ملاحظات حول

إشكالية الانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي

- العلاقة بين الصحراء ووادي النيل السوداني وشرق أفريقيا في الهولوسين -

أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 مشروع بحثي نحو تأصيل افريقى للحضارة الشماليَّة هل يعود أصل السودانيين إلى المنابع الجنوبية؟ جوانب من إشكالات الواقع التاريخى المطمور تحت الظل الكثيف الذى نشرته أبحاث علماء المصريولوجيا على إعادة تركيب تاريخنا الكوشي القديم، وذلك بإشارته إلى حقيقة أن "علاقات السودان بأهله الأفارقة ظلت مجهولة وممنوعة، وفات على ساسته ما يربطهم بحضارات أفريقيا الغربية من جذور راسخة، وما يشدهم بالدم والتاريخ الواحد إلى حضارات البانتو النابعة من بحيرات النيل في أعماق القارة. وباتت الملامح الرئيسة للسودانيين المدفونة في بعانخى (بـيَّا) وتهارقا، ملوك النيل وفراعنته القدماء يتغاضى أحفادهم عن أفريقيتها الصارخة، يحسبونها إرثاً منقطعاً. وما هكذا يتعامل شعب حضاري مع أصوله التكوينية. ولكنها الحاجة المرفوضة لتوسيع البحث العلمي بكافة فروعه ومناهجه الممحصة للكشف عن حقائق الدم الواحد والأصل الواحد والتاريخ المشترك وإعداد الحاضر القائم لاستحضار المستقبل الواعد بأمة سودانية افريقية موحدة".

 

استجابة لدعوة الأخ د. محجوب بأن الوقت قد حان لتفصيل هذه الأفكار ودفعها للبحث والبرمجة، تدعو أركامانى الزملاء من علماء الآثار والأنثروبولوجيا السودانيين للانخراط في هذا المشروع. أثار ويليام آدمز عدداً من "التصورات" المطروحة عن حقيقة كوش وتاريخها الثقافي وتركيبها الاثني: "النوبيون بوصفهم مصريبن دونيين؛ النوبيون بوصفهم متوحشين نبلاء؛ النوبيون بوصفهم أصل المدنية؛ النوبيون بوصفهم متفردين ثقافياً؛ النوبيون بوصفهم عرباً؛ تلك هى الخيارات المقدمة لنا من جانب النماذج المختلفة لتاريخهم. واضح أنه لا يمكن الموائمة بينها في نموذج تاريخى واحد، ذلك أنها جزئياً متناقضة. كيف لنا إذن الاختيار من بينهاـ وهل نستطيع؟"

 

حالياً لا يسعني إلا أن أشير إلى ورقة- دفعتني ملاحظات الأخ د. محجوب التيجاني للشروع في كتابتها- وآمل أن أتمكن من استكمالها ونشرها على صفحات أركامانى إثراءً للحوار. يتركز موضوع هذه الورقة على بداية إنتاج الطعام وهو موضوع أثبت بصورة متزايدة أنه يمثل أحد أهم المحاور في علم الآثار الأفريقي. إنه مهم في حد ذاته نسبة للأنظمة الجغرافية المختلفة، والظروف المناخية القديمة، والتطورات التقنية التى تطوقها. على كل، إذا كان للمرء أن يتقبل الفرضيَّة القائلة بأن المجتمعات المعاصرة تمتد جذورها إلى تلك المرحلة التاريخية فإنَّ إنتاج الطعام أشد أهمية لعلاقته وتأثيره على الأحداث والتطورات الأفريقية المعاصرة.

 

رغم أن هناك اتفاق حول حقيقة أن ظروف العصر الحجري الحديث (النيوليتى) تتوافق غالباً مع تحول اقتصادي للمجتمعات ما قبل التاريخية، ورغم أنَّ العديد من الباحثين يشددون على صعوبة إدراك واختبار الطبيعة المحددة للمحتوى الاقتصادي آثارياً، فإنهم يحسون بقدر من التحرر في استخدام مصطلح "النيوليتى" جاعلينه يعتمد فقط على سمات معينة (في الأساس الفخار). يبدو لنا، كمنطلق لهذه الورقة، من الضرورة التشديد ليس فقط على التطورات التقنية، لكن قبل كل شئ، على التحولات الاقتصادية والاجتماعية التى شهدتها مجتمعات وادي النيل والصحراء وشرق أفريقيا خلال الهولوسين.

 

شهدت الصحراء، فقط في حالات استثنائية، نمواً مدينياً، كما هو مشهود في المناطق الأفريقية الأخرى، ذلك بفعل ظروف الصحراء المناخية. كانت واحات الصحراء هي المراكز التقليدية للتجارة والتبادل الذى استمر حتى يومنا. على أية حال فإن البحث الجاري يشير إلى أنَّ الصحراء كانت البؤرة الأصيلة لتطور ثقافة تعتمد الرعي أساساً لها، وهو تحول ترك تأثيرات أساسية على مجمل مسار تاريخ القارة الأفريقية. لقد تم توثيق الاقتصاد الإنتاجي الرعوي، جنباً إلى جنب مع استغلال الحبوب البرية في الصحراء بدءاً من منتصف الهولوسين، مع بعض البينات التى يرجع تاريخها إلى حوالي 10.000 سنة مضت. في الواقع، يمكن افتراض أن نموذجاً واضحاً ومتعمداً لاستغلال البيئة، مع وسائل أساسيَّة لمراكمة الموارد، يمكن التعرف عليه في فترة أسبق، في حوالي 18.000 سنة مضت، في كوش.

 

أوضح البحث الجاري في السنوات الأخيرة كيف أنه، في نهاية البليستوسين، شهدت المجموعات الإنسانية في شمال أفريقيا وبيئاتهم الجغرافية تحولات مركبة. في هذه الورقة سيتم التشديد على هذا التغير والطرق التى تم بها وتاريخ وقوعه. صورة لأفق أول، يمكن ملاحظة نشاطات قبل تدجينية في الأطوار المبكرة للهولوسين، عندما كانت الصحراء ووادي النيل تؤلفان نظاماً إيكولوجياً واحداً. شملت الإستراتيجية الاقتصادية للجماعات استخدام سلسلة من التقنيات، جاعلة استغلال البيئة أكثر فاعلية: الصيد، وجمع النباتات، وصيد الأسماك. في وقت متزامن مع هذا بدأت في البيئات الأكثر جفافاً مثل الصحراء الغربية أولى تجارب رعى الأبقار التى قادت إلى أن تصبح الأبقار المصدر الرئيس للبروتين، ساحبة هذا الدور من الأسماك. في هذا الوقت كان هناك مصدران لهما القدر المعلى بالنسبة لنمو الجماعات الإنسانية- الماء ووفرة الحبوب البرية.

 

لا تسعى الورقة المقدمة إلى تتبع التجارب الحذرة لإنتاج الطعام في الصحراء ولإبراز تأثيرات تلك التجارب على مخرجات الهولوسين الأوسط. إلا أن الورقة تنطلق من فرضيَّة أنه بالرغم من أن تلك التجارب لم تفض إلى تأسيس اقتصاد زراعي في الصحراء فإنها سمحت بنقل الخبرة إلى وادي النيل، وأثرت على الثقافات النيوليتية  المحلية (الفيوم A ، والبدارى، ونقادة). من ثم فإن إعادة التركيب للثقافات النوبية الميزوليتية النيوليتية في هذه الورقة هي صحراوية- أفريقية، أي أنها إعادة تركيب تبتعد عن التحليلات التى قدمها علماء المصريولوجيا لدى مناقشاتهم للثقافات النيوليتية  في مصر وكوش.

 

شملت أعمال الإنقاذ التى ارتبطت بخزان أسوان "السد العالي" منذ بداية الستينات استكشافا مكثفاً لكوش ومصر العليا. ألقى ذلك الضوء على التطور الثقافي للمنطقة في الفترة بين 19.000 و 12.000 من تاريخ اليوم. في هذه الفترة التى تميزت بمناخ شديد القسوة والجفاف، شهدت الإقامة الإنسانية في شمال أفريقيا تناقصاً ملحوظاً. انحصرت الإقامة في شريط بمحاذاة الساحل الشمالي وعلى ضفتي النيل. لهذا السبب فإن المعطيات من وادي النيل تمثل أهمية كبرى، بوصفها البينة الوحيدة، إلى جانب البينة من المغرب وليبيا، لتوثيق أنماط الحياة في العصر الباليوليتي المتأخر. فالمعطيات الآثارية  التى يرجع تاريخها لفترة الهولوسين المبكر في شمال أفريقيا، تحديداً في المغرب، إلى أن السكان الإيبيريين- الموريتانيين من نوع إنسان مشتا العربي، كانوا هم السكان الوحيدين في المنطقة خلال تلك الأزمان. وكان إنسان مشتا العربي، احتمالا، فرعاً من سكان أفريقيين عمروا شمال أفريقيا والصحراء ووادي النيل وشرق أفريقيا. ويحتمل أن يكون هؤلاء هم المسئولون، جزئياً، عن عودة الإقامة مجدداً في الصحراء الشمالية بعد مرحلة الجفاف ما بعد العتيرية.

 

تتناول الورقة بالدراسة أحدث النتائج التى تم التوصل لها في العشرين سنة الماضية والتي تلقى الجديد من الأضواء على تاريخ وادي النيل الكوشي والصحراء الغربية في مرحلة العصر الحجري القديم الأوسط وتشدد على وصف مواقع ثقافات المرحلة المعنية (أرقين، وخور موسى والحلفاوية في وادي النيل الكوشي، ولوميمبا في كينيا، وكهف الضبعة في الجبل الأخضر والعاترية في بئر العاتر بالجزائر).

 

وتسعى الورقة إلى اختبار فرضية بحثية تتلخص في أنه لا يمكننا عزل تطور الصناعات الحجريَّة في كوش عن الأحداث الجارية حينها في الصحراء أو في الإقليم الشمالي لوادي النيل أو في شرق القارة. إنه على امتداد المنطقة باستثناء ساحل البحر الأبيض المتوسط، اعتمدت طبيعة مواقع إقامة الإنسان وتوزيعها على الظروف البيئية المتغيرة. يمكن رؤية تجليات هذا الاعتماد في التوقف الذى أصاب عملية الإقامة في جزء كبير من الصحراء أثناء مرحلة الجفاف التى أعقبت ازدهار الصناعة الحجرية المعروفة باسم العاترية، والتمركز الكثيف لمواقع الإقامة على ضفتي النيل. كذلك هناك التطور لسلسلة من الإبداعات واسعة الانتشار في وقت مبكر للغاية، وهى إبداعات ارتبطت بالسعي إلى زيادة طاقة إنتاج الطعام من البيئة الطبيعية. وقد ارتبطت تلك التطورات ارتباطا وثيقاً بوجود جماعات ذات حدود معينة متقاربة أبدت، كما ينعكس ذلك في مخلفات ثقافاتها المادية، تفرداً بيناً في أنماط حياتها المتكيفة مع ظروف متنوعة.

 

حالياً لازالت المعلومات عن الفترة بين 12.000 و8.000 سنة مضت شحيحة إلى حد ما. فيما بعد هذا التاريخ تظهر صناعة حجرية كوشية عرفت باسم الشمارقية تتميز بأدواتها الميكروليتية التى احتوت على نصال مثقوبة مع تشذيب قاعدتها وهى أشبه بالأدوات التى وجدت في الصناعات الصحراوية في تلك الفترة. وبحوالي 7.000 سنة مضت ارتبطت صناعة شبه شمارقية بالقرب من أبى سمبل في جنوب مصر بأدوات متخصصة لصيد الأسماك مصنوعة من العظم على هيئة رؤوس حاربون مزودة بشوكة من جانب واحد. ورغم أن تلك المواقع لا تشير إلى بداية صيد الأسماك بكثافة فإنَّ هذا النوع من النشاط مورس في وادي النيل على مدى آلاف السنوات. تأتى معرفتنا الأكثر تفصيلاً عن السكان المستخدمين للحربون في وسط الصحراء وفي وادي النيل السوداني وفي أجزاء من شرق أفريقيا في هذه الفترة من منطقة الخرطوم حيث تم الكشف في موقع مستشفي الخرطوم عن بقايا ثقافة صارت تعرف باسم الخرطوم المبكرة ويرجع تاريخها إلى حوالي 6.000–3.750 ق.م.  قدم موقع الخرطوم المبكرة مواد تشير إلى أن المجتمعات المبكرة في العصر الحجري الوسيط التى استخدمت الفخار وحجارة الطحن لم تتمركز كلها في قرى مستقرة كما لم تنشغل كلها بإنتاج الطعام. كان سكان  الخرطوم من الصيادين وصائدي الأسماك الجامعين للطعام، وسكنوا في مواقع شبه دائمة وقاموا بجمع الحبوب والخضروات البرية والمحار إلى جانب صيد الحيوانات والأسماك. وتركز الورقة على تبيان أهمية هذا الموقع في إعادة بناء نمط التكيف الثقافي في تلك المرحلة لا في وادي النيل فحسب بل في شرق أفريقيا والصحراء. ففي الأقاليم الشمالية لكوش يبدو أن الفخار ظل غير معروف حتى أزمان الصناعة الشمارقية المتأخرة حوالي 4.500 ق.م. بالتالي لا يمكن القول بأن فخار الخرطوم المبكرة يمثل تقنية انتشرت جنوباً من مصر، بل أن الأدلة المتوفرة قد تشير إلى وجود فخار مشابه في مناطق أبعد إلى الجنوب في المنطقة الممتدة بين وادي النيل وبحيرة تركانا في كينيا. وقد أعطت الترسبات في وادي الأومو بجنوبي إثيوبيا، والذي يمثل امتداداً شمالياً رئيساً لبحيرة تركانا في ذلك الوقت حربونات مصنوعة من العظم محتواة في مستويات تؤرخ بحوالي8.000- 1.000 سنة مضت. وتتعرض الورقة بالدراسة للمواقع الشرق أفريقية الأساسية في لواسيرا وفي بحيرة ناكورو، وبحيرة إدوارد، وموقع إيشانجو الذى يشير وغيره من مواقع بحيرة تركانا، إلى أن هذا النمط التكيفي تطور في الأساس في وقت سابق لظهور صناعة الفخار المحلية، وعند ظهور الفخار أظهرت أقدم تجلياته الشرق أفريقية تشابهاً قوياً مع صناعات وادي النيل الكوشية.

 

بفترة قصيرة بعد 12.000 سنة مضت كانت هناك عودة مجددة سريعة في الصحراء إلى ظروف أكثر رطوبة، أدت السيول المتزايدة المندفعة من المرتفعات إلى جانب تزايد معدلات هطول الأمطار ومع انخفاض معدلات التبخر إلى عودة إنسيات منتظم للمياه إلى الوديان الجافة على مدى أزمان طويلة وإلى توسع كبير في المستنقعات والبحيرات الموجودة - بخاصة بحيرة تشاد – وإلى تكون العديد من المستنقعات والبحيرات الجديدة. كانت هناك تحولات مصاحبة في توزيع النباتات والحيوانات البرية. لا زالت الأسباب الدافعة لإحداث تلك التحولات غير مفهومة بجلاء، لكن الواضح هو السرعة المدهشة التى حدثت بها، ويبدو أنه بحوالي 11.000 سنة مضت بلغت البحيرات ارتفاعها الأقصى.

 

القليل من البحث قد أنجز في المواقع الآثارية  التى يمكن إرجاعها بثقة إلى الإقامة الإنسانية الأولى في الصحراء خلال تلك الظروف المناخية  الأفضل. لا توجد مواقع معروفة يزيد عمرها عن 10.000 سنة مضت. تشتمل أقدم الصناعات ما قبل العاترية- من موريتانيا إلى صحراء مصر الغربية- على نصال مثقوبة مشذبة شبيهة بتلك التى تمت ملاحظتها في محتويات شمارقية في وادي النيل. اشتملت مجموعات هذا النوع من الصحراء الغربية، مثل واحة كونكور ، أيضاً على سكاكين رقائق مشذبة بصورة خشنة، لكنها لم تشتمل على أدوات ميكروليتية مدببة رغم أن هذه الأخيرة تعد من المركبات الهامة للمجموعات المعاصرة التى تم الكشف عنها في نبتا بلايا وفي الواحة الخارجة. يشير وجود حجارة الطحن في تلك المواقع إلى أن النباتات الحبية البرية، احتمالا، تم حصدها لاستخدامها طعاماً كما هو الحال في مواقع المرحلة نفسها في وادي النيل. وجدت صناعة مماثلة في أدرار بوس بصحراء تنيرى في النيجر.

 

بحوالي 9.000 سنة مضت حدثت تحولات هامة اختلفت اختلافا بيناً شكلاً باختلاف الظروف البيئية المحلية. كشفت أعمال التنقيب في مرتفعات الأكاكوس بجنوب غربي ليبيا عن مبان في السقيفة الصخرية في تين طرة تشير إلى شكل الإقامة الدائمة. تأتى أكثر الشواهد الدالة على تطور الاستقرار في هذه المرحلة من الواحة الداخلة بصحراء مصر الغربية. بين 9.000 و 1.500 سنة مضت تبنى سكان المنطقة، على ما يبدو، نمطاً حياتياً أكثر استقرارا وسكنوا أكواخاً قامت على أساسات حجرية دائرية مع استغلالهم لمساحة أصغر بكثير مقارنة بتلك التى استغلها أسلافهم. وحيث توفرت المياه بصورة أفضل قام صيد الأسماك والموارد المائية بدور أكبر في اقتصاد مناطق واسعة من وسط الصحراء وجنوبها امتدادا من وادي النيل حتى غرب مالي. تركزت المواقع على ضفاف الأنهار والبحيرات التى كانت أكثر ارتفاعا وامتدادا مما هي عليه اليوم. ورغم أن الصيد وجمع الحبوب استمر بمعدلات أقل فإنَّ سيادة نشاط صيد الأسماك سمح لأعداد أكبر من السكان بالبقاء على مدى فترات أطول في مواقع منفردة. كانت رؤوس الحربونات المصنوعة من العظم، وهى من النوع نفسه الذى تم الكشف عنه في موقع الخرطوم المبكرة، بمثابة الأدوات المميزة لهذا الطور الجديد. كذلك وجد الفخار في معظم المواقع من هذا النوع، وكان مزخرفاً بخطوط متموجة مما يقف شاهداً إضافياً على العلاقة مع الخرطوم المبكرة. قد يظهر هذا الفخار في الصحراء في تاريخ سابق قليلاً لظهوره في وادى النيل أو شرق أفريقيا حيث أنه يرجع إلى 8.500 و 9.500 سنة مضت في تادرارت أكاكوس، وفي تامايا ميليت إلى الجنوب من جبال الآير بالنيجر، وفي أمينكى بأقصى جنوب الجزائر. أبعد إلى الغرب، في مالي، وجد الفخار المزخرف بالخطوط المتموجة أيضاً في أوتيرات بالقرب من تمبكتو. ووجدت الحربونات المزودة بشوكة في كورو-نكورو-كإلى بالقرب من باماكو.

 

الانتقال إلى إنتاج الطعام

التبني النهائي لتقنيات إنتاج الطعام في وادي النيل مشهود فقط في تاريخ متأخر نسبياً. لا يوجد مؤشر على ممارسة أي شكل من أشكال إنتاج الطعام في منطقة الخرطوم فيما قبل الألفية الخامسة السابقة للميلاد. وأظهرت الدراسات الميدانية أن نمط الاستقرار اكتسب بحلول تلك الفترة درجة من التعقيد غير مسبوقة. الموقع الأول الذى أظهر مثل هذه الدرجة من التعقيد تمَّ الكشف عنه في الشهيناب التى تبعد 50 كيلو متر إلى الشمال من امدرمان. تركز الورقة على مناقشة المواقع المختلفة في وادي النيل الأوسط المعتمدة قاعدة تقوم على الاقتصاد الإنتاجي لا على الاقتصاد الاستحواذي والتي يمكن تاريخها بحوالي 4900-3800 ق.م.(الكدرو والجيلى). والجدير بالملاحظة أن تلك المواقع أظهرت وجود نوع من التراتب الاجتماعي.

 

يظهر الطور الأخير للعصر الحجري الحديث في وادي النيل السوداني الأوسط أدلة تشير إلى السيادة الفعلية لاقتصاد يعتمد على الرعي مع تغير في أنماط الاستقرار. خلافاً للمرحلة السابقة، حين كانت المواقع تتمركز على ضفتي النيل نظراً للاعتماد على الموارد النهرية في الأساس، أخذت جماعات الرعي في العصر الحجري الحديث في الانتشار بسرعة إلى مناطق أكثر اتساعا. ففي مناطق البطانة المتاخمة بدأت عملية ازدهار ثقافي هامة مع بروز اقتصاد رعوي قوى في الطور الذى أعقب مباشرة طور الخرطوم الحجري الحديث. فمع انحسار هذا الأخير في الألفية الرابعة قبل الميلاد بدأ ازدهار البطانة. يحتمل أن تكون الحاجة الدائمة لمراعى جديدة ضماناً لانتعاش اقتصاد يعتمد على الأبقار دافعاً لانتشار جماعات السودان الأوسط إلى مناطق البطانة. باعتقادنا أن ذلك قد يساعد في تفسير أصل اقتصاديات الرعي في الهضبة الإثيوبية وشرق أفريقيا في نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد.

 

هكذا يبدو أن تطور العصر الحجري الوسيط شكل عملية محلية تعكس وضعاً انتشر في إقليم أكثر اتساعا إلى الشرق بعيداً حتى منطقة البحيرات الكبرى (فيكتوريا، وتركانا، وادوارد)، وإلى الغرب باتجاه منخفضات الصحراء التى امتلأت موسمياً بالمياه. الانتقال من هذا الطور إلى العصر الحجري الحديث المتميز بإنتاج الطعام قد يكون بمثابة تطور محلى صرف. قد يكون اقتناء الحيوانات المدجنة بفعل جماعات سكانية من الصحراء. مبدئياً لم تغير تلك الجماعات النمط الاقتصادي السائد الذى حافظ على قاعدة عريضة مميزة للعصر الحجري الوسيط مع أن الحيوانات المدجنة كانت ذات أهمية كبيرة. لاحقاً فقط في العصر الحجري الحديث المتأخر سادت في كوش النشاطات الرعوية خالقة انفصالاً فعلياً عن التقاليد القديمة. في تلك الفترة انتقل المركب الرعوي ليحتل مركز الصدارة فارضاً هيمنة على الاقتصاد ومقصياً تقاليد صيد الحيوانات والأسماك.

 

شمالا مع مجرى النيل وجدت مصنوعات فخارية تظهر قدراً من التشابه مع مصنوعات الشهيناب وذلك في عدد من المواقع في إقليم دنقلا وإلى الشمال منها حيث ارتبط في الأخيرة مع صناعة نالت تسمية العبكية (اشتقاقا من قرية عبكة). المجموعة الأقدم لمنتجي الطعام في الأطراف الشمالية لكوش هي تلك التى نالت تسمية المجموعة الأولى. تم الكشف عن مخلفات تلك المجموعة على امتداد الأطراف الشمالية لكوش فيما يعرف حالياً بالنوبة السفلى. وتحمل أغلبية الأوانى المصقولة المزخرفة الكثير من أوجه الشبه مع الأواني المميزة لمواقع العصر الحجري الحديث في كوش مثل الشهيناب وشقدود. مثل هذا التشابه في تطور التقاليد والخبرات التقنية الحرفية في وادي النيل الكوشي الأوسط والأطراف الشمالية لكوش يمكن تفسيره فقط عبر طرح فرضية انتماء الإقليمين إلى نسق ثقافي مشترك.

 

وتناقش الورقة إشكالية ما كان يعرف بالمجموع الثانية في الأطراف الشمالية لكوش وتجادل الورقة بأن المواد الآثارية  التى يرى ريزنر وغيره أنها تنتمي للمجموعة الثانية ليست سوى مواد جنائزية خاصة بالمقابر الأكثر فقراً من مجموعة مدافن المجموعة الأولى. وعليه يجوز القول أن معطيات الثقافة المادية المتوفرة تشير إلى أن الاختلاف بين نوعى المدافن ليس إلا مجرد اختلاف ذو طابع اجتماعي اقتصادي، وهو أبعد ما يكون عن كونه اختلاف تعاقب زمني.

 

أخيراً تتعرض الورقة إلى مناقشة ثقافة المجموعة الثالثة مشيرة إلى أن معطيات الثقافة المادية تثبت أصالة ثقافة المجموعة الثالثة وطابعها المحلى وأنها تشكل لاشكّ طوراً لاحقاً واستمراراً لثقافة المجموعة الأولى. ومن ثم تطرح فرضية أنَّ الحلقة التى قد تربط بين الطورين لا بدَّ من البحث عنها في الإقليم الواقع إلى الجنوب من الشلال الثاني. مثل هذه الفرضية يمكن أن تجد دعماً لها في وجود العديد من السمات بين طور المجموعة الثالثة وطور كرمة. التشابه الإثنى الثقافي بين الطورين يتضح من دراسة الطقوس الجنائزية وعادة دفن الحيوانات مع المتوفى، وهى عادة  استمرت حتى عصر نبتة. فقد تم الكشف في جبانة للمجموعة الثالثة في فرس عن بقايا هياكل حيوانات بخاصة الماعز، وعن آثار للقرابين الحيوانية في مدافن المجموعة الثالثة في دبيرة، بالإضافة إلى دفن على عنقريب (سرير خشبي مخاط بجلد). كل ذلك إلى جانب التقارب والتشابه في المصنوعات الفخارية والمنتجات الحرفية الأخرى وفي أنماط الزخرف والخطوط المتموجة والمثلثات التى تغطى جدران الأواني الفخارية.