الوضع الراهن وإشكاليات دراسة تاريخ مملكتي

 نبتة ومروى

إيسيدور سافتش كاتسنلسون

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

    حول مسألة تسمية الدراسات المروية

    خصائص المصادر الكتابية

    التدوين التاريخي لمملكتي نبتة ومروى

    نقد التدوين التاريخي السابق وإعادة تركيب تاريخ مملكتي نبتة ومروى

    نشؤ مملكة نبتة وتأسيسها (القرن العاشر- منتصف القرن الثامن ق.م.)

    إازدهار نبتة والدولة المصرية الكوشية المتحدة (منتصف القرن الثامن- منتصف القرن السابع ق.م.)

    مملكة مروى. المرحلة الأولى: النشؤ والازدهار (القرن السادس- نهاية القرن الأول ق.م.)

    مملكة مروى. المرحلة الثانية: بداية الانهيار والزوال (القرن الأول ق.م.- منتصف القرن الميلادي الرابع)

    البنية السياسية (الحكومية)  والإقتصادية لكوش

    المسائل والمهام المعلقة للدراسة المستقبلية لتاريخ مملكة نبته مروى

    تذييل

 

حول مسألة تسمية الدراسات المرَّوية

تم تأسيس الدراسات المروية فرعاً علمياً قائماً بذاته مستقلاً بفضل نجاحات علماء الآثار في المقام الأول، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وبفضل المؤرخين وعلماء الأدب الدارسين للسودان القديم والنوبة الشمالية. وقد أسهم نمو حركة التحرر الوطني بالطبع في ذلك حيث حفزت التطلع إلى فهم الماضي التليد لدى المثقفين الوطنيين، وهو ما حفز إلى حد بعيد تطور البحث في هذا الاتجاه. مع ذلك يجوز إرجاع مولد الدراسات المرويَّة إلى نشر أعمال جريفيث التأسيسية التى كشفت المفتاح لقراءة النصوص المروية Randall-MacIver and Woolley,1909.

 

ما هو مفهوم مصطلح الدراسات المروية؟ هل هو فقط تاريخ السودان القديم وتاريخ ثقافته بعد التحرر من السيادة المصرية حتى انهيار مملكة مروى (أي، تقريباً من القرن العاشر ق.م. حتى منتصف القرن الميلادي الرابع)، أم أنه يشمل تاريخ هذه البلاد منذ أقدم الأزمان حتى الاحتلال الأكسومي لها؟

 

يبدو، أنه يفضل اعتماد الأخير. حتى الحين الذى رأى فيه دنهام بكل موثوقية وقانونية تسمية البلاد باسمها الفعلي القديم "كوش"Dunham, 1947، فقد أطلقت على البلاد تسمية "النوبة" أحياناً و"إثيوبيا" أحياناً أخرى، وهو ما لا يجد أساساً لا تاريخياً ولا جغرافياً، وبالإضافة، أدى إلى تشويش حيث أن تسمية "إثيوبيا، على سبيل المثال، أطلقت ليس فقط على السودان (انظر أسامة: كوش أم النوبة). الآن، عندما تم إفراز التاريخ القديم لهذه البلاد فرعاً معرفياً، فإن مصطلح "الدراسات المروية" يصبح، طبيعياً، أكثر ملائمة منه من مصطلح "الدراسات الكوشية" على سبيل المثال، ذلك أنه في حالة استخدام الأخير سنكون مجدداً عرضة للتشويش: قد يبرز اعتقاد بأنَّ الحديث يدور عن دراسة كل الشعوب الكوشية. كذلك فإنَّ تسمية "الدراسات النوبية" هي الأخرى غير موفقة. فالنوبة ذكرت للمرة الأولى في عمل سترابو (الجزء 17،1،2)، نقلاً عن اراتوسفين، الذى يتحدث مباشرة، عن "النوبيين غير الخاضعين". بالنوبيين في هذا المعنى المحدد يجب أن نفهم أن الإشارة إلى سكان "إثيوبيا النيلية" عند الإغريق، أي كوش.

 

تقييد مفهوم الدراسات المروية فقط بمرحلة وجود مملكة نبتة- مروى لن يكون صحيحاً، ذلك أنَّ الفترة الطويلة السابقة لنشوئها ترتبط بها ارتباطا عضوياً لا ينفصم. الفرز الاصطناعي للدراسات المروية في قسم متفرد لا يعقد فحسب عمل الباحثين، لكنه قد يخلق تواتراً وتتابعاً غير واقعي من وجهة النظر المنطقية للعملية التاريخية. فالواقع أنه يستحيل فهم قانونية نشوء مملكة نبتة- مروى وتطورها، كما وتستحيل إمكانية تقييم خصائص ثقافتها، بدون الأخذ في الحسبان المصير التاريخي للبلاد في العصر السابق. يحتمل أن يتم اقتراح مصطلح آخر غير "الدراسات المروية" [كان هنتزا قد اقترح أن يشمل مصطلح الدراسات المروية فقط دراسة تاريخ وآثار ولغات عصر نبتة- مروى، كفرع من التاريخ القديم للسودان Hintze, 1973] ، لكن، على أية حال، فإنه لا بدَّ أن يطابقه من حيث المحتوى. ومن ثمَّ نختتم بالقول أنه يكون من الحق عد تسمية "الدراسات المروية" فرعاً معرفياً مركباً، يدرس تاريخ كوش وتاريخ ثقافتها ومعتقداتها الدينية وآثارها ولغتها من العصر ما قبل الأسرى في التاريخ المصري حتى الاحتلال الأكسومي لكوش.

 

خصائص المصادر الكتابية

في هذا الاستعراض، على كلٍ، يجدر التوقف لمناقشة بعض القضايا فقط، المرتبطة بدراسة الفترة المتأخرة من تاريخ كوش، أي، فترة وجود مملكة نبتة- مروى. لأجل التعرف على ما تم الوصول إليه في الوقت الراهن في هذا المجال، يجدر بنا تحديد خصائص المصادر الكتابية المتوفرة لنا، وأيضاً تحديد ما توفر للأجيال السابقة من المؤرخين (ملخصات لآخر النتائج التى يتحصل عليها علماء الآثار يقوم بنشرها البروفسور ليكلان في مجلة Orientalia التى تصدر في روما).

 

المعلومات الأكثر محتواة في حوليات ملوك الأسرة الخامسة والعشرين (المسماة أحياناً بالأسرة الإثيوبية، مع أنه من الصحيح تسميتها بالكوشية) وحوليات بعض الملوك اللاحقين، والتي تم الكشف عنها في معابد جبل البركل وكوة. مع انقطاعات معتبرة فإن تلك الحوليات تغطى الفترة من ثلاثينيات القرن الثامن ق.م. حتى القرن الثالث ق.م. وتشير إلى تبدل الحكام والمراسم المرتبطة باختيار الورثة، وإلى الحملات العسكرية، والعلاقات مع الطبقة الكهنوتية، وإلى المعتقدات وما إلى ذلك. من تلك الحوليات يمكن استقراء بعض التفاصيل عن استمرارية التركيب المشتركي العشائري ، وعبادة آلهة متفرقين الخ. بمقارنة اللغة، وأسلوب قواعد الإملاء في النقوش يمكن ملاحظة التزايد التدريجي للعناصر الاثنية المحلية بما يميزها من خصائص ثقافية ولغوية وتأخذ في الضعف الصلات مع مصر.

 

يجدر الأخذ في الحسبان، أن نصوص ملوك كوش المكتوبة باللغة المصرية، والمركبة وفق نمط حوليات فراعنة مصر، لا تعكس دوماً الخصائص المحددة المميزة لنبتة ومروى. فهي تحتوى على صيغ نمطية، ومسميات رتب وظيفية، وألقاب مصرية وما إلى ذلك، صورت في جدران معابد العاصمة في جبل البركل في معظمها أحداث ووقائع ذات طبيعة حكومية عامة، خلافاً لنصوص المعابد الإقليمية في كوة.

 

رغم محدوديتها العددية فإنَّ النصوص باللغة المصرية من جبل البركل وكوة تظل إلى هذه اللحظة مصادر أساسية لتاريخ مملكتي نبتة ومروى، بخاصة تاريخهما الداخلي (المحلى)، ذلك لأن اللغة المروية لازالت مستعصية بالنسبة لنا Zavadovski and Katsnelson, 1980 فالمعروف منها لا يتعدى كلمات متقطعة، ويمكن فقط قراءة الأسماء الشخصية والمسميات الجغرافية. في النقش الطويل الخاص بأكينداد أُنجز قدر من النجاح في الوصول إلى فهم المعنى العام، في حين أن أكبر النقوش وهو مسلة الملك تانيدأمانى استعصت كلياً أمام محاولات القراءة. الكم الأساسي من النصوص- المسلات الجنائزية، وألواح التضحيات- فإنها نمطية، ورتيبة. تقدم مادة محدودة عن الجغرافيا الطبيعية، والاقتصاد، والتصورات الدينية. الألقاب ومسميات الوظائف ليست واضحة في كل الحالات. بالتالي فإن المعلومات التى يمكن استخلاصها منها ليست كثيرة، والحال نفسه بالنسبة للمخربشات الديموطيقية والإغريقية التى هي رتيبة بدورها أيضاً. فقط القليل منها، مثل، على سبيل المثال، النقش في جزيرة فيلة الخاص بالسفير باسانا، الذى أوفد إلى روما، يحتوى على معلومات قيمة، غير متوفرة من مصدر آخر. تسلط هذه الأخيرة سوياً مع الوثائق البروتوكولية القانونية الديموطيقية الضوء على الانتفاضات ضد الاحتلال الأجنبي، والتي اندلعت في مصر العليا بدعم من الكوشيين بخاصة في عهد البطالمة.

 

حوليات ملك أكسوم عيزانا المكتوبة باللغة الإغريقية الملحقة بنص بلغة الجيوز (الجعز)، تمثل الوثيقة الوحيدة المتوفرة حتى الآن التى تتعرض لانهيار مملكة مروى. إنها تشير بوضوح إلى خط سير الحملة وتتحدث عن الأحداث المرتبطة بها.

 

فيما يتعلق بأولى البرديات المروية في قصر إبريم، فإنها مازالت بانتظار النشر.Plumley, 1967

 

من ثم فإن المصادر الابيجرافية لتاريخ مملكتي نبتة ومروى شحيحة إلى درجة بعيدة، الشئ الذى يمكن تفسيره ليس فحسب بعدم اكتمال الدراسات الآثارية في السودان، ولكن بعدم التوفيق في نشر النصوص المكتشفة. فقط في السنوات الأخيرة أخذت في الظهور على صفحات "نشرة الدراسات المروية Meroitic Newsletter" بصورة منتظمة قوائم المسلات، المكتشفة حديثاً وكذلك المخزونة ضمن هذه أو تلك من المجموعات. لكنه مع كل ذلك، فإنَّ النصوص التى تم الكشف عنها من خلال استخدامها بصورة مركبة مع مصادر أخرى، بما في ذلك مواد الثقافة المادية، تسمح بالتوصل إلى بعض الاستنتاجات الهامة، التى تضئ بعض جوانب تاريخ مملكتي نبتة ومروى، وبعض سمات تكوينهما الاجتماعي- الاقتصادي.

 

فيما يتعلق بأعمال المؤرخين والجغرافيين الإغريق والرومان، والذين احتوت أعمالهم على بعض المعلومات عن كوش، فإن معرفتهم بجغرافية هذه البلاد تفوق بكثير دقة وسعة معلوماتهم عن تاريخها. المعرفة الجغرافية أملتها مقتضيات التجارة. الاهتمام بالتاريخ لم يجد تطبيقاً عملياً. للتعرف على بلد ما فإن معرفة اللغة، ولو بصورة مبدئية، لا تمثل ضرورة حاسمة: يمكن تجاوزها أو الاكتفاء بمخزون محدود من الكلمات. لكنه ولتجميع معلومات تاريخية فلا بدَّ بالضرورة، ولو بصورة مبدئية، من التعرف على لغة الكلام المحلية أو اللجوء لدعم مترجم كفؤ والقدرة على إيجاد لغة مشتركة مع حفظة التحدارات الشفهية- الكهنة، والذين لا يميلون عادة للتعامل مع الأجانب. كل ذلك لم يتوفر لدى التجار والجنود المرتزقة الإغريق الذين وصلوا إلى كوش وكانوا بمثابة الناقلين للمعلومات عنها، كما ولا أعتقد أنهم كانوا من المهتمين بمثل هذه الموضوعات. مع ذلك فإنَّ كتابات أولئك المؤرخين والجغرافيين من أمثال هيرودوت، وسترابو، وديدور، وبلينى وغيرهم أعطت الكثير من المعلومات. القليلون من هؤلاء أنجز زيارة شخصية إلى كوش، كما وأن أعمالهم لم يحتفظ بها كاملة.

 

يتوجب كذلك الأخذ بالحسبان النزعة لتصور سكان كوش بهيئة كمالية، بخاصة في أعمال كل من ديدور وهيرودوت، وهو ما يرتبط بالتعاليم اليوتوبية القديمة. خلافاً لليوتوبيين المسيحيين القروسطيين الذين تصوروا وجود السعادة في "المملكة السماوية"، وخلافاً لليوتوبيين في العصر الحديث الذين يضعون آمالاً على قيام تنظيم اجتماعي يتأسس على الإرادة الطيبة في المستقبل البعيد، فقد ارتأى اليوتوبيون الإغريق تأسيس نماذجهم المثالية لبلدانهم على هامش العالم المعروف لهم، بخاصة في الجنوب البعيد الذى جلبت منه كافة البضائع المدهشة والذهب والأحجار الثمينة. أسهم في مثل ذلك التصور وجود بقايا التركييب المشتركي العشائري في كوش، وهى بقايا افتتن بها بعض اليوتوبيين الإغريق. أهمية كبيرة تمثلت في حقيقة أن المرويين تمكنوا من الدفاع عن استقلالهم في صراعهم مع الفرس والإغريق والرومان.

 

باستثناء حالات نادرة، فإن الكثير من الوقائع التاريخية، الواردة في أعمال أولئك الكتاب، ترجع لأزمان متأخرة- النصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد. المنظور التاريخي الذى يقدمونه يكاد يكون مشوها دوماً، لكننا ندين لهم بالمعلومات عن نمط حياة الكوشيين وعاداتهم وتنظيمهم الاجتماعي والسياسي، وكذلك عن بعض الأحداث والوقائع التاريخية التى تسمح بتحديد السمات المميزة للبنية الاجتماعية- الاقتصادية والحكومية في مملكة مروى Desenges, 1968.

 

التدوين التاريخى لمملكتي نبتة ومروى

تاركين جانباً الدراسة الآثارية للسودان، رغم قرابتها بالتاريخ، والتي تتطلب اهتماما خاصاً، فإننا مع كل ذلك نشعر بوجود ضرورة قصوى للإسراع بنشر التقارير الكاملة عن الأعمال التى أنجزت. فالملاحظ أنه حتى اللحظة (الإشارة إلى عام 1981- أركامانى) لا يمكن الوصول إلى نتائج أبحاث جريفيث، وريزنر، وجارستانج دع عنك الأبحاث اللاحقة. كل ذلك، بالطبع، لا يمكن إلا وأن يعيق تطور الأبحاث التاريخية، أولاً وقبل كل شئ دراسة مسائل مثل التجارة، وصلات كوش الثقافية، والحياة في المدن، وتطور المعتقدات الدينية وما إلى ذلك.

 

حتى زمن قريب، وحالياً إلى حد ما، عدت مستحقة للدراسة فقط الشعوب التى تركت ثقافاتها تأثيراً مباشراً على الثقافة اليونانية والرومانية وبالتالي على نشوء المدنية الأوربية وتطورها. لذلك فإن أقطار العالم القديم الهامشية، التى أحست بالمؤثرات القادمة من مدنيات الشرق الأدنى والأوسط العظيمة، لم تجذب اهتمام العلماء، الواقعين تحت نزعة المركزة الأوربية. هذا بالتحديد ما جعل كوش لا تجد  مكاناً لها في المؤلفات التى تناولت "التاريخ العالمي"(على سبيل المثال "سلسلة كمبردج للتاريخ القديم Cambridge Ancient History، وتاريخ العالم Historia Mundi "، وغيرهما.

 

أعاقت هذه الأسباب نفسها حتى وقت قريب الدراسة الآثارية لهذا البلد و، بالتالي، الكشف عن مصادر جديدة. من ثم فانه وبالنسبة لتاريخ السودان القديم أضيفت إلى أعمال الكتاب اليونان والرومان حتى بداية القرن العشرين فقط نقوش ملوك كوش من جبل البركل. تحديداً المعلومات المحتواة فيها أعطت المادة التى اعتمد عليها المؤرخون في منتصف القرن التاسع عشر (بوركهاردت، وكايو، وهوسكنس، وشامبليون، ولبسيوس).

 

طرح ماسبيرو في كتابه الذى نشر فيه حوليات ملوك نبتة ومروى ومن ثمَّ في كتابه المؤلف من ثلاثة مجلدات والمعنون "التاريخ القديم لشعوب الشرق الكلاسيكي" والذي نشر في باريس 1895-1899، فرضية مفادها أن مملكة نبتة أسسها أحفاد كهنة طيبة. ووصف نظام الدولة في نبته بأنه ثيوقراطي. التطور اللاحق لمملكة نبتة- مروى مثلَّ في رأيه انحطاطا  للمدنية المصرية،  نتج عن تدنى عرقي بفعل اختلاط عناصر غريبة، في الأساس عناصر زنجية. مثل هذا المنظور بهذا القدر من التعديلات والتحويرات هيمن لأزمان طويلة على التدوين التاريخى الأوربي، ولا زالت أصداء له تجد تعبيراً لها في الوقت الراهن. عملياً فإن مثل هذا المنظور يؤدى إلى نفي إمكانية الإبداع المستقل للدولة المروية، مع أنها أخذت في التكون منذ عصر المملكة المصرية الوسطى. وقد أوقفت عملية التكون تلك لقرون بفعل العدوان المصري وفرض سيادته.

 

في الحقيقة، فإن الآراء تلك نفسها طرحها مؤلف أول كتاب كرس خصيصاً لتاريخ كوش، ميوللر Müller, 1904. كان هذا العمل التجميعي الصغير في حجمه غير مواكب لمستوى العلم حتى في عصره، الشئ الذى يفسر إلى حد ما، في الغالب، بطابعه الشعبي غير المتخصص. وقد اعتمد في فرضياته على ماسبيرو ورويدر Roeder, 1906

 

أفرد حيز كبير لتاريخ كوش في كتاب بادج المشوش"السودان المصري" Budge,1907  الذى يكرر فيه أساساً كتابات المؤرخين اليونان والرومان وحوليات ملوك نبتة. منظوره يتقارب مع منظور ماسبيرو، لكنه خال من التعبيرات العنصرية المميزة لمنظور الأخير.

 

في الوقت الحالي، ظهر حتى الآن كتاب واحد شامل لتاريخ كوش، وهو كتاب آركل Arkell,1961 الذى صدرت منه طبعتان، برغم ميزاته الواضحة مثله مثل كتاب شينى Shinnie,1967، إتبع في الأساس نهجاً تثقيفياً عاماً بخاصة الأخير منهما. كلا الكتابين يمثلان نتاجاً لأبحاث عميقة ومكثفة أنفذها المؤلفان، فجاء الكتبان ممتلئان بالمواد الوقائعية، لكنها ليست مكتملة بحال من الأحوال.

 

يعير آركل إهتماماً خاصاً لوصف الآثار الأكثر أهمية، وعرض براجماتي مقتضب لأحداث السياسة الخارجية، وتثبيت التسلسل الكرونولوجى وما إلى ذلك. لتفسير بعض الوقائع المتفرقة يورد المؤلف إلى جانب الأسباب المرتبطة بالسياسة الخارجية في حالات بعض العناصر الاقتصادية، إلا أنه لا تبذل محاولة لتفسير جوهر الظواهر. هكذا، على سبيل المثال، نهاية "القصر الملكي النبتى المتمصر"، تمثل في رأيه نتاجاً لفقدان الاتصالات مع العالم الخارجي وتوقف تدفق سيل الأفكار الجديدة.

 

هناك، في الواقع، بعض الأبحاث، حدد مؤلفوها لأنفسهم مهام أكثر ضيقاً. بعض تلك الأبحاث تستحق بجدارة تثميناً عالياً، رغم أنها قد تحتاج في الوقت الراهن إلى بعض المراجعات. في تلك الأبحاث تم تجميع كم هائل من المصادر وإخضاعها للدراسة النقدية. لكن تلك الأبحاث تتعلق بمراحل أخرى من تاريخ السودان القديم_ إما سابقة  لمرحلة نبتة- مروى أو لاحقة لها، أو أنها تتعرض له بصورة عرضية.

 

الأبحاث، في هذا المستوى أو ذاك الخاصة بمملكة نبتة- مروى، يمكن من حيث الشكل تصنيفها في ثلاث مجموعات:

 

1. الفصول أو المباحث في الأعمال ذات الطابع العام وفي تقارير أعمال التنقيب (مثال، سايس Sayce,1911 وكراوفوت Crowfoot,1911. مؤلفو تلك الأبحاث يتتبعون بإيجاز تاريخ المنطقة التى قاما بدراستها آثارياً.

2. مقالات استعراضية موجزة (دنهام Dunham,1949 ورويدر)

3. مقالات متخصصة في هذه أو تلك من القضايا.

عدد تلك الأبحاث من الضخامة بمكان.

 

إحتمالاً، وهو ما قد يبدو لافتاً للإنتباه ومثيراً للدهشة، أن أول عرض تفصيلى، رغم أنه عرض موجز لتاريخ مملكة مروى وعلاقاتها الإقتصادية، قدمه أستاذ جامعة كازان الروسية البروفسور خفوستوف في مونوجرافيته "تاريخ التجارة الشرقية لمصر اليونانية الرومانية" (كازان 1907). مكنه تعرفه بالمصادر والأدب المتخصص، وقراءته النقدية الثاقبة، من إعادة تركيب عرض موثق لتاريخ مملكة مروى، التى وصف نظام الحكم فيها بأنه ثيوقراطى. ومع ذلك لاحظ محقاً وجود بعض بقايا التركيب المشتركى العشائرى. ويفسر خفوستوف إنهيار مروى بأسباب اقتصادية تتمثل في تحويل الطرق التجارية من النيل إلى البحر الأحمر. كان خفوستوف هو السباق في طرح التساؤل عن تنظيم هذه المملكة، واقتصادها، بخاصة التجارة. للأسف، فإن كتابه ظل  غير معروف خارج حدود روسيا.

 

كما ويجب ذكر الفصول الخاصة في مؤلف توراييف "تاريخ الشرق القديم"، والذى كان أول من أدخل  فصلاً خاصاً عن تاريخ مملكة نبتة- مروى وفصلاً عن مملكة أكسوم في كتاب جامعي مقرر. تختلف رؤاه قليلاً عن وجهة نظر خفوستوف: إنه يعطى مساحة لتجليات الرؤية العنصرية ولو أن ذلك ليس بالقدر ذاته الذى ميز عمل ماسبيرو وميوللر. في الوقت نفسه لاحظ توراييف الخصائص المميزة لاقتصاد مروى وإستمرار بقايا التركييب المشتركى العشائرى، بخاصة الأموية، وكذلك السمات المحلية لثقافة مروى.

 

نقد التدوين التاريخى السابق وإعادة تركيب تاريخ مملكتي نبتة ومروى

حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى كان قد تم بهذا القدر أو ذاك تحديد إتجاهين أساسيين بوضوح في التدوين التاريخى لكوش. بالطبع، يتوجب الأخذ في الحسبان كافة التفرعات والتنوعات.

 

يرى إتجاه في تاريخ مروى طريقاً للتدني، إنحطاطاً للثقافة المصرية المقتبسة من قبل سكان كوش غير القادرين على الحفاظ عليها. اتجاه آخر، منطلقاً من الوقائع، ينغلق في إطار الطرح البراجماتى للأحداث، في الأساس وقائع السياسة الخارجية، والاهتمام بتثبيت كرونولوجية الصلات الأسرية والاقتصاد الخ. وهو ما يحتل أهمية أولى، لكنه لا يمكن أن يصبح الهدف النهائي للاستقصاء التاريخى. الحقيقة، هنا نجد في حالات مقولات تحمل روح أولئك، الذين ينطلقون في تقييم التاريخ من مقدمات تقول بفطرية الكمال وعدم الكمال العرقي لهذا أو ذاك من الشعوب. يستحيل، في الآن نفسه، عدم الاعتراف، بأن التحليل النقدي الموضوعي للوقائع في أعمال الباحثين من دعاة هذا الاتجاه تقود في العديد من الحالات إلى استنتاجات مفيدة للغاية. مثال لذلك أعمال ريزنر، الذى حاول، على قاعدة الاكتشافات التى حققها في المدافن الملكية في نبتة ومروى، إعادة تركيب تاريخ الموقعين Reisner,1919 and 1923

 

انطلاقاً من التفسير الخاطئ لبعض الوقائع التى رصدها، إفترض، أن مؤسسي مملكة نبتة كانوا أسرة ليبية الأصل. من ثم يثار السؤال عن عدم قدرة السكان المحليين على تأسيس دولة بصورة مستقلة. الحقيقة أن ريزنر إمتنع عن اللجوء إلى مقولات عدم الكفاءة العرقية، لكنه مع ذلك أطلق الحكم القائل بأن انهيار مروى نتج عن انحطاط المدنية المصرية بفعل إختلاط ذوى البشرة السوداء من العناصر الزنجية غير الممتلكين "لدوافع إبداعية". عموماً عظيمة كانت إسهاماته فيما يتعلق بتشييد الكرونولوجيا.

 

في الآونة الأخيرة تمثل المؤشر الأكثر إقناعاً للإهتمام المتنامى بتاريخ كوش في التزايد الهائل لحجم الأبحاث التى عمقت دراسة بعض المسائل الأساسية، على سبيل المثال أسباب انهيار مملكة مروى وظروفه أو دورها في تطور ثقافة القارة الافريقية Shinnie,1967 و Trigger,1969 و Hofmann,1971 . الدليل على ذلك- ليس فقط المقالات، التى ظهرت بأعداد متزايدة دوماً في المجلات المتخصصة في الدراسات الشرقية القديمة، بخاصة المصريولولجية، بل وإنشاء إصدارات دورية مكرسة لتاريخ السودان القديم وآثاره ولغاته- مجلة "كوش" (يجدر الإشارة إلى أن مجلة كوش المشار اليها والتى كانت تصدرها مصلحة الآثار السودانية لتغطى الأعمال الجارية في مجال البحث الميدانى قد توقفت عن الصدور للأسف لضيق ذات اليد، وهو ما جعل الموقف أكثر صعوبة إذ أصبحت التقارير الخاصة بالأعمال الميدانية الجارية تنشر في مجلات ودوريات جد متنوعة ومشتتة، وهو ما يمثل أحد الدوافع الأساسية لإصدار أركامانى علها توفق في تجميع الشتات- أركامانى) . في العقدين الماضيين تمَّ نشر التقارير الشاملة لبعض البعثات الآثارية، والتى حررت وفق أحدث المتطلبات العلمية الراقية: "معابد كوة"، و"جبانات كوش الملكية"، و"عكشة"، و "أعمال اللجنة الأسبانية لليونسكو في النوبة"، و "النوبة القديمة: أعمال بعثة أكاديمية العلوم السوفياتية في جمهورية مصر العربية" وغيرها. وقد أيقظت تلك الأعمال روح المراجعة النقدية وإعادة النظر في العديد من القضايا، بخاصة قضية أصل مملكة نبتة وصلاتها الثقافية مع الثقافات المحلية الأسبق، بخاصة ثقافة كرمة. آخذة في التنامى أيضاً الكتب المبسطة القريبة من فهم الجمهور : مثل أعمال  Дзевановский,1988  و Curto,1965 و Greener,1962 و Davidson,1959 و Keating,1975، وهو ما يعبر عن الاهتمام العالمي بحملة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة المهددة بالغرق نتيجة تشييد السد العالي.

 

لكن لم تصمت أصوات أولئك، الذين انطلقوا في رؤاهم واستنتاجاتهم التاريخية من مقولة تدنى القدرات الإبداعية لدى بعض الشعوب أو الأعراق، والذين استمروا في النظر إلى مملكتي نبتة ومروى صورة متدنية لمصر، وأن انهيارهما إنما يُفسر بانحطاط الثقافة التى جلبها المصريون إلى هناك بفعل اندياح قبائل زنجية من الجنوب، فاقدة لقدرات إبداعية وبالتالي لتأسيس دولة. هكذا كانت على سبيل المثال آراء عالم الدراسات الأفريقية المعروف وسترمان Westermann,1952 .

 

هناك نموذجان للنظريات العنصرية- يشدد دعاة النموذج الأول على سيادة الجنس الأبيض الإبداعية وعدم قدرة الجنس الأسود على الوصول باستقلال إلى مراتب الثقافة العليا، في حين يسعى دعاة النموذج الثاني إرجاع  كل مدنيات العالم تقريباً إلى أفريقيا. يبدو أن النموذج الثاني مجرد رد فعل طبيعي على الهيمنة الاستعمارية طويلة الأمد. نتيجة المعالجات المتحيزة والخاطئة للمصادر والوقائع يتم التوصل إلى استنتاجات، مثل، أنه في كل مكان "في اوربا يمكن أن نجد سمات زنجية واضحة"، أو أن فراعنة الأسرة الثامنة عشرة هم من أصول إثيوبية (كما يؤكد كل من ديوبا والشيخ ديوب).

 

في كتاب شينى المشار اليه سابقاً تم بصورة موجزة عرض كل، أو أغلب، ما هو معروف عن مملكة نبتة- مروى. يقدم المؤلف، وهو الذى لا يمكن إلا وأن نثمن عالياً إسهامه في دراسة تاريخ السودان القديم، نتائج ملاحظاته وأبحاثه الشخصية الهامة. في حالات يضم صوته إلى آراء علماء آخرين مع أنها قد تكون مثار جدل (على سبيل المثال، مطابقة خبابش مع قمبيز، ووجود ما يسمى بأسرة نبتة الأولى.. الخ). للأسف لم يتناول المؤلف التركيب الإجتماعى-الاقتصادي والبنية السياسية لمملكة نبتة- مروى. ومع ذلك يؤكد شينى محقاً على خطأ وصف الثقافة المروية بحسبانها تقليد إقليمى بربرى للثقافة المصرية، وبأنها لم تضف إسهاماً في كنز التجربة والمعرفة الإنسانية العامة. وينسف شينى بقوة الآراء الخاطئة مبيناً كذبها، مثبتاً بموثوقية أن مملكة مروى إمتلكت مدنيتها المتميزة المحلية الخاصة وانها مارست تأثيرها على تطور الثقافة الأفريقية الفكرية والمادية. من ثم يعد كتاب شينى ظاهرة متقدمة بلا جدال في التدوين التاريخى لكوش.

 

إذا كانت هناك محاولات لتعميم كل الإشكاليات التى دُرست في تاريخ مملكة نبتة- مروى، فإن الأولى كانت، ويا للسعادة، من قبل باحث سودانى هو فوزى جاد الله Gadallah,1963 في حين جاءت الثانية من قبل وليام آدمز Adams,1964 الذى أكدَّ محقاً على استمرارية وعدم إنقطاع التقاليد التاريخية والثقافية المحلية منذ أزمان كرمة. 

 

كما ذكرنا، فإن الكثير قد تم إنجازه في مجال دراسة تاريخ مملكة نبتة- مروى بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها: جرت محاولات لتدقيق الكرونولوجيا Hofmann,1978 (هذا العمل مثير للجدل وستتم ترجمته في الأعداد القادمة- أركامانى). تم تثبيت بعض ظروف نشؤ دولة مستقلة في كوش، ودحضت نهائياً نظرية الأصل "الليبي" الخاطئة، وأجليت أسباب انهيار مملكة مروى، ووضعت إشكاليات الصلات بالبلدان المجاورة، بخاصة الأفريقية، وتم تحديد طبيعة بنية الدولة وما إلى ذلك. يعود الفضل إلى حد بعيد للنشاط الموفق للمراكز المتخصصة في دراسة تاريخ السودان وآثاره والتي أنشئت في جامعة السوربون بإشراف البروفسور ليكلان Leclant، وفي جامعة همبولدت ببرلين بإشراف البروفسور هنتزا. فعلت النشاطات في بلدان أخرى- الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والسودان (تريجر، وآدمز، وشينى). وينشر كل من ليكلان وتريجر بانتظام نشرة باسم "النشرة المروية Meroitic Newsletters التى تحوى معلومات عملية ذات أهمية إلى جانب أبحاث قيمة، بخاصة الأبحاث اللغوية. تقريباً في كل عدد ينشر "ذخيرة النقوش المروية". في عام 1969 أنشأت مجموعة الدراسات المروية في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية. تعمل المجموعة بنجاح، وتقيم مؤتمرات سنوية، تناقش من خلالها أبحاث في تاريخ وعلم آثار ولغات والتاريخ الثقافي والدين للسودان القديم. وتصدر المجموعة "دورية مروى" التى تتولى نشر الأبحاث المقدمة في المؤتمرات السنوية للمجموعة.

 

مع كل ذلك فإن الكثير من القضايا لا زالت بانتظار حسمها، بعضها، وهى بالأحرى الأكثر أهمية، لم يتم طرحها بعد. سنتحدث عنها لاحقاً. حالياً، يكون من المفيد تتبع المصائر التاريخية، ولو بصورة عامة للغاية، لمملكة نبتة- مروى والإشارة إلى السمات المميزة لها. لا بدَّ بالضرورة من القول بأن عدم اكتمال المصادر ومحدودية معارفنا الناجمة عن ذلك سوف تستوجب، في الغالب الأعظم، إعادة التقييم وإدخال التصويبات والإضافات، بل ودحض البعض منها في المستقبل وفق الكشف عن المزيد من المعطيات.

 

على أساس القليل المتوفر عن تاريخ مملكة نبتة- مروى حالياً، يمكن تثبيت المراحل الآتية في تاريخها:

 

* نشؤ مملكة نبتة وتأسيسها (القرن العاشر- منتصف القرن الثامن ق.م.)

* ازدهار نبتة والدولة المصرية الكوشية المتحدة (منتصف القرن الثامن- منتصف القرن السابع ق.م.)

* مملكة نبتة (منتصف القرن السابع- القرن السادس ق.م.)

* مملكة مروى. المرحلة الأولى: النشوء والازدهار (القرن السادس- نهاية القرن الأول ق.م.)

* مملكة مروى. المرحلة الثانية: بداية الانهيار والزوال (القرن الأول ق.م.- حوالي منتصف القرن الميلادي الرابع)

 

 

D.M.Randall-MacIver and C.L.Woolley 1909, Areika. Oxford.

D.Dunham 1947, Outline of the Ancient History of Sudan, V,- Sudan Notes and Records 28.

F.Hintze 1973, in Meroitica I. Sudan im Altertum. Berlin.

Ю.Н.Завадовскийи,И.С.Кацнельсон 1980, Мероитский Язык, Москва 1980.

J.M.Plumley 1967, Qasr Ibrim, 1966, Journal of Egyptian Archaeology 53.

J.Desanges 1968, Veus grecques sur quelques aspects de la monarchie, Bulletin de l'Institut français d'archéologie Orientale du Caire.

W.M.Müller 1904, Äthiopien. Leipzig.

G.Roeder 1912, Die Geschichte Nubiens und des Sudans, Klio,Bd12.

E.A.W.Budge 1907, The Egyptian Sudan,vol.I. London.

W.Y.Adams 1977, Nubia Corridor to Africa. London.

A.J.Arkell 1962, A History of the Sudan from the Earliest Times to 1821, 2nd Ed., London.

P.L.Shinnie 1967, Meroe A Civilization of the Sudan. London.

A.H.Sayce 1911, The Iron-Workers in the Sudan.- Proceedings of the Society of Biblical Archaeology 33.

J.W.Crowfoot 1911, The Island of Meroe. London.

D.Dunham 1949, The History of the Kingdom of Kush (Sudan) from 800 B.C. to 350 A.D. as Disclosed by Reisner’s Excavations,- Sudan Notes and Records 30.

G.A.Reisner 1919, The Discovery of the Tombs of Egyptian 25th  Dynasty.- Sudan Notes and Records 2.

G.A.Reisner1923, Excavations at Kerma, pt I-III. Cambridge.

B.G.Trigger 1969, Meroe and the African Iron Age.-African Historical Studies, vol.2.

I.Hofmann 1971, Studien zum meroitischen Königtum. Bruxelles.

К.Дзевановский 1988, Архангелы и шакалы, Москва.

S.Curto 1965, Nubia, Storia di una civilità favolosa. Novara.

L.Greener 1962, High Dam over Nubia. London.

B.Davidson 1959, The Lost Cities of Africa. Boston.

R.Keating 1975, Nubian Rescue, London.

D.Westermann 1952, Geschichte Afrikas. Köln.

F.F.Gadallah 1963, Meroitic Problems, and Comprehensive Meroitic Bibliography,- Kush 11.

W.Y.Adams 1966, Post-Pharaonic Nubia in the Light of Archaeology,- Journal of Egyptian Archaeology 50.

I.Hofmann 1978, Beiträge zur meroitischen Chronologie. St, Augustin bei Bonn.