и ритуальное убийство царя в Куше, Klio Bd.50.

Э.Е.Миньковская, Религиозные культы древнего Судана, Москва (автореф.дис.канд.истор.наук).

M.A.Korstovtzev, Релгия Древнего Египта, Москва.

О.И.Павловa, Античные авторы о культе Амона в Куше, Мерое

L.U.Zabkar, Apedemak= lion god of Meroe> A Study in Egyptian-Meroitic Syncretism, Warminister.

أسامة عبدالرحمن النور 1974(a) "عبادة الإله الأسد أبادماك في السودان القديم"، الخرطوم، العدد الخامس.

M.A.Korstovtzev, О хрaктере древневосточнего общества ,-Народы Азии и Африки, N0.3

В.Н.Никифорова, Восток и всемирная история, Москва.