إعادة اكتشاف الموقع الكوشي في النقعة، 1822-1996

كارلا كرويبر

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

تقع النقعة في وادي العواتيب الذى يبعد حوالي 150 كيلو متر إلى الشمال الشرقي من الخرطوم في البطانة (مركز شندي). موقعها بحوالي 38 كيلومتر إلى الشرق من الطريق المعبد الجديد الذى يربط الخرطوم بشندي (وما ورائها)، يجعل منها موقعاً يسهل الوصول إليه. رغم أن الموقع يقع في الصحراء، فإن المنطقة مرصعة بأشجار السنط، والشجيرات القصيرة، والحشائش بحيث يجد البدو المحليون علفاً كافياً لحيواناتهم، التى تتألف في معظمها من الخراف والماعز و، كميات أقل من الأبقار والجمال. بعد الأمطار الصيفية، في حال توفر مياه كافية، فإن المنطقة الواقعة إلى الغرب مباشرة من الموقع القديم تتم زراعتها من جانب السكان المحليين بالذرة، وهو النشاط الزراعي الوحيد الذى يمارس في المنطقة. لسوء الحظ فإن هذا المدى المحدود للنشاط يزحف على الموقع وفي الطرف الغربي للمدينة توجد بقايا جبانة تم تدميرها بفعل عمليات الحرث.

 

في المنطقة المجاورة مباشرة للنقعة توجد عدة آبار تحتوى على الماء، لكن في الموقع نفسه توجد بئر أكبر، والتي توفر حالياً الإمداد الأساسي بالماء بالنسبة للسكان. هذه البئر حفرت في عام 1904 بأمر من الحاكم العام حينها ف.ر. ونجت، ويبلغ عمقها حوالي 70 متراً مع نصف متر فقط لمياه ثابتة في القاع.

 

الموقع القديم ذو امتداد كبير ويمكن تقديره مبدئياً بحوالي 2.5 كيلومتر طولاً (من الشمال إلى الجنوب) وكيلومتر واحد عرضاً (من الشرق إلى الغرب). إضافة إلى الجبل، الذى يقوم المعبد F على سفحه والذى أجريت أعمال قلع الحجارة في قمته في الماضى، هناك بعض الجبال المسطحة بالقرب من الموقع والتى تظهر هى الأخرى آثار نشاطات من العصر المروي، الأهم من بينها جبل حردان. يمكن رؤية أعداد من "الحفائر"، التى تستخدم لتخزين المياه ولإعادة توزيعها في أوقات الضرورة، في النقعة وبالقرب منها وبمتد تاريخها من المرحلة المروية حتى الأزمان الحديثة.

 

كما سيتضح من التالي، لم تستكشف النقعة أبداً بصورة شاملة، لكن امتداد الأطلال على السطح عظيم. يمكن التعرف على بقايا على الأقل 13 معبد وبقايا لا حصر لها من المبانى الأخرى. تمت حتى الآن ملاحظة حفيرين وثلاث جبانات. التعرف على ما يقبع تحت الركام الهائل للأكوام الحجرية لا بدَّ وانه ينتظر أعمال التنقيب المستقبلية. كذلك إمتداد الموقع مع إمكان وجود سور للمدينة لم يتم بعد التأكد منه بموثوقية.

 

السمات الأكثر بروزاً في الموقع هى عدة معابد في حالات محافظة متفاوتة. معبد الأسد المحتفظ بسلامته، شيد حوإلى 15 ق.م.-15 ميلادية من جانب الملكة أمانى تارى والملك نتكامانى، وكرس للإله أبادماك الممثل برأس أسد ويمكن عده معبداً نموذجياً أُحادى الصالة وفق التقليد المروي. بعض نقوش الزخرف البارزة غير العادية على جدران هذا المعبد، مثل تصوير الإله الأسد بأربع أيدي وبثلاث رؤوس، سحرت العديد من الزوار وقادت إلى سلسلة من التفسيرات.

 

معبد آمون الأكبر، شيد هو الآخر من جانب أمانى تارى ونتكامانى، وارتبط هنا بابنهما أريكا شاتانى، يعكس تقاليد مصرية أكثر تجلياً في خارطته المعمارية ومنظومة الزخرف. يتكون من معبد رئيس وضعت أمامه ستة كباش تتجه إلى الداخل، يليها كشك صغير وجدت أمامه في الأصل ستة كباش أخرى موضوعة على أعمدة أو قواعد. من المعبد الرئيس بقيت فقط الأبواب المشيدة بالحجر الرملي؛ بقية الجدران، المشيدة بالطوب المحروق، قد انهارت. يشير مخطط الزخرف البارز على العتبات وعلى عضادات الأبواب إلى فصل بين الجانب الأيمن الذى يصور الملكة مع الإله آمون، والجانب الأيسر الذى يصور الملك. صُور آمون بشكل إنسانى وكذلك بشكل رأس كبش.

 

الاسم القديم للموقع "تولكته" (توجلكت) معروف لنا من النقوش. تلك النقوش حفظت جزئياً، على بوابة مدخل معبد الأسد و في معبد آمون حيث ارتبطت باسم آمون. الاسم يوجد إحتمالاً منذ أيام أسبق، في القرن الثالث ق.م. في نقش في معبد الأسد بالمصورات الصفراء حيث ذكر أبادماك بوصفه سيد "توجلكت".

 

تاريخ الموقع

من المدهش أنه ومع كبر حجم الموقع، لم يقم أحد بزيارة النقعة قبل القرن التاسع عشر. وصل جيمس بروس، الذى بحث عن منبع النيل، وزار في عام 1769 منطقة شندي، الواقعة فقط على بعد 40 كيلومتر إلى الشمال من النقعة، لكنه لم يزر النقعة. إلا أنه استمر مع ذلك إلى الشمال ليكتشف مروي (المدينة الملكية في كبوشية- أركامانى).

 

 فقط في عام 1822 وصل أول أوربي معروف لنا إلى النقعة. لويس-موريس-ادولفي-لينان دى بلفوند الذى عاش منذ سن الثامنة عشرة في القاهرة، وعمل بداية في مشاريع هندسية، ووافق مؤخراً على قبول وظيفة رسام. بهذه الصفة الأخيرة وردّ ذكره في عمل جورج وادنجتون وبرنارد هانبري في عام 1822، حيث يذكر "بالنسبة للصورة المواجهة لعنوان الكتاب فإنني أدين بالفضل إلى م. لينان فنان فرنسي كان مقيماً حينها في القاهرة؛ ذلك الجنتلمان قام أيضاً، لكوني رسام ردئ، بإدخال تعديلات على لوحتين أو ثلاث أخرى".

 

سافر لينان دى بلفوند للمرة الأولى رساماً مع وليام بانكس إلى وادي حلفا، وهو حينها يبلغ من العمر 22 سنة. وبتوجيه من بانكس وبتمويل منه، وصل بلفوند إلى شندي والمصورات الصفراء في فبراير من عام 1822. برغم تحذيرات دليله وترجمانه "محمد"، الذى كان ايطالياً في واقع الأمر، أصر لينان على مواصلة ترحاله وزار موقع النقعة الذى وصل إليه في يوم 28 فبراير. طبقاً لوصفه وصل فريقه قبيل ساعة من غروب الشمس ولحماية أنفسهم من البدو الثائرين عسكروا داخل معبد الأسد. أصر دليله الترجمان، بفعل خوفه من الشكل المنقوش لرجل يحمل سلاحاً على البوابة الضخمة من الخارج (الملك يقتل أعداءً)، أن يطلق لينان نار بندقيته على الشكل. لحسن الحظ قُوبل هذا الطلب بالرفض نسبة للخطر المتمثل في أن يجذب صوت الرصاص البدو العدائيين، واكتفي محمد بتوجيه ضربة إلى وجه الشكل بالسيف.

 

يعطي لينان في مذكراته وصفاً للموقع، بخاصة النقوش البارزة لمعبد الأسد، والتي رسمها شاملاً مناظر واجهة البوابة الضخمة الشمالية، والجانب الخارجي للجدار الغربي والجانب الغربي للجدار الشمالي. أضيف إلى هذا رسماً لمعبد الأسد يعطيه شكلاً مثالياً وللكشك المواجهة له. وكان عدم تمكنه من إكمال تسجيل الوجه الخارجي لجدران معبد الأسد بسبب اقتراب أربعة أعراب مسلحين على صهوات جيادهم وطاردوه هو ودليله (وكانا على جملين) لمسافة ولم يستطيع الأعراب اللحاق بهما. هكذا بعد قضاء ثلاثة أيام مثمرة في النقعة وصلا إلى شندي بسلام.

 

استمر لينان دى بلفوند في سنوات قابلة يشارك ضمن بعثات أخرى إلى السودان، وقام بدور في تخطيط قنال السويس في مصر وبقي هناك حتى وفاته في عام 1833 بالقاهرة. للأسف فإن دفتر يومياته ورسومه بقيت لزمن طويل تنتظر النشر (1958) بحيث أن عمل مواطن فرنسي آخر، كايو، أصبح فعلياً أول عمل منشور قدم معلومات عن النقعة، إلى جانب عديدة أخرى، وتوفر للجمهور.

 

في الرابع عشر من مارس 1822، قابل لينان دى بلفوند وهو في شندي، فردريك كايو (المتخصص بعلم المعادن)، الذى كانت له بعض خبرة آثارية بفضل عمله مع دروفتي في مصر. شرع كايو، بفعل تشجيع ونصيحة من لينان، في رحلة إلى جبل حردان برفقة دليلين وخادمين. وصل إلى النقعة في الثاني والعشرين من مارس وبقي في الموقع لمدة أربعة أيام فقط نسبة لمشكلة الماء. تعد إنجازاته في هذه الأيام الأربعة مذهلة. أنتج أول خريطة طبوغرافية للموقع، وخريطة لكل من معبد الأسد ومعبد آمون، والكشك، والمعبد F ومعبد آخر إلى الجنوب الشرقي. أنتج أيضاً رسوم تخطيطية للنقوش البارزة على البوابة الضخمة وعلى الجدارين الجنوبي والغربي ومنظرين عامين لمعبد الأسد. كان أكثر حظاً فيما يتعلق بالنشر من لينان دى بلفوند، ذلك انه مباشرة في عام 1823 ظهر المجلد الأول للوحات في باريس بعنوان مطول

Voyage a Méroé au fleuve blanc, au dela de Fâzoql dans le midi du Royaume de Sennâr, a Syouah et dans cinq autres oasis; fait dans les années 1819, 1820,1821 et  1822, par M.Frédéric Cailliaud de Nantes

لتعقبه ثلاثة مجلدات في 1926- 1827. يمكن للمرء أن يتفق مع بادج، الذى أثنى على عمل كايو بوصفه واحداً من أهم الإسهامات في علم آثار السودان.

 

في الثالث من مارس 1829، زار اللورد بيرسي، بارون برودو الأول، دوق نورثومبرلاند، النقعة (وادي العواتيب كما أسماها) سوياً مع الميجور اورلاندو فيلكس الذى أنتج رسوم للموقع بخاصة معبد الأسد. المؤسف أن تلك تم نشرها جزئياً من قبل والريت وزيبليوس. كان الميجور اورلاندو الزائر الأول الذى حاول إدخال صور من النقوش في رسومه. الرسوم موجودة في مجموعة الن ويك كاسل، لكن بعض النسخ انتقلت من ملكية جيمس بورتون إلى المتحف البريطاني.

 

أحبط الكسندر هوسكنس ولم يتمكن من تحقيق رغبته في زيارة النقعة (التى أسماها مصورات نقعة) في مارس 1833 كان قد قرر محاولة تنفيذ الرحلة، رغم النصيحة التى أسديت له بعدم تنفيذها دون أن يصطحب معه عدداً كبيراً من الحراس لكثرة عدد الأسود في المنطقة. على كل، عندما رفض الرسام المرافق له مرافقته عدل عن رغبته.

 

الجدير بالملاحظة أن هوسكنس يذكر في عمله (1835، 111- 115) احتمال وجود قناة، تمتد من النيل إلى النقعة أو المصورات. هذه الفكرة كان قد تبناها بعض الكتاب في وقت ما؛ على كلٍ، كما أشار هنكل، فإن النيل في ودبانقا يقع تقريباً 360 م فوق سطح البحر، في حين أن الارتفاع الذى تم قياسه عند منزل الخفير في النقعة بلغ 420 م، أي فرق 60 م!

 

مستكشف آخر زار النقعة في القرن التاسع عشر كان هو جيوسيبي فرليني، الذى جاء إلى السودان طبيباً في الجيش المصري. في عام 1934 أخذ عطلة بهدف البحث عن الآثار في منطقة مروي. في العاشر من أغسطس 1934، طبقاً لدفتر يومياته، بدأ هو وستيفاني مسيرتهما من ودبانقا سيراً على الأقدام ووصلا النقعة بعد ثمان ساعات. ويذكر أنهما اتخذا احتياطاتهما ضد الأسود التى تجول في المنطقة. ويصف معبداً جميلاً، غطى من الخارج بالنقوش، ويذكر بأن المعبد غطي نصفياً بالرمال. بعد إزالة الرمال يستمر فيرليني ليقول بأنه أزال أيضاً الرمال من الجانب الشرقي سعياً للكشف عن مدخل لكنه لم يوفق. من ثم يفيدنا بأنه حاول الدخول إلى المعبد من أعلى، لكنه اضطر لهجر العمل ذلك انه، في تلك الفترة، كانت معظم الجمال قد ماتت ووقع العمال أسرى المرض. فرض على الفريق ان يتراجع إلى النيل عند ودبانقا. الجزء المربك حول روايته هو أن معبد الأسد من بين كل مباني النقعة يتطابق مع وصفه، لكن كما يتضح من الوصف أعلاه من قبل الزوار المبكرين واللاحقين، كان معبد الأسد دوماً مكشوفاً. قد يتعجب المرء عما إذا كانت نشاطات فرليني في الواقع في موقع آخر، بخاصة أن أسماء النقعة، والمصورات الصفراء، وودبانقا لم يك التمييز بينها بذلك الوضوح  في تلك الفترة.

 

في وقت متأخر من عام 1835، تقريباً في نفس وقت زيارة نفذها كل من السير ج.جاردنر ويلكنسون وجيمس بورتون، قام الرسام شارلس جلاير بتنفيذ بعض الرسوم الملونة والرسوم التخطيطية في الموقع. لم يقم روسيجر خلال رحلته إلى السودان بزيارة النقعة لكنه، بالرجوع إلى تقارير آخرين، كانت له وجهة نظر تقول بأن تاريخ النقعة لا يمكن أن يكون قبل الفترة البطلمية وقدر بأن معبد الأسد لا بدَّ وان يؤرخ بالعقد الأخير ق.م. كما ناقش الأسماء المختلفة التى استخدمها الرحالة المختلفون بالنسبة للنقعة.

 

زار كل من بوكلر- موسكاو و هولرويد النقعة (التى أسماها اوفاتيب) في السادس والعشرين من أبريل 1837. كان بوكلر- موسكاو أول شخص ذكر أسد جالس بلا رأس في الطرف الشمالي للموقع. ووصف المعبد، الذى بنته شناكداخيتي، ومعبد آمون ومعبد الأسد الذى يذكر عنه، للدهشة، أنه غير مزخرف من الداخل، وهو ما لا يتطابق مع الواقع. يرد الكشك في وصفه بصورة غير جيدة وتعرض له كمثال للتدهور النهائي للأسلوب والتركيب الكلاسيكي. احتمال أن يكون ذلك هو سبب اختيار بوكلر له لحفر اسمه على جدرانه، لإحساسه بأن المرء قد لا يكون تسبب في تدمير لمثل هذا المبنى بحفر اسمه عليه.

 

واحدة من البعثات الأكثر تجهيزاً إلى مصر، والسودان، وسيناء كانت بقيادة ريتشارد لبيسيوس وكان قد تم إرسالها من قبل ملك بروسيا فردريش فيلهلم الرابع، ووصلت إلى الإسكندرية في الثامن عشر من سبتمبر 1842. كان هدفها المعلن هو تسجيل كل الصروح المتوفرة التى يمكن رؤيتها، وتنقيب وجمع "الآثار الجميلة واللافتة للانتباه من الفترة الفرعونية وجلبها كمقتنيات إلى متحف قلعة مونبيجو في برلين". كانت قلعة مونبيجو في تلك الفترة مستودعاً للمجموعة الضخمة للآثار المصرية الخاصة بـ ج. باسالاكوا، والتي تم اقتناءها بمزاد في باريس في عام 1827. مع تلك القطع جاء باسالاكوا بنفسه كأول أمين للمجموعة المصرية في متحف برلين.

 

في الأول من فبراير 1844، وصل لبسيوس سوياً مع الرسام ماكس فايدنباخ والمهندس المعماري اركام إلى النقعة وتقدموا في اليوم التالي إلى المصورات. وسافر لبسيوس وآخرون إلى سوبا وسنار، لكن الفريق (فايدنباخ، واربكام، وفرانكى) عادوا أدراجهم إلى "جزيرة مروي". حمل اربكام معه كتاب صور يحتوي على نسخ من رسوم كايو، والذى استخدمه للمقارنة والتصحيح في الموقع. وأنتج أيضاً خريطة طبوغرافية للموقع، والتي شملت الحفائر ومعبد الحفير، وتعديلات أساسية لخرائط المعابد بالإضافة إلى تخريط العديد من المباني الظاهرة على السطح. وأنتج فايدنباخ رسوم للنقوش البارزة في معبدي آمون والأسد، والتي شملت كل النقوش المرئية. لاحظ لبسيوس، بفضل اهتمامه الخاص بالهيروغليفات، أن كل من معبد الأسد ومعبد آمون شيدا من قبل الملك والملكة نفسهما، لكن رافقهما في كل معبد من المعبدين ابن مختلف.

 

العمل الناتج،Denkmaeler aus Äegypten und Aethiopien nach den zeichnungen der von seiner majestät dem Koenige von Preussen Friedrich Wilhelm IV nach diesen ländern gesendeten und in den jahren 1842- 1845 ausgeführten wissenschatlichen Expedition, نشر في برلين في عام 1959 ويتألف من 12 مجلد تحتوي على حوالي 900 لوحة توضيحية. الـ LD، كما يكتب اختصار هذا العمل، لازال عملاً أساسياً بالنسبة لعلم الدراسات المصرية القديمة المعاصر. العديد من الآثار التى سجلت ونشرت في الـ LD اختفت كلياً أو تغيرت بصورة جوهرية منذ ذلك الحين بفعل ظروف مختلفة. في حالة النقعة اشتملت اللوحات في الـ LD، خلافاً لمعبد الأسد،  الرسوم الوحيدة المتوفرة حتى الآن للموقع.

 

بعد بعثة لبسيوس تناقص عدد الزوار إلى النقعة خلال القرن التاسع عشر. من بين أولئك الذين نفذوا رحلة إلى النقعة، والتي سماها أرراتا، كان تريماو الذى يقدم وصفاً لمعبد الأسد في يناير من عام 1848.

 

زار ي.أ. واليس بادج النقعة، فيعام 1903، ويعطي وصفاً مطولاً للموقع مع خرائط ورسوم ويقرأ كذلك، للمرة الأولى، اسم الأمير في معبد آمون Budge,1907, I 321, 325-327; II 131-139. وكان هو الأول أيضاً الذى تعرف على بناة كل من معبد آمون ومعبد الأسد، والذين أسماهما أمينتاري ونتكامن، رغم أن تاريخ البناء كما أعطاه "احتمالاً في القرن الثاني-الثالث م."، لم يك صحيحاً. احتوى عمله على واحدة من أقدم الصور الفوتوغرافية للكشك.

 

وصلت بعثة جيمس هنري برستد الكبيرة لنسخ النقوش التاريخية، باستخدام التصوير الفوتوغرافي كجزء من أساليب التوثيق، إلى النقعة في عام 1906. رافقه نورمان دى جاريس دافيز والمصور الفوتوغرافي شليفاك، الذى حفر اسمه إلى جانب اسم بوكلر- موسكاو في الكشك وسجل تاريخ الحفر 1906. بالإضافة إلى النوعية الرائعة للصور الفوتوغرافية للنقعة فإنها تعد وثائق تاريخية ذات قيمة خاصة اليوم بالنسبة لتحديد حجم التبدل في الموقع من حيث النبات والرمال المتحركة وتعرية الحجر الرملي.

 

في عام 1909، تحصل معهد الآثار بجامعة ليفربول على تصديق بالعمل في موقع مروي (المدينة الملكية بكبوشية) بقيادة جون جارستانج، وكان جريفيث منشغلاً بتسجيل النقوش المروية بين سوبا وفيلة. لهذا الغرض فقد قضى بعض الوقت في النقعة في عام 1910. في الدراسة التى مثلت نتاج هذا الجهد اتفق جريفيث مع بادج فيما يتعلق باسمي الملك والملكة الذين شيدا المعبدين الأساسيين في النقعة، معبد آمون ومعبد الأسد، وقرأ أيضاً أسماء الآلهة على جدران معبد الأسد.

 

كانت بعثة البطانة، التى شكلها معهد الدراسات المصرية القديمة في جامعة همبولد ببرلين في عام 1957/1958، برئاسة ف. هنتزا ذات هدف محدد أعلن عنه في التقرير المبدئي " القيام باستقصاء آثاري شامل لمنطقة "جزيرة مروي" القديمة التى تقع في المثلث بين نهر عطبرة، والنيل، والطريق بين الخرطوم وكسلا" Hintze 1959, 171. تم في التقرير وصف الآثار في النقعة كما وأجرى التنقيب في مقبرة من مقابر الجبانة الواقعة إلى الجنوب من معبد آمون. تم نسخ باستخدام أسلوب الطبع على لاتكس النقوش في معبد آمون ومعبد الأسد وتعرف هنتزا على أن من شيد المعبد F  شناكداخيتي، كانت ملكة وليس ملكاً كما ساد الاعتقاد سابقاً.

 

في عام 1978، قرر أ.ج. فاليرت، و ك. زيبليوس، وج. برنكس، كجزء من Tübinger Atlas des Vorderen Orients، القيام بتسجيل، كما يقولون، "بمثال جيد لمعبد أُحادي الصالة، وقررنا أن يكون ذلك هو معبد الأسد بوصفه المعبد المروى الأفضل من حيث المحافظة عموماً". حتى ذلك الوقت لم يكن قد تم إحراز تقدم بعد طالما أن تسجيل النقوش البارزة من قبل لبسيوس كان قبل حوالي 120 سنة مضت. خلال فترتي إقامة في النقعة في عامي 1978 و1980، تم تسجيل النقوش البارزة، والنقوش، وأيضاً إلى حد ما المعمار وتم نشرها بروعة في أربعة مجلدات في عام 1983.

 

رغم أن الموقع قد تمت زيارته من قبل العديدين بين 1980 و 1995 فإنه لم يتم إجراء أية أعمال. على مدى السنوات جعلت العديد من العناصر (بما في ذلك الطريق الجديد الذى شيد في السنوات القليلة الماضية) من الضرورة تنفيذ تسجيل علمي وحماية، بالإضافة إلى، تطوير الموقع. جمال الموقع وتفرده بالإضافة إلى إمكانياته الكامنة بالنسبة للدراسات العلمية،  دفع بمدير المتحف المصري في برلين، البروفسور فيلدونج، إلى تقديم طلب إلى الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية للتصديق له بالعمل في الموقع.

 

مشروع النقعة الآثاري للمتحف المصري في برلين، الممول كلياً من مؤسسة البحث العلمي الألمانية (Deutsche Forschungsgemeinschaft) بدأ موسمه الأول للعمل الميداني في يناير- مارس 1995 وتبعه موسم ثانٍ استمر من نوفمبر 1995 حتى فبراير 1996. ونسبة لكبر حجم الموقع فإن مشروعاً طويل المدى قد خطط وفق الأهداف التالية:

 

في الموسمين الأول والثاني شكل إجراء تسجيل المباني السطحية أحد الاعتبارات الأساسية وتنفيذ خريطة طبوغرافية جديدة لتحل (نهائياً) محل خريطة لبسيوس المؤرخة منذ عام 1845. العمل جاري حالياً في كل من التسجيل بالنسبة للجدران السطحية وإنشاء الخريطة الطبوغرافية. الخريطة الطبوغرافية الجديدة، رغم عدم اكتمالها بعد، أظهرت بالفعل العديد من التضاربات بالنسبة لموقع  عدد من المباني واتجاهاتها عندما تقارن مع خريطة لبسيوس. يشير التسجيل السطحي، والقريب من السطح لمنطقة "المدينة" في الجزء الشمالي والغربي للجانب وجود جدران صلدة ضخمة تمتد إلى مسافات بعيدة مشيرة احتمالاً إلى وجود سور خارجي للمدينة.

 

هدف أساسي آخر في الموسمين الأولين هو تنظيف معبد آمون من الرمال التى سببتها الرياح ومعبد الأسد من الصخور المنهارة. كلا المهمتين، رغم عدم اكتمالها بعد، أدت إلى اكتشافات  ومظاهر مذهلة. سلم معبد آمون، والذي اعتقد بأنه يتألف من درجات تقود إلى الستة كباش الأولى أمام الكشك (وفقاً لرسم لبسيوس)، هو بالفعل سلم مغطى بالرمال التى تصل إلى أعلى كسوة الحجارة في الجانبين. ورغم عدم مشاهدتها في البداية، لدى إزالة الرمال من حول صفي (كل صف من ستة كباش) قواعد الكباش، يظهر أن كل الـ 12 كبش مشهودة، بعضها منشطر إلى نصفين، أخرى تكسرت ودفنت تحت الرمال.

 

لدى الكشف عن أجزاء من الجدار الخارجي للمعبد، وجد كبش جانبي في الجانب الشمالي. طالما أن النشاط الاحتفالي الطقوسي كان بالتأكيد يتم بامتداد محور المعبد فان وظيفة السلم الجانبي لا بدَّ من استقصائها. هذا الحجر تم استخدامه ساعة شمسية وكل من الواجهة المخروطية الشكل، والخلفية المسطحة، معلمة باثني عشرة خطاً لقراءة الوقت في اليوم.

 

كتل الحجارة الساقطة التى تتناثر داخل معبد الأسد تمت إزالتها في الموسم الماضي وتم تنظيف الجزء الوسطي للمعبد حتى الأرضية الأصلية (؟). هذه الأرضية لم يسبق الكشف عنها، بالإضافة إلى بقايا أربعة أعمدة، وكتل قواعد احتمالاً لضريح خشبي. عثر أيضاً في معبد الأسد على العديد من الموضوعات المتميزة بما في ذلك مائدتي قرابين مزخرفتين ورقاقتين للتزيين من الفايانس، إحداها مزخرفة بشكل رجل راكع في حالة صلاة، وثانيتها مزخرفة بنمر مزركش.

 

كما ذكر أعلاه، فإن الموسمين الأولين في النقعة كرسا ليكونا استكشافيين ووجها ليخدما قاعدة لوضع خطط عملنا المستقبلي بتفصيل أكبر. على كلٍ، فإن هذين الموسمين أظهرا أن حجم العمل المتوقع في هذا الموقع الكبير لا بدَّ من أن يعوض بتقدم في المعرفة الخاصة بالثقافة، والدين، والمجتمع المروي ككل.

 

Linant de Bellefonds L.M.A 1958, Journal d'un voyage à Méroé dans les années 1821 et 1822.

 

M Shinnie (ed.) Sudan Antiquities Service Occasional Papers No. 4, Khartoum.

 

Budge E.A.W 1907, The Egyptian Sudan, London

 

Cailliaud F, 1823, Voyage a Méroé au fleuve blanc, au dela de Fâzoql dans le midi du Royaume de Sennâr, a Syouah et dans cinq autres oasis; fait dans les années 1819, 1820,1821 et 1822. Nantes.

 

Hoskins G.A. 1835, Travels in Ethiopia. London.

 

Hintze F, 1959, "Preliminary Report of the Butana Expedition, 1958", Kush 7, 171-196.

 

Lepsius C.R. 1859, Denkmaeler aus Äegypten und Aethiopien nach den zeichnungen der von seiner majestät dem Koenige von Preussen Friedrich Wilhelm IV nach diesen ländern gesendeten und in den jahren 1842- 1845 ausgeführten wissenschatlichen Expedition. Berlin.

 

Waddington G and Hanbury B 1822, Journal of a visit to some parts of Ethiopia, London.