مشروع المسح الآثارى لمنطقة الجندل الرابع المهددة بالغرق

 

مدافن تلية في أم رويم ووادي القرين

أسامة عبدالرحمن النور وحسن محمد أحمد خليل بندى

 ترجمة عن الأصل الإنجليزي

El-Nur Ossama and Bandi Hassan: The Potential of the IVth Cataract Archaeological Project 1: Mound Graves at Umm Ruweim and Khor al-Greyn. In: C.Berger, G.Clerc and N.Grimal (assemblers): Hommage à Jean Leclant. IFAO. Le Caire 1994.

 

 

   أم رويم

   خور القرين

   المناقشة

   خاتمة

 

 

قبل سلسلة أعمال المسح الآثارية الأخيرة التى نهضت بها الهيئة العامة للآثار والمتاحف القومية السودانية، سادت في أوساط الباحثين في علم الاثار السودانية قناعات ترى في المنطقة الواقعة بين الجندلين الرابع والخامس امتداداً جغرافياً خاوياً من الآثار، بالتالي إقليماً غير واعد آثارياً خلافاً لبقية أجزاء النوبة العليا (السودانية).

 

بفضل تقارير غير منشورة، كتبها إداريون وأيضاً بعض أهالي المنطقة، وبفضل بعض أبحاث قليلة ذات قيمة علمية نشرت (1)، تبلورت شكوك لديَّ حول مصداقية تلك القناعات السائدة بشأن سلبية المنطقة المعنية آثارياً: هل يجوز، منطقياً، أن يكون أي جزء من وادي النيل، بخاصة عندما يكون جريانه في منطقة سهل فقيرة، مهجوراً دوماً؟

 

اتخذت حكومة الديمقراطية الثالثة قراراً بتكوين لجنة تسيير للإشراف على إجراء دراسة جدوى لقيام مشروع خزان مروي (الحمداب). كانت اللجنة برئاسة وكيل أول وزارة الري والموارد المائية، شملت عضويتها عدداً من مديري المصالح الحكومية ذات الاختصاص كانت الهيئة العامة للآثار والمتاحف القومية من بينها. فتشييد خزان عند الجندل النيلي الرابع يمثل بحق مشروعاً حيوياً بالنسبة للتنمية الاقتصادية في المنطقة، إلا أنه وفي الوقت نفسه يشكل، من الناحية الآثارية، تهديداً باحتمال فقدان جزء من التراث الحضاري للسودان لازالت مخلفاته مدفونة في باطن الأرض لم تصل إليها معاول علماء الآثار بعد. من ثم فإن مشروع تشييد الخزان يمثل تحدياً خطيراً يتوجب على الإدارة العامة للآثار والمتاحف اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية التراث القومي.

 

بهذا الفهم ووفق الفرضية المطروحة والتي تستبعد إمكانية "الخواء الآثارى" للمنطقة، صاغت الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية مشروعاً متكاملاً يهدف إلى إنقاذ تراث المنطقة الآثارى الاثنوغرافي قبل ارتفاع منسوب النيل الذى سيحيلها آثاراً مغمورة ومنسية أبد الدهر. مشروع الإدارة العامة للآثار يهدف البدء في عملية الإنقاذ بوقت كاف مستفيدة من تجربتها الهائلة التى راكمتها خلال حملة إنقاذ النوبة التى كان قد استوجبها مشروع تشييد السد العالي في أسوان. يدعو المشروع إلى ضرورة مشاركة جهات علمية شتى في عملية الإنقاذ. قدمت، بوصفي مديراً عاماً للآثار والمتاحف القومية، المشروع أمام المؤتمر العالمي للدراسات السودانية، الذى نظمه معهد الدراسات الأفريقية الآسيوية بجامعة الخرطوم بالتعاون مع جمعية الدراسات السودانية في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي انعقد بقاعة الشارقة/ جامعة الخرطوم في يناير 1988.

 

في فبراير 1988 قمت بكتابة رسالة مناشدة لمدير عام اليونسكو طالباً منه إعلان منطقة الجندل الرابع كنزاً تراثياً إنسانياً مهدداً بالغرق، ومن ذمَّ استصدار نداءً عالمياً للإسهام في إنقاذ آثار المنطقة بوصفها تراثاً يهم البشرية جمعاء. وقد استجاب مدير عام اليونسكو مشكوراً واتخذ قراراً بإرسال بعثة "تقييم الموقف" لتحديد حجم الإمكانيات الآثارية الكامنة في المنطقة تمهيداً لاستصدار النداء العالمي.

 

شهدت الفترة من مايو 1988 حتى أكتوبر 1989 أعمال تمهيدية شتى تتعلق بالتجهيزات العلمية والمالية للمشروع. في مايو قمت يرافقني د. جاك رينولد، رئيس الوحدة الفرنسية بالإدارة العامة للآثار، بعملية مسح مبدئية لضفتي النيل من كريمة حتى أبي حمد، وفي أكتوبر 1989 بدأ تنفيذ المرحلة الأولى من عملية المسح الآثارى للمنطقة برئاستي من قبل فريق من ضباط الآثار بالإضافة لأعضاء الوحدة الفرنسية. وفي ديسمبر من العام نفسه وصل فريق اليونسكو برئاسة السكرتير الدائم لأكاديمية العلوم الإنسانية البروفسور جين لوكلان Jean Leclant. اطلعت البعثة على النتائج التى توصل إليها فريق عمل الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية، وعلى التقرير المبدئي الذى لخص النتائج. بعدها قام فريق اليونسكو بزيارة ميدانية للمنطقة. وقد قدم البروفسور لوكلان تقريره لمدير عام اليونسكو بعنوان "تقرير عن الدراسة الميدانية لمنطقة الجندل الرابع" لخص فيه النتائج الأساسية المتحصل عليها من قبل فريق الإدارة العامة للآثار والتي أكدتها بعثته ميدانياً. غيرت النتائج جذرياً القناعات السابقة القائلة بفقر المنطقة وعدم واعديتها آثارياً.

 

أدناه نقدم دراسة لمدفنين من ثلاث مدافن تم تنقيبها خلال المرحلة الأولى للمسح الآثارى للمنطقة. أجريت عملية التنقيب كدراسة تمهيدية. المدافن تم الكشف عنها وتنقيبها في أكتوبر 1989. قد تبدو المدافن فقيرة نوعاً ما مقارنة بأخرى ذات ردميات فوقية تلية ضخمة تمَّ تسجيلها في المنطقة. كان اختيارها تحديداً دون غيرها تجنباً للدخول في طويل الأمد قد يتطلبه العمل في التلال الأكبر حجماً. المدافن التى أجري التنقيب فيها تقدم نموذجاً للمدافن في عشرات الجبانات الصغيرة المنتشرة في المنطقة. إنها تؤكد على الحالة الجيدة من الاحتفاظ بالمواد الفانية للقبر، وتسهم بالتالي، بما لا يدع مجالاً للشك، في مسار المناظرة الجارية حول التطور الثقافي في الفترات الختامية لمرحلة ما قبل المسيحية في السودان. والحال كذلك فقد ارتأينا تناول مقبرتين من بين الثلاث التى أجرى التنقيب فيها.

 

أم رويم (شكل 1)

بينما أخذ فريق الإدارة العامة للآثار- الوحدة الفرنسية المشترك في التجمع بمعسكره بمنطقة أم رويم في وادي أبي دوم، كرست أيام معدودات لتدريب ضباط الآثار حديثي التعيين على العمل الميداني المخطط له. تم رسم الخرائب التى سبق أن وصفها في عجالة هـ.ن. شيتيك (2). كما وأجريت أعمال التنقيب في مقبرتين هنا، الأولى بردمية فوقية بالقرب من أم رويم-1- ، والثانية مقبرة مستطيلة شيدت في وسط جبانة بالقرب من أم رويم-2-.

الأولى عبارة عن مقبرة غطتها ردمية فوقية تلية شبه دائرية قطرها 13 متر تقريبا مع امتدا ناتج عن تعرضها للنهب. يبلغ ارتفاعها المتر ونصف المتر. شيدت الردمية بالتراب والرمل والحصى. وضع على حافات الردمية غطاء كثيف من صخر صواني خام على شكل حلقة بيضاوية بغرض حماية تربتها من الانهيال. تعرضت المقبرة للنهب من الجانب الغربي للردمية مما يجعل من الصعوبة بمكان تحديد عما إذا كانت الحلقات بلسان واحد أو بلسانين اثنين، أما اللسان الشرقي فهو مؤكد.

حفر ممر دائري، قطره متر واحد، وعمقه 92 سم، في سطح رملي سابق. يقود هذا الممر الى صف من ألواح حجرية تغطي مدخلاً طوله 120 سم بعرض 54 سم. الحجارة عبارة عن صخور انسلاخية مصدرها المنطقة القريبة من الموقع. وشكلت كتل طينية مادة

شكل-1 umrweim-tomb

لصق للألواح بعضها بالآخر كما يلاحظ ذلك بوضوح في الجانب الشرقي للمدخل. يبدو ان تلك الألواح لم تحرك من مكانها عن طريق الزوار السابقين من اللصوص. يفضي المدخل الى فجوة بيضاوية في الأسفل عمقها يصل الى 90 سم، وطولها 170 سم، وعرضها 140 سم. الأرضية خشبية التسطيح خالية من أي عظم في موقعه الأصلي، مع انه لوحظت بقايا عظمية. يرقد جثمان في وضع ملتو، تمت إزاحته وأخذ رسم له بغرض التدريب.

 

وضع التراب الناجم عن الحفر في شكل حلقة دائرية على السطح الأصلي للأرض. وجدت بقايا موقد في الشمال الشرقي للممر الرأسي. عثر على أجزاء كروية الشكل، خشنة الصناعة، وغير متناسقة البنية، محروقة حرقاً طفيفاً وسط كوم مخروطي الشكل تراكم نتيجة عملية النهب التى تعرض لها المدفن. من هنا فإن انتماء أجزاء الجرة للمجموعة الجنائزية أم للصوص يظل لغزاً غمضاً.

 

خور القرين (شكل 2)

بما أن التنقيب في مدفن أم رويم وردميته الفوقية لم يوفر أية نماذج للفخار ذات قيمة لأغراض الكرونولوجيا، فقد تم اختيار مدفن آخر وسط جبانة تضم حوالي مئة ردمية فوقية في خور القرين. صغر حجم المدفن 6.07 متر 3x متر 57x سم، مع وضوح آثار للنهب بادية من انخفاض في قمة الردمية كان معياراً لاختيار هذا المدفن تحديداً. شيدت الردمية الفوقية مثلها مثل المدفن السابق في أم رويم من التراب المحلي، وحصنت الحافات بدائرة بيضاوية من الحجر  80x60 سم سمكاً من حجر صواني وصخور انسلاخية خام جمعت محلياً.

مدخل المدفن عبارة عن سلم بعتبة أو اثنتين تشكيلهما غير دقيق، متجه من الشرق الى الغرب. اتجاه الفجوة شمال/ جنوب، بطول يبلغ 1.08 متر، وعرض 0.59 متر مع عمق يمتد متراً واحداً. وجدت مقتنيات أثرية في الفجوة داخل مشكاة حفرت في جميع الاتجاهات باستثناء الشرقي منها.

جميع العظام لشخص واحد، وتمت ازالتها، بالتالي ما كانت هناك حاجة لرسمها. ركز اللصوص كالعادة اهتمامهم على الزيمة الشخصية التى تحلي جسم المتوفي. وجدت محتويات المقبرة، المغطاة بالتراب المنهال نتيجة عملية النهب، سالمة في وضعها الأصلي. لن نتناول المقبرة بالوصف المفصل، فقط نقول ان المواد الجنائزية تألفت من مصنوعات فخارية هى:

elgreyn-tomb

شكل 2

1- قدح من الفخار غير منتظم الشكل، وسميك، وثقيل الوزن.

2- قدر من الفخار أشبه بشكل القرع، وجد مليئاً بشظايا حصوية لصخر صواني. يشبه هذا القدر آخر سبق العثور عليه في القدار (3).

3- قارورة من الفخار، صنع كل من العنق والجسم على حدة ومن ثم دمجا.

4- قارورة من الفخار كبيرة، تعرضت لحرق أفقي في الجسم وعمودي في العنق. الجسم والعنق موحدين.

5- قارورة من الفخار كبيرة غير منتظمة الشكل، شكل كل من الجسم والعنق على حدة.

 

يلاحظ أن كل المصنوعات الفخارية المذكورة سوداء أو بنية اللون، وخشبية الصنع، وطفيفة الحرق، ومسقلة بكمية من جزيئات نباتية ومعدنية (مايكا في الغالب) والتى لا تترك مجالاً للشك في الطابع المحلي للصناعة. كل تلك المصنوعات يدوية دون استخدام عجلة الفخاري.

 

الى جانب هذه المصنوعات الفخارية اشتملت مقتنيات القبر على سلة مصنوعة من جريد النخيل وطبق صنع هو الآخر من جريد النخيل بإضافة خرز انبوبي الشكل من الفايانس,

 

المناقشة

يبدو واضحاً، من الوصف أعلاه ان المقبرتين في منطقة الجندل الرابع ترجعان تاريخياً للفترة السابقة مباشرة للمسيحية في السودان، وتنتميان لنوع المقابر في الإقليم الجنوبي للنوبة السودانية (السودان الأوسط) أكثر من انتمائهما لتلك الموجودة في إقليم النوبة الشمالي. نوع القبر الذى تم التنقيب فيه في أم رويم ينتمي لنوع المقابر التى نالت تسمية "خلية النحل". نظائر عديدة لهذا النوع عثر عليها في أزمان سابقة في منطقة الخرطوم * والذى تبعته نماذج أخرى في كل من السبيل، والجريف شرق، والسروراب وأخرى. الشكل الثاني للقبر الملاحظ في خور القرين، مشكاة مجوفة مقطوعة بطريقة متعامدة مع السلم، نجد وصفاً لمئات المقابر المظيرة له في الجريف شرق، والسروراب، والأحامدة، والسقاي، والجيلي، والهوبجي، والكدادة، ومروي، وبدير، وتنقاسي وغيرها.  شكل الردمية الفوقية يدعم فرضينما هذه ويعززها. الردميات الفوقية التى تشكل حماية من انهيال التربة تقام بحلقة حجارة بلسان أو لسانين مستطيلا الشكل أو مربعين، وهو ما تم وصفه على الأقل منذ المسح الآثارى الذى نفذه كراوفورد في عام 1953 في منطقة تمتد من السروراب، والهوبجي، ووادي هوادة حتى تنقاسي والقدار في الشمال على الأقل.

 

هل يمكننا تحديد تاريخ دقيق للمقبرتين "العينة" من الجندل الرابع بالاعتماد على ما تم جمعه من مقتنيات القبرين؟ ينطوى ذلك على مخاطرة كبيرة في الغالب حيث أن فخار المنطقة لم تتم دراسة له اطلاقاً، وحيث أننا لم نلاحظ، بإستثناء تنقاسي، بقايا مواقع استقرار دائم كان بإمكانها مد المناطق الريفية بفخار مصنوع على عجلة الفخاري. بعض الآثاريين الذين يعتقدون بإمكانية التعرف على مصنوعات فخارية من نوع "نموذج علوة" غير المحدد لمجرد ورود ذكر للمصنوعات الفخارية  اليدوية قد يأنسوا في أنفسهم الكفاءة لارجاع تاريخ مقتنيات مقبرتينا الى "فترة ما بعد مروي". آخرون قد يقفزون، من خلال الربط بين القدح والقارورة السوداء، لرؤية أواني طقوسية لسكب الماء أو الخمر على جسد الأضحية، أو رؤية "مائدة قرابين" من خلال القوارير و "جرات الخمر"، بالتالي يرون في تلك المقتنيات تاريخاً يرجع المقبرتين الى فترة "ما بعد الأهرام". ليس في مقدورنا في الوقت الحالي تقديم العون لأصحاب أي من الرؤيتين. تأريخ يعتمد على تقنية الكربون المشع 14 لا نعتقد بأنه سيضيف جديداً للمناقشة حيث أنه أسلوب لا علاقي بالنسبة للحالة الراهنة. يمكن القول بأن مقبرتينا تنتميان لثقافة السودان المتأخرة ما قبل المسيحية، تاركين للمتخصصين مناقشة التواريخ المؤكدة والتطورات الثقافية المحددة. الواضح أن خور القرين يعكس، من حيث شكل القبر ومقتنياته الطقوسية، استمرارية منذ الأزمان المروية، مع أننا نجزم بصعوبة التأكيد على ان مثل هذا النوع من المقابر يمكن تأريخها بصورة قطعية لوقت ما بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين. ابراز مجموعة كاملة للفخار اليدوي الصنع، للفترة الممتدة من ما قبل الى ما بعد "نهاية مروي" شرط مسبق وضروري لن نكون بدونه في وضع يسمح باقتراح تسلسل زمني أكثر تماسكاً.

 

سلسلة من القضايا مطروحة أمام المتخصصين في دراسة المرحلة. الجدير بالملاحظة ان السمات المميزة للمقابر ترتبط بموقعها الجغرافي أكثر منه بتسلسلها الزمني خلال القرون الخمسة الأولى للميلاد. تكونت مقابر النوبة السودانية الشمالية، على امتداد المرحلتين النروية المتأخرة وما بعد المروية، عموماً من حفرة في طبقة الأرض الواقعة تحت التربة مباشرة بهدف بناء حجرة دفن مستطيلة من الطوب. في حدود معارفنا الحالية لم يتم الكشف عن هذه السمة الإقليمية في النوبة السودانية الى الجنوب من الجندل الثالث: يعيد المزارعون النوبيون إنتاج الشكل الأساسي لمسكنهم بالنسبة لمقر موتاهم. أعطت الجزيرة والمنطقة الواقعة مباشرة الى الشمال من ملتقى النيلين في الخرطوم مولداً، في العصر ما بعد المروى، لنموذج المقبرة المعروف باسم "خلية النحل" والذى يبدو بمثابة كوخ دائري تحت الأرض صغير الحجم: مرة أخرى يعاد إنتاج نوع المسكن السائد مقراً للموتى. في منطقتي الخرطوم وشندي نموذج المقبرة الأساسي عبارة عم تجويف بيضاوي الشكل، الوصول إليها إما عبر ممر رأسي عمودي أسطواني الشكل. السؤال المطروح: هل يمكن استخدام أشكال القبر، التى يدوم استخدامها خلال قرون، بواسطة الآثاريين معياراً فاعلاً لتمييز الأقسام المختلفة لسكان وادي النيل ما قبل المسيحية؟

 

تأكيداً، لن نحاول تمييز شعوب مختلفة اعتماداً على متغيرات التقاليد الإقليمية في بناء المدافن. ولن نحاول، أيضاً، على أساس أنواع المقابر، دراسة تحركاتهم عبر منطقة الإمبراطورية المروية السابقة، الموحدة في وقت ما، المفككة تدريجياً الى "إمارات" منفصلة. تكمن الخطورة في إعادة إحياء الفرضيات الرومانسية للتدوين التاريخي الاستعماري للسودان بتفسيراتها العرقية والعنصرية المفتقدة للأدلة. الاستنتاجات الفاقدة لوقائع تدعمها حول تحركات هائلة للقبائل، وتدمير البرابرة (!) للثقافات الحضرية، واختفاء المدن، وأيضاص إنتشار الولع بعادات السكر (وهو ما نقرأ للأسف في بعض الأعمال المعاصرة)، كل ذلك أصبح آيلاً للزوال في السودان كما حدث في أوربا بالنسبة لتفسير انهيار الإمبراطورية الرومانية المعاصر لانهيار مروى.

 

عودة لمنطقة الجندل الرابع، منعزلة وفقيرة، غير جاذبة لسارقي الآثار كما هى شاقة بالنسبة للباحث الآثاري الميداني، نعود لنقترح في هذه اللحظة توجهاً جيديداً للمناظرة المستقبلية حول إشكالية "نهاية مروى". لم نحقق نجاحاً في تسجيل مدن أو قرى من العصر المروى ولا من العصر ما بعد المروى في الامتداد من نوري حتى جزيرة مقرات. قطعاً، لا يعني ذلك عدم وجودها. لكن المسكن الكوخ تصعب ملاحظة بقاياه للمساح الآثاري دون النهوض بحفريات شاملة مثل تلك الجارية حالياً في كل من كرمة (بعثة جامعة جنيفا التى يشرف عليها شارلس يونيه) وسوبا (بعثة المعهد البريطاني بشرق أفريقيا التى يشرف عليها ديريك ويلسبي). سجلنا تلالاً مهولة الحجم في المنطقة، على الأقل في موقعين على الضفة اليسرى للنيل، في حجر البيضة والخزينة (الاسم الأخير في حد ذاته له دلالته)، مشابهة للتلال التى تمت دراستها في تنقاسي والزومة. هذه التلال الردميات الفوقية تشير بصورة تكاد تكون قاطعة الى وجود دولة. لهذه الدولة يمكن أيضاً ارجاع المباني- الخرائب المختلفة. الأخيرة هذه آثار مؤكدة لنشاط ملكي سواء في أبى دوم أو خور الشرقاوي.

 

كل تلك السمات، التى تربط عشرات الجبانات بظواهر هيراركية الدولة، تقودنا الى التفكير في الاقتصاد المعاصر لها بمفاهيم اثنولوجية. أسلوب الاعاشة في هذه المنطقة الفقيرة المنعزلة عن الطرق الرئيسة، كان رعوياً في الأساس خلال الأزمان المروية المتأخرة وما بعد المروية.

 

مثل وجهة النظر التفسيرية المبدئية هذه - فرضية أخرى في هذه المرحلة الأولية لمشروع المسح الآثارى لمنطقة الجندل الرابع - يمكن ان تبرر إنتمائية هذه المنطقة للإقليم الجنوبي أكثر من إنتمائها للإقليم الشمالي للنوبة السودانية التى كانت تتطور في الفترة المروية المتأخرة على قاعدة الزراعة، لكنها تراجعت جزئياً، في الفترة ما بعد المروية، الى اقتصاد تقليدي. تمثل الإمبراطورية المروية، في رؤيتنا، نظاماً سياسياً جامعاً لشعوب اثنية تمارس في الأساس نمطاً رعوياً للحياة كتلة واحدة امتلكت السيطرة على حرية الوصول الى النهر. النوبة كانت الاستثناء، تعود خصوصيتها لجغرافية صحراوية ولاقتصادها ولارتباطاتها السياسية بمصر. ربط نهر النيل، بخاصة حياضه الغنية في مناطق الرعي، سلسلة من الأقسام النهرية. تلك الأقسام كرست جغرافيا لاحتواء الفائض الديموغرافي الناشئ في المحيط السهلي الهش. شكلت تلك الأقسام ملاذاً في أوقات الكوارث والجفاف. تطور الإمبراطورية المروية يمكن رؤيته تاريخاً للتوازن الاقتصادي بين جماعات امتلكت حرية الوصول الى النهر، وأخرى فاقدة لتلك الحرية. يعكس التدوين التاريخي المروي وجهة النظر هذه، حيث تشير معارفنا الى التقيؤات المتكررة في العصر المروي، والمعروفة من سلسلة النقوش التى تعلن استلاب الجزية بالآلاف ومئات الألوف للثروة الحيوانية، التكامل المتحكم فيه، في الفترتين المرويتين الكلاسيكية والنتأخرة، مع النمو الاقتصادي للأقاليم الجنوبية وتقبل قبائل النوبة الوافدة ومع ما يسمى بإعادة تأهيل النوبة مع ادخال الساقية من مصر. كيف كان تأثير الحملات الاكسومية على مثل هذا التوازن التقليدي؟ ما من أحد يستطيع تحديد ذلك حتى اللحظة. حتى عندما نعرف بتحديد ان وادي النيل النوبي فقد في حالة واحدة 165.010 رأس ماشية و 51.050 رأس من الأغنام.

 

خاتمة

يمكن ان يكون التواجد السكاني في منطقة الجندل الرابع خلال العصر ما قبل المسيحي مجالاً نموذجياً لاختبار النظريات الحالية حول "نهاية السيادة المروية". الموقع الجغرافي للإقليم (الجندل الرابع)، كلياً منطقة ملاذ ونقطة اتصال بين سكان الوادى وسكان الصحراء الشرقية وسكان سهل البيوضة الرعاة، يجعلها منطقة فريدى بين أقاليم النيل. الجبانات تعد بالعشرات، احتمالاً ان تكون قرابة المئتين أو الثلاثمائةعلى الضفة اليسرى فقط. أحجامها وكثافتها أقل بالطبع مما هو عليه في الجنوب المروى، لكنها هنا أقل تعرضاً للتشويش وفساد الترتيب. تحتفظ بمقتنيات على درجة عالية بفضل الجفاف في تلك العروض، والتى تتحدى نوعيتها تلك المكتشفة في النوبة. درجة حفظ العظام هى أفضل ما يحلم به الأنثروبولوجي. يمكن لعالم الآثار أن يكتشف، كما في مناطق الساحل الأخرى، مجمل المتاع الجنائزى، ويعثر على تلك المواد التى تتغيب عادة، والمصنوعة من المواد النباتية والحيوانية، السعف والجلود، المصنوعات اليدوية التقليدية للرعاة النيليين. كما وان الثلاثمائة كيلومتر التى تشكل امتداد هذه المنطقة لا تفتقد الى ظواهر مثل المدافن التلية الملكية والمباني، مماثلة لتلك التى تم التعرف عليها مؤخراً أبعد الى الجنوب نتيجة أعمال مصلحة الآثار وشعبة الآثار بجامعة الخرطوم.

 

بالتالي فان أسلوب ورقتنا هذه، الأولى، دعونا نأمل، من سلسلة تهدف الاعلان عن مشروع انقاذ آثار منطقة الجندل الرابع المهددة بالغرق في حالة الشروع في تشييد خزان الحمداب. البعثات المحلية والأجنبية مدعوة للإسهام في هذه الحملة الواعدة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عباس سيد أحمد، "آثار جزيرة مقرات"، السودان في مدونات، العدد 52، الخرطوم 1971، ص. 1- 22.

(2) هـ.ن. شيتيك، أنظر مجلة كوش، العدد 3، الخرطوم 1955، ص. 88- 89.

(3) ج. فيلبس و ك. جريزيمسكي، المسح الآثارى في النوبة العليا، تورونتو 1987، ص. 35.

(*) أنظر النوع الأول لهذا النموذج، وكذلك استخدام المصطلح "خلية النحل" في: مارشال وعبدالرحمن آدم، مجلة كوش، العدد الأول، الخرطوم 1953، ص. 44).