كدروكة والعصر الحجري الحديث

 

في إقليم دنقلا الشمالي

جاك رينولد

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

مقدمة

يطمح الموضوع الذى سيتم تناوله إلى عرض نتائج البحث الذى أجرى في السودان في الفترة بين 1975 و 2000، عندما كنت عضواً بالوحدة الفرنسية للآثار. كانت هذه الوحدة (البعثة) الدائمة، التابعة لهيئة الآثار والمتاحف في الخرطوم، قد أنشئت وفق بروتوكول الاتفاقية الثقافية التى وقعت بين فرنسا والسودان في عام 1969.

 

تركز العمل المبدئي، في الفترة من عام 1970 حتى عام 1978، في مشروع وضع الخارطة الآثارية للسودان،  آخذين في الحسبان الإنجازات التى حققتها البعثات المختلفة التى اشتركت في الحملة العالمية لإنقاذ آثار النوبة. أجريت أعمال المسح الآثارى للمنطقة إلى الجنوب من شلال دال (الجندل الثاني- أركامانى)، التى سارت جنباً إلى جنب مع أعمال الإنقاذ، حيث كانت المواقع الآثارية عرضة للدمار بفعل تقدم أعمال التنمية في البلاد، مثل جبانة ميسيمينا بالقرب من عبري (التى يعود تاريخها للفترة الممتدة من عصر نبتة حتى العصر المسيحي)؛ أو مثل جبانة عصر كرمة في عُكمة غرب، إلى الشمال من دال.

 

في الفترة من 1976 حتى 1968، تركز الجهد البحثي في السودان الأوسط، تحديداً في إقليم شندي، حيث أن مشروعاً زراعياً آخراً كان قيد الإنشاء، يمتد من التراجمة حتى كبوشية. من ثم أخضعت هذه المنطقة للدراسة. أجرى العمل خلال تلك الفترة تحديداً في موقعي الغابة والكدادة (حيث تمثلت بصورة جيدة آثار العصر الحجري الحديث، والعصر المروى، والعصر ما بعد المروى، والعصر المسيحي). في الفترة بين 1986 و 1991، تركزت أعمال البحث في موقع الهوبجي.

 

منذ 1986 وتحت ضغط تطور المشاريع الزراعية تحول الاهتمام إلى النوبة وإقليم دنقلا، مع بدء أعمال المسح الآثارى على ضفتي النيل والتركيز على تنفيذ أعمال تنقيب شاملة في عدد من مواقع العصر الحجري الحديث في كدروكة والمنطقة المحيطة بها.

 

أخيراً، فإن أعمال المسح الآثارى التى أسهمت فيها الوحدة الفرنسية شملت بالإضافة: مشروع الحمداب، الذى أجرى قبل تقدم العمل في تشييد خزان الجندل الرابع؛ خلال ثلاثة مواسم للمسح في الفترة 1989 و 1990، وأعمال المسح الإنقاذي، وأعمال الحفر التجريبي في منطقة أرباب (الصحراء الشرقية)، وهو مشروع تمثلت أهدافه، في الفترة خلال 1998-1996، في تسجيل وتوثيق وإنقاذ المواقع الآثارية المهددة بفعل نشاطات التنجيم عن الذهب.

 

اختيار المدافن الجنائزية

عادة ما يكون مسح مواقع الإقامة المفتاح إلى الدراسات في مجال ما قبل التاريخ. يعنى هذا إقرار البنيات الذى يتبع تطوير لتيبولوجية الأدوات الصنعية. بالطبع فإن ظروف الحفظ، أو الدمار هي في حالة تجعل الكشف عن الأماكن/البنيات (مناطق المعيشة، ورش العمل وما إلى ذلك) أمراً مستحيلاً. من ثم فإن الدراسة اتخذت منحى كلياً باتجاه التناول التيبولوجي. التوجه الحالي في مجال الدراسات ما قبل التاريخية يسير باتجاه التفسيرات الاثنوأركيولوجية أو صياغة النماذج، طريقة تثبت في الحقيقة خطورة تطبيقها واستحالتها في تلك المناطق. تلك الاعتبارات فرضت ضرورة تطوير مشروع بحثي محدد مقيداً في مجال المدافن الجنائزية.

 

التناقض الظاهري في مجال المدافن الجنائزية، والذي يبدو وكأنه يقدم رؤية محدودة لتلك الثقافات، يوفر إمكانية إجراء تحليل شامل. هنالك فرصة تثبيت تواتر كرونولوجي محدد وتقييم البني الاجتماعية ومضامينها.

 

الأدوات الصنعية المكتشفة في مواقع الدفن هي نفس تلك التى يتم الحصول عليها من مواقع الإقامة، لكن هناك ميزة إضافية حيث توفر مواقع الدفن معطيات أكثر وأفضل حفظاً. على سبيل المثال، الموضوعات المكتشفة غالباً ما تكون مهشمة لكن أدوات كاملة ومركبة تظهر بين كل العناصر المحتفظ بها. شواهد دالة على البيئتين النباتية والحيوانية متوفرة في محتوى لا يشكل موضوعاً للتفسير.

 

مسح كل العناصر (الحفر، والهياكل، والمواد الجنائزية)، كل تلك، مع التحليل البنيوي للموقع (وفق خطط لمنحنى المستويات والمكان المحدد للدفن) يعطى أساساً يبنى عليه التفسير. أثبت التحليل ان توزيع المدافن في جبانات العصر الحجري الحديث، عادة، ما تعيد إنتاج قواعد التراتب الاجتماعي.

 

عرض لنماذج القبور

قبل تقديم تفسير مفصل قد يكون من الأفضل إعطاء وصف لمقبرة من العصر الحجري الحديث وتفصيل مركباتها.

 

تظهر المدافن نفسها على هيئة تجويف محفور. تكون مستديرة أو بيضاوية الشكل وتختلف أبعادها من 0.80 من المتر بالنسبة لأصغرها إلى مترين بالنسبة لأكبرها. لم يتم الكشف عن بنية فوقية، باستثناء جبانة في صادنقا، حيث طوقت الحفرة بالآجر؛ وعلى كل، طالما أن هذه الممارسة استخدمت منذ أزمان العصر الحجري القديم فإنه من غير المتوقع ألا يكون أهل العصر الحجري الحديث قد شيدوا غطاءً أكثر ديمومة.

 

كقاعدة عامة، يدفن الميت فردياً، مع ذلك تحتوى بعض الحفر على عدد من المدافن والتي غالباً ما تكون مرتبطة بنوع معين من الطقوس. يوضع الجثمان عادة في منتصف الحفرة (بدون توجه محدد بالنسبة للسودان الأوسط، لكن باتجاه شرق/غرب بالنسبة للنوبة). يوضع الجثمان راقداً على جانبه الأيمن أو الأيسر، في وضع يختلف من منحني إلى مقرفص، مع الذراعين ممدودتين بطول الجسم والكفين عادة مرتفعتين فوق الوجه. هذا الوضع قد يحتاج إلى رباط لحفظ الوضعية (ينجز ذلك في بعض الحالات بوضع الجثمان داخل جراب). عادة ما توضع حصيرة، ووسادة تحت الجسم. في النوبة،  جبانة كدروكة في المقبرة ك 1، سمحت الحالة المثلى للحفظ بتحليل وسائد مصنوعة من جلد الأبقار ومهاد من الشعير.

 

من الضروري أن نتذكر أن مدى المرفقات الجنائزية يعكس خيارات يحددها الأحياء. بعض أصناف الموضوعات مثل الكؤوس القربانية الأشبه بكؤوس الخمر توجد فقط في المدافن مما يصبغ عليها مغزىً خاصاً (غالباً أعم أنها استخدمت لأغراض سكب الخمر على جسد الأضحية).

 

باستثناء الزينة الذاتية، فإن اختيار وضع الموضوعات في الحفرة لا يبدو مقيداً بقواعد معينة. المواد قد توضع منعزلة أو في مجموعات مؤلفة من عدة أصناف للموضوعات، في فراغ الحفرة حول الجثمان. فقط الأدوات الحجرية (مكسرة أو مصنوعة) والعظم (مثاقب) توضع في بعض الحالات بالقرب من اليدين، في حين توضع قرون الأبقار خلف الرأس. إذا كان معنى تلك المخلفات الجنائزية غير مفهوم لنا، فإن الاهتمام بتركيبها يمكن أن يوفر الأمل في إدراك مغزاها.

 

تنوع الموضوعات الجنائزية يمكن أن يقودنا فقط إلى الاعتقاد بأن تجميعاً دقيقاً للموضوعات الشائعة الاستخدام كانت ترافق المتوفى إلى عالمه الآخر. في السودان الأوسط لا يسمح سوء حالة حفظ البقايا الهيكلية بالتعرف على المرفقات الجنائزية حسب معيار الجنس. في حين أنه في النوبة من جانب ثانٍٍ تكون بعض المرفقات مصاحبة تحديداً للرجل وأخرى تحديداً للمرأة، لكن قد يختلف الوضع من جبانة إلى أخرى. باختصار فإن تكرار الموضوعات المرفقات الجنائزية يعكس الاختلافات في المكانة الاجتماعية في إطار الجماعات المحلية في العصر الحجري الحديث.

 

مثال السودان الأوسط

قبل الشروع في تناول النوبة علينا أن نتذكر بعض النتائج الرئيسة التى تم الحصول عليها في السودان الأوسط، يتمركز الاستقصاء هنا على منطقة التراجمة القريبة من شندي. أمكن ملاحظة التنوعات في التقاليد الجنائزية على امتداد ما يزيد عن الألفية من الزمان والتي تشير إلى عدم وجود فجوة بين ثقافة الخرطوم الحجرية الحديثة كما تجلت بوضوح في الشهيناب وبين ثقافة العصر الحجري الحديث في الكدادة. بالطبع الطور الأخير في الغابة (الذى نسب لثقافة الخرطوم الحجرية الحديثة) يخلق رابطة بدون حل للاستمرارية في نهاية الألفية الرابعة مع أقدم المدافن في الكدادة.

 

موقع الكدادة بجباناته الأربع التى تمَّ التعرف عليها يسمح بتسجيل أكثر من ثلاثمائة مقبرة، كلها تنسب الى الطور الأخير من العصر الحجري الحديث، والتي لم يتعرف عليها آركل (رائد البحث في مجال ما قبل التاريخ في السودان) لكنه عدها مقابر محتملة، وعرفها بأنها ما بعد أسرية (؟). على كل، فإنه لم يعدها كمرحلة لتطور محلى بل نتاج هجرات سكانية بفعل هروب من النوبة خلال فترة المجموعة الأولى (بفعل الحملات العدوانية الفرعونية المتكررة من الشمال- أركامانى). المدافن الأكثر حداثة في الكدادة غالباً ما يرجع تاريخها إلى هذه الفترة.

 

حالة مقابر الأطفال

أحد أولى الأمثلة التى وفرتها جبانات الكدادة، تظهر طقساً خاصاً بدفن الأطفال، قبل بلوغ السادسة من العمر Reinold,2000:72-73. تسمح وضعية منحنيات المستويات المركبة فوق بعضها مع خريطة توزيع الدفن بتحديد جبانتين تحتلان منحدر أرض مرتفعة. تحتوى الجبانتان فقط على مدافن لأشخاص بالغين. تقع الجبانتان على طرف تل متاخم للمنحدر. قمة المنحدر مسطحة وتعلم مساحة تبلغ حوالي 900 متر مربع كانت مكرسة للإقامة. في موقع الإقامة هذا هناك 17 مقبرة لأطفال صغار. توزيع هذه المقابر كان متناثراً ولا يمكن عده جبانة، من ثم فإن الاستنتاج الذى يمكن التوصل إليه هو أن أولئك الأطفال دفنوا داخل المساكن أو بالقرب منها.

 

خاصة متفردة أخرى هي أن الأموات الأطفال لا يوضعون في حفرة، لكن داخل جرة كبيرة (إناء لخزن الحبوب). نوع من الأواني النفعية المزخرفة بخطوط أو نقط محفورة متموجة. لا توجد مثل تلك الأواني في مدافن البالغين. يشير اختيار المواد الجنائزية المرافقة للمقابر استخدام الأواني الفخارية. في حين تتميز مجمل مواد وموضوعات الأبهة المستخدمة في الطور الحجري الحديث في مقابر البالغين، فإن المواد التى تميز مقابر الأطفال تتسم بالفقر في الأثاث. يبدو أن هناك فقط حاويات في شكل جرار، وأطباق، وأقداح. الموضوعات الأخرى: رخويات، ولؤلؤ، وأدوات للطحن معظمها مستخدم ومهشم. تسجل أدوات حجرية وأخرى مصنوعة من العظم  غياباً كلياً.

 

القليل من الموضوعات الأخرى وجدت لكنها غير متماثلة مع تلك التى تم الكشف عنها في مقابر البالغين. تبدو الأواني الفخارية وكأنها استخدمت من قبل وفي حالات مهشمة (الجرار نفسها قد تعطى أساساً للفهم)، ويبدو أن هذا يؤكد على الأهمية الأقل لتلك المدافن. ممارسة دفن الأطفال في جرار، خارج إطار جبانة محددة المعالم، يقودنا لافتراض أن على الفرد بلوغ سن معينة، احتمالاً مرحلة تلقين قبل دمجه كلياً في المجتمع (بالنسبة لمرحلة التلقين واستمراريتها لدى النوير أنظر ايفانز برتشارد- أركامانى). لا بدَّ من التشديد أن هذه الممارسة تتجلى بوضوح فقط في العصر الحجري الحديث. في الجبانات الأخرى، فإن مقابر الأطفال تتقيد كلياً بالقواعد المتبعة في مقابر البالغين.

 

القرابين البشرية

تنحصر أهمية المدافن ما قبل التاريخية في كونها تترجم بطريقة ما التنظيم الاجتماعي لجماعات من السكان المقبورين. بالنسبة للقراءة العادية للانقسام الاجتماعي القائم على أساس التعرف على المدافن الغنية بمرفقاتها الجنائزية، فإن جبانة الكدادة تسمح بإلغاء نظرة أكثر تدقيقاً. تتميز بعض المقابر عن الأخرى: إنها حفرة تحتوى على هيكلين أو ثلاثة. أمثلة لتلك الحفرة: كدروكة  د س 76/1 -1-2-3 وكدروكة د س 85/60 – 61  Reinold,2000:71-72

 

في الحالة الأولى، توفر الحفرة ثلاثة أفراد، غالباً من الذكور. واضح انه كان لا بدَّ من إعادة فتح الحفرة لدفن الأخير 76/1. من جانب ثانٍ وضع الاثنان الآخران 76/2 و 3، سوياً، بل حتى في جانبين مختلفين، ويتخذان ذات الاتجاه (الجمجمتان إلى الغرب). تفصيل آخر، يظهر 76/2 وضعاً مقرفصاً بشدة مما يشير إلى دفنه داخل جراب أو بمساعدة رباط. لدى الدفن المتزامن للفردين، يمثل أحدهما هذه العادة المحددة التى لم توجد مرة ثانية بالنسبة للمدفونين الفرادى. جدير بالملاحظة الأثاث الجنائزي المتميز بالثراء (سبعة أواني من بينها آنية ذات شكل خفي، حجر طحن بطاحنته، مدق ويد هاوون، بعض شظايا الملكيت، وقرابة عشرة رخويات من المحار النهري) والذي يحيط بجثمان الفرد الأقدم 76/3 ووضع في مستواه نفسه. يحتل جثمان الفرد الثاني 76/2 المساحة الوحيدة في الحفرة الخالية من المواد. وضع فوق ركبتي الجثمان 76/1 المفصول بترسب أبيض اللون يبلغ سمكه اقل من 10 سم. الوضع المميز للفرد 76/2 ومكانه في الحفرة يمنحه عملياً دور الترسب مقارنة ب 76/3.

 

بالنسبة للحالة الثانية، كدروكة د 85/60-61 التى تقدم فردين، فرد بالغ غالباً ما يكون ذكراً وطفل يبلغ من العمر ثمان سنوات. دفن الفرد البالغ في وسط الحفرة، في وضع مقرفص، في حين كان الطفل في وضع ممدد في جانب الحفرة (فقط ثلاث حالات لوضع ممدد تمت ملاحظتها، وتنتمي كلها لأطفال دفنوا في جانب حفر تحتوى على فرد بالغ مدفون في وسط الحفرة). العلاقة الإستراتيجرافية بين تلك الجثث يؤكد عليها، في الحالة الراهنة، وجود قرون أبقار يرتكز عظم كاحلها على رقبة الطفل في حين أن الجزء الموجود تحت المحجر يرتكز بقوة على الفرد البالغ. وضع الأثاث الجنائزي في شبه دائرة على هامش الحفرة محيطاً بالفرد البالغ من الظهر حتى الركبتين. وضعت آنية فخارية كبيرة خلف الفرد، ووجد مركب من الترسبات المكون من عدة موضوعات ذات طبيعة ووظيفة مختلفة أمام وجهه. هذه الصلة بين المتاع الجنائزي تؤكد عليها علاقة البقرة بجسم الطفل. يتألف مركب الترسب من حجر طحن من الحجر الرملي وضعت من فوقه الطواحن وآنية من نوع القوارير. الموضوعات الأخرى (مدق ويد هاون من الحجر الرملي، مجموعة محار رخوي وجرة كبيرة) وضعت في علاقة بالطفل الذى تغطيه جزئياً. يمكن إعادة تركيب خطوات الدفن: وضع جثمان الطفل أولاً ومن ثمَّ نثرت المواد الجنائزية في قوس دائري، وبعده أدخل جثمان الفرد البالغ إلى الحفرة. مرة ثانية، إذا صحت التقارير الإستراتيجرافية ووضع الطفل في علاقتها بالمواد الجنائزية وأثبتت حقيقة أن الطفل شكل جزءاً من المتاع الجنائزي وبالتالي مجرد شريك في الترسب المكرس للفرد الرئيس، فإنه يصبح ممكناً الآن طرح فرضية انه في حالة وفاة أشخاص مهمين في هذه الجماعة يتم تقديم قرابين بشرية خلال الاحتفالات المرتبطة بالدفن. في حالة كدروكة د 76/1-2-3، يمكن تأريخ هذا الحدث كربونياً بين 3610 و 3390 قبل تاريخ اليوم.

 

تنظيم الأسرة

توفر لنا الجبانة الشمالية في الكدادة مثالاً آخراً للتفسير هذه المرة لمقابر أفراد بالغين. تحتل الجبانة منطقة محدودة من المنحدر وتحتوى على أكثر من مئة فرد، مع تجمع كثيف للحفر التى قد تصل إلى عشر في مساحة 16 متر مربع. الخاصة المميزة للمدافن هي حفرها التى يعاد حفرها أكثر من مرة. يشير تشابه المواد التى وجدت في المقابر إلى قصر فترة استخدام هذه المساحة للدفن. وتشير إعادة فتح الحفر إلى النية المسبقة ولا تعنى بحال نسيان أماكن الدفن السابق. في حالة مراعاة هذه القاعدة يمكن تحديد خمس أو ست مجموعات من المدافن يفصل بينها شريط ضيق من الأرض غير المستخدمة (عدم التأكيد على العدد الفعلي ناتج عن حقيقة التخريب الذى تعرض له الموقع في وقت سابق). تحتوى المجموعات على عشرة إلى اثني عشر فرداً، مراهقين وبالغين لا يمكن تحديد جنسهم نسبة لحالة الحفظ الرديئة للعظام. بالنسبة لكل مجموعة فإن تحليل الوضع والعلاقة الإستراتيجرافية يسمح بالتعرف على المقبرة الأقدم ويسمح بتحديد كرونولوجية معظم المدافن الأخرى.

 

دائماً ما يتم الدفن الأقدم في الجزء الأعلى من المنحدر مقارنة بالحفر الأخرى. تنشأ مدافن أخرى حول هذا المدفن وتعتدي عليه غالب الأحيان عند الحفر. المدافن الأكثر حداثة حفرت على مراحل باتجاه قاع المنحدر. فيما يتعلق بالهياكل، فإن الاتجاه والوضع يكاد يكون متجانساً في كافة المجموعات.

 

تشير الموضوعات الجنائزية المكتشفة مع كل مجموعة إلى أن نوعية الموضوعات نفسها توجد دائماً ورغم بعض التنوع، فإنها ليست متجانسة فحسب، لكنها ممثلة بالنسبة نفسها. تركيب تلك المرفقات الجنائزية بالتالي له دلالته بالنسبة لتفرد تلك المجموعات، وهى ملاحظة تنزع إلى إبراز أن الاختلافات في المدافن ليست صدفة، بل أنها تثير معضلة لم تفسر بعد.

 

آخذين اتساق تلك المجموعات يمكن افتراض كونها تمثل مجموعة مرتبطة أو ذات علاقة، بمعنى أنها جبانة لجماعة صغيرة أو قرية. خلال طور كرونولوجي محدد (ليس أكثر من قرن) من العصر الحجري الحديث للكدادة، فإن الجبانة كما تبدو الآن كانت قد استغلت من قبل قرية لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثون. يمكن، على كلٍ، أن تكون هناك جبانات معاصرة في الأجزاء الأخرى من المنحدر (المنطقة المتاخمة لهذا المسطح قد تم تدميرها سابقاً) لم يتبق منها أثر.

 

الاحتمال بأن تكون خاصة بجماعة أكبر تدعمه حقيقة الكشف عن عدة أطنان من الأدوات التى تغطى قمة السطح وتشير إلى إقامة ممتدة على مدى فترات أكثر من كونها طور مهم ممتد واحد. أخيراً، المؤشرات المشتركة التى وجدت في تلك المدافن يثير إمكانية أن تكون تلك المدافن قد جمعت وفق نظام منزلي أو عائلي (الأفراد القلائل الذين تم الكشف عنهم في كل مجموعة يبدو انه يؤكد هذا الانطباع) لم تسد فيه عائلة بعينها. تاريخ وحيد أصبح ممكناً بالنسبة لهذه الجبانة، وقد تم التحصل عليه عن طريق الكربون المشع 14 ويعطى 3500 و 3400 سنة (عمر عياري).

 

النموذج النوبي

تمتد المنطقة المدروسة إلى الجنوب من الجندل الثالث، وتركز أساساً على وادي الخوىّ، من منطقة كدروكة العليا حتى الحد الشرقي لحوض كرمة (أو إقليم دنقلا)، حوالي 30 كم في اتجاه شمال/ جنوب وعلى بعد 15 كم باتجاه شرق/ غرب، من البورقيق في الشمال (حدود منطقة عمل بعثة جامعة جنيف السويسرية) حتى أيماني في الجنوب (حدود منطقة عمل بعثة جمعية البحث الآثارى للسودان).

 

أعمال المسح: يمتد سهل غريني خصب على مساحة منطقة مئات الكيلومترات إلى الجنوب من الجندل الثالث على الضفة اليمنى للنيل. قنوات قديمة يمكن التعرف عليها مشيرة إلى تحرك شرقي-غربي لمجرى النهر. بالنسبة لفترات طويلة ارتبطت المواقع الأثرية دائماً بالقرب من المياه، بالتالي تجمعت على حواف تلك المجاري القديمة. المجرى الشرقي الذى كان مأهولاً خلال العصر الحجري الوسيط شهد إقامة مكثفة خلال العصر الحجري الحديث. توجد كثافة الطبقات الآثارية في علاقة مباشرة بالإمكانيات الزراعية الهائلة للمنطقة. من ثم تظل المنطقة خالية من أية إقامة حتى الوقت الراهن. يسمح استخدام مضخات المياه الآلية بزراعة الأرض بضخ المياه الجوفية. من ثم بدأت الوحدة الفرنسية التابعة لمصلحة الآثار منذ عام 1986 في تنفيذ مشروع مسح وتنقيب آثاري بهدف إنقاذ المواقع ما قبل التاريخية والتاريخية المبكرة في المنطقة. قادت تلك الأعمال إلى تسجيل 253 طبقة آثارية موزعة كرونولوجياً وفق الجدول أدناه:

 

النسبة المئوية

العدد

الفترة

2.76

7

العصر الحجري الحديث

13.04

33

العصر الحجري الحديث

7.11

18

الحجري الحديث وما قبل كرمة

5.92

15

ما قبل كرمة

21.34

54

كرمة

0.39

1

العصر المرًّوي

23.32

59

العصر المسيحي

21.73

55

العصر الإسلامي

4.34

11

غير محدد

99.95

253

المجموع الكلي

 

تقدم الضفتان صورة سكانية جد مختلفة Reinold,1993. الضفة اليسرى، 106 موقعاً، تشهد على نشاط حديث، يرجع كلياً للعصر المسيحي والإسلامي المبكر، وهو نشاط محدود على ضفة النيل مباشرة. بعض المواقع الأكثر قدماً (ستة منها من العصرين الحجري الوسيط والحجري الحديث) ترتبط بعلاقة بالواحات الكبيرة "اللاقيا"، بقايا بحيرة قديمة تدل على وجود بيئة محلية مستقلة عن البيئة النيلية.

 

على الضفة اليمنى، مثلت كل الفترات وطورت الطبقات نفسها في الهامش، إلى مسافة 15 كيلومتر بعيداً عن مجرى النهر. حصرت الطبقات وفقاً لفتراتها الزمنية، على أساس اتجاه شمال/جنوب. كلما اتجه المرء إلى الشرق زاد عدد المواقع الأقدم. هذا التوزيع الطبوغرافي الكرونولوجى ناتج عن تحولات مجرى النهر. من وجهة نظر الكرونولوجيا، فإنها تغطي الفترة من العصر الحجري الوسيط (أي مجموعة الفخار الحامل لزخرف متموج والخط المنقط المتموج) حتى العصر الإسلامي. لم يتم التعرف على كل الثقافات التاريخية. عدم التعرف هذا لا بدَّ وان يحتم طريقة التسجيل، الملاحظة العامة للسطح التى لا تصل إلى الأعماق. من الجانب الثاني يحتمل أن يكون جزء من الفراغات في الخارطة محض صدفة. إنها ترتبط بالمناطق المأهولة حالياً (مواقع سكنية، جبانات، ثقافات) أو مناطق مغطاة برمال متحركة. الكثافة السكانية يمكن تفسيرها بالإمكانيات الزراعية الهائلة لهذا الحوض الغريني الخصب.

 

الجبانات

مرة ثانية تبدو فائدة دراسة الجبانات، أكثر من مواقع الإقامة، من حيث أن الأولى كانت في حالة حفظ أفضل. تبدو مواقع الإقامة كطبقات سطحية تتسم بانتشار المواد بدون أية بنيات. مع مرور الوقت أصبحت تلك المواقع مسطحة بفعل التعرية القوية الناتجة عن الرياح وبفعل تراكم الترسبات الرملية التى غطت الفجوات. نشاط الرياح القوي أدى إلى تآكل الحوض متسبباً في ضياع 0.40 إلى 0.80 من المتر من الأفق الحجري الحديث. اختفت التربات الأصلية. بقيت المواد التى لها خاصة المقاومة لكنها كانت مشتتة عن محتواها الفعلي. مرة أخرى فإن المسح الباليواثنولوجي للبيئات  فضل مجال البحث في ما قبل التاريخ المحدود بمنظور تيبولوجي بسيط.

 

على امتداد الذراع الشرقي والذي يشكل وادي الخوي، تظهر الجبانات اليوم تلالاً منعزلة، على أرض مسطحة الآن. غياب السكان لعدة ألفيات، بعد الإقامة الحجرية الحديثة، جعلت هذه المنطقة مكاناً متفرداً للبحث الآثاري.  بالنسبة للجبانات، فإن جفاف المناخ سمح بحالة حفظ نادراً ما وجدت في مكان آخر من المنطقة (الأدوات من العظم، والجلد، وغيرها)، وكذلك الهياكل القادرة على توفير معطيات بحثية جيدة.

 

تم تحديد سبعة عشر جبانة، خمس منها تم اختبارها، وأجرى التنقيب في ثلاث منها في حين لا زالت ثلاث أخرى تحت التنقيب، وتنتمي كلها للفترة الممتدة من الألفية السادسة إلى الألفية الرابعة، وتقدم لنا معلومات عن تطور عادات الدفن والتعديلات في العلاقات الاجتماعية في تلك المجتمعات الأولى التى مارست الزراعة وتربية الحيوانات. توفر تلك سجلاً مدهشاً يشير إلى الكثير من التشابهات مع مواقع السودان الأوسط مما يدل على صلة مشتركة بين الثقافات. هناك، على كلٍ، تنوع يشير إلى أنماط مختلفة للتطور أو تكيفات إقليمية مختلفة.

 

باستثناء جبانتين قد تتجاوز مقابرها الألف، فإن الجبانات الأخرى تحتوي على مئة إلى ثلاثمائة مقبرة. المقبرتان المشار إليهما استخدمتا على مدى فترة طويلة، وبالتالي يشكلان بينة مفيدة لاختبار كرونولوجي للنمط. مقابر نموذجية من هذا النوع توجد في مثل تلك الجبانات الصغيرة، تعطي إمكانية تواريخ نسبية من خلال علاقاتها الإستراتيجرافية. الثانية دائماً تحوي مواد أثرية لا تقدم تطوراً تيبولوجياً، وتتوافق مع فترة استخدام قصيرة (بلا شك في حدود قرن). هذه الحقيقة ذات أهمية، ذلك أنه بالنسبة للمجتمعات الأمية، فإنها تعطي صورة لمجتمع محدد في فترة زمنية قصيرة. دعونا لا ننسى أن الجبانة، في حالة التنقيب فيها كلياً، بعد دراسة شاملة لمجمل تركيبها (مكان الحفرة، ووضع الهياكل واتجاهها، وطبيعة المتاع الجنائزي ونوعه...) تقدم مؤشرات على التنظيم الاجتماعي للمجموعة المدفونة هناك. سنقوم الآن بتقديم بعض تلك الجبانات لنعطي وصفاً لأهم خصائصها.

 

جبانة كدروكة KDK 18: هذا التل الصغير المستدير البالغ قطره حوالي 50 متر يصل ارتفاعاً أقصى يبلغ حوالي المترين من السهل المحيط وهو تل طبيعي في الأصل. تمت دراسته بصورة شاملة، فكشف عن 124 مدفناً من العصر الحجري الحديث Reinold,1993، والتي قدمت توزيعاً لجنس المقبورين بنسبة متساوية للذكور والإناث. عدد الأطفال وهرم الأعمار (البالغين والأطفال)، يقدم تماثلات عديدة. الاحتمال الأكبر أن الغالبية من أفراد هذه الجماعة لم يدفنوا في هذا المكان.

 

في بداية الاستخدام، شكلت المدافن موضوعاً لإعادة الحفر المستمرة. بعض المقابر المعادة حفرها كانت موضوعاً لمعالجة خاصة، والتي لم توجد في أي مكان آخر: تم اختيار بعض العظام- أساساً الجبهية والطويلة- من هياكل أكثر قدماً ووضعت في كوم في جانب واحد من الحفرة.

 

مساحة دفن الجثمان استخدمت في البداية على محورين، جنوب/غرب وشمال/شرق، وكذلك جزئياً شمال/غرب، المنطقة الوسطى تترك فارغة. هذه المساحة الفارغة أمكن تحديدها على الأرض وكانت موضوعاً لنوع من جدار شيد من مادة فانية. خلال الطور الأخير لاستخدام هذه الجبانة، وضع قبر في وسط هذه المساحة الفارغة. بعد هذا الدفن تم إدخال درزينة مقابر في دائرة حوله قبل هجران استخدام التل جبانةً. كلها لا تمثل أية إعادة حفر. من الضرورة التأكيد على أن هذه المقبرة المركزية كانت لامرأة بالغة. يتطلب التفسير النهائي لهذه الجبانة المزيد من التحليل، لكن التطور الكرونولوجى يقدم عناصر قيمة للمقارنات. خمسة تواريخ كربونية تضعها في حدود كرونولوجية بين 4.250 و 4.470 ق.م.(عمر عياري).

 

جبانة كدروكة KDK 13: الجبانة الأولى من العصر الحجري الحديث التى تظهر على سطح السهل. نسبة للتعرية الشديدة، اختفت حافات الحفر، ولم يتبق سوى قاع الحفر مع الهياكل وبعض الموضوعات. كانت المقابر منبوشة في منطقتين، على بعد حوالي عشرين متر، تكاد المدافن تكون ظاهرة (مكشوفة) على سطح التربة الرملية. من جانب ثانٍ غطيت المنطقتان بتراكم حصى ذات أصل أنثروبولوجي.

 

تم تسجيل أكثر من ثلاثين هيكلاً، معظمها في حالة حفظ رديئة. . The osseous rests يعيد تركيب أفراد دفنوا في وضع مقرفص، على جانب اليد اليسرى، وفق اتجاهات أقرب لـ شرق/غرب، الجمجمة دائماً في القطاع الغربي. المادة الأثرية، شحيحة، أعطت أمواس مصقولة وجدت موضوعة في جمجمتين، وكذلك فؤوس مصقولة وأطباق صغيرة مصنوعة من الحجر. يشمل الفخار ثلاث جرار ذات أشكال بيضاوية وتحمل زخرفاً من النوع proto-rippled ware تشير الأطباق الفخارية إلى تاريخ أدنى، العصر الحجري الحديث المتأخر، قريباً من عصر ما قبل كرمة. على كلٍ فإن ثلاثة تواريخ كربونية بين 4.940 و 4.720 (عيارية)، تعارض هذا التقدير. سنحتفظ بخاصة باحتمال تواريخ عالية بالنسبة لظهور تقنية rippled ware

 

جبانة كدروكة KDK 2: لا زالت قيد الاستخدام. بالتالي فقد عثر على أكثر من ألف مدفن، تم التنقيب فقط في 116 منها. الإسهام الأساسي لهذا الموقع أنه ساعد في تثبيت الترتيب الكرونولوجى، فبالنسبة للعصر الحجري الحديث فقط، يبدو أنه كانت هناك خمسة أطوار من الاستخدام. هذه الكرونولوجيا تعتمد في الأساس على تيبولوجية الفخار التى ثبتت عن طريق الاختلافات في الشكل والزخرف. للأسف، فإن المقابر المؤرخة النادرة، عن طريق الكربون 14، تضعها معاصرة لجبانة كدروكة KDK 1.

 

بربط المعطيات التيبولوجية بالإستراتيجرافية (ترتيب إعادة حفر المقابر)، يمكن تنقيح الكرونولوجيا المطلقة. بالتأكيد فإن التواريخ المطلقة المعطاة معملياً تمثل أبعاد إحصائية (تاريخ خام يعطى مع بعد يعبر في ± س سنوات). من وجهة نظر معملية يمنع مقاربة تاريخين إذا وقعا في نفس البعد. بالنسبة للجبانات المتقاربة في الزمن، فإن التواريخ عادة ما تؤكد بعضها على الآخر، فإن اللجوء للأطوار المحددة عن طريق تيبولوجيا المواد هي من ثم أساسية.

 

جبانة كدروكة KDK1: توفر لنا هذه الجبانة نموذجاً آخرا للكوم الذى سجل بهذا الاسم والذي نقب كلياً. يظهر كتل مستديرة إلى حد بعيد، لكن قطره بلغ ثلاثين متر، وبلغ ارتفاعه 1.50 متر تقريباً. عثر على 142 مدفن، 96 منها من العصر الحجري الحديث و46 نسبت لحضارة كرمة. مع بعض التدمير الذى تعرضت له بعضها فإنها ككل توفر الخريطة الأولى لجبانة من العصر الحجري الحديث بكاملها. تساوق المواد الأثرية الحجرية الحديثة يشير إلى استخدامها على مدى فترة قصيرة (احتمالاً مئة سنة) من قبل مجموعة منفردة. ترتيب الحفر والتوزيع الانتقائي لبعض أنواع الموضوعات يشير إلى الاختلافات الطبقية بين المدفونين ويوفر دليلاً على وجود مجتمع تراتبيي حينها.

 

التنظيم المكاني للمقابر يؤلف تقسيماً إلى مجموعتين Reinold,2000:83. غالبية الحفر توجد في الجزء الأعلى للكوم، بين الخطوط الكونتورية 230.70 متر و 231.10 متر.الباقية، قرابة الربع، وجدت في الجزء الأسفل حوالي 230.20 متر. تشير الملاحظة الأولية إلى توزيع حسب الجنس. المقابر الأعلى عموماً تمثل مدافن للرجال، في حين ان الأسفل تمثل مدافن للنساء.

 

المدافن الموجودة في القمة دائرية الشكل وتضم الأفراد المصحوبين بمواد ثمينة. الأطفال الذين لم يتم تحديد جنسهم دفنوا بطريقة عشوائية في المنطقتين وتؤلف مدافنهم قرابة ربع مجمل المدافن. الأطفال الذين توفوا في عمر مبكر دفنوا بالطقوس ذاتها التى حظي بها البالغون. هذا التقسيم إلى مجموعتين تؤكد عليه ملاحظة الموضوعات الجنائزية. سمحت الظروف الأكثر ملائمة للحفظ هنا، مقارنة بالسودان الأوسط، بتحديد 21 مجموعة من الأدوات المكتشفة.

 

قرابة ثلثي تلك المجموعات يمكن العثور عليها في كل الجبانة. تشمل تلك: قرون أبقار، علب زينة (مصنوعة من أسنان فرس بحر)، بقايا هياكل خراف، أدوات (تتألف من مقبض من العاج مع حجارة قزمية ملصوقة، وجرار بزحرف ملون). من الجانب الثاني، وجدت ثمان مجموعات مواد صنعية، يبدو بعضها لافتاً للانتباه، فقط في مجموعة مدافن كشف عنها في الجزء الأعلى. تشمل تلك المواد الصنعية أدوات زينة مصنوعة من محار بحري، رؤوس صولجان، وكؤوس جنائزية لسكب الخمر على الأضحية، وأشكال على هيئة كؤوس قرابين وهيئة بشرية.

 

ويبدو أن المدافن في المنطقة المرتفعة اتبعت خريطة معينة. يحتل مدفن واحد (سجل رقم KDK1 /131) موقعاً متميزاً بالقرب من وسط التل Reinold,2000:73. الحفر الأخرى رتبت حوله ممتدة إلى الخارج لتشكل دوائر محيطة متخذة من المدفن الأول مركزاً لها. هذا المدفن هو واحد من أكثر المدافن اللافتة للانتباه في المنطقة مع مواد جنائزية تفوق أي من المواد الجنائزية في النوبة أو السودان الأوسط. المدفن يتخذ شكل حفرة دائرية قطرها 1.50 متر حفرت في الارتفاع الأعلى للتل. وكانت هي الحفرة الأكثر عمقاً في الجبانة. في وسط الحفرة وجد هيكل لذكر بالغ، ذو بنية قوية، تجاوز الأربعين من العمر. وضع الجثمان على جانبه الأيمن، وهو أمر غير عادي بالنسبة لهذا الموقع، مقرفص باتجاه شرق/غرب، الجمجمة إلى الشرق والوجه متجه إلى الشمال. غطى الجثمان بجلد ثور واحد أو أكثر ملون بالأصفر. اشتملت زينة المتوفى على سوار ثقيل من العاج يحمي المرفق الأيسر مع ستة أسورة أصغر من العاج في المرفق الأيمن وبعض خرزات من عقيق أنبوبي حول العنق.

 

رتب المتاع الجنائزي في عدة مجموعات، سواء في المناطق المسطحة الموزعة في فاصل الحفرة، أو تلك مباشرة على الجثمان، أو حوله في الحفرة. في الجانب الغربي للمنطقة المسطحة، ارتبط تمثال شبيه بالإنسان من الحجر الرملي بكتلة مشربة بالأصفر. إلى الشمال، تضم المجموعة فأس صغيرة وثلاث صولجانات. المجموعة الشرقية تحتوي على أهم ترسب مع حقيبة زينة، ومقبض أداة من العظم، وإبرة، ونموذج فأس صغيرة من العاج. وتؤلف أربعة صولجانات إلى الجنوب مجموعة أخرى. وضع على الهيكل قرنان لطخا في طرفيهما بلون أبيض، وأداة استخدمت للتمليس، ويد هاون بالإضافة إلى صولجانين آخرين. يرقد المتوفى على طبقة تحوى بعض العناصر النباتية. في الحفرة رتبت خلف الجمجمة كأس (أشبه بكأس قربانية) وقدح مزخرف برسوم. أمام المتوفى وجدت أداتان لتشكيل الفخاريات، واحدة من الديوريت والثانية من حجر رملي إلى جانب جرة. أمام رجليّ المتوفى، حجر طحن من الحجر الرملي مع مشطين من العاج. أخيراً، وضعت ثلاث حاويات فخارية خلف المتوفى، سوياً مع كأسين وجرة كبيرة.  

 

المدافن الأخرى هى وفق معيار خاص يقوم فيه الجنس والوضع التراتبي بدور هام. محتويات المقبرة رقم 131 تكفي لتمييز المدفون وتشير الى أنه عضو هام في هذا المجتمع الزراعي-الرعوي دفن في هذا التل خلال الألفية الخامسة. هذا التجلي للتراتبية الواضحة هو ظاهرة استثنائية.

 

جبانة كدروكة KDK 21 : مع أنها لازالت في طور الاستخدام، فإنها توفر مادة جديدة عن طقوس الطقوس الجنائزية. سمحت هذه الجبانة بحفر وتسجيل 243 مقبرة! لازال الوقت مبكراً لتقديم تحليل لها لكن وصفاً للمعطيات التى توفرها كافياً لإظهار قيمة الموقع.

1) الأول يتعلق بطبيعة تلك التلال، التى نظر إليها، حتى الآن، بوصفها بقايا جزر على مجرى النيل القديم. الكوم KDK 21 نتاج مشاط إنساني، هذه الملاحظة، في مجرى التحليل ومن وجهة نظر الترسبات، مثلها مثل اكتشاف بنيات بقايا احتراق (رماد) وجدت في مستويات مختلفة، تقدم بينة على الزيادات المتعاقبة خلال تكون التل.

2) فيما يتعلق بالتماسك الضروري لتشييد مثل ذلك التل (البالغ حوالي 5000 متر مكعب)، فإنه يضيف الى إمكانية، بدراسة تشققات التقلصات، الكشف عن الأشكال الأصيلة، قبل الزيادات، ما يقدم كرونولوجيا نسبية للغاية لإنشاء الحفر وتأريخ المقابر المختلفة، والتي تتوافق على الأقل مع مرحلتي استخدام، وفقاً للمادة الفخارية.

3) إذا أضفنا الغطاء من الحصى والحجارة الصغيرة، والتي تغطي كتلة الطين المستخدم لتشييد التل، سنجد هناك، أصل التل الفوقي المميز للثقافات السودانية منذ العصر النيوليتى.

4) إعادة استخدام الحفر متكرر مجدداً، لكن منطقة مستطيلة تظل فارغة في الجانب الشرقي. هذا الخروج عن المألوف يتوافق مع وجود شكل من المبنى المشيد من مواد غير فانية، والتي لم تبق منها مخلفات يمكن الكشف عنها. دعونا نتذكر أن جبانة الغابة وفرت منطقة مستطيلة، كانت أيضاً إلى الشرق من الجبانة، خاوية من أية مقبرة. فرضية وجود مبنى مرتبط بالطقوس الجنائزية (سلف مصليات كرمة؟) مثيرة، لكنها تظل غير مثبتة.

5) وجود كتل حجرية (مسلات جنائزية) المرتفعة في جوانب الحفر هو سمة مميزة غير معهودة لهذه المرحلة Reinold,2000:77. تقع في الجزء الشمال الغربي للجبانة. لا بدَّ من التشديد إلى أن تلك العناصر لا تظهر على السطح. كلها بقايا مسلة عادة متداخلة مع المجموعة الأولى والمجموعة الثالثة وكرمة.

6) في العديد من الجبانات اعتدنا أن نجد البقايا الحيوانية (كلاب، وأغنام)، مرتبطة بالمدافن الإنسانية. بالنسبة لـ KDK 21، هناك حفر فردية كل حفرة تحتوي على بقايا كلبين، مدفونين مثل الإنسان (على الجانب وفقاً لمحور شرق/ غرب). بالإضافة، فإن تلك الحفر، من بين أربع رتبت وفقاً للنقاط الرئيسة. ورغم أن وضع الكلب (دوره) غير مفسر بعد فإنه قد يعطي هنا معنىً معيناً، بدون شك أكثر من مجرد كونه مادة قرابينية.

7) تم اكتشاف المقبرة الرئيسة بالنسبة لطور من الطورين، في ارتباط بمجموعة القطاع الشرقي/ الغربي. هنا تحتوي الحفرة على جثمانين (رجل وامرأة) مع وضع الجسدين بما يشير إلى أهمية أكبر للمرأة Reinold,2000:71. يثير هذا تساؤلاً عما إذا كان الرجل يمثل قرباناً في لحظة الدفن؟ العديد من الكؤوس القرابينية وموضوعات أخرى، كان قد تم التعرف عليها ممتلكات رجالية في الجبانة KDK 1، وجدت في KDK 21 مع المدافن النسائية. الدور الأساسي للمرأة، المثبت في KDK 18 ، تم التأكيد عليه هنا. نأمل في أن تؤدي أعمال تنقيب كاملة إلى توفير فهم أكبر للتنوع الملاحظ في تلك الجبانات.

8) فيما يتعلق بالثقافة المادية، دعونا نشير في هذا التقرير المقتضب، إلى الكشف عن تمثال شبه إنسان، من الحجر الرملي مجزع، عثر عليه في قبر شاب دون العشرين من العمر، وكان الموضوع الجنائزي الوحيد في المقبرة. شحذ في البداية، ثم نقر قبل أن يتم صقله كلياً. من الضروري التشديد على أن نقاط التثبيت piquetage لها الطبيعة نفسها الموجودة بداية في المسلات. يميز هذا التمثال نفسه عن كل التماثيل الأخرى في وادي النيل. فالفنان الذى نفذ هذا العمل عرف محدودية المادة وبدون أن تكرار التفاصيل التشريحية تمكن من خلق مثالاً مثير للعواطف لشكل إنساني. ظهرت التماثيل المرتبطة بمفهوم الإلهة الأم في الشرق الأدنى حوالي 8.000 سنة مضت وارتبطت عادة بتقدم الزراعة ونمط حياة الاستقرار. قد يبدو في محتوى الثقافات النيلية، على أية حال، أنها ظهرت خلال فترة كان الناس يمارسون فيها إلى حد بعيد نمطاً حياتياً بدوياً أو شبه بدوي. إضافة فإن الأسلبة القصوى التى تنضح في خصائص الأنثى دون إعادة إنتاج أي من رموز الأعضاء التناسلية الأنثوية تحتاج إلى تفسير. الكشف عن مثل هذا التمثال في غرفة دفن شاب دون العشرين تثير مجدداً العديد من الأسئلة التى تحتاج إلى إجابة.  

 

أربعة تواريخ تم التحصل عليها عن طريق الكربون المترسب يضع طور واحد من أطوار الجبانة في تاريخ محدد للغاية، بين 4.790 و 4.720 ق.م.(عمر عياري).

 

القبر المنعزل كدروكة KDK 151: رغم أنه يرجع إلى تاريخ أكثر حداثة، فإننا سنقدم وصفاً له كقبر منعزل لأنه يقدم طقوساً جنائزية مشتقة مباشرة من تلك الطقوس التى نشأت في العصر الحجري الحديث. كوم من الحصى في سهل، قدم العديد من الخرز المصنوع من بيض النعام، إلى الجنوب من الكوم، أخضع لأعمال مجسات. أعطى الكوم قبراً لفرد دفن في وضع ملتو على جانبه الأيسر، وفق محور شرق/ غرب، الرأس في الجانب الشرقي. خلف ظهره ترسب يحتوي على فأس مصقولة، وشظايا تؤلف في مجملها سكيناً، وملعقتين من العاج، وعدد من متحجرات بطنيات الأقدام (الحقب الثالث Tertiary period). تظهر بعض شقوف الفخار زخرفاً من نوع غير معتاد أشبه ببيض الصدف المميز للمجموعة النوبية الأولى. يعد هذا القبر المنعزل، في السهل، المثال الأول الذى يمكن ربطه بما قبل كرمة.

 

الاستنتاج

مع أن تنفيذ أعمال تنقيب شاملة طبقة إثر طبقة قد تستغرق زمناً طويلاً، فإنه لا مفر من ذلك إن كان لنا أن نحقق فهماً كاملاً لعملية التنظيم الاجتماعي للسكان المعنيين. حتى هذا سيثبت عدم قيمته في تفسير الديموغرافية القديمة.

 

توفر تلك الجبانات الكثير من النقاط المشتركة، بخاصة في مجال الثقافة المادية وتشير إلى عادات مع تنوعها من جبانة إلى أخرى تبدو حبلاً موحداً. الثابت والمتغيرات تترجم فيما يبدو حقيقة سكان متجانسين وتشير إلى تطور سريع لأنظمة اجتماعية للمجموعات الإنسانية. التواريخ المطلقة غير كافية، لتمكيننا من إعطاء تحديد دقيق عما إذا كانت تلك العادات مؤشرات لمعطيات كرونولوجية، يمكنها أن تترجم تطور العادات، أو أنها تتوافق لوجود عدد من المجتمعات في الوقت نفسه منظمة وفق نماذج مختلفة، وفق معطيات إقليمية. على كلٍ، فإن دراسة تجانس المواد الفخارية في المواقع تكشف انه في الغالب نتاج مجموعة سكانية واحدة تعكس بنيات اجتماعية في حالة تحول.

 

في السودان الأوسط بحلول الألفية الثالثة كان هنالك نمو مطرد في المجتمعات الرعوية نتيجة تطورات محلية. في النوبة، تشهد الألفية الثالثة ظهور أول مملكة أفريقية، كرمة. سيظهر التركيب الاجتماعي لجماعات العصر الحجري الحديث أن تلك المملكة هي الخلف المباشر لها. بوصولها إلى ذلك المستوى من التراتب الاجتماعي، فإن تلك المجتمعات الحجرية الحديثة ما عادت تتطور على أساس مبادئها، ولكن وفق نماذج ترتبط بنموها. بالتالي فإنها مقدمة لظهور ممالك.

 

أخيراً من الضروري القول بأن الأبحاث في إقليم دنقلا، تفيد فائدة كبيرة من التعاون الذى أصبح حقيقة بين بعثتنا، وبعثة جامعة جنيفا ومع شارلس بونيه، وبعثة جمعية البحث الآثارى للسودان مع ديريك ويلسبي. واحدة من النتائج المقنعة لهذا الأسلوب للتعاون المتبادل هو إمكانية تتبع تواتر ثقافات ما قبل التاريخ، بدون فجوة كرونولوجية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Reinold, J. 1993, 'Section Française de la Direction des Antiquités du Soudan : Preliminary Report on the 1991/92 and 1992/93 Seasons in the Northern Province' S.A.R.S.5, 33-43.

Reinold, J. 1994, 'Les sépultures primitives de Sedeinga dans le contexe du néolithique soudanais', Hommages à Jean Leclant, BdE 106/2, I.F.A.O., Cairo, 351-60.

Reinold, J. 1997, 'SFDAS : un quart de siècle de coopération archéologique', Kush 17,

Reinold, J. 2000, Archéologie au Soudan – Les civilisations de Nube, Paris.

جاك رينولد كان عضواً ورئيساً للوحدة الفرنسية التابعة لمصلحة الآثار السودانية في الفترة بين 1970- 72 و 1975- 2000. كلف بمشروع البحث  في مواقع العصر الحجري الحديث في إقليم شندي، إلى جانب أعمال المسح الآثاري في النوبة، وأعمال التنقيب في وادي الخوي وأعمال أخرى في السودان ذات صلة بالأعمال المؤقتة الإنقاذية.