المسح الآثارى للنيل الأزرق: الأهداف والنتائج الأولية

ماريو مينيندز، والفردو خيمينو، وفيكتور فرناندز

ترجمة د. أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

 

1. المقدمة

خلال شهر مارس، 1990، شرعت البعثة الأسبانية الآثارية إلى السودان في إجراء أعمال المسح الآثار السطحي للضفة الشرقية للنيل الأزرق جنوباً من الخرطوم؛ وكان المشروع مبنياً على أساس استمرار العمل في موسم قابل. الهدف النهائي لنا كان هو تسجيل كل البينة الآثارية المتوفرة للملاحظة السطحية في المنطقة؛ وإجراء أعمال حفر سطحية محدودة، تجريبية، فقط في حالات معينة. بهذه الطريقة نحاول إتباع التوجهات النظرية والمنهجية الحديثة في مجال البحث الآثارى، والتي تشدد في الأساس على ضرورة توفر معطيات كافية قبل الشروع في التوصل إلى أية استنتاجات عامة بشأن الأنماط السلوكية في الماضي (التنظيم الاجتماعي-الاقتصادي، والشبكات الإقليمية،، والديموغرافيا، والنشاطات الإعاشية، الخ). في الوقت نفسه، نأمل في توسيع المعرفة الحالية المتعلقة بالتراث الآثارى الثرى في السودان الأوسط، بهدف جعل صيانته أمراً ممكناً في المستقبل القريب.

 

هنالك العديد من التساؤلات التى تتطلب إجابة عليها في بداية العمل الميداني: منهجية أعمال المسح، والتثبيت الكرونولوجى، وإشكالية التوجيه الثقافي للإشكالية.

 

للتعرف الأولى على المنطقة، تم إتباع استراتيجيتين غير معقدتين للمسح: تفتيش شامل ومكثف سيراً على الأقدام في مربعات طويلة على المنطقة الغرينية، واستكشاف واسع ومركز لقطاعات عرضية عمودية مع مجرى النهر. فالدقة والفاعلية الأكثر المفترضة لتقنية العينات القطاعية، بخاصة عندما تتبع المواقع توزيعاً عشوائياً أو منتظماً Plog,1976، كما تم تثبيته مؤخراً بفعل سلسلة من التظاهرات الحاسوبية Fernandez,1985a، تحتاج للتأكيد في هذه المنطقة التى جرت فيها أعمال مسح سابقة بأسلوب غير منتظم للغاية Caneva and Marks,1990.

 

ضرورة ضمان تثبيت كرونولوجية منطقية للتواتر الثقافي نأمل في مواجهتها بالمعلومات الثقافية المتداخلة وباستخدام تقنيات الترميز الإحصائي Fernandez,1985b. هذه المهمة تصبح أقل تعقيداً نسبة لحقيقة ندرة المواقع متعددة الطبقات في المنطقة، أو لوجود المواقع التى يسهل التعرف عليها طالما أنها تتطابق عموماً مع نماذج معروفة جيداً (على سبيل المثال، المدافن النيوليتية أو المروية القائمة من على فوق مواقع الإقامة الأكثر قدماً). في بعض الحالات، على كلٍ، فإن احتمال وجود ستراتيجرافية "أفقية" أو تنوع ملازم لا يمكن استبعاده، على سبيل المثال، ما تمت ملاحظته بوضوح في حفريات موقع العصر الحجري الحديث في حاج يوسف؛ Fernandez et al.,1989:266. بالتالي فإن تجميع اللقي السطحية في المواقع سينظم على أساس الفرز بين العديد من المناطق، سواء عشوائياً أو بطريقة منتظمة Redman and Watson,1970.

 

رغم أن مسعانا الأساسي في المنطقة ينحصر  في التركيز على المخلفات ما قبل التاريخية (الطور الباليوليتي؛ والانتقال من الميزوليتي إلى النيوليتى) - فإننا نرى انه من غير الواقعي السعي إلى إحداث دراسة شاملة للمنطقة عن طريق فريق آثاري وحيد - كل المواقع التى تم اكتشافها خلال أعمال المسح سيتم تسجيلها بصورة دقيقة، وسيقدم السجل إلى مصلحة الآثار السودانية للدراسة المستقبلية.

 

2- المواقع الباليوليتية

مجمل سبع نقاط كشف تم تسجيلها خلال المسح، كلها تتبع بصورة تلقائية مجرى النيل في خط عمودي باتجاه وادي سوبا. تقع معظم المواقع على المنحدرات الغربية قليلة الارتفاع، احتمالاً بقايا أرض مسطحة بمحاذاة النهر قديماً. التمركزات كانت محدودة إلى حد ما، الامتداد الأعظم كان في الغالب أقل من مئة متر، وكانت كثافة الأدوات الصنعية على السطح متدنية للغاية. ظاهرياً على الأقل، لا يلاحظ على السطح أية مظاهر، أو بقايا حيوانية، أو ظروف ستراتيجرافية. في كل موقع تم تجميع عينات معقولة من الأدوات والبقايا المختلفة.

 

في قلعة الحدادية، على بعد 20 كلم تقريباً من النيل، تمّ تسجيل موقعين ينتميان إلى الباليوليتي المبكر أو الأوسط. في كلا المكانين اللقيا الأكثر تواجداً تمثلت في نوع خاص من الرقائق، قصيرة وعريضة، البعد الأقصى (عادة بقشرة) كانت أكبر بصورة مميزة من القاعدة (التى غالباً ما تكون مسطحة، وبزاوية منفرجة) ومتعامدة مع اتجاه الضرب. المؤشر الوحيد على صناعة الأدوات تمثل في وجود تسنين غير متساوي، أو تحزيز مشذب بالنسبة لثلث الرقائق، لكن ذلك قد يكون بفعل صدفة طبيعية. المادة الخام كانت حجر رملي نوبي  داكن في المجموعة G.H.1 وفي واحدة من مجموعات الرقائق G.H.2؛ مجموعة ثانية من الرقائق (أكبر، ومتآكلة أكثر ومشذبة، مشيرة بالتإلى إلى تاريخ أقدم) صنعت من حجر رملى ذى لون فاتح أكثر. لم يتم الكشف (كما هو الحال في الموقع الأشولى القريب في خور أبوعنجة: Arkell,1949 عن أدوات ثنائية الوجه أو سواطير، والمظهر العام غير القياسى للصناعة لأن الموقعين كانا ورشة لصناعة الأدوات الحجرية) يجعل تحديد أصلهما الثقافي والكرونولوجى صعباً للغاية.

 

العديد من المواقع ذات المظهر الباليوليتى الأوسط وجدت بالقرب من النهر: سمبرا وأم أوشوش. صنعت المواد من شرت (صخر صوانى غير نقى) أصفر ناعم قطع من الصخور البارزة المحلية، وتتألف الأدوات من  المسننات، والمحززات وبعض المكاشط الجانبية؛ كل من السمة العامة للتقنية ونسب الأداة تذكرنا بالأدوات المسننة الموستيرية المميزة للنوبة السفلى Marks,1986:205-215، وغير السجل ختى الآن في السودان الأوسط. هذه البينة بدت لنا مقنعة في بداية الأمر، لكن هناك بعض المحاذير: المواقع وعينات الأدوات شحيحة للغاية، صخور الشرت البارزة طبيعياً في أشكال رقائق، وكان التشذيب دوماً - مشكوك فيه - غير منتظم. مع ذلك فقد قمنا بحذر بتصنيف الرقائق "الجيدة" - المتميزة عن الحرارية النقية بنقرها المنتفخ في اخدى حوافها - السمات الثقافية لتلك المنتجات لازالت بحاجة إلى مزيد من التوثيق.

 

موقع يًعتقد بأن إيبى باليوليتى تم الكشف عنه في خلال المسح مكانياً بين نقاط الكشف المشار اليها، لكنه أقرب إلى المجموعة الأقدم، بحوإلى 14 كيلومتر عن النهر، بالقرب من قرية الريحانة. المادة الخام تغيرت بصورة جذرية إلى بلور كوارتز صخرى شفاف، رغم وفرة الحجر الرملى النولى بكميات كبيرة في المنطقة المحيطة بالموقع. كانت اللقيا فقيرة من خيث الأدوات، وتألفت من أدوات هلالية الشكل، ومثاقب، وأمواس مسننة وبظهر، ورقائق مشذبة، كلها من الحجم الصغير. التقنية الفقيرة، المعتمدة على زقائق صغيرة أكثر من الأمواس، بالإضافة إلى نوع الصخر المستخدم، تذكرنا إلى حد ما نجنوعى "رقائق" الإيبى باليوليتى في أعلى نهر عطبرة، التى لزالت غير منشورة للأسف بإستثناء وصف مبدئى لها Elamin,1987:41-42; Marks et al.,1987:141-159. قليل من الفخارالشقوف المتآكلة كثيراً تم العثور عليها أيضاً - واحد من تلك الشقوف يحمل خطوطاً مضغوطة مزدوجة - سوياً مع قرصين مشظأين ومثقوبين، لكن منظر الموقع جد مختلف عن المواقع الميزوليتية، التى تغطيها عادة كميات كبيرة من الشقوف (لكن انظر Caneva and Marks,1990).

 

3- المواقع النيوليتية

تم العثور فقط على موقعين يرجع تاريخهما إلى العصر النيوليتى خلال المسح: وكان الموقعان قد تعرضا لتدمير بفعل نشاطات الحفر الحديثة. لم يتم الكشف إطلاقاً عن مواقع ميزوليتية في موسم العمل الميدانى هذا. المثير حقيقة، أن الموقعين مصطفان بموازاة النهر الحإلى مع موقع الحاج يوسف النيوليتى، الذى يعد من طور الشهيناب، المكتشف منعن طريق آركل في عام 1942، وتم التنقيب فيه حديثاً من جانب البعثة الأسبانية Fernandez et al.,1989.

 

يقع موقع أم دوم بالقرب من حفرةكبيرة وعميقة حديثة، وتألف الموقع من القليل من الشقوف هزاز مضغوط متناثرة على السطح. ويقع موقع سوبا، على بعد مئات الأمتار من الأطلال القروسطية والقرية الحالية، على منحدر صغير من الرمل والحصى (نفس نوع  الترسب في الحاج يوسف وأم دوم).

 

ورغم أن خمسين شقفاً أمكن جمعها، بعد تفتيش مكثف، فقد أثبتت أنها مثيرة للغاية. معظمها مطبوع بتقنية الهزاز (في حالة واحدة بالخطوط المنقطة المتموجة) المميزة لطور الشهيناب، لكن القليل منها أظهر نوعاً مغايراً من الزخرف: نقاط مطبوعة غير معقدة تشكل مثلثات، ومركب نقاط مطبوعة وخطوط محفورة، وشقف واحد فقط بشفة غليظة مزخرفة بالحفر والطبع. هذا المركب لسمات الزخرف القديمة والحديثة يبدو مميزاً للطور النيوليتى المتأخر، والمعروف حتى الآن في منطقة 200 كيلو متر إلى الجنوب من الخرطوم أساساً موقعربك Haaland,1987a ؛ و Haaland,1987b.

 

استنتاجات

مع أن المسح الذى نهضت به البعثة الأسبانية في موسم 1990 كان قصيراً، إلا أن الهدف الرئيس كان التعرف على المنطقة والشروع في الدراسة الجيولوجية والآثارية للضفة الشرقية للنهر، ويظهر أن النتيجة جاءت مثيرة وواعدة للبحث المستقبلي. باختصار كنا محظوظين بما يكفي للكشف عن مجموعة مواقع والتي مع أنها تبدو غير هامة ظاهرياً أو أنها مدمرة بفعل التعرية اللاحق، إلا أنها تغطى بعض الفراغات الآثارية القائمة بالنسبة للمنطقة بالنسبة للمرحلتين الباليوليتية والنيوليتية المتأخرة.

 

تم العثور على بعض البينات عن الوجود الإنساني في المنطقة في العصر الحجري القديم، بما في ذلك بقايا محتملة من الباليوليتي الأوسط والمتأخر والتي قد تضعف بجدية الفرضية القائمة القائلة بأن هذا الجزء من السودان الأوسط كان غير مأهول خلال القسم الأكبر من تلك الفترة، بخاصة في البليستوسين الختامي Clark,1980 ; Caneva and Marks,1990.

 

موقع سوبا هو الأول المكتشف في المنطقة المتصلة بمجموعة جبل مويَّة الجنوبية وينتمي على ما يبدو إلى المراحل الختامية  للعصر النيوليتى عندما كانت هنالك - كما افترض بإصرار -  هجرة من بيئة الخرطوم النيلية بين  5000 و 3000 قبل تاريخ اليوم (3000 و 100 ق.م. المترجم) Haaland,1987  و 1987b . خاصة الموقع غير المشكلة، والتى لايمكن تفسيرها كلياً بالتعرية و/أو الضرر الحديث، ناتجة في الأساس بفعل نمط الحياة البدوى الذى اتبعه السكان النيليون منذ أزمان النيوليتى المبكر وما تلاه Caneva,1988 .

 

ملاحظة لاحقة

بعض التصويبات لهذه الورقة أصبحت ممكنة قبل طباعتها النهائية، بفضل المعطيات الكثيرة من موسم 1992. لقد دهشنا كثيراً خلال الموسم الأول من غياب مواقع ميزوليتية، وهو ما يتناقض مع الكمية الهائلة من البقايا التى وجدت إلى الشمال من الخرطوم من جانب البعثة الإيطالية Caneva,1988 . يظل هذا صحيحاً فقط بالنسبة للمنطقة فيما بين الخرطوم بحرى وسوبا، لكن مباشرة إلى الجنوب من هذه النقطة بمجرى النيل إلى الشمال الشرقى في كلا ضفتى وادى سوبا، تتابع نستمر لمواقع ميزوليتية (لكل من الفخار المزخرف بخطو متموجة وبخطوط منقطة متموجة) تم تسجيلها في الموسم الميدانى الأخير. أما بالنسبة للبقايا الباليوليتية، فإن بختاً مكثفاً لمنطقة الصحراء لم يؤكد على الأهمية المفترضة سابقاً للبينة: لم يتم الكشف عن أية مواقع ترجع لأى من الفترات، وان التجميعالسطخى في قلعة الحدادية تتوافق غالباً مع ورشة مؤقتة لمجموعات متحركة.

 

المراجع

Arkell,A.J. 1949, The Old Stone Age in the Anglo-Egyptian Sudan, in: Sudan Antiquities Service Occasional Papers, 1, Khartoum

Caneva,I. (ed.) 1988, El Geili: The History of a Middle Nile Environment 7000 B.C.- A.D. 1500. Cambridge Monographs in African Archaeology 29, BAR Int.Series 424, Oxford.

Caneva,I. and A.E.Marks 1990, Prehistoric Surveys in the Upper Nile Valley: From Site to Region, in: 7th Int, Conference for Nubian Studies, Prepublications of Main Papers, Geneva (cf. Et.Nub. Geneve I, 1993,pp.61-78)

Clark,J.D., 1980, Human Populations and Cultural Adaptations in the Sahara and Nile during Prehistoric Times, in: M.A.J.Williams and H.Faure (eds.), The Sahara and the Nile (Quaternary Environments and Prehistoric Occupation in Norther Africa), Rotterdam (Balkema),pp. 527-582.

Elamin,Y.M. 1987, The Later Palaeolithic in Sudan in the Light of New Data from the Atbara, In: Nubian Culture, pp. 33-46.

Fernández,V.M. 1985a , Las técnicas de muestreo en prospección arqueológica. in: Revista de Investgación (C.U.Soria)9(3),pp.7-47.

Fernández,V.M. 1985b , La seriación automática en arqueología: introducctión histórica y aplicaciones, in: Trabajos de Prehistoria 42, pp.9-49.

Fernández V.M.,Jimeno,A, Menéndez, M, and Trancho,G. 1989 , The Neolithic Site of Haj Yusif (Central Sudan), in: Trabajos de Prehistoria 46, pp.261-269.

Haaland,R. 1987, Socio-Economic Differentiation in the Neolithic Sudan, Cambridge Monographs in African Archaeology 20, BAR Int.Series 350, Oxford.

Haaland,R. 1987a, Problems in the Mesolithic and Neolithic Culture-History in the Central Nile Valley, Sudan, in: Nubian Culture, pp. 47-74.

Marks,A.E. 1968, The Mousterian Industries of Nubia, in: Wendorf,F.(ed.), The Prehistory of Nubia, Fort Burgwin Research Center and SMU, Dallas, pp. 194-314.

Marks,A.E. Peters J, VanNeer W. 1987, Late Pleistocene and Early Holocene Occupations in the Upper Atbara River Valley, Sudan, in: A.E.Close(ed.), Prehistory of Arid North Africa (Essays in Honor of Fred Wendorf), Dallas (Southern Methodist University Press), pp. 137-161

Plog S. 1976, Relative Efficiencies of Sampling Techniques for Archaeological Survey, in: K.V.Flannery(ed.), The Early Mesoamerican Village, New York (Academic Press), pp. 136-158.

Redman C.L and P.J. Watson 1970, Systematic Intensive Surface Collection, in: American Antiquity 35, pp. 279-291.

 

 

 

كرونولوجية مروى: الإشكالات والآفـاق

فرتز هنتزا

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

  أولاً: المراحل الأساسية للبحث الكرونولوجى

 

      ريزنر 1918، 1919،1923

 

       دنهام 1957

 

      هنتزا 1959

 

       هنتزا 1962

 

       فينيج 1967

 

 ثانياً: المشكلات الرئيسة في كرونولوجية مروى

 

             الأسرة المروية المتطابقة الأولى  لنبتة

 

             الأسرة المروية المتطابقة الثانية لنبتة

 

  ثالثاً: نقاط ثابتة في كرونولوجية مروى

 

  رابعاً: الصعوبات والمهام المستقبلية للبحث الكرونولوجى

 

 

في المحتوى الحالي يعنى مصطلح

"الكرونولوجيا "ذلك الجزء من البحث التاريخى الذى يتبع هدف: (1) تثبيت الترتيب الكرونولوجى للأحداث التاريخية أو الصروح (الكرونولوجيا النسبية)؛ و (2) تأريخ تلك الأحداث أو الصروح بأدق ما يمكن طبقاً لنظامنا الكرونولوجى (الكرونولوجيا المطلقة).

 

المصادر التاريخية والصروح المتوفرة لنا لإعادة تركيب تاريخ مروى لا زالت متفرقة وغير متكافئة من حيث توزيعها الكرونولوجى وفق أهميتها التاريخية. لقد حافظت المدافن الملكية في نبتة و

مروى، على تواتر يكاد يكون غير منبوش. من ثم ليس مستغرباً أنها منذ التنقيب فيها من جانب ريزنر، احتلت أهمية كبيرة في المحاولات الجارية لوضع على الأقل كرونولوجيا نسبية وبقدر ما يمكن أيضاً وضع كرونولوجيا مطلقة لتعاقب حكامها.

 

يصعب وضع مخطط للحالة الراهنة والمهام المستقبلية للبحث في مجال كرونولوجيا مروى بدون الدخول في تفاصيل تاريخ هذا البحث نفسه. لم يتقدم البحث في ميدان كرونولوجيا مروى في خط مستقيم بحيث تجئ كل خطوة جديدة إلى الأمام في الوقت نفسه تطويراً مطلقاً في كل جانب لما تم إنجازه من قبل. دعوني، بالتالي، أقدم لكم مسحاً موجزاً لأهم مراحل البحث الكرونولوجى. وفي الوقت الذى أفعل فيه ذلك سأبذل جهداً لتجنب أسئلة تفصيلية التي هي أقل أهمية لأغراضنا ومن ثم فلن آخذها في الحسبان. بالتالي، فقط المحاولات التى استهدفت الوصول إلى إعادة تركيب شاملة لكرونولوجيا مروى سيتم أخذها في الحسبان هنا، لكن ليس الملاحظات العرضيَّة الخاصة بتأريخ أهرام أو حكام متفرقين.

 

أولاً: المراحل الأساسية للبحث الكرونولوجى 

1. ريزنر

1918، 1919، 1923

فور الفراغ من التنقيب في أهرام نبتة

(الكرو، ونورى، وجبل البركل) ومروى (الجبانتين الجنوبية والشمالية) طور ريزنر كرونولوجيا شاملة لمملكة مروى في إثيوبيا. ولتحقيق هذا الهدف قسم ريزنر الأهرام طبقاً لسماتها الآثارية (الشكل، والمصلى، ونوع زخرف المصلى، وغرفة الدفن، ونوع الدفن وما إلى ذلك) إلى مجموعات ذات سمات مشتركة، ووضع تلك المجموعات في ترتيب كرونولوجي (كرونولوجيا نسبية) عن طريق خط للتطور مفترض أو فعلى لتلك السمات المختلفة. بالنسبة للكرونولوجيا المطلقة افترض ريزنر عدة تواريخ ثابتة؛ مقدراً طول فترات الحكم وفقاً لحجم الأهرام ونوعها في محاولة للحصول على تواريخ مطلقة.

 

 

التواريخ أدناه افترضها ريزنر (1923: ص. 76-77) بحسبانها تواريخ ثابتة:

 

 

 

(1) "الأرقام 2§ 6، فترات حكم كل من بيَّا (بعانخى وشباكا، وشباتاكا، وتهارقا، وتانوت امن، وهى تواريخ ثابتة مع بعض عدم الموثوقية بالنسبة لبداية حكم بيَّا ونهاية حكم تانوت امن". 

 

(2) "رقم 33، فترة حكم ايركمينيس (أركامانى وثبتت تقريباً معاصرته لبطليموس الرابع. إفادة ديدور بأن أركامانى كان قد تلقى تعليماً في بلاط بطليموس الثاني تتناقض مع بينة أخرى وتبدو لى بقية إفادته حول سيطرة الكهنة على السلطة الملكية مريبة". 

 

(3) "الأرقام 44 و 45، الحكم المشترك للملك نتكامانى والملكة أمانى تارى تاريخه ثابت انطلاقا من الاستنتاج... أن نتكامانى قام بإصلاح معبد أمون في البركل مباشرة بعد الغزو الروماني في سنة 23 ق.م." 

 

(4) "الرقم 26، فترة حكم مانى ترارزى، يبدو أن تاريخه ثابت من واقع مطابقته بالملك تيرارأمانى المذكور في نقش فيلة المؤرخ بعام 254 ق.م.( صححت: ميلادية)". 

 

(5) " الرقم 68، يتمثل في هرم البجراوية- الجبانة الشمالية رقم 25 وهو المدفن الأخير في الجبانة الشمالية، ويشير بالتالي إلى نهاية مرحلة في تاريخ مروى. يبدو طبيعياً الاستنتاج بأن نهاية الفترة عُلمت بغزو عيزانا الأكسومي لمروى، حوالي 350 ميلادية، واتخذ لنفسه لقب "ملك كوش".

 

 

بالتالي توصل ريزنر إلى تعاقب شامل لـ

68 حاكم بدءاً من كاشتا حتى آخر حاكم لمروى في الفترة من 750 ق.م حتى 355 ميلادية. إضافة إلى خط الحكام الأساسي، افترض ريزنر وجود خطين متطابقين زمنياً: "مملكة مروى المتطابقة الأولى لنبتة" (308- 283 ق.م. و 275- 225 ق.م.)، و"مملكة مروى المتطابقة الثانية لنبتة" (100- 22 ق.م.)

 

 

ارتأى ريزنر ضرورة افتراض وجود هاتين الأسرتين المتطابقتين زمنياً، طالما أن ذلك، بالنسبة له، المخرج الوحيد لتفسير مجموعتي الأهرام في البركل والتي كانت متعاصرة مع بعض الأهرام في مروى من حيث سماتها الآثارية. بالطبع، أدرك ريزنر الطبيعة الافتراضية للكثير من استنتاجاته وتركييباته، ومع ذلك كان متأكداً بشدة من كرونولوجيته كما تعبر عن ذلك كلماته الختامية المشحونة بالتفاؤل: " أشعر شخصياً أن الخطوط الرئيسة للكرونولوجيا قد تم تثبيتها الآن بصورة جيدة بحيث تشكل أرضية لإعادة تركيب تاريخ إثيوبيا"(ريزنر 1923، ص.77).

 

2. دنهام، 1957

عندما تم نشر نتائج أعمال التنقيب إلى نفذها ريزنر في أهرام نبتة ومروى، عمل كل من دنهام ومكادام على وضع كرونولوجيا جديدة تنحرف جزئياً عن تلك التى طورها ريزنر. واختار دنهام النقاط الثابتة الآتية لتأريخه: 

 

(1) الحكام الستة الأوائل تواريخهم مثبتة بدقة عن طريق الكرونولوجيا المصرية التى تضعهم في الفترة بين 750 و 650 ق.م.

(2) أسبالتا

(رقم 10) بوصفه عدواً لبسامتيك الثاني أرخ له بـ 593- 568 ق.م. (كما أرخه ريزنر). 

(3) عُد أركامانى معاصراً لبطليموس الثاني

(وفق إفادة ديدور)، ولبطليموس الرابع (نسبة لنشاطهما المعماري المشترك في فيلة ودكة) وأرخت فترة حكمه بالفترة من 248-220 ق.م. (وكان ريزنر قد أرخها بـ 225-200 ق.م.). 

(4) إعادة بناء معبد آمون في نبتة، والذي كان قد دُمر بفعل الغزو الروماني

(23 ق.م.)، من جانب نتكامانى وأمانى تارى والذين يفترض أنهما حكما من سنة 12 ق.م. حتى سنة 12 ميلادية (طبقاً لريزنر من 15 ق.م. حتى 15 ميلادية).

(5) تكريدأمانى (

البجراوية/ الجبانة الشمالية/ هرم 28) تمت مطابقته بالملك تكرمن المذكور في مخربش (جرافيتى) فيلة من السنة الثالثة للإمبراطور تريبونيانوس جالوس، وأرخ له بالتالي 246-266 ميلادية. 

(6) هناك افتراض بأن مملكة مروى كفت عن الوجود في

350 ميلادية (عندما دمرها عيزانا الاكسومى). 

 

 

يُظهر هذا، بصورة عامة، أن تواريخ دنهام الثابتة تتوافق مع تلك التى ثبتها ريزنر. ومع ذلك، وقعت بعض التحولات الهامة في تواريخ فترات الحكم نتيجة استبعاد أسرة نبتة المتطابقة الثانية. ملك البركل 11، الذى ينتمى وفق ريزنر للأسرة المتطابقة الأولى، حكم من 322 حتى 315 ق.م.، ووضع بين نورى؟ (337-322 ق.م.، أمانى باخى؟)، والبجراوية/ الجبانة الجنوبية/ 6 (315-297 ق.م. أركاكامانى)، أى أنه وضع ضمن الخط الرئيس؛ البركل 11 نسب للملك ارنخ أمانى. الحكام الآخرون يظلون في الأسرة المتطابقة الأولى.

 

الأسرة المروية المتطابقة الثانية لنبتة، على كلٍ تم استبعادها كلياً، وضمن حكامها في الخط الرئيس، بافتراض وقوع تحول في مكان الدفن. يتبع ذلك أنه بين 93 ق.م. و 0 تحول موقع الجبانة الملكية ست مرات: البجراوية/ الجبانة الشمالية/21 § البجراوية/ 4، البجراوية 2 § البجراوية/ الجبانة الشمالية/ 14 § البجراوية 6 § البجراوية/ الجبانة الشمالية/2، البجراوية/ الجبانة الشمالية/ 6 § البجراوية 9، البجراوية 10 § البجراوية/ الجبانة الشمالية 22. 

 

3. هنتزا، 1959

فرضت دراسة موائد القرابين من أهرام مروى إعادة النظر في كرونولوجيتي ريزنر ودنهام، مما أدى إلى بروز كرونولوجيا جديدة تتقارب مجدداً مع كرونولوجيا ريزنر. افترضت التواريخ التالية بوصفها تواريخ ثابتة:

(1) التتابع، التواريخ ومن ثم فترات الحكم للحكام التسعة الأوائل، في العموم، تم تثبيتها؛ بالتالي: 

(2) لا بدَّ من عد اسبالتا معاصراً لبسامتيك الثاني ويؤرخ له 593-568 ق.م. (كما أرخه كل من ريزنر ودنهام). 

(3) ناستاسن بوصفه عدواً لخباباش يستوجب تأريخه بـ

335-315 ق.م. (ريزنر 328-308 ق.م.؛ دنهام 355-337 ق.م.).

(4) جرياً مع دنهام، يؤرخ أركامانى بـ

248-220 ق.م.

(5) أمانى رينا

(وأكينيداد) يستوجب عدهما عدوي بيترونيوس. بوصفهما حاكمين من أسرة نبتة المتطابقة الثانية فإن تأريخهما بـ 38-18 ق.م. (أو 18- 3 ق.م. على التوالي). 

(6) يحتمل أن تكون سجلات الحملات إلى مروى في عهد نيرون، تشير إلى حملتين مختلفتين؛ الأولى، التى سجلها سينيكا، وصلت إلى مروى في حوالي سنة

6 ميلادية، ووجدت ملكاً على عرش مروى، في حين أن الثانية، التى سجلها بلينى، وجدت ملكة على عرش مروى في عام 62 أو 67 ميلادية. انطلاقاً من هذه الحقيقة فإن تحول الحكم من أمانى تنيميميدى (البجراوية/ الجبانة الشمالية/ 17)  إلى أمانى خاتاشان (البجراوية/ الجبانة الشمالية/ 18) تم تثبيته بـ 62 ميلادية (دنهام 93 ميلادية). 

(7) إضافة، افترض أن تكريدى أمانى

(البجراوية/الجبانة الشمالية/ 28) مطابق للملك المروى تكرمن المذكور في مخربش فيلة المذكور آنفاً. يؤرخ له بـ 246-266 ميلادية (كما هو عند دنهام).

 

 

تم قبول الأسرتين المرويتين المتطابقتين الأولى والثانية وفق ريزنر وثبتت لهما تواريخ متقاربة جداً مع ما اقترحه ريزنر: الأسرة الأولى 315-240 ق.م. (ريزنر 309-225 ق.م.)؛ والأسرة الثانية 60 ق.م.- 12 ميلادية (ريزنر 100-22 ق.م.).

 

4. هنتزا 1962

أثبتت أعمال التنقيب في المصورات أن أرنخ أمانى كان المؤسس لمعبد الأسد مما يجعل من المشكوك فيه انتماءه إلى الأسرة المروية المتطابقة الأولى لنبتة. إضافة، فإن شكل اسمه (إضافة اللقبين عنخ- دجد و مرى إست في داخل الخرطوش الملكي) يشير إلى أنه كان معاصراً لبطليموس الرابع. تلك الحقائق جعلت من الضرورى إعادة النظر في كرونولوجيا الفترة بين 369 و 145 ق.م.

 

(1) في الوقت الذى يتم فيه الاحتفاظ بالأسرة المتطابقة الأولى، فقد استثنى أرنخ أمانى منها، وأرخت الأسرة بـ 280-205 ق.م.

(2) الفترة من 233-218 ق.م. عدت فترة حكم أرنخ أمانى، ونسب هرم البجراوية/ الجبانة الشمالية/ 53 له.

(3) ارتباطاً بذلك أعيد حساب فترات حكم الحكام من 24 إلى 37 مجدداً، وكانت النتيجة إدخال بعض التعديلات الطفيفة مقارنة بالتواريخ الموجودة سلفاً.

(4) طالما أثبت أن أرنخ أمانى كان معاصراً لبطليموس الرابع، فإن الاستنتاج الهام الناتج عن ذلك هو أن خليفته أركامانى لا يمكن أن يكون معاصراً لبطليموس الثاني. بالتالي، فإن إفادة ديدور- الذى غالباً ما يكون قد خلط بين الاسمين المتشابهين جداً- إنما تشير إلى أرنخ أمانى. التاريخ الجديد المثبت لحكم الأخير الآن هو الفترة من 295-275 ق.م. (ريزنر 300-280 ق.م.).

 

5.

فينج 1967

أثناء دراسته للايقونات التى تصور ملوك مروى

(1963)، كان على فينج أن يراجع كذلك الكرونولوجيا، وخلال زيارته القصيرة إلى أهرام مروى مرت به مادة جديدة غير منشورة بعد والتي دفعته لمراجعة الكرونولوجيا الموجودة (1967). لتنفيذ ذلك قام باستخدام نوع زخرف المصليات ولكن إلى حد أبعد التفاصيل الايقونية. عن طريق هذا المنهج الراقي تم له تحقيق إنجازات هامة في الكرونولوجية. 

 

إلى جانب بعض التعديلات الثانوية في الكرونولوجيا وهو ما نتج عن استبعاد العديد من شاغلي الأهرام من قائمة الحكام ذلك أنهم عدوا بوصفهم ملكات وأمراء غير حاكمين

(لأسباب إيقونية الطابع أو وفق شكل مدافنهم)، أو نتيجة حقيقة أن بعض الأهرام قد تم تثبيتها في وقت أسبق أو لاحق، فإن التعديل الأكثر أهمية الذى أدخله فينج تمثل في الاستبعاد الكامل للأسرة المتطابقة الأولى لنبتة. أما فيما يتعلق باستبعاد الأسرة المتطابقة الثانية فقد اتبع خطى دنهام مثبتاً، على كل، تواريخ جديدة. 

 

 

التعديلات الأكثر أهمية التى يستوجب ذكرها هنا هي كالتالي:

(1) فيما يتعلق بمجموعة أهرام البركل التى عدت من بينها أهرام البركل، 11، 14، 15، 18، و 17 منتمية للأسرة المتطابقة الأولى، فإن فينج عدَّ البركل، 18 و 7 مدفنين لأشخاص غير حاكمين. وثبت الثلاثة مدافن الأخرى في الفترة ما بين نورى 15 والبجراوية/ الجبانة الجنوبية/ 6، المدفن الملكي الأول في مروى (315-270 ق.م.). بالتالي، فإن الجبانة الملكية قد حولت بداية فقط من نورى إلى ضفة النيل المقابلة، إلى جبل البركل، ومن ثم، بعد ثلاثة أجيال، في حوالي 270 ق.م.، في عهد أرنخ أمانى إلى مروى.

(2) من المجموعة التى تشمل البركل،

6، 4، 2، 9، و 10، والتي صُنفت ضمن الأسرة المتطابقة الثانية، يترك فينج أهرام البركل 4، 9، و 10 خارج حسبانه مع أنه يذكر، على سبيل المثال، أن البركل 4 كان مدفناً لملكة حاكمة لكنه لا يعطى أسباباً لعدم الأخذ في حسبانه لمدفني البركل 9 و 10.  طالما، بالنسبة له، "أن فرضية ريزنر بشأن أسرة نبتية متطابقة (ثانية) يمكن عدها الآن، نسبة للعلاقات بين ناويدى ماك وملك من ملوك مروى قد تم إثباتها، غير مجدية"، وضمّن، مثله مثل دنهام، الحاكمين الآخرين في الخط الرئيس، مما دفعه للافتراض بأن مكان الدفن قد تمَّ تحويله أربع مرات: البجراوية/ الجبانة الشمالية 20 § البجراوية 6 § البجراوية/ الجبانة الشمالية/ 2، نورى x  § البجراوية 2  § البجراوية/ الجبانة الشمالية/ 21.

(3) لأسباب ايقونية أُرخ هرم البجراوية/ الجبانة الشمالية/ 10 عن طريق فينج 180 إلى 200 سنة أسبق من التاريخ الذى ثبته ريزنر، ودنهام، وهنتزا.

(4) هرم البجراوية/الجبانة الشمالية/ 28 الخاص بالملك تيكريدى أمانى والذى نسبة لمطابقته بالملك تكرمن

(مخربش فيلة من السنة 253 ميلادية) تم تصنيفه في مجموعة ريزنر j (دنهام، وهنتزا)، تم استبعاده من هذه المجموعة وثبت مجدداً في المجموعة i كما فعل آركل في وقت أسبق، وافترض فينج وجود ملكين بالاسم نفسه: تكريدى أمانى الأول (نورى 28، 90-114 ميلادية) وتكريدى أمانى الثانى (نورى 246-266  ميلادية).

 

مزيد من التفاصيل عن الكرونولوجيا الجديدة التى ثبتها فينج لا يمكن مناقشتها هنا.

 

ثانياً: المشكلات الأساسية لكرونولوجيا مروى

لقد أثبت المنهج المتبع حتى الآن في إعادة تركيب كرونولوجيا مروية، والقائم على الانطلاق من السمات الآثارية للأهرام، نجاحه بصورة عامة. في هذا الخصوص فقد اتضح- نتيجة تفكير لاحق- أنه ليس أساسياً بالنسبة لمخطط الكرونولوجيا الشامل الإجابة على السؤال عما إذا كان ضرورياً وضع هذا الهرم أو ذاك من مجموعة بعينها بصورة مختلفة، طالما أن ذلك يقود في معظم الحالات فقط إلى تعديلات طفيفة على التواريخ.

 

هناك، على أية حال، مشكلتان لهما أهمية كبيرة طالما أن حلهما سيفرض ضرورة ليس فحسب تعديلات رئيسة على الكرونولوجيا، وإنما سيحتم أيضاً التقييم التاريخى لعصور هامة في التاريخ المروى. تلك هي المشكلات المتعلقة بوجود "أسرتين مرويتين متطابقتين" لنبتة وهو ما أود إبداء بعض الملاحظات بشأنه الآن وهنا.

 

1.

الأسرة المروية المتطابقة الأولى لنبتة

توصل فينج، من الشكوك في وجود الأسرة المروية المتطابقة الأولى التى عبر عنها مكادام (1955: 2

0)، إلى استنتاج منطقي، واستبعد كلياً هذه الأسرة المنفصلة. فقط ثلاثة من أهرام البركل المعنية كانت مدافن لحكام في السلطة: البركل 11، 14، و 15. يتوجب تثبيتها فيما بين نورى 15 (نستاسن) والبجراوية/ الجبانة الجنوبية/10 (أركاكامانى). لكن حالياً، مطابقة الحكام آريامانى، وبيانخ- إريكى- كو، وسابراكامانى، الذين نعرفهم من نقوش كوة، بأهرام بعينها لا زالت مسالة افتراضية. في الحقيقة، لا يمكن تثبيت الملك كاش..أمانى المعروف أيضاً من كوة في تلك الأسرة، والحال كذلك بالنسبة للملك من- م..ت- رع ستب- ن- رع (مروى 40 و 43)، رغم انهما كلاهما ينتميان إلى العصر الكرونولوجى نفسه الذى ينتمي إليه آريامانى، وبيانخ- يريكى- كو، وسابراكامانى، انطلاقا من شكل اسميهما (إضافة ستب- ن- رع، تحديداً مرى امن في حالة كاش..أمانى). هذه المشكلة تحتاج لإعادة نظر.

 

 

مع أن بعض الصعوبات لازالت قائمة، إلا أن حل هذا الإشكال يمكن الوصول إليه من خلال التوجه المشار إليه هنا، والتوصل إلى صورة تاريخية شاملة عامة لذلك العصر. تحويل مكان الدفن الملكي من نورى إلى جبل البركل في المنطقة المحيطة بمعبد آمون يمكن أن يكون قد جاء نتيجة التأثير المتزايد على المملكة الذى مارسه كهنة آمون، بفعل سلطتهم نفسها التى وجدت انعكاسا لها في ما سجله ديدور حول مسألة الاغتيال الطقوسي. (حينها كانت الملكة ساخماخ، زوجة نستاسن، قد دفنت في جبل البركل؛ قارن Wenig,196: 13). إضافة مرى امن "محبوب آمون" الذى كان شائعاً في ذاك الوقت بالتحديد، والنزعات "الرعمسية- الجديدة" الأخرى في الفن (قارن، Hinze,1962:16) تشير إلى وجود علاقة حميمة بين الملوك وعبادة آمون. النفوذ المتصاعد لكهنة آمون المعبر عنه هنا، يمكن- كردة فعل- تسبب في الانقلاب الذى نفذه "أركامانى"- أركاكامانى الذى أعطى ديدور سرداً له. النتيجة التاريخية المفهومة للقضاء على سيادة الكهنة تجلت في تحويل مكان الدفن الملكى إلى مروى من قبل أركاكامانى. احتمالا، أن يكون أرنخ أمانى هو الذى أنهى النزعات "الرعمسية- الجديدة" في الفن عندما اتخذ توجهاً نحو مصر البطلمية، وكان الأول الذى أظهر نزعات "مروية" في الفن في ذلك الوقت.

 

2. الأسرة المروية المتطابقة الثانية لنبتة

المجموعة الأصغر عمراً لأهرام البركل (البركل 1- 6 و 9- 10) تمثل إشكالاً أكبر. انطلاقا من سماتها الآثارية فإن تلك الأهرام معاصرة لأهرام مروى البجراوية/ الجبانة الشمالية/ 20، 21، 14، 2، و أو كانت على الأقل في الوقت نفسه تقريباً. البجراوية 6 هو هرم الملكة الحاكمة ناويدى ماك Macadam,1966. انطلاقا من النحوت النافرة في مصليات هرمي، البجراوية 2 و4، واحتمالاً 10، هى أيضاً مدافن لملوك. كانت ناويدى ماك، على كلٍ، والدة لملك دفن في مروى.

 

 

مشكلة تثبيت تلك الأهرام في كرونولوجية أمر جد معقد، حتى الآن، تمَّ اقتراح ثلاث طرق لحل المشكلة:

(1) أهرام البركل وأهرام مروى متعاصرة؛ أهرام البركل هي مدافن لحكام ينتمون إلى أسرة متطابقة (ريزنر، وهنتزا). اثير اعتراض يقول بأن صروح حكام البركل وحكام مروى ونقوشهم يمكن العثور عليها في "جزئي" المملكة. بالإضافة، كانت ناويدى ماك (البركل 6) أماً لحاكم دفن في مروى (يحتمل البجراوية/ الجبانة الشمالية 2).

(2) أهرام البركل متعاصرة، بالطبع، لكن الأشخاص المدفونين فيها كانوا أعضاء في الأسرة المالكة والذين عاشوا فقط في نبتة لكنهم لم يتولوا الحكم، في حين أن الحكام الفعليين لمجمل المملكة ترقد رفاتهم في مروى Arkell,1962. هنا يثار اعتراض بأن الصور في مصليات البركل 6، 4، و2، تظهر بوضوح أشخاص يتمتعون بحقوق حكام فعليين.

(3) أهرام البركل يستوجب تثبيتها في الخط الكرونولوجى الرئيس. فضلّ بعض الحكام الجبانة القديمة في نبتة

(دنهام، وفينج). في هذا الخصوص افترض دنهام أن الجبانة الملكية تم تحويلها ست مرات، في حين رأى فينج أن ذلك حدث أربع مرات. لكنني أعتقد أن هذا التحويل المستمر لا يجعل هذه النظرية مقنعة هي الأخرى.

 

 

أولاً وقبل كل شئ، أود أن أتعرض في إيجاز للنظرية الثالثة. وافق مكادام (1966: 65) عليها، وبدون الخوض في التفاصيل- عقب قائلاً "يبدو، بالتالي، من غير الضروري افتراض مملكتين، ومن ثم، كما فعل البعض، لإضعاف المجادلة بقولهم أن المملكتين على كلٍ احتفظتا بعلاقات جيدة فيما بينهما. لازلت أرى أن نبتة كانت العاصمة الدينية التقليدية؛ ذهب الحكام إلى هناك ليتوجوا، وليقدموا القرابين أو أن يشيدوا إضافات إلى معبد امون، و، إذا رغبوا الاستمرار وفق التقاليد القديمة، فإن بعضهم وأعضاء الأسرة الحاكمة أو الأسر أقاموا مدافنهم هناك حيثما توفر موقع مناسب وحيثما لم تمنع الغزوات المعادية ذلك".

 

على عكس الأسباب الدينية التى يقدمها مكادام، شدد فينج على الأسباب السياسية التى أدت إلى تحويل عدد من المدافن الملكية: "أعتقد، على أية حال، أن بناء الأهرام في البركل في القرن الأول ارتبط "بالسياسة الشمالية الفاعلة" التى اختطتها مروى والتي توجت بالهجوم الذى شنته على الفنتين وسينى". لكن تظل المجادلتان غير كافيتان طالما أنهما لا تعطيان تفسيراً شاملاً لحقيقة كون مكان الدفن قد تحول عدة مرات. مرجعية فينج على "السياسة الشمالية الفاعلة" ذات قيمة هامة في حد ذاتها، لكن ذات هذه المرجعية هي التى تجعل هذا التحول المتكرر أمراً مبهماً. إضافة، على المرء أن يأخذ في الحسبان أن مثل تلك الأسباب السياسية (أسباب السياسة الخارجية، بتحديد أكثر) قد تفسر تحويل مقر الملك لكن ليس آلياً تحويل مكان الدفن، الذى لا بدَّ من تفسيره- في المقام الأول- بأسباب دينية أو أسباب مرتبطة بسياسة دينية. تحديداً في عادات الدفن ومكان الدفن تقوم التقاليد الدينية بدور خاص؛ ظلت نبتة مكاناً لدفن الملوك لفترة طويلة أعقبت تحويل المقر الملكي إلى مروى؛ حقيقة أن هذه الجبانة، هى الأخرى، حولت إلى مروى يرتبط- احتمالاً- بالثورة ضد سيادة كهنة امون. وفق تفسير مكادام، فقد كان شعور الملوك التقليدي معادياً للغاية في تلك الفترة، واعتمد اختيار الجبانة على النزوات الذاتية لحكام منفردين. لكن هذا التفسير، هو الآخر، لا يبدو مقنعاً بما يكفي.

 

أعتقد أنه في مجال الكرونولوجيا تظل إشكالية "الأسرة المتطابقة الثانية" هي الأكثر أهمية، ولا بدَّ من معالجتها مجدداً بقدر أكبر من التوسع. حل هذه الإشكالية ذو أهمية قصوى ليس فقط بالنسبة للكرونولوجيا نفسها، لكن قبل كل شئ بالنسبة للتاريخ الفعلي للعصر. طالما أنه لا يمكن معالجتها بتوسع في إطار هذه الورقة، بودي أن أحصر نفسي في محاولة تقديم تفسير آخر دون الدخول في التفاصيل.

 

يمكن تقبل أن أهرام البركل، كحقيقة نسبية ايجابية، يستوجب تأريخها بالنصف الثاني للقرن الأول السابق للميلاد، عندما فعّل المرويون نشاطاتهم في الشمال (النوبة السفلى). هذه السياسة الشمالية الفاعلة مهد لها الضعف الذى أصاب مصر في نهاية الفترة البطلمية، وأصبحت هذه السياسة أكثر ضرورية عندما فُعلت بالمثل السياسة الجنوبية للرومان، في بداية المرحلة الرومانية، في عهد الحاكمين كونيليوس جالوس وتريبونيوس. في عام 24 ق.م.، نجح المرويون من احتلال فيلة وسينى وسلبهما. لدعم وتسهيل هذه السياسة الشمالية الفاعلة كان من الضروري، بالطبع، تقوية الأطراف الشمالية للمملكة والتى كانت قد عانت من الإهمال على مدى أزمان.. انه في تلك الفترة أقيمت الجبانات المروية الضخمة في النوبة السفلى، حيث دفن كبار المسئولين المبعوثين من مروى لإدارة الإقليم. وفي تلك الفترة ظهرت فجأة المصنوعات الفخارية المروية المجهزة على عجلة الفخاري في النوبة السفلى. نال الأمير أكينيداد لقب "بيشتى" والذى كان يعنى إلى حد ما "نائب الملك" أو "الحاكم". ويبدو أنه من المعقول القول بأنه ارتباطا بهذه السياسة الشمالية الفاعلة ودعمها تم تحويل العاصمة إلى نبتة. إضافة، ذكر سترابو بوضوح (".. ودمر نبتة؛ لكن هنا كان مقر الكنداكة وكان ابنها هناك أيضاً") بحلول عصر بترونيوس كانت نبتة فعلياً المقر الملكي. لكن طالما ظل من الصعب استمرار سياسة آمنة في الشمال بدون دعم من كهنة امون في جبل البركل والذين كان نفوذهم في الأطراف الشمالية للقطر أشد قوة، فإن تحويل الجبانة الملكية إلى المنطقة المحيطة بمعبد امون شكلت دعماً لهذه السياسة باعتبار ذلك إشارة حسن نية. حقيقة، وصل الرومان إلى نبتة خلال مسار الحرب، لكن ذلك لم يكسر بحال قوة المرويين في النوبة السفلى.. استقبل أغسطس المفاوضين المرويين في ساموس، وأفضت اتفاقية السلام المبرمة بعد ذلك إلى شروط ملائمة للغاية بالنسبة للمرويين، وثبتت الحدود في هيراسيكمينوس (المحرقة).

 

في ضوء الأحداث التى قدمت للتو خطوطها العامة، يمكن للمرء افتراض انه في النصف الثاني للقرن الثاني السابق للميلاد حول المقر الملكي والجبانة الملكية مجدداً من مروى إلى نبتة بهدف دعم سياسة شمالية فاعلة، وعليه فان المشكلة لا تتمثل في تثبيت الحكام المدفونين في الأهرام النبتية في خط حكام مروى، بل، العكس تماماً، إذ يمكن إثارة السؤال عما إذا كان هناك وجود "لأسرة متطابقة ثانية" في مروى. على أية حال كل ما أريد فعله هنا هو الإشارة إلى هذا الطريق لحل المشكلة. (في هذا الخصوص، فان إمكانية "اقتسام" سلمى متفق عليه للمملكة تمت صياغته بهدف تقوية الأطراف الشمالية للمملكة يجب أخذه في الحسبان؛ تماثلات تاريخية لمثل هذه الأحداث مشهودة بالطبع).

 

نظرية مقنعة بشأن حل الإشكالات المثارة هنا، على أي:

(أ) أخذ وجود مدافن لحكام فعليين في جبل البركل في الحسبان؛

(ب) الاعتماد على كل الوقائع التاريخية المتوفرة (بما في ذلك البينة الآثارية في شكل الفخار المروى من النوبة السفلى) بهدف تفسيرها؛

(ج) القيام بدون تكرار- وبدون انحياز في الأساس باختيار الجبانة الملكية؛ وأخيراً

(د) رسم صورة تاريخية تحتوى على أكبر قدر من العناصر المحتملة الكامنة والمعقولية قدر الإمكان.

 

يتملكني شعور بأن الحل الذى اقترحته يحتوى عناصر نظرية تأخذ الوقائع التاريخية في الحسبان أكثر من ما تفعله نظريات أخرى.  

 

ثالثاً: نقاط ثابتة في كرونولوجية مروى

لإنجاز كرونولوجيا مطلقة لا بدَّ بالضرورة من تحديد أكبر قدر ممكن من التواريخ الثابتة. مثل تلك النقاط الثابتة يمكن اقتناءها أساساً عن طريق التطابق التزامنى مع التاريخ المصري الذى هو معروف بصورة أفضل. أود أن أقدم قائمة أخرى لتواريخ ثابتة ومطابقات تزامنية والتي- نتيجة البحث الكرونولوجى- أعتقد بأنها موثوقة بصورة جيدة.

 

(1) تعاقب مصطلحات الحكم وبالتالي فترات الحكم بالنسبة للتسعة حكام الأوائل

(من كاشتا حتى أنلامانى) يمكن في الأساس تقبلها بحسبانها معتمدة.

(2) أسبالتا يعترف به عموماً بوصفه معاصراً للغزو الذى نفذه بسامتيك الثاني

(591 ق.م.= السنة الثالثة لحكم بسامتيك الثاني= السنة الثانية لحكم أسبالتا الذى حكم بالتالي من 593 حتى 568 ق.م.).

(3) من أسبالتا حتى هارسيوتف (طبقاً لهنتزا من

568 حتى 369 ق.م.) هناك انحرافات طفيفة للغاية في التواريخ المقدرة في الأنظمة المختلفة للكرونولوجيا؛ تعاقب الأهرام وأيضاً الحكام ومصطلحات حكمهم يمكن تقبلها بوصفها موثوقة إلى درجة معقولة.

(4) إذا كان نستاسن حقاً عدواً لـ خباباش فإنه يبدو محتملاً جداً أنه حكم من 335 حتى 315 ق.م.

(5) الملك الأول الذى دفن في مروى

(البجراوية/ الجبانة الجنوبية/ 6) والذي يقرأ اسمه حتى الآن أركامانى، كان معاصراً لبطليموس الثاني (284-266 ق.م.)، ويتطابق مع اركمينيس الذى أورده ديدور، والذي أنهى في عهده سيادة كهنة آمون. هذا الانقلاب العسكري وجد تجسيداً فعلياً له بتحويل مكان دفن الملوك من نبته إلى مروى. لكن الاسم يمكن قراءته أيضاً أركامانى- كو (وفق مقترح قدمه بريزا). في هذه الحالة علينا أن نسميه "اركمينيس الأول"، وبالتالي ستصبح الإفادة التى قدمها لنا ديدور صحيحة للغاية. انه في عصر بطليموس الثاني تتقارب التواريخ التى ثبتها ريزنر (300-280) وهنتزا 1952 (295-275)، وأيضاً تلك التواريخ التى ثبتها فنيج (270-260). لكن أى من تلك التواريخ ينال الأسبقية إنما يعتمد على الكيفية التى تفهم بها "الأسرة المروية المتقاطعة الأولى لنبتة" (انظر أعلاه).

(6) طبقاً للوقائع التى دعمتها بقوة في 1962، كان أرنخ أمانى معاصراً لبطليموس الرابع (

221-203 ق.م.)؛ في ذلك الوقت توصلت إلى فترة من 235 حتى 218 لحكمه وهو ما لازلت أعتقد في كونه الأكثر احتمالاً. الاعتراضات المثارة من جانب هيكوك (1965) تبتعد عن جوهر المسألة فعلياً طالما انه ليس إضافة مرى است أو عنخ دجد للأسماء نفسها هو المهم بالنسبة لى لكن إضافة اللقبين مرى إست وعنخ دجد داخل الخرطوش الملكى والذى يوجد للمرة الأولى مع بطليموس الرابع (قارن فنيج 1967، 14).

(7) اسم الأمير اركا، نجل أرنخ أمانى، والذى صُور على جدران معبد الأسد في المصورات غالباً ما يكون اختصارا للاسم الكامل للملك أركامانى الذى علينا أن نسميه الآن اركمينيس الثاني بوصفه نجلاً وخليفة لأرنخ أمانى. سيبدو صحيحاً تأريخ فترة حكمه بالفترة من

218 حتى 195 ق.م. والتي تشمل أيضاً نشاطاته المعمارية المشتركة مع بطليموس الرابع في دكة وفيلة.

(8) انطلاقاً من الأسباب التى أوردتها في

1959، كانت الملكة أمانى رينا ونجلها أكينيداد عدوين لبترونيوس. في هذا الخصوص ليس الأهم هو التفسير المختلف حوله مسلة أكينيداد (على سبيل المثال مسألة ما إذا كانت ارميه هى طريقة قديمة لهجاء ارومه = روما، لكن حقيقة أن نقوش الملوك المرويين الوحيدة في النوبة السفلى التى يمكن أن يرجع تاريخها لهذه الفترة هي الخاصة بـ تريتيكاس، الخاصة بأمانى رينا أكينيداد في دكة. لكن وفق سترابو فإن دكة كانت مؤقتاً مقر قيادة المرويين قبيل شنهم هجومهم على فيلة، والفنتين، وسينى.

(9) إذا صح تفسيري للنقش الإغريقي في دكة

LD VI gr. 407 (هنتزا، 1959: 26)، لا بدَّ وان ملكة حكمت في مروى (أو نبتة ؟) في سنة 23 ق.م. هذه المسألة ترتبط ارتباطا وثيقاً بإشكالية "الأسرة المتطابقة الثانية " لنبتة.

(10) آمل أن أكون قد أثبت انه في زمن نيرون أرسلت حملتان روميتان إلى منطقة مروى تقريباُ في حوالي سنة

62، و في الوقت نفسه كان هناك ملك على العرش. الحملة التى سجلها بليني وصلت إلى مروى بعد سنوات قليلة، حوالي 66 أو 67 تقريباً. في ذلك الوقت كانت هنالك ملكة على عرش مروى. بالتالي، علينا أن نفترض انه بين 62 و 66 ق.م. حدث استبدال للملك والذي كان تحولاً من ملك إلى ملكة، وهى واقعة تقدم مفتاحاً بالنسبة لتأريخ أمانى تينميمدى وملكته خليفته أمانى خاتاشان.

(11) نتكامانى

(وأمانى تارى) يستوجب تثبيت تاريخهما بوصفهما المرممين لمعبد آمون في جبل البركل مباشرة بعد حملة بيترونيوس.

(12) الهرم البجراوية/ الجبانة الشمالية/

24 أرخه ريزنر بـ 290-310 ميلادية، وأرخه كل من دنهام، وهنتزا، وفينج ب_ 283-300 ميلادية. نسبت أنا، كتجربة- هذا الهرم للملك يسبيخى أمانى المعروف من فيلة (النقشين 119و120). كتب نقشاه في فيلة في مكان بارز فوق صورة الملك. انهنا النقشان الملكيان الوحيدان في فيلة الذين ينتميان إلى العصر المروى المتأخر. يدور في ذهني، أن تلك الوقائع يمكن فهمها بصورة أفضل عندما نعد النقشين صرحاً ملكياً كتب أثناء إعادة تعمير الإقليم الثاني عشر من قبل المرويين بعد انسحاب الرومان في عهد ديوكلتين (284-300 ميلادية). وفي هذا الخصوص نشير إلى الأسد الذى يحمل اسم يسبيخى أمانى بالهيروغليفية المروية والذي عثر عليه في قصر إبريم. سيجعل ذلك من الممكن التأكيد على تاريخ فترة حكم هذا الملك. مثل هذا التفسير لصرحي يسبيخى أمانى سيتطلب، من جانب، تأملات جديدة بالنسبة للمرحلة الختامية من التاريخ المروى، ودور سلطة ملك مروى في النوبة السفلى في ذلك الوقت، والسؤال المتعلق بـ "النوباديين" الذين ترك لهم ديوكلتين الإقليم الثاني عشر كما يقال- كل تلك إشكاليات لا يمكنني الخوض في تفاصيلها الآن. 

 

تاريخان من التواريخ المثبتة تلك يمكن عدهما موثقان أصبحا الآن تحت دائرة الشك هذا إذ لم يتم عدهما لاغيين كلياً.

(1) مطابقة تكريدى أمانى المدفون في نورى 28 بالملك المروى تكرمن المذكور في المخربش الديموطيقى فيلة 416 من السنة 253 ميلادية، وهى المطابقة التى أقامها دنهام ووجدت قبولاً منذ ذلك، هي مطابقة غير صالحة اليوم بفضل تأريخ هذا الهرم من جانب فينج. بالتالي، علينا أن نفترض وجود ملكين بالاسم نفسه (أو على الأقل متشابهين). (2) عادة ما تربط نهاية مروى بحملة الملك الاكسومى عيزانا، وعليه تؤرخ النهاية بحوالي 350 ميلادية. حاولت في عام 1959، ومرة ثانية في عام 1967 أن أثبت أنه من سجل حملة عيزانا لا يمكن التوصل إلى استنتاجات بشأن تاريخ نهاية مملكة مروى. فيما يتعلق بهذا التاريخ فإننا نعتمد على استنتاجات من التاريخ المروى والتي هي شحيحة للغاية.

 

رابعاً: الصعوبات والآفاق المستقبلية للبحث الكرونولوجى

لدى دراسة كرونولوجية مروى فإننا نواجه صعوبات جمة للغاية. نعرف فقط بعض النقاط الثابتة بالنسبة لفترة تمتد لأكثر من ستمائة عام، وهى نقاط ليست موثوقة بصورة كاملة؛ تعاقب الأهرام في إطار المجموعات التى ثبتها ريزنر على أساس السمات الآثارية هي من الحالات غير الموثوقة كلياً بعد؛ معظم الأهرام لا اسم لها بحيث يكون ربطها بحكام معينين مجرد فرضيات لازالت تؤلف إشكالية؛ من جانب ثانٍ، نعرف أسماء العديد من الملوك دون أن نكون قادرين بثقة على ربطهم بأهرام معينة؛ إضافة، دمرت بعض الأهرام أو أزيلت، مثل على سبيل المثال الببجراوية/ الجبانة الشمالية/

53، فقط العديد من الكتل الحجرية من تلك الأهرام والتي أعيد استخدامها في بناء أهرام أخرى في فترات لاحقة توفر بينة دالة على وجودها؛ شحيحة أعداد موائد القرابين الملكية التى أبقى عليها الزمن، والتي عثر على أجزاء مشظأة منها فقط، ونتيجة الظروف المبهمة جزئياً لكيفية العثور عليها فان ارتباطها بأهرام محددة يمثل إشكالية. عنصر آخر لعدم الموثوقية هو أن بناء كرونولوجية مروى وفق امتداد فترات الحكم بالنسبة للحكام الفرادى اعتمد تقديره فقط على حجم الأهرام وزخرفها.

 

 

نظراً لتلك الصعوبات الهائلة يميل المرء للاعتقاد بعدم جدوى إعادة تركيب مسار كرونولوجي للتاريخ المروى يكون له أكثر من مجرد طابع تخميني. لكن الغريب في الأمر، فان ما نعرفه الآن عن كرونولوجية مروى، رغم أن  البحث المكثف - بصورة شاملة- قد بدأ للتو، لهو أكثر مما يمكن توقعه نتيجة الصعوبات الهائلة والمعوقات. 

 

انه فقط بفضل الأساس الصلب الذى أرساه عمل ريزنر نمتلك هذا الوضع الملائم. لقد أفضى منهجه الواعي وملاحظاته الفطنة واهتمامه بالتفاصيل الآثارية إلى تثبيت أساس يمكن البناء عليه غض النظر عن أن الكثير من  التواريخ التى ثبتها في كرونولوجيته المطلقة قد تتعرض للتعديل بمرور السنوات أو العقود مع تطور البحث في هذا المجال، إلا أن خطوطه الإرشادية والإطار الرئيس بالنسبة "لمخططه الكرونولوجى" أثبت صلاحيته.

 

في اعتقادي، المهمة الأساسية التى لا بدَّ من النهوض بها لحل الإشكالات الكرونولوجية تتمثل في مراجعة المسألة المتعلقة "بالأسرتين المتطابقتين". تصوراتنا لمسار التاريخ المروى ككل تعتمد إلى درجة كبيرة على الإجابة على حسم هذه الإشكالية، ويبدو صعباً إمكانية الوصول إلى اتفاق على التواريخ بعد اركمينيس الثاني بدون حسم هذه الإشكالية.

 

إضافة، المزيد من النجاح في جعل الكرونولوجيا موثوقة سيمكن إنجازه عن طريق العمل الميداني. كل عملية تنقيب جديدة يمكن أن تجلب إلى النور وثائق يمكن أن تكون ذات قيمة أيضاً للبحث الكرونولوجى. لكن في المقام الأول يظل هناك الكثير الذى ينتظر إنجازه في أهرام مروى نفسها أكثر مما يتوقع المرء بعد النشر الكامل لنتائج التنقيب التى نفذها ريزنر. المنحوتات النافرة في المصليات نفسها لم يتم أخذها في الحسبان بما يكفي، ولم تتعمق الأعمال المنشورة فبدراسة التفاصيل الايقونية. بالإضافة، فإن جزءاً من المواد التى لازالت موجودة في الأهرام، كما أثبت فينج (1971). الكتل التى أعيد استخدامها في بناء أهرام لاحقة لم تتم دراستها بصورة منتظمة حتى الآن. انه في هذا المجال يتوجب القيام بعمل ضروري يمكننا من تحسين معرفتنا بالمسار الخارجي للتاريخ المروى. إن دراسة كرونولوجيا مروى ليست مجرد لعبة مثيرة بالتماثيل، لكنها تتبع هدفاً لخلق أساس صلب للبحث التاريخى النافذ.

 

هوامش

* مروى من هنا ولاحقاً يقصد بها البجراوية

- كبوشية حيث عاصمة مملكة مروى ويجب عدم الخلط بينها وبين مروى الحالية التى هى نبتة سابقاً: أركامانى

** لتسمية كوش بمصطلح إثيوبيا أنظر

: كوش أم النوبة- حول إشكالية التسمية

 

 

 

G.A.Reisner 1923, The Meroitic Kingdom of Ethiopia: A Chronological Outline.- Journal of Egyptian Archaeology 9.

St.Wenig 1967, Bemerkungen zur Chronologie des Reiches von Meroe.- Metteilungen für Orientforschung 13.

M.F.L.Macadam, The Temples of Kawa II. History and Archaeology of the Site. London.

F.Hintze 1962, Die Inschriften des Löwentempels von Musawwarat es Sufra. Berlin.

M.F.L.Macadam 1966, Queen Nawidemak,- Allen Memorial Art Museum, Bulletin XXIII,2.

A.J.Arkell 1962, A History of the Sudan from the Earliest Times to 1821, 2nd Ed., London.

B.G.Haycock 1965, Towards a Data for King Ergamenes,- Kush 13.

 

 

الوضع الراهن وإشكاليات دراسة تاريخ مملكتي نبتة ومروى - 2

 

نشؤ مملكة نبتة وتأسيسها (القرن العاشر- منتصف القرن الثامن ق.م.)

مع قدر كبير من الثقة يمكن حالياً الإقلاع كلياً عن الفرضية القائلة بأن حكام نبتة الأوائل، الذين أرسوا دعائم عظمة كوش، الارا وكاشتا والسابقين لهما كانوا أحفاداً لكهنة طيبة، الذين وجدوا في سنوات الفوضى التى ضربت في مصر ملاذاً لهم في الجنوب، أو الفرضية القائلة بالأصل الليبى لأولئك الملوك المؤسسين. يبدو أن عملية توحيد كوش اكتملت في عهد كاشتا. وكان كاشتا هو الأول الذى اتخذ لنفسه ألقاباً ملكية وعُد في أزمان لاحقة مؤسساً لعظمة الأسرة النبتية. ويحتمل أن يكون قد جرد الحملة الأولى على مصر.

 

إزدهار نبتة، يفسر، فيما يبدو، بموقعها في النهاية الشمالية لطريق القوافل القادمة من الجنوب. هنا وجدت أرض تميزت بخصوبة تربتها، وهو ما أسهم في رخاء السكان المحليين. عند جبل البركل قام معبد آمون- المعبود الأساسى لكوش. ومن ثم أصبحت نبتة إضافة المركز الدينى الرئيس للبلاد.

 

ازدهار نبتة والدولة المصرية الكوشية المتحدة (منتصف القرن الثامن- منتصف القرن السابع ق.م.)

خلافاً لتأكيد كل من مانيثو وديدور فإن الأسرة الخامسة والعشرين (المسماة بالأسرة الإثيوبية) ضمت ليس ثلاثة ملوك، وإنما خمسة ملوك، إجمالاً حكم أولئك الخمسة قرابة القرن. بقيت نبتة العاصمة الرسمية، حيث تأسس، إنطلاقاً من ألقاب المسئولين، نظام إدارى على النمط المصرى، لكن ليس كلياً، ذلك أن تسميات الألقاب المصرية ومناصب النبلاء المحليين لم تعكس دائماً الوظائف الفعلية التى يقومون بها. إنقسمت البلاد إلى مناطق سميت كل منها بإسم المدينة الكبرى فيها. شكل الزعماء القبليون والمشائخ إلى جانب الكهنة الطبقة السائدة، وكانوا تابعين لنبتة إما مباشرة وإما عبر حكام المناطق. 

 

عدم الإستقرار السياسى في الدلتا، والتنظيم الأفضل والتسليح الأرقى للجيش الآشوري حسم انتصاره على كوش. وأصبحت كوش منعزلة عن عالم البحر الأبيض المتوسط. ومن ثم بدأ ملوك نبتة في توسيع نشاطاتهم شطر الجنوب.

 

يحتمل أن يكون الإحتكاك مع أشور، إلى حد ما، قد أسهم في تعرف الكوشيين على فن صهر خام الحديد وتطور صناعة الحديد، وهو ما كان له تأثير بعيد المدى على تطور القوى الإنتاجية، ومن مصر كان الكوشيون قد أخذوا الكثير من العادات، والمعتقدات، والحرف، وبعض الأساليب الفنية والمعمارية، والتنظيم الكهنوتى، ويحتمل بعض أجهزة الدولة. كل ذلك أسهم في الإسراع بمعدلات التطور في كوش. النزعة للتمسك بالقديم والتي ميزت فراعنة الأسرة الخامسة والعشرين، هي سمة ميزت فترات الانهيار وبالنسبة للحكام الذين لا يجادلون بخصوص شرعية سلطتهم. جاهدوا لتدعيم تلك السلطة، مقلدين في ذلك الملوك الذين امتلكوا حقوقاً غير مشكوك فيها والمقننة بالأساطير والتحدارات القديمة. هذه السوابق يسرت سياسة بيَّا وخلفائه الأقربين في مصر. أكدَّ فراعنة الأسرة الخامسة والعشرين ولاءهم للتقاليد القديمة بالرعاية الكاملة التى أسبقوها على الكهنة والدين. هذه النزعة، بالإضافة إلى الحرب التى تزعموها ضد العدوان الآشوري، أصبحت فيما يبدو أساساً لنشوء المأثور الشعبي الذى احتفظ به الزمن في كتابات هيرودوت وسترابو حول "الإثيوبيين الخيرين"، وحول الملك المشرع ساباكون (شاباكا)، وحول "الفاتح العظيم" تهارقا.

 

مملكة مروى. المرحلة الأولى: النشؤ والازدهار (القرن السادس- نهاية القرن الأول ق.م.)

تتوافق بداية المرحلة الثالثة مع فقدان ملوك نبتة لمصر، لكنهم شأن ملوك مروى لم يتنازلوا عن ادعاء، ولو شكلياً، شرعية حكم مصر فظلوا يحملون الألقاب الفرعونية كاملة غير منقوصة. وقد شكل ملوك نبتة بالنسبة لملوك مصر الليبيين مصدراً دائماً للتهديد، خاصة وأن تعاطفاً كبيراً مع ملوك نبتة تغلغل في أوساط الطبقة الكهنوتية وبعض حكام الدلتا. وقد تم دحر الحملة على نبتة التى شنها بسامتيك الثاني في عام 591 ق.م. واستمرت النشاطات العدائية بين الجانبين، ووجد اللاجئون السياسيون ملاذاً في كوش. برغم ذلك فإن التبادل التجاري بين الدولتين لم يتوقف، ويحتمل أن تكون القوافل قد وصلت حتى سنار.

 

يبدو أن الهزيمة، زادت من عزلة كوش عن الشمال، ويحتمل أن تكون من بين الأسباب التى أدت إلى نقل العاصمة من نبتة إلى مروى. ومع نهوض مروى تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ البلاد. تميزت هذه المرحلة أولاً وقبل كل شئ في انتقال مركز الثقل في السياسة الداخلية والخارجية إلى الجنوب.

 

وقعت العاصمة الجديدة في ملتقى طرق تجارية تقود إلى الجنوب والشرق. الأراضي هنا كانت أكثر اتساعا منها في نبتة، وفي الصيف تهطل الأمطار، وكان بمقدور السكان القريبين الاستفادة من خيراتها. وكان خام الحديد غير بعيد من المنطقة. فرضية دنهام بخصوص وجود "عشيرتين" للسكان المحليين والزعماء النبتيين، والتي طرحها بناء على دراسته للجبانتين الغربية والجنوبية في البجراوية Dunham 1963، يصعب تأكيدها. يحتمل أن يكون الأمر متعلقاً بتراتب اجتماعي. ظلت نبتة ولفترة طويلة لاحقة المركز الديني الأهم للبلاد.

 

عن حكم الخلفاء المباشرين لأسبالتا (593-568 ق.م.) فإن الجهل بهم هو مآلنا. انطلاقا من الآثار المتوفرة فإن هذه الفترة تتميز بالمزيد من ضعف الصلات مع مصر، في المقام الأول الصلات الثقافية. في لغة حوليات الملوك تتزايد وتيرة "التوحش". لكن البلاد في الغالب ظلت مزدهرة. قبل فترة وجيزة تم الكشف إلى الجنوب من مروى مواقع زراعية ذات كثافات سكانية عالية، والتي تشير إلى وجود دولة قوية بما يكفي. عندما فقدت الاستقرار، تحول السكان إلى الرعي. اعتمادا على الحوليات الملكية، امتلكت الطبقة الكهنوتية، بخاصة كهنة آمون، نفوذاً واسعاً وتلقت الهدايا الثمينة. وأخذت كوش، ولو أن ذلك لم يكن مباشرة كما ولم يكن بقوة كما هو حال بلدان أخرى، بدءاً من القرن الثالث ق.م. في الانخراط في حياة العالم الهلينستى. الحملات الناجحة، والثروات الضخمة، ومناجم الذهب، والتوسط الفاعل والنشط في التجارة بين المناطق الداخلية للقارة الأفريقية ومصر- كل ذلك عمل لمصلحة ازدهار مملكة مروى، جاعلاً منها واحدة من أكثر الدول ثراءً في تلك الفترة.

 

كانت للبطالسة مصلحة في وصول البضائع المجلوبة من المناطق الممتدة  إلى الجنوب والجنوب الغربي من كوش. ولذلك سعوا للحفاظ على السلم مع جارتهم الجنوبية.  كان هذا زمن ازدهار النوبة الشمالية. حاول كل من البطالسة والمرويين استغلال مناجم الذهب في الصحراء الشرقية، كما اهتموا بتأمين الطريق الرئيسة التى كانت حينها عبر النيل. فقط منذ منتصف القرن الثالث ق.م. انتقلت هذه الطريق الرئيسة بالتدريج من النيل إلى البحر الأحمر. ساعد التبادل التجاري المكثف مع مصر ووصول الإغريق إلى مروى في نهضة الثقافة المحلية. فرضية انقسام كوش في هذه الفترة إلى مملكتين مركز الأولى في نبتة والثانية في مروى استمرتا لقرابة قرن من الزمان، لا تجد حقيقة واحدة تدعمها (1). ملوك ما يسمى بالأسرة المرَّوية في نبتة يمكن عدهم بثقة ضمن قائمة ملوك مروى. الدليل على سرعة زوالها أن أرنكانانى، الذى يعد واحداً من ملوكها، حكم في مروى.

 

وقد قام الملك أركامانى (248-220 ق.م.)، والذي قضى على عادة الاغتيال الطقوسي للملك، بتنفيذ إصلاحات كان من شأنها تقوية سلطة الملك والقضاء على بعض بقايا التركيب العشائري السابق.

 

مع بداية القرن الأول السابق للميلاد تبدل شكل العلاقات السلمية مع مصر لتصبح أكثر عدائية، وهو ما قد يكون بفعل  الدعم المتواصل الذى تقدمه كوش للثوار المصريين في جنوب مصر في مقاومتهم للاحتلال الإغريقي. ويحتمل أن يكون أرماخيس وأنخماسيس الذين سيطرا على طيبة في الفترة 206-186 ق.م. ينتميان إلى أصل كوشي. إضافة إلى ذلك، كما أشرنا سابقاً، فإن الطرق التجارية أخذت في التحول أكثر فأكثر إلى البحر الأحمر. مع بزوغ القرن الأول السابق للميلاد يلاحظ التدني في حجم أهرام الجبانات الملكية في مروى مع الانخفاض الواضح في المحتويات الجنائزية والزخرف والزينة. قد يكون السبب في ذلك أزمة داخلية ما في البلاد بفعل انهيار التجارة، أو هجمات البدو، أو بفعل السببين معاً.

 

ليس مستغرباً أنه تحديداً إلى هذه الفترة في مروى يرجع ظهور نظامها الكتابي الخاص. كان لهذا الإصلاح أهمية ثقافية تاريخية كبيرة: للمرة الأولى في أفريقيا تظهر كتابتها الهجائية (الألف بائية). تشكلت، غض النظر عن التأثير المصري الكبير، ومن ثم التأثير الإغريقي، الثقافة المروية المحلية، والتي لازالت خارج اهتمام العلماء إلى حد ما. استمر نشاط تشييد المنشئات المعمارية الضخمة - المعابد والقصور والقلاع - ليس فقط في العاصمة، وإنما في الأرياف كذلك. ورغم ما ميز المعمار والنحت من أساليب "عتيقة" فإن الكوشيين نجحوا في إبداع أساليبهم الخاصة مستخدمين في ذلك موضوعات بيئتهم المحلية. ليس من خطأ أكبر من الادعاء بأنّ الفن المروى يمثل انحطاطا للفن المصري. مثل هذا الادعاء يهمل كلياً إعادة الإدراك والتطويع لما هو مقتبس وفقاً للظروف الماثلة. يكفي الرجوع فقط إلى الفخار الرائع المتميز بنحافة جدرانه، والذي لا يقل من حيث نوعيته عن أفضل منتجات فخاري نيوكراتيس وأشهرها. تتطور في مروى بالتدريج مدنيتها الخاصة المتميزة، وتفرز "نخبتها الثقافية" إذا جاز لنا استخدام هذا المصطلح هنا. فقد احتفظ الزمن لنا بأطلال مرصد Griffith 1916، وعثر على ساعات شمسية، وبدون معرفة بعناصر علم الهندسة ما كان من الممكن تشييد المعابد. معروفة أسماء المنجمين والكهنة- "العارفين للوقت، متى تشرق الشمس والقمر"، "الحافظين لكتب كوش الملكية".

 

نالت سلع مروى انتشارا واسعاً وكثر الطلب عليها في اليونان وروما. وقد ارتبط تصور كوش هناك بكل ما هو رائع وغير عادى، ووفر مادة للكتاب ومدوني الحوليات.

 

كذلك تبدو خاطئة الفرضية الخاصة بوجود أسرة مروية ثانية في نبتة: دخلت أراضيها ضمن ممتلكات ملوك مروى، طالما أنه إلى الشمال من نبتة وجدت مناطق تابعة لهم؛ لكنه احتمال بعيد أن تكون دولة بهذا الضعف قادرة بصورة مستقلة، حتى بمساعدة جارة جنوبية قوية، على الوقوف بوجه روما، و، أخيراً، إذا اعترفنا بوجود هذه الأسرة، سيظل غير مفهوم، لماذا خلف ملوكها نقوشهم في مروى.

 

وبالرغم من أن الحرب مع روما، والتي أنهت المرحلة الرابعة لوجود مملكة نبتة مروى، انتهت بهزيمة الأخيرة، فإن السلام أبرم بشروط ممتازة بالنسبة لها. ظلت كوش على الرغم من تدمير نبتة عدو قوى بما يكفي، وتجنبت روما بهدف الحفاظ على الهدوء في مصر تصعيد الموقف مع كوش. إضافة فإن الرومان كانت لهم  مصلحة في السلع المجلوبة من هناك، رغم أنها أضحت أقل مما كان يجلب في السابق.

 

مملكة مروى. المرحلة الثانية: بداية الانهيار والزوال (القرن الأول ق.م.- حوالي منتصف القرن الميلادي الرابع)

بعد الحرب مع روما بدأت بالنسبة لمملكة مروى المرحلة الختامية في تاريخها. تم نقل المركز الديني للبلاد إلى مروى؛ اتجهت التطلعات السياسية والاقتصادية صوب الجنوب، وانقطعت بالتدريج الصلات مع عالم البحر الأبيض المتوسط. ترجع لهذه الفترة في الغالب  عن العلاقات الناشئة بين مروى والهند، ويبدو أنه تمَّ اقتباس فكرة زراعة القطن من الهند.

 

حالياً نظل نفتقد معلومات عن التاريخ الداخلي لمملكة مروى في القرون الأخيرة لوجودها. احتمالاً انه منذ منتصف القرن الأول الميلادي، أو بعد ذلك بفترة قصيرة، بدأت في الظهور سمات الأزمة القادمة، فيما يبدو، في الشمال بداية حيث تحولت القرى والمدن إلى مناطق مهجورة. في تلك الفترة كانت طرق تجارة عالم البحر الأبيض المتوسط قد تحولت كلياً وبصورة نهائية إلى البحر. يجدر أن نأخذ في الحسبان الهزات العامة التى تعرضت لها الإمبراطورية الرومانية. في وادي النيل ظهرت القبائل البدوية، والتي فرضت على روما الدخول في سلسلة ممتدة من الاشتباكات. كل ذلك لا بدَّ وأن يكون قد تسبب في الانهيار.

 

احتمالاً أن يكون التغير في المناخ قد ترك تأثيراً قاتلاً على تاريخ مروى: فمنذ القرن الأول السابق للميلاد أخذت في التراجع معدلات هطول الأمطار، وبالتالي انخفاض مساحات الرقعة الزراعية والمراعى، بفعل الجفاف، وهو ما أدى إلى تناقص حجم القطعان. بدأ الاقتصاد الزراعي، وهو عصب رفاهية السكان، في الانهيار. تزايدت حملات القبائل الرعوية. ويحتمل أن يكون الزعماء  والمشائخ القبليون قد انفكوا عن التبعية لمروى.

 

أدت الأزمة الداخلية إلى ضعف قوة كوش العسكرية. احتمالاً أن يكون مستوى الإعاشة المادي قد تعرض لانخفاض بالنسبة للمنتجين المباشرين، والذين كانت السلطة، المركزية والإقليمية على حد سواء، تحاول امتصاص كل ما أمكن منهم.كل هذه الأسباب والنتائج المترتبة عليها تضافرت في مجملها لتؤدى في نهاية المطاف إلى تسجيل شهادة وفاة مملكة مروى. إلا أن ذكراها، كما هي موثقة في التحدارات الكردفانية، ظلت باقية في ذاكرة الشعب إلى يومنا هذا.

 

هكذا يبدو التاريخ السياسي لمملكة نبتة مروى في خطوطه العامة. في هذا العرض العام لا بدَّ وأن الكثير قد تم تجاوز الحديث عنه.

 

يبقى علينا التعرض بصورة موجزة للبنية الحكومية والاقتصادية لكوش.

 

البنية السياسية (الحكومية)  والإقتصادية لكوش

مارست غالبية سكان "جزيرة مروى" إقتصاداً شبه رعوي- زراعي، بحيث يقضون جزءاً من العام في مواقع إقامتهم على ضفاف الأنهار، يزرعون الأرض ويحصدونها، وبعد الحصاد ينتقلون بقطعانهم إلى الداخل. في بعض المناطق، بخاصة الجبلية (نهر عطبرة والنيل الأزرق)، المتاخمة للنيل من الشرق ، شكلت الزراعة النشاط الأساسي للقبائل التى تعيش هناك.

 

من الممكن الافتراض اعتماداً على النظائر الاثنوغرافية، بأن المشائخ والزعماء، وفي المقام الأول الملوك امتلكوا أعداداً هائلة من القطعان، ذلك أن الأبقار كانت أحد دعامات الرخاء والثروة. ويبدو أن المعابد كذلك امتلكت أعداداً غير قليلة من القطعان، وهو ما يمكن استخلاصه من الحوليات.

 

الآثار الأولى للري الاصطناعي يرجع تاريخها إلى عصر المملكة المصرية الوسطى (منطقة كرمة) Arkell 1948. في جنوب البلاد فإنه بالرغم من هطول الأمطار، فإنه وبدون الرى ما كان الأمر ممكناً لتحقيق عائد زراعى كبير. إلى الجنوب من خط سنار- جبل موية تمتد سلسلة من الحفائر، والتى شيدت، غالباً، في عصر إزدهار مملكة مروى. لا أعتقد أن فكرة الحفير قد تمت إستعارتها من الهند، حيث انتشر الري الاصطناعي بدرجة أقل مما هو مشهود في وادي النيل. الأقرب إلى البديهة أنه قد تم تعلم تشييدها محلياً.

 

حالياً لا نمتلك معلومات عن الكيفية التى وزعت بها الأراضي ولا عن الكيفية التى تم بها تنظيم الاقتصاد الزراعي. يبدو أن ممتلكات المعابد لم تنحصر في الحقول والبساتين. انطلاقاً من حقيقة أن المشترك القروى العشائرى ظل محتفظاً به في السودان حتى القرن التاسع عشر، ويمكن تتبع بقاياه حتى وقت قريب مضى، فإنه يجوز الإفتراض بوجوده في كوش.

 

سادت في كوش تقريباً الفروع الزراعية نفسها التى كانت سائدة في مصر، ولكن بتناسب مختلف. غالباً، غلب الرعى على الزراعة، وكانت منتجات البستنة وزراعة العنب أقل. لكن القطن بدء في زراعته مبكراً. في الغالب الأعظم أنه سادت أشكال الإنتاج القائمة على أساس المشتركات القروية. المنتجات المتحصل عليها، وفق ما هو متوفر من معلومات، لم تصدر، ذلك أنها بالكاد كانت تكفي إحتياجات السكان المحليين.

 

شهرة كوش كواحدة من أكثر البلاد ثراءً تكمن في مناجم الذهب والحجارة الثمينة، وكذلك رواسب خام الحديد والنحاس. بدأ الحديد في الانتشار في التداول في القرنين الخامس والرابع ق.م. أكوام الخبث التى عثر عليها بالقرب من مروى تؤكد وجود واحد من أكبر مراكز صهر الحديد ليس فقط في أفريقيا ولكن في كل العالم القديم (2). صهر الحديد في أماكن أخرى. كفرضية يجوز على أساس التناظر، القول بأنه خلال استخراج خام الحديد والذهب استخدم عمل الرقيق، والمجرمين، والمحكومين من السكان الأحرار. ويحتمل أن يكون استخراج المعادن واستخدامها محتكراً من قبل الملك والمعابد، كما كان عليه الحال في مصر البطلمية. مثل هذه الأعمال ما كانت ممكنة للأفراد. لكن على كل تظل مثل هذه الفرضية بحاجة إلى ما يدعمها.

 

تاريخ الحرف في نبتة ومروى يظل غير مدروس. لكنه لا يجوز عدم الاعتراف بأن بعض الحرف، مثل صناعة المجوهرات والفخار، بلغت هناك شأواً عالياً ونجح الحرفيون في هذين المجالين من إبداع تحف فنية رائعة اعتمادا على تجربة قرون من الزمان.يمكن التكهن فقط فيما يتعلق بتنظيم العمل الحرفي. يبدو أنه، كما هو الحال في مصر، فإن القصور والمعابد كانت تضم ورشها الحرفية الخاصة. ورغم أن التبادل النقدي لم يكن موجوداً في كوش، فإن العديد من المصنوعات وصلت إلى الأسواق. المواد الجنائزية التى تم العثور عليها في المقابر تشهد على المستوى التخصصي العالي للحرفيين الصانعين لها، أي بمعنى وجود فروع متخصصة للحرف.

 

كانت التجارة الخارجية، مع بعض الاستثناءات، في غالبيتها مع مصر، ومن ثم عبر موانئ البحر الأحمر مع بلدان أخرى، بما في ذلك الهند. فيما يتعلق بالتجارة جنوباً فإن المعلومات لازالت مفقودة. غالباً حمل المرَّويون إلى الجنوب الحلي والمصنوعات الحديدية. الأكثر احتمالاً، أنه قد أرسلت إلى تلك الجهات حملات كانت جزئياً تجارية وجزئياً للنهب، وفي حالات حملات لإصطياد الرقيق، والعاج، وجلود الحيوانات النادرة وما إلى ذلك. ومن الشمال وصلت إلى كوش أدوات الزينة لتلبية متطلبات النبلاء والقصر، وهو ما تشير اليه المواد الجنائزية في المدافن. بدءاً من القرن الميلادى الثاني، قلت التجارة نتيجة الأزمة التى عانت منها روما ومروى.

 

رغم أن كوش في وقت متزامن مع مصر دخلت، مع أن ذلك كان بصورة مستقلة،  إلى "عصر الحديد"، سابقة في هذا المجال بلدان وشعوب أفريقيا الأخرى، فإن المستوى العام للقوى المنتجة والعلاقات المصاحبة لها كان متدنياً مقارنة بمصر. لا توجد معطيات تسمح بالتأكيد على نشوء إنتاج سلعى في كوش حتى في الفروع الاقتصادية الضخمة التابعة للمعابد. التجارة كانت في الأساس تجارة عبور، كما وكانت في الغالب محتكرة للملك، وإحتمالاً للمعابد. واكتفي السكان إما بما ينتجونه بإيدهم أو بما ينتجه الحرفيون الذين يوفرون الخدمات لعدد من القرى.

 

بالتالي، يمكن الافتراض، بأن مملكة نبتة- مروى كانت في المرحلة ذاتها للتطور الاقتصادي، التى كانت فيها دول الشرق الأخرى في فترات وجودها المبكرة (على سبيل المثال مصر). بالطبع، وجدت اختلافات، بخاصة تفسير أن كوش تطورت تحت تأثير مصري، ومن ثم، بالطبع بدرجة أقل، إغريقي وروماني. يتوجب الأخذ بعين الحسبان الخصائص المحلية المميزة لكوش: التطور المتأخر والمحدود نسبياً للزراعة المروية اصطناعياً، والبعد عن المراكز الأساسية للعالم القديم، والعزلة، والتجاور مع قبائل غير متطورة تقنياً، والإستغلال طويل المدى الذى تعرضت له من قبل مصر. هذا هو ما أدى للاستمرار القوى لبقايا التركيبات المشتركية العشائرية خلافاً لرؤية ميوللر، والتى تقبلها لاحقاً وعمقها ميير وكييز، ومن ثم كينيتز  Meyer 1928; Kees 1958; Kienitz 1953 والذين لقد شددوا على أن مملكة نبتة كانت استمراراً للدولة الثيوقراطية لكهنة طيبة.

 

بمقارنة إفادات المؤرخين والجغرافيين اليونان  مع حوليات الملكين الكوشيين أسبالتا وأمان-نيتى-ريكى، يمكن التوصل إلى الاستنتاجات التالية:

1. تقوم قوات المحاربين، أي كافة السكان الذكور البالغين، ولو أن ذلك بصورة شكلية، بانتخاب أو تثبيت خليفة الملك المتوفي.

2. يكون للوحى المسيطر عليه من قبل الكهنة دور كبير إن لم يكن الدور الحاسم في عملية الانتخاب.

3. لا بدَّ بالضرورة أن يمتلك الملك ميزات نوعية فيزيقية محددة.

4. يمنح الملك تبجيلاً إلهياً.

 

مثل هذه الإجراءات ما كانت مأخوذة عن مصر، حيث نشأت منذ نهاية الألفية الرابعة سلطة استبدادية مركزية، لكنها إجراءات ميزت بعض دول الشرق الأدنى في مراحل تطورها المبكرة (أكاد، وإسرائيل، والدولة النبطية وغيرها)، وبخاصة شعوب شمال شرق أفريقيا. دائرة الأفراد، الذين يدفع بالمرشحين من بينهم، كما هو الحال لدى العديد من شعوب أفريقيا، انحصرت في إخوة الملك؛ من ثم يصبح التاج من نصيب إبن الأخ الأكبر، لا ابن الملك.

 

كان هناك نفوذ كبير لأم الملك- الكنداكة. يماثل وضعها إلى حد بعيد دور أم الملك أو الزعيم لدى بعض الشعوب الأفريقية، حيث أنه نتيجة تعدد الزوجات وكثرة الإنجاب، وأيضاً نتيجة غياب نظام دقيق لتوارث العرش، لا بدَّ وأن تقدم أم المدعى للتاج شرعية حقه. في حالة قصر سنه تصبح الأم الوصى، وبالتإلى يحتفظ عن طريقها بأحد أهم المناصب في حياة البلاد السياسية. وبالطبع لا يجوز التقليل من تأثير بقايا الأمومية.

 

فيما يتعلق بالخصائص الفيزيقية المحددة للملك، فإنها ترتبط بالتصورات الدينية والعادات  لدى العديد من الشعوب بشأن الملك- الحامل للخيرات الإلهية، ومانح الإخصاب. من هنا نشأ تقليد إغتيال الملك الطقوسى بأمر الكهنة، الشئ الذى إعتمدت عليه في الأساس قوتهم وثروتهم. يحتمل أن تكون "مسلة الإقصاء" للملك أسبالتا محتوية على تلميحات تشير إلى تآمر كهنوتي ضد الملك. وتبدو إصلاحات أركامانى نتيجة للتناقضات بين السلطتين الملكية والكهنوتية، ملغية بقايا التركيبات المشتركية العشائرية التى ما عادت تواكب متطلبات العصر. وقد كان لتلك الإصلاحات في الغالب توجه سياسي أكثر منه دينى.

 

على أساس بعض المعايير القيمية، التى وردت شهادة عنها في المصادر المتأخرة (القرون 7- 9 ميلادية) كان الملك، على أية حال شكلياً، الموزع الأوحد لملكيات مواطنيه، والذين هم في الوقت ذاته ملكية له.

 

مما يمكن استنتاجه من إفادات الكتاب اليونان والرومان، وجد في مروى، إلى جانب الملك؛ زعماء، وشيوخ قبائل. إذا كان الملك يجسد السلطة الاستبدادية المركزية للدولة المتزايدة سلطاتها، فإن الأخيرين جسدو العلاقات المشتركية العشائرية القديمة. وجدت بالإضافة إلى طبقة النبلاء، فيما يبدو، مجموعة نبلاء القصر التى تشمل أقارب الملك والمقربين اليه. وجدت في كوش في تلك الفترة منظومة محددة للألقاب والمسميات، المشتقة جزئياً من مصر.

 

مع ذلك لم تكن مملكة نبتة- مروى دولة مركزية بالمعنى الكامل، مثل مصر. يمكن تفسير ذلك بالتركيب الإثنى المتنوع نسبياً، وفقدان الحاجة إلى تأسيس شبكة موحدة للرى الاصطناعي كما هو الحال في مصر، وطريق مائي أوحد يربط مجمل مساحة البلاد في كل واحد.

 

تشكلت القوات، فيما يبدو، وفق التقسيمات القروية أو الإقليمية-العشائرية، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من كلمات استرابو وهيرودوت. أثرت الغنائم المتراكمة مع مرور الوقت من الحملات كنوز المعابد والخزينة الملكية وخزائن النبلاء.

 

اعتماداً على التقاليد الباقية وبالقياس يمكن افتراض أن الضرائب كانت في شكل منتجات طبيعية وأنه قد سادت أحكام القانون العرفي.

 

فيما يتعلق بالاسترقاق، فإن هذه المسألة لازالت غير مطروقة حتى الآن 1964 Katznelson. في عصر مملكة نبتة ومروى اتسع مجال استخدام عمل الأرقاء، فيما يبدو، بصورة أكبر مقارنة بالفترات الأسبق. ظهرت الحاجة إلى تشييد المعابد، والقصور وما إلى ذلك، وكان لا بدَّ من فلاحة أراضى الملك، والمعابد، والزعماء بالإضافة للعمل في المناجم. كذلك استخدم عمل الأرقاء في الخدمات المنزلية. تسمح المعطيات المتوفرة بالتأكيد على أن الإسترقاق في كوش تطور ببطء مقارنة ببعض أقطار الشرق القديم، على سبيل المثال مصر أو بلاد الرافدين. وقد يكون ذلك سبباً في تخلفها النسبى. عمل الرقيق هنا كان محدود الإستخدام. يشير تحليل النقوش إلى أن استخدام الجوارى، للخدمات الخاصة والحريم، كان الأكثر شيوعاً من استخدام العبيد.

 

امتلكت كوش أراضى خصبة قليلة نسبياً، ولذلك ما كانت هناك ضرورة لإنشاء شبكة ري اصطناعي موحدة على مستوى الدولة، وهو ما يشكل عادة قاعدة للأنظمة الشرقية المركزية الاستبدادية الطابع. عمقت الظروف الطبيعية التشتت: صعوبة التواصل عبر النيل، صعوبة استخدام طرق القوافل، وقوع كوش في أقصى أقاليم الايكومنا وأكثرها صعوبة. لذلك كان إسهام كوش للتجارة العالمية في أزمان لاحقة أقل. أسهم ذلك في الاحتفاظ بأشكال الاقتصاد الطبيعي وما يصاحبه من تنظيم لجهاز الدولة الذى تميز بهشاشته المعروفة.

 

هذا هو ما يكمن في قاعدة استمرار العديد من بقايا التركيبات العشائرية البدائية التى اختفت في مصر أو إن بقيت فبصورة بقايا محدودة للغاية، لكنها مميزة للعديد من الشعوب الأفريقية الأخرى. إلى درجة معلومة انحصرت تلك البقايا في السلطة الاستبدادية للملك، رغم أنه عد المتملك الأعلى لتابعيه وممتلكاتهم.

 

من ثم، لا يجوز الإتفاق مع الراى القائل بأن مملكة نبتة مروى كانت ثيوقراطية. لا يصح الخلط بين الأوضاع الناتجة عن بقايا التركيب العشائري البدائي، والتى أعطت الكهنة صلاحية اختيار الملك واغتياله، والتى تحدد فقط التشابه الخارجي مع الثيوقراطية.  عادة ما لا يلاحظ وجود لتأليه الملك في الدولة الثيوقراطية، وهو ما ينتج من ذات التسمية. تنشأ الدولة الثيوقراطية في مجتمع طبقى متطور، عندما تتمركز كل السلطات الدينية والدنيوية بأيدي الكهنة. يصبح الإله مصدر التشريع الأعلى، وليس الملك، حتى لو كان هذا الأخير مؤلهاً ومصدرا للتشريع باسم الإله.

 

كل ذلك يسمح بتحديد مملكة نبتة مروى بوصفها دولة عبودية مبكرة، محتفظة ببقايا التركيب العشائرى البدائي. مثل هذا الاستنتاج أصبح ممكناً فقط نتيجة تزايد كم المعرفة التى أضحت متوفرة لدينا عن كوش بفعل مجهودات باحثين من بلدان مختلفة. لكن هذه مجرد البداية. الكثير ما زال بانتظار الإنجاز. ولذلك فإن حل المسائل والمهام المبينة أدناه يمثل ضرورة حيوية في الدراسة المستقبلية لتاريخ مملكة نبتة مروى.

 

المسائل والمهام العالقة للدراسة المستقبلية لتاريخ مملكة نبتة مروى 

1. أحد أهم المهام، التى تواجه علماء الآثار، تنفيذ أعمال تنقيب منهجية في المواقع السكنية للمدن والقرى، في المقام الأول مدينة مروى. المعلومات عن حياة سكان المدن والأرياف تكاد تكون غير متوفرة.

2. لا بدَّ من الإسراع بنشر كل التقارير غير المنشورة للحفريات، في المقام الأول أعمال ف.ل. جريفيث، ود. ريزنر، وغيرهما. ضرورة قصوى تتمثل في نشر النقوش التى تم العثور عليها في المدافن الملكية. للأسف، فإن هذا العمل قد تأخر لسنوات طويلة. في المرحلة المبدئية لا بدَّ من تجميع الآثار الابيجرافية المخزونة في مختلف المتاحف وجعلها في متناول الباحثين. مفيدة للغاية قائمة مجموعة النقوش التى جمعها ليكلان وايلر والتى تشير إلى النصوص المنشورة فقط. بالطبع ننتظر بفارغ الصبر نشر أولى البرديات المروية التى تم العثور عليها في قصر ابريم (3) .

3. نتائج هامة ومفيدة للغاية يمكن توقعها من البعثات المركبة الآثارية- الاثنوغرافية- اللغوية في دارفور وكردفان، وهى منطقة غير مستكشفة في هذا المجال. إذا صحت فرضية آركل بشأن انتقال الممثلين الأخيرين لأسرة مروى الحاكمة إلى هناك Arkell 1961، والتى دعمها بمعطيات مقنعة إلى حد بعيد، فإن نتائج الأبحاث يمكن أن تكون ناجحة إلى درجة كبيرة، كما تشير إلى ذلك رواية نهاية كوش التى سجلها فوربينيوس Katznelson 1968.

4. أبحاث مماثلة لا بدَّ من تنفيذها في عدد من بلدان أفريقيا الاستوائية لتحديد الصلات التى نشأت في القدم بينها وبين كوش. انتشرت عبر نبتة ومروى في أفريقيا التصورات والأفكار والنماذج المصرية القديمة. العديد من التقاليد والعادات، وبعض الإنجازات في مجال الإنتاج المادي، بخاصة صناعة الحديد، يحتمل، أن تجد جذورها في مروى. بدون تحديد هذه الصلات، لن ننجح في امتلاك تصور كاف لتاريخ أفريقيا وتاريخها الثقافي.

5. ارتباطاً بهذا تبرز مهمة دراسة التاريخ الداخلى للبلاد- بنية الدولة (4)، والعلاقات الاجتماعية الاقتصادية، والتركيب الاثني، واستغلال الأراضي.. الخ.يلاحظ أن العديد من هذه المسائل لم بتم تناولها. وجه الاهتمام الأساسي لتاريخ العلاقات السياسية الخارجية، بصفة غالبة الصلات مع مصر والصراع معها.

6. أيضاً تظل كلياً خارج إطار اهتمام الباحثين دراسة ثقافة مملكة نبتة مروى وفنها. باستثناء نشر تقارير أعمال تنقيب متفرقة (5) وقليلة للغاية لم تنشر أية دراسات متخصصة. على كلٍ، لم تجر في هذا الاتجاه أية محاولة للتعميم. وهنا تبرز سلسلة من المسائل، التى سنشير إليها لاحقاً.

7. الشئ نفسه يمكن قوله بشأن دراسة الدين في نبتة ومروى. باستثناء مقال جوتيه، ما كان هناك حتى وقت قريب أي عمل كرس لهذه المسألة الواسعة والهامة. لا بدَّ من تحديد، ما هو التأثير الذى تركته الديانة المصرية على كوش، وما هي الأشكال المحلية التى اتخذتها هناك، وما هي التصورات الدينية المحلية، وكيف تفاعلت مع الديانة المصرية والكثير من المسائل الأخرى (6).

8. لازالت غير واضحة حتى الآن علاقات مملكة نبتة مروى بالبلدان المجاورة: مصر، والعالم اليوناني الروماني، والهند، وسط أفريقيا وشمال شرق أفريقيا. تشتمل هذه العلاقات على سلسلة من الإشكالات التى قيل شئ عنها أعلاه. الباحثون مواجهون بتحديد ليس فقط طرق تجارة الصادر والوارد، لكن الأفكار، والنماذج، والأشكال الواردة إلى كوش من الخارج، وتحديد مدى التأثير الذى مارسته كوش من جانبها على البلدان والشعوب الأخرى.

 

بالإضافة إلى هذه الإشكالات العامة توجد إشكالات جزئية. عددها كبير ولا شك ومن ثم يستحيل تعدادها. نحاول ذكر مثالين منها: هل يمكن إيجاد توافق بين ما ذكرته المصادر الكلاسيكية حول مسألة اغتيال الملك الطقوسي وبين المصادر الكتابية والآثارية المادية الموجودة بين أيدينا؟ هذه المسألة لم يتم دعمها بصورة نهائية بعد. وما هو دور الكوشيين في النضال التحرري للمصريين ضد الإغريق والرومان؟

 

في مثل هذا الموجز القصير لا يمكن بحال تغطية كافة الأسئلة التى تحتاج إلى إجابة في دراسة تاريخ مملكة نبتة مروى، وهى التى أصبح تأثيرها على حياة العالم القديم أكثر تجلياً. بالضرورة لا بدَّ من إضافات وتصحيحات. الكثير قد تم نفاذه في السنوات الأخيرة، لكن ينتظر تنفيذ المزيد وهو الأكثر. فقط نتيجة جهد مشترك وممنهج لعلماء من بلدان مختلفة، يمكن، تحقيق نجاح في تفسير المصير التاريخى لمدنية أفريقية عظيمة- ثقافة كوش.

 

تذييل

في وقته، لم تسمح لى الظروف للمشاركة في مناقشة ورقتي هذه. وبما أن المناقشة قد نشرت بشكل مقتضب ضمن أعمال المؤتمر، فإنني سأحاول الآن الإجابة على بعض الاعتراضات والشكوك، التى أثارتها ورقتي، وذلك وفق الترتيب الذى وردت به تلك الاعتراضات والشكوك في أعمال المؤتمر المذكورة.

 

التسمية المقترحة من جانبي "الدراسات المروية" وتحديد محتواها بوصفها فرعاً معرفياً مركباً، يهتم بدراسة السودان القديم منذ أقدم الفترات حتى الاحتلال الأكسومي للبلاد، واجه قدراً من التشكيك. يفترض هنتزا وشينى وعلماء آخرون، أن حملة عيزانا لا يجوز منحها اهتماما كبيراً بهذا القدر، ويحتمل ألا تكون قد علّمت نهاية أسرة مروية، كما ولم تصبح معلماً لنهاية مملكة مروى. مع ذلك فإن حملة عيزانا، غض النظر عن ما ترتب عليها من نتائج، تمثل خاتمة لتاريخ السودان القديم، كما هو حال احتلال الاسكندر المقدوني لمصر الذى مثل نهاية لمصر الفرعونية وأرسى بداية لمرحلة تاريخية جديدة مختلفة بالنسبة لمصر. لا نمتلك حالياً بينة عما حدث في مروى في القرون الأولى التى أعقبت الاحتلال الاكسومى، إلا أن شيئاً واحداً واضح: هناك تحولات أساسية إلى حد ما في الثقافة يمكن ملاحظتها و، احتمالاً، في التركيبة السكانية. كل هذا لم يتم بعد تبيانه، لكن كون أننا لم نعد نستطيع الحديث عن مملكة مروى بالمعنى الذى ضمناه سابقاً في هذا المعنى، فهو أمر لا جدال حوله. بالطبع، شغلت المرحلة الانتقالية حيزاً زمنياً محدداً، لكن، على كل حال، فقد اكتملت تلك المرحلة الانتقالية في القرن الميلادي الرابع.

 

كان من الممكن أن تعطى تسمية "الدراسات الكوشية" محتوى العلم الخاص بالسودان القديم، لكنه، بالإضافة إلى  بعض عدم التوفيق الصوتي لهذا المصطلح، كما أشرنا، فإنه يمكن أن يقود إلى نوع من سوء الفهم. في الوقت الراهن يستخدم مصطلح الكوشيين للإشارة ليس فقط إلى سكان بلاد كوش القديمة، في إطار تلك الحدود، التى عرفها بها هم أنفسهم و قدماء المصريون. كما هو مثل تاريخ مصر ما قبل الأسرية، في وقت كانت فيه مصر كما هي الآن غير مكونة بعد، بما في ذلك "تاريخ مصر"، التى تمثل مجال اهتمام علم الدراسات المصرية القديمة Egyptology، من هنا شرعية كل العصر، السابق لظهور مملكة نبتة مروى والداعي إلى تأسيسه، وضمه إلى تاريخها وعده موضوع دراستها "الدراسات المروية".

 

قطعاً من غير الجائز تصور التسمية المقترحة "الدراسات النوبية"، وهو ما أشرنا اليه في ورقتنا. فكما هو معلوم فإن قبائل النوبة أو النوبا، مشهودين في المصادر في فترة متأخرة بكثير، حتى الآن غير واضحة صلتهم الوراثية بسكان مملكة نبتة مروى، والذين لا يمكن بحال من الأحوال النظر اليهم بوصفهم يؤلفون مرحلة سابقة في تاريخهم وثقافتهم، وهو ما تدعمه في المقام الأول حقيقة غياب تعاقب مباشر في اللغة، دع عنك عدم تطابق الحدود الجغرافية. لهذا فإن مصطلح الدراسات المروية يجد أفضلية إلى الحين الذى يتم فيه طرح ما هو أكثر ملاءمة. بقى أن نضيف، أن الإعتراض، الذى قدمه هنتزا على مصطلح "الدراسات المروية"، ينطبق بصورة أشمل على مصطلح "الدراسات النوبية".

 

فيما يتعلق بالشكوك التى أثارها شينى بشأن صحة التحديد المقترح لخصائص مملكة نبتة مروى فقد رفضه كل من هنتزا وبريزا وبخاصة تريجر على أساس وقائعى متين. تبقى أن نضيف أن رأى تريجر القائل بأن مملكة نبتة مروى يمكن عدها ضمن البلدان التى يسود فيها ما يسمى "بنمط الإنتاج الآسيوي"، والذى دارت حوله لدينا مناقشات مطولة، والذى لا يتعدى كونه شكل من أشكال التشكيلة الاجتماعية العبودية، فإننى لن أقوم بالتجادل حوله، طالما أن الحديث يدور هنا حول المصطلحات، غير المختارة بدقة. فكما هو معروف، فإن "نمطاً آسيوياً للإنتاج" لا يوجد. حول هذا كتب الكثير Korostowtzev 1966; Nikifrova 1975 . (لمناقشة نظرية لهذه الإشكالية أضغط هنا).

 

خلافاً لكلمات بريزا لم أطرح مطلقاً الرأي بأن الوحي في عملية انتخاب الملك يقوم بدور "سائد uberragend". كان الوحي، بالطبع، مجرد أداة في أيدى الكهنة، وكان دوره كبيراً فقط كوسيلة تأثير أيديولوجي يدعم شرعية حاكم البلاد المنتحب مجدداً.

 

يجب الاعتراف، بأن السؤال الخاص بالاغتيال الطقوسى للملك لا يزال غير واضح، وقد تمت الإشارة إلى هذه الحقيقة في الورقة. لكن معطيات متوازية أوردها اسامة النور مشتقة من مفاهيم مرتبطة بالسحر الهوميوباتى نالت انتشاراً واسعاً حتى وقت قريب لدى العديد من شعوب افريقيا بما في ذلك الشلك النيليون في جنوب السودان، لا تجعل من احتمال وجود مثل هذا الطقس فيمروى أمراً مستبعداً.  يجب ضم صوتى إلى تأكيد كل من جيرتزوج وتريجر بأن الرؤية السلبية للمعلومات التى أوردها استرابو لا مبرر لها وبالتالي يصبح من الضرورة بمكان الدراسة الأكثر عمقاً لهذه الإشكالية.

 

انتقال العاصمة من نبتة إلى مروى كرست له عدة صفحات في كتابى "نبتة ومروى: ممالك السودان القديم". سبب نقل حاضرة المملكة إلى الجنوب يجب البحث عنه في مجمل العناصر الاقتصادية والسياسية. المميز، أن الجبانة الملكية ظلت على مدى فترة طويلة في جبل البركل، ذلك أن التصورات الدينية، بوصفها أكثر محافظة، تخلفت عن الواقع الحياتى المعيش و، تلاءمت، كالعادة، مع متطلباته، وخضعت للمتغيرات الجارية.

 

التقسيم المرحلى المقترح في الورقة خضع بدوره للدمج بين العناصر الاقتصادية والسياسية. ظهور أشكال جديدة للمصنوعات الفخارية، رغم أن ذلك قد يكون مؤشراً لتحولات في التركيبة الاثنية للسكان بهذا القدر أو ذاك، فإنها تظل محتاجة إلى دعم عن طريق وقائع  ووثائق جديدة، في هذه الحالة بالذات، كما يشير إلى ذلك شينى: في ظهور المصنوعات السوداء "الافريقية" في حولى سنة 300 ق.م.، مثل هذه الإثباتات مفقودة. ألا يمكن أن تشكل نتاجاً لإعادة إحياء أشكال محلية "افريقية" للثقافة، والتى تنعكس على الأقل في العودة إلى طقوس الدفن القديمة؟ التقسيم المرحلي المقترح لا يستبعد مراحل فرعية في داخله.

 

بشأن مسألة الطرق التجارية، والتى أثارها هنتزا، فإن الحديث يدور، على ما يبدو، عن أشياء مختلفة.  يدور الحديث في الورقة عن النزعة المرتبطة بالتبادل التجاري في العصر الهلينستى، عندما أخذ البحث عن السلع غير الاعتيادية إرتباطاً بالإرتفاع العام لمستوى القوى المنتجة في توسيع آفاق الصلات الاقتصادية لعالم البحر المتوسط ونشأت صلات غير مباشرة مع الهند، وفيما بعد مع البلدان الواقعة أبعد منها إلى الشرق. الطرق البحرية، بالتالي طرق القوافل البرية المرتبطة بها، أخذت في الانتقال تدريجياً، لكن ليس كلياً، من النيل إلى البحر الأحمر. الأدلة على تلك العملية أوردها خفوستوف في كتابه المذكور بعاليه. قطعاً ما كان من الممكن ألا ينعكس ذلك على مروى.

 

يجدر الاتفاق كلياً مع تأكيد هنتزا بشأن التشكك في تأثير هندى مياشر أو غير مباشر على كوش. تصوير الآلهة متعددة الرؤوس والأيدي نجده في مصر، وهو ما أكدت عليه بوضوح دراسة أسامة النور المكرسة لعبادة الإله الأسد أبادماك. فيما يتعلق بتأثيرات ثقافة وفن آسيا الوسطى وإيران، التى يشير اليها هنتزا، فإنه وطالما أن نتائج هذه التنقيبات لم تنشر كاملة بعد، لا يمكننى أن أقول شيئاً. مع ذلك لا يمكننى إلا أن أعبر عن أملى في أن تتم دراسة مقارنة لنصوص ملوك مروى المكتوبة باللغة المصرية مع النصوص المصرية المتأخرة.

 

 

(1) يتفق مع رأينا هذا فينج 1967 Wenig، الذى أورد في أعماله إثباتات مقنعة

(2) محاولة امبورن 1970 Amborn لإثبات، عدم صلاحية القول بأهمية مروى في أفريقيا بوصفها أحد أهم مراكز الحديد، وجهة نظر أمبورن تقع خارج مجال دراستنا الموجزة هذه.   

(3) الجدير بالملاحظة أن كاتسنلسون كتب هذا في عام 1981. منذ ذلك الحين فإن الكثير مما يشير إلى ضرورة نشر قد نشر بالفعل كما هو مبين في قائمة الببليوغرافيا الملحقة بأركامانى.

(4) فقط في الآونة الأخيرة صدرت مونوجرافيا لازلو توروك المثيرة :

Economic Offices and Officials in Meroitic Nubia (A Study in Territorial Administration in Late meeeeroitic Kingdom), Budapest, 1979

(5) في الآونة الأخيرة أيضاً ظهرت كتابات موجزة عن فن نبتة ومروى

St.Wenig, Propylaen Kunstgeschichte. Bd. 18.B, [S.a], pp.400-427; J.Leclant, Le monde egyptien. T.III. L'Egypte du crepuscules. Paris 1980 pp.227-265; أنظر كذلك Meroitica 5.B, 1979. Africa in Antiquity. The Arts of Ancient Nubia and the Sudan.

 كذلك تقارير آدمز وجريزيمسكى عن الفن المعماري في كوش، ضمن أعمال المؤتمر المنعقد في برلين في نوفمبر 1980 للجمعية الدولية للدراسات المروية

(6) أنظر Minkowskaia 1974 ; Korostowtzev 1976;   Pavlova 1977Zabkar 1975;   Elnur Osama  1974

References

D.Dunham, The West and South Cemeteries at Meroë. Boston.

F.Ll.Griffith, An Omphalos from Napata,- Journal of Egyptian Archaeology 3.

St.Wenig, Bemerkungen zur Chronologie des Reiches von Meroe.- Metteilungen für Orientforschung 13.

A.J.Arkell, The Historical Background of Sudan Agriculture,- “Agriculture in the Sudan” (ed.), J.D.Tothil, Oxford

F.K.Keinitz, Die politische Geschichte Ägyptens von 7, bis zum 4, Jahrhundert von der Zeitwende, B.

H.Kees, Das alte Ägypten. Eine kleine Landeskunde, 2Aufl., B.

Ed.Mayer, Gottesstaat, Militärherrschaft und Ständewesen in Ägypten,- Preussische Akademie der Wissenschaften, Philos. Klasse, Sitzungaberichte, B. Bd 57.

И.С.Кацнельсон, Рабовладение в Куше.- Вестник Древней Истории no. 2.

H.Amborn, Problematik der Eisenverhüttung im Reich Meroe,- Paideuma 16

A.J.Arkell: A History of the Sudan from the Earliest Times to 1821, 2nd Ed., London

И.С.Кацнельсон, Аркамон и ритуальное убийство царя в Куше, Klio Bd.50.

Э.Е.Миньковская, Религиозные культы древнего Судана, Москва (автореф.дис.канд.истор.наук).

M.A.Korstovtzev, Релгия Древнего Египта, Москва.

О.И.Павловa, Античные авторы о культе Амона в Куше, Мерое

L.U.Zabkar, Apedemak= lion god of Meroe> A Study in Egyptian-Meroitic Syncretism, Warminister.

أسامة عبدالرحمن النور 1974(a) "عبادة الإله الأسد أبادماك في السودان القديم"، الخرطوم، العدد الخامس.

M.A.Korstovtzev, О хрaктере древневосточнего общества ,-Народы Азии и Африки, N0.3

В.Н.Никифорова, Восток и всемирная история, Москва.

 


 

مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي

هل يصلح أداة منهجية لدراسة تاريخ مملكة نبتة- مروى؟

إطار نظري لتحليل التاريخ الاجتماعي الاقتصادي لمملكة نبتة - مروى

 أسامة عبدالرحمن النور

 

  استهلال

  تأطير مفهومي التركيبة الاجتماعية ونمط الإنتاج

  نمط الإنتاج الآسيوي: إشكالية تحديد المفهوم

  أسلوب الإنتاج الآسيوى وديناميته

  دور الدولة في المجتمعات ذات النمط الآسيوى

  أسطورة إيتانا نموذجاً لأدلجة تأليه الملك

  مؤسسة الملك المؤله مركباً أيديولوجياً لمجتمعات النمط الآسيوى

 

 

 

 

 

 

استهلال

قبل البدء في دراسة أسلوب الإنتاج السائد في مملكة نبتة مروى، وقبل حسم مسألة مدى الاستفادة الممكنة من المفاهيم التجريدية التى تم طرحها من قبل المفكرين الأوربيين، واستخدامها أداة تحليلية في دراسة خصائص التطور الاقتصادي الاجتماعي للمجتمع في السودان القديم، لا بدَّ من الإشادة بالمجهودات الهائلة التى قام بها لفيف من الباحثين العرب وغير العرب لمناقشة التعميمات السوسيولوجية الخاصة بتطور المجتمعات الشرقية والأفريقية عموماً. مجمل تلك الأبحاث والمجهودات القيمة شكلت قاعدة اتكأت عليها هذه الدراسة النظرية المدخلية علها تسهم إلى حد ما في طرح قاعدة منهجية تصلح أداة للنفاذ إلى إشكالية خصائص التطور الثقافي والاقتصادي والاجتماعي لمملكة نبتة مروى. 

 

يبدو لنا أن العديد من الباحثين المعاصرين من العرب وغير العرب اتبعوا نهجاً نقول بأنه سعى إلى استنباط عناصر من آراء المفكرين الأوربيين بدءاً من أرسطو مروراً بآراء كل من بيرنيه، وهارنجتون، وميكافيلى، ومونتسكيه، انتهاء بآراء آدم سميث، وهيجل، وكارل ماركس. ويلاحظ أن هؤلاء الباحثين أخذوا في تطبيق ما استنبطوه من عناصر على المعطيات التاريخية مفترضين أن ذلك إنما يوازى التحليل النظري غض النظر عن مدى صلاحية أو عدم صلاحية الصيغ التى اعتمدوا عليها. نتج عن مثل هذا الشكل من المعالجات وضع أصبحت معه العديد من الأبحاث التى تعرضت للمجتمعات الشرقية والأفريقية فاقدة لقاعدة نظرية دقيقة.

 

بصورة عامة نقول بأن المناقشات الدائرة حالياً حول أساليب الإنتاج التى سادت في التركيبات الاجتماعية في الشرق وأفريقيا قديماً ولازالت العديد من سماتها باقية، تميزت ببعض نقاط الضعف التى لا بدَّ لنا من الإشارة إليها إن كان في نيتنا تجنب الوقوع في الأخطاء النظرية. لدى دراسة أية ظاهرة من ظواهر الثقافة الإنسانية هناك مسألة تطرح نفسها، ابتداء، ومن غير الممكن السير قدماً في المهمة قبل التوقف عندها ملياً، ألا وهى مسألة المفاهيم والتعريفات. فبدون هذه الخطوة المبدئية التى من شأنها تعريف المفهوم وتوضيح حدوده، قد يجد الباحث نفسه وهو يلاحق ما هو بعيد عن موضوع دراسته، أو ينساق وراء جوانب ثانوية. على أن المشكلة التى تواجه الباحث عندما يحاول أن يستهل دراسته بتعريف المفاهيم وتوضيحها، هي أنه لا يستطيع التوصل إلى تعريف مرضٍٍ قبل أن يكون قد قطع شوطاً واسعاً في تقصى مفاهيمه. لأن التعريف الذى لا يأتي نتيجة الدراسة المتأنية والمعمقة، سوف يعكس أهواء الباحث ومواقفه المسبقة وإسقاطاته الخاصة، عوضاً عن أن يكون مرشداً موضوعياً له. من هنا، فان الباحث يجد نفسه أمام مأزق فعلى يتعلق بالمنهج. ذلك أن التعريف المسبق أمر ضروري لأجل توضيح مجال البحث وتحديده، ولكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التوصل إلى مثل هذا التعريف قبل أن يشبع مفاهيمه التى يعكف عليها بحثاً وتحليلاً.

 

من هنا فاننا نرى أن دراسة المفاهيم يجب أن تسير على مرحلتين. تهدف الأولى إلى التوصل إلى تعريف دقيق للمفهوم انطلاقا من تعريف مبدئي عام وفضفاض، من شأنه حصر مجهود الباحث وتركيزه ضمن قطاع عام أو مفهوم أشمل يحتوى المفهوم الأصغر الذى هو يصدده. أما المرحلة الثانية فتعود إلى نقطة البداية مزودة بتعريف واضح ودقيق للمفهوم، وتُقبل عليه مجدداً وقد صار محدداً ومميزاً عن بقية المفاهيم المشابهة له أو المتداخلة معه.

 

تأطير مفهومي التركيبة الاجتماعية ونمط الإنتاج 

لدى بذل محاولة طرح تأطير نظري لدراسة أي مجتمع لا بدَّ وأن تكون البداية هي تناول مفهومين أساسيين : التركيبة الاجتماعية social formation، وأسلوب الإنتاج mode of production . هنا لا بدَّ من أن نقول بأن الباحث الفرنسي لوى ألتوسير قد أسهم إسهاماً رائداً في البحث الجاري باتجاه التطوير الملموس لمفهوم التركيبة الاجتماعية عاداً إياها بمثابة "الممارسة الاجتماعية"، التى توجد ككل مركب يشتمل على عدة عناصر: الممارسة الاقتصادية، والممارسة السياسية، والممارسة الأيديولوجية، والممارسة النظرية (1). مجمل هذه العناصر في وحدتها هو ما يمكن تسميته " بالممارسة الاجتماعية ". وبغض النظر عن خصائص كل عنصر من تلك العناصر فان لكل واحد منها بنيته الخاصة غير المتبدلة التى يتم في إطارها تحول المادة الخام الحاسمة إلى منتج محدد، تحول يتأثر بالضرورة بالعمل الذى يستخدم وسائل للإنتاج محددة، بالتالي فان ما يسمى بالممارسة الاقتصادية تتطلب تحويل المواد الخام الطبيعية إلى "منتجات اجتماعية" وذلك عبر الاستخدام الممن هج والمنتظم لوسائل العمل الإنساني [وسائل الإنتاج]، أما ما يسمى بالممارسة السياسية فتوجد في شكل تحول يصيب العلاقات الاجتماعية السائدة خالقاً علاقات جديدة، في حين توجد الممارسة الأيديولوجية في شكل التحول الذى يصيب العلاقات المعيشة "للذات" تجاه العالم عبر وسائل الصراع الأيديولوجي، وتوجد الممارسة الأخيرة، النظرية، في شكل تحول المفاهيم القائمة في إطار المعالجات الأيديولوجية إلى معرفة عملية عبر وسيلة العمل التجريدي الذى يتحرك في مجال المفاهيم التى تقوم بتحديد المجال الذى تطرح فيه إشكالية العلم. ويرى ألتوسير أنه في إطار وحدة هذه الممارسات تظل الممارسة الاقتصادية بمثابة القوة الحاسمة في التركيبة الاجتماعية في نهاية المطاف، وتظل هي بالتحديد التى تشكل بنية العلاقات الداخلية لمختلف العناصر الأخرى. رأى ألتوسير الأخير هذا سنعود لمناقشته في وقت لاحق.

 

أما مفهوم أسلوب الإنتاج فيمكن تعريفه عبر تناول الممارسة الاقتصادية تحديداً. تحتوى هذه الممارسة الاقتصادية في مستواها الأساسي أي الإنتاج عموماً- على عناصر محددة: المنتج ووسائل إنتاجه وموضوع العمل. إلا أنه في ذات الوقت يوجد العامل غير المنتج الذى يقوم بالاستحواذ على العمل الفائض. ولتحقيق عملية الإنتاج وإنجازها لا بدَّ بالضرورة من التحام كل تلك العناصر. وتتم عملية الالتحام هذه عبر شكلين للعلاقات. الشكل الذى تتم به عملية الالتحام هو ما يميز المراحل المختلفة التى اصطلح على تسميتها بأساليب الإنتاج. إن فائض العمل القائم في عمليات العمل والناتج عن كون الإنتاج قد تعدى حدود المتطلبات البسيطة لإعادة إنتاج ضرورات العمل المستخدم، يعطى هذا الفائض منتوجاً فائضاً خاضعاً لأشكال الانتزاع المتعددة في المراحل المختلفة، أشكال الانتزاع تلك هي نتاج لعلاقات الإنتاج المحددة والتي تنشئ، بمجرد تأسيسها، نظاماً متفاوتاً لحيازة الملكيَّة والسيطرة على وسائل الإنتاج بالنسبة للعامل المنتج وللعامل غير المنتج. وتؤسس علاقات الإنتاج شكلاً سائداً لانتزاع فائض العمل في أسلوب الإنتاج المعنى، وتكون لانتزاع فائض العمل هذا الأولوية على عمليات الإنتاج طالما أنه يقوم بتشكيل الأخيرة.

 

بالتالي فان أسلوب الإنتاج المعين يوجد كوحدة خاصة مزدوجة لعدة عناصر ويؤلف نوعاً من التركيبة الخاصة لعلاقات الإنتاج، ولأشكال العمل، ويتم تشكله انطلاقا من علاقات الإنتاج السائدة. الأمر كذلك فانه من "الإنتاج عموماً، ومن ظواهره المشتركة" يكون ممكناً، كما يشير إلى ذلك ألتوسير، الانطلاق لتحديد "الإنتاج بخاصة"، أى الإنتاج في مرحلة معينة، كما يصبح من الممكن الانطلاق لتحديد أسلوب الإنتاج المحدد.

 

إذن طالما أن أسلوب الإنتاج يوجد كتركيب مزدوج لعدة عناصر، وطالما أن هذا التركيب هو الذى سيحتم أياً من الممارسات (الاقتصادية، أو السياسية، أو الأيديولوجية، أو النظرية) فانه يشكل العامل الحاسم في إطار الممارسة الاجتماعية، ولذا فانه ولدى دراسة النظم الاقتصادية للمجتمعات السابقة لنشوء الرأسمالية، لا بدَّ بكل بساطة من تحديد الأشكال التى يتم فيها التحام تلك الممارسات، كما لا بدَّ من تحديد طبيعة تلك العناصر المزدوجة، طالما أن أي أسلوب للإنتاج إنما يوجد كبنية سائدة، كوحدة لأشكال للعمل مختلفة في ظل سيادة أسلوب معين لانتزاع العمل الفائض الذى تحتمه سيادة علاقات إنتاجية محددة؛ بمعنى آخر فانه من خلال وحدة العناصر المزدوجة المختلفة في أسلوب الإنتاج تسود العلاقات التى يتم في إطارها انتزاع العمل الفائض، تلك العلاقات التى من خلالها تتشكل عمليات الإنتاج. يعنى ذلك أنه لا يمكن لتحليل أي أسلوب للإنتاج الانطلاق من مجرد التعرف على العناصر ووحدتها في عملية الإنتاج، أي من مجرد تقسيم العمل (2)، ذلك لأن إنجاز عملية انتزاع العمل الفائض لا يتم عبر عملية الإنتاج بالتحديد طالما أن عملية الإنتاج تعتمد في حد ذاتها على عملية انتزاع العمل الفائض وتتشكل من خلالها، بالتالي فان علاقات الإنتاج السائدة، العلاقات القائمة بين المنتج وغير المنتج، والتي تشكل الأساس المبدئي لتحليل خاصة أي أسلوب للإنتاج، ستظل غائبة بمجرد اختزال التحليل على مستوى عملية الإنتاج فحسب.

 

نمط الإنتاج الآسيوي: إشكالية تحديد المفهوم 

لقد وقع العديد من الباحثين في مسائل المجتمعات الشرقية والأفريقية في هذه الهوة، الأمر الذى أدى بهم إلى تعميم استخدام مفهوم أسلوب معين للإنتاج إلى درجة يفقد معها خاصته المميزة نهائياً، أو للدرجة التى يتم معها الخلط بين العلاقات الإنتاجية وعلاقات الاستحواذ، مثال ذلك التعريف الذى يطرحه شريف الدشونى لما يسمى بأسلوب الإنتاج الآسيوي الذى أشار إليه كارل ماركس في عمله "مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي". يقول الدشونى أنه "بشكل عام وفي كثير من التجاوز يمكن للإنسان وصف هذه المجتمعات ذات النمط الآسيوي للإنتاج بأنها مجتمعات وسطية تتدرج من مجتمع لا طبقي (أولى) ومجتمع طبقي. العلاقات الطبقية والملكية الفردية لم تتبلور بوضوح بعد، فعلى الرغم من وجود ظاهرة العمل العبودي (في قصور الملوك والأمراء) لا يمكن وصف المجتمع بشكل عام على أنه يعتمد على مثل هذا الشكل للعمل، لا يمثل هذا النوع من العمل العلاقات الأساسية لأن المجتمع العبودي يحتاج إلى مستوى أعلى من الإنتاج والتجارة وجمع الثروة" (3). ولاشك أن مثل هذا التعريف يتنافى كلياً وخصائص أسلوب الإنتاج الشرقي المميزة طالما أنه يهمل مفهوم الدور الأساسي للري والأعمال الكبرى الأخرى وغياب الملكية الخاصة للأرض في تأسيس هذا الأسلوب.

 

أما الباحث شينو فانه يذهب أبعد من الدشونى ويقول بأن "نمط الإنتاج الآسيوي مقولة ينبغي تحديدها بالنسبة للإنتاج ذاته، وينبغي أن تعبر عن العلاقات الاجتماعية المخلوقة تلبية لاحتياجات الإنتاج، "قانونه الأساسي" لا يمكن أن يظهر لا على مستوى تقنيات الإنتاج، ولا على مستوى المقتضيات الجغرافية (الري وجفاف المناخ)، ولا على مستوى أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي (الأرستقراطية القبلية والبيروقراطية)، وإنما على مستوى الإنتاج نفسه... إن نمط الإنتاج هو شكل خاص نوعى من أشكال استغلال الطبيعة والإنسان معاً، ويتطلب نمط الإنتاج في آن واحد تنظيماً تقنياً للعمل، وشكلاً للتعاون، وتنظيماً اجتماعياً للعمل، وشكلاً من أشكال الإكراه الاجتماعي، وإذا نسقنا الملاحظات التى أبديت بهذا الخصوص وجدنا أن أسلوب الإنتاج الآسيوي يتميز بالجمع بين النشاط الجماعي للمشتركات القروية وبين التدخل الاقتصادي لسلطة دولة تستغل تلك الجماعات وتحكمها في آن واحد ". وطرح شينو سؤالاً عما إذا كانت هذه الفكرة الخاصة "بالقيادة الاقتصادية العليا" تنطوي على وظائف أخرى "من قبيل ذلك مراقبة الدورات الزراعية، وصيانة الطرق ومراقبة أمنها، والحماية العسكرية للقرى ضد غارات البدو أو جيوش الغزاة الأجانب، وتتولى الدولة المسئولية المباشرة عن بعض قطاعات الإنتاج الصناعي التى تنمى طاقات المشاعات القروية، على سبيل المثال في مجال المناجم والتعدين"(4).

 

لا شك أنه بتوسيع مفهوم أسلوب الإنتاج الآسيوي بهذه الصورة فان الدشونى وشينو يجردان المفهوم من محتواه الفعلي أداة تحليلية، مثل هذه المحاولات لا تعنى شيئاً في الواقع سوى تبسيط تجريدي للسمات المميزة لأسلوب الإنتاج الشرقي واختزالها فقط في ما يميز أول بادرة لظهور الدولة والطبقات الحاكمة في مجتمع لازال يقوم في الأساس على قاعدة المشترك القروي. ولا شك في إمكانية إثبات حقيقة أنه في كل حالة توجد الإتاوة التى تدفعها المشتركات القروية لمواجهة التكاليف التى تتطلبها المهام المرتبطة بالمصلحة العامة، بما في ذلك المصلحة ذات الطابع المخيالي الديني أو السحري، وبالتدريج تبدأ الأرستقراطية القبلية في الاستحواذ على تلك الإتاوات، وتتعايش لفترة انتقالية محددة "ديمقراطية" تقوم على قاعدة المشترك القروي مع حكومة ذات طابع استبدادي متزايد في القمة.

 

بمجرد أن يتم تثبيت الاتجاه الخاطئ الذى يبسط أسلوب الإنتاج الشرقي ويختزله في مجرد مفهوم يعبر عن واقع دمج المشترك القروي مع سلطة مركزية مستغلة (بالكسر) فان الدشونى وشينو لا يجدان صعوبة في اكتشاف ما يسمى بنمط الإنتاج الآسيوي في أفريقيا في مرحلة ما قبل الاستعمار الأوربي، وفي أمريكا ما قبل كولومبوس، بل حتى في أوروبا الأبيضية المتوسطية (الثقافة الموكينية الكريتية)، لكننا نجد أنه بعد اكتمال عملية التبسيط تلك نكون قد فقدنا كل ما هو آسيوي، أو كل ما هو "شرقي" بالتحديد في مثل هذه المقولة الشمولية الموسعة. وفي اعتقادي أن مثل هذا الخلط يبرز كنتيجة لعدم إدراك العلاقات الإنتاجية والتقسيم الاجتماعي للعمل، وهو ما يشكل الأساس الفعلي للبنية الطبقية نفسها.

 

هذه هي الهاوية الأولى التى لا بدَّ من تجاوزها لدى تحليل أساليب الإنتاج السابقة للرأسمالية في الشرق وفي أفريقيا إذا ما أردنا تجنب وهم التعرف ببساطة على وحدة العناصر النظرية القائمة في عملية الإنتاج. بعد ذلك يصبح الواجب المطروح أكثر صعوبة طالما أنه يتوجب الكشف عن علاقات الإنتاج التى تسمح بانتزاع العمل الفائض من المنتجين المباشرين في أسلوب الإنتاج المدروس، هذه العلاقة لا بدَّ من تركيبها ليس عبر دراسة عملية الإنتاج، وإنما بالبدء في تحليل مجمل عملية إعادة إنتاج النظام الاقتصادي في علاقته بالتركيبة الاجتماعية نفسها. هذه هي المهمة التى تواجه البحث الحالي الذى يسعى إلى تحليل أسلوب الإنتاج الذى ساد في التركيبات الاجتماعية في مملكة نبتة ومروى. لا بدَّ لنا من دراسة الإنتاج في صلته بالأوجه الأخرى التداول والتوزيع الخ. وفي تركيبه التفصيلي مع المستويات الأخرى. فقط بعد هذا يصبح يمكننا طرح مسألة وجود علاقات الإنتاج المحددة التى تحتم نظام الإنتاج وتساعده في إعادة إنتاج نفسه، والتي تعطى أساساً للانقسام الاجتماعي للعمل الذى تنشأ على قاعدته البنية الطبقية.

 

إذن ففي كل الحالات لا بدَّ لبحثنا أن ينطلق مبدئياً من تناول البنية الاقتصادية كنظام وأن يدرس التركيب التفصيلي لهذه البنية في إطار التركيبة الاجتماعية، وأن يستخدم المفاهيم التجريدية الأساسية للمنهجية العملية بدلاً من تطبيقها ببساطة على عمليات الإنتاج المختلفة. فأسلوب الإنتاج لا بدَّ وأن يتم تحليله بوصفه بيئة تسود فيها علاقات الإنتاج على قوى الإنتاج، بحسبانه بنية تفرض فيها علاقات الإنتاج تطوراً محدداً لقوى الإنتاج. والحال كذلك فانه بدلاً من إنشاء صرح التحليل انطلاقا من الإصرار عل وجود التناقض بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، يكون من الأجدى البدء بتحليل النماذج المحددة للتطور والتي تفرضها علاقات إنتاج محددة على القوى الإنتاجية في أساليب الإنتاج المختلفة. هذه النقطة بالتحديد ذات أهمية قصوى لدى تحليل التركيبات الاجتماعية في الشرق وأفريقيا طالما أنه يصبح ممكناً البدء في تحليل تلك الأشكال الاجتماعية فقط في حالة دينامية أسلوب الإنتاج السائد وكيف يمكن للتركيب التفصيلي لتلك الديناميات في التركيبة الاجتماعية أن يُثبَت إمكانية بروز عناصر أسلوب جديد للإنتاج.

 

إن مسألة الانتقال من أسلوب إنتاجي إلى آخر تتم كالتحام لعمليات مختلفة: دينامية أسلوب الإنتاج السائد سابقاً، وتركيب العناصر الخاصة بالأسلوب الوليد، والتركيب التفصيلي لأساليب الإنتاج الأخرى في التركيبة الاجتماعية لضمان تأسيس الأسلوب الجديد وإعادة إنتاجه. فقط عبر تحليل العلاقة المتبادلة بين تلك العمليات في مرحلة الانتقال يصبح من الممكن تحديد خطة لدراسة التطور التاريخى الثقافي للمجتمعات الشرقية والأفريقية القديمة طالما أن تلك العمليات هي التى تعنى بالتحديد في نهاية المطاف بنية تلك المجتمعات ونزعتها التطورية.

 

أسلوب الإنتاج الآسيوي وديناميته

بعد كل هذا ننتقل الآن إلى طرح الأسس لتركيب مفهوم بنية وإعادة إنتاج أسلوب الإنتاج الذى ساد في التركيبات الاجتماعية الشرقية القديمة وديناميته. نبدأ تناولنا للمسألة بإعطاء وصف شامل للخصائص الأساسية للتركيبة الاجتماعية التى يسود فيها باعتقادنا أسلوب نمط إنتاج آسيوي، ويعتمد تناولي على الحجم الهائل من المعطيات الآثارية  والابيجرافية والاثنوغرافية التى تراكمت بكميات لا حدود لها، والتي تلقى ضوءاً على مختلف جوانب الحياة في المجتمعات الشرقية والأفريقية القديمة.

 

في إطار التركيبات الاجتماعية الشرقية والأفريقية القديمة ينظم الإنتاج في عمليات العمل على قاعدة المشترك القروي، وتتكون وحدة الإنتاج من أفراد العائلة الواحدة أو تركيب لعدة عوائل، وتكون تلك المشتركات محدودة مبدئياً في إطار إنتاج المواد الخاصة باستهلاكها الذاتي، أما فيما يتعلق بتنظيم الإنتاج في تقسيم العمل فانه، في الغالب، ما يكون شبيهاً إلى حد ما للوصف الذى أعطاه هيجل لنظام المشتركات القروية في الهند " فيما يتعلق بالملكية الخاصة فان للبراهمة ميزة كبرى هي أنهم يدفعون ضرائب ويحصل الأمير على نصف دخل أرض الآخرين والنصف الباقي عليه أن يكفي تكاليف الزراعة ومئونة العاملين فيها. والمشكلة البالغة الأهمية هي ما إذا كانت الأرض الزراعية في الهند تُعتبر ملكاً للزراع أو ملكاً لمن يسمى بمالك المزرعة...ويقسم الدخل الذى يدخل لأية قرية كله قسمين أحدهما يخصص للأمير (الراجا) والقسم الآخر للمزارع. كما أن هناك أنصبة متناسبة تتوزع على عمدة المكان، والقاضي، ومراقب الماء، والبراهمي الذى يشرف على شئون العبادة، والمنجم (الذى هو كذلك أحد أفراد البراهمة وهو يعلن عن أيام السعد وأيام النحس)، والحداد، والنجار، والخزاف، والرجل الذى يجمع الملابس لغسلها، والحلاق، والطبيب، والراقصات من الفتيات، والموسيقى، والشاعر. وهذا الترتيب ثابت لا يتغير، ولا يخضع لمشيئة أحد. ولهذا فان جميع الثورات السياسية تمر على الهندي بلا مبالاة لأن مصيره لا يتغير "(5).

 

كما أنه يمكن أن يشبه الوصف الذى أعطاه شايانوف "للاقتصاد الطبيعي" الذى كان قائماً في روسيا في القرن التاسع عشر "كل وحدة عائلية بعد أن تقوم بمبادلة بضائعها مع الوحدات العائلية الأخرى، بل وقد تكون المبادلة مع المشتركات القروية المجاورة، فانها تسلم القيمة التى تشكل "المنتوج الاقتصادي الإجمالي" للوحدة، ومن ثم يتم اقتطاع جزء للمنصرفات الماديَّة الضروريَّة للعام من هذه القيمة ويتبقى بالتالي للعائلة الجزء من القيمة الذى أنتجته لاستعمالها الذاتي خلال العام، ثم تصبح هذه القيمة القاعدة التى يتم انطلاقا منها الإنتاج للعام المقبل"(6). النقطة الهامة هنا هى أن "دخل" الوحدة العائلية له محتماته الذاتية: حجم العائلة وتركيبها، وإنتاجية القوة العاملة في العائلة. هذا العنصر المحتم الأخير  الذى يشكل أهمية قصوى بالنسبة لتخطيط إيراد العائلة، له أيضاً أسبابه الخاصة حسب رأى شايانوف "إن درجة الاستغلال الذاتي تُحدد عبر توازن معين بين احتياج العائلة للاكتفاء الذاتي من جانب، وحجم الكد والعناء الضروري للعمل نفسه من الجانب الآخر، كل وحدة نقدية لمنتوج عمل العائلة المتزايد يمكن النظر إليها من منطلقين: أولاً من حيث أهميتها للاستهلاك من أجل إشباع احتياجات العائلة، وثانياً من حيث حجم الكد والعناء المبذول لاكتسابها"(7). ومن الواضح أنه بازدياد المنتوج المكتسب عبر العمل المضني فان أهمية التقدير الذاتي لكل وحدة نقدية جديدة مكتسبة للاستهلاك تقل، لكن الكد والعناء المبذول لاكتسابها والذي سيتطلب قدراً متصاعداً من الاستغلال سيرتفع، طالما لم يتم التوازن بين العنصرين، بمعنى طالما ظل الكد والعناء في العمل يقدر ذاتياً باعتباره أقل أهمية من الاحتياجات التى بذل العمل من أجل تغطيتها، فان العائلة تمتلك صلاحية الاستمرار في نشاطها الاقتصادي بدون عمل مدفوع الأجر. "بمجرد الوصول إلى هذا التوازن فان منصرفات العمل اللاحق تصبح أكثر صعوبة للفلاح أو الحرفي"(8).

 

ينحصر موضوع الإنتاج في الوحدة العائلية بالتالي في الوصول إلى نقطة التوازن هذه حيث يصبح من الممكن تغطية احتياجات العائلة، وحيث لا يُقيَّم حجم الكد والعناء كمجهود يتجاوز الحدود بالمقارنة مع النجاح في تحقيق تلك الاحتياجات وتلبيتها، وبمجرد الوصول إلى هذه النقطة فان الإنتاج اللاحق يصبح، حسب شايانوف، بدون هدف.

 

هذا وتقوم العائلة باستغلال الشروط الطبيعية (في شكل تركيبها الذاتي، أي النسبة المتبدلة دوماً للمنتجين بالنسبة للمستهلكين خلال الأجيال المتعاقبة)، والتبادل وما إلى ذلك لتحقيق التوازن، وهو ما يعنى أن النزعة إلى زيادة الإيراد، عبر مراكمة رأس المال واستغلال أراضى زراعية جديدة، تظل محدودة بتركيب قوة العمل في العائلة، وبحجم الكد والعناء المبذول في العمل بالنسبة لاحتياجات المستهلكين، إذا أصبح من الممكن التوصل إلى نقطة التوازن الذاتي عبر استغلال قوة عمل العائلة فلا داعي ولا حاجة بكل بساطة إلى زيادة حجم الكد والعناء بزراعة أراضى جديدة، أو العمل على تحسين الإنتاجية باستخدام الدخل المتوفر لشراء أدوات أكثر فاعلية، أما إذا تعذر تحقيق التوازن، على سبيل المثال عندما يعمل الزوجان لإعالة أطفالهما الصغار غير المنتجين، فان الخطوات المذكورة يمكن إتباعها لفترة مؤقتة لتهجر من جديد بمجرد الوصول إلى التوازن، بالتالي فان لاستخدام جزء من الدخل لشراء أدوات جديدة أو لزراعة أراضٍٍ إضافية يصبح مقبولاً بالنسبة للوحدة العائلية فقط في حالة إمكانية تحقيق توازن جديد في فترة وجيزة وبمنصرفات عمل أقل كداً وعناءً، ويعود بإشباع أكبر لاستهلاك العائلة، وبمجرد التوصل إلى تلك النقطة يمكن الاستغناء عن تلك الخطوات.

 

إذا صحت فرضيتنا بشأن سيادة مثل هذا الشكل من التنظيم الاقتصادي في مجتمعات الشرق القديم فانه يجوز القول بأن عملية العمل التى سادت في تلك المجتمعات تميزت بوجود نزعة دائمة لإعادة إنتاج الشروط الضرورية للمتطلبات الاستهلاكية للعائلة، ويشكل هذا بالتالي موضوع الإنتاج. لكن يبرز هنا سؤال بخصوص النشاطات اللا-زراعية في هذا النوع من تقسيم العمل. تعتمد الحرف الصناعية الصغيرة التى وجدت على احتياجات هذا الإنتاج أو على المتطلبات المباشرة للمشترك القروي. يبدو عمل الحرفي في أسلوب الإنتاج في مجتمعات الشرق القديم وكأنما هو محدود على الفترات التى لا يكون فيها كل وقت العمل مستخدماً في عملية الإنتاج الزراعي. في هذا النشاط الحرفي، كما هو الحال في الإنتاج الزراعي، يُنظم المشترك القروي بالشكل الذى يكفل إنتاج القيم الاستعمالية للاستهلاك المباشر. ومع تطور أسلوب الإنتاج الشرقي القديم يظل هذا التنظيم قائم لكنه يُستكمل بالإكثار من إنتاج البضائع من أجل التبادل (القيمة التبادلية) إما مع المشتركات الأخرى والدولة، أو عبر الدولة مع التركيبات الاجتماعية الأخرى. بهذا يبدو أنه وبتطور أسلوب الإنتاج الشرقي القديم تبدأ عملية تجاوز"المطلقية" الزراعية والحرفيَّة الأصيلة للمشتركات القروية، هذا ما يمكن ملاحظته على سبيل المثال في بابل حمورابى حيث أنه وتحت احتكار الدولة تتم عملية إنتاج المحاصيل الزراعية وتنظيمها ومبادلتها مع الدول المجاورة، وفي إطار التبادل الداخلي بين المشتركات القروية. هذه العملية الخاصة بدعم إنتاج القيم التبادلية لإنتاج القيم الاستهلاكيَّة يتبعها عموماً في الشرق القديم التحول إلى الاقتصاد النقدي، واستيراد الدولة للبضائع من قبل مؤسساتها الخاصة ولتنظيم وسائل الإنتاج أو لاحتياجاتها الأيديولوجية. هذا التحول بالذات هو الذى فسر تفسيراً خطئاً من جانب ماكس فيبر باعتباره تحولاً نحو نظام رأسمالية الدولة في المجتمعات الشرقية القديمة (9).

 

النقطة الهامة التى لا بدَّ من التعرض لها هنا هي أنه بالرغم من أن عملية إنتاج القيم التبادلية تشكل نزعة عامة في إطار أسلوب الإنتاج الشرقي القديم، فانها تظل نزعة محدودة في الأطر المرسومة من قبل الدولة نفسها. فرضيتنا هذه تحتم علينا تحليل مسألة تدخل الدولة الشرقية القديمة في العملية الإنتاجية. فكما كان الحال في كافة أساليب الإنتاج التى سبقت نشوء النظام الرأسمالي، فان الدولة في الشرق القديم استحوذت على العمل الفائض للمشتركات القروية عادة في شكل ريع عيني، وهو ما تطلب بالضرورة استخدام العمل بدرجة أعلى وأبعد مما هو مطلوب لتغطية احتياجات الاستهلاك والتبادل المحلى. على كل فان ما يميز أسلوب الإنتاج في الشرق القديم عن الأساليب الإنتاجية الأخرى هو أن الدولة في الشرق القديم قامت بدور هام دوماً في إعادة إنتاج الشروط المسبقة للإنتاج نفسه، وبهذا الشكل، كما سنوضح، فان الدور الذى تقوم به الدولة في عملية الإنتاج يسهم في إعادة إنتاج أسلوب الإنتاج الشرقي القديم نفسه.

  

دور الدولة في المجتمعات ذات النمط الآسيوي

 تقوم الدولة في أسلوب الإنتاج الذى ساد في التركيبات الاجتماعية ذات النمط الآسيوي بوظيفة اقتصادية هامة للغاية وذلك بفعل تدخلها في الاقتصاد القروي سواء عبر تنظيم وقت العمل الفائض للعمل الجماعي القروي الموجه لتشييد منشئات الري المختلفة والضرورية لعملية الإنتاج الزراعي للقرى، أو عبر التوزيع الموسمي لأراضى تلك القرى لمواجهة المتطلبات الديموغرافية المتبدلة للقرى المختلفة، أو عبر تنظيم سبل تخزين المنتوج لتغطية الاحتياجات في السنوات العجاف، أو عبر تنظيم الدورة الزراعية للمحاصيل، أو عبر إنتاج المواد الخام للإنتاج الزراعي وتوزيعها (المناجم والتعدين)، وبالتالي فان الدولة تقوم بدور واضح وهام في عملية الإنتاج، وبهذا فانها تسهم إسهاماً مباشراً وبفاعلية في عملية الإنتاج ذاتها، وكنتيجة فان إعادة إنتاج الإنتاج والاستهلاك القروي تتم عبر المشاركة المباشرة للدولة من خلال وظيفتها التنظيمية.

 

وتقوم الدولة في التركيبات الاجتماعية ذات النمط الآسيوي بانتزاع العمل الفائض من المشتركات القروية في شكل عمل جماعي منجز كوسيلة للإنتاج. وبالإضافة فانها تنتزع أيضاً فائضاً في شكل ضريبة تُدفع لها. علاقة الإنتاج التى تحكم انتزاع العمل الفائض في التركيبات الاجتماعية ذات النمط الآسيوي هي العلاقة القائمة بين القرية والدولة، هذه العلاقة الإنتاجية، كما سنوضح، هي التى تشكل عمليات العمل الفاعلة في تقسيم العمل في القرى. إن انتزاع الدولة للعمل الفائض، ودورها الوظيفي التنظيمي في عملية الإنتاج يتم التعبير عنه من خلال "ملكية" محددة أيديولوجياً للمنطقة التى يتم فيها الإنتاج، ومن خلال السيطرة اللاحقة عليها، في كل حالة فان الدولة تمتلك الأرض وتسيطر عليها، والدولة هي التى يتم تحديدها أيديولوجياً بوصفها المالك الأوحد لكل الأراضي (10). بالتالي فان الدولة تمتلك الحق في تحجيم أي تطور للملكية الفردية للأرض، وكنتيجة فهي تمتلك حق حظر استثمار تراكمات رأس المال المستخرج إما من التجارة أو من الانتفاع من الأملاك. هكذا نكون قد أبرزنا عدداً من المظاهر التى ميزت أسلوب الإنتاج الآسيوي، وننتقل الآن إلى تلمس تنظيم الدولة في التركيبات الاجتماعية ذات النمط الآسيوي.

 

عموماً يمكن الإشارة إلى ثلاثة فروع رئيسة لتنظيم الدولة في النمط الآسيوي للإنتاج:

1- تنظيم عسكري مكون من جيش ضخم يجند من القرى للدفاع عن الدولة ضد الدول المنافسة.

2- تنظيم إداري يحكم الأقاليم ويشرف على مسئولية التجنيد، والتوظيف، وتدريب الموظفين، وجمع الضرائب ومالية الدولة، والاحتفالات، وتحقيق العدالة.

3- تنظيم الأعمال العامة، وإدارة الصناعة التابعة للدولة، وتنظيم التجارة الداخلية والخارجية.          

 

فلتكن النقطة الثانية بداية لتناولنا لتنظيم الدولة: من يمتلك السلطة في إطار التنظيم الإداري؟ إذا أخذنا المعطيات المتوفرة لنا عن مصر الفرعونية أو كوش أو الجزيرة الفراتية أو جنوب الجزيرة العربية أو فارس أو الهند أو الصين فاننا نجد أن سلطة الدولة تنتقل حسب النظم القرابية، بالتالي تعتمد على ملك فردى قوى يكون حكمه شرعياً عبر الميلاد والنسب والتقاليد، والجهاز الفعلي للدولة، بغض النظر عن شكل الإدارة المركزية أو اللامركزية، يمكن تقسيمه إلى إدارات تخضع لسيطرة سلك كامل من الموظفين الذين يقومون بأداء الوظائف الطقوسية والإدارية والدينية والفكرية وغيرها، ولكن على قمة هذا الجهاز يوجد الملك وأفراد عائلته وأقاربه. إن الأيديولوجيات التى يعبر من خلالها عن السلطة السياسية للملك، والمفهوم العام للعلاقة بين الملك والدولة من جانب، والمشتركات القروية من جانب آخر في التركيبات الاجتماعية المميزة لأفريقيا والشرق القديم، تنطوي على عناصر تتواتر بصورة متكررة. سنحاول هنا إعطاء تلخيص مقتضب لنتائج الكم الهائل من الأبحاث التى كتبت حول الموضوع من خلال التركيز على النموذج السومري.

 

أسطورة إيتانا نموذجاً لأدلجة تأليه الملك

بالنسبة لمؤسسة "الملك المؤله" فان أسطورة ايتانا والنسر السومرية تجسد حالة تساعد في استكشاف العامل الأيديولوجي الكامن في أساس مفهوم الملكية في الشرق القديم. النص الأقدم لهذه الأسطورة كان قد وصل إلينا من العصر البابلي القديم (2000- 1600 ق.م.) وعثر عليه في موقع مدينة سوسة العاصمة العيلامية، كما وصلنا نص آخر من العصر الآشوري الوسيط 1600-1000 ق.م.، ونص ثالث من مكتبة آشور بن بعل من نينوى يعود للقرن السابع قبل الميلادي وهو النص الأكثر اكتمالا ووضوحاً من بين تلك النصوص.

 

تدور أحداث القصة في الأزمان الأولى عندما كان الآلهة يقومون بمهمة خلق الجهات الأربع، ويضعون مخططاً لبناء أول مدينة للبشر هي مدينة كيش. فبعد أن انتهوا من أعمال الخلق والتنظيم أسسوا منصب الملوكية، وراحوا يبحثون عن شخص مناسب ينصبونه ملكاً على المدينة، ليكون حاكماً صالحاً للناس فوقع اختيارهم أخيراً على إيتانا:

الآلهة الكبار الذين يقدرون المصائر،

جلسوا، تشاوروا في أمور البلاد

بينما كانوا يخلقون جهات العالم الأربع ويصوغون شكله

لم يكونوا قد أقاموا ملكاً على الناس قاطبة

ولم يكن التاج وعصابة الرأس، حينئذ قد أوثقا معاً (11)

ولم يكن أحد بعد قد توج بصولجان الملك

ولم تكن منصة العرش أيضاً قد رفعت

بعد ذلك هبطت الملكية من السماء

كانت عشتار في ذلك الوقت تبحث عن راع

كانت تبحث هنا وهناك عن ملك

وإنليل يبحث عن منصة عرش لإيتانا

الشاب الذى كانت عشتار لا تنى تبحث عنه.

 

هكذا وقع اختيار الآلهة على إيتانا ليكون أول ملك أقيم لحكم الناس. لكن ماذا بشأن ميكانيزم توريث الملكية بعد أن هبطت من السماء؟

 

متن الأسطورة يتألف من قصتين. بعد صعود إيتانا على عرش كيش، نمت شجرة عملاقة وارفة الظلال.. جاءت اليها حيَّة متخذة من قاعدتها وكراً لها ولصغارها، ثم حط على قمتها نسر فصنع له ولفراخه عشاً. تعاهد الاثنان على العيش بسلام وعلى اقتسام الطعام فيما بينهما.. ووثقا عهدهما هذا بالقسم أمام الإله شمش، إله الحق والعدالة، على احترام الاتفاق وعدم النكوص بالعهد. إلا أن النسر بعد أن كبر فروخه أضمر في قلبه شراً وراح يتحين الفرص لأكل صغار الحيَّة. ورغم نصيحة فرخه فقد انتهز النسر غياب الحيَّة وانقض وأكل صغارها وهرب.

 

تضرعت الحيَّة أمام الإله شمش أن يثأر لها من النسر. استجاب شمش فرسم للحيَّة خطة توقع بالنسر.. سيدفع شمش لها ثوراً مقيداً في الفلاة، وعليها أن تقتلع وتختبئ في أحشائه.. وعندما يأتى النسر مع بقية الطيور ليأكل من الجيفة فعليها أن تنقض عليه فتنزع مخالبه وتنتف ريش أجنحته، ثم ترميه في حفرة عميقة ليموت هناك من الجوع والعطش. وبعد أن تم للحيَّة تنفيذ الخطة بنجاح راح النسر في كل يوم يتضرع إلى شمش لينقذه من ورطته فقال له شمش: 

أنت مخلوق مؤذ وشرير، وقد أحزنت قلبي

لقد ارتكبت فعلاً مرذولاً من قبل الآلهة، لا يقبل الصفح

ها أنت تموت ولكني لن أقترب منك

سأبعث لك رجلاً فأطلب منه عوناً.

 

وتبدأ القصة الثانية التى تعود بنا إلى إيتانا الصالح. فايتانا عاقر وقد شارف على الشيخوخة دون أن يرزق بغلام يخلفه على العرش. ويعلم إيتانا عن نبتة مزروعة في السماء تشفي من العقم، فيدعو الإله شمش أن يجعل النبتة في متناول يده. يدله شمش على مكان النسر الحبيس في قاع حفرة، فيحرره إيتانا ويشفيه لقاء أن يطير به إلى السماوات العلا لجلب نبتة الإخصاب التى تتعهدها عشتار بالرعاية والسقاية. ويصل إيتانا والنسر إلى سماء آنو. هكذا جاءت "بذرة الملكية" من السماء ذلك أننا نعرف من وثيقة "ثبت ملوك سومر" أن الملك إيتانا كان أول ملك على كيش بعد الطوفان، وأنه الذى أسس سلالة كيش الأولى، وأن وريثه على العرش كان ابنه المدعو بالح.

 

إن لدينا من الأسباب ما يرجع تاريخ هذه الأسطورة إلى مطلع عصر السلالات في سومر (حوالي2600  ق.م.). فرغم أن أقدم نص لها، وهو النص البابلي القديم كما أشرنا، يرجع إلى مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، فان العثور على عدد من الأختام الاسطوانية التى ترجع إلى عصر سارجون (حوالي 2300 ق.م.)، والتي نرى عليها مشهداً يمثل صعود إنسان ما إلى السماء على ظهر نسر، يؤكد لنا أن أسطورة إيتانا كانت معروفة خلال أواسط الألفية الثالثة قبل الميلاد، وأن جذورها تضرب أبعد من ذلك في عصر السلالات الأولى، وإلى زمن قريب من صعود أسرة كيش الأولى.

 

السؤال هو ما معنى هذه الأسطورة؟  وما هي الرسالة التى تحملها لنا؟

 

رغم احتواء الأسطورة على قصتين غير متجانستين فان رسالتها واضحة. فالهاجس الرئيس هو التأسيس لأصل مؤسسة الملكية التى "هبطت من السماء". فهي بهذا، كما يشير محقاً فراس السواح، "أسطورة أصول، وتنتمي إلى تلك الزمرة من أساطير الأصول التى تهدف إلى تبرير المؤسسات الاجتماعية القائمة وتجذيرها في البدايات الميثولوجية الأولى، من أجل إسباغ طابع القداسة عليها". أما معنى قصة الحيَّة والنسر فقد فسرها فراس السواح بصورة أجد جدوى فيها حيث استبعد التفسير الذى يرى في قصة الحية والنسر مجرد حكاية ذات طابع تشويقي تم إدماجها في السياق العام للقصة الرئيسة لأغراض أدبية محضة. ففي رأيه أن التلازم الطويل بين القصتين في جميع النصوص التى وصلتنا من الأسطورة، وعبر أكثر من ألف عام، يدفعنا إلى استبعاد هذا التفسير. ويرى فراس أن التجربة مع الحيَّة تتضمن حدثين قادا إلى حدث ثالث هو مركز القصة بكاملها. ويرى في الحدثين الأولين مرحلتين في طقس عبور وتعدية. في المرحلة الأولى يأكل النسر صغار الحيَّة، وفي المرحلة الثانية يلقى بالنسر في قاع حفرة عميقة في باطن الأرض. فأما أكل صغار الحيَّة فهو إجراء طقسي يؤدى إلى إكساب النسر قوى تتعلق بالإخصاب، لأن الحيَّة هي رمز للخصوبة في ثقافات الشرق القديم ورمز للشفاء أيضاً. وأما الهبوط إلى قاع الحفرة المظلم فهو إجراء طقسي آخر مشابه من حيث الغاية. فلقد كان على النسر أن يموت رمزياً في باطن الأرض- الأم لكي يبعث من جديد معافى ومزوداً بقوى تتعلق أيضاً بالإخصاب زودته بها ننخرساج، الأرض. أما الشجرة التى كانت مسرح الصراع بين النسر والحيَّة، فتمثل مبدأ الحياة الذى قوامه قطبان: الموجب والسالب؛ المبدأ الذكرى والمبدأ الأنثوي. وهنا يتجسد المبدأ الذكرى في النسر الذى يسكن قمة الشجرة ويطير في السماء، وتجسد الحيَّة المبدأ الأنثوي الملتصق بالأرض. وما الصراع بين النسر والحيَّة إلا تمثيل للتناقض بين المبدأين. لقد هبط النسر أولاً من القمة إلى الأرض حيث جحر الحيَّة، ثم هبط أعمق من ذلك في غياهب البئر حيث رحم الأرض، لينطلق بعد ذلك في طلب النبتة التى تتعهدها بالرعاية عشتار إلهة الخصوبة الكونية. هذا المغزى السراني لعلاقة النسر بالحيَّة يفسر لنا عدم جدية العقاب الذى تعرض له النسر، ومسارعة الإله شمش إلى العفو عنه ليوكل إليه المهمة التى صار الآن صالحاً لها، بعد أن تحول من خلال الطقس الذى مرَّ به، من نسر عادى إلى نسر قادر على إتمام مهام لا يقدر عليها غيره.

 

مؤسسة الملك المؤله مركباً أيديولوجياً لمجتمعات النمط الآسيوي

هكذا يتضح أن مفهوم الحكم الملكي في المجتمعات ذات النمط الآسيوي يتلخص بصورة عامة في وجود وحدة مزعومة بين الكون والإله (أو الآلهة)، والملك المؤله أو شبه المؤله، ومن ثم بين العنصرين السابقين والوظائف السياسية والاقتصادية والقانونية التى ينفذها الملك بالنسبة للمشتركات القروية، والدولة التى يتم تحديد وظائفها كونياً، وعملية الإنتاج وخصوبة التربة. تنحصر مهمة الملك (الموجه من قبل الإله أو الآلهة) في ضمان الرخاء الاقتصادي للمشتركات القروية، ويقوم الملك بتنفيذ هذه المهمة عبر تنظيم وسائل الري الاصطناعي وسبله، والأعمال العامة انطلاقا من معرفته للدورات الفصلية التى تحكم عملية الإنتاج الزراعي، وانطلاقا من قيامه بتنظيم سبل تخزين المحاصيل وتبادل البضائع وما إلى ذلك. عبر تلك النشاطات يضمن الملك الخصوبة الزراعية، وكبديل لمجمل تلك الخدمات التى يقدمها الملك يدفع التابعون الإتاوة له في شكل خدمات أو ضرائب وما إلى ذلك، ويتبع الملك دوماً إرشادات الإله (أو الآلهة) وبالتالي فان مهامه دائماً ما يتم التعبير عنها من خلال الرموز والشعائر الدينية مما يتطلب استخدام ما يتم الاستحواذ عليه من فائض في عملية تشييد المعابد وسواها من المنشئات الرمزية الأخرى، هذا بالإضافة إلى إعالة مؤسسة كاملة من الموظفين الدينيين الذين من واجبهم ضمان مساعي الملك، وكنتيجة فان ممارسة الملك والمشتركات القروية يتم تحويلها إلى نوع من الفتشية، فالعلاقات الفعلية الموجودة بين الملك والمشتركات القروية، وبالضرورة بين الدولة والمشتركات، تبدو بشكل مقلوب في أيديولوجية النظام الملكي، بالتالي فان ما يبدو أيديولوجياً بحسبانه صفات إلهية مميزة للملك (تنظيم الأعمال العامة وإعادة توزيع الأرض) ما هي إلا مجرد نتائج لوظيفته التى يؤديها في الاستحواذ على العمل الفائض وتوزيعه واستخدامه. فالملك الذى تتجسد فيه أيديولوجياً صفة "الراعي" للخصوبة يمكنه أن يكون كذلك فقط وفقط في حالة سيادة العلاقات الاستغلالية الطابع بين الدولة والمشتركات القروية، كذلك فان الطقوس التى تضمن الممارسة "الصحيحة" للملك يمكن أن توجد كأثر ناجم عن توزيع الإتاوة المنجزة وما إلى ذلك. هذه الفتشية يمكن رؤيتها وهى تصل إلى ذروتها عند حدوث عجز في المحصول أو تدنٍٍ في عائدات التبادل، ويتم إرجاع ذلك إلى عدم صلاحية الملك أو إلى عدم التزامه بصورة سليمة بالطقوس، ومن ثم ظهور تقليد اغتيال الملك طقوسياً لدى بعض شعوب الشرق القديم (12).

 

إضافة إلى تلك السمات المميزة لأسلوب الإنتاج الذى ساد في التركيبات الاجتماعية ذات النمط الآسيوي والمتمثلة في أشكال انتزاع الفائض، والتدخل الضروري من قبل الدولة في عمليات العمل، ودور الدولة التنظيمي الناشئ عن سيطرتها المطلقة على توزيع الفائض المنجز، والشكل الخاص للسلطة الملكية والأيدولوجيا السائدة، فإننا نرى ضرورة التعرض لسمة أخرى هامة للغاية تتعلق بدينامية مثل هذا الأسلوب، وهى سمة عدم التبدل التى أشار إليها هيجل. فكما أشرت فان القرى في الشرق القديم كانت في الأساس وحدات يمكنها أن تعيش في ظل سيادة أشكال مختلفة لسلطة الدولة. وبغض النظر عن تمركز السلطة بيد أي من المجموعات القرابية أو العائلة أو الملك فان المشتركات القروية تظل تعيش وتتلقى مساعدة الدولة التى تقوم بالوظائف الاقتصادية التى ذكرتها آنفاً تجاه المشتركات. بالتالي يبدو أن التركيبة الاجتماعية في الشرق القديم ظلت تحتفظ بثبات بنيتها الكلية بالرغم من عدم استقرار السلطة السياسية فيها (أسرة أو سلالة حاكمة تحل محل الأخرى في جهاز الدولة). تتكون النظم السياسية الجديدة دائماً بالاعتماد على القاعدة الاقتصادية للقرى، إلا أن هذا لا تأثير له، حتى في حالة وجود التأثير فانه لا يتعدى مجرد التأثير المحدود على عملية إعادة إنتاج الأسلوب نفسه، وعليه فان تاريخ تركيبات اجتماعية مثل مصر القديمة وفارس وغيرهما يتميز بالتقلبات السياسية السطحية في حين تظل بنيتها الكلية في الأساس غير متبدلة خلال القرون الطويلة من عمر تلك التركيبات الاجتماعية.

 

هذه إذن الخاصة اللاحقة لأسلوب الإنتاج الذى ساد في أفريقيا والشرق القديم، تاريخه المتقلب لكنه غير المتبدل، ظاهرة تنتج عن تبدل الحكام السياسيين المتعاقبين الذين يحتلون مركز السلطة عبر سلسلة النسب والتقاليد الأمر الذى يعبر عنه، كما أشرنا، من خلال الأيديولوجيات الدينية والفلسفية المتجسدة في شعائر وممارسات سلطة الدولة السياسيَّة. ففي الوقت الذى يحتاج فيه الملك لجهاز الدولة لتنفيذ قراراته، فان سلطته وحقوقه على نظام الإنتاج لها قاعدتها الشرعية والأيديولوجية بعكس النظام الإقطاعي (الذى يدعى بعض الباحثين وجوده في المجتمعات الأفريقية والشرقية القديمة) (13)، والذي يكون فيه حق الإقطاعي في الاستحواذ على الفائض في شكل ريع الأرض ممكناً عبر تدخل الممارسة السياسية، ففي أسلوب الإنتاج الذى ساد في الشرق القديم يتم انتزاع العمل الفائض من قبل الملك الذى يمتلك "حقاً أيديولوجياً" على ذلك الفائض، حقاً يجد تقبلاً من جانب المشتركات القروية، ويجد تعبيراً له في الدين والفن والأدب وما إلى ذلك. هذا بالطبع ما يؤدى إلى ذات الفتشية في الممارسة الأيديولوجية في التركيبات الاجتماعية الأفريقية والشرقية القديمة وأسلوب الإنتاج السائد فيها.

 

برغم ذلك فان دور الدولة لا ينتهي بالاستحواذ على العمل الفائض وتوزيعه، إذ كما أشرنا، فان الدولة تعمل بصفتها المنظم لوسائل الإنتاج، عبر سيطرتها على استخدام العمل الجماعي في عملية الإنتاج، وعليه فان سيادة الدولة عبر انتزاعها للعمل الفائض تزداد متانة من خلال دورها الوظيفي التنظيمي في عملية العمل، وهذا لا يعنى فقط استحالة إعادة إنتاج أسلوب الإنتاج السائد في المجتمعات ذات النمط الآسيوي بدون إنتاج علاقة الإنتاج الخاصة الحاسمة التى يعبر عنها من خلال الشكل الأيديولوجي المقلوب، وإنما يعنى أيضاً أن الإنتاج يتم بمساعدة التدخل الذى تفرضه الدولة في عملية تنظيم وسائل الإنتاج، بالتالي فان إعادة إنتاج الإنتاج نفسه بهذا المعنى تعتمد على الدور التنظيمي الذى تضطلع به الدولة من خلال وظائفها المتعلقة بتوزيع الأرض والزراعة وما إلى ذلك، ويقوى هذا الدور من فتشية الدولة والأيدولوجيا التى تمارس من خلالها السلطة السياسية.

 

عليه نخلص للقول بأن بنية التركيبات الشرقية القديمة التى ساد فيها هذا الأسلوب للإنتاج حتمت تركيباً تفصيلياً محدداً يكون الدور الحاسم فيه للممارسة الأيديولوجية لكي ما تتم عملية انتزاع العمل الفائض من المنتجين المباشرين، ولكيما يصبح بمقدور سلطة الدولة التدخل في عملية الإنتاج. وعلاقات الإنتاج القائمة بين الدولة والمشتركات القروية هي التى ضمنت سيطرة الدولة على إنتاج العمل الفائض، والشرط المسبق لهذه العلاقة الاستغلالية هو شرط أيديولوجي حتى لو استدعت الضرورة ممارسة ذات العلاقة من خلال جهاز السلطة. بالتالي فانه في إطار الأسلوب الذى ساد في التركيبات الاجتماعية ذات النمط الآسيوي يتم ضمان إعادة إنتاج علاقة الإنتاج الحاسمة عبر حتمية الممارسة الأيديولوجية وليس بأي حال من الأحوال عبر حتميَّة الممارسة الاقتصادية كما افترض ذلك العديد من الباحثين بحيث رأوا في الأسلوب السائد في المجتمعات الأفريقية الشرقية القديمة شكلاً من أشكال علاقات الرق أو الإقطاع أو حتى الرأسمالية (ماكس فيبر). أن دينامية هذا الأسلوب الذى ساد في الشرق القديم تنتج مباشرة عن حتمية سلطة الدولة الأيديولوجية واللاحقة. بعكس أساليب الإنتاج الأخرى، الإقطاعي والرأسمالي مثلاً، فان دينامية أسلوب الإنتاج في المجتمعات التى يسود فيها نمط الإنتاج الآسيوي لا تؤسس إمكانية فعلية لإنشاء قاعدة للانتقال إلى أسلوب آخر.

 

عندما تحدث هيجل عن كون التاريخ الشرقي يبدو ظاهرياً وكأنه غير متبدل فان ذلك لا يدل على جهله بالتاريخ الاجتماعي للشرق. الأمر بعكس ذلك تماماً طالما أنه يتعلق بدينامية أسلوب الإنتاج الذى ساد في المجتمعات الشرقية  التى نتج عنها بالتحديد شكل من عدم التطور أثر على مجمل بنية التركيبة الاجتماعية في الشرق القديم، طالما أن حتمية الممارسة الأيديولوجية المتجسدة في نشاطات الدولة قد وضعت حدوداً على عمليات تراكم رأس المال والملكية الخاصة للأرض أو لرأس المال، وبالطبع حدوداً وقيوداً بالتالي على أي فصل للمنتج المباشر عن وسائل إنتاجه، إنها وعبر سيطرتها الكاملة على تلك العمليات عاقت الدولة في الشرق القديم إعادة إنتاج مثل تلك الإمكانيات التى يمكن أن يشكل أي منها قاعدة لتطور عملية الانتقال إلى أسلوب إنتاجي جديد عبودياً كان أم إقطاعياً، وكنتيجة فان الدولة بوصفها المالك لرأس المال وللأرض، من حيث موقعها في عملية إعادة إنتاج الأسلوب السائد، سعت إلى إعاقة تطور النزعات الانتقالية.

 

إن تطور الملكية الخاصة للأرض، والاستخدام الدائم للعمل المباشر في أغراض أخرى غير الإنتاج القروي، كل ذلك كان يشكل خطراً يهدد كل النظام العام للإنتاج القروي والعلاقات الاقتصادية بين القرى، كما يهدد الوظائف الاقتصادية لسلطة الدولة. تلك العناصر فقط بدون ذكر الحواجز الأيديولوجية، شكلت دافعاً قوياً لمنع تحققها، بالتالي فانه في إطار الأسلوب الذى ساد في التركيبات الاجتماعية في الشرق القديم ، طالما ظلت الممارسة الأيديولوجية محتفظة بهيمنتها وسيادتها، وطالما ظلت سارية عملية إعادة إنتاج العلاقة الإنتاجية الحاسمة بين الدولة والمشتركات القروية، فان تطور النزعات الانتقالية ظل مكبوتاً، كما ظل محدوداً أيضاً تطور القوى المنتجة نفسها.

 

هذا التحجيم والتحديد للنزعات الانتقالية يتم الحفاظ عليه على امتداد تاريخ المجتمعات الشرقية القديمة بغض النظر عن التحولات "الدرامية"- على حد تعبير هيجل- التى ميزت التاريخ السياسي لتلك المجتمعات.  

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لوى ألتوسير، قراءة في رأس المال

(2) على سبيل المثال نجد أن ايمانويل تيرى يحاول من خلال تحليل ما أسماه أسلوب الإنتاج القرابى طرح رأى مفاده أنه وللنجاح في التركيب النظري لأسلوب أو أساليب الإنتاج الفاعلة في تركيبة اجتماعية ما، لا بدَّ بالضرورة من إعطاء تعريف لأشكال العمل القائمة التى يتم من ثم تصنيفها انطلاقا من كونها تشكل تجمعاً لعدد من العناصر: العامل ووسائل الإنتاج وموضوع العمل وعلى هذا الأساس يرى تيرى إمكانية إعطاء تعريف لعلاقات الإنتاج والتوزيع السائدة ومدى انعكاس تلك العلاقات في الأشكال السياسية والأيديولوجية.

(3)  شريف الدشونى، " وجهة نظر حول نمط الإنتاج الآسيوي"، الثقافة الجديدة، السنة السابعة، العدد الرابع، عدن، ابريل 1978،ص.12. 

(4) جان شينو، " نمط الإنتاج الآسيوي: بعض منظورات للبحث "،ضمن كتاب نمط الإنتاج الآسيوي ، ترجمة جورج طرابيشى، دار الطليعة، بيروت1972 ص.37.

(5) هيجل، محاضرات في فلسفة التاريخ، الجزء الثاني، العالم الشرقي، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت 1984،ص. 118- 119.  

(6)  شايانوف، حول نظرية الاقتصاد الفلاحى (باللغة الروسية)، موسكو 1966ص.54.  

(7) المرجع نفسه، ص.60.

(8) المرجع نفسه، الصفحة ذاتها.

(9) بالطبع فان فرضيَّة ماكس فيبر الخاصة "برأسمالية الدولة" في دول الشرق القديم لا يمكن فهمها إلا من خلال إدراك مجمل إطاره المنهجي، ذلك أنه يرى بأن المفاهيم العامة في البحث التاريخى لا يمكن الاستغناء عنها طالما أنها تشكل وسيلة لفهم الوقائع التاريخية وتقييمها، إلا أن مثل تلك المفاهيم لا تؤلف في رأيه سوى أنماط مثالية، نوعاً من البعد لليوتوبيا المنطقية التى تفقد أي محتوى تاريخي محسوس. لمثل تلك "الأنماط المثالية" يرجع ماكس فيبر مقولات مثل: الدولة والإقطاع والرأسمالية والديمقراطيَّة الخ. وحاول ماكس فيبر بمساعدة نظرية الأنماط المثالية استبعاد فكرة قانونية التطور التاريخى من منهجية العلوم الاجتماعية. أنظر كتابه:

Max Weber, The Agrerian Sociology of Ancient Civilizations,London:NLB,1976. 

(10) للمزيد من تفاصيل هذا التحديد الأيديولوجي يمكن الرجوع للبحث القيم الذى كتبه إيون بانو ، " التركيبة الاجتماعية الآسيوية في منظور الفلسفة الشرقية القديمة "، أنظر: كتاب- ست دراسات في النمط الآسيوي ، تحرير وترجمة أحمد صادق سعد، دار الطليعة، بيروت 1979، ص. 111- 140.

(11) كان التاج في ذلك الوقت يتألف من قبعة محدبة القمة ومن عصابة تلتف حولها عند الجبهة.

(12) الاحتفال في مصر القديمة بالعيد المسمى " حب سد " والذي يقام طبقاً لطقوس عقائدية محددة، كان الهدف منه استعادة القوة والشباب للفرعون الذى بلغ به الكبر مبلغاً، وفي اعتقادنا أن هذا الاحتفال كان بمثابة البديل الطبيعي الذى حلَّ مكان العادة القديمة  لاغتيال الملك الطقوسي في الفترات المبكرة. ومما يسترعى الانتباه أن احتفال " حب سد " أخذ في المراحل المتأخرة يتكرر مرة كل ثلاث سنوات مما يشير إلى أن سلطة الفرعون وجبروته أصبحت في حاجة ماسة للتجديد والإحياء كنتيجة منطقية لتدهور السلطة الملكية الناجم من الضعف الذى أصاب جسم الإمبراطورية المصرية. أما في كوش ( السودان ) فقد مورست عادة اغتيال الملك الطقوسي جسدياً حتى تم إلغاؤها بواسطة الملك أركامانى في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، لكنها عادت لتطل برأسها مرة أخرى في عصر دولة الفونج الإسلامية في السودان (1504- 1821 م.)، ومارسها شعب الشلك في جنوب السودان حتى أواخر الثلاثينات من القرن العشرين المنصرم.[ للمزيد من المعلومات حول الموضع أنظر: أسامة عبدالرحمن النور،"أركامانى وطقوس اغتيال الملك في كوش"، الخرطوم، العدد الرابع، 1974."]

(13) طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ،(جزأين)، بغداد 1973.

 

 

 

 الوضع الراهن وإشكاليات دراسة تاريخ مملكتي

 نبتة ومروى

إيسيدور سافتش كاتسنلسون

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

    حول مسألة تسمية الدراسات المروية

    خصائص المصادر الكتابية

    التدوين التاريخي لمملكتي نبتة ومروى

    نقد التدوين التاريخي السابق وإعادة تركيب تاريخ مملكتي نبتة ومروى

    نشؤ مملكة نبتة وتأسيسها (القرن العاشر- منتصف القرن الثامن ق.م.)

    إازدهار نبتة والدولة المصرية الكوشية المتحدة (منتصف القرن الثامن- منتصف القرن السابع ق.م.)

    مملكة مروى. المرحلة الأولى: النشؤ والازدهار (القرن السادس- نهاية القرن الأول ق.م.)

    مملكة مروى. المرحلة الثانية: بداية الانهيار والزوال (القرن الأول ق.م.- منتصف القرن الميلادي الرابع)

    البنية السياسية (الحكومية)  والإقتصادية لكوش

    المسائل والمهام المعلقة للدراسة المستقبلية لتاريخ مملكة نبته مروى

    تذييل

 

حول مسألة تسمية الدراسات المرَّوية

تم تأسيس الدراسات المروية فرعاً علمياً قائماً بذاته مستقلاً بفضل نجاحات علماء الآثار في المقام الأول، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وبفضل المؤرخين وعلماء الأدب الدارسين للسودان القديم والنوبة الشمالية. وقد أسهم نمو حركة التحرر الوطني بالطبع في ذلك حيث حفزت التطلع إلى فهم الماضي التليد لدى المثقفين الوطنيين، وهو ما حفز إلى حد بعيد تطور البحث في هذا الاتجاه. مع ذلك يجوز إرجاع مولد الدراسات المرويَّة إلى نشر أعمال جريفيث التأسيسية التى كشفت المفتاح لقراءة النصوص المروية Randall-MacIver and Woolley,1909.

 

ما هو مفهوم مصطلح الدراسات المروية؟ هل هو فقط تاريخ السودان القديم وتاريخ ثقافته بعد التحرر من السيادة المصرية حتى انهيار مملكة مروى (أي، تقريباً من القرن العاشر ق.م. حتى منتصف القرن الميلادي الرابع)، أم أنه يشمل تاريخ هذه البلاد منذ أقدم الأزمان حتى الاحتلال الأكسومي لها؟

 

يبدو، أنه يفضل اعتماد الأخير. حتى الحين الذى رأى فيه دنهام بكل موثوقية وقانونية تسمية البلاد باسمها الفعلي القديم "كوش"Dunham, 1947، فقد أطلقت على البلاد تسمية "النوبة" أحياناً و"إثيوبيا" أحياناً أخرى، وهو ما لا يجد أساساً لا تاريخياً ولا جغرافياً، وبالإضافة، أدى إلى تشويش حيث أن تسمية "إثيوبيا، على سبيل المثال، أطلقت ليس فقط على السودان (انظر أسامة: كوش أم النوبة). الآن، عندما تم إفراز التاريخ القديم لهذه البلاد فرعاً معرفياً، فإن مصطلح "الدراسات المروية" يصبح، طبيعياً، أكثر ملائمة منه من مصطلح "الدراسات الكوشية" على سبيل المثال، ذلك أنه في حالة استخدام الأخير سنكون مجدداً عرضة للتشويش: قد يبرز اعتقاد بأنَّ الحديث يدور عن دراسة كل الشعوب الكوشية. كذلك فإنَّ تسمية "الدراسات النوبية" هي الأخرى غير موفقة. فالنوبة ذكرت للمرة الأولى في عمل سترابو (الجزء 17،1،2)، نقلاً عن اراتوسفين، الذى يتحدث مباشرة، عن "النوبيين غير الخاضعين". بالنوبيين في هذا المعنى المحدد يجب أن نفهم أن الإشارة إلى سكان "إثيوبيا النيلية" عند الإغريق، أي كوش.

 

تقييد مفهوم الدراسات المروية فقط بمرحلة وجود مملكة نبتة- مروى لن يكون صحيحاً، ذلك أنَّ الفترة الطويلة السابقة لنشوئها ترتبط بها ارتباطا عضوياً لا ينفصم. الفرز الاصطناعي للدراسات المروية في قسم متفرد لا يعقد فحسب عمل الباحثين، لكنه قد يخلق تواتراً وتتابعاً غير واقعي من وجهة النظر المنطقية للعملية التاريخية. فالواقع أنه يستحيل فهم قانونية نشوء مملكة نبتة- مروى وتطورها، كما وتستحيل إمكانية تقييم خصائص ثقافتها، بدون الأخذ في الحسبان المصير التاريخي للبلاد في العصر السابق. يحتمل أن يتم اقتراح مصطلح آخر غير "الدراسات المروية" [كان هنتزا قد اقترح أن يشمل مصطلح الدراسات المروية فقط دراسة تاريخ وآثار ولغات عصر نبتة- مروى، كفرع من التاريخ القديم للسودان Hintze, 1973] ، لكن، على أية حال، فإنه لا بدَّ أن يطابقه من حيث المحتوى. ومن ثمَّ نختتم بالقول أنه يكون من الحق عد تسمية "الدراسات المروية" فرعاً معرفياً مركباً، يدرس تاريخ كوش وتاريخ ثقافتها ومعتقداتها الدينية وآثارها ولغتها من العصر ما قبل الأسرى في التاريخ المصري حتى الاحتلال الأكسومي لكوش.

 

خصائص المصادر الكتابية

في هذا الاستعراض، على كلٍ، يجدر التوقف لمناقشة بعض القضايا فقط، المرتبطة بدراسة الفترة المتأخرة من تاريخ كوش، أي، فترة وجود مملكة نبتة- مروى. لأجل التعرف على ما تم الوصول إليه في الوقت الراهن في هذا المجال، يجدر بنا تحديد خصائص المصادر الكتابية المتوفرة لنا، وأيضاً تحديد ما توفر للأجيال السابقة من المؤرخين (ملخصات لآخر النتائج التى يتحصل عليها علماء الآثار يقوم بنشرها البروفسور ليكلان في مجلة Orientalia التى تصدر في روما).

 

المعلومات الأكثر محتواة في حوليات ملوك الأسرة الخامسة والعشرين (المسماة أحياناً بالأسرة الإثيوبية، مع أنه من الصحيح تسميتها بالكوشية) وحوليات بعض الملوك اللاحقين، والتي تم الكشف عنها في معابد جبل البركل وكوة. مع انقطاعات معتبرة فإن تلك الحوليات تغطى الفترة من ثلاثينيات القرن الثامن ق.م. حتى القرن الثالث ق.م. وتشير إلى تبدل الحكام والمراسم المرتبطة باختيار الورثة، وإلى الحملات العسكرية، والعلاقات مع الطبقة الكهنوتية، وإلى المعتقدات وما إلى ذلك. من تلك الحوليات يمكن استقراء بعض التفاصيل عن استمرارية التركيب المشتركي العشائري ، وعبادة آلهة متفرقين الخ. بمقارنة اللغة، وأسلوب قواعد الإملاء في النقوش يمكن ملاحظة التزايد التدريجي للعناصر الاثنية المحلية بما يميزها من خصائص ثقافية ولغوية وتأخذ في الضعف الصلات مع مصر.

 

يجدر الأخذ في الحسبان، أن نصوص ملوك كوش المكتوبة باللغة المصرية، والمركبة وفق نمط حوليات فراعنة مصر، لا تعكس دوماً الخصائص المحددة المميزة لنبتة ومروى. فهي تحتوى على صيغ نمطية، ومسميات رتب وظيفية، وألقاب مصرية وما إلى ذلك، صورت في جدران معابد العاصمة في جبل البركل في معظمها أحداث ووقائع ذات طبيعة حكومية عامة، خلافاً لنصوص المعابد الإقليمية في كوة.

 

رغم محدوديتها العددية فإنَّ النصوص باللغة المصرية من جبل البركل وكوة تظل إلى هذه اللحظة مصادر أساسية لتاريخ مملكتي نبتة ومروى، بخاصة تاريخهما الداخلي (المحلى)، ذلك لأن اللغة المروية لازالت مستعصية بالنسبة لنا Zavadovski and Katsnelson, 1980 فالمعروف منها لا يتعدى كلمات متقطعة، ويمكن فقط قراءة الأسماء الشخصية والمسميات الجغرافية. في النقش الطويل الخاص بأكينداد أُنجز قدر من النجاح في الوصول إلى فهم المعنى العام، في حين أن أكبر النقوش وهو مسلة الملك تانيدأمانى استعصت كلياً أمام محاولات القراءة. الكم الأساسي من النصوص- المسلات الجنائزية، وألواح التضحيات- فإنها نمطية، ورتيبة. تقدم مادة محدودة عن الجغرافيا الطبيعية، والاقتصاد، والتصورات الدينية. الألقاب ومسميات الوظائف ليست واضحة في كل الحالات. بالتالي فإن المعلومات التى يمكن استخلاصها منها ليست كثيرة، والحال نفسه بالنسبة للمخربشات الديموطيقية والإغريقية التى هي رتيبة بدورها أيضاً. فقط القليل منها، مثل، على سبيل المثال، النقش في جزيرة فيلة الخاص بالسفير باسانا، الذى أوفد إلى روما، يحتوى على معلومات قيمة، غير متوفرة من مصدر آخر. تسلط هذه الأخيرة سوياً مع الوثائق البروتوكولية القانونية الديموطيقية الضوء على الانتفاضات ضد الاحتلال الأجنبي، والتي اندلعت في مصر العليا بدعم من الكوشيين بخاصة في عهد البطالمة.

 

حوليات ملك أكسوم عيزانا المكتوبة باللغة الإغريقية الملحقة بنص بلغة الجيوز (الجعز)، تمثل الوثيقة الوحيدة المتوفرة حتى الآن التى تتعرض لانهيار مملكة مروى. إنها تشير بوضوح إلى خط سير الحملة وتتحدث عن الأحداث المرتبطة بها.

 

فيما يتعلق بأولى البرديات المروية في قصر إبريم، فإنها مازالت بانتظار النشر.Plumley, 1967

 

من ثم فإن المصادر الابيجرافية لتاريخ مملكتي نبتة ومروى شحيحة إلى درجة بعيدة، الشئ الذى يمكن تفسيره ليس فحسب بعدم اكتمال الدراسات الآثارية في السودان، ولكن بعدم التوفيق في نشر النصوص المكتشفة. فقط في السنوات الأخيرة أخذت في الظهور على صفحات "نشرة الدراسات المروية Meroitic Newsletter" بصورة منتظمة قوائم المسلات، المكتشفة حديثاً وكذلك المخزونة ضمن هذه أو تلك من المجموعات. لكنه مع كل ذلك، فإنَّ النصوص التى تم الكشف عنها من خلال استخدامها بصورة مركبة مع مصادر أخرى، بما في ذلك مواد الثقافة المادية، تسمح بالتوصل إلى بعض الاستنتاجات الهامة، التى تضئ بعض جوانب تاريخ مملكتي نبتة ومروى، وبعض سمات تكوينهما الاجتماعي- الاقتصادي.

 

فيما يتعلق بأعمال المؤرخين والجغرافيين الإغريق والرومان، والذين احتوت أعمالهم على بعض المعلومات عن كوش، فإن معرفتهم بجغرافية هذه البلاد تفوق بكثير دقة وسعة معلوماتهم عن تاريخها. المعرفة الجغرافية أملتها مقتضيات التجارة. الاهتمام بالتاريخ لم يجد تطبيقاً عملياً. للتعرف على بلد ما فإن معرفة اللغة، ولو بصورة مبدئية، لا تمثل ضرورة حاسمة: يمكن تجاوزها أو الاكتفاء بمخزون محدود من الكلمات. لكنه ولتجميع معلومات تاريخية فلا بدَّ بالضرورة، ولو بصورة مبدئية، من التعرف على لغة الكلام المحلية أو اللجوء لدعم مترجم كفؤ والقدرة على إيجاد لغة مشتركة مع حفظة التحدارات الشفهية- الكهنة، والذين لا يميلون عادة للتعامل مع الأجانب. كل ذلك لم يتوفر لدى التجار والجنود المرتزقة الإغريق الذين وصلوا إلى كوش وكانوا بمثابة الناقلين للمعلومات عنها، كما ولا أعتقد أنهم كانوا من المهتمين بمثل هذه الموضوعات. مع ذلك فإنَّ كتابات أولئك المؤرخين والجغرافيين من أمثال هيرودوت، وسترابو، وديدور، وبلينى وغيرهم أعطت الكثير من المعلومات. القليلون من هؤلاء أنجز زيارة شخصية إلى كوش، كما وأن أعمالهم لم يحتفظ بها كاملة.

 

يتوجب كذلك الأخذ بالحسبان النزعة لتصور سكان كوش بهيئة كمالية، بخاصة في أعمال كل من ديدور وهيرودوت، وهو ما يرتبط بالتعاليم اليوتوبية القديمة. خلافاً لليوتوبيين المسيحيين القروسطيين الذين تصوروا وجود السعادة في "المملكة السماوية"، وخلافاً لليوتوبيين في العصر الحديث الذين يضعون آمالاً على قيام تنظيم اجتماعي يتأسس على الإرادة الطيبة في المستقبل البعيد، فقد ارتأى اليوتوبيون الإغريق تأسيس نماذجهم المثالية لبلدانهم على هامش العالم المعروف لهم، بخاصة في الجنوب البعيد الذى جلبت منه كافة البضائع المدهشة والذهب والأحجار الثمينة. أسهم في مثل ذلك التصور وجود بقايا التركييب المشتركي العشائري في كوش، وهى بقايا افتتن بها بعض اليوتوبيين الإغريق. أهمية كبيرة تمثلت في حقيقة أن المرويين تمكنوا من الدفاع عن استقلالهم في صراعهم مع الفرس والإغريق والرومان.

 

باستثناء حالات نادرة، فإن الكثير من الوقائع التاريخية، الواردة في أعمال أولئك الكتاب، ترجع لأزمان متأخرة- النصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد. المنظور التاريخي الذى يقدمونه يكاد يكون مشوها دوماً، لكننا ندين لهم بالمعلومات عن نمط حياة الكوشيين وعاداتهم وتنظيمهم الاجتماعي والسياسي، وكذلك عن بعض الأحداث والوقائع التاريخية التى تسمح بتحديد السمات المميزة للبنية الاجتماعية- الاقتصادية والحكومية في مملكة مروى Desenges, 1968.

 

التدوين التاريخى لمملكتي نبتة ومروى

تاركين جانباً الدراسة الآثارية للسودان، رغم قرابتها بالتاريخ، والتي تتطلب اهتماما خاصاً، فإننا مع كل ذلك نشعر بوجود ضرورة قصوى للإسراع بنشر التقارير الكاملة عن الأعمال التى أنجزت. فالملاحظ أنه حتى اللحظة (الإشارة إلى عام 1981- أركامانى) لا يمكن الوصول إلى نتائج أبحاث جريفيث، وريزنر، وجارستانج دع عنك الأبحاث اللاحقة. كل ذلك، بالطبع، لا يمكن إلا وأن يعيق تطور الأبحاث التاريخية، أولاً وقبل كل شئ دراسة مسائل مثل التجارة، وصلات كوش الثقافية، والحياة في المدن، وتطور المعتقدات الدينية وما إلى ذلك.

 

حتى زمن قريب، وحالياً إلى حد ما، عدت مستحقة للدراسة فقط الشعوب التى تركت ثقافاتها تأثيراً مباشراً على الثقافة اليونانية والرومانية وبالتالي على نشوء المدنية الأوربية وتطورها. لذلك فإن أقطار العالم القديم الهامشية، التى أحست بالمؤثرات القادمة من مدنيات الشرق الأدنى والأوسط العظيمة، لم تجذب اهتمام العلماء، الواقعين تحت نزعة المركزة الأوربية. هذا بالتحديد ما جعل كوش لا تجد  مكاناً لها في المؤلفات التى تناولت "التاريخ العالمي"(على سبيل المثال "سلسلة كمبردج للتاريخ القديم Cambridge Ancient History، وتاريخ العالم Historia Mundi "، وغيرهما.

 

أعاقت هذه الأسباب نفسها حتى وقت قريب الدراسة الآثارية لهذا البلد و، بالتالي، الكشف عن مصادر جديدة. من ثم فانه وبالنسبة لتاريخ السودان القديم أضيفت إلى أعمال الكتاب اليونان والرومان حتى بداية القرن العشرين فقط نقوش ملوك كوش من جبل البركل. تحديداً المعلومات المحتواة فيها أعطت المادة التى اعتمد عليها المؤرخون في منتصف القرن التاسع عشر (بوركهاردت، وكايو، وهوسكنس، وشامبليون، ولبسيوس).

 

طرح ماسبيرو في كتابه الذى نشر فيه حوليات ملوك نبتة ومروى ومن ثمَّ في كتابه المؤلف من ثلاثة مجلدات والمعنون "التاريخ القديم لشعوب الشرق الكلاسيكي" والذي نشر في باريس 1895-1899، فرضية مفادها أن مملكة نبتة أسسها أحفاد كهنة طيبة. ووصف نظام الدولة في نبته بأنه ثيوقراطي. التطور اللاحق لمملكة نبتة- مروى مثلَّ في رأيه انحطاطا  للمدنية المصرية،  نتج عن تدنى عرقي بفعل اختلاط عناصر غريبة، في الأساس عناصر زنجية. مثل هذا المنظور بهذا القدر من التعديلات والتحويرات هيمن لأزمان طويلة على التدوين التاريخى الأوربي، ولا زالت أصداء له تجد تعبيراً لها في الوقت الراهن. عملياً فإن مثل هذا المنظور يؤدى إلى نفي إمكانية الإبداع المستقل للدولة المروية، مع أنها أخذت في التكون منذ عصر المملكة المصرية الوسطى. وقد أوقفت عملية التكون تلك لقرون بفعل العدوان المصري وفرض سيادته.

 

في الحقيقة، فإن الآراء تلك نفسها طرحها مؤلف أول كتاب كرس خصيصاً لتاريخ كوش، ميوللر Müller, 1904. كان هذا العمل التجميعي الصغير في حجمه غير مواكب لمستوى العلم حتى في عصره، الشئ الذى يفسر إلى حد ما، في الغالب، بطابعه الشعبي غير المتخصص. وقد اعتمد في فرضياته على ماسبيرو ورويدر Roeder, 1906

 

أفرد حيز كبير لتاريخ كوش في كتاب بادج المشوش"السودان المصري" Budge,1907  الذى يكرر فيه أساساً كتابات المؤرخين اليونان والرومان وحوليات ملوك نبتة. منظوره يتقارب مع منظور ماسبيرو، لكنه خال من التعبيرات العنصرية المميزة لمنظور الأخير.

 

في الوقت الحالي، ظهر حتى الآن كتاب واحد شامل لتاريخ كوش، وهو كتاب آركل Arkell,1961 الذى صدرت منه طبعتان، برغم ميزاته الواضحة مثله مثل كتاب شينى Shinnie,1967، إتبع في الأساس نهجاً تثقيفياً عاماً بخاصة الأخير منهما. كلا الكتابين يمثلان نتاجاً لأبحاث عميقة ومكثفة أنفذها المؤلفان، فجاء الكتبان ممتلئان بالمواد الوقائعية، لكنها ليست مكتملة بحال من الأحوال.

 

يعير آركل إهتماماً خاصاً لوصف الآثار الأكثر أهمية، وعرض براجماتي مقتضب لأحداث السياسة الخارجية، وتثبيت التسلسل الكرونولوجى وما إلى ذلك. لتفسير بعض الوقائع المتفرقة يورد المؤلف إلى جانب الأسباب المرتبطة بالسياسة الخارجية في حالات بعض العناصر الاقتصادية، إلا أنه لا تبذل محاولة لتفسير جوهر الظواهر. هكذا، على سبيل المثال، نهاية "القصر الملكي النبتى المتمصر"، تمثل في رأيه نتاجاً لفقدان الاتصالات مع العالم الخارجي وتوقف تدفق سيل الأفكار الجديدة.

 

هناك، في الواقع، بعض الأبحاث، حدد مؤلفوها لأنفسهم مهام أكثر ضيقاً. بعض تلك الأبحاث تستحق بجدارة تثميناً عالياً، رغم أنها قد تحتاج في الوقت الراهن إلى بعض المراجعات. في تلك الأبحاث تم تجميع كم هائل من المصادر وإخضاعها للدراسة النقدية. لكن تلك الأبحاث تتعلق بمراحل أخرى من تاريخ السودان القديم_ إما سابقة  لمرحلة نبتة- مروى أو لاحقة لها، أو أنها تتعرض له بصورة عرضية.

 

الأبحاث، في هذا المستوى أو ذاك الخاصة بمملكة نبتة- مروى، يمكن من حيث الشكل تصنيفها في ثلاث مجموعات:

 

1. الفصول أو المباحث في الأعمال ذات الطابع العام وفي تقارير أعمال التنقيب (مثال، سايس Sayce,1911 وكراوفوت Crowfoot,1911. مؤلفو تلك الأبحاث يتتبعون بإيجاز تاريخ المنطقة التى قاما بدراستها آثارياً.

2. مقالات استعراضية موجزة (دنهام Dunham,1949 ورويدر)

3. مقالات متخصصة في هذه أو تلك من القضايا.

عدد تلك الأبحاث من الضخامة بمكان.

 

إحتمالاً، وهو ما قد يبدو لافتاً للإنتباه ومثيراً للدهشة، أن أول عرض تفصيلى، رغم أنه عرض موجز لتاريخ مملكة مروى وعلاقاتها الإقتصادية، قدمه أستاذ جامعة كازان الروسية البروفسور خفوستوف في مونوجرافيته "تاريخ التجارة الشرقية لمصر اليونانية الرومانية" (كازان 1907). مكنه تعرفه بالمصادر والأدب المتخصص، وقراءته النقدية الثاقبة، من إعادة تركيب عرض موثق لتاريخ مملكة مروى، التى وصف نظام الحكم فيها بأنه ثيوقراطى. ومع ذلك لاحظ محقاً وجود بعض بقايا التركيب المشتركى العشائرى. ويفسر خفوستوف إنهيار مروى بأسباب اقتصادية تتمثل في تحويل الطرق التجارية من النيل إلى البحر الأحمر. كان خفوستوف هو السباق في طرح التساؤل عن تنظيم هذه المملكة، واقتصادها، بخاصة التجارة. للأسف، فإن كتابه ظل  غير معروف خارج حدود روسيا.

 

كما ويجب ذكر الفصول الخاصة في مؤلف توراييف "تاريخ الشرق القديم"، والذى كان أول من أدخل  فصلاً خاصاً عن تاريخ مملكة نبتة- مروى وفصلاً عن مملكة أكسوم في كتاب جامعي مقرر. تختلف رؤاه قليلاً عن وجهة نظر خفوستوف: إنه يعطى مساحة لتجليات الرؤية العنصرية ولو أن ذلك ليس بالقدر ذاته الذى ميز عمل ماسبيرو وميوللر. في الوقت نفسه لاحظ توراييف الخصائص المميزة لاقتصاد مروى وإستمرار بقايا التركييب المشتركى العشائرى، بخاصة الأموية، وكذلك السمات المحلية لثقافة مروى.

 

نقد التدوين التاريخى السابق وإعادة تركيب تاريخ مملكتي نبتة ومروى

حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى كان قد تم بهذا القدر أو ذاك تحديد إتجاهين أساسيين بوضوح في التدوين التاريخى لكوش. بالطبع، يتوجب الأخذ في الحسبان كافة التفرعات والتنوعات.

 

يرى إتجاه في تاريخ مروى طريقاً للتدني، إنحطاطاً للثقافة المصرية المقتبسة من قبل سكان كوش غير القادرين على الحفاظ عليها. اتجاه آخر، منطلقاً من الوقائع، ينغلق في إطار الطرح البراجماتى للأحداث، في الأساس وقائع السياسة الخارجية، والاهتمام بتثبيت كرونولوجية الصلات الأسرية والاقتصاد الخ. وهو ما يحتل أهمية أولى، لكنه لا يمكن أن يصبح الهدف النهائي للاستقصاء التاريخى. الحقيقة، هنا نجد في حالات مقولات تحمل روح أولئك، الذين ينطلقون في تقييم التاريخ من مقدمات تقول بفطرية الكمال وعدم الكمال العرقي لهذا أو ذاك من الشعوب. يستحيل، في الآن نفسه، عدم الاعتراف، بأن التحليل النقدي الموضوعي للوقائع في أعمال الباحثين من دعاة هذا الاتجاه تقود في العديد من الحالات إلى استنتاجات مفيدة للغاية. مثال لذلك أعمال ريزنر، الذى حاول، على قاعدة الاكتشافات التى حققها في المدافن الملكية في نبتة ومروى، إعادة تركيب تاريخ الموقعين Reisner,1919 and 1923

 

انطلاقاً من التفسير الخاطئ لبعض الوقائع التى رصدها، إفترض، أن مؤسسي مملكة نبتة كانوا أسرة ليبية الأصل. من ثم يثار السؤال عن عدم قدرة السكان المحليين على تأسيس دولة بصورة مستقلة. الحقيقة أن ريزنر إمتنع عن اللجوء إلى مقولات عدم الكفاءة العرقية، لكنه مع ذلك أطلق الحكم القائل بأن انهيار مروى نتج عن انحطاط المدنية المصرية بفعل إختلاط ذوى البشرة السوداء من العناصر الزنجية غير الممتلكين "لدوافع إبداعية". عموماً عظيمة كانت إسهاماته فيما يتعلق بتشييد الكرونولوجيا.

 

في الآونة الأخيرة تمثل المؤشر الأكثر إقناعاً للإهتمام المتنامى بتاريخ كوش في التزايد الهائل لحجم الأبحاث التى عمقت دراسة بعض المسائل الأساسية، على سبيل المثال أسباب انهيار مملكة مروى وظروفه أو دورها في تطور ثقافة القارة الافريقية Shinnie,1967 و Trigger,1969 و Hofmann,1971 . الدليل على ذلك- ليس فقط المقالات، التى ظهرت بأعداد متزايدة دوماً في المجلات المتخصصة في الدراسات الشرقية القديمة، بخاصة المصريولولجية، بل وإنشاء إصدارات دورية مكرسة لتاريخ السودان القديم وآثاره ولغاته- مجلة "كوش" (يجدر الإشارة إلى أن مجلة كوش المشار اليها والتى كانت تصدرها مصلحة الآثار السودانية لتغطى الأعمال الجارية في مجال البحث الميدانى قد توقفت عن الصدور للأسف لضيق ذات اليد، وهو ما جعل الموقف أكثر صعوبة إذ أصبحت التقارير الخاصة بالأعمال الميدانية الجارية تنشر في مجلات ودوريات جد متنوعة ومشتتة، وهو ما يمثل أحد الدوافع الأساسية لإصدار أركامانى علها توفق في تجميع الشتات- أركامانى) . في العقدين الماضيين تمَّ نشر التقارير الشاملة لبعض البعثات الآثارية، والتى حررت وفق أحدث المتطلبات العلمية الراقية: "معابد كوة"، و"جبانات كوش الملكية"، و"عكشة"، و "أعمال اللجنة الأسبانية لليونسكو في النوبة"، و "النوبة القديمة: أعمال بعثة أكاديمية العلوم السوفياتية في جمهورية مصر العربية" وغيرها. وقد أيقظت تلك الأعمال روح المراجعة النقدية وإعادة النظر في العديد من القضايا، بخاصة قضية أصل مملكة نبتة وصلاتها الثقافية مع الثقافات المحلية الأسبق، بخاصة ثقافة كرمة. آخذة في التنامى أيضاً الكتب المبسطة القريبة من فهم الجمهور : مثل أعمال  Дзевановский,1988  و Curto,1965 و Greener,1962 و Davidson,1959 و Keating,1975، وهو ما يعبر عن الاهتمام العالمي بحملة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة المهددة بالغرق نتيجة تشييد السد العالي.

 

لكن لم تصمت أصوات أولئك، الذين انطلقوا في رؤاهم واستنتاجاتهم التاريخية من مقولة تدنى القدرات الإبداعية لدى بعض الشعوب أو الأعراق، والذين استمروا في النظر إلى مملكتي نبتة ومروى صورة متدنية لمصر، وأن انهيارهما إنما يُفسر بانحطاط الثقافة التى جلبها المصريون إلى هناك بفعل اندياح قبائل زنجية من الجنوب، فاقدة لقدرات إبداعية وبالتالي لتأسيس دولة. هكذا كانت على سبيل المثال آراء عالم الدراسات الأفريقية المعروف وسترمان Westermann,1952 .

 

هناك نموذجان للنظريات العنصرية- يشدد دعاة النموذج الأول على سيادة الجنس الأبيض الإبداعية وعدم قدرة الجنس الأسود على الوصول باستقلال إلى مراتب الثقافة العليا، في حين يسعى دعاة النموذج الثاني إرجاع  كل مدنيات العالم تقريباً إلى أفريقيا. يبدو أن النموذج الثاني مجرد رد فعل طبيعي على الهيمنة الاستعمارية طويلة الأمد. نتيجة المعالجات المتحيزة والخاطئة للمصادر والوقائع يتم التوصل إلى استنتاجات، مثل، أنه في كل مكان "في اوربا يمكن أن نجد سمات زنجية واضحة"، أو أن فراعنة الأسرة الثامنة عشرة هم من أصول إثيوبية (كما يؤكد كل من ديوبا والشيخ ديوب).

 

في كتاب شينى المشار اليه سابقاً تم بصورة موجزة عرض كل، أو أغلب، ما هو معروف عن مملكة نبتة- مروى. يقدم المؤلف، وهو الذى لا يمكن إلا وأن نثمن عالياً إسهامه في دراسة تاريخ السودان القديم، نتائج ملاحظاته وأبحاثه الشخصية الهامة. في حالات يضم صوته إلى آراء علماء آخرين مع أنها قد تكون مثار جدل (على سبيل المثال، مطابقة خبابش مع قمبيز، ووجود ما يسمى بأسرة نبتة الأولى.. الخ). للأسف لم يتناول المؤلف التركيب الإجتماعى-الاقتصادي والبنية السياسية لمملكة نبتة- مروى. ومع ذلك يؤكد شينى محقاً على خطأ وصف الثقافة المروية بحسبانها تقليد إقليمى بربرى للثقافة المصرية، وبأنها لم تضف إسهاماً في كنز التجربة والمعرفة الإنسانية العامة. وينسف شينى بقوة الآراء الخاطئة مبيناً كذبها، مثبتاً بموثوقية أن مملكة مروى إمتلكت مدنيتها المتميزة المحلية الخاصة وانها مارست تأثيرها على تطور الثقافة الأفريقية الفكرية والمادية. من ثم يعد كتاب شينى ظاهرة متقدمة بلا جدال في التدوين التاريخى لكوش.

 

إذا كانت هناك محاولات لتعميم كل الإشكاليات التى دُرست في تاريخ مملكة نبتة- مروى، فإن الأولى كانت، ويا للسعادة، من قبل باحث سودانى هو فوزى جاد الله Gadallah,1963 في حين جاءت الثانية من قبل وليام آدمز Adams,1964 الذى أكدَّ محقاً على استمرارية وعدم إنقطاع التقاليد التاريخية والثقافية المحلية منذ أزمان كرمة. 

 

كما ذكرنا، فإن الكثير قد تم إنجازه في مجال دراسة تاريخ مملكة نبتة- مروى بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها: جرت محاولات لتدقيق الكرونولوجيا Hofmann,1978 (هذا العمل مثير للجدل وستتم ترجمته في الأعداد القادمة- أركامانى). تم تثبيت بعض ظروف نشؤ دولة مستقلة في كوش، ودحضت نهائياً نظرية الأصل "الليبي" الخاطئة، وأجليت أسباب انهيار مملكة مروى، ووضعت إشكاليات الصلات بالبلدان المجاورة، بخاصة الأفريقية، وتم تحديد طبيعة بنية الدولة وما إلى ذلك. يعود الفضل إلى حد بعيد للنشاط الموفق للمراكز المتخصصة في دراسة تاريخ السودان وآثاره والتي أنشئت في جامعة السوربون بإشراف البروفسور ليكلان Leclant، وفي جامعة همبولدت ببرلين بإشراف البروفسور هنتزا. فعلت النشاطات في بلدان أخرى- الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والسودان (تريجر، وآدمز، وشينى). وينشر كل من ليكلان وتريجر بانتظام نشرة باسم "النشرة المروية Meroitic Newsletters التى تحوى معلومات عملية ذات أهمية إلى جانب أبحاث قيمة، بخاصة الأبحاث اللغوية. تقريباً في كل عدد ينشر "ذخيرة النقوش المروية". في عام 1969 أنشأت مجموعة الدراسات المروية في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية. تعمل المجموعة بنجاح، وتقيم مؤتمرات سنوية، تناقش من خلالها أبحاث في تاريخ وعلم آثار ولغات والتاريخ الثقافي والدين للسودان القديم. وتصدر المجموعة "دورية مروى" التى تتولى نشر الأبحاث المقدمة في المؤتمرات السنوية للمجموعة.

 

مع كل ذلك فإن الكثير من القضايا لا زالت بانتظار حسمها، بعضها، وهى بالأحرى الأكثر أهمية، لم يتم طرحها بعد. سنتحدث عنها لاحقاً. حالياً، يكون من المفيد تتبع المصائر التاريخية، ولو بصورة عامة للغاية، لمملكة نبتة- مروى والإشارة إلى السمات المميزة لها. لا بدَّ بالضرورة من القول بأن عدم اكتمال المصادر ومحدودية معارفنا الناجمة عن ذلك سوف تستوجب، في الغالب الأعظم، إعادة التقييم وإدخال التصويبات والإضافات، بل ودحض البعض منها في المستقبل وفق الكشف عن المزيد من المعطيات.

 

على أساس القليل المتوفر عن تاريخ مملكة نبتة- مروى حالياً، يمكن تثبيت المراحل الآتية في تاريخها:

 

* نشؤ مملكة نبتة وتأسيسها (القرن العاشر- منتصف القرن الثامن ق.م.)

* ازدهار نبتة والدولة المصرية الكوشية المتحدة (منتصف القرن الثامن- منتصف القرن السابع ق.م.)

* مملكة نبتة (منتصف القرن السابع- القرن السادس ق.م.)

* مملكة مروى. المرحلة الأولى: النشوء والازدهار (القرن السادس- نهاية القرن الأول ق.م.)

* مملكة مروى. المرحلة الثانية: بداية الانهيار والزوال (القرن الأول ق.م.- حوالي منتصف القرن الميلادي الرابع)

 

 

D.M.Randall-MacIver and C.L.Woolley 1909, Areika. Oxford.

D.Dunham 1947, Outline of the Ancient History of Sudan, V,- Sudan Notes and Records 28.

F.Hintze 1973, in Meroitica I. Sudan im Altertum. Berlin.

Ю.Н.Завадовскийи,И.С.Кацнельсон 1980, Мероитский Язык, Москва 1980.

J.M.Plumley 1967, Qasr Ibrim, 1966, Journal of Egyptian Archaeology 53.

J.Desanges 1968, Veus grecques sur quelques aspects de la monarchie, Bulletin de l'Institut français d'archéologie Orientale du Caire.

W.M.Müller 1904, Äthiopien. Leipzig.

G.Roeder 1912, Die Geschichte Nubiens und des Sudans, Klio,Bd12.

E.A.W.Budge 1907, The Egyptian Sudan,vol.I. London.

W.Y.Adams 1977, Nubia Corridor to Africa. London.

A.J.Arkell 1962, A History of the Sudan from the Earliest Times to 1821, 2nd Ed., London.

P.L.Shinnie 1967, Meroe A Civilization of the Sudan. London.

A.H.Sayce 1911, The Iron-Workers in the Sudan.- Proceedings of the Society of Biblical Archaeology 33.

J.W.Crowfoot 1911, The Island of Meroe. London.

D.Dunham 1949, The History of the Kingdom of Kush (Sudan) from 800 B.C. to 350 A.D. as Disclosed by Reisner’s Excavations,- Sudan Notes and Records 30.

G.A.Reisner 1919, The Discovery of the Tombs of Egyptian 25th  Dynasty.- Sudan Notes and Records 2.

G.A.Reisner1923, Excavations at Kerma, pt I-III. Cambridge.

B.G.Trigger 1969, Meroe and the African Iron Age.-African Historical Studies, vol.2.

I.Hofmann 1971, Studien zum meroitischen Königtum. Bruxelles.

К.Дзевановский 1988, Архангелы и шакалы, Москва.

S.Curto 1965, Nubia, Storia di una civilità favolosa. Novara.

L.Greener 1962, High Dam over Nubia. London.

B.Davidson 1959, The Lost Cities of Africa. Boston.

R.Keating 1975, Nubian Rescue, London.

D.Westermann 1952, Geschichte Afrikas. Köln.

F.F.Gadallah 1963, Meroitic Problems, and Comprehensive Meroitic Bibliography,- Kush 11.

W.Y.Adams 1966, Post-Pharaonic Nubia in the Light of Archaeology,- Journal of Egyptian Archaeology 50.

I.Hofmann 1978, Beiträge zur meroitischen Chronologie. St, Augustin bei Bonn.

 

 

المزيد من المقالات...

  1. اختراع النوبة