مدفنان من عصر نبتة في شبا العرب

(بالقرب من البركل)

أسامة عبدالرحمن النور


 

يجلب اكتشاف مقبرتين من عصر نبتة في مايو 1988 في قرية شبا العرب بالقرب من جبل البركل إلى دائرة الضوء بعض المعلومات المفيدة بالنسبة لواحد من محاور مؤتمر برلين للدراسات المروية. ومع أن المقبرتين تم وصفهما في تقرير موجز قدمته للبروفيسور ليكلان (Leclant- Clerc 1989, Orientalia, 58, 3: 416 fig. 66 to 71)، وعلقت عليه مدعوماً بالصور الملونة (Osama Elnur, Sahara, forthcoming)، أود هنا أن ألخص المعطيات المستخلصة من أعمال التنقيب في المقبرتين بأمل تقديم المزيد من القمح لمطحنة تيموثى كندال، بتوفير المعلومة قبل بدء المناقشات لورقة كندال الرئيسة "جذور الدولة النبتية".

 

من بين عشرات المدافن المنحوتة في الصخور في شبا العرب بالقرب من جبل البركل، قامت الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية بالتنقيب، جزئياً، عن مقبرتين نالتا الرمز ارا-1 و ارا-2.

 

ارا- 1 : تتألف على الأقل من سبعة غرف للدفن، رتبت في مجموعتين منفتحتان على حفرة عمودية بمدخلين مستقلين. غرف الدفن شبه مستطيلة، مساحة كل غرفة أمتار مربعة قليلة وبارتفاع 1.2 متر. ترتبط الغرف ببعضها من خلال أبواب، كلها مفتوحة باستثناء واحد كان مغلقاً بجدار من الطوب. أدت أعمال النهب الحديثة للمجموعة الأولى المؤلفة من خمس غرف للدفن كانت في وضعها الطبيعي تحتوى على أربعة هياكل إلى الاكتشاف، لكنها حرمتنا من معظم مواد الزينة التى غالباً ما كانت مدفونة مع الموتى: خلافاً لجرة فخارية غير هامة، فإننا نعتمد على شظايا نعش خشبي بالنسبة لتأريخ الدفن. أعمال النهب التى تعرضت لها المجموعة الثانية المكونة من غرفتين للدفن حدثت في الماضي البعيد وليست حديثة كما هو الحال بالنسبة للمجموعة الأولى؛ هذا الجزء الثاني للمدفن، بعد أن ترك مفتوحاً لفترة طويلة، أعيد استخدامه في العصر المروى وذلك وفق ما تشير إليه المصنوعات الفخارية التى قمنا بتصويرها من على بعد. لم ننقب في هذا الجزء وبالتالي فإننا لسنا متأكدين (1).

 

احتوت المجموعتان كليهما على رسوم ملونة بلونين، جزئياً رمزية. كل الأبواب "مزخرفة" بطبقة أو برواز مضاف بغرض التقوية. في المجموعة الأولى للغرف الخمس، رسمت المناظر الرمزية بتناسق على جانبي الباب، وتألفت من مركب، صور عليه فردين أحدهم يجدف في حين يجلس الآخر على كرسي مغطى بسقف. في المجموعة الثانية المكونة من غرفتين للدفن، شيد إفريز على جانبي الباب: ورسم لفردين يحملان موضوعات متنوعة، يقود أحدهما نعامة، وأربع أبقار أو أية حيوانات مجترة أخرى.

 

ارا- 2 : بمثابة مقبرة أقل تعقيداً، لا تحتوى على رسوم ملونة، ومرتبة في غرفتين. يقود درج إلى غرفة شبه مستطيلة يبلغ ارتفاعها 1.2 بالقرب من المدخل و0.8 متر في الطرف الآخر، وهى غرفة مؤدية إلى الغرفة الرئيسة وخصصت لدفن العشرات من الجرار الفخارية والقليل من الأواني الحجرية والبرونزية، والتي تم الكشف عن شظايا منها. تعطى الجرار الفخارية تاريخاً للمقبرة من عصر نبتة. الغرفة الثانية الممدودة، بسقف غير مرتفع، خصصت لدفن الجثمان، وكانت في وقت ما مغلقة بلوح حجري ثقيل وجد على بعد مسافة من موضعه الأصلي. تعرضت الغرفتان للنهب الكامل في القدم. وقد أعيد استخدام المدفن، الذى ترك مفتوحاً لفترة طويلة، لقبر جثمانين لاحقين وجدناهما في وضعهما الأصلي: تم العثور على ثلاث خرزات وآنية مزخرفة لا تترك مجالاً للشك في إرجاع الجثمانين المتأخرين إلى العصر المروى.

 

أعطت العينة الخشبية تاريخاً كاربونى ±2730 60 سنة قبل تاريخ اليوم. يظل غير مؤكد إذا ما كان يشير الى إعادة استخدام مدفن جماعي من أزمان المملكة الحديثة أو مدافن من العصر النبتي المبكر: لا نملك بعد بينة مؤكدة خلافاً لشكل ارا- 1 لاختبار عما إذا كانت مقبرة "مصرية" قد تمَّ تنظيفها كلياً تجهيزاً لها لاستقبال موتى جدد في العصر النبتي. مثل هذا الاختبار قد يصبح ممكناً من خلال أعمال تنقيب لاحقة للمزيد من المقابر في شيبا العرب. مع ذلك يمكننا أن نفترض بأن مدافن أفراد الأرستقراطية النبتيين لم تك ببعيدة عن المدافن الملكية: لا زالت مثل تلك مفقودة في المناطق المحيطة بالعاصمة، ولا يمكن بحال أن تكون محصورة في جبانات نبتة ومروى. العديد من الجبال المحيطة بالبركل معروف بأنها تحتوى على جبانات: خان الوقت لاستكشافها طالما أننا لا نعرف كيف ستؤثر المشاريع الزراعية المستقبلية في حالة استكمال مشروع خزان الحماداب في الشلال الرابع على تلك المنطقة.

 

توفر رسوم ارا- 1 هدفاً رئيساً لاحق للتنقيب على الأقل في شبا العرب، طالما أن رسوم الفن الجنائزي الوحيدة التى وجدت في المنطقة محصورة في المقابر ك 5 و ك 17 في جبانة الكرو، ونو 53 في نورى. أسلوب الرسوم يمثل أهمية كبيرة. رغم أن بعض موضوعاتها تنتمي بصلة إلى مشاهد ذخيرة الفن الجنائزي الذى يجوز لأي تسميته بالمصري (المراكب، والرجل الذى يقود نعامة، والذي يحلب أو يذبح بقرة الخ.)، فإنه واضح أن صاحب ارا- 1 لم تتوفر له فرصة استخدام رسام مصري، أو فنان نال تدريباً على تقاليد الفن المصري. هل وجدت ورش ملكية في تلك الفترة؟ وفي حالة إذا ما وجدت، لماذا لم يتمكن صاحب هذا المدفن من الاستفادة منها؟ يمكننا أن نحدد رساماً نوبياً يعمل وفق نماذج ثقافية نوبية، خلافاً للرسامين "المصريين" في الكرو ونورى، مع انه قد يقال بأنهم جميعهم "متمصرون". هذه الإفادة يمكن قولها غض النظر عن التأريخ النهائي للمدفن، مصرياً كان أم ما قبل نبتي أم من العصر النبتي.

 

التقليد الفني الذى يمكن مقارنة تلك الأشكال به هو المنتشر في الرسوم الصخرية المتوفرة بكثرة في المنطقة، بخاصة بأعلى النهر من الشلال الرابع، والتي يمكن إرجاع تاريخها إلى عصور ما قبل التاريخ حتى العصر المسيحي بل حتى الإسلامي. المراكب، والأبقار، والنعام، تمثل موضوعات نجدها بين الكثيرة الأخرى التى تصور الحيوانات والبشر. نجهل حتى الآن معنى مثل هذا الفن الرمزي المتوفر بكثرة في الحجارة البارزة في المنطقة. إذا قدر لأعمال التنقيب اللاحقة أن تكشف عن مثل تلك الرسوم، فإن جبانة شبا العرب قد تصبح وثيقة مفتاحاً لفهم وتفسير فن أفريقي، طالما أنها توفر فرصة استخدام الرمزية المصرية المعروفة في تحليل الرمزية النوبية الغامضة.

 

ـــــــــــــــــ 

(1) هذا الجزء لم نقم بالتنقيب فيه ذلك أن جدرانه مليئة برسوم ملونة قد تتعرض إلى خطورة في حالة فتح الغرفة ودخول الضوء والهواء، ولذلك قررنا تأجيل الفتح وقمنا بتصوير الرسوم من على بعد من خلال كوة صغيرة فتحناها في الباب، ومن ثم أعيد إغلاق الكوة وتقوية الباب المشيد بالطوب، بهدف إجراء التنقيب في وقت لاحق أطول وبعد اتخاذ التدابير اللازمة التى تؤمن الرسوم الملونة.

للأسف لم أتمكن من تنفيذ أعمال التنقيب لاحقاً في الموقع وذلك لدخولي المعتقل ومن ثم فصلى من منصبي مديراً عاماً للآثار والمتاحف القومية وهجرتي القسرية من السودان. لكن العمل استمر على يديَّ الزميلة ايرينا فنسينلى (البعثة الإيطالية) والتي وافقت على استكمال العمل بعد أن خاطبتني طالبة مني الموافقة على أن تقوم بعثتها بذلك. وستقوم أركامانى بنشر تقارير العمل الذى استكملته في العدد القادم.