رؤية أنثروبولوجية لأزمة الســــودان الماثلة

أسامة عبدالرحمن النور

1999/11/25

 

 

 

 

مقدمة

تبذل في هذه الورقة محاولة لتتبع جذور الأزمة الحالية التي يمر بها السودان والتي تكاد تعصف بوحدته أرضاً وشعباً. و كان د. أسامة عبد الرحمن النور قد قدم هذه الورقة في الملتقى الثقافي الذى يقيمه دورياً المركز القومي للبحوث والدراسات القومي في طرابلس وذلك في إطار تفعيل المبادرة الليبية التي تمخض عنها إعلان طرابلس في أغسطس 1999. وكان من نتائج المحاضرة تشكيل لجنة تمهيدية للفاعليات الشعبية بالجماهيرية والدعوة إلى ملتقى جماهيري تحت شعار "الوحدة في التنوع" قدمت فيه أوراق عمل من قبل الأكادبمببن والباحثين والمثقفين السودانيين المتواجدين في الجماهيرية دعماً للسلام في السودان انعقد بقاعة الشعب في طرابلس في الفترة 25-26 نوفمبر1999  بحضور السادة سفراء مصر و يوغندا و اريتريا و السودان و أمين عام دول الساحل والصحراء والأخ سليمان الشحومى أمين الاتصال الخارجي بمؤتمر الشعب العام وما يزيد عن الألف من المواطنين السودانيين المتواجدين بالجماهيرية العظمى، وقد أصدر الملتقى بياناً ختامياً دعماً للمبادرة الليبية التي أصبحت لاحقاً الأساس القاعدي للمبادرة الليبية المصرية المشتركة.

 

السياسة الاستعمارية البريطانية في السودان

في عام 1955 بدأ ما صار يعرف بتمرد الجنوب وهو التمرد الذى أصبح بداية لحرب الجنوب الأولى التي استمرت مشتعلة من حينها حتى عام 1972، وكان الصادق المهدي قد قدم، في محاضرة ألقاها في كمبالا ، قراءة لما أسماه حرب الجنوب مفترضاً أن أسبابها تكمن في السياسة الاستعمارية البريطانية. الحقيقة أنه لابدَّ من الاتفاق مع الصادق المهدي في افتراضه، ففي عام 1919 وبعد اندلاع الثورة في مصر قام البريطانيون بإضعاف الدور المصري وتقليصه في إدارة السودان وأصبحوا أكثر تشدداً في سياستهم الجديدة التي تبنوها بدءاً من عام 1920 باسم  سياسة الجنوب التي دعت فيها الإدارة الاستعمارية إلى ضرورة الفصل بين تطور شمال السودان عن جنوبه بما يؤدى إلى استبعاد إمكانية وصول عملية التمثل الكامل بين الشطرين وعرقلة انتشار المد الوطني، وهكذا بدأ تشجيع فرض اللغة الإنجليزية لغةً رسمية في الجنوب والاهتمام بالعادات والتقاليد المحلية الجنوبية، وفي هذا الإطار كتب ولسون كاش معبراً عن انزعاجه :"..تمثل الحكومة مرفقاً عادلاً ومناسباً لكل من المسلمين والوثنيين على حد سواء، وتتبنى في الجوانب الدينية موقفاً غير منحاز بشكل صارم، ولا يشكل النشاط التبشيري جزءاً من عمل الحكومة وإنما يقع عبئه على الإرساليات وحدها، وهى التي تحدد إذا ما كان أولئك الجنوبيون الوثنيون سيتركون للوقوع في قبضة الدين الإسلامي أم  يمكن كسبهم للمسيحية".

 

واكب إقرار سياسة الجنوب سّن إجراءات محددة: ففي عام 1921 تم إعفاء حكام المديريات الجنوبية البريطانيين (بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل) من حضور الاجتماعات السنوية التي تعقد في الخرطوم لحكام مديريات السودان المختلفة، وسمح لهم بدلاً عن ذلك أن يقيموا صلات مباشرة مع نظرائهم في كينيا و يوغندا. وفي عام 1922 صدر قانون الجوازات و الإجازات الذى حدد دخول الأجانب إلى السودان، وقانون المناطق المقفولة الذى حدد سفر السودانيين الشماليين إلى الجنوب بطريقة تربط التصديق بذلك بمزاج السلطة المخولة. نص قانون المناطق المقفولة، الذى تم توضيحه لاحقاً بصورة جلية في عام 1930 من قبل السكرتير الإداري بتوجيه من الحاكم العام على أن: "سياسة الحكومة في جنوب السودان تهدف إلى بناء مجموعة وحدات قبلية أو اثنية مستقلة بتركيب وتنظيم قائم على المعتقدات والعادات والتقاليد المحلية إلى المدى الذى تتطلبه احتياجات العدالة والمساواة وقيام حكومة محترمة. إن حكومة السودان ستشجع، بقدر ما أمكن، التجار اليونانيين والسوريين أكثر من الجلابة (التجار السودانيين الشماليين). السماح للمجموعة الأخيرة يجب أن يقرر دون مجاملة، ولكن بشكل تدرجي، وفقط لأفضل الجلابة الذين ترتبط مصالحهم بشكل واضح بالعمل التجاري ويلتزمون بالطرق التجارية المشروعة، ومن المهم جداً تحديد تجارتهم في المدن أو الطرق المعبدة، ويجب بذل الجهد لجعل اللغة الإنجليزية وسيلة الاتصال الرئيسة وسط السكان واستبعاد اللغة العربية كلياً".

 

هكذا أصبح للسلطات المفوضة الحق بمنح إذن السماح بمزاولة العمل التجاري في الجنوب بحكم القانون، ولها مطلق الحرية في رفض الإذن أو تجديده بعد انتهاء صلاحيته دونما تحديد للأسباب، وفي الحالات المماثلة لها الحق في إلغاء أي إذن دون إخطار وعلى المستفيد إنهاء أعماله في المنطقة المحددة في الإذن خلال وقت تحدده السلطات المختصة. وقد حاول الموظفون الاستعماريون تبرير منع السودانيين من أبناء الشمال الجغرافي مزاولة النشاط التجاري في الجنوب بالادعاء، كما عبر عن ذلك هندرسون، بأن: "الشمالي بالنسبة للإداري البريطاني أما تاجر أو تاجر رقيق، فحتى منتصف العشرينات كان البقارة مستمرين في جمع الرقيق في مناطق جنوب النهر ليبيعونهم في أسواق الشمال البعيدة، بالإضافة إلى صيد الأفيال والزراف ونهب الماشية، وعندما يعملون في التجارة البسيطة كانوا، في الغالب، يخدعون أبناء القبائل النيلية البدائية ويغشونهم ويتعاملون معهم بطريقة مزيفة. فالتاجر الجلابي كان في رأى البريطانيين شخصاً غير مرغوب فيه في الجنوب لأنه يثرى على حساب القرويين ويبيع سلعاً تافهة بأرباح عالية وينشر الأمراض الجنسية، وكان دائماً يقوم بالاحتيال على الجنوبيين، ويهدد الآن بالمضاربة تماماً كما كان يفعل الهنود في شرق أفريقيا عن طريق احتكار تجارة القطاعي والزراعة التجارية".

 

واضح بما لا يدع المجال للشك أن قانون المناطق المقفولة هدف إلى تلجيم عملية التثاقف بين شطري البلاد، غض النظر عن التبريرات التي يسوقها الإداريون البريطانيون الذين غادروا جزيرتهم البعيدة للإشراف على عملية استنزاف شعوب قارتنا الأفريقية.

 

وفي عام 1946 قدمت الإدارة الاستعمارية البريطانية مشروعاً بديلاً يستبعد سياسة الجنوب ليحل محلها سياسة يتم من خلالها بقاء سكان الجنوب الجغرافي للسودان في إطار سودان موحد على أن تتم تهيئتهم عبر الإدارة غير المباشرة والتعليم والتنمية الاقتصادية "ليقفوا أنداداً للشماليين" في المستقبل، ومن ثم جاء انعقاد مؤتمر جوبا في يونيو1947 ليُعلن بأن يكون الشمال والجنوب دولة واحدة على أساس الحكم الذاتي لجنوب السودان. وفي ديسمبر 1948 تم عقد أول اجتماع للجمعية التشريعية التي ضمت عشرة نواب منتخبين مباشرة عن المدن وعضوية اثنين وأربعين تم تعيينهم عن المناطق الريفية للشطر الشمالي واثني عشر عضواً من الشطر الجنوبي، وعين الحاكم العام عشر نواب، وتم اختيار مجلس تنفيذي من اثني عشر عضو سبعة منهم من البريطانيين.

 

اعتقادنا أن إدراك السياسة الاستعمارية البريطانية في السودان، كما هو الحال في بقية المستعمرات البريطانية، وإقرار سياسة الجنوب في عام 1920 ومن ثم الارتداد عنها وإحلال سياسة الحكم الذاتي في عام 1946 بدلاً عنها، لابدَّ ألا يكون بمعزل عن التطور الذى شهدته الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية، إذ من المعروف أن ذلك الفرع المعرفي كان قد حقق طفرة كبيرة في الفترة 1860-1880 بظهور مؤلفات المدرسة التطورية الرائدة مثل حق الأم لباخوفن، والمجتمع البدائي لتايلور، ونظم القرابة والمجتمع القديم لمورغان، وخلال سنوات قليلة بدأ الانقلاب على أسس الاثنوغرافيا أو ما صار يعرف في بريطانيا بالأنثروبولوجيا الكلاسيكية. في تلك الفترة بالذات، كما هو معروف، بدأ الاستعمار أيضاً.

 

قد لا يعنى مثل هذا التوافق الذى وددنا الإشارة إليه شيئاً في البداية، إلا أن ثمة مبادئ توحي بأن مثل هذا التوافق ما كان محض صدفة، ذلك أنه مما لاشك فيه أن ثمة توافق قد نشأ في تلك المرحلة بين الأيدولوجيا الاستعمارية والتوجهات الأيديولوجية لهذه الأنثروبولوجيا الناشئة، بمعنى أن هؤلاء المنظرين الأنثروبولوجيين كانوا بمعنى آخر بوعي أو بدونه منظرين للاستعمار، سواء ماين أو تايلور أو ليبوك، الاستثناء الوحيد هو مورغان الذى اختلف عنهم لا من حيث موقفه من التمدن بل من مجمل النظام البورجوازي كما تبلور في القرن التاسع عشر. أصبحت الأنثروبولوجيا الناشئة ممارسة جديدة، تماماً كالاستعمار العلمي، ولا معنى لها إلا من داخل الاستعمار العلمي، غرضها هو إما وصف شروط الوجود البدائي للشعوب المستعمَرة في المرحلة السابقة على وصول الاستعمار بحيث تقدم وصفاً لنمط هذا الوجود قبل أن يصار إلى القضاء عليه، أو أنها ستتناول وصف هذا الوجود كما خلقه الاستعمار، هكذا نجد ليبوك يكتب: "إن لدراسة الحياة البدائيَّة أهمية خاصة بالنسبة لنا نحن الإنجليز مواطني إمبراطورية واسعة لها مستعمراتها في كل ناحية من أنحاء العالم والتي  يشكل أبناؤها مختلف درجات المدنية."

 

ومن ثم ينقل ليبوك عن هونتر قوله: "لقد قمنا بدراسة شعوب الأراضي المنخفضة بشكل لم يقم به أي منتصر، وبشكل لم تدرس أو تفهم فيه قبيلة خاضعة للسيطرة ، فنحن نعرف تاريخهم وحاجاتهم وعاداتهم ونقاط ضعفهم بل وأحكامهم المسبقة، وهذه المعرفة الخاصة قد أتاحت لنا توفير قاعدة للإرشادات السياسية التي يمكن ترجمتها بالحذر الإداري والإصلاح اللازم في حينه". هكذا ستحاول الأنثروبولوجيا، بوصفها أحد موجودات الاستعمار، القيام بواجبات عملية، ثم عليها أن تستعمل كل مواردها وأن تتحول إلى أنثروبولوجيا تطبيقية في خدمة الشعوب، وفي كل الأحوال فان لحظة يقين الغرب من ذاته هي أيضاً لحظة يقين الممارسة الأنثروبولوجية من ذاتها، إنها لحظة الضمير الاثني الصادق.

 

الواقع أن الأنثروبولوجيا لم تصبح علماً مستقلاً إلا حين بدأت مرحلة الأبحاث الميدانية، وتفترض ممارسة الأبحاث الميدانيَّة وجود الاستعمار، لكن استطاعت الأبحاث الميدانية أن توجد مسافة بينها وبين الاستعمار وأن تسهم في تحويل الأيدولوجيا الاستعمارية ولو بدرجة نسبية. لاشك في أن دور الأنثروبولوجيا في الرؤية الاستعمارية للعالم من قبل الدول-المركز لم يتعد الدور الذى تقوم به كل بُنية فوقية، فالاستعمار ليس توسعاً وسيطرة اقتصادية، إنه سيطرة واثنية مركزية ثقافية ذلك أنه يفترض الإيمان بثقافة واحدة، وهو ما عبر عنه جاك بيرك بالقول " لقد فرضت الإمبريالية على العالم طريقة وعى في الوقت الذى كانت تفرض فيه شكل الإدارة.

 

في عام 1902 ظهر عمل سوسير "علم نفس الاستعمار" الذى حاول فيه إسناد سياسة التماثل الاستعمارية إلى مبادئ التطورية الخطية: "تقوم سياسة التماثل على حجج مغرية، إذ أظهر البدائيون مقاومة تجاه حسنات المدنية التي نحملها لهم، هكذا يقال لنا، وذلك يعود إلى أحكامهم المسبقة التي لا تسمح لهم بفهم الحسنات التي يمكنهم الاستفادة منها، والأحكام المُسبقة هذه باقية في حياتهم، وهى حصيلة وضعهم المتردي، حصيلة إيمانهم ولغتهم، فمن واجبنا أن نقضى إذاً على هذه المخلفات التي تعود إلى ماضي سحيق .. حتى نتمكن من تحقيق التماثل مع أعراق تختلف عن أعراقنا علينا أن نكون مقتنعين بقابلية تلك الأعراق للتماثل، أي علينا الاعتقاد بالوحدة التكوينية للطبيعة الإنسانية".

 

وعرَّف جيرولت، الذى انطلق من مواقف تطورية تنادى بالتماثل، التماثل باعتباره جعل الآخرين مشابهين له، ولكن التماثل عملية لا يمكن فرضها: "لأن البدائيين لا يريدون ذلك أولاً، ثم أنه لا مصلحة لنا في فرضه عليهم، ومن ثم فان فرض شكل وحيد ليس وارداً، إلا لأن لمؤسساتنا الأوربية قيمة العقيدة المطلقة التي يجب أن تنتصر مهما كانت الظروف، وبالتالي علينا أن نبرهن أولاً في العديد من الحالات على هذا التفوق".

 

وفي عام 1911 انعقد المؤتمر العالمي الأول للأعراق في لندن، وأبرزت إسهامات المشاركين مفهوماً جديداً تمثل في ما اصطلح على تسميته احتكاك الثقافات الذى مثلَّ محاولة لنفي فرضية تفوق الغرب تحت تأثير ما عُدَّ اكتشافاً لما في تعدد الثقافات من سحر وهو تعدد لابدَّ من الحفاظ عليه ما أمكن بإتباع سياسة أساسها احترام مؤسسات الشعوب الأصيلة، هكذا جاء إحلال مفهوم التثاقف بديلاً يحل محل التبشير الحامل للمدنية فكتب دوركايم في عام 1912: "إن لكلمة المدنية بالنسبة لنا قيمة واحدة، ولا نريد بأن نقر بأن بإمكانها أن تتطور على أسس اجتماعية وسياسية مخالفة لما لدينا، علينا أن نسلم أولاً بضرورة إقناع الآخرين سلفاً بهذه المواضيع  الجديدة"، وفي اعتقاده أيضاً بخصوص التبشير الحامل للمدنية أن  الحكام والإداريين والقضاة جميعهم قد انطلقوا من القناعة التي لانثنى وهى التفوق الأصلي والثقة اللا محدودة بقيمة المبادئ التي تواجه بمبادئ الآخرين والتي لا تخذلها التجربة أبداً، وأن المقاومة التي تواجههم لا تعزى إلى عدم اكتمال النظام، بل لعناد الشعوب الطفلة التي لم تدرك نوايا مربيها المُحسَّنة إليها". ومن ثم يستخلص دوركايم من ذلك ضرورة تكيف الاستعمار مع المؤسسات المحلية بإتباع سياسة بدائية متنورة تراعى الخصوصيات كافة.

 

هكذا نرى كيف أنه لا يمكن عزل الأنثروبولوجيا الوظيفية المستقبلية عن تطوير المفاهيم الاستعمارية، وهى عملية قد تمت مع مطلع القرن العشرين ومن داخل الأيدولوجيا التطورية بالذات انطلاقاً من الصعوبات التي واجهت الاستعمار. كان لابدَّ لمثل هذه الطروحات الأنثروبولوجية أن تدفع بالسلطات الاستعمارية، بفعل الصعوبات والاعتراضات والتمردات المستمرة، لأن تعيد النظر في سياسة الإدارة المباشرة بمساعدة الزعامات المحلية، وهكذا أخذت في التبلور فكرة الإدارة غير المباشرة مكان الإدارة المباشرة، وهو ما صار يعنى ليس الاعتراف بشرعية الزعامات المحلية التقليدية، بل الاعتراف بإرادة الإداريين البريطانيين في ترك الأمور الصغيرة للزعامات المحلية التقليدية (جمع الضرائب، وفض المنازعات وما إلى ذلك). كان تطبيق الإدارة غير المباشرة قد بدأ في نيجريا لأسباب محددة لن نخوض فيها هنا، على يد لوغارد الذى سجل لاحقاً خبرته في تطبيق تلك السياسة في كتابه المعنون "الانتداب المزدوج في أفريقيا البريطانية الاستوائية" الذى صدر عام 1922. أشار فردريك لوغارد إلى أنه اتبع هدفاً مزدوجاً تمثل في الإبقاء على الحكم الاستعماري وتطويره، ومن ثم إقامة علاقات جديدة بين المستعمر والشعوب المستعمَرة إلى جانب تطبيق سياسة فرق تسد. هكذا لم يكن لوغارد يسعى إلى تهيئة نيجريا للاستقلال بل أراد، حسب رأيه، أن يقوم بما يناسب المؤسسات البدائية، ومن ثم تمثلت الخطوة الأولى برأيه في إيجاد رجل صاحب تأثير وجعله زعيماً وإخضاع المزيد من القرى والأقاليم إلى سلطته، ثم جعله يفهم الكيفية التي يمد بها سيطرته وجعله يفهم معنى السلطة ومعنى المسئولية.

 

لا نعتقد بأنه يمكن إدراك أبعاد سياسة الجنوب في السودان في عام 1920 بمعزل عن التقرير الذى قدمه لوغارد إلى إدارة المستعمرات البريطانية بعنوان مذكرة سياسية جاء فيه: "من الواضح أنه يجب تطبيق هذه السياسة المشار إليها (يقصد الإدارة غير المباشرة) بشكل متفاوت خاصة بالنسبة للقبائل التي لا تعرف إطلاقا أية قيادات عليا، علينا أن نفهم هذا التنظيم القبلي وأن نعده إطاراً يمكن مستقبلا البناء على أساسه. من الأفضل دراسة القيم البدائية بعناية، خاصة تلك التي تؤثر في ذهنيتهم مع الأخذ بالحسبان إمكانية عدها عوامل مناسبة في إيجاد نظام لدارى يتناسب مع وضعية تلك القبائل". كما لا يجوز عزل إقرار سياسة الجنوب عن سياسة الإمبراطورية البريطانية في أفريقيا الشرقية حيث أخذ زملاء لوغارد في تطبيق الإدارة غير المباشرة، بخاصة كاميرون الذى عدَّ الأنثروبولوجيا جزءاً هاماً من عدة الإداري الثقافية.

 

هكذا يتضح أن مفهوم التثاقف صار مرتبطاً بالحقيقة الاستعمارية وبمحاولة المدرسة الوظيفية البريطانية لجعله مفهوماً مقبولاً، فالاستعمار بالنسبة للأنثروبولوجي الإداري ممارسة وسياسة لا بد من إتباعها، من ثم تولدت الأنثروبولوجيا التطبيقية من رغبة المدرسة الوظيفية في تطبيق عملها على السياسة الإدارية، ألم يكن مالينوفسكى أحد الذين ركزوا بشدة على القيمة التطبيقية للأنثروبولوجيا فكتب في عام 1922: "يمكن استخدام كل فرع معرفي، بتطبيقه أول الأمر في الإدارة العمليَّة، في المجال الخاص به، وثانياً بفتحه أفقاً أرحب في مجاله، يبيح لنا بناء نظرية أكثر تطابقاً مع الظاهرة قيد الدراسة. إن لدراسة القبائل المتوحشة والملونة قيمة عملية، فهى تعنى في المقام الأول بغايات الإدارة الاستعمارية والعلاقات بين الشعوب البيضاء والشعوب الملونة، كما يمكن للدراسات الاثنية، ثانياً، أن توسع نظرتنا حول الطبيعة الإنسانية، مما يبيح لنا بناء نظرية اجتماعية عينية تتناول مستقبل السلوك العلمي للأعمال الإنسانية".

 

الأمر كذلك لا يجوز عد الأنثروبولوجيا التطبيقية مدرسة أعقبت الوظيفية أو أنها مدرسة تأسست إلى جانب التحليل الأكاديمي، بل أنها الوظيفية بقدر ما تعي نفسها علماً له طموحاته التطبيقية. الواقع أنه يجوز القول بأن معظم الأعمال الأنثروبولوجية التي تمت في تلك الفترة قد ارتبطت بهذا الاتجاه الجديد، هكذا وضع سيلجمان في عام 1932 بطلب من حكومة السودان الاستعمارية كتابه قبائل السودان النيلية الوثنية، كما كتب ايفانز برتشارد بطلب أيضاً من حكومة السودان كتاب النوير. ويجدر التنويه للإطراء الذى عبر عنه مالينوفسكى لقيام الأنثروبولوجيا التطبيقية في أفريقيا معلناً بذلك عن تأييده لسياسة الإدارة غير المباشرة ومبادئها العامة قائلاً: "إن النتيجة الحاسمة للخلاف بين الإدارة المباشرة والإدارة غير المباشرة هي إتاحة المجال لدراسة الصيرورات المختلفة التي يبلغ بها التأثير الأوربي قبيلة أصلية، إن الفارق الحقيقي بين الإدارة المباشرة والإدارة غير المباشرة يتمثل في افتراض الأولى امتلاكها القدرة على خلق نظام جديد وبضربة واحدة، وعلى تحويل الأفارقة إلى أوربيين مزيفين أو متمدنين مزيفين في سنوات قليلة. أما الإدارة غير المباشرة فهي عل يقين من استحالة تحقيق تحول سحري من هذا النوع والواقع أن كل تطور اجتماعي هو تطور بطئ تدريجي نابع من الداخل".

 

ما هي المستجدات التي أدت إلى التحول من سياسة الجنوب إلى سياسة الحكم الذاتي في السودان؟

في عام 1944 نشر هرسكوفيتز بحثه الهام عن الحكم الذاتي الوطني الذى وجه فيه نقداً لاذعاً للطروحات الاستعمارية مهاجماً بشدة سياسة الإدارة غير المباشرة الليبرالية والإمبريالية المتنورة التي دافعت عنها المدرسة الوظيفية. أشار هرسكوفيتز إلى أن المدرسة الوظيفية أبرزت وجود مؤسسات سياسية في المجتمعات كلها (مشيراً إلى عمل ايفانز برتشارد عن النوير وإلى كتاب النظم السياسية الأفريقية الذى أشرف عليه فورتس بالتعاون مع برتشارد)، إلا أن الوظيفيين لم يستنتجوا، في رأيه، من ذلك النتائج الممكنة كلها، فالمجتمعات الأفريقية قادرة على حكم ذاتها بذاتها طبقاً لتقاليدها السياسية الخاصة، ويقول بأنه "مهما كانت هذه الأنظمة السياسية، معقدة أو غير معقدة، مرتبطة بمجتمعات كبيرة أو صغيرة، فهي قادرة على ملئ وظائف الدولة كما تفهمها، أي قادرة على مراقبة علاقات الإنسان بنظرائه، وعلى تنظيم المعركة نحو السلطة وظيفياً".

 

يعود الفضل إلى هرسكوفيتز في اختراع مصطلح نسبية الثقافة الذى وجه ضربة للأنثروبولوجيا التطبيقية الاستعمارية. فمنذ عام 1925 اقترح الأنثروبولوجيون الأمريكيون من أمثال سابير، وبواس، وكرويبر تمييزاً بين ثقافات أصلية وثقافات غير أصلية تعيش الأولى منسجمة ومتوازنة في تطابق كلى مع ذاتها، على عكس الثانية التي تحيل الإنسان إلى حالة من الصدأ، كما تولد الكبت والاغتراب. ونجح هرسكوفيتز في كتابه الإنسان وأفعاله من تطوير هذا المفهوم الذى لم يكن سوى خطوط لدى زملائه الأمريكيين: "كيف يمكن إطلاق أحكام قيمية على هذه الثقافة أو تلك، أو على الثقافة البدائية بشكل عام طالما أن هذه الأحكام مبنية على التجربة، وطالما أن كل  فرد يفسر التجربة  بحدود  تثاقفه  الخاص".

 

هكذا فان هرسكوفيتز يقول بعدم وجود تجربة حسية كانت أم فنية أو دينية الخ. بذاتها طالما أن كل تجربة هي نسبية بالنسبة لنسق المجتمع الثقافي، وطالما أن كل مجتمع هو نظام تجربة وأحكام. هكذا أعلنت الأنثروبولوجيا هجومها على الاستعمار ومدرسته الوظيفية وما سمي بالإدارة غير المباشرة بوصفها تنطلق من وهم إطلاق أحكام معللة على ثقافات أخرى، أحكام أصبحت قاعدة للممارسات الاستعمارية.

 

أحالت الأنثروبولوجيا التطبيقية في العشرينات الحقيقة الاستعمارية إلى نوع من الاحتكاك الثقافي بين ثقافات مختلفة. أما بعد تبلور الأنثروبولوجيا الجديدة فلا أحد يتكلم عن تغير ثقافي بل عن تغير اجتماعي، وليس الاستعمار أكثر من مجرد مظهر من مظاهر التغير الاجتماعي. وفيما انصب التركيز سابقاً على التواترات والمتناقضات التي يخلفها الاحتكاك الثقافي، جرى في نهاية الثلاثينات التركيز على عالمية التغير الاجتماعي وطبيعته، هكذا رأى فورتس في الاحتكاك الثقافي "نمطاً من أنماط صيرورات التفاعل الاجتماعي الأخرى سواء أكانت في المجتمعات التي تعرف الكتابة أم في مجتمعات لا تعرفها، فهو مستمر في المناطق الأفريقية التي طرقها البيض منذ قرون، وفي تلك التي لم تدخل إلا منذ الأمس القريب مجال اهتمامهم".

 

تحت وطأة التغير الذى أصاب الفكر الأنثروبولوجي بعد الحرب العالمية الثانية اضطر المسئولون الاستعماريون البريطانيون إلى إجراء مراجعة كاملة لسياساتهم وإلى البحث في مسألة الإدارة غير المباشرة بالذات، وكانت المراجعة قد بدأت بعد تولى حكومة العمال السلطة في بريطانيا في عام 1945، فما أن وصل العمال إلى سدة الحكم حتى تم تحويل الإدارة غير المباشرة إلى حكم ذاتي "إن مبدأ الإدارة بواسطة السكان المحليين وبواسطة مؤسساتهم القديمة أو الجديدة مبدأ لا يمكن التخلي عنه. كما يجب الاعتراف أيضاً بأن التطور غير ممكن إلا بتطعيم طموحات الأفارقة بإسهام العنصر الأكثر دينامية والأكثر مرونة تجاه شروط التغير الراهنة. لا يعنى ذلك كبح هذه السياسة بواسطة المحافظة التقليدية التي تتميز بها المجتمعات الأفريقية، تلك المحافظة التي كانت في مبدأ الإدارة غير المباشرة. يجب على السياسة أن تتخطى رغبات التغير والتكيف الخاصة بالأفارقة. على جهاز الإدارة المحلية أن يضع المشاريع التي تسهم بتقدم اجتماعي واقتصادي في الوقت الذى ننمى فيه أيضاً وعى الشعب السياسي. لذلك لا يمكن القبول بالجهاز التقليدي ما لم يتم تطويره".

 

انطلاقاً من إعلان المبادئ هذا شرعت الحكومة العمالية في تطبيق سياسة الإدارة الذاتية في أفريقيا، وتحت ضغط الانتفاضات المستمرة في جنوب السودان (الدينكا، والزاندى، والنوير، والنواك، والبويا بدءاً من 1901 حتى 1929، وانتفاضة التبوسا التي قضى عليها فقط في 1926، والانتفاضات المستمرة في جبال النوبا حتى عام 1948 حين تمت تصفية آخر جيوب مقاومة الليري في جبال ثلش) اضطرت الإدارة الاستعمارية إلى إلغاء سياسة الجنوب وإعلان مشروع الحكم الذاتي في إطار سودان موحد.

 

رؤية أنثروبولوجية لصراع القوى السياسية

انطلاقاً مما قلناه عن طبيعة التركيبة الاثنية الثقافية وعن السياسة الاستعمارية، بإمكاننا الآن أن نلقى نظرة أكثر عمقاً على السجال السياسي- الأيديولوجي في السودان شماله وجنوبه. نقول بداية أن رؤيتنا ترفض النظرة التقليدية لما يسمى قضية الجنوب أو مشكلة الجنوب، ومن ثم سيتم تناول السجال السياسي-الأيديولوجي السوداني كلاً موحداً في الجنوب والشمال، سجالاً يشمل قوى نسميها تفكيكية في الشمال والجنوب في آن معاً ، وقوى نسميها توحيدية شمالية وجنوبية على حد سواء.

 

نود أولاً أن نشير إلى أن هذا التصنيف الذى سنعتمده كما هو مبين أعلاه لا يعبر عن الواقع الفعلي وسط الجماهير السودانية عموماً، لكننا نشير به إلى الواقع السائد وسط النخبة المتعلمة والفاعلة في الحركة السياسية والفكرية والتي قامت بدور رئيس في بلورة وجدان شعبي يظهر قدراً من ما يعرف في الأنثروبولوجيا بمصطلح الاثنية المركزية التي تمثل نزعة تتلخص بموقف من يعتقد أن نمط حياته أفضل من الأنماط الأخرى كلها، إنها نزعة تتميز بالسذاجة ولا تجد لها مبرراً، ونقول بأن مثل هذه النزعة الفردية في احتقار أو سوء تقدير الثقافات الأخرى أمر لازم كل الثقافات ولا يميز، أنثروبولوجيا، ثقافة دون غيرها. إلا أن هذه النزعة الاثنية الضيقة، بفعل سلوكيات النخبة السياسية والفكرية في السودان، أصبحت قضية لا يجوز إغفالها وتجاهلها لدى محاولة إلقاء نظرة أنثروبولوجية لأزمة السودان الماثلة. الأمر كذلك نعتقد أنه آن لنا وقد أصبحت وحدة الأمة السودانية في خطر أن ننظر إلى الأزمة بتجرد علمي انطلاقاً من مقولة فرانسيس دينق "ما يفرق السودانيين هو ما لا يقال". أثناء تحضير هذه المحاضرة حظيت باستلام نسخة من كتاب منصور خالد الجديد "جنوب السودان في المخيلة العربية"،  أشار فيه محقاً إلى أننا إذا "كنا حقاً نسعى للتصالح مع النفس، فان التصالح مع النفس يستوجب الصراحة والوضوح كما يستلزم الأمانة الفكرية والسماحة نحو الآخر، ولأهل الفكر دور في هذا. التصالح مع النفس أيضاً يزيل التناقض الداخلي الذى هو مبعث حيرة أهل الجنوب والشمال أغلبهم، حول ماهيتهم". ويستمر منصور ليقول بصدق أن هذه الأمور لا يجوز تركها لأهل السياسة رغم أثرها على السياسة  لاعتقاده بأن "السياسة أهم من أن تترك للسياسيين ويتوجب على المفكرين والمثقفين الحقيقيين أن  يبحثوا عن الدلالات المتسامية للتاريخ".

 

اعتقادنا أنه يمكن تحديد نشوء تيارين فكريين رئيسين في السودان مع تفرعات لهما، تم تبلورهما منذ سنوات سابقة للاستقلال، التيار الأول ننعته هنا بصفة تعبر عن محتواه الفعلي .. التفكيكى، بلورته سلوكيات وكتابات نخبة من المثقفين في الشمال الجغرافي انطلاقاً من نزعة مركزة عروبية إسلامية، في حين تبلور في الجنوب الجغرافي في سلوكيات و كتابات النخبة المنطلقة من نزعة مركزة أفريقانية. ينطلق دعاة النزعة العروبية الإسلامية من حقيقة أن الغالبية من أهل الشمال الجغرافي هم من الكوشيين المستعربين والعرب والذين يمثل الدين الإسلامي القاسم المشترك الأعظم بينهم، ومن ثم يدعى دعاة هذه النزعة المنغلقة أن الهُويَّة الغالبة في السودان هي هُويَّة عربية إسلامية، في حين يؤلف السودانيون الآخرون الذين لم تتم عملية استعرابهم أقليات غير محددة الهُويَّة يستحقون المعاملة كأهل عهد، على حد تعبير الصادق المهدي في مقابلة له مع محطة شبكة الأخبار العربية في يوليو 2000 الماضي، في سودان عربي مسلم. وهكذا يفترض دعاة هذا التيار وجوب رضوخ تلك الأقليات للأمر الواقع المتمثل في هيمنة الأغلبية الحاملة للثقافة العربية الإسلامية مع التأكيد بالاحتفاظ لهم، بهذا القدر أو ذاك، بحقوق تقرها الأغلبية العربية والمستعربة المسلمَّة، وهى حقوق يختلف حول مداها دعاة هذا التيار، لكنه وفي كل الحالات فان الهدف النهائي لدعاة هذا التيار على اختلاف مدارسهم هو استكمال عملية التمثل الأحادية (تعريب) الأقليات وذوبانها نهائياً في الأغلبية العربية والمستعربة المسلمة بضربة واحدة، على حد تعبير مالينوفسكى، وفي أسرع وقت الشئ الذى يفرض اللجوء إلى إتباع كافة وسائل العنف والقسر، وهو ما يميز برنامج حزب الأقلية السياسية الحاكم في السودان حالياً والذى يحاول من خلال مشروعه المسمى التوجه الحضاري الإسلامي فرض عمليَّة التعريب والأسلَّمة فوراً عن طريق الجهاد المُدعى. أما الليبراليون من دعاة تيار النزعة العروبية الإسلامية فإنهم ينظرون إلى استكمال عملية التمثل بمفهوم مالينوفسكى للتثاقف.."ان كل تطور اجتماعي هو تطور بطئ ومن الأفضل تحقيقه بتغير بطئ متدرج نابع من الداخل". تتبدى النزعة العروبية الإسلامية ذات المسحة الليبرالية في كتابات الكثيرين من مفكريها والتي صدرت منذ سنوات سبقت الاستقلال، هكذا نجد محمد أحمد محجوب، أحد أميز قادة الفكر السياسي في حزب الأمة يكتب في عام 1941 "إن المثل الأعلى للحركة الفكرية في هذه البلاد هو أن تكون حركة تحترم تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وأن تكون ذات مظهر عربي في تعبيرها اللغوي، وأن تستلهم التاريخ القديم والحديث لأهل هذه البلاد وتقاليد شعبها. هكذا يمكننا أن نخلق أدباً قومياً، وسوف تتحول هذه الحركة الأدبية فيما بعد إلى حركة سياسية تفضي إلى الاستقلال السياسي والاجتماعي  والثقافي".

 

هكذا تبدو اطروحات الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية واضحة في خطاب المحجوب الذى لم يدرك مفهوم الاستقلال إلا من خلال ذاته وهُويته العروبية الإسلامية، ففات عليه أن الاستقلال بالنسبة للمجموعات السودانية الاثنية الأخرى، التي لا بدَّ وأن تؤلف جزءاً من الأمة السودانية، كان مرتبطاً بنمط وجود مختلف منذ أزمان سبقت الهجرات العربية الوافدة في أوقات لاحقة إلى السودان، فات عليه أن الاستقلال هو الإصرار على إرادة عيش حسب قيم خاصة، قيم لذاتها وليس بحال غرس تفوق قيم عربية إسلامية، تجاهل المحجوب حقيقة أن جوهر الاستعمار هو العنف في حالته الطبيعية وان إزالة الاستعمار التي يطمح إليها السودانيون تعنى النفي الفعلي لهذه الواقعة، فلو أدرك المحجوب ذلك لعرف أنه نتيجة هذا العنف الذى يرفض السيطرة لا يمكن اعتبار إزالة الاستعمار مجرد إعادة امتلاك للسلطة السياسيَّة والثروات الاقتصادية، فات عليه أن على السودان أن يعيد بدء تاريخه من حيث أهمله البريطانيون.

 

في الوجه الآخر لعملة النزعة العروبية الإسلامية تنطبع النزعة الإسلاموية الأصولية المنبتة الجذور، على حد قول أديبنا الكبير الطيب صالح الذى أذهله وصولهم اللا شرعي إلى السلطة عبر انقلابهم العسكري المشئوم على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً، فصاح بأعلى صوته متسائلاً من أين أتى هؤلاء؟ يكفي أن نكرر ما قاله عبدالله بولا من أن هذا النظام الإسلاموي الأصولي هو الوحيد من بين كافة الأنظمة الانقلابية في السودان الذى تجرأ معلناً أنه جاء قسراً بالرغم عن إرادة الشعب لأن الشعب متخلف وجاهل بأمر دينه وأنه شعب فاسد العقائد في معنى أن إسلامه مدخول بعقائد وثنية وخرافات لا مكان لها من الإعراب في العقيدة السليمة المستقيمة، كما أن  قطاعات كبيرة منه ليست على دين أصلاً.

 

تتجلى الملامح العامة للفكر السياسي للجبهة الإسلامية القومية الحاكمة في كتابات مرشدها ومنظرها الأول حسن الترابي، ثم في برنامجها الذى صيغ في فترة الديمقراطية الثالثة على ضوء أفكاره. يرى الترابي في التعدد الاثني والثقافي الهائل الذى حبا الله السودان به قدراً سيئاً وابتلاءً من الله فيقول: "كان قدَّرنا في السودان أن نبتلى ببلد معقد البناء يكاد يمثل كل الشعوب الأفريقية بلغاتها و سحناتها وأعراقها وأعرافها". مثل هذا الخطاب الاستعلائي لا يمكن أن يقود إلا إلى نفي كامل للثقافات السودانية الأخرى غير العربية.

 

يتكرر هذا التيار التفكيكى بصورة معاكسة في الجنوب الجغرافي داعياً إلى نفي الثقافة العربية الإسلامية انطلاقاً من نزعة مركزة أفريقانية، يرى دعاته ، بفعل السياسة الاستعمارية من جانب وكرد فعل لتيار النزعة العروبية الإسلاموية من جانب ثان، ضرورة فصل الشطر الجنوبي عن الشمال حفاظاً على هُويَّة المجموعات الاثنية الثقافية الأفريقية النيلية والسودانية المهددة والتي تؤلف في اعتقاد دعاة هذا التيار مركباً اثنيا ثقافياً يتباين تماماً عن المركب الاثني الثقافي في الشمال الجغرافي للسودان.

 

التيار الثاني الذى نسميه هنا التوحيدي يمثله في الشمال والجنوب معاً دعاة النزعة السودانوية الذين يرون في الهُويَّة السودانية ناتج عمليات تماثل غير أحادى بين الثقافات الكوشية الأصيلة في الشمال الجغرافي للسودان مع الثقافة العربية الإسلامية الوافدة، وناتج عملية التثاقف بين الثقافات النيلية الأصيلة في الجنوب الجغرافي والثقافات الناشئة في الشمال الجغرافي بفعل عمليات التماثل التي تمت. أدت عمليتا التماثل والتثاقف إلى نشوء مركب اثني ثقافي متنوع وفريد في طبيعته يؤلف الهُويَّة السودانية الحالية والتي تمتلك القدرة على صياغة مشروع لبناء الأمة السودانية.

 

نظرياً يبدو ممكناً القول بأن دعاة التيار التوحيدي في الشمال الجغرافي ينتمون إلى مدرستين، الأولى ذات طابع يبدو لنا توفيقياً إلى حد ما ويحاول أتباعها، على حد تعبير عبدالله بولا، تقويم اعوجاج منهجية رؤية إشكالية الهُويَّة. خير مثال لهذه المدرسة نجد التعبير عنه في كتابات وأشعار محمد المكى ابراهيم، والراحل محمد عبدالحى، والنور عثمان أبكر وغيرهم من شعراء ما صار يعرف بمدرسة الغابة والصحراء والذين انطلقوا من قول محمد المهدي المجذوب :

عندي من الزنج أعراقٌ معاندة     وإن تشدَّق في أشعاري العربُ

فاختاروا سنار مصهراً لهم لصياغة الهُويَّة السودانية ومرجعاً ونموذجاً لاستعادة الأصالة الكوشية الأفريقية

سأعود اليوم يا سنار حيث الرمز خيط

من بريق أسود ، بين الصدى والصوت

بيت الثمر الناضج والجذر القديم

بدوى أنت ؟

لا،

من بلاد الزنج ؟

لا،

أنا منكم ، تائه

عاد يغنى بلسان

ويصلى بلسان

 

العودة إلى سنار تحمل لدى هؤلاء من أرباب هذه المدرسة معنىً كامناً يشير إلى التمازج الاثني والثقافي، فسنار هي عاصمة أول مملكة إسلامية في السودان، ملوكها من الفونج الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام وارتضوه ديناً وادعوا لأنفسهم نسباً أموياً وهمياً سطره لهم السمرقندى الفقيه القادم من آسيا الوسطى كما أشرنا إليه في حينه. إلا أن خطاب شعراء الغابة والصحراء يقدم، في حالة النظر إليه بتمعن، مشروعاً أنثروبولوجيا لا مجال فيه لمشروعية الاختلاف ثم الاستمرار في البقاء في إطار الأمة السودانية الواحدة كما أشار إلى ذلك في وقت سابق عبدالله بولا، إنه مشروع يفترض اكتمال عملية التمثل شرطاً للهُويَّة والثقافة السودانية التي تصبح هجيناً أفرو- عربياً. وكان عبدالله على ابراهيم قد ذهب إلى القول بأن ضرورات التساكن القومي قد تلزم الجنوبيين إلى اكتساب اللغة العربية أو عادة عربية إسلامية غير أنهم، على حد تعبيره "سيقاومون كل ميل لجعلهم يتبنون نسباً عربياً إلى جانب نسبهم الأصيل الأفريقي المؤكد، وستبدو لهم الدعوة إلى إعادة إنتاجهم عبر التمازج الثقافي كطبعة لاحقة لإنسان سنار نوعاً من الغش الثقافي لا الحوار".

 

كانت مملكة سنار، السلطنة الزرقاء، قائمة على أساس تحالف كونفدرالي بين الفونج في الجزيرة والعرب العبدلاب في الشمال بعاصمتهم في قرى، ووصف تريمنجهام السلطنة الزرقاء بأنها "كانت كونفدرالية هشة الترابط أكثر منها دولة، ما كان هناك تمركز للسلطة ولا كانت هناك مؤسسات مشتركة، فقط الأرض بين النيلين (الأبيض والأزرق) كانت تحت الحكم المباشر لسنار، إذ احتفظ الفونج بحكام الأقاليم ملوكاً تابعين وسمحوا للمؤسسات المحلية بالاستمرار".

 

فالآفرو-عربية بنموذجها السناري قد تحمل معنى البنية السياسية القائمة على أساس الكونفدرالية، رغم أن شعراء الغابة والصحراء ما عبروا عن ذلك مطلقاً. اللافت للانتباه أن دعاة العروبية الإسلاموية الأصولية، كعادتهم دوماً في إفراغ المفاهيم من محتواها حين تجد لها رواجاً، أخذوا هم أيضاً في التعبير عن حنين العودة إلى سنار لكن بمعنى جد مختلف، هكذا انبرى حسن مكي- أحد أبرز مفكري الجبهة الإسلامية القومية- ليقول في كتابه  "الثقافة السنارية" برفض كل ما قبلها من ثقافات بحسبانها مجرد ثقافات جهل وانحطاط. ويحاول حسن مكي  وشيخه حسن الترابي في الآونة الأخيرة، تحت الإحساس بالإحباط بالفشل الكامل الذى تعرض له مشروعهما الحضاري السياسوإسلامى الذى أسساه لا فكراً  بل بطشاً وتنكيلاً بالرأي الآخر، الحديث والدعوة إلى مشروع التمازج الثقافي الإسلامي. إلا أنه لا يمكننا عد مثل هذا المشروع الإسلاموي الأصولي في ظل هيمنته عنصراً مؤلفاً للكلية بمكنته أن يؤدى إلى تمازج ثقافي، فثمة هوة خلقيَّة وثقافيَّة تفصل الحسنين وغيرهما من دعاة هذا المشروع عن الأقليات غير المسلمة وعن المسلمين غير المنضوين إليه. لا يمكننا التحدث عن مزج إسلاموي أصولي مع الثقافات السودانية، بل الحديث ممكن عن الموقع المتعالي لممارسات مُسيطرة وممارسات خاضعة. أساس التغير الثقافي في منظور الحسنين واخو انهما من دعاة التيار الإسلاموي الأصولي، مهما بذل البروفسور وشيخه من ممارسة الخداع الفكري، هو السيطرة. يجب مراعاة عدم الخلط بين تغير يفرض من خارج المركب الثقافي، وتغير هو بحد ذاته وسيلة لغاية: السيادة الثقافية. صحيح أنه ليس لإرادة الحفاظ على الجزئيات الثقافية في ظل مجتمع خاضع سلطوياً للمشروع الإسلاموي الأصولي أية دلالة (وليس هذا مؤكداً) لا لأن سياسة السلطة الإسلاموية للجبهة القوميَّة هي سياسة محافظة، بل لأن التغيير يجب أن يتم من الداخل، يجب أن يكون ثمرة سيادة الوحدة في التنوع. لهذا يظل التناقض قائماً بين ما يزعم  الإسلاميون فعله وما يقومون به في الواقع، وبدلاً عن أن يدفعوا عجلة التغير الثقافي فإنهم يعرفون في الحقيقة كيفية إيقافها لمصلحة مشروعهم حين تتعارض معه. إن وصف الثقافة بطريقة من الطرق على أنها جوهر يحتاج للتطوير شئ هو من تبرير السياسوإسلامويين: ضرورة تربية الشعب إسلاميا، وهذا لمصلحة الشعب! إن كل عنصر في المركب الكلى للتثاقف السياسوإسلاموي الكلى: تربية وفن ودين وموسيقى ولغة وسلم القيم المتبدلة إنما هو متأثر بالفعل بما تفرضه هيمنة المشروع الإسلاموي الأصولي.

 

المدرسة الثانية للتيار التوحيدي هي ما نسميه بتيار التثاقف والتي ينطلق دعاتها من مفهوم الوحدة في التنوع رافضين جملة وتفصيلاً مختلف مشاريع التمثل الداعية إلى وضع الثقافات السودانية تحت جناح ثقافة مهيمنة واحدة رافضين اطروحات التيار التفكيكى المتزمت والليبرالي الشمالي الداعي إلى فرض هيمنة عنصر بعينه من عناصر المركب الاثني الثقافي المؤلف للهُوية السودانية على العناصر المكونة الأخرى، والجنوبي الداعي إلى رفض الوحدة في التنوع مقاتلاً من أجل فصل عنصر من عناصر المركب الاثني الثقافي المكون لفسيفساء الأمة السودانية. هكذا يرفض دعاة مدرسة التثاقف جملة وتفصيلاً مفهوم غالبية سائدة وأقليات بحسبانه مفهوماً يفضى إلى تفكيك السودان وعرقلة مشروع بناء الأمة السودانية يتضمن مشروع التثاقف إبراز الظواهر التي تنشأ عن الاحتكاك المباشر والمتواصل بين الثقافات والمجموعات الاثنية المختلفة في السودان (1).

 

[ حالياً تم القضاء على هذا المتحف بخلعه عن جسم الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية، وخصخصته تحت إدارة ما يعرف بمعهد الحضارة السودانية]

 

هوامش ومراجع

(1) عندما كنت مديراً عاماً للإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية إبان الحكومة الديمقراطية الأخيرة  قامت الإدارة، بدعم مادي قدمته سكسونيا السفلى مشكورة، بتنفيذ إعادة تنظيم متحف التراث وعدل اسمه ليصبح متحف السودان القومي للاثنوغرافيا وفق مفهوم الوحدة في التنوع، وهو المشروع الذى تسبب في المشكلة المشهورة التي نشبت بين الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية ووزير الثقافة والإعلام حينها المدعو عبدالله محمد أحمد الإسلاموي الأصولي المندس حينها في حزب الأمة، والذي وقف معارضاً لرؤية تيار السودانوية الذى عبرت عنه سياسات قيادات الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية حينها والقائل بأن وحدة السودان إنما تتجسد في ثقافاته المتنوعة التي تمارس عمليات أخذ وعطاء فيما بينها دون أفضلية أو سيادة أو هيمنة واحدة منها على بقية الثقافات وسعت إلى أن تستجيب أساليب العرض المتحفي إلى هذا التوجه الفكري. هذا وقد أصدر السيد رئيس الجمهورية عمر حسن البشير العام الماضي قراراً  بخلع المتحف القومي للاثنوغرافيا عن جسم الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية وخصخصتة لما صار يعرف بمعهد الحضارة السودانية الذى "يمتلكه" الإسلامويون في شخصية متخصص في اللغة العربية والدراسات الإسلامية هو السيد جعفر ميرغنى... استبعادا لمفهوم الوحدة في التنوع وإقراراً لأحادية الهُويَّة السودانية العربية الإسلامية.

 

 

 

 

حرب الجنوب الأولى 1955 – 1972

انطلاقاً من التحليل أعلاه لطبيعة السجال السياسي-الأيديولوجي يبدو لنا أن حرب الجنوب الأولى التي اندلعت في عشية الاستقلال جسدت نتاجاً لهيمنة دعاة التيار التفكيكى على التشكيلات الحكومية بعد الاستقلال، فلفهم الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اندلاع تلك الحرب لا يكفي فقط أن نختبئ ونتدثر كالناظر إلى عيوب نفسه في سواه متمسكين بأن سياسة فرق تسد التي اتبعها الاستعماريون البريطانيون كانت السبب المباشر في اندلاع الحرب. فقد جاء في تقرير لجنة التحقيق في أحداث التمرد في 1955 "لأسباب سياسية ومالية وجغرافية واقتصادية تمكن شمال السودان من التطور بسرعة في كل المجالات: الحكم المحلى، وأنظمة الري، والصحة، والتعليم العالي، والتنمية الصناعية. بينما تخلف الجنوب في كل المجالات المشابهة. هذا التفاوت البارز بين مجموعتين مختلفتين تعيشان في بلد واحد يخلق، دون شك، شعوراً وسط المجموعة المتخلفة، سواء كان ذلك حقيقياً أم متوهماً بأنهم قد خدعوا واستغلوا واخضعوا بالقوة"[فرانسيس دينج]. والأهم أن اللجنة أشارت في تقريرها إلى حقيقة هامة للغاية "لقد وجدنا أدلة كافية تؤكد أن المشكلة الحقيقية في الجنوب مشكلة سياسية وليست دينية، فالمسيحيون والمسلمون الجنوبيون شاركوا جميعهم في الأحداث، وبعض الذين قادوا الدعاية المضادة للشمال كانوا من المسلمين الجنوبيين".

 

ويبدو لنا أنه لا بدَّ من إلقاء نظرة على دور النخبة المتعلمة السودانية في الشمال والجنوب التي قادت الحركة السياسية المناهضة للاستعمار وفعلَّتها في حركة شعبية عارمة أوصلت البلاد إلى إعلان الاستقلال في الأول من يناير 1956 قد يدهشكم أن تكون بدايتنا لمناقشة حرب الجنوب الأولى مقتطفات من بحث كتبته باحثة يابانية هي يوشيكو كوريتا بعنوان "على عبد اللطيف وثورة 1924: بحث في مصادر الثورة السودانية" جاء فيه "كان مدهشاً بعض الشئ ألا تجذب مسألة هؤلاء الزنوج المنبتين قبلياً (الإشارة إلى على عبد اللطيف وبعض رفاقه) الاهتمام الكافي في مجال الدراسات السودانية، ذلك لأن دراسة هؤلاء الناس، الذين اجتثوا من مجتمعهم الأصلي المحلى ووجدوا أنفسهم يشقون طريقهم في المدن الشمالية، قد تكشف لنا في المقام الأول جانباً أكثر إثارة من التغيرات التي طالت المجتمع السوداني بسبب التحديث، ومن ناحية أخرى تبدو دراسة هؤلاء السود أمراً لاغني عنه لفهم الوطنية أو الهُويَّة السودانية"[السر مكي].

 

والحق يقال أن كوريتا قد لامست الحقيقة بقولها أن مسألة الزنوج المنبتين قبلياً قد تم تجاهلها في دراسة تاريخ السودان الحديث أو إن شئنا المعاصر. علينا أن نعى الدور الذى قامت به الإدارة الاستعمارية في تهميش موقع الزنوج المنبتين بحيث أنهم لم يعودوا فاعلين بعد الأربعينات. اعتقادنا أن سياسة الجنوب هدفت إلى بلورة التهميش بحيث أن هذا التهميش أصبح مؤشراً على اكتمال الانقسام إلى شمال/جنوب، بالتالي إلى انفجار الأزمة بعد تجهيز الأرضية في عشية الاستقلال، وهى أزمة طفت إلى السطح بحسبانها تجسيداً لما أصبح يمثل مشكلة الهُويَّة السودانية.

 

كانت انتفاضة 1924 المسلحة تجسيداً حياً للدعوة إلى وحدة قومية تستوعب كل السودانيين على تعددهم وتنوعهم، ما كان على عبد اللطيف يطرح نفسه دينكاوياً بل سودانياً فحسب، حاله في ذلك حال المنحدرين من أصول محلية صرفة، والذين كانوا يعيشون بعد أن انبتوا عن قبائلهم ومناطقهم الأصلية، في مدن الشمال. وبفعل عملية التثاقف ذاب العنصر الجهوي القبلي وانخرط عدد من المنبتين من أمثال على عبد اللطيف، وعبدالفضيل الماظ، وزين العابدين عبد التام على المستوى الاجتماعي والسياسي في منظمات ضمت قوى الموظفين والضباط الحديثة.

 

المتتبع لمجريات سياسة الإدارة الاستعمارية لا تغيب عنه حقيقة أن تلك السياسة في الفترة 1920-1930 اتسمت بقوة تفكيكية واضحة بين شطري البلاد بإذكاء روح القبلية في الشطرين معاً، وتم في تلك الفترة تأجيج المشاعر الدينية والقبلية بصورة مكثفة مما مهد الأرضية لتأطير الحركة السياسية في البلاد اجتماعياً واقتصادياً في أطر الطائفية باستغلال ذات المنهجية التي اقترحها لوغارد والخاصة بالاعتراف لا بالشرعية الأفريقية بل بإرادة الموظفين البريطانيين في ترك الأمور الصغيرة إلى القيادات المحلية التقليدية بحيث تصبح هذه القيادات قادرة على احتواء الحركة المعادية للاستعمار. لا نقول ذلك لمجرد التحليل النظري إذ أن البينة التاريخية تشير إلى أن القيادات الطائفية قامت بتقديم مذكرة إلى الإدارة الاستعمارية سجلت فيها إدانتها للانتفاضة المسلحة.

 

جاء رد فعل النخبة المتعلمة بعد ضرب الانتفاضة متمثلاً في تقوقع النخبة الشمالية في جمعياتها الأدبية، وفي انتقال المنبتين إلى قبائلهم ومناطقهم والدعوة إلى تنظيم أهلهم على أسس اثنية. وانقسمت النخبة الشمالية المتعلمة إلى جمعيات أدبية كانت مدرسة أبروف ومدرسة الموردة من أهمها. كان الابروفيون رغم ادعاءهم الانتماء إلى الفكر الفابى الداعي إلى الليبرالية والاشتراكية قد سقطوا في براثن النزعة العروبية الإسلامية مبتعدين عن قضية التعدد الاثني الثقافي كما تم التعبير عن ذلك في أعمال أبرز رجالاتها حسن وحسين أحمد الكد، وخضر حمد. أما مدرسة الموردة (الهاشماب لاحقاً) فقد خاض بعض مفكريها من أمثال الأخوين محمد وعبدالله عشرى الصديق صراعاً فكرياً ضد محمد أحمد محجوب، ومحمد عبد الحليم، وأحمد يوسف هاشم الذين أصروا على التمسك بالنزعة العروبية الإسلامية الالغائية. هكذا وبحلول عشية الاستقلال كانت النخبة المتعلمة الشمالية والطائفية الدينية قد ساعدت في تشكيل وجدان وعقل شمالي رافض الاعتراف بالمجموعات الاثنية والثقافية الأخرى وناعتاً إياها بالهمجية والوثنية وما إلى ذلك، هكذا تم إحلال ذهنية متعالية وسطونيلية بدلاً عن الذهنية الاستعمارية الغربية البريطانية.

 

كانت القوى الطائفية والنخبة الشمالية المتعلمة قد وافقت في خجل على مقررات مؤتمر جوبا في عام 1947 رغم أن الصادق المهدي حاول مؤخراً تبرير التنصل عن تلك المقررات بقوله "تجسد التعبير الأقوى عن هذه السياسة (يقصد الحكم الذاتي للجنوب) في مؤتمر جوبا المنعقد في يونيو 1947 إذ شارك فيه بجانب موظفي حكومة السودان البريطانيين والموظفين الشماليين موظفون جنوبيون وعدد من زعماء القبائل الجنوبيين بالإضافة إلى زعيم قبلي شمالي واحد. انتهى المؤتمر بأن قرر في أمرين هما أن الشمال والجنوب يكونان دولة واحدة، وأن الجمعية التشريعية المقترحة يجب أن تمثل كل السودان. بنظرة سريعة إلى محاضر جلسات المؤتمر يتضح أن هناك تحفظات أساسية أبداها ممثلو الجنوب، لكنها لم تجد من الممثلين البريطانيين آذاناً صاغية لأن قرارات المؤتمر كانت قد أعدت سلفاً. هذه التحفظات يمكن إيجازها في الآتي: أولاً أن الجنوب لا يمكن أن يقرر بشأن مسألة الدولة الواحدة، وثانياً أن الجنوب لم يتهيأ بعد للمشاركة في الجمعية التشريعية كما هو الحال في الشمال. وقد أعطى السيد محمد صالح الشنقيطى– أعلى الحضور من الشماليين– عدة ضمانات وإبانات، ولكن مع حسن نواياها، فلا يمكن عدها ممثلة للشمال ولا ملزمة له".

 

هذا التنصل الذى يؤكد عليه الصادق المهدي هو تبرير لمواقف محددة تمسك بها الصادق غض النظر عن التقلبات والمتغيرات ولا يجوز إخفاء حقيقة كونه أصبح تمسكاً أدى إلى تصاعد أزمة السودان الماثلة. الواقع التاريخى يشير إلى أنه وقبيل الاستقلال وافقت القوى الشمالية على مطلب الفيدرالية أو الحكم الذاتي للجنوب وهو المطلب الذى تقدمت به القوى السياسية المنظمة في الجنوب من النخبة المتعلمة والسلاطين، بيد أن القوى السياسية التفكيكية الشمالية، مهما حاول الصادق أن يبرر موقفها، بدأت فوراً بالتنصل من الاتفاق الذى أبرمته ومهرته بتوقيعها مما دفع بالقوى التوحيدية الشمالية إلى التنبيه للمخاطر التي يمكن أن تنجم عن مثل هذا التنصل. هكذا طالعتنا جريدة الصراحة في صباح 28 سبتمبر 1954 ببيان صادر عن فصيل من فصائل التيار التوحيدي هو الجبهة المعادية للاستعمار (سلف الحزب الشيوعي السوداني الحالي) أشارت فيه إلى اعتراضها على بوادر التنصل مؤكدة على أنه إن لم يتم تقبل المقترحات الخاصة بالحكم الذاتي للجنوب ويتم تنفيذها فان وحدة السودان ستكون في خطر. ورأت الجبهة أن مشكلة الجنوب تحمل أكثر من وجه، وأن هذه المشكلة هي وجه واحد لمشاكل إقليمية عديدة تواجه السودان، مقترحة بأن تحل كل المشاكل بالمستوى نفسه. ووصفت الجبهة في بيانها السودان بأنه دولة ذات قوميات متعددة مشيرة إلى أن الحكم الذاتي الإقليمي هو الحل المناسب الوحيد، وأن هذا النوع من الحكم الذاتي يجب ألا يضعف السودان الموحد، وطالبت في البيان نفسه بسد الفجوة التنموية بين شطري البلاد ودعت إلى تضييق الهوة التعليمة بين الشطرين وإلى مساواة الأجور.

 

رغم المخاطر التي ألمح إليها بيان الجبهة المعادية للاستعمار فقد أصر دعاة النزعة التفكيكية على موقفهم وتمادوا في تصعيد سياستهم التفكيكية الخرقاء. إن النخبة المتعلمة الشمالية من التفكيكيين، غارقة في رؤاها الأنثروبولوجية التطبيقية الوظيفية متماهية بها، أبصرت فقط وفقط حقها في أن تتبنى العروبة والإسلام مغمضة عينيها عن ضرورة أن يتنامى ذلك في جو من الحراك الثقافي السلمي بعيداً عن القسر المتسربل برداء الأغلبية والهادف إلى تصفية البنيات الاثنية الأخرى بوصفها أقليات. فشل دعاة التفكيك في الشمال رؤية حقيقة أن رفض الانتماء إلى ثقافات دونية وهمجية، وهو رفض تم التعبير عنه عبر عملية إزالة الاستعمار الجارية حينها، قد قاد النخبة الجنوبية المتعلمة إلى المطالبة بأمرين رئيسين يبدوان متناقضين إذا ما نظرنا إليهما بشكل مجرد، لكنهما متكاملان بالفعل من حيث دلالتهما. إن رفضهم للثقافات السلبية بمواجهة الممارسات والنظرة الغربية قد قادهم إلى رفض الإدارة غير المباشرة الاستعمارية بوصفها شكل خطاب غربي يحمل على الاغتراب، أو بوصفها تعبيراً عن نمط علاقة غربي بشعوب مستعمَرة تنتمي إلى الماضي، هكذا فان النخبة الجنوبية رأت في تنصل الشماليين عن الحكم الذاتي للجنوب المتفق عليه شكلاً من أشكال العودة إلى سياسة الإدارة غير المباشرة، شكلاً من الخطاب هذه المرة عروبي إسلامي يحمل على الاغتراب وكتعبير عن علاقة تبعية مفروضة عليهم من قبل الشماليين، ومن ثم رفضوا مبدأ إحلال سيادة ثقافية عربية إسلامية محل سيادة ثقافية غربية استعمارية،  وهو أمر تطلبته عملية إزالة الاستعمار.

 

لم تحاول النخبة المتعلمة الطائفية الاقتراب من جوهر القضية الوطنية الأساسية، قضية التعدد الاثني والثقافي واقتسام السلطة والثروة. في هذا الصدد كتب جوزيف قرنق، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، في كتابه "أزمة المثقف الجنوبي" ما معناه أن مجموعة من المثقفين الجنوبيين ظهرت عام 1953 من أمثال بولين الير، وايزاك داى، وسانتينو دينق، وتون اتيربار، وفونسينتو بازيان، وسيرسيو ايرو، ورود تيتو اونززى كانوا يشاطرون القوى الشمالية العداء للاستعمار البريطاني ولذلك تحالفوا مع القوى المعادية للاستعمار في الشمال. ولكن حكومة الشمال الوطنية الأولى التي تحالفت معها تلك المجموعة لم تعالج القضايا الأساسية التي طرحتها المجموعة: التنمية الاقتصادية، ومبدأ الأجر المتساوي، وإلغاء ضريبة الدقنية، ورفع المستوى المعيشي للمواطن الجنوبي، والمشاركة في أجهزة الدولة. وكان ذلك محبطاً بالنسبة لتلك المجموعة وصب لمصلحة دعاة تيار نزعة المركزة الأفريقانية الداعين إلى فصل الجنوب.

 

اندلعت الحرب عندما تأكدت شملنة  الخدمة المدنيَّة في الجنوب وكان ذلك بتمرد حامية الجيش في توريت في عام 1955 قبل أربعة أشهر من الاستقلال، وكان هذا التمرد إعلاناً ببداية حركة أنيانيا(1) وحرب الجنوب الأولى التي دامت سبعة عشر عاماً، وبلغت ذروتها الأيديولوجية خلال حكم الحكومة العسكرية إبان عهد إبراهيم عبود 1958-1964 حين تصاعدت العمليات العسكرية في أبشع صورها وأعلن عبود رفضه الكامل للفدرالية مصمماً على  الوحدة في إطار نظام حكم مركزي، واتجه إلى نشر الإسلام واللغة العربية بقوة السلاح، وأصدر قانوناً في عام 1962 يمنع التبشير المسيحي، كما أخذ في تقليل عدد الجنوبيين المجندين بالجيش.

 

هكذا تمت العودة الكاملة للسياسة الاستعمارية السابقة المعتمدة مبدأ  التبشير الحامل للمدنية مع اختلاف أن الأولى كانت مسيحية في حين أن الأخيرة إسلامية. لم تدرك الحكومة العسكرية قصور سياستها وظلت أبعد ما يكون عن ما أشار إليه جيرولت من استحالة فرض التماثل. تقول مرجعية الحكومة العسكرية أن الاستعمار دق إسفيناً في العلاقات بين الشمال والجنوب بتكريسه الجنوب منطقة مقفولة حيث بنى الكنائس ولم يسمح للدعاة المسلمين بالتنافس في أوساط القبائل الوثنية، وبما أن تلك القبائل بقيت رازحة تحت التخلف، ولكي تباح لها فرصة النهوض يتوجب إيقاف هيمنة الكنيسة وفتح الطريق أمام الدعاة المسلمين للانتشار منفردين مدججين بأسلحة الدولة الأيديولوجية وغير الأيديولوجية لأسلمة تلك القبائل المتنافرة متجاهلين تراثها القديم والثقافات المحلية والديانات الأفريقية التقليدية ونظم قيمها الخاصة. غير أن سياسة إحلال دعاة مسلمين بدلاً عن المبشرين المسيحيين لم تقدم شيئاً لا في مجال التنمية ولا في مجال الصحة ولا في مجال التعليم بالنسبة لتلك المجموعات الاثنية، بل أن سياسة الدعاة تبنت نفس أهداف  التبشير الحامل للمدنية  واستخدمت عين أدواته.

 

بعد انتفاضة 1964 التي أطاحت بالحكومة العسكرية انعقد في مارس 1965 مؤتمر المائدة المستديرة وتصدت القوى التوحيدية ثانية وأعلنت عن رؤيتها من خلال خطاب يقول بضرورة تنمية موارد البلاد في جميع أقاليم السودان حتى تنمو قوى الإنتاج الحديث وتتكون بذلك قوى ديمقراطية واسعة وفاعلة في كل أقاليم السودان. وقال ذلك الخطاب بأن الثقافة العربية الإسلامية حين وفدت إلى هذه البلاد لم تجدها خالية، وإنما وجدتها تستند إلى جذور حضاريَّة راسخة منذ آلاف السنين، وعليه فإنها تأثرت بما وجدت وأثرت بالمقابل فيما وجدت.

 

وفي عام 1965 إبان الحكومة التي ترأسها محمد أحمد محجوب بوصفه رئيساً لحزب الأمة قامت القيادة العسكرية في الجنوب بتصفية عدد من المثقفين الجنوبيين في كل من جوبا و واو عادةً إياهم طابوراً خامساً لحركة أنيانيا المسلحة، وأدت هذه الجريمة البشعة إلى تحرك جماهيري غاضب قادته القوى التوحيدية أفرز نتاجاً تمثل في تكوين ما صار يعرف بلجنة الإثنى عشر في يونيو 1965 من ستة ممثلين للأحزاب الجنوبية وستة ممثلين للأحزاب الشمالية. كانت هناك نقاط خلاف عديدة أهمها إصرار ممثلي الأحزاب الجنوبية على ضرورة إقرار مبدأ الاعتراف بالتعدد الثقافي وتطور الثقافات المختلفة، إلا أن دعاة النزعة العروبية الإسلامية في اللجنة أصروا على رفض إقرار هذا المبدأ، بل وبلغ الهلع بهم حداً ما عادوا يتحملون معه سماع صوت دعاة النزعة التوحيدية فكان قرارهم بحل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه المنتخبين انتخاباً حراً مباشراً من البرلمان تحت غطاء حجة افتعلوها زوراً وبهتاناً وبلا خجل. بخصوص هذا القرار خرج الصادق المهدي بعد صمت دام سنوات ليقول أخيراً كلمة صدق خجولة في محاضرته في كمبالا "ما حدث كان واحداً من الأحداث التعيسة في تاريخ السودان، إنه يوضح التعسف في استخدام الأغلبية الميكانيكية دون تبصر، لقد كان لحل الحزب الشيوعي عواقب خطيرة، فقد استأنف الحزب لدى القضاء ضد قرارات البرلمان، ونجم عن التعارض بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية إضعاف خطير لنظام الحكم الديمقراطي".

 

انتهت الديمقراطية الثانية كسابقتها وكحكومة عبود العسكرية بفعل تزمتها العنصري وتمسكها بمشروع تفكيكي ينطلق من نزعة عروبية إسلامية لم تر في الجنوب وسائر الأقاليم الاثنية المهمشة سوى كيانات أقلية لا بدَّ أن تخضع لإرادة الأغلبية وتتقبل ذوبان هُويَّتها الثقافية.

 

كان المجلس العسكري لانقلاب مايو قد عين جوزيف قرنق وزيراً لشئون الجنوب، وطرح جوزيف قرنق مشروع سياسة للجنوب حوى تسع نقاط وصفها الصادق المهدي بأنها اتسمت بالوعي السياسي، إلا أن مجلس قيادة الثورة لم يعبأ بتلك السياسة فاستمرت الحرب. وفي عام 1972 وجد نظام مايو العسكري نفسه مضطراً، تحت ضغوط نزيف الحرب، لعقد اتفاقية أديس أبابا للسلام على أساس من الحكم الذاتي للجنوب. وقد وصف منفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان الاتفاقية بأنها "صفقة بين الصفوة البرجوازية البيروقراطية الشمالية والجنوبية، وأملت الصفوة الشمالية الشروط بينما ساومت الصفوة الجنوبية على مصالح الجماهير من أجل الوظائف التي حرموا منها طويلاً، وهكذا منح الجنوبيون الوظائف التي كانوا يتمنونها في عام 1956 أخيراً في عام 1972، وكان الثمن مليوناً ونصف نفس، ولهذا كان قدر الاتفاقية أن تنهار لأنها تجاهلت المصالح الحقيقية للجماهير".