المسح الآثارى للنيل الأزرق: الأهداف والنتائج الأولية

ماريو مينيندز، والفردو خيمينو، وفيكتور فرناندز

ترجمة د. أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

 

1. المقدمة

خلال شهر مارس، 1990، شرعت البعثة الأسبانية الآثارية إلى السودان في إجراء أعمال المسح الآثار السطحي للضفة الشرقية للنيل الأزرق جنوباً من الخرطوم؛ وكان المشروع مبنياً على أساس استمرار العمل في موسم قابل. الهدف النهائي لنا كان هو تسجيل كل البينة الآثارية المتوفرة للملاحظة السطحية في المنطقة؛ وإجراء أعمال حفر سطحية محدودة، تجريبية، فقط في حالات معينة. بهذه الطريقة نحاول إتباع التوجهات النظرية والمنهجية الحديثة في مجال البحث الآثارى، والتي تشدد في الأساس على ضرورة توفر معطيات كافية قبل الشروع في التوصل إلى أية استنتاجات عامة بشأن الأنماط السلوكية في الماضي (التنظيم الاجتماعي-الاقتصادي، والشبكات الإقليمية،، والديموغرافيا، والنشاطات الإعاشية، الخ). في الوقت نفسه، نأمل في توسيع المعرفة الحالية المتعلقة بالتراث الآثارى الثرى في السودان الأوسط، بهدف جعل صيانته أمراً ممكناً في المستقبل القريب.

 

هنالك العديد من التساؤلات التى تتطلب إجابة عليها في بداية العمل الميداني: منهجية أعمال المسح، والتثبيت الكرونولوجى، وإشكالية التوجيه الثقافي للإشكالية.

 

للتعرف الأولى على المنطقة، تم إتباع استراتيجيتين غير معقدتين للمسح: تفتيش شامل ومكثف سيراً على الأقدام في مربعات طويلة على المنطقة الغرينية، واستكشاف واسع ومركز لقطاعات عرضية عمودية مع مجرى النهر. فالدقة والفاعلية الأكثر المفترضة لتقنية العينات القطاعية، بخاصة عندما تتبع المواقع توزيعاً عشوائياً أو منتظماً Plog,1976، كما تم تثبيته مؤخراً بفعل سلسلة من التظاهرات الحاسوبية Fernandez,1985a، تحتاج للتأكيد في هذه المنطقة التى جرت فيها أعمال مسح سابقة بأسلوب غير منتظم للغاية Caneva and Marks,1990.

 

ضرورة ضمان تثبيت كرونولوجية منطقية للتواتر الثقافي نأمل في مواجهتها بالمعلومات الثقافية المتداخلة وباستخدام تقنيات الترميز الإحصائي Fernandez,1985b. هذه المهمة تصبح أقل تعقيداً نسبة لحقيقة ندرة المواقع متعددة الطبقات في المنطقة، أو لوجود المواقع التى يسهل التعرف عليها طالما أنها تتطابق عموماً مع نماذج معروفة جيداً (على سبيل المثال، المدافن النيوليتية أو المروية القائمة من على فوق مواقع الإقامة الأكثر قدماً). في بعض الحالات، على كلٍ، فإن احتمال وجود ستراتيجرافية "أفقية" أو تنوع ملازم لا يمكن استبعاده، على سبيل المثال، ما تمت ملاحظته بوضوح في حفريات موقع العصر الحجري الحديث في حاج يوسف؛ Fernandez et al.,1989:266. بالتالي فإن تجميع اللقي السطحية في المواقع سينظم على أساس الفرز بين العديد من المناطق، سواء عشوائياً أو بطريقة منتظمة Redman and Watson,1970.

 

رغم أن مسعانا الأساسي في المنطقة ينحصر  في التركيز على المخلفات ما قبل التاريخية (الطور الباليوليتي؛ والانتقال من الميزوليتي إلى النيوليتى) - فإننا نرى انه من غير الواقعي السعي إلى إحداث دراسة شاملة للمنطقة عن طريق فريق آثاري وحيد - كل المواقع التى تم اكتشافها خلال أعمال المسح سيتم تسجيلها بصورة دقيقة، وسيقدم السجل إلى مصلحة الآثار السودانية للدراسة المستقبلية.

 

2- المواقع الباليوليتية

مجمل سبع نقاط كشف تم تسجيلها خلال المسح، كلها تتبع بصورة تلقائية مجرى النيل في خط عمودي باتجاه وادي سوبا. تقع معظم المواقع على المنحدرات الغربية قليلة الارتفاع، احتمالاً بقايا أرض مسطحة بمحاذاة النهر قديماً. التمركزات كانت محدودة إلى حد ما، الامتداد الأعظم كان في الغالب أقل من مئة متر، وكانت كثافة الأدوات الصنعية على السطح متدنية للغاية. ظاهرياً على الأقل، لا يلاحظ على السطح أية مظاهر، أو بقايا حيوانية، أو ظروف ستراتيجرافية. في كل موقع تم تجميع عينات معقولة من الأدوات والبقايا المختلفة.

 

في قلعة الحدادية، على بعد 20 كلم تقريباً من النيل، تمّ تسجيل موقعين ينتميان إلى الباليوليتي المبكر أو الأوسط. في كلا المكانين اللقيا الأكثر تواجداً تمثلت في نوع خاص من الرقائق، قصيرة وعريضة، البعد الأقصى (عادة بقشرة) كانت أكبر بصورة مميزة من القاعدة (التى غالباً ما تكون مسطحة، وبزاوية منفرجة) ومتعامدة مع اتجاه الضرب. المؤشر الوحيد على صناعة الأدوات تمثل في وجود تسنين غير متساوي، أو تحزيز مشذب بالنسبة لثلث الرقائق، لكن ذلك قد يكون بفعل صدفة طبيعية. المادة الخام كانت حجر رملي نوبي  داكن في المجموعة G.H.1 وفي واحدة من مجموعات الرقائق G.H.2؛ مجموعة ثانية من الرقائق (أكبر، ومتآكلة أكثر ومشذبة، مشيرة بالتإلى إلى تاريخ أقدم) صنعت من حجر رملى ذى لون فاتح أكثر. لم يتم الكشف (كما هو الحال في الموقع الأشولى القريب في خور أبوعنجة: Arkell,1949 عن أدوات ثنائية الوجه أو سواطير، والمظهر العام غير القياسى للصناعة لأن الموقعين كانا ورشة لصناعة الأدوات الحجرية) يجعل تحديد أصلهما الثقافي والكرونولوجى صعباً للغاية.

 

العديد من المواقع ذات المظهر الباليوليتى الأوسط وجدت بالقرب من النهر: سمبرا وأم أوشوش. صنعت المواد من شرت (صخر صوانى غير نقى) أصفر ناعم قطع من الصخور البارزة المحلية، وتتألف الأدوات من  المسننات، والمحززات وبعض المكاشط الجانبية؛ كل من السمة العامة للتقنية ونسب الأداة تذكرنا بالأدوات المسننة الموستيرية المميزة للنوبة السفلى Marks,1986:205-215، وغير السجل ختى الآن في السودان الأوسط. هذه البينة بدت لنا مقنعة في بداية الأمر، لكن هناك بعض المحاذير: المواقع وعينات الأدوات شحيحة للغاية، صخور الشرت البارزة طبيعياً في أشكال رقائق، وكان التشذيب دوماً - مشكوك فيه - غير منتظم. مع ذلك فقد قمنا بحذر بتصنيف الرقائق "الجيدة" - المتميزة عن الحرارية النقية بنقرها المنتفخ في اخدى حوافها - السمات الثقافية لتلك المنتجات لازالت بحاجة إلى مزيد من التوثيق.

 

موقع يًعتقد بأن إيبى باليوليتى تم الكشف عنه في خلال المسح مكانياً بين نقاط الكشف المشار اليها، لكنه أقرب إلى المجموعة الأقدم، بحوإلى 14 كيلومتر عن النهر، بالقرب من قرية الريحانة. المادة الخام تغيرت بصورة جذرية إلى بلور كوارتز صخرى شفاف، رغم وفرة الحجر الرملى النولى بكميات كبيرة في المنطقة المحيطة بالموقع. كانت اللقيا فقيرة من خيث الأدوات، وتألفت من أدوات هلالية الشكل، ومثاقب، وأمواس مسننة وبظهر، ورقائق مشذبة، كلها من الحجم الصغير. التقنية الفقيرة، المعتمدة على زقائق صغيرة أكثر من الأمواس، بالإضافة إلى نوع الصخر المستخدم، تذكرنا إلى حد ما نجنوعى "رقائق" الإيبى باليوليتى في أعلى نهر عطبرة، التى لزالت غير منشورة للأسف بإستثناء وصف مبدئى لها Elamin,1987:41-42; Marks et al.,1987:141-159. قليل من الفخارالشقوف المتآكلة كثيراً تم العثور عليها أيضاً - واحد من تلك الشقوف يحمل خطوطاً مضغوطة مزدوجة - سوياً مع قرصين مشظأين ومثقوبين، لكن منظر الموقع جد مختلف عن المواقع الميزوليتية، التى تغطيها عادة كميات كبيرة من الشقوف (لكن انظر Caneva and Marks,1990).

 

3- المواقع النيوليتية

تم العثور فقط على موقعين يرجع تاريخهما إلى العصر النيوليتى خلال المسح: وكان الموقعان قد تعرضا لتدمير بفعل نشاطات الحفر الحديثة. لم يتم الكشف إطلاقاً عن مواقع ميزوليتية في موسم العمل الميدانى هذا. المثير حقيقة، أن الموقعين مصطفان بموازاة النهر الحإلى مع موقع الحاج يوسف النيوليتى، الذى يعد من طور الشهيناب، المكتشف منعن طريق آركل في عام 1942، وتم التنقيب فيه حديثاً من جانب البعثة الأسبانية Fernandez et al.,1989.

 

يقع موقع أم دوم بالقرب من حفرةكبيرة وعميقة حديثة، وتألف الموقع من القليل من الشقوف هزاز مضغوط متناثرة على السطح. ويقع موقع سوبا، على بعد مئات الأمتار من الأطلال القروسطية والقرية الحالية، على منحدر صغير من الرمل والحصى (نفس نوع  الترسب في الحاج يوسف وأم دوم).

 

ورغم أن خمسين شقفاً أمكن جمعها، بعد تفتيش مكثف، فقد أثبتت أنها مثيرة للغاية. معظمها مطبوع بتقنية الهزاز (في حالة واحدة بالخطوط المنقطة المتموجة) المميزة لطور الشهيناب، لكن القليل منها أظهر نوعاً مغايراً من الزخرف: نقاط مطبوعة غير معقدة تشكل مثلثات، ومركب نقاط مطبوعة وخطوط محفورة، وشقف واحد فقط بشفة غليظة مزخرفة بالحفر والطبع. هذا المركب لسمات الزخرف القديمة والحديثة يبدو مميزاً للطور النيوليتى المتأخر، والمعروف حتى الآن في منطقة 200 كيلو متر إلى الجنوب من الخرطوم أساساً موقعربك Haaland,1987a ؛ و Haaland,1987b.

 

استنتاجات

مع أن المسح الذى نهضت به البعثة الأسبانية في موسم 1990 كان قصيراً، إلا أن الهدف الرئيس كان التعرف على المنطقة والشروع في الدراسة الجيولوجية والآثارية للضفة الشرقية للنهر، ويظهر أن النتيجة جاءت مثيرة وواعدة للبحث المستقبلي. باختصار كنا محظوظين بما يكفي للكشف عن مجموعة مواقع والتي مع أنها تبدو غير هامة ظاهرياً أو أنها مدمرة بفعل التعرية اللاحق، إلا أنها تغطى بعض الفراغات الآثارية القائمة بالنسبة للمنطقة بالنسبة للمرحلتين الباليوليتية والنيوليتية المتأخرة.

 

تم العثور على بعض البينات عن الوجود الإنساني في المنطقة في العصر الحجري القديم، بما في ذلك بقايا محتملة من الباليوليتي الأوسط والمتأخر والتي قد تضعف بجدية الفرضية القائمة القائلة بأن هذا الجزء من السودان الأوسط كان غير مأهول خلال القسم الأكبر من تلك الفترة، بخاصة في البليستوسين الختامي Clark,1980 ; Caneva and Marks,1990.

 

موقع سوبا هو الأول المكتشف في المنطقة المتصلة بمجموعة جبل مويَّة الجنوبية وينتمي على ما يبدو إلى المراحل الختامية  للعصر النيوليتى عندما كانت هنالك - كما افترض بإصرار -  هجرة من بيئة الخرطوم النيلية بين  5000 و 3000 قبل تاريخ اليوم (3000 و 100 ق.م. المترجم) Haaland,1987  و 1987b . خاصة الموقع غير المشكلة، والتى لايمكن تفسيرها كلياً بالتعرية و/أو الضرر الحديث، ناتجة في الأساس بفعل نمط الحياة البدوى الذى اتبعه السكان النيليون منذ أزمان النيوليتى المبكر وما تلاه Caneva,1988 .

 

ملاحظة لاحقة

بعض التصويبات لهذه الورقة أصبحت ممكنة قبل طباعتها النهائية، بفضل المعطيات الكثيرة من موسم 1992. لقد دهشنا كثيراً خلال الموسم الأول من غياب مواقع ميزوليتية، وهو ما يتناقض مع الكمية الهائلة من البقايا التى وجدت إلى الشمال من الخرطوم من جانب البعثة الإيطالية Caneva,1988 . يظل هذا صحيحاً فقط بالنسبة للمنطقة فيما بين الخرطوم بحرى وسوبا، لكن مباشرة إلى الجنوب من هذه النقطة بمجرى النيل إلى الشمال الشرقى في كلا ضفتى وادى سوبا، تتابع نستمر لمواقع ميزوليتية (لكل من الفخار المزخرف بخطو متموجة وبخطوط منقطة متموجة) تم تسجيلها في الموسم الميدانى الأخير. أما بالنسبة للبقايا الباليوليتية، فإن بختاً مكثفاً لمنطقة الصحراء لم يؤكد على الأهمية المفترضة سابقاً للبينة: لم يتم الكشف عن أية مواقع ترجع لأى من الفترات، وان التجميعالسطخى في قلعة الحدادية تتوافق غالباً مع ورشة مؤقتة لمجموعات متحركة.

 

المراجع

Arkell,A.J. 1949, The Old Stone Age in the Anglo-Egyptian Sudan, in: Sudan Antiquities Service Occasional Papers, 1, Khartoum

Caneva,I. (ed.) 1988, El Geili: The History of a Middle Nile Environment 7000 B.C.- A.D. 1500. Cambridge Monographs in African Archaeology 29, BAR Int.Series 424, Oxford.

Caneva,I. and A.E.Marks 1990, Prehistoric Surveys in the Upper Nile Valley: From Site to Region, in: 7th Int, Conference for Nubian Studies, Prepublications of Main Papers, Geneva (cf. Et.Nub. Geneve I, 1993,pp.61-78)

Clark,J.D., 1980, Human Populations and Cultural Adaptations in the Sahara and Nile during Prehistoric Times, in: M.A.J.Williams and H.Faure (eds.), The Sahara and the Nile (Quaternary Environments and Prehistoric Occupation in Norther Africa), Rotterdam (Balkema),pp. 527-582.

Elamin,Y.M. 1987, The Later Palaeolithic in Sudan in the Light of New Data from the Atbara, In: Nubian Culture, pp. 33-46.

Fernández,V.M. 1985a , Las técnicas de muestreo en prospección arqueológica. in: Revista de Investgación (C.U.Soria)9(3),pp.7-47.

Fernández,V.M. 1985b , La seriación automática en arqueología: introducctión histórica y aplicaciones, in: Trabajos de Prehistoria 42, pp.9-49.

Fernández V.M.,Jimeno,A, Menéndez, M, and Trancho,G. 1989 , The Neolithic Site of Haj Yusif (Central Sudan), in: Trabajos de Prehistoria 46, pp.261-269.

Haaland,R. 1987, Socio-Economic Differentiation in the Neolithic Sudan, Cambridge Monographs in African Archaeology 20, BAR Int.Series 350, Oxford.

Haaland,R. 1987a, Problems in the Mesolithic and Neolithic Culture-History in the Central Nile Valley, Sudan, in: Nubian Culture, pp. 47-74.

Marks,A.E. 1968, The Mousterian Industries of Nubia, in: Wendorf,F.(ed.), The Prehistory of Nubia, Fort Burgwin Research Center and SMU, Dallas, pp. 194-314.

Marks,A.E. Peters J, VanNeer W. 1987, Late Pleistocene and Early Holocene Occupations in the Upper Atbara River Valley, Sudan, in: A.E.Close(ed.), Prehistory of Arid North Africa (Essays in Honor of Fred Wendorf), Dallas (Southern Methodist University Press), pp. 137-161

Plog S. 1976, Relative Efficiencies of Sampling Techniques for Archaeological Survey, in: K.V.Flannery(ed.), The Early Mesoamerican Village, New York (Academic Press), pp. 136-158.

Redman C.L and P.J. Watson 1970, Systematic Intensive Surface Collection, in: American Antiquity 35, pp. 279-291.