تركيب المناظر البارزة وبنيتها الايقونية

معبد الأسد A في النقعة

ناتاليا بومرانتسيفا

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

 

 

تقع النقعة في وادي العواتيب الذى يبعد حوالي 150 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من الخرطوم في البطانة (مركز شندي) السمات الأكثر بروزاً في الموقع هى عدة معابد في حالات محافظة متفاوتة. معبد الأسد المحتفظ بسلامته، شيد حوالى 15 ق.م.-15 ميلادية من جانب الملكة أمانى تارى والملك نتكامانى، وكرس للإله أبادماك الممثل برأس أسد ويمكن عده معبداً نموذجياً أُحادى الصالة وفق التقليد المروى. بعض نقوش الزخرف البارزة غير العادية على جدران هذا المعبد، مثل تصوير الإلهالأسد بأربع أيدى وبثلاث رؤوس، سحرت العديد من الزوار وقادت الى سلسلة من التفسيرات. تقدم هذه الورقة التى وضعتها المهندسة المعمارية الروسية ناتاليا بومرانتسيفا تفسيراً لأسلوب الايقونية المروية كما يتجلى في هذا المعبد.  فإلى المقال:

 

 من بين المعابد الموجودة في وادي العواتيب فإن الاثنين منها الذين لازالا في حالة جيدة من الحفظ يعرفان بالمعبد أ والمعبد ب. هدف بحثي هو المعبد أ. هذا المعبد مكرس للإله الأسد أبادماك الذى انتشرت عبادته على امتداد مساحة كوش. ترتبط أولى سجلات هذا المعبد باسم عالم الدراسات المصرية القديمة الألماني لبسيوس الذى سجل النقوش في مجمل مركب المباني في ودبانقا Lepsius,1913.

 

 أود أن أتناول بعض جوانب التصوير الايقونى للإله أبادماك وذلك لتحديد سماته المميزة وأهميته في الفن المروى. قام أبادماك، من بين معبودات مروى، بدور بارز وارتبط ارتباطا وثيقاً بتصوير الملك - أقصد الملك نتكامانى، الذى كان المعبد قد شُيد في عهده؛ ويرجع ذلك للسنة الثانية ق.م. بفضل الكتابة الهيروغليفية المروية لاسمي الملك والملكة، يقدم البروفيسور شينى تاريخاً أكثر تحديداً في نهاية القرن الأول السابق للميلاد أو فترة مبكرة من القرن الميلادي الأول Shinnie,1967.

 

يتألف المعبد أ من خارطة عادية لكن نقوشه البارزة تلفت الانتباه بصفة خاصة. الجدران الخارجية والداخلية مغطاة بنقوش بارزة تمثل الثنائي الملكي مع الأمير أريخنخارير وهم يتعبدون إلى الآلهة. من بين تلك المعبودات احتل أبادماك مكاناً مرموقاً وقام بدور هام وارتبط ارتباطاً وثيقاً بالملك. كانت وظيفة أبادماك إلهاً للحرب واضحة ويمكن رؤيتها في مظهره. في مناظر العبادة، يصور أبادماك عادة في هيئة إنسانية برأس أسد.

 

نوع آخر من ايقونية هذا الإله تظهر في شخصيته التى تجمع طبيعته الإلهية مع الثعبان، الذى أصبح رمزه جزءاً مركباً لصورة الإله. في مظهره "الثعباني"، صور أبادماك على جانب بوابة المدخل. جسمه الشبيه-بالخاتم ينبثق من زهرة لوتس. يتوج هذا التركيب بصورة جانبية لرأس أسد وأيادي إنسانية ممدودة إلى تحت الكتفين. ويصعب تحديد عما إذا صورت تلك الأيدي في وضع أمامي أو ثلاثة أرباع، ذلك لأن غور الجدار يمنعنا من تحديد الكتفين بدقة.

 

الثعبان برأس أسد في صورة أبادماك ظهر بوقت سابق طويل لتشييد معبد الأسد في النقعة. نجد نوع الشكل-الثعبان لهذا الإله في معبد المصورات الصفراء، لكنه وللأسف فإن رأسي كل من الأسد والثعبان هنا مكسورين. لا بدَّ من التشديد على أن الآلهة ذات الشكل - الثعبان في الأشكال المختلفة للتمثيل عن طريق الرسم كانت موروثة عن مصر القديمة. لدينا مثالاً غطاء التابوت الضخم للفرعون رمسيس الثالث (متحف فتزوليام في كمبردج، بالرقم E-1-1823). يظهر بين الهتين - ايزيس ونفتيس. يوجد زوجان من الثعابين في وضع متساوق على يساره ويمينه؛ يكاد اثنان منهما يصلان مستوى رأس الفرعون. توجت أجسامها بأشكال شبه نسائية مع نصف الرأسين واليدين مائلتين في زاوية مستقيمة. يعكر هذا الطابع للتصوير لدانة الشكل. نجح الفنان المروى الذى نفذ بوابة النقعة في إيجاد تصميم متناسق للغاية. كلا الثعبانين يقومان بدور أجزاء القياسات العيارية في هذه التركيبة: يتساوى حجم الثعبانين الطويلين (مع شبه الأشكال) مع القاطع في القسم B لمجمل التركيبة ويثبت طول جسم الفرعون من أخمص الرجل حتى الذقن المعلقة. يشكل طول مجمل جسم الفرعون ثلاث ثعابين. بالتالي، قام الثعابين قطعاً بدور وحدة قياس ثابتة. ارتباط أبادماك مع الثعبان واضح وجلي. فهم أبادماك بوصفه إلهاً للحرب يكمن في وجود ثعبان - حيوان يحمل في ذاته النار. مثل هذه التداخلات وجدت في مصر وقد تكون وجدت تعبيراً لها في الدين المروى Kormysheva,1984.

 

picture 034

شكل 1: الكوبرا المجنحة وهى تحرس الخرطوش الملكي لاسم الملكة نفرتاري، وادي الملكات، طيبة.

عدت الثعابين أيضاً حماة ضد الأرواح الشريرة. مسلات تحمل مثل تلك التصورات أقيمت في واجهة مدخل معبد الحماة، بخاصة في الفترة اليونانية- الرومانية. منظر أبادماك على هيئة ثعبان في البوابة الضخمة لمعبد النقعة قد يكون قام بالدور نفسه. الثعابين بوصفها حماة تواجهنا في أحيان عديدة في مصر - على سبيل المثال الكوبرا المجنحة مع جسم أفعواني ضخم، وهى تحمي الخرطوش الذى يحمل اسم الملكة نفرتاري (شكل 1). إن للثعابين في وظيفتها "حامياً" سمات مشتركة مع الصل. مثل هذا النوع من التشابه معروف ليس فقط في مظهرها الخارجي بل في معناها كذلك. النقش البارز في مدخل البوابة الضخمة لمعبد النقعة في تخطيطه العام يحمل شبهاً كبيراً لصل يظهر على خلفية محايدة.

 

الأصل المرَّوي يضع التركيب على امتداد الجانب المحيطي للبوابة الضخمة من القاع إلى القمة. يمتد جسم الثعبان منتصباً إلى أعلى من أوراق شوكية. تعطي الورقة الوسطى بداية لحركة الجسم، الورقتين الجانبيتين متساوقتين، تحتل الأوراق الشوكية مكان قاعدة عامود بدلاً عن أن تكون تاجاً طبقاً للتقاليد المتعارف عليها. منظر البوابة الضخمة الذى يشبه إلى حد بعيد العامود يمكن عده نوعاً من "المحور الأرضي" الأشبه بنصب عامودي، أو تاج، أو جبل، الخ..

 

الثعابين والصولجانات مرتبطة بعضها بالبعض - وضعت الثعابين عادة على امتداد الصولجانات الطقوسية؛ مثل هذه المناظر معروفة منذ الأزمان الباليوليتية والنيوليتية Leroi-Gourhan,1965, p.57. ثبات مثل هذه الارتباطات تشكل ما قد يسمى وحدة سمانتيكية؛ واضح أن الرموز الأسطورية- الشعرية لكل الأزمان والشعوب مرت بمراحل تطورية. يمكننا بلا شك تحديد الارتباطات السيمانطيقية بين الصولجان- الثعبان- النبات. الصولجانات في المسلات الطقوسية في أيدي الآلهة والفراعنة كانت ملتوية بثعابين أو التف جسم ثعبان حول جذوع لوتس أو بردي. لكن في الوقت نفسه فإن الشكل الثعباني لأبادماك لا يمكن عده "الهاً لزهرة". الأصل المحلي للايقونية المروية جلي تماماً Kormysheva,1984.

توحيد كل عناصر النقش البارز المروي تم تحقيقه عبر الصلات الديناميكية بين القاعدة والقمة عن طريق جسم الثعبان الممتد. هذا الانطباع البصري يتحقق عن طريق بنية دقيقة متناسقة الأبعاد تقوم على أساس المثلثات المصرية المقدسة، مع نسبة الأضلاع 3:4:5 (شكل 2). دعونا ننشئ واحد من المثلثات المصرية المقدسة (KMN). قمة المثلث - النقطة - في المستوى الذى يثبت تاج أبادماك (الخالي من القرص). إذا وضعنا أربع وحدات على امتداد الخط العامودي (على تمدد الكاثيتوس الكبير، في حين يظل الأصغر ضلعاً مشتركاً)- فإننا نتوصل الى المثلث المصري (MNM)؛ سيتوافق وتر المثلث مع اتجاه يد شبه تمثال. كل مثلث لاحق (من القمة حتى القاع) شيد وفق نظام منطقي للتركيب. بالتالي، فإن المثلثات المصرية تخترق حرفياً مجمل التركيب.

الأبعاد الأساسية للبوابة الضخمة محددة عن طريق أقواس، يكون قطرها (r) مساوياً لوتر المثلث المصري المقدس.

الأحجام الأساسية لتركيب البوابة الضخمة ثبتت بتقسيم- e (مقياس  أنظر: Pomerantseva,1973, pp. 213-216: and 1981,pp. 147-150).

لوحة 2: تركيب النحت البارز على جناح بوابة مدخل لمعبد الأسد في النقعة. نفذ على أساس نظام المثلثات المصري المقدس

picture 035

مساحات كبيرة من مباني المعبد، مثل ارتفاع البوابة الضخمة، وحجم جزئه الأعلى، وارتفاع الجدران وما الى ذلك، قيست مع الوحدات نفسها المستخدمة في النقش البارز لأبادماك الثعباني الشكل. يعطينا ذلك اثباتاً لعد شكل الإله في اقنوميته الأسدية- الثعبانية صولجاناً يحتوي المعايير المتعارفة للقياسات.

 

picture 036

شكل 3: نقش بارز من مصلى أوزريس في معبد أبيدوس مع تصوير للفرعون سيتى الأول يقف امام الإله توت

احتوت الصولجانات الطقوسية أيضاً في مصر القديمة القياسات المثبتة للنسب - على سبيل المثال، النقش البارز متعدد الألوان الذى يصور الفرعون سيت الأول أمام الإله توت - من مصلى الواحة في معبد أبيدوس الخاص بهذا الفرعون (شكل 3). هناك مثلث مصري مزدوج وصولجانان تثبت القياسات الأساسية. الصولجانات الطقوسية لتوت ونعوت قوته في يدي الفرعون تقوم بدور في القياسات الطولية.

ثبتت واجهة البوابة الضخمة في معبد النقعة (شكل 4) في تقسيم . المنظر الحامل لتصوير الفرعون وهو يدمر أعداءه مشتق من النظير المصري القديم، على سبيل المثال، التركيب المعروف جيداً من البوابة الضخمة السابعة في الكرنك. في النقش البارز المصري، صورت أشكال الفرعون تحتمس الثالث على جانبي البوابة الضخمة خلافاً للتركيب المروي حيث صور كل من الملك والملكة يقفان بتناسق كل على جانب للبوابة الضخمة يرافق كل منهما أسود مغتاظة. مثل هذه التفاصيل غائبة في التركيب المصري. وقفة نتكامانى ذات شبه وعدم شبه مع وقفة فرعون مصري الذى يصور بهيئة أكثر تعبيرية ودينامية.

picture 037

رأسه، وخط الجذع والرجل الموضوعة جانباً تقع كلها في الواقع على الخط القطري الذى يضفي حركية على مجمل التركيب. على العكس فإن شكل نتكامانى يقف مستقيماً معتمداً على رجله اليسرى. الرجل الى الخلف هى اليمنى بكل وضوح، وفقاً لوضع مقدمتها. أهمل الفنانون المصريون عادة هذا  التفصيل بتصويرهم  مقدمة القدمين الى الأمام.  شكل الملكة أمانى تاري صور جامداً بصورة مطلقة. ليس من نظير لها في الفن المصري القديم كأمرأة مقاتلة. صورت طيور وأسود وهى تحمي نتكامانى وزوجته، ومثل الفراعنة المصريين يحملان ثلة من الأسرى من شعورهم.

شكل 4: تركيب مدخل بوابة معبد الأسد في النقعة

 

 

picture 038

 

 

 

 

picture 039

شكل 5

تركيب واجهة بوابة المعبد في تناسبها مع المثلث المصري المقدس

بالطبع، فإن المرويين لم يستعيروا مبادئ الايقونية المصرية بصورة آلية، كما وأنهم لم يتبنوا بصورة آلية الآلهة المصريين. بالتالي، كان الجهد التوفيقي نتيجة دمج عناصر أجنبية مختلفة مع العناصر المحلية الخاضعة لقوانين موحدة. وجد ذلك انعكاساً في نظام النسب نفسها عندما تثبت تفاصيل متشابهة في التركيب عن طريق القيم النسبية نفسها (شكل 5). نفذت القياسات طبقاً لطريقتين اعتماداً على طول البوابة الضخمة (M) وارتفاع كل من برجيها الذين يؤخذ حجمهما بانفصال. القياسات الأساسية تحسب على قاعدة تشييد المثلث المصري المقدس؛ يحتل الكاثيتوس الكبير مكان المحور المركزي للمدخل. الوحدة الواحدة تساوي الفاصل بين المحور الرئيسوالباب وافريز ركن عامود الباب (على مستوى الصل).

يثبت كاثيتوس صغير المسافة بين المحور الرئيس ومحاور شكلي الملك والملكة على مستوى الخط القاعدي. ارتفاع شكل الملك المنحني إلى الأمام بامتداد قطري يساوى ثلاث وحدات (أو الكاثيتوس الصغير). القوس، يساوي وتر المثلث (خمس وحدات) ويحدد ارتفاع البوابة الضخمة. ارتفاع الباب يكاد يساوي وحدتين - أعتقد أن الثلاثة يمكن أن يؤلفوا عتبة. قيم القياس النسبي (RDH) تثبت التفاصيل الصغيرة للتركيب: R تحدد حجم المجال لكلا الشكلين، وامتداد أجنحة الطيور؛ المساحة التى نقشت فيها ثلة الأسرى، تساوي اثنين R. أقطار المثلث المصري المزدوج يمر عبر وسط أوجه الأسرى المنقوشين في الأسفل. كلهم يشكلون طبقة متماسكة متناسقة (شكل 6)؛ أشكالهم الراكعة رتبت في ثلاثة صفوف عامودية؛ أوجه الأشكال الوسطية مقلوبة كلياً. تلك هي الأولى بالنسبة لكل مجموعة أوجه جانبية. الوضع الاشتقاقي للأشكال اللاحقة ناتج عن

شكل 6: التركيب الأساسى مع  مجموعة الأسرى- تفصيل اللوحة 5

picture 040

 

 

 

إعادة توجيه الأوجه الأولى عن طريق لوي الأوجه، الأيدي والأرجل إلى اليسار والى اليمين. أيديهم منحنية في زاويا قائمة، مرتفعة للصلاة. كل شكل جانبي يأتي إلى المقدمة من وراء الذى يليه. هذا الصف شديد التناغم يعتمد مبدأ التطور الزخرفي. بنية الطبقة ذات تميز لافت للانتباه: الأوجه الجانبية الخمسة إلى اليمين تتوافق مع الأربعة إلى اليسار والخمسة إلى اليسار في الصف اللاحق تتوافق مع الخمسة الى اليمين وهكذا.يمكننا ملاحظة الرسم التصويري نفسه في النقش البارز مع الملكة أمانى تاري. بالتالي يمكننا تسمية هذه الطريقة للتشييد، " التناسق اللا متناسق" أو "التناسق المتكرر"، عندما لا تتوافق بعض تفاصيل الجانبين الأيسر والأيمن مع بعضهما تماماً.

 

طبقاً للتقاليد الشرقية، الإحساس بالتعدد تم التوصل إليه عن طريق تكرار وتعديل الشكل الأولي. الأوجه- النصفية لها وظيفة اشتقاقية، كونه إسقاطاً للأوجه- الكاملة عبر دوائر منسجمة.

 

picture 041

شكل 7: ايقونية الإله أبادماك في هيئته ثلاثية- الوجه. من معبد الأسد بالنقعة

ايقونية الإله أبادماك في التصوير الثلاثي الرؤوس مع زوجين من الأيادي يقوم على القاعدة نفسها (شكل 7). مضاعفة اليدين لها معنى كامل - أبادماك يلمس الملك والملكة بزوج من اليدين وفي الوقت نفسه يمسك بالزوج الآخر ثلة نباتات. انبثقت عبادة هذا الإله إلهاً للخصوبة من حيث مقارنته بالملك المسئول عن رخاء شعبه. وضع زوجي الأيادي يرمز إلى مقياس متساوي لأعمال الخير التى يهبها الإله إلى الملك والملكة. يمكننا أن نتأكد أن طريقة مطابقة للقياس هي قاعدة تشييد الصروح. ينشئ علم الهندسة النسب مع المقاييس المعيارية.كل ذلك المعروف عن ايقونية أبادماك يشير إلى حقيقة انه كان الإله المروي الوحيد، لكن الطريقة التى تختلف بها تصاويره من حيث نوع الايقونية تختصر على ذات النظام للنسب الذى استخدمه الفنانون المصريون. من غير المحتمل أن يكون لأبادماك نظير محدد مصري.

 

 

 

 

حالياً، واضح أن الفنانين المرويين والمصريين بدأوا بإنشاء المثلث المصري المقدس والنسب وفق التقسيم- θ إنشاء النقوش المروية البارزة يحمل أثر استخدام واضح للرياضيات في أبسط أشكالها التعبيرية. النزعة الخلاقة للفنانين تظهر نفسها الرسوم الزخرفية التركيبية الايقونية وتتأكد من خلال نظام التعالق النسبوي الذى يحمل معنى التنظيم. بهذه الطريقة، أضحى لحرية الإبداع والقوانين الصارمة قاعدة مشتركة - الرياضيات - وتبقيها في حالة توازن. تدلل البنية النسبوية للنقش المروي البارز بصرياً على إمكانياته الفنية الكامنة الوفيرة، بوصفه أساساً لتركيب الأشكال الهندسية والتشكيلية.

 

 

Kormysheva E.E, 1984, The Religion of Kush

Lepsius K.R., 1849-59, Denkmaler aus Aegypten und Aethiopen, Berlin-Leipzig.

Leroi-Gourhan A., 1965, Prehistoire de l'art occidental, Paris.

Pomerantseva N.,1973,Померанцева Н. А., Роль системы пропорциональных со-отношений в сложении канона в произведениях Древнеегипетской и пластики. Сs Проблема канона в Древнем и Средневековом искустве Азии и Африки, Москва.

Pomerantseva 1989,Померанцева Н. А., О некоторых принципах архитектурно-пластических композиций храмового комплекса Муссаварат-эс-Суфра. Мероэ 2. Москва.

Shinnie P.L., 1966, Meroe: A Civilization of the Sudan, New York.

 

P.S. The name of this site is Mussawwarat-es-Safra and not Sufra. The name means in arabic Yellow pictures. It is the Arabs of the Sudan who gave the name as a description for the reliefs on the yellow sandstone buildings.

 

 

مدفنان من عصر نبتة في شبا العرب

(بالقرب من البركل)

أسامة عبدالرحمن النور


 

يجلب اكتشاف مقبرتين من عصر نبتة في مايو 1988 في قرية شبا العرب بالقرب من جبل البركل إلى دائرة الضوء بعض المعلومات المفيدة بالنسبة لواحد من محاور مؤتمر برلين للدراسات المروية. ومع أن المقبرتين تم وصفهما في تقرير موجز قدمته للبروفيسور ليكلان (Leclant- Clerc 1989, Orientalia, 58, 3: 416 fig. 66 to 71)، وعلقت عليه مدعوماً بالصور الملونة (Osama Elnur, Sahara, forthcoming)، أود هنا أن ألخص المعطيات المستخلصة من أعمال التنقيب في المقبرتين بأمل تقديم المزيد من القمح لمطحنة تيموثى كندال، بتوفير المعلومة قبل بدء المناقشات لورقة كندال الرئيسة "جذور الدولة النبتية".

 

من بين عشرات المدافن المنحوتة في الصخور في شبا العرب بالقرب من جبل البركل، قامت الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية بالتنقيب، جزئياً، عن مقبرتين نالتا الرمز ارا-1 و ارا-2.

 

ارا- 1 : تتألف على الأقل من سبعة غرف للدفن، رتبت في مجموعتين منفتحتان على حفرة عمودية بمدخلين مستقلين. غرف الدفن شبه مستطيلة، مساحة كل غرفة أمتار مربعة قليلة وبارتفاع 1.2 متر. ترتبط الغرف ببعضها من خلال أبواب، كلها مفتوحة باستثناء واحد كان مغلقاً بجدار من الطوب. أدت أعمال النهب الحديثة للمجموعة الأولى المؤلفة من خمس غرف للدفن كانت في وضعها الطبيعي تحتوى على أربعة هياكل إلى الاكتشاف، لكنها حرمتنا من معظم مواد الزينة التى غالباً ما كانت مدفونة مع الموتى: خلافاً لجرة فخارية غير هامة، فإننا نعتمد على شظايا نعش خشبي بالنسبة لتأريخ الدفن. أعمال النهب التى تعرضت لها المجموعة الثانية المكونة من غرفتين للدفن حدثت في الماضي البعيد وليست حديثة كما هو الحال بالنسبة للمجموعة الأولى؛ هذا الجزء الثاني للمدفن، بعد أن ترك مفتوحاً لفترة طويلة، أعيد استخدامه في العصر المروى وذلك وفق ما تشير إليه المصنوعات الفخارية التى قمنا بتصويرها من على بعد. لم ننقب في هذا الجزء وبالتالي فإننا لسنا متأكدين (1).

 

احتوت المجموعتان كليهما على رسوم ملونة بلونين، جزئياً رمزية. كل الأبواب "مزخرفة" بطبقة أو برواز مضاف بغرض التقوية. في المجموعة الأولى للغرف الخمس، رسمت المناظر الرمزية بتناسق على جانبي الباب، وتألفت من مركب، صور عليه فردين أحدهم يجدف في حين يجلس الآخر على كرسي مغطى بسقف. في المجموعة الثانية المكونة من غرفتين للدفن، شيد إفريز على جانبي الباب: ورسم لفردين يحملان موضوعات متنوعة، يقود أحدهما نعامة، وأربع أبقار أو أية حيوانات مجترة أخرى.

 

ارا- 2 : بمثابة مقبرة أقل تعقيداً، لا تحتوى على رسوم ملونة، ومرتبة في غرفتين. يقود درج إلى غرفة شبه مستطيلة يبلغ ارتفاعها 1.2 بالقرب من المدخل و0.8 متر في الطرف الآخر، وهى غرفة مؤدية إلى الغرفة الرئيسة وخصصت لدفن العشرات من الجرار الفخارية والقليل من الأواني الحجرية والبرونزية، والتي تم الكشف عن شظايا منها. تعطى الجرار الفخارية تاريخاً للمقبرة من عصر نبتة. الغرفة الثانية الممدودة، بسقف غير مرتفع، خصصت لدفن الجثمان، وكانت في وقت ما مغلقة بلوح حجري ثقيل وجد على بعد مسافة من موضعه الأصلي. تعرضت الغرفتان للنهب الكامل في القدم. وقد أعيد استخدام المدفن، الذى ترك مفتوحاً لفترة طويلة، لقبر جثمانين لاحقين وجدناهما في وضعهما الأصلي: تم العثور على ثلاث خرزات وآنية مزخرفة لا تترك مجالاً للشك في إرجاع الجثمانين المتأخرين إلى العصر المروى.

 

أعطت العينة الخشبية تاريخاً كاربونى ±2730 60 سنة قبل تاريخ اليوم. يظل غير مؤكد إذا ما كان يشير الى إعادة استخدام مدفن جماعي من أزمان المملكة الحديثة أو مدافن من العصر النبتي المبكر: لا نملك بعد بينة مؤكدة خلافاً لشكل ارا- 1 لاختبار عما إذا كانت مقبرة "مصرية" قد تمَّ تنظيفها كلياً تجهيزاً لها لاستقبال موتى جدد في العصر النبتي. مثل هذا الاختبار قد يصبح ممكناً من خلال أعمال تنقيب لاحقة للمزيد من المقابر في شيبا العرب. مع ذلك يمكننا أن نفترض بأن مدافن أفراد الأرستقراطية النبتيين لم تك ببعيدة عن المدافن الملكية: لا زالت مثل تلك مفقودة في المناطق المحيطة بالعاصمة، ولا يمكن بحال أن تكون محصورة في جبانات نبتة ومروى. العديد من الجبال المحيطة بالبركل معروف بأنها تحتوى على جبانات: خان الوقت لاستكشافها طالما أننا لا نعرف كيف ستؤثر المشاريع الزراعية المستقبلية في حالة استكمال مشروع خزان الحماداب في الشلال الرابع على تلك المنطقة.

 

توفر رسوم ارا- 1 هدفاً رئيساً لاحق للتنقيب على الأقل في شبا العرب، طالما أن رسوم الفن الجنائزي الوحيدة التى وجدت في المنطقة محصورة في المقابر ك 5 و ك 17 في جبانة الكرو، ونو 53 في نورى. أسلوب الرسوم يمثل أهمية كبيرة. رغم أن بعض موضوعاتها تنتمي بصلة إلى مشاهد ذخيرة الفن الجنائزي الذى يجوز لأي تسميته بالمصري (المراكب، والرجل الذى يقود نعامة، والذي يحلب أو يذبح بقرة الخ.)، فإنه واضح أن صاحب ارا- 1 لم تتوفر له فرصة استخدام رسام مصري، أو فنان نال تدريباً على تقاليد الفن المصري. هل وجدت ورش ملكية في تلك الفترة؟ وفي حالة إذا ما وجدت، لماذا لم يتمكن صاحب هذا المدفن من الاستفادة منها؟ يمكننا أن نحدد رساماً نوبياً يعمل وفق نماذج ثقافية نوبية، خلافاً للرسامين "المصريين" في الكرو ونورى، مع انه قد يقال بأنهم جميعهم "متمصرون". هذه الإفادة يمكن قولها غض النظر عن التأريخ النهائي للمدفن، مصرياً كان أم ما قبل نبتي أم من العصر النبتي.

 

التقليد الفني الذى يمكن مقارنة تلك الأشكال به هو المنتشر في الرسوم الصخرية المتوفرة بكثرة في المنطقة، بخاصة بأعلى النهر من الشلال الرابع، والتي يمكن إرجاع تاريخها إلى عصور ما قبل التاريخ حتى العصر المسيحي بل حتى الإسلامي. المراكب، والأبقار، والنعام، تمثل موضوعات نجدها بين الكثيرة الأخرى التى تصور الحيوانات والبشر. نجهل حتى الآن معنى مثل هذا الفن الرمزي المتوفر بكثرة في الحجارة البارزة في المنطقة. إذا قدر لأعمال التنقيب اللاحقة أن تكشف عن مثل تلك الرسوم، فإن جبانة شبا العرب قد تصبح وثيقة مفتاحاً لفهم وتفسير فن أفريقي، طالما أنها توفر فرصة استخدام الرمزية المصرية المعروفة في تحليل الرمزية النوبية الغامضة.

 

ـــــــــــــــــ 

(1) هذا الجزء لم نقم بالتنقيب فيه ذلك أن جدرانه مليئة برسوم ملونة قد تتعرض إلى خطورة في حالة فتح الغرفة ودخول الضوء والهواء، ولذلك قررنا تأجيل الفتح وقمنا بتصوير الرسوم من على بعد من خلال كوة صغيرة فتحناها في الباب، ومن ثم أعيد إغلاق الكوة وتقوية الباب المشيد بالطوب، بهدف إجراء التنقيب في وقت لاحق أطول وبعد اتخاذ التدابير اللازمة التى تؤمن الرسوم الملونة.

للأسف لم أتمكن من تنفيذ أعمال التنقيب لاحقاً في الموقع وذلك لدخولي المعتقل ومن ثم فصلى من منصبي مديراً عاماً للآثار والمتاحف القومية وهجرتي القسرية من السودان. لكن العمل استمر على يديَّ الزميلة ايرينا فنسينلى (البعثة الإيطالية) والتي وافقت على استكمال العمل بعد أن خاطبتني طالبة مني الموافقة على أن تقوم بعثتها بذلك. وستقوم أركامانى بنشر تقارير العمل الذى استكملته في العدد القادم.

 

 

كدروكة والعصر الحجري الحديث

 

في إقليم دنقلا الشمالي

جاك رينولد

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

مقدمة

يطمح الموضوع الذى سيتم تناوله إلى عرض نتائج البحث الذى أجرى في السودان في الفترة بين 1975 و 2000، عندما كنت عضواً بالوحدة الفرنسية للآثار. كانت هذه الوحدة (البعثة) الدائمة، التابعة لهيئة الآثار والمتاحف في الخرطوم، قد أنشئت وفق بروتوكول الاتفاقية الثقافية التى وقعت بين فرنسا والسودان في عام 1969.

 

تركز العمل المبدئي، في الفترة من عام 1970 حتى عام 1978، في مشروع وضع الخارطة الآثارية للسودان،  آخذين في الحسبان الإنجازات التى حققتها البعثات المختلفة التى اشتركت في الحملة العالمية لإنقاذ آثار النوبة. أجريت أعمال المسح الآثارى للمنطقة إلى الجنوب من شلال دال (الجندل الثاني- أركامانى)، التى سارت جنباً إلى جنب مع أعمال الإنقاذ، حيث كانت المواقع الآثارية عرضة للدمار بفعل تقدم أعمال التنمية في البلاد، مثل جبانة ميسيمينا بالقرب من عبري (التى يعود تاريخها للفترة الممتدة من عصر نبتة حتى العصر المسيحي)؛ أو مثل جبانة عصر كرمة في عُكمة غرب، إلى الشمال من دال.

 

في الفترة من 1976 حتى 1968، تركز الجهد البحثي في السودان الأوسط، تحديداً في إقليم شندي، حيث أن مشروعاً زراعياً آخراً كان قيد الإنشاء، يمتد من التراجمة حتى كبوشية. من ثم أخضعت هذه المنطقة للدراسة. أجرى العمل خلال تلك الفترة تحديداً في موقعي الغابة والكدادة (حيث تمثلت بصورة جيدة آثار العصر الحجري الحديث، والعصر المروى، والعصر ما بعد المروى، والعصر المسيحي). في الفترة بين 1986 و 1991، تركزت أعمال البحث في موقع الهوبجي.

 

منذ 1986 وتحت ضغط تطور المشاريع الزراعية تحول الاهتمام إلى النوبة وإقليم دنقلا، مع بدء أعمال المسح الآثارى على ضفتي النيل والتركيز على تنفيذ أعمال تنقيب شاملة في عدد من مواقع العصر الحجري الحديث في كدروكة والمنطقة المحيطة بها.

 

أخيراً، فإن أعمال المسح الآثارى التى أسهمت فيها الوحدة الفرنسية شملت بالإضافة: مشروع الحمداب، الذى أجرى قبل تقدم العمل في تشييد خزان الجندل الرابع؛ خلال ثلاثة مواسم للمسح في الفترة 1989 و 1990، وأعمال المسح الإنقاذي، وأعمال الحفر التجريبي في منطقة أرباب (الصحراء الشرقية)، وهو مشروع تمثلت أهدافه، في الفترة خلال 1998-1996، في تسجيل وتوثيق وإنقاذ المواقع الآثارية المهددة بفعل نشاطات التنجيم عن الذهب.

 

اختيار المدافن الجنائزية

عادة ما يكون مسح مواقع الإقامة المفتاح إلى الدراسات في مجال ما قبل التاريخ. يعنى هذا إقرار البنيات الذى يتبع تطوير لتيبولوجية الأدوات الصنعية. بالطبع فإن ظروف الحفظ، أو الدمار هي في حالة تجعل الكشف عن الأماكن/البنيات (مناطق المعيشة، ورش العمل وما إلى ذلك) أمراً مستحيلاً. من ثم فإن الدراسة اتخذت منحى كلياً باتجاه التناول التيبولوجي. التوجه الحالي في مجال الدراسات ما قبل التاريخية يسير باتجاه التفسيرات الاثنوأركيولوجية أو صياغة النماذج، طريقة تثبت في الحقيقة خطورة تطبيقها واستحالتها في تلك المناطق. تلك الاعتبارات فرضت ضرورة تطوير مشروع بحثي محدد مقيداً في مجال المدافن الجنائزية.

 

التناقض الظاهري في مجال المدافن الجنائزية، والذي يبدو وكأنه يقدم رؤية محدودة لتلك الثقافات، يوفر إمكانية إجراء تحليل شامل. هنالك فرصة تثبيت تواتر كرونولوجي محدد وتقييم البني الاجتماعية ومضامينها.

 

الأدوات الصنعية المكتشفة في مواقع الدفن هي نفس تلك التى يتم الحصول عليها من مواقع الإقامة، لكن هناك ميزة إضافية حيث توفر مواقع الدفن معطيات أكثر وأفضل حفظاً. على سبيل المثال، الموضوعات المكتشفة غالباً ما تكون مهشمة لكن أدوات كاملة ومركبة تظهر بين كل العناصر المحتفظ بها. شواهد دالة على البيئتين النباتية والحيوانية متوفرة في محتوى لا يشكل موضوعاً للتفسير.

 

مسح كل العناصر (الحفر، والهياكل، والمواد الجنائزية)، كل تلك، مع التحليل البنيوي للموقع (وفق خطط لمنحنى المستويات والمكان المحدد للدفن) يعطى أساساً يبنى عليه التفسير. أثبت التحليل ان توزيع المدافن في جبانات العصر الحجري الحديث، عادة، ما تعيد إنتاج قواعد التراتب الاجتماعي.

 

عرض لنماذج القبور

قبل تقديم تفسير مفصل قد يكون من الأفضل إعطاء وصف لمقبرة من العصر الحجري الحديث وتفصيل مركباتها.

 

تظهر المدافن نفسها على هيئة تجويف محفور. تكون مستديرة أو بيضاوية الشكل وتختلف أبعادها من 0.80 من المتر بالنسبة لأصغرها إلى مترين بالنسبة لأكبرها. لم يتم الكشف عن بنية فوقية، باستثناء جبانة في صادنقا، حيث طوقت الحفرة بالآجر؛ وعلى كل، طالما أن هذه الممارسة استخدمت منذ أزمان العصر الحجري القديم فإنه من غير المتوقع ألا يكون أهل العصر الحجري الحديث قد شيدوا غطاءً أكثر ديمومة.

 

كقاعدة عامة، يدفن الميت فردياً، مع ذلك تحتوى بعض الحفر على عدد من المدافن والتي غالباً ما تكون مرتبطة بنوع معين من الطقوس. يوضع الجثمان عادة في منتصف الحفرة (بدون توجه محدد بالنسبة للسودان الأوسط، لكن باتجاه شرق/غرب بالنسبة للنوبة). يوضع الجثمان راقداً على جانبه الأيمن أو الأيسر، في وضع يختلف من منحني إلى مقرفص، مع الذراعين ممدودتين بطول الجسم والكفين عادة مرتفعتين فوق الوجه. هذا الوضع قد يحتاج إلى رباط لحفظ الوضعية (ينجز ذلك في بعض الحالات بوضع الجثمان داخل جراب). عادة ما توضع حصيرة، ووسادة تحت الجسم. في النوبة،  جبانة كدروكة في المقبرة ك 1، سمحت الحالة المثلى للحفظ بتحليل وسائد مصنوعة من جلد الأبقار ومهاد من الشعير.

 

من الضروري أن نتذكر أن مدى المرفقات الجنائزية يعكس خيارات يحددها الأحياء. بعض أصناف الموضوعات مثل الكؤوس القربانية الأشبه بكؤوس الخمر توجد فقط في المدافن مما يصبغ عليها مغزىً خاصاً (غالباً أعم أنها استخدمت لأغراض سكب الخمر على جسد الأضحية).

 

باستثناء الزينة الذاتية، فإن اختيار وضع الموضوعات في الحفرة لا يبدو مقيداً بقواعد معينة. المواد قد توضع منعزلة أو في مجموعات مؤلفة من عدة أصناف للموضوعات، في فراغ الحفرة حول الجثمان. فقط الأدوات الحجرية (مكسرة أو مصنوعة) والعظم (مثاقب) توضع في بعض الحالات بالقرب من اليدين، في حين توضع قرون الأبقار خلف الرأس. إذا كان معنى تلك المخلفات الجنائزية غير مفهوم لنا، فإن الاهتمام بتركيبها يمكن أن يوفر الأمل في إدراك مغزاها.

 

تنوع الموضوعات الجنائزية يمكن أن يقودنا فقط إلى الاعتقاد بأن تجميعاً دقيقاً للموضوعات الشائعة الاستخدام كانت ترافق المتوفى إلى عالمه الآخر. في السودان الأوسط لا يسمح سوء حالة حفظ البقايا الهيكلية بالتعرف على المرفقات الجنائزية حسب معيار الجنس. في حين أنه في النوبة من جانب ثانٍٍ تكون بعض المرفقات مصاحبة تحديداً للرجل وأخرى تحديداً للمرأة، لكن قد يختلف الوضع من جبانة إلى أخرى. باختصار فإن تكرار الموضوعات المرفقات الجنائزية يعكس الاختلافات في المكانة الاجتماعية في إطار الجماعات المحلية في العصر الحجري الحديث.

 

مثال السودان الأوسط

قبل الشروع في تناول النوبة علينا أن نتذكر بعض النتائج الرئيسة التى تم الحصول عليها في السودان الأوسط، يتمركز الاستقصاء هنا على منطقة التراجمة القريبة من شندي. أمكن ملاحظة التنوعات في التقاليد الجنائزية على امتداد ما يزيد عن الألفية من الزمان والتي تشير إلى عدم وجود فجوة بين ثقافة الخرطوم الحجرية الحديثة كما تجلت بوضوح في الشهيناب وبين ثقافة العصر الحجري الحديث في الكدادة. بالطبع الطور الأخير في الغابة (الذى نسب لثقافة الخرطوم الحجرية الحديثة) يخلق رابطة بدون حل للاستمرارية في نهاية الألفية الرابعة مع أقدم المدافن في الكدادة.

 

موقع الكدادة بجباناته الأربع التى تمَّ التعرف عليها يسمح بتسجيل أكثر من ثلاثمائة مقبرة، كلها تنسب الى الطور الأخير من العصر الحجري الحديث، والتي لم يتعرف عليها آركل (رائد البحث في مجال ما قبل التاريخ في السودان) لكنه عدها مقابر محتملة، وعرفها بأنها ما بعد أسرية (؟). على كل، فإنه لم يعدها كمرحلة لتطور محلى بل نتاج هجرات سكانية بفعل هروب من النوبة خلال فترة المجموعة الأولى (بفعل الحملات العدوانية الفرعونية المتكررة من الشمال- أركامانى). المدافن الأكثر حداثة في الكدادة غالباً ما يرجع تاريخها إلى هذه الفترة.

 

حالة مقابر الأطفال

أحد أولى الأمثلة التى وفرتها جبانات الكدادة، تظهر طقساً خاصاً بدفن الأطفال، قبل بلوغ السادسة من العمر Reinold,2000:72-73. تسمح وضعية منحنيات المستويات المركبة فوق بعضها مع خريطة توزيع الدفن بتحديد جبانتين تحتلان منحدر أرض مرتفعة. تحتوى الجبانتان فقط على مدافن لأشخاص بالغين. تقع الجبانتان على طرف تل متاخم للمنحدر. قمة المنحدر مسطحة وتعلم مساحة تبلغ حوالي 900 متر مربع كانت مكرسة للإقامة. في موقع الإقامة هذا هناك 17 مقبرة لأطفال صغار. توزيع هذه المقابر كان متناثراً ولا يمكن عده جبانة، من ثم فإن الاستنتاج الذى يمكن التوصل إليه هو أن أولئك الأطفال دفنوا داخل المساكن أو بالقرب منها.

 

خاصة متفردة أخرى هي أن الأموات الأطفال لا يوضعون في حفرة، لكن داخل جرة كبيرة (إناء لخزن الحبوب). نوع من الأواني النفعية المزخرفة بخطوط أو نقط محفورة متموجة. لا توجد مثل تلك الأواني في مدافن البالغين. يشير اختيار المواد الجنائزية المرافقة للمقابر استخدام الأواني الفخارية. في حين تتميز مجمل مواد وموضوعات الأبهة المستخدمة في الطور الحجري الحديث في مقابر البالغين، فإن المواد التى تميز مقابر الأطفال تتسم بالفقر في الأثاث. يبدو أن هناك فقط حاويات في شكل جرار، وأطباق، وأقداح. الموضوعات الأخرى: رخويات، ولؤلؤ، وأدوات للطحن معظمها مستخدم ومهشم. تسجل أدوات حجرية وأخرى مصنوعة من العظم  غياباً كلياً.

 

القليل من الموضوعات الأخرى وجدت لكنها غير متماثلة مع تلك التى تم الكشف عنها في مقابر البالغين. تبدو الأواني الفخارية وكأنها استخدمت من قبل وفي حالات مهشمة (الجرار نفسها قد تعطى أساساً للفهم)، ويبدو أن هذا يؤكد على الأهمية الأقل لتلك المدافن. ممارسة دفن الأطفال في جرار، خارج إطار جبانة محددة المعالم، يقودنا لافتراض أن على الفرد بلوغ سن معينة، احتمالاً مرحلة تلقين قبل دمجه كلياً في المجتمع (بالنسبة لمرحلة التلقين واستمراريتها لدى النوير أنظر ايفانز برتشارد- أركامانى). لا بدَّ من التشديد أن هذه الممارسة تتجلى بوضوح فقط في العصر الحجري الحديث. في الجبانات الأخرى، فإن مقابر الأطفال تتقيد كلياً بالقواعد المتبعة في مقابر البالغين.

 

القرابين البشرية

تنحصر أهمية المدافن ما قبل التاريخية في كونها تترجم بطريقة ما التنظيم الاجتماعي لجماعات من السكان المقبورين. بالنسبة للقراءة العادية للانقسام الاجتماعي القائم على أساس التعرف على المدافن الغنية بمرفقاتها الجنائزية، فإن جبانة الكدادة تسمح بإلغاء نظرة أكثر تدقيقاً. تتميز بعض المقابر عن الأخرى: إنها حفرة تحتوى على هيكلين أو ثلاثة. أمثلة لتلك الحفرة: كدروكة  د س 76/1 -1-2-3 وكدروكة د س 85/60 – 61  Reinold,2000:71-72

 

في الحالة الأولى، توفر الحفرة ثلاثة أفراد، غالباً من الذكور. واضح انه كان لا بدَّ من إعادة فتح الحفرة لدفن الأخير 76/1. من جانب ثانٍ وضع الاثنان الآخران 76/2 و 3، سوياً، بل حتى في جانبين مختلفين، ويتخذان ذات الاتجاه (الجمجمتان إلى الغرب). تفصيل آخر، يظهر 76/2 وضعاً مقرفصاً بشدة مما يشير إلى دفنه داخل جراب أو بمساعدة رباط. لدى الدفن المتزامن للفردين، يمثل أحدهما هذه العادة المحددة التى لم توجد مرة ثانية بالنسبة للمدفونين الفرادى. جدير بالملاحظة الأثاث الجنائزي المتميز بالثراء (سبعة أواني من بينها آنية ذات شكل خفي، حجر طحن بطاحنته، مدق ويد هاوون، بعض شظايا الملكيت، وقرابة عشرة رخويات من المحار النهري) والذي يحيط بجثمان الفرد الأقدم 76/3 ووضع في مستواه نفسه. يحتل جثمان الفرد الثاني 76/2 المساحة الوحيدة في الحفرة الخالية من المواد. وضع فوق ركبتي الجثمان 76/1 المفصول بترسب أبيض اللون يبلغ سمكه اقل من 10 سم. الوضع المميز للفرد 76/2 ومكانه في الحفرة يمنحه عملياً دور الترسب مقارنة ب 76/3.

 

بالنسبة للحالة الثانية، كدروكة د 85/60-61 التى تقدم فردين، فرد بالغ غالباً ما يكون ذكراً وطفل يبلغ من العمر ثمان سنوات. دفن الفرد البالغ في وسط الحفرة، في وضع مقرفص، في حين كان الطفل في وضع ممدد في جانب الحفرة (فقط ثلاث حالات لوضع ممدد تمت ملاحظتها، وتنتمي كلها لأطفال دفنوا في جانب حفر تحتوى على فرد بالغ مدفون في وسط الحفرة). العلاقة الإستراتيجرافية بين تلك الجثث يؤكد عليها، في الحالة الراهنة، وجود قرون أبقار يرتكز عظم كاحلها على رقبة الطفل في حين أن الجزء الموجود تحت المحجر يرتكز بقوة على الفرد البالغ. وضع الأثاث الجنائزي في شبه دائرة على هامش الحفرة محيطاً بالفرد البالغ من الظهر حتى الركبتين. وضعت آنية فخارية كبيرة خلف الفرد، ووجد مركب من الترسبات المكون من عدة موضوعات ذات طبيعة ووظيفة مختلفة أمام وجهه. هذه الصلة بين المتاع الجنائزي تؤكد عليها علاقة البقرة بجسم الطفل. يتألف مركب الترسب من حجر طحن من الحجر الرملي وضعت من فوقه الطواحن وآنية من نوع القوارير. الموضوعات الأخرى (مدق ويد هاون من الحجر الرملي، مجموعة محار رخوي وجرة كبيرة) وضعت في علاقة بالطفل الذى تغطيه جزئياً. يمكن إعادة تركيب خطوات الدفن: وضع جثمان الطفل أولاً ومن ثمَّ نثرت المواد الجنائزية في قوس دائري، وبعده أدخل جثمان الفرد البالغ إلى الحفرة. مرة ثانية، إذا صحت التقارير الإستراتيجرافية ووضع الطفل في علاقتها بالمواد الجنائزية وأثبتت حقيقة أن الطفل شكل جزءاً من المتاع الجنائزي وبالتالي مجرد شريك في الترسب المكرس للفرد الرئيس، فإنه يصبح ممكناً الآن طرح فرضية انه في حالة وفاة أشخاص مهمين في هذه الجماعة يتم تقديم قرابين بشرية خلال الاحتفالات المرتبطة بالدفن. في حالة كدروكة د 76/1-2-3، يمكن تأريخ هذا الحدث كربونياً بين 3610 و 3390 قبل تاريخ اليوم.

 

تنظيم الأسرة

توفر لنا الجبانة الشمالية في الكدادة مثالاً آخراً للتفسير هذه المرة لمقابر أفراد بالغين. تحتل الجبانة منطقة محدودة من المنحدر وتحتوى على أكثر من مئة فرد، مع تجمع كثيف للحفر التى قد تصل إلى عشر في مساحة 16 متر مربع. الخاصة المميزة للمدافن هي حفرها التى يعاد حفرها أكثر من مرة. يشير تشابه المواد التى وجدت في المقابر إلى قصر فترة استخدام هذه المساحة للدفن. وتشير إعادة فتح الحفر إلى النية المسبقة ولا تعنى بحال نسيان أماكن الدفن السابق. في حالة مراعاة هذه القاعدة يمكن تحديد خمس أو ست مجموعات من المدافن يفصل بينها شريط ضيق من الأرض غير المستخدمة (عدم التأكيد على العدد الفعلي ناتج عن حقيقة التخريب الذى تعرض له الموقع في وقت سابق). تحتوى المجموعات على عشرة إلى اثني عشر فرداً، مراهقين وبالغين لا يمكن تحديد جنسهم نسبة لحالة الحفظ الرديئة للعظام. بالنسبة لكل مجموعة فإن تحليل الوضع والعلاقة الإستراتيجرافية يسمح بالتعرف على المقبرة الأقدم ويسمح بتحديد كرونولوجية معظم المدافن الأخرى.

 

دائماً ما يتم الدفن الأقدم في الجزء الأعلى من المنحدر مقارنة بالحفر الأخرى. تنشأ مدافن أخرى حول هذا المدفن وتعتدي عليه غالب الأحيان عند الحفر. المدافن الأكثر حداثة حفرت على مراحل باتجاه قاع المنحدر. فيما يتعلق بالهياكل، فإن الاتجاه والوضع يكاد يكون متجانساً في كافة المجموعات.

 

تشير الموضوعات الجنائزية المكتشفة مع كل مجموعة إلى أن نوعية الموضوعات نفسها توجد دائماً ورغم بعض التنوع، فإنها ليست متجانسة فحسب، لكنها ممثلة بالنسبة نفسها. تركيب تلك المرفقات الجنائزية بالتالي له دلالته بالنسبة لتفرد تلك المجموعات، وهى ملاحظة تنزع إلى إبراز أن الاختلافات في المدافن ليست صدفة، بل أنها تثير معضلة لم تفسر بعد.

 

آخذين اتساق تلك المجموعات يمكن افتراض كونها تمثل مجموعة مرتبطة أو ذات علاقة، بمعنى أنها جبانة لجماعة صغيرة أو قرية. خلال طور كرونولوجي محدد (ليس أكثر من قرن) من العصر الحجري الحديث للكدادة، فإن الجبانة كما تبدو الآن كانت قد استغلت من قبل قرية لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثون. يمكن، على كلٍ، أن تكون هناك جبانات معاصرة في الأجزاء الأخرى من المنحدر (المنطقة المتاخمة لهذا المسطح قد تم تدميرها سابقاً) لم يتبق منها أثر.

 

الاحتمال بأن تكون خاصة بجماعة أكبر تدعمه حقيقة الكشف عن عدة أطنان من الأدوات التى تغطى قمة السطح وتشير إلى إقامة ممتدة على مدى فترات أكثر من كونها طور مهم ممتد واحد. أخيراً، المؤشرات المشتركة التى وجدت في تلك المدافن يثير إمكانية أن تكون تلك المدافن قد جمعت وفق نظام منزلي أو عائلي (الأفراد القلائل الذين تم الكشف عنهم في كل مجموعة يبدو انه يؤكد هذا الانطباع) لم تسد فيه عائلة بعينها. تاريخ وحيد أصبح ممكناً بالنسبة لهذه الجبانة، وقد تم التحصل عليه عن طريق الكربون المشع 14 ويعطى 3500 و 3400 سنة (عمر عياري).

 

النموذج النوبي

تمتد المنطقة المدروسة إلى الجنوب من الجندل الثالث، وتركز أساساً على وادي الخوىّ، من منطقة كدروكة العليا حتى الحد الشرقي لحوض كرمة (أو إقليم دنقلا)، حوالي 30 كم في اتجاه شمال/ جنوب وعلى بعد 15 كم باتجاه شرق/ غرب، من البورقيق في الشمال (حدود منطقة عمل بعثة جامعة جنيف السويسرية) حتى أيماني في الجنوب (حدود منطقة عمل بعثة جمعية البحث الآثارى للسودان).

 

أعمال المسح: يمتد سهل غريني خصب على مساحة منطقة مئات الكيلومترات إلى الجنوب من الجندل الثالث على الضفة اليمنى للنيل. قنوات قديمة يمكن التعرف عليها مشيرة إلى تحرك شرقي-غربي لمجرى النهر. بالنسبة لفترات طويلة ارتبطت المواقع الأثرية دائماً بالقرب من المياه، بالتالي تجمعت على حواف تلك المجاري القديمة. المجرى الشرقي الذى كان مأهولاً خلال العصر الحجري الوسيط شهد إقامة مكثفة خلال العصر الحجري الحديث. توجد كثافة الطبقات الآثارية في علاقة مباشرة بالإمكانيات الزراعية الهائلة للمنطقة. من ثم تظل المنطقة خالية من أية إقامة حتى الوقت الراهن. يسمح استخدام مضخات المياه الآلية بزراعة الأرض بضخ المياه الجوفية. من ثم بدأت الوحدة الفرنسية التابعة لمصلحة الآثار منذ عام 1986 في تنفيذ مشروع مسح وتنقيب آثاري بهدف إنقاذ المواقع ما قبل التاريخية والتاريخية المبكرة في المنطقة. قادت تلك الأعمال إلى تسجيل 253 طبقة آثارية موزعة كرونولوجياً وفق الجدول أدناه:

 

النسبة المئوية

العدد

الفترة

2.76

7

العصر الحجري الحديث

13.04

33

العصر الحجري الحديث

7.11

18

الحجري الحديث وما قبل كرمة

5.92

15

ما قبل كرمة

21.34

54

كرمة

0.39

1

العصر المرًّوي

23.32

59

العصر المسيحي

21.73

55

العصر الإسلامي

4.34

11

غير محدد

99.95

253

المجموع الكلي

 

تقدم الضفتان صورة سكانية جد مختلفة Reinold,1993. الضفة اليسرى، 106 موقعاً، تشهد على نشاط حديث، يرجع كلياً للعصر المسيحي والإسلامي المبكر، وهو نشاط محدود على ضفة النيل مباشرة. بعض المواقع الأكثر قدماً (ستة منها من العصرين الحجري الوسيط والحجري الحديث) ترتبط بعلاقة بالواحات الكبيرة "اللاقيا"، بقايا بحيرة قديمة تدل على وجود بيئة محلية مستقلة عن البيئة النيلية.

 

على الضفة اليمنى، مثلت كل الفترات وطورت الطبقات نفسها في الهامش، إلى مسافة 15 كيلومتر بعيداً عن مجرى النهر. حصرت الطبقات وفقاً لفتراتها الزمنية، على أساس اتجاه شمال/جنوب. كلما اتجه المرء إلى الشرق زاد عدد المواقع الأقدم. هذا التوزيع الطبوغرافي الكرونولوجى ناتج عن تحولات مجرى النهر. من وجهة نظر الكرونولوجيا، فإنها تغطي الفترة من العصر الحجري الوسيط (أي مجموعة الفخار الحامل لزخرف متموج والخط المنقط المتموج) حتى العصر الإسلامي. لم يتم التعرف على كل الثقافات التاريخية. عدم التعرف هذا لا بدَّ وان يحتم طريقة التسجيل، الملاحظة العامة للسطح التى لا تصل إلى الأعماق. من الجانب الثاني يحتمل أن يكون جزء من الفراغات في الخارطة محض صدفة. إنها ترتبط بالمناطق المأهولة حالياً (مواقع سكنية، جبانات، ثقافات) أو مناطق مغطاة برمال متحركة. الكثافة السكانية يمكن تفسيرها بالإمكانيات الزراعية الهائلة لهذا الحوض الغريني الخصب.

 

الجبانات

مرة ثانية تبدو فائدة دراسة الجبانات، أكثر من مواقع الإقامة، من حيث أن الأولى كانت في حالة حفظ أفضل. تبدو مواقع الإقامة كطبقات سطحية تتسم بانتشار المواد بدون أية بنيات. مع مرور الوقت أصبحت تلك المواقع مسطحة بفعل التعرية القوية الناتجة عن الرياح وبفعل تراكم الترسبات الرملية التى غطت الفجوات. نشاط الرياح القوي أدى إلى تآكل الحوض متسبباً في ضياع 0.40 إلى 0.80 من المتر من الأفق الحجري الحديث. اختفت التربات الأصلية. بقيت المواد التى لها خاصة المقاومة لكنها كانت مشتتة عن محتواها الفعلي. مرة أخرى فإن المسح الباليواثنولوجي للبيئات  فضل مجال البحث في ما قبل التاريخ المحدود بمنظور تيبولوجي بسيط.

 

على امتداد الذراع الشرقي والذي يشكل وادي الخوي، تظهر الجبانات اليوم تلالاً منعزلة، على أرض مسطحة الآن. غياب السكان لعدة ألفيات، بعد الإقامة الحجرية الحديثة، جعلت هذه المنطقة مكاناً متفرداً للبحث الآثاري.  بالنسبة للجبانات، فإن جفاف المناخ سمح بحالة حفظ نادراً ما وجدت في مكان آخر من المنطقة (الأدوات من العظم، والجلد، وغيرها)، وكذلك الهياكل القادرة على توفير معطيات بحثية جيدة.

 

تم تحديد سبعة عشر جبانة، خمس منها تم اختبارها، وأجرى التنقيب في ثلاث منها في حين لا زالت ثلاث أخرى تحت التنقيب، وتنتمي كلها للفترة الممتدة من الألفية السادسة إلى الألفية الرابعة، وتقدم لنا معلومات عن تطور عادات الدفن والتعديلات في العلاقات الاجتماعية في تلك المجتمعات الأولى التى مارست الزراعة وتربية الحيوانات. توفر تلك سجلاً مدهشاً يشير إلى الكثير من التشابهات مع مواقع السودان الأوسط مما يدل على صلة مشتركة بين الثقافات. هناك، على كلٍ، تنوع يشير إلى أنماط مختلفة للتطور أو تكيفات إقليمية مختلفة.

 

باستثناء جبانتين قد تتجاوز مقابرها الألف، فإن الجبانات الأخرى تحتوي على مئة إلى ثلاثمائة مقبرة. المقبرتان المشار إليهما استخدمتا على مدى فترة طويلة، وبالتالي يشكلان بينة مفيدة لاختبار كرونولوجي للنمط. مقابر نموذجية من هذا النوع توجد في مثل تلك الجبانات الصغيرة، تعطي إمكانية تواريخ نسبية من خلال علاقاتها الإستراتيجرافية. الثانية دائماً تحوي مواد أثرية لا تقدم تطوراً تيبولوجياً، وتتوافق مع فترة استخدام قصيرة (بلا شك في حدود قرن). هذه الحقيقة ذات أهمية، ذلك أنه بالنسبة للمجتمعات الأمية، فإنها تعطي صورة لمجتمع محدد في فترة زمنية قصيرة. دعونا لا ننسى أن الجبانة، في حالة التنقيب فيها كلياً، بعد دراسة شاملة لمجمل تركيبها (مكان الحفرة، ووضع الهياكل واتجاهها، وطبيعة المتاع الجنائزي ونوعه...) تقدم مؤشرات على التنظيم الاجتماعي للمجموعة المدفونة هناك. سنقوم الآن بتقديم بعض تلك الجبانات لنعطي وصفاً لأهم خصائصها.

 

جبانة كدروكة KDK 18: هذا التل الصغير المستدير البالغ قطره حوالي 50 متر يصل ارتفاعاً أقصى يبلغ حوالي المترين من السهل المحيط وهو تل طبيعي في الأصل. تمت دراسته بصورة شاملة، فكشف عن 124 مدفناً من العصر الحجري الحديث Reinold,1993، والتي قدمت توزيعاً لجنس المقبورين بنسبة متساوية للذكور والإناث. عدد الأطفال وهرم الأعمار (البالغين والأطفال)، يقدم تماثلات عديدة. الاحتمال الأكبر أن الغالبية من أفراد هذه الجماعة لم يدفنوا في هذا المكان.

 

في بداية الاستخدام، شكلت المدافن موضوعاً لإعادة الحفر المستمرة. بعض المقابر المعادة حفرها كانت موضوعاً لمعالجة خاصة، والتي لم توجد في أي مكان آخر: تم اختيار بعض العظام- أساساً الجبهية والطويلة- من هياكل أكثر قدماً ووضعت في كوم في جانب واحد من الحفرة.

 

مساحة دفن الجثمان استخدمت في البداية على محورين، جنوب/غرب وشمال/شرق، وكذلك جزئياً شمال/غرب، المنطقة الوسطى تترك فارغة. هذه المساحة الفارغة أمكن تحديدها على الأرض وكانت موضوعاً لنوع من جدار شيد من مادة فانية. خلال الطور الأخير لاستخدام هذه الجبانة، وضع قبر في وسط هذه المساحة الفارغة. بعد هذا الدفن تم إدخال درزينة مقابر في دائرة حوله قبل هجران استخدام التل جبانةً. كلها لا تمثل أية إعادة حفر. من الضرورة التأكيد على أن هذه المقبرة المركزية كانت لامرأة بالغة. يتطلب التفسير النهائي لهذه الجبانة المزيد من التحليل، لكن التطور الكرونولوجى يقدم عناصر قيمة للمقارنات. خمسة تواريخ كربونية تضعها في حدود كرونولوجية بين 4.250 و 4.470 ق.م.(عمر عياري).

 

جبانة كدروكة KDK 13: الجبانة الأولى من العصر الحجري الحديث التى تظهر على سطح السهل. نسبة للتعرية الشديدة، اختفت حافات الحفر، ولم يتبق سوى قاع الحفر مع الهياكل وبعض الموضوعات. كانت المقابر منبوشة في منطقتين، على بعد حوالي عشرين متر، تكاد المدافن تكون ظاهرة (مكشوفة) على سطح التربة الرملية. من جانب ثانٍ غطيت المنطقتان بتراكم حصى ذات أصل أنثروبولوجي.

 

تم تسجيل أكثر من ثلاثين هيكلاً، معظمها في حالة حفظ رديئة. . The osseous rests يعيد تركيب أفراد دفنوا في وضع مقرفص، على جانب اليد اليسرى، وفق اتجاهات أقرب لـ شرق/غرب، الجمجمة دائماً في القطاع الغربي. المادة الأثرية، شحيحة، أعطت أمواس مصقولة وجدت موضوعة في جمجمتين، وكذلك فؤوس مصقولة وأطباق صغيرة مصنوعة من الحجر. يشمل الفخار ثلاث جرار ذات أشكال بيضاوية وتحمل زخرفاً من النوع proto-rippled ware تشير الأطباق الفخارية إلى تاريخ أدنى، العصر الحجري الحديث المتأخر، قريباً من عصر ما قبل كرمة. على كلٍ فإن ثلاثة تواريخ كربونية بين 4.940 و 4.720 (عيارية)، تعارض هذا التقدير. سنحتفظ بخاصة باحتمال تواريخ عالية بالنسبة لظهور تقنية rippled ware

 

جبانة كدروكة KDK 2: لا زالت قيد الاستخدام. بالتالي فقد عثر على أكثر من ألف مدفن، تم التنقيب فقط في 116 منها. الإسهام الأساسي لهذا الموقع أنه ساعد في تثبيت الترتيب الكرونولوجى، فبالنسبة للعصر الحجري الحديث فقط، يبدو أنه كانت هناك خمسة أطوار من الاستخدام. هذه الكرونولوجيا تعتمد في الأساس على تيبولوجية الفخار التى ثبتت عن طريق الاختلافات في الشكل والزخرف. للأسف، فإن المقابر المؤرخة النادرة، عن طريق الكربون 14، تضعها معاصرة لجبانة كدروكة KDK 1.

 

بربط المعطيات التيبولوجية بالإستراتيجرافية (ترتيب إعادة حفر المقابر)، يمكن تنقيح الكرونولوجيا المطلقة. بالتأكيد فإن التواريخ المطلقة المعطاة معملياً تمثل أبعاد إحصائية (تاريخ خام يعطى مع بعد يعبر في ± س سنوات). من وجهة نظر معملية يمنع مقاربة تاريخين إذا وقعا في نفس البعد. بالنسبة للجبانات المتقاربة في الزمن، فإن التواريخ عادة ما تؤكد بعضها على الآخر، فإن اللجوء للأطوار المحددة عن طريق تيبولوجيا المواد هي من ثم أساسية.

 

جبانة كدروكة KDK1: توفر لنا هذه الجبانة نموذجاً آخرا للكوم الذى سجل بهذا الاسم والذي نقب كلياً. يظهر كتل مستديرة إلى حد بعيد، لكن قطره بلغ ثلاثين متر، وبلغ ارتفاعه 1.50 متر تقريباً. عثر على 142 مدفن، 96 منها من العصر الحجري الحديث و46 نسبت لحضارة كرمة. مع بعض التدمير الذى تعرضت له بعضها فإنها ككل توفر الخريطة الأولى لجبانة من العصر الحجري الحديث بكاملها. تساوق المواد الأثرية الحجرية الحديثة يشير إلى استخدامها على مدى فترة قصيرة (احتمالاً مئة سنة) من قبل مجموعة منفردة. ترتيب الحفر والتوزيع الانتقائي لبعض أنواع الموضوعات يشير إلى الاختلافات الطبقية بين المدفونين ويوفر دليلاً على وجود مجتمع تراتبيي حينها.

 

التنظيم المكاني للمقابر يؤلف تقسيماً إلى مجموعتين Reinold,2000:83. غالبية الحفر توجد في الجزء الأعلى للكوم، بين الخطوط الكونتورية 230.70 متر و 231.10 متر.الباقية، قرابة الربع، وجدت في الجزء الأسفل حوالي 230.20 متر. تشير الملاحظة الأولية إلى توزيع حسب الجنس. المقابر الأعلى عموماً تمثل مدافن للرجال، في حين ان الأسفل تمثل مدافن للنساء.

 

المدافن الموجودة في القمة دائرية الشكل وتضم الأفراد المصحوبين بمواد ثمينة. الأطفال الذين لم يتم تحديد جنسهم دفنوا بطريقة عشوائية في المنطقتين وتؤلف مدافنهم قرابة ربع مجمل المدافن. الأطفال الذين توفوا في عمر مبكر دفنوا بالطقوس ذاتها التى حظي بها البالغون. هذا التقسيم إلى مجموعتين تؤكد عليه ملاحظة الموضوعات الجنائزية. سمحت الظروف الأكثر ملائمة للحفظ هنا، مقارنة بالسودان الأوسط، بتحديد 21 مجموعة من الأدوات المكتشفة.

 

قرابة ثلثي تلك المجموعات يمكن العثور عليها في كل الجبانة. تشمل تلك: قرون أبقار، علب زينة (مصنوعة من أسنان فرس بحر)، بقايا هياكل خراف، أدوات (تتألف من مقبض من العاج مع حجارة قزمية ملصوقة، وجرار بزحرف ملون). من الجانب الثاني، وجدت ثمان مجموعات مواد صنعية، يبدو بعضها لافتاً للانتباه، فقط في مجموعة مدافن كشف عنها في الجزء الأعلى. تشمل تلك المواد الصنعية أدوات زينة مصنوعة من محار بحري، رؤوس صولجان، وكؤوس جنائزية لسكب الخمر على الأضحية، وأشكال على هيئة كؤوس قرابين وهيئة بشرية.

 

ويبدو أن المدافن في المنطقة المرتفعة اتبعت خريطة معينة. يحتل مدفن واحد (سجل رقم KDK1 /131) موقعاً متميزاً بالقرب من وسط التل Reinold,2000:73. الحفر الأخرى رتبت حوله ممتدة إلى الخارج لتشكل دوائر محيطة متخذة من المدفن الأول مركزاً لها. هذا المدفن هو واحد من أكثر المدافن اللافتة للانتباه في المنطقة مع مواد جنائزية تفوق أي من المواد الجنائزية في النوبة أو السودان الأوسط. المدفن يتخذ شكل حفرة دائرية قطرها 1.50 متر حفرت في الارتفاع الأعلى للتل. وكانت هي الحفرة الأكثر عمقاً في الجبانة. في وسط الحفرة وجد هيكل لذكر بالغ، ذو بنية قوية، تجاوز الأربعين من العمر. وضع الجثمان على جانبه الأيمن، وهو أمر غير عادي بالنسبة لهذا الموقع، مقرفص باتجاه شرق/غرب، الجمجمة إلى الشرق والوجه متجه إلى الشمال. غطى الجثمان بجلد ثور واحد أو أكثر ملون بالأصفر. اشتملت زينة المتوفى على سوار ثقيل من العاج يحمي المرفق الأيسر مع ستة أسورة أصغر من العاج في المرفق الأيمن وبعض خرزات من عقيق أنبوبي حول العنق.

 

رتب المتاع الجنائزي في عدة مجموعات، سواء في المناطق المسطحة الموزعة في فاصل الحفرة، أو تلك مباشرة على الجثمان، أو حوله في الحفرة. في الجانب الغربي للمنطقة المسطحة، ارتبط تمثال شبيه بالإنسان من الحجر الرملي بكتلة مشربة بالأصفر. إلى الشمال، تضم المجموعة فأس صغيرة وثلاث صولجانات. المجموعة الشرقية تحتوي على أهم ترسب مع حقيبة زينة، ومقبض أداة من العظم، وإبرة، ونموذج فأس صغيرة من العاج. وتؤلف أربعة صولجانات إلى الجنوب مجموعة أخرى. وضع على الهيكل قرنان لطخا في طرفيهما بلون أبيض، وأداة استخدمت للتمليس، ويد هاون بالإضافة إلى صولجانين آخرين. يرقد المتوفى على طبقة تحوى بعض العناصر النباتية. في الحفرة رتبت خلف الجمجمة كأس (أشبه بكأس قربانية) وقدح مزخرف برسوم. أمام المتوفى وجدت أداتان لتشكيل الفخاريات، واحدة من الديوريت والثانية من حجر رملي إلى جانب جرة. أمام رجليّ المتوفى، حجر طحن من الحجر الرملي مع مشطين من العاج. أخيراً، وضعت ثلاث حاويات فخارية خلف المتوفى، سوياً مع كأسين وجرة كبيرة.  

 

المدافن الأخرى هى وفق معيار خاص يقوم فيه الجنس والوضع التراتبي بدور هام. محتويات المقبرة رقم 131 تكفي لتمييز المدفون وتشير الى أنه عضو هام في هذا المجتمع الزراعي-الرعوي دفن في هذا التل خلال الألفية الخامسة. هذا التجلي للتراتبية الواضحة هو ظاهرة استثنائية.

 

جبانة كدروكة KDK 21 : مع أنها لازالت في طور الاستخدام، فإنها توفر مادة جديدة عن طقوس الطقوس الجنائزية. سمحت هذه الجبانة بحفر وتسجيل 243 مقبرة! لازال الوقت مبكراً لتقديم تحليل لها لكن وصفاً للمعطيات التى توفرها كافياً لإظهار قيمة الموقع.

1) الأول يتعلق بطبيعة تلك التلال، التى نظر إليها، حتى الآن، بوصفها بقايا جزر على مجرى النيل القديم. الكوم KDK 21 نتاج مشاط إنساني، هذه الملاحظة، في مجرى التحليل ومن وجهة نظر الترسبات، مثلها مثل اكتشاف بنيات بقايا احتراق (رماد) وجدت في مستويات مختلفة، تقدم بينة على الزيادات المتعاقبة خلال تكون التل.

2) فيما يتعلق بالتماسك الضروري لتشييد مثل ذلك التل (البالغ حوالي 5000 متر مكعب)، فإنه يضيف الى إمكانية، بدراسة تشققات التقلصات، الكشف عن الأشكال الأصيلة، قبل الزيادات، ما يقدم كرونولوجيا نسبية للغاية لإنشاء الحفر وتأريخ المقابر المختلفة، والتي تتوافق على الأقل مع مرحلتي استخدام، وفقاً للمادة الفخارية.

3) إذا أضفنا الغطاء من الحصى والحجارة الصغيرة، والتي تغطي كتلة الطين المستخدم لتشييد التل، سنجد هناك، أصل التل الفوقي المميز للثقافات السودانية منذ العصر النيوليتى.

4) إعادة استخدام الحفر متكرر مجدداً، لكن منطقة مستطيلة تظل فارغة في الجانب الشرقي. هذا الخروج عن المألوف يتوافق مع وجود شكل من المبنى المشيد من مواد غير فانية، والتي لم تبق منها مخلفات يمكن الكشف عنها. دعونا نتذكر أن جبانة الغابة وفرت منطقة مستطيلة، كانت أيضاً إلى الشرق من الجبانة، خاوية من أية مقبرة. فرضية وجود مبنى مرتبط بالطقوس الجنائزية (سلف مصليات كرمة؟) مثيرة، لكنها تظل غير مثبتة.

5) وجود كتل حجرية (مسلات جنائزية) المرتفعة في جوانب الحفر هو سمة مميزة غير معهودة لهذه المرحلة Reinold,2000:77. تقع في الجزء الشمال الغربي للجبانة. لا بدَّ من التشديد إلى أن تلك العناصر لا تظهر على السطح. كلها بقايا مسلة عادة متداخلة مع المجموعة الأولى والمجموعة الثالثة وكرمة.

6) في العديد من الجبانات اعتدنا أن نجد البقايا الحيوانية (كلاب، وأغنام)، مرتبطة بالمدافن الإنسانية. بالنسبة لـ KDK 21، هناك حفر فردية كل حفرة تحتوي على بقايا كلبين، مدفونين مثل الإنسان (على الجانب وفقاً لمحور شرق/ غرب). بالإضافة، فإن تلك الحفر، من بين أربع رتبت وفقاً للنقاط الرئيسة. ورغم أن وضع الكلب (دوره) غير مفسر بعد فإنه قد يعطي هنا معنىً معيناً، بدون شك أكثر من مجرد كونه مادة قرابينية.

7) تم اكتشاف المقبرة الرئيسة بالنسبة لطور من الطورين، في ارتباط بمجموعة القطاع الشرقي/ الغربي. هنا تحتوي الحفرة على جثمانين (رجل وامرأة) مع وضع الجسدين بما يشير إلى أهمية أكبر للمرأة Reinold,2000:71. يثير هذا تساؤلاً عما إذا كان الرجل يمثل قرباناً في لحظة الدفن؟ العديد من الكؤوس القرابينية وموضوعات أخرى، كان قد تم التعرف عليها ممتلكات رجالية في الجبانة KDK 1، وجدت في KDK 21 مع المدافن النسائية. الدور الأساسي للمرأة، المثبت في KDK 18 ، تم التأكيد عليه هنا. نأمل في أن تؤدي أعمال تنقيب كاملة إلى توفير فهم أكبر للتنوع الملاحظ في تلك الجبانات.

8) فيما يتعلق بالثقافة المادية، دعونا نشير في هذا التقرير المقتضب، إلى الكشف عن تمثال شبه إنسان، من الحجر الرملي مجزع، عثر عليه في قبر شاب دون العشرين من العمر، وكان الموضوع الجنائزي الوحيد في المقبرة. شحذ في البداية، ثم نقر قبل أن يتم صقله كلياً. من الضروري التشديد على أن نقاط التثبيت piquetage لها الطبيعة نفسها الموجودة بداية في المسلات. يميز هذا التمثال نفسه عن كل التماثيل الأخرى في وادي النيل. فالفنان الذى نفذ هذا العمل عرف محدودية المادة وبدون أن تكرار التفاصيل التشريحية تمكن من خلق مثالاً مثير للعواطف لشكل إنساني. ظهرت التماثيل المرتبطة بمفهوم الإلهة الأم في الشرق الأدنى حوالي 8.000 سنة مضت وارتبطت عادة بتقدم الزراعة ونمط حياة الاستقرار. قد يبدو في محتوى الثقافات النيلية، على أية حال، أنها ظهرت خلال فترة كان الناس يمارسون فيها إلى حد بعيد نمطاً حياتياً بدوياً أو شبه بدوي. إضافة فإن الأسلبة القصوى التى تنضح في خصائص الأنثى دون إعادة إنتاج أي من رموز الأعضاء التناسلية الأنثوية تحتاج إلى تفسير. الكشف عن مثل هذا التمثال في غرفة دفن شاب دون العشرين تثير مجدداً العديد من الأسئلة التى تحتاج إلى إجابة.  

 

أربعة تواريخ تم التحصل عليها عن طريق الكربون المترسب يضع طور واحد من أطوار الجبانة في تاريخ محدد للغاية، بين 4.790 و 4.720 ق.م.(عمر عياري).

 

القبر المنعزل كدروكة KDK 151: رغم أنه يرجع إلى تاريخ أكثر حداثة، فإننا سنقدم وصفاً له كقبر منعزل لأنه يقدم طقوساً جنائزية مشتقة مباشرة من تلك الطقوس التى نشأت في العصر الحجري الحديث. كوم من الحصى في سهل، قدم العديد من الخرز المصنوع من بيض النعام، إلى الجنوب من الكوم، أخضع لأعمال مجسات. أعطى الكوم قبراً لفرد دفن في وضع ملتو على جانبه الأيسر، وفق محور شرق/ غرب، الرأس في الجانب الشرقي. خلف ظهره ترسب يحتوي على فأس مصقولة، وشظايا تؤلف في مجملها سكيناً، وملعقتين من العاج، وعدد من متحجرات بطنيات الأقدام (الحقب الثالث Tertiary period). تظهر بعض شقوف الفخار زخرفاً من نوع غير معتاد أشبه ببيض الصدف المميز للمجموعة النوبية الأولى. يعد هذا القبر المنعزل، في السهل، المثال الأول الذى يمكن ربطه بما قبل كرمة.

 

الاستنتاج

مع أن تنفيذ أعمال تنقيب شاملة طبقة إثر طبقة قد تستغرق زمناً طويلاً، فإنه لا مفر من ذلك إن كان لنا أن نحقق فهماً كاملاً لعملية التنظيم الاجتماعي للسكان المعنيين. حتى هذا سيثبت عدم قيمته في تفسير الديموغرافية القديمة.

 

توفر تلك الجبانات الكثير من النقاط المشتركة، بخاصة في مجال الثقافة المادية وتشير إلى عادات مع تنوعها من جبانة إلى أخرى تبدو حبلاً موحداً. الثابت والمتغيرات تترجم فيما يبدو حقيقة سكان متجانسين وتشير إلى تطور سريع لأنظمة اجتماعية للمجموعات الإنسانية. التواريخ المطلقة غير كافية، لتمكيننا من إعطاء تحديد دقيق عما إذا كانت تلك العادات مؤشرات لمعطيات كرونولوجية، يمكنها أن تترجم تطور العادات، أو أنها تتوافق لوجود عدد من المجتمعات في الوقت نفسه منظمة وفق نماذج مختلفة، وفق معطيات إقليمية. على كلٍ، فإن دراسة تجانس المواد الفخارية في المواقع تكشف انه في الغالب نتاج مجموعة سكانية واحدة تعكس بنيات اجتماعية في حالة تحول.

 

في السودان الأوسط بحلول الألفية الثالثة كان هنالك نمو مطرد في المجتمعات الرعوية نتيجة تطورات محلية. في النوبة، تشهد الألفية الثالثة ظهور أول مملكة أفريقية، كرمة. سيظهر التركيب الاجتماعي لجماعات العصر الحجري الحديث أن تلك المملكة هي الخلف المباشر لها. بوصولها إلى ذلك المستوى من التراتب الاجتماعي، فإن تلك المجتمعات الحجرية الحديثة ما عادت تتطور على أساس مبادئها، ولكن وفق نماذج ترتبط بنموها. بالتالي فإنها مقدمة لظهور ممالك.

 

أخيراً من الضروري القول بأن الأبحاث في إقليم دنقلا، تفيد فائدة كبيرة من التعاون الذى أصبح حقيقة بين بعثتنا، وبعثة جامعة جنيفا ومع شارلس بونيه، وبعثة جمعية البحث الآثارى للسودان مع ديريك ويلسبي. واحدة من النتائج المقنعة لهذا الأسلوب للتعاون المتبادل هو إمكانية تتبع تواتر ثقافات ما قبل التاريخ، بدون فجوة كرونولوجية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Reinold, J. 1993, 'Section Française de la Direction des Antiquités du Soudan : Preliminary Report on the 1991/92 and 1992/93 Seasons in the Northern Province' S.A.R.S.5, 33-43.

Reinold, J. 1994, 'Les sépultures primitives de Sedeinga dans le contexe du néolithique soudanais', Hommages à Jean Leclant, BdE 106/2, I.F.A.O., Cairo, 351-60.

Reinold, J. 1997, 'SFDAS : un quart de siècle de coopération archéologique', Kush 17,

Reinold, J. 2000, Archéologie au Soudan – Les civilisations de Nube, Paris.

جاك رينولد كان عضواً ورئيساً للوحدة الفرنسية التابعة لمصلحة الآثار السودانية في الفترة بين 1970- 72 و 1975- 2000. كلف بمشروع البحث  في مواقع العصر الحجري الحديث في إقليم شندي، إلى جانب أعمال المسح الآثاري في النوبة، وأعمال التنقيب في وادي الخوي وأعمال أخرى في السودان ذات صلة بالأعمال المؤقتة الإنقاذية.

 

 


 

مشروع المسح الآثارى لمنطقة الجندل الرابع المهددة بالغرق

 

مدافن تلية في أم رويم ووادي القرين

أسامة عبدالرحمن النور وحسن محمد أحمد خليل بندى

 ترجمة عن الأصل الإنجليزي

El-Nur Ossama and Bandi Hassan: The Potential of the IVth Cataract Archaeological Project 1: Mound Graves at Umm Ruweim and Khor al-Greyn. In: C.Berger, G.Clerc and N.Grimal (assemblers): Hommage à Jean Leclant. IFAO. Le Caire 1994.

 

 

   أم رويم

   خور القرين

   المناقشة

   خاتمة

 

 

قبل سلسلة أعمال المسح الآثارية الأخيرة التى نهضت بها الهيئة العامة للآثار والمتاحف القومية السودانية، سادت في أوساط الباحثين في علم الاثار السودانية قناعات ترى في المنطقة الواقعة بين الجندلين الرابع والخامس امتداداً جغرافياً خاوياً من الآثار، بالتالي إقليماً غير واعد آثارياً خلافاً لبقية أجزاء النوبة العليا (السودانية).

 

بفضل تقارير غير منشورة، كتبها إداريون وأيضاً بعض أهالي المنطقة، وبفضل بعض أبحاث قليلة ذات قيمة علمية نشرت (1)، تبلورت شكوك لديَّ حول مصداقية تلك القناعات السائدة بشأن سلبية المنطقة المعنية آثارياً: هل يجوز، منطقياً، أن يكون أي جزء من وادي النيل، بخاصة عندما يكون جريانه في منطقة سهل فقيرة، مهجوراً دوماً؟

 

اتخذت حكومة الديمقراطية الثالثة قراراً بتكوين لجنة تسيير للإشراف على إجراء دراسة جدوى لقيام مشروع خزان مروي (الحمداب). كانت اللجنة برئاسة وكيل أول وزارة الري والموارد المائية، شملت عضويتها عدداً من مديري المصالح الحكومية ذات الاختصاص كانت الهيئة العامة للآثار والمتاحف القومية من بينها. فتشييد خزان عند الجندل النيلي الرابع يمثل بحق مشروعاً حيوياً بالنسبة للتنمية الاقتصادية في المنطقة، إلا أنه وفي الوقت نفسه يشكل، من الناحية الآثارية، تهديداً باحتمال فقدان جزء من التراث الحضاري للسودان لازالت مخلفاته مدفونة في باطن الأرض لم تصل إليها معاول علماء الآثار بعد. من ثم فإن مشروع تشييد الخزان يمثل تحدياً خطيراً يتوجب على الإدارة العامة للآثار والمتاحف اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية التراث القومي.

 

بهذا الفهم ووفق الفرضية المطروحة والتي تستبعد إمكانية "الخواء الآثارى" للمنطقة، صاغت الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية مشروعاً متكاملاً يهدف إلى إنقاذ تراث المنطقة الآثارى الاثنوغرافي قبل ارتفاع منسوب النيل الذى سيحيلها آثاراً مغمورة ومنسية أبد الدهر. مشروع الإدارة العامة للآثار يهدف البدء في عملية الإنقاذ بوقت كاف مستفيدة من تجربتها الهائلة التى راكمتها خلال حملة إنقاذ النوبة التى كان قد استوجبها مشروع تشييد السد العالي في أسوان. يدعو المشروع إلى ضرورة مشاركة جهات علمية شتى في عملية الإنقاذ. قدمت، بوصفي مديراً عاماً للآثار والمتاحف القومية، المشروع أمام المؤتمر العالمي للدراسات السودانية، الذى نظمه معهد الدراسات الأفريقية الآسيوية بجامعة الخرطوم بالتعاون مع جمعية الدراسات السودانية في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي انعقد بقاعة الشارقة/ جامعة الخرطوم في يناير 1988.

 

في فبراير 1988 قمت بكتابة رسالة مناشدة لمدير عام اليونسكو طالباً منه إعلان منطقة الجندل الرابع كنزاً تراثياً إنسانياً مهدداً بالغرق، ومن ذمَّ استصدار نداءً عالمياً للإسهام في إنقاذ آثار المنطقة بوصفها تراثاً يهم البشرية جمعاء. وقد استجاب مدير عام اليونسكو مشكوراً واتخذ قراراً بإرسال بعثة "تقييم الموقف" لتحديد حجم الإمكانيات الآثارية الكامنة في المنطقة تمهيداً لاستصدار النداء العالمي.

 

شهدت الفترة من مايو 1988 حتى أكتوبر 1989 أعمال تمهيدية شتى تتعلق بالتجهيزات العلمية والمالية للمشروع. في مايو قمت يرافقني د. جاك رينولد، رئيس الوحدة الفرنسية بالإدارة العامة للآثار، بعملية مسح مبدئية لضفتي النيل من كريمة حتى أبي حمد، وفي أكتوبر 1989 بدأ تنفيذ المرحلة الأولى من عملية المسح الآثارى للمنطقة برئاستي من قبل فريق من ضباط الآثار بالإضافة لأعضاء الوحدة الفرنسية. وفي ديسمبر من العام نفسه وصل فريق اليونسكو برئاسة السكرتير الدائم لأكاديمية العلوم الإنسانية البروفسور جين لوكلان Jean Leclant. اطلعت البعثة على النتائج التى توصل إليها فريق عمل الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية، وعلى التقرير المبدئي الذى لخص النتائج. بعدها قام فريق اليونسكو بزيارة ميدانية للمنطقة. وقد قدم البروفسور لوكلان تقريره لمدير عام اليونسكو بعنوان "تقرير عن الدراسة الميدانية لمنطقة الجندل الرابع" لخص فيه النتائج الأساسية المتحصل عليها من قبل فريق الإدارة العامة للآثار والتي أكدتها بعثته ميدانياً. غيرت النتائج جذرياً القناعات السابقة القائلة بفقر المنطقة وعدم واعديتها آثارياً.

 

أدناه نقدم دراسة لمدفنين من ثلاث مدافن تم تنقيبها خلال المرحلة الأولى للمسح الآثارى للمنطقة. أجريت عملية التنقيب كدراسة تمهيدية. المدافن تم الكشف عنها وتنقيبها في أكتوبر 1989. قد تبدو المدافن فقيرة نوعاً ما مقارنة بأخرى ذات ردميات فوقية تلية ضخمة تمَّ تسجيلها في المنطقة. كان اختيارها تحديداً دون غيرها تجنباً للدخول في طويل الأمد قد يتطلبه العمل في التلال الأكبر حجماً. المدافن التى أجري التنقيب فيها تقدم نموذجاً للمدافن في عشرات الجبانات الصغيرة المنتشرة في المنطقة. إنها تؤكد على الحالة الجيدة من الاحتفاظ بالمواد الفانية للقبر، وتسهم بالتالي، بما لا يدع مجالاً للشك، في مسار المناظرة الجارية حول التطور الثقافي في الفترات الختامية لمرحلة ما قبل المسيحية في السودان. والحال كذلك فقد ارتأينا تناول مقبرتين من بين الثلاث التى أجرى التنقيب فيها.

 

أم رويم (شكل 1)

بينما أخذ فريق الإدارة العامة للآثار- الوحدة الفرنسية المشترك في التجمع بمعسكره بمنطقة أم رويم في وادي أبي دوم، كرست أيام معدودات لتدريب ضباط الآثار حديثي التعيين على العمل الميداني المخطط له. تم رسم الخرائب التى سبق أن وصفها في عجالة هـ.ن. شيتيك (2). كما وأجريت أعمال التنقيب في مقبرتين هنا، الأولى بردمية فوقية بالقرب من أم رويم-1- ، والثانية مقبرة مستطيلة شيدت في وسط جبانة بالقرب من أم رويم-2-.

الأولى عبارة عن مقبرة غطتها ردمية فوقية تلية شبه دائرية قطرها 13 متر تقريبا مع امتدا ناتج عن تعرضها للنهب. يبلغ ارتفاعها المتر ونصف المتر. شيدت الردمية بالتراب والرمل والحصى. وضع على حافات الردمية غطاء كثيف من صخر صواني خام على شكل حلقة بيضاوية بغرض حماية تربتها من الانهيال. تعرضت المقبرة للنهب من الجانب الغربي للردمية مما يجعل من الصعوبة بمكان تحديد عما إذا كانت الحلقات بلسان واحد أو بلسانين اثنين، أما اللسان الشرقي فهو مؤكد.

حفر ممر دائري، قطره متر واحد، وعمقه 92 سم، في سطح رملي سابق. يقود هذا الممر الى صف من ألواح حجرية تغطي مدخلاً طوله 120 سم بعرض 54 سم. الحجارة عبارة عن صخور انسلاخية مصدرها المنطقة القريبة من الموقع. وشكلت كتل طينية مادة

شكل-1 umrweim-tomb

لصق للألواح بعضها بالآخر كما يلاحظ ذلك بوضوح في الجانب الشرقي للمدخل. يبدو ان تلك الألواح لم تحرك من مكانها عن طريق الزوار السابقين من اللصوص. يفضي المدخل الى فجوة بيضاوية في الأسفل عمقها يصل الى 90 سم، وطولها 170 سم، وعرضها 140 سم. الأرضية خشبية التسطيح خالية من أي عظم في موقعه الأصلي، مع انه لوحظت بقايا عظمية. يرقد جثمان في وضع ملتو، تمت إزاحته وأخذ رسم له بغرض التدريب.

 

وضع التراب الناجم عن الحفر في شكل حلقة دائرية على السطح الأصلي للأرض. وجدت بقايا موقد في الشمال الشرقي للممر الرأسي. عثر على أجزاء كروية الشكل، خشنة الصناعة، وغير متناسقة البنية، محروقة حرقاً طفيفاً وسط كوم مخروطي الشكل تراكم نتيجة عملية النهب التى تعرض لها المدفن. من هنا فإن انتماء أجزاء الجرة للمجموعة الجنائزية أم للصوص يظل لغزاً غمضاً.

 

خور القرين (شكل 2)

بما أن التنقيب في مدفن أم رويم وردميته الفوقية لم يوفر أية نماذج للفخار ذات قيمة لأغراض الكرونولوجيا، فقد تم اختيار مدفن آخر وسط جبانة تضم حوالي مئة ردمية فوقية في خور القرين. صغر حجم المدفن 6.07 متر 3x متر 57x سم، مع وضوح آثار للنهب بادية من انخفاض في قمة الردمية كان معياراً لاختيار هذا المدفن تحديداً. شيدت الردمية الفوقية مثلها مثل المدفن السابق في أم رويم من التراب المحلي، وحصنت الحافات بدائرة بيضاوية من الحجر  80x60 سم سمكاً من حجر صواني وصخور انسلاخية خام جمعت محلياً.

مدخل المدفن عبارة عن سلم بعتبة أو اثنتين تشكيلهما غير دقيق، متجه من الشرق الى الغرب. اتجاه الفجوة شمال/ جنوب، بطول يبلغ 1.08 متر، وعرض 0.59 متر مع عمق يمتد متراً واحداً. وجدت مقتنيات أثرية في الفجوة داخل مشكاة حفرت في جميع الاتجاهات باستثناء الشرقي منها.

جميع العظام لشخص واحد، وتمت ازالتها، بالتالي ما كانت هناك حاجة لرسمها. ركز اللصوص كالعادة اهتمامهم على الزيمة الشخصية التى تحلي جسم المتوفي. وجدت محتويات المقبرة، المغطاة بالتراب المنهال نتيجة عملية النهب، سالمة في وضعها الأصلي. لن نتناول المقبرة بالوصف المفصل، فقط نقول ان المواد الجنائزية تألفت من مصنوعات فخارية هى:

elgreyn-tomb

شكل 2

1- قدح من الفخار غير منتظم الشكل، وسميك، وثقيل الوزن.

2- قدر من الفخار أشبه بشكل القرع، وجد مليئاً بشظايا حصوية لصخر صواني. يشبه هذا القدر آخر سبق العثور عليه في القدار (3).

3- قارورة من الفخار، صنع كل من العنق والجسم على حدة ومن ثم دمجا.

4- قارورة من الفخار كبيرة، تعرضت لحرق أفقي في الجسم وعمودي في العنق. الجسم والعنق موحدين.

5- قارورة من الفخار كبيرة غير منتظمة الشكل، شكل كل من الجسم والعنق على حدة.

 

يلاحظ أن كل المصنوعات الفخارية المذكورة سوداء أو بنية اللون، وخشبية الصنع، وطفيفة الحرق، ومسقلة بكمية من جزيئات نباتية ومعدنية (مايكا في الغالب) والتى لا تترك مجالاً للشك في الطابع المحلي للصناعة. كل تلك المصنوعات يدوية دون استخدام عجلة الفخاري.

 

الى جانب هذه المصنوعات الفخارية اشتملت مقتنيات القبر على سلة مصنوعة من جريد النخيل وطبق صنع هو الآخر من جريد النخيل بإضافة خرز انبوبي الشكل من الفايانس,

 

المناقشة

يبدو واضحاً، من الوصف أعلاه ان المقبرتين في منطقة الجندل الرابع ترجعان تاريخياً للفترة السابقة مباشرة للمسيحية في السودان، وتنتميان لنوع المقابر في الإقليم الجنوبي للنوبة السودانية (السودان الأوسط) أكثر من انتمائهما لتلك الموجودة في إقليم النوبة الشمالي. نوع القبر الذى تم التنقيب فيه في أم رويم ينتمي لنوع المقابر التى نالت تسمية "خلية النحل". نظائر عديدة لهذا النوع عثر عليها في أزمان سابقة في منطقة الخرطوم * والذى تبعته نماذج أخرى في كل من السبيل، والجريف شرق، والسروراب وأخرى. الشكل الثاني للقبر الملاحظ في خور القرين، مشكاة مجوفة مقطوعة بطريقة متعامدة مع السلم، نجد وصفاً لمئات المقابر المظيرة له في الجريف شرق، والسروراب، والأحامدة، والسقاي، والجيلي، والهوبجي، والكدادة، ومروي، وبدير، وتنقاسي وغيرها.  شكل الردمية الفوقية يدعم فرضينما هذه ويعززها. الردميات الفوقية التى تشكل حماية من انهيال التربة تقام بحلقة حجارة بلسان أو لسانين مستطيلا الشكل أو مربعين، وهو ما تم وصفه على الأقل منذ المسح الآثارى الذى نفذه كراوفورد في عام 1953 في منطقة تمتد من السروراب، والهوبجي، ووادي هوادة حتى تنقاسي والقدار في الشمال على الأقل.

 

هل يمكننا تحديد تاريخ دقيق للمقبرتين "العينة" من الجندل الرابع بالاعتماد على ما تم جمعه من مقتنيات القبرين؟ ينطوى ذلك على مخاطرة كبيرة في الغالب حيث أن فخار المنطقة لم تتم دراسة له اطلاقاً، وحيث أننا لم نلاحظ، بإستثناء تنقاسي، بقايا مواقع استقرار دائم كان بإمكانها مد المناطق الريفية بفخار مصنوع على عجلة الفخاري. بعض الآثاريين الذين يعتقدون بإمكانية التعرف على مصنوعات فخارية من نوع "نموذج علوة" غير المحدد لمجرد ورود ذكر للمصنوعات الفخارية  اليدوية قد يأنسوا في أنفسهم الكفاءة لارجاع تاريخ مقتنيات مقبرتينا الى "فترة ما بعد مروي". آخرون قد يقفزون، من خلال الربط بين القدح والقارورة السوداء، لرؤية أواني طقوسية لسكب الماء أو الخمر على جسد الأضحية، أو رؤية "مائدة قرابين" من خلال القوارير و "جرات الخمر"، بالتالي يرون في تلك المقتنيات تاريخاً يرجع المقبرتين الى فترة "ما بعد الأهرام". ليس في مقدورنا في الوقت الحالي تقديم العون لأصحاب أي من الرؤيتين. تأريخ يعتمد على تقنية الكربون المشع 14 لا نعتقد بأنه سيضيف جديداً للمناقشة حيث أنه أسلوب لا علاقي بالنسبة للحالة الراهنة. يمكن القول بأن مقبرتينا تنتميان لثقافة السودان المتأخرة ما قبل المسيحية، تاركين للمتخصصين مناقشة التواريخ المؤكدة والتطورات الثقافية المحددة. الواضح أن خور القرين يعكس، من حيث شكل القبر ومقتنياته الطقوسية، استمرارية منذ الأزمان المروية، مع أننا نجزم بصعوبة التأكيد على ان مثل هذا النوع من المقابر يمكن تأريخها بصورة قطعية لوقت ما بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين. ابراز مجموعة كاملة للفخار اليدوي الصنع، للفترة الممتدة من ما قبل الى ما بعد "نهاية مروي" شرط مسبق وضروري لن نكون بدونه في وضع يسمح باقتراح تسلسل زمني أكثر تماسكاً.

 

سلسلة من القضايا مطروحة أمام المتخصصين في دراسة المرحلة. الجدير بالملاحظة ان السمات المميزة للمقابر ترتبط بموقعها الجغرافي أكثر منه بتسلسلها الزمني خلال القرون الخمسة الأولى للميلاد. تكونت مقابر النوبة السودانية الشمالية، على امتداد المرحلتين النروية المتأخرة وما بعد المروية، عموماً من حفرة في طبقة الأرض الواقعة تحت التربة مباشرة بهدف بناء حجرة دفن مستطيلة من الطوب. في حدود معارفنا الحالية لم يتم الكشف عن هذه السمة الإقليمية في النوبة السودانية الى الجنوب من الجندل الثالث: يعيد المزارعون النوبيون إنتاج الشكل الأساسي لمسكنهم بالنسبة لمقر موتاهم. أعطت الجزيرة والمنطقة الواقعة مباشرة الى الشمال من ملتقى النيلين في الخرطوم مولداً، في العصر ما بعد المروى، لنموذج المقبرة المعروف باسم "خلية النحل" والذى يبدو بمثابة كوخ دائري تحت الأرض صغير الحجم: مرة أخرى يعاد إنتاج نوع المسكن السائد مقراً للموتى. في منطقتي الخرطوم وشندي نموذج المقبرة الأساسي عبارة عم تجويف بيضاوي الشكل، الوصول إليها إما عبر ممر رأسي عمودي أسطواني الشكل. السؤال المطروح: هل يمكن استخدام أشكال القبر، التى يدوم استخدامها خلال قرون، بواسطة الآثاريين معياراً فاعلاً لتمييز الأقسام المختلفة لسكان وادي النيل ما قبل المسيحية؟

 

تأكيداً، لن نحاول تمييز شعوب مختلفة اعتماداً على متغيرات التقاليد الإقليمية في بناء المدافن. ولن نحاول، أيضاً، على أساس أنواع المقابر، دراسة تحركاتهم عبر منطقة الإمبراطورية المروية السابقة، الموحدة في وقت ما، المفككة تدريجياً الى "إمارات" منفصلة. تكمن الخطورة في إعادة إحياء الفرضيات الرومانسية للتدوين التاريخي الاستعماري للسودان بتفسيراتها العرقية والعنصرية المفتقدة للأدلة. الاستنتاجات الفاقدة لوقائع تدعمها حول تحركات هائلة للقبائل، وتدمير البرابرة (!) للثقافات الحضرية، واختفاء المدن، وأيضاص إنتشار الولع بعادات السكر (وهو ما نقرأ للأسف في بعض الأعمال المعاصرة)، كل ذلك أصبح آيلاً للزوال في السودان كما حدث في أوربا بالنسبة لتفسير انهيار الإمبراطورية الرومانية المعاصر لانهيار مروى.

 

عودة لمنطقة الجندل الرابع، منعزلة وفقيرة، غير جاذبة لسارقي الآثار كما هى شاقة بالنسبة للباحث الآثاري الميداني، نعود لنقترح في هذه اللحظة توجهاً جيديداً للمناظرة المستقبلية حول إشكالية "نهاية مروى". لم نحقق نجاحاً في تسجيل مدن أو قرى من العصر المروى ولا من العصر ما بعد المروى في الامتداد من نوري حتى جزيرة مقرات. قطعاً، لا يعني ذلك عدم وجودها. لكن المسكن الكوخ تصعب ملاحظة بقاياه للمساح الآثاري دون النهوض بحفريات شاملة مثل تلك الجارية حالياً في كل من كرمة (بعثة جامعة جنيفا التى يشرف عليها شارلس يونيه) وسوبا (بعثة المعهد البريطاني بشرق أفريقيا التى يشرف عليها ديريك ويلسبي). سجلنا تلالاً مهولة الحجم في المنطقة، على الأقل في موقعين على الضفة اليسرى للنيل، في حجر البيضة والخزينة (الاسم الأخير في حد ذاته له دلالته)، مشابهة للتلال التى تمت دراستها في تنقاسي والزومة. هذه التلال الردميات الفوقية تشير بصورة تكاد تكون قاطعة الى وجود دولة. لهذه الدولة يمكن أيضاً ارجاع المباني- الخرائب المختلفة. الأخيرة هذه آثار مؤكدة لنشاط ملكي سواء في أبى دوم أو خور الشرقاوي.

 

كل تلك السمات، التى تربط عشرات الجبانات بظواهر هيراركية الدولة، تقودنا الى التفكير في الاقتصاد المعاصر لها بمفاهيم اثنولوجية. أسلوب الاعاشة في هذه المنطقة الفقيرة المنعزلة عن الطرق الرئيسة، كان رعوياً في الأساس خلال الأزمان المروية المتأخرة وما بعد المروية.

 

مثل وجهة النظر التفسيرية المبدئية هذه - فرضية أخرى في هذه المرحلة الأولية لمشروع المسح الآثارى لمنطقة الجندل الرابع - يمكن ان تبرر إنتمائية هذه المنطقة للإقليم الجنوبي أكثر من إنتمائها للإقليم الشمالي للنوبة السودانية التى كانت تتطور في الفترة المروية المتأخرة على قاعدة الزراعة، لكنها تراجعت جزئياً، في الفترة ما بعد المروية، الى اقتصاد تقليدي. تمثل الإمبراطورية المروية، في رؤيتنا، نظاماً سياسياً جامعاً لشعوب اثنية تمارس في الأساس نمطاً رعوياً للحياة كتلة واحدة امتلكت السيطرة على حرية الوصول الى النهر. النوبة كانت الاستثناء، تعود خصوصيتها لجغرافية صحراوية ولاقتصادها ولارتباطاتها السياسية بمصر. ربط نهر النيل، بخاصة حياضه الغنية في مناطق الرعي، سلسلة من الأقسام النهرية. تلك الأقسام كرست جغرافيا لاحتواء الفائض الديموغرافي الناشئ في المحيط السهلي الهش. شكلت تلك الأقسام ملاذاً في أوقات الكوارث والجفاف. تطور الإمبراطورية المروية يمكن رؤيته تاريخاً للتوازن الاقتصادي بين جماعات امتلكت حرية الوصول الى النهر، وأخرى فاقدة لتلك الحرية. يعكس التدوين التاريخي المروي وجهة النظر هذه، حيث تشير معارفنا الى التقيؤات المتكررة في العصر المروي، والمعروفة من سلسلة النقوش التى تعلن استلاب الجزية بالآلاف ومئات الألوف للثروة الحيوانية، التكامل المتحكم فيه، في الفترتين المرويتين الكلاسيكية والنتأخرة، مع النمو الاقتصادي للأقاليم الجنوبية وتقبل قبائل النوبة الوافدة ومع ما يسمى بإعادة تأهيل النوبة مع ادخال الساقية من مصر. كيف كان تأثير الحملات الاكسومية على مثل هذا التوازن التقليدي؟ ما من أحد يستطيع تحديد ذلك حتى اللحظة. حتى عندما نعرف بتحديد ان وادي النيل النوبي فقد في حالة واحدة 165.010 رأس ماشية و 51.050 رأس من الأغنام.

 

خاتمة

يمكن ان يكون التواجد السكاني في منطقة الجندل الرابع خلال العصر ما قبل المسيحي مجالاً نموذجياً لاختبار النظريات الحالية حول "نهاية السيادة المروية". الموقع الجغرافي للإقليم (الجندل الرابع)، كلياً منطقة ملاذ ونقطة اتصال بين سكان الوادى وسكان الصحراء الشرقية وسكان سهل البيوضة الرعاة، يجعلها منطقة فريدى بين أقاليم النيل. الجبانات تعد بالعشرات، احتمالاً ان تكون قرابة المئتين أو الثلاثمائةعلى الضفة اليسرى فقط. أحجامها وكثافتها أقل بالطبع مما هو عليه في الجنوب المروى، لكنها هنا أقل تعرضاً للتشويش وفساد الترتيب. تحتفظ بمقتنيات على درجة عالية بفضل الجفاف في تلك العروض، والتى تتحدى نوعيتها تلك المكتشفة في النوبة. درجة حفظ العظام هى أفضل ما يحلم به الأنثروبولوجي. يمكن لعالم الآثار أن يكتشف، كما في مناطق الساحل الأخرى، مجمل المتاع الجنائزى، ويعثر على تلك المواد التى تتغيب عادة، والمصنوعة من المواد النباتية والحيوانية، السعف والجلود، المصنوعات اليدوية التقليدية للرعاة النيليين. كما وان الثلاثمائة كيلومتر التى تشكل امتداد هذه المنطقة لا تفتقد الى ظواهر مثل المدافن التلية الملكية والمباني، مماثلة لتلك التى تم التعرف عليها مؤخراً أبعد الى الجنوب نتيجة أعمال مصلحة الآثار وشعبة الآثار بجامعة الخرطوم.

 

بالتالي فان أسلوب ورقتنا هذه، الأولى، دعونا نأمل، من سلسلة تهدف الاعلان عن مشروع انقاذ آثار منطقة الجندل الرابع المهددة بالغرق في حالة الشروع في تشييد خزان الحمداب. البعثات المحلية والأجنبية مدعوة للإسهام في هذه الحملة الواعدة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عباس سيد أحمد، "آثار جزيرة مقرات"، السودان في مدونات، العدد 52، الخرطوم 1971، ص. 1- 22.

(2) هـ.ن. شيتيك، أنظر مجلة كوش، العدد 3، الخرطوم 1955، ص. 88- 89.

(3) ج. فيلبس و ك. جريزيمسكي، المسح الآثارى في النوبة العليا، تورونتو 1987، ص. 35.

(*) أنظر النوع الأول لهذا النموذج، وكذلك استخدام المصطلح "خلية النحل" في: مارشال وعبدالرحمن آدم، مجلة كوش، العدد الأول، الخرطوم 1953، ص. 44).

 

جبل البركل ونبتة القديمة

تيموثى كندال

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

جبل البركل هي التسمية العربية الحديثة لجبل مسطح صغير أشبة بالطاولة في الطرف الغربي لمدينة كريمة، السودان. منذ أزمان المملكة المصرية الحديثة (حوالي 1500 ق.م.)، علَّمت هذه الهضبة الصغيرة شديدة الانحدار الحد الجنوبي الأقصى للإمبراطورية المصرية في أفريقيا وكانت موقعاً لمدينة حدودية هامة سميت نبتة (الخريطة). ومع أن هناك مخفر عسكري أمامي فرعوني آخر يقع أبعد بأعلى النيل في كرجس، بالقرب من الجندل الخامس، إلا أن نبتة كانت الإقامة المصرية الأقصى جنوباً والموقع الأبعد لقدسيتها الدينية.

 

لم تكن نبتة في الغالب، بموقعها على الضفة اليمنى للنيل بحوالي 40 كيلومتر أسفل الجندل الرابع، ذات أهمية ميناءً نهرياً، ذلك أن التيار هنا كان سريعاً للغاية بحيث يجعل الإبحار غير عملي. يبدو أن أهميتها تجسدت في موقعها عند نقطة العبور النهرية للطريق البرى الذى يربط منطقة الجندل السادس بالجندل الثالث. كانت ولا شك معبراً نهرياً ومحطة جمركية هامة، تجمعت فيها وخزنت البضائع الأفريقية المختلفة قبل الارتحال شمالاً إلى مصر.

 

مع الوقت، أخذت أهمية نبتة الإستراتيجية في التراجع أمام أهميتها الطقوسية، المشتقة من جبل البركل (الشكل 1). سمى المصريون الصخرة دجو - وااب (الجبل الطاهر) وحددوه بوصفه مكان الإقامة للهيئة البدئية لإله دولتهم آمون الكرنكى، الذى سكن في طيبة، على بعد حوالي 1150 كيلو متر إلى الشمال من البركل. اللافت للنظر، أن المصريين تصوروا جبل البركل امتداداً بعيداً للكرنك واعتقدوا أن كلا الموقعين، البركل والكرنك، كانا بمثابة تجليين أحدهما للآخر. آمون الكرنكى، على سبيل المثال، سمي دوماً بـ "سيد تاجي الأرضين". لكن عندما اكتشف المصريون جبل البركل، قرروا، "قبل أن يصبح معروفاً لدى الناس"، أن اسم الجبل كان " تاجا الأرضين". بكلمات أخرى، نُظر للجبل بوصفه مصدراً لـ اللقب الأقدم للإله، ومصدراً لاسم الكرنك. هذا الاختراع التاريخى سمح للمصريين تعريف جبل البركل بالكرنك، وبالعكس، وان يتصوروا هذا التل البعيد في النوبة بوصفه المنزل الأصلي للإله، معلنين في الوقت نفسه أن الإله قد ظهر بداية في طيبة! حتى معابد الإله في الكرنك وفي نبتة حملت الاسم نفسه: ابيت- سوت ("مقدس التاجين")، مما سمح للخلط، لأغراض دينية، بين تلك المعابد. هذه الدوغما الجديدة ثبتت آمون بوصفه السيد المقدس لكل من النوبة العليا وكل الإمبراطورية المصرية النوبية، مع نبتة وطيبة بوصفهما قطبي عبادته. حتى اسم نبتة نفسه، واللقب المحلى لإلهها - "آمون النبتي" (امن نبت) - قد يكون استنبط ليشكل تلاعباً لفظياً مع الأسماء الأخرى الشائعة للإله الطيبى، مثل "آمون، سيد السماء" (امن نب- بت) و "آمون المقدس" (امن ابت). قد يكون ذلك ما عزز لاحقاً فكرة أن نبتة وطيبة، والآلهة العظام في كل منهما، كانوا في الواقع متطابقين.

 

اعتقد المصريون بأن آمون النبتي سكن في داخل الجبل، خلف المنحدر الصخري الشاهق، مخفياً عن الرؤية القاتلة. شيدوا كذلك معابده وأيضاً معابد الآلهة الآخرين المرتبطين به مباشرة أمام المنحدر الصخري الشاهق، مع محاورها متجهة إلى الجبل (الشكلان 2 و3). في الأزمان اللاحقة سيكون هناك معبدان كبيران شيدا أمام جبل البركل، الأول مكرس للهيئة الجنوبية لآمون (B 500) والآخر لهيئته الشمالية (B 800). الوضع نفسه يصح بالنسبة لطيبة، مع معبد الكرنك مكرساً للهيئة الشمالية، ومعبد الأقصر للهيئة الجنوبية.

 

سمة لافتة للانتباه في طبيعة آمون كانت هي قدرته على امتصاص هُويَّات وكينونات الآلهة الآخرين في كينونته، التى كانت "مختفية"؛ لاسم آمون عنى، في الواقع، "المختفي". وكما بدأ الصعود السياسي لطيبة، حتى في الأسرة الحادية عشر، تزايدت أهمية إلهها كذلك. عندما وحد الملوك، أبناؤه، مصر في المملكة المصرية الوسطى المبكرة، أصبح الإله آمون "ملك الآلهة". لم يعلو آمون على الآلهة العظام، لكنه أصبح هو ببساطة "هم"،  مما نتج عنه ان كل واحد من الآلهة العظام نُظر إليه بوصفه واحداً من تجليات آمون. مع الوقت، بالتالي، نال آمون هوية وكينونة رع- آمون،  الخالق البدئي واله الشمس الهليوبولسى. جعله هذا أباً للآلهة. عنى هذا، أيضاً، انه كان الشمس المؤلهة في كافة أشكاله الأخرى؛ رع، وخورآختى، وخبرى. امتزج آمون أيضاً بالمعبودين التناسليين مين وأوزريس، الهى الخصوبة والفيضان، واستولى على وظائفهما. كان آمون في ذات المظهر التناسلي (الفالوسى)، معروف باسم كاموتف، "ثور والدته"، مما يلمح إلى قدرته في إعادة خلق ذاته ابناً لنفسه الملك (الذى كان هو "الثور" (كا) والذات الإلهية "الثنائية" (كا). عندما يموت الملك، يمتزج مع الإله ليصبح بالتالي أباً لذاته (كا = "فالوس" = جداً أعلى)، تحبل به الإلهة موت ("الأم")، التى كانت زوجة للإله إلى جانب كونها "والدة" الملك المقدسة.

 

عادة يصور آمون بوصفه رجلاً، يلبس تنورة وتاجاً طويلاً بريشتين. وبالقدر نفسه يظهر متوجاً، في هيئة رجل محنط، بعضو تناسلي منتصب، الذى هو شكله بوصفه كاموتف. عندما اكتشف المصريون جبل البركل وربطوا الجبل بآمون، أخذوا في تصوير الأخير بطريقة ثالثة: كرجل برأس كبش (الشكل 4). هناك الآن بينة آثارية متزايدة تشير إلى انه وقبل مجئ المصريين إلى هذه المنطقة، كان النوبيون يبجلون إلهاً بهُويًّة كبش. آخذين في الحسبان قدرة آمون على امتصاص كل الآلهة المصريين المهمين في كينونته الذاتية، فإن هيئة آمون برأس كبش تشير إلى أن المعبود الطيبى امتص في ذاته نظيره النوبي، الذى كان متطابقاً مع آمون في أزمان أسبق. باستثناء عصر إخناتون، عندما فرض الحظر على عبادة آمون، أصبح آمون الإله الشامل الذى تعبد فيه كافة الآلهة، أصبح جبل البركل أحد أهم مراكز عبادته. في الأزمان الإغريقية الرومانية، عد آمون ببساطة شكلاً من أشكال زيوس- جوبيتر، ونسبت الأساطير حينها انه والآلهة الآخرون قاموا بزيارات متكررة للنوبة، حيث يقال بأن الخلق قد تمَّ هناك وحيث أن الرجال كانوا هم الأوائل الذين تعلموا تبجيل الإله.

 

احتمالاً في وقت سابق لتعرف المصريين على جبل البركل، كان النوبيون، أيضاً، قد عدوا المكان مقدساً. رغم انه لم يتم الكشف بعد عن آثار إقامة أو بقايا طقوسية في المرحلة السابقة لوصول المصريين، فإن الفخار النوبي الذى يعود تاريخه إلى العصر الحجري الحديث، وعصر ما قبل كرمة، وعصر كرمة قد تمَّ الكشف عنه في طبقات غير مثبتة ستراتيجرافيا. يشير هذا إلى أن الموقع لا بدَّ وانه كان مأهولاً على الأقل منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد. الكشف في قمة جبل البركل عن الآلاف من الرقائق الحجرية المهشمة، والمصنوعة من نوع حجارة لا يمكن الحصول عليها إلا من سطح الصحراء، يشير إلى أن الناسيس جلبوا الحجارة إلى القمة لتصنيعها، وهو نشاط قد يحتوى على حافز ديني. بالمثل، التشابه بين المعبد في البركل، كما يظهر في المرحلتين المصرية والكوشية، وفي مرحلة كرمة، كما ظهرت في نهاية طور كرمة الكلاسيكي، قد يشير إلى وجود علاقة طقوسية فيما قبل وصول المصريين بين جبل البركل و"الدفوفة الغربية" في كرمة. توجد على الأقل إمكانية أن الأخيرة، مستطيل مسطح شبه جبلي يبلغ ارتفاعه 19 متر ومشيد بالطوب، قد شيدت في كرمة بديلاً سحرياً أو "نظيراً ثانياً" لجبل البركل. على كلٍ، فقد تم تشييد مركب للمعابد أمام بعضها البعض، ونُظر لكل واحد منها مكاناً لإله قوى.

 

 ليس من شك في أن المصريين، واحتمالا النوبيين المبكرين، ألصقوا أهمية مقدسة بجبل البركل نسبة  لشكله الشاذ. لم يكن التل منعزلاً فحسب في وسط صحراء مسطحة وتميز بمنحدر صخري شاهق، يبلغ ارتفاعه 90 متراً و200 متراً في الطول، ولكن ركنه الجنوبي الغربي عُلمَّ ببرج هائل يقف منفصلاً، يبلغ حوالي 75 متراً في الارتفاع (شكل 5). هذا الحجر الضخم الواقف على شكل عمود أو مسلة (منليث) يحمل مظهر تمثال، لكن بلا شكل محدد، وقد يجوز تخيل أنه بالفعل كذلك. من جانب، يمكن النظر إليه بوصفه تمثالاً لملك أو إله واقف، يلبس التاج الأبيض. ويمكن النظر إليه عضواً تناسلياً (فالوس) منتصباً. ويمكن أيضاً النظر إليه كوبرا منتصبة عمودياً (صلاً) يضع التاج الأبيض على رأسه. تكشف الوثائق القديمة، المكتوب منها والمصور، أن الصخرة قد تمََ تخيلها بكل تلك الصور التى  أوردناها ومن ثم قدست مصدراً لقوة إلهية لكل ما تمثله من أشياء مختلفة. كشكل إنساني يلبس تاجاً، فإنها قد تمثل الملك الحي أو السلف الملكي الأبعد، أو الإله نفسه. كعضو تناسلي، يمثل آمون بوصفه أباً مُنجباً. كصلٍ، يمثل القدرة الخلاقة  لأية ولكل إلهة ولكل أنثى. كانت الصخرة بالتالي أباً، وأماً، وطفلاً ملكياً ممتزجة في كل واحد - الذى يعنى ظاهرياً المعنى الفعلي لـ "كاموتف". أكدَّ جبل البركل، عن طريق برجه الصخرة الواقف على شكل عمود أو مسلة، ليس فحسب وجود آمون، بل انه يمتلك بالفعل شكل التل البدئي للتقليد المصري، الذى ينظر فيه للخالق وقد ظهر في بداية الزمن وولد الآلهة الأول عن طريق العادة السرية.

 

حتى يومنا هذا، فإن الحجارة الطبيعية، ذات الشكل الأشبه بالعضو التناسلي، تتم مطابقتها لدى شعوب السودان الوثنية التقليدية بالثعابين وبالأسلاف وتعبد كمصادر للطاقة الاستيلادية. كان جبل البركل بالتحديد مكاناً مثل هذا، ولا بدَّ وان يكون الحجم الهائل لصخرته الواقفة على شكل عمود أو مسلة قد قبع في أساس تحوله إلى مركز رئيس ومؤثر في الطقوس الوثنية، احتمالا منذ الأزمان ما قبل التاريخية. ولا بدَّ وان المصريين كانوا قد تقبلوا أولوية الموقع وأقدميته، ذلك أنهم جعلوا آمون هذا المكان "الإله العظيم لكل العصور، الواحد البدئي".

 

لاحظ الرحالة الأوربيون جبل البركل للمرة الأولى في عام 1820 وتعرفوا بطريقة صحيحة على الأطلال المحيطة به بوصفها أطلال نبتة القديمة، والتي كانت عالقة في الذاكرة حينها عن طريق النصوص الكلاسيكية بوصفها كانت موضوعاً للحملة الرومانية في عام 24 ق.م. في العقود اللاحقة، زار رحالة آخرون الموقع وقدموا وصفاً له وجلبوا تماثيل وآثاراً منقوشة بالكتابات من هنا للمتاحف في القاهرة، ولندن، وبرلين. مسلة النصر العظيم للملك بيَّا، والتي وجدت هنا في عام 1862، أثارت زوبعة عندما ترجمت للمرة الأولى، وحفزت فيردى لوضع اوبرا " عايدة" في عام 1874. إلى جانب تأكيد هذه المسلة على حقيقة احتلال الملوك "الإثيوبيين" (الكوشيين) لمصر في القرن الثامن ق.م.، فقد كشفت أربع مسلات أخرى وجدت معها عن انه وفي منتصف الألفية الأولى السابقة للميلاد،  ظلت نبته وجبل  البركل مركزاً رئيساً للعبادة وللتتويج في مملكة كوش المستقلة.

 

هكذا ظل الحال إلى  الأعوام 1916 حتى 1920، حينها بدأت أولى أعمال التنقيب العلمية في جبل البركل. دعمت تلك الأعمال بالتمويل المادي من جامعة هارفارد ومتحف بوسطن للفنون الجميلة، وأشرف عليها جورج ريزنر (الشكل 6). بعد التنقيب في خمسة وعشرين مدفناً هرمياً صغيراً إلى الغرب من الجبل، عمل ريزنر في مركب المعابد، وكشف عن سبعة معابد وقصرين، كاشفاً عن المزيد من النقوش التاريخية والتماثيل الأكثر أهمية (الشكل 7). في وقت متزامن نقب ريزنر في جبانتين قريبتين، الكرو ونورى. وجد في هاتين الجبانتين الأخيرتين، مدافن الملوك الخمسة الذين حكموا مصر  وأسسوا أسرتها الخامسة والعشرين، إلى جانب مدافن ملكاتهم، وأسلافهم والتي يرجع تاريخها إلى القرن التاسع ق.م. وخلفائهم إلى القرن الثالث. وفي عام 1920 وسع ريزنر أعماله أبعد إلى الجنوب إلى مروى (البجراوية- المترجم)، ونقب كل الأهرام في محاولته تتبع الأسماء غير المعروفة والتواترات للحكام الكوشيين حتى نهاية القرن الميلادي الرابع. لقد كان ذلك العمل واحد من أعظم الإنجازات في مجال علم الآثار الحديث.

 

مع أن ريزنر اكتشف القليل من مسلات المملكة الحديثة وتماثيلها في جبل البركل، فإن بقايا المعابد الفرعونية لم تبق باستثناء أساسات بعض مباني المعابد الفرعونية. الجزء الأعظم مما تبقى من أطلال في الموقع يرجع إلى الفترة ما بعد منتصف القرن الثامن ق.م.، وهو الوقت الذى أصبحت فيه نبتة المركز الديني الرئيس للدولة السودانوية التى نعرف شيئاً عنها.  على مدى ستة عقود (تقريباً 712 - 661 ق.م.) فرضت كوش حكمها على مصر، ويصبح الآن أكثر وضوحاً أنه، رغم أن الكوشيين ما كانوا من أصول مصرية، إلا أنهم كانوا قادرين على تبرير ادعاءاتهم على العرش المصري عن طريق العلاقات الطقوسية التى وجدت بين الكرنك وجبل البركل خلال المملكة الحديثة. علينا أن نتشكك حالياً عما إذا كان  "تمصير" الملوك الكوشيين وتوحيدهم المبدئي لمصر العليا والنوبة بفعل خطط مبرمجة إلى حد بعيد مع كهنة آمون. أهدافهم لا بد وأنها كانت، تحقيق إعادة التوحد، بعد ثلاثة قرون، ليس فقط بين موقعين مقدسين لإله لكن لمجمل إمبراطوريته الجنوبية. ثانياً؛ أنهم سعوا إلى استعادة " الملكية الحقيقية لمصر العليا" والتي اختفت بعد الأسرة 20. وثالثاً، أنهم سعوا إلى استعادة أيام مجد المملكة الحديثة.  

 

الحكم الكوشي ما قدر له أن يدوم. في عام 661 ق.م.، دحر الكوشيون عن مصر، بعيداً إلى موطنهم، من جانب الغزاة الآشوريين. باستقرارهم في خاتمة المطاف في مروى، إلى الجنوب الشرقي من نبتة، ثبتوا مملكتهم في الجنوب البعيد، على مدى ألفية لاحقة. خلال معظم هذا الامتداد الزمني، على كلٍ، بخاصة خلال العصر النبتي (حوالي 661- 280 ق.م.)، ظل جبل البركل المركز الديني الأساسي للمملكة، ومن نبتي ادعى الملوك شرعيتهم في الحكم. هناك نفذ الحكام مشاريعهم المعمارية والتي استمرت على الأقل حتى القرن الميلادي الأول. كان معبد آمون احتمالاً هو الحافظ دوماً للمعرفة، والأدب الديني والتوثيق التاريخى. كما و لا بدَّ انه كان المتحف القومي للمملكة، ملئ بما يحتويه من تماثيل، وآثار، ونقوش بارزة تصور التاريخ المحتفي به لكوش ويربطها مباشرة بالمراحل المبكرة لفراعنة المملكة الحديثة، الذين عدهم الحكام الكوشيون "أسلافاً" لهم.

 

على امتداد تاريخ كوش، يبدو أن جبل البركل كان المركز الرئيس للتتويج الملكي والطقوس الملوكية. لقرون حضر كل ملك جديد لكوش إلى جبل البركل لتعزيز شرعيته وتتويجه عن طريق الإله الذى يسكن داخل الجبل، كما فعل بالتحديد الملوك في عصر المملكة الحديثة. على امتداد فترة حكمه قام كل ملك كوشي باستشارة الوحي الإلهي في شئون الدولة وإدارة الحرب. حتى وقت مبكر من القرن الثالث ق.م. يقال بأن الوحي نفسه كان يقوم بإخطار الملك عن طريق رسالة بموعد انتهاء فترة حكمه، مصدراً الأمر له بتنفيذ الانتحار. هذا التقليد تمَّ إلغاءه عن طريق الملك ارجمنيس (أركامانى)، الذى أخذ الأمر بيديه عندما صدر له الأمر بالانتحار، فقاد قواته إلى المعبد وقتل الكهنة. صحة هذا التقليد تشير إليها حقيقة انه حتى القرن الثالث ق.م.، سافر الملوك مسافة 230 كيلومتر من مروى إلى نبتة ليدفنوا في أهرام شيدت لهم عبر النهر بمواجه جبل البركل في نورى (الشكل 8). آخذين في الحسبان وجود معبد في الوادي، غالباً لغرض التحنيط، يجوز للمرء أن يفترض أن معظم الملوك قاموا بالرحلة إلى الجبانة وهم لازالوا أحياءً.

 

في عام 24 ق.م.، هوجمت نبتة، ودمرت، و"سويت بالأرض" عن طريق الجيش الرومانى. يبدو ان هذا الحدث هو الذى حث على آخر عملية ترميم لمعابد البركل عن طريق الثنائي الملكي المروى نتكامانى وأمانى تارى في القرن الميلادي الأول. المؤسف انه بعد حكمهما الثنائي، فإننا لا نعرف شيئاً عن الموقع أو استخدامه المستمر. تاريخ الموقع في العصرين المروى المتأخر وما بعد المروى (حوالي 100- 600 ميلادية) غامض. بعد تأسيس المملكة الدنقلاوية المسيحية المغرة، ضمت نبتة القديمة ومعابد جبل البركل إلى قرية مسيحية.

 

ــــــــــــــــــــــ

1. See Vivian Davies, "New Fieldwork at Kurgus: The Pharaonic Inscriptions," Sudan & Nubia 2 (1998), 26-30.

2. See G. A, Reisner, "Inscribed Monuments from Gebel Barkal, Part 2:  The Granite Stela of Thutmose III,"  Zeitschrift für Agyptische Sprache und Altertumskunde (henceforth ZؤS) 69 (1933), 35, l. 33.  See also Idem, "Inscribed Monuments from Gebel Barkal, Part 3: The Stela of Sety I," ZؤS 69 (1933), 73-78, in which Amun of Gebel Barkal is called "Lord of the Thrones of the Two Lands" and "[Lord of the Thrones of the Two Lands], who is in the Pure Mountain."
3. See, for example, J.-C. Golvin and J.-C. Goyon, Les batisseurs de Karnak (Paris;1984), pp. 28 ff.
4. On the south wall of the Great Temple of Abu Simbel, the god Amun "Lord of the Thrones of the Two Lands who is in Ipet-sut" appears sitting inside Gebel Barkal.  See the archive of the 1905-1907 Breasted Expeditions to Egypt and the Sudan at http://www-oi.uchicago.edu/ OI/MUS/PA/EGYPT/BEES/BEES.html (Photo P 2428/OI 1491).  In his Dream Stele, Tanwetamani refers to Amun of Gebel Barkal as "Lord of the Throne of the Two Lands, who is in Ipet-sut" (See T. Eide, T. Hنgg, R.H. Pierce, and L. Tِrِk, eds., Fontes Historiae Nubiorum, vol. I (Bergen: 1994), 193 (Henceforth, "FHN"); Harsiotef refers to the great temple at Barkal as "the Ipet-sut of Amun of Napata" (FHN II, p. 444); and Nastasen refers to it as "the Ipet-sut of gold¹ (FHN II, p. 480). Although it is never stated, Gebel Barkal was probably conceived as a ka or "double" of Karnak.  In the Barkal Stele of Thutmose III, Amun of Gebel Barkal is called the ka of Amun of Karnak. See Reisner, ZؤS 69. 28, l. 2.
5. Note that Imn-ipt and Imn nb pt are common names of the Amun of Luxor Temple: see P. Pamminger, "Amun und Luxor:  Der Widder und das Kultbild," Beitrنge zur Sudanforschung 5 (1992), 5 ff. and Helmut Brunner, Die südliche Rنume des Tempels von Luxor (Mainz: 1977), p. 75.  This strongly suggests that Luxor, the "southern Ipet," was really a magical substitute for Gebel Barkal, which must have been the true "southern Ipet" and home of the god¹s ka.  See also Lanny Bell, "Luxor Temple and the Cult of the Royal Ka," Journal of Near Eastern Studies 44 (1985), 251-294; and idem, "The New Kingdom ŒDivine¹ Temple: The Example of Luxor," in B.E. Shafer, ed., Temples of Ancient Egypt (Ithaca, NY: 1997), pp. 127-184..  There is even a Luxor Amun  ("Amun-em-ipet") at Gebel Barkal: see FHN II, 464.
6. From the reign of Thutmose III the god of Gebel Barkal was routinely called "(he) who dwells within Pure Mountain."  See Reisner ZؤS 69, p. 25, and see note 2. 
7. The first instance accompanies the Kurgus inscription of Thutmose I, which probably dates to the period shortly after the Egyptians observed Gebel Barkal for the first time.  See Davies, Sudan & Nubia 2 (1998), 27.
8. See summary of data and references in T. Kendall, Kerma and the Kingdom of Kush, 2500-1500 BC:  The Archaeological Discovery of an Ancient Nubian Empire (Washington: 1997), pp. 75-81, and L. Tِrِk, The Kingdom of Kush: Handbook of the Napatan-Meroitic Civilization (Leiden: 1997), pp. 303-309.
9. J.R.Anderson and K. Grzymski, "Sudan: Land of the Hidden Temples," Rotunda 34  (Summer/Fall, 2001),  22-29.
10. Diodorus Siculus 3. 2. 2; and see FHN II, 644.  See also Oric Bates, The Eastern Libyans, An Essay (London: reprint 1970), pp. 187-200.
11. In 1989 and 1996, the MFA Boston Expedition found many such early varieties of potsherds mixed with later debris in the sanctuary as well as on the western cliff of Gebel Barkal, just outside the mouth of a shallow cave where there was an outcropping of kaolinite.  Kerma sherds were found in small numbers in Reisner¹s dump from debris of the kitchen area of the Napatan palace B 1200.  See T. Kendall, "Excavations at Gebel Barkal, 1996: Report of the Museum of Fine Arts, Boston, Sudan Mission," Kush 17 (1997), 336.
12. Noted in 1988 by Isabella Caneva for the Italian Mission of the University of Rome "La Sapienza."
13. Suggested in Kendall, Kerma and the Kingdom of Kush, p. 79, and  see C. Bonnet, Kerma, royaume de Nubie (Geneva: 1990), pp. 32, 59-67.
14. See, for example, R.T. Rundle Clark, Myth and Symbol in Ancient Egypt (London: 1991), pp. 36-44.
15. A.R.C. Bolton, "The Dubab and Nuba of Jebel Daier," Sudan Notes and Records 19 (1936), 92-108, and G. Bell, "Notes: Nuba Fertility Stones," Sudan Notes and Records 19 (1936), 314-316.
16. Reisner, ZؤS 69, 37, l. 43.
17. F. Cailliaud, Voyage à Meroé au Fleuve Blanc au-delà de Fazoqlٹv.II (Paris: 1826), p. 43; v. III, pp. 226-227; A.H. L. Heren, Historical Researches into the Politics, Intercourse, Trade of the Carthaginians, Ethiopians and Egyptians v. I (Oxford: 1832), pp. 429-430.
18. See L. Tِrِk, The Kingdom of Kush, pp. 7-20; R. G. Morkot, The Black Pharaohs: Egypt¹s Nubian Rulers (London: 2000), pp. 8-22; T. Kendall, "The American Discovery of Meroitic Nubia and the Sudan" in Nancy Thomas, ed. The American Discovery of Ancient Egypt Essays (Los Angeles:  L.A. County Museum of Art, 1996), 151-164.
19. FHN I, pp. 232 ff; 252 ff; 259 ff; II, pp. 438 ff; E.A.Wallis Budge, Egyptian Literature, vol. II:  Annals of Nubian Kings (London: 1912); N.-C. Grimal, Quatre stèles napatéens au Musée du Caire JE 48863-48866 (Cairo: 1981).
20. Ibid., p. 155-157 and references; and see G.A. Reisner, "The Barkal Temples in 1916 (Part I),"  JEA 4 (1917), 213-227; idem, Part II,  JEA  5 (1918), 99-112; idem, Part III,  JEA 6 (1920), 247-264; and D. Dunham, The Barkal Temples (Boston: 1970).
21. D. Dunham, The Royal Cemteries of Kush, I:  El-Kurru (Boston: 1950); idem, The Royal Cemteries of Kush, II: Nuri (Boston: 1955).
22. D. Dunham, The Royal Cemteries of Kush, IV:  The Royal Tombs at Meroe and Barkal (Boston: 1957).
23. See following article:  "Gebel Barkal:  Nubian Center of Creation and Legendary Source of Egyptian Kingship and the Crown."  Herodotus ii. 29. 7.  See FHN I, p. 308.
24. Diodorus 3. 6. 1-4.  See FHN II, p. 647.
25. See note 20.

الأشكال

الخريطة: تظهر جبل البركل، ونبتة، وكريمة، ومروى، وصنم، وكرمة، والشلال الثالث، والشلال الرابع، والشلال الخامس، والشلال السادس، وكرجس، ومروى(البجراوية).

الشكل 1: منظر من الجو لجبل البركل، مع مدينة كريمة الحديثة، السودان، على يمين الصورة (الشمال الشرقي). بعد احتلالهم للنوبة العليا، حوالي 1500 ق.م.، طابق المصريون هذا الجبل المنعزل الغريب بالتل البدئي للميثولوجيا المصرية. هنا، وفق اعتقادهم، أظهر الإله الخالق نفسه للمرة الأولى وولد الآلهة الآخرين، والشمس، والملكية نفسها. وشيد المصريون مركب معابد أمام الصخرة الشاهقة الواقفة على شكل عمود أو مسلة ومدينة نبتة على ضفة النيل. الأهرام الملكية المروية يمكن رؤيتها في الصحراء الى اليسار في الصورة: الشكر لإنريكو فيروريللى والجمعية الجغرافية الوطنية.

الشكل 2: صورة جوية لمعبد جبل البركل (القطاع الغربي)، كما كشفت عنه أعمال التنقيب. معظم المباني لها أساسات يرجع تاريخها إلى المملكة الحديثة، لكن الأطلال الواضحة يعود تاريخ معظمها إلى عصر مملكة كوش المتأخرة (حوالي 800 ق.م.- 350 ميلادية). المباني هي:(B 500) المعبد الكبير لآمون النبتي، (B 800) معبد آمون الكرنكى،  (B 700) معبد آمون الأوزريسى، وديدون،  والملوك المتوفين، (B 600) معبد الملك الحي أو الكا الملكية[؟]، (B 1200) القصر المبكر، (B 1100) بر- اور أو البيت الكبير أو معبد التتويج، (B 1150) بر - نسر ["بيت الشعلة"] أو معبد إلهة الصل الملكي "عين حورس"، (B 300) معبد موت، "عين رع"، (B 200) معبد هاثور، "عين رع". الشكر على الصورة لإنريكو فيروريللى والجمعية الجغرافية الوطنية.

الشكل 3: منظر إعادة صيانة معابد جبل البركل. من اليمين إلى اليسار، B 1200, B 200, B 800, B 700, B 600, B 500. الناقص B 1150, B 1100 المكتشفين في عام 1996، والذين قد يحجبا منظر B 300, B 200. الرسم الحاسوبى نفذه رايزمان، لمتحف بوسطن للفنون الجميلة.

الشكل 4: آمون جبل البركل بهيئة رجل برأس كبش، يمنح التاج إلى ملك حي. من مسلة الملك بيَّا (حوالي 744- 712 ق.م.) محفوظة الآن في متحف جبل البركل، كريمة، السودان.

الشكل 5: منظر جوى لجبل البركل، من الشمال الشرقي، مع مدينة كريمة في الخلفية وأطلال معبد آمون في اليمين. الصخرة ذات الشكل الفالوسى ، والتي في حالة إضاءة معينة ومن زوايا محددة قد تبدو كتمثال ملكي وكذلك كصل يقف عمودياً بتاجه، وهو ما أعطى الجبل ارتباطاته الدينية المركبة: الشكر على الصورة لإنريكو فيروريللى والجمعية الجغرافية الوطنية.

الشكل 6: جورج ريزنر (1867- 1942)، مدير بعثة جامعة هارفارد ومتحف بوسطن للفنون الجميلة إلى جبل البركل. الشكر على الصورة لمتحف بوسطن للفنون الجميلة.

الشكل 7: تمثالان ضخمان للملكين الكوشيين أنلامانى (اليسار) وأسبالتا (اليمين)، عثر عليهما ريزنر في جبل البركل، معروضان حالياً في متحف بوسطن للفنون الجميلة. هذا التمثالان جزء من آثار رائعة من حفريات ريزنر تم اقتسامها الآن بين متحف بوسطن والمتحف القومي للآثار في الخرطوم.

الشكل 8: صورة جوية لأهرام نورى، من الجنوب الشرقي. أسست الجبانة عن طريق الملك تهارقا (حوالي 690- 664 ق.م.) واستخدمها كل خلفائه وملكاتهم باستثناء واحد حتى بدايات القرن الثالث ق.م. الأهرام على الضفة المواجهة لجبل البركل حوالي 10 كيلو متر إلى الشمال الشرقي، ويمكن مشاهدتها من على قمة جبل البركل.  الشكر على الصورة لإنريكو فيروريللى والجمعية الجغرافية الوطنية.