إشكالية أصل الفونج

و.ج. كراوفورد

ترجمة د. أسامة عبدالرحمن النور والراحل د. محمد عثمان على

 

 

     أصل الفونج

     فرضية الأصل الأموي

     الرواية الإرترية

     نوبا وهمج وعنج

     فرضية الأصل الشلكاوى

     الفرضية البورناوية

     تعقيب أركامانى

 

 

 

 

 

تركز المناهج الدراسية المتحيزة المعتمدة حالياً في النظام التعليمي على تاريخ السودان بدءاً من عام 1504 ذلك أن ما سبقه، على حد تعبير فيلسوف الحركة السياسوإسلاموية البروفسور حسن مكي، ما هو إلا ثقافة تيه وضلال! تاريخنا التليد الذى تناولته مجلة أركامانى وستظل دءوبة على إجلائه خير ما نرد به على حسن مكي وغيره من واضعي المناهج التعليمية المشوهة.

لن نتناول هنا تاريخ مملكة الفونج المسماة انطلاقا من الجماعات الاثنية التى أسستها، أو سلطنة سنار من اسم حاضرتها، أو السلطنة الزرقاء كما سماها عرب البدو من العبدلاب. التاريخ السياسي لهذه المملكة معروف ذلك لأنه يشكل بداية لتاريخ السودان وفق المناهج التعليمية التى لم تفض إلا لبناء شخصية منفصمة أوصلت أمتنا السودانية إلى محنتها الحالية. تعترف المناهج بعظمة مملكة الفونج لكنها تصمت في خجل عن هُويَّة الفونج، وإذا تعرضت لهم اعتمدت إرجاع نسبهم إلى الأمويين.. تلك الفرية الكبرى التى صاغها الفقيه القادم من آسيا الوسطى- السمرقندي.

لتجاوز المسكوت عنه في تاريخنا ارتأت أركامانى أن تقدم هنا ملخصاً للفصل الخاص بأصل الفونج في كتاب كراوفورد "مملكة الفونج السنارية"، حيث يتناول الفصل الفرضيات المختلفة بشأن أصلهم وهويتهم عسى أن يساعد ذلك في إجلاء الأمور وإنهاء حالة الفصام التى تجعل من الأبيض أسوداً. ونأمل أن يرى كتاب كراوفورد كاملاً النور بالعربية بمجرد الانتهاء من العمل فيه وهو ما تعكف عليه أركامانى في الوقت الراهن.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أصل الفونج

تمثل قضية أصل الفونج أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ السودان. يقول الطبيب بروس:"في العام 1504 وصلت أمة سوداء، غير معروفة سابقاً، وتسكن الضفة الغربية لبحر أبيض على خط عرض 13º تقريباً، بأعداد كبيرة من الزوارق الخفيفة إلى مناطق العرب وهزموا ود عجيب في معركة دارت رحاها بالقرب من هربجى، وأجبروه على الاستسلام الذى كان على العرب بموجبه دفع جزية لهم نصف محصولهم لهم بداية، ونصف محصولهم في كل حول يلي ذلك.. سمح للعرب طبقاً لهذا الشرط الاحتفاظ بممتلكاتهم السابقة دون مساس بها، وسمح لودعجيب بالاحتفاظ بوضعه وكرامته بحيث يكون دائماً مستعداً لاستخدام جبروته لمصلحة المنتصرين في حالة إذا ما رفض أي من العرب الأباعد دفع الجزية. وأصبح ود عجيب بالتالي القائم مقام المنتصرين. هذا الجنس المنتصر يعرف في بلاده باسم الشلك".  ولا يوضح لنا بروس المصدر الذى استقى منه معلوماته تلك، لكنني أعتقد بأنه يمكن التكهن بقدر من الثقة أن بروس أخذها عن احمد سيد القوم وفق ما يشير إليه الفصل التاسع من كتاب بروس نفسه. إن شلك أعالي النيل الأزرق، كما يقول بروس، سكان أصليبون للمنطقة، وهم الفونج الذين قدموا من المنطقة نفسها مثلهم مثل الشنقالة الذين طردوا العرب الذين يقودهم وعجيب (أي القول بأنهم من النيل الأبيض). إن فازوغلو وجوبا (المقصود بجوبا منطقة في الحبشة- أركامانى) هما منطقتا الفونج. ملك سنار من الجانب الآخر هو من الشنقالة (الاسم المحدد هو الشلك). يعيش أولئك الشلك في ثلاث جزر كبيرة [حددها آركل بالجزيرة أبا، وجزيرة مصران، وجزيرة بيللى] في النيل الأبيض. أعدادهم كبيرة قادمة أساساً من تلك الجزر التى تبعد رحلة يوم واحد من العيس (الكوة بالنيل الأبيض)، وآخرون من أعالي النيل. تقع مدنهم على الضفة الغربية للنيل وهى مدن كثيرة العدد. بين أعالي النيل الأزرق والنيل الأبيض هناك نوع آخر من النوبا وهؤلاء هم النوبا الأصليين وبلاد الذهب. أولئك السود الآخرون قدموا من جوبا، والنوبا، وفازوغلو. وتقع جوبا والنوبا باتجاه حدود كورا في المنطقة المنخفضة الحارة في جنوب شرقي الإقليم.

 

الآن يجب أن نلاحظ أن بروس يفيد بأن الشلك العامة أو قوات الملك وثنيون في غالبيتهم حتى الآن (أى في ظل دولة الفونج الإسلامية-أركامانى) ولهم قساوستهم. إنهم يعبدون شجرة وغيرها ويسميهم بروس العامة تمييزاً لهم عن الملك الذى يسميه أيضاً شلكاوى. من هم أولئك الشلك العامة؟ اذا رجعنا إلى الرواية لوجدنا أنهم ليسوا سوى القوات المتواجدة في قرى النوبا المحيطة بسنار" والذين يعبدون شجرة وكذلك حجراً ويبدو أن "لكهنتهم نفوذ كبير عليهم". "إنهم  إما أن تم شراؤهم أو أخذهم بالقوة من فازوغلو والمناطق الواقعة إلى الجنوب منها في جبل ديرى وتجلا " وهى آخر المناطق في الضفة الغربية للنيل الأبيض. لكننا نعلم من وثائق الفونج أن تلك القوات قد تم وضعها حول سنار من قبل بادى الثاني 1644-1680 الذى أسرهم خلال حملته التى شنها على الشلك في النيل الأبيض. تتماثل إفادة بروس عن قرى النوبا مع ما ورد في وثائق الفونج وتؤكد كل رواية على الأخرى. لكنني أعتقد بأن بروس خلط بين روايتين شعبيتين مختلفتين تتعلق الأولى بأصل قوات النوبا، والثانية بالحكام الفونج. وقد تصدى بروس نفسه للكشف عن الاختلاف بين الروايتين. وتقدم إفادته دليلاً على أن الحكام الفونج جاءوا إلى سنار ليس مباشرة من النيل الأبيض لكن من منطقة أعالي النيل الأزرق. ويذكر بروس أن أحمد سيد القوم، وهو من عائلة الحكام الفونج، كان من مواليد قرية في فازوغلو وأشرف على تعليمه سحرة (كجور) في فازوغلو، والذين كانوا، مثلهم مثل احمد نفسه، من المتحدثين بالعربية لغة ثانية مكتسبة، ويقال أنهم قدموا قديماً من جبل ديرى وتجلا. بالتالي فان بروس نفسه يناقض روايته عن الغزوة الشلكاوية بالمراكب الخفيفة، ذلك أنه اذا كان موطن الفونج في منطقة أعالي النيل الأزرق لما أصبحت الغزوة ممكنة. لا أسعى إلى التشكك في حقيقة غزو شلكاوى بالمراكب الخفيفة ولكن الاعتراف بأن عمارة دنقس، الأول من ملوك الفونج، لم يجئ بمركب خفيف. سنعود للشلك لاحقاً، حالياً نتناول وجهة نظر سودانية محلية حول أصل الفونج.

 

فرضية الأصل الأموى

هناك رواية تقليدية واحدة ترجع أصل الفونج إلى بنى أميَّة والحجاز. يقال بأن شخصاً ما باسم سليمان [يقال بأنه إبن عبدالله بن عبدالحكم الذى عاش في القرن الميلادي الثامن] استقر أولاً في مكان يسمى عروسة وانتقل منها إلى جارا في أرض الجالا، وحين وجد أن الناس هناك يعادون الإسلام رحل إلى تافا الخاضعة لمك كرن الواقعة على بعد 40 ميلاً إلى الجنوب من الكرمك، وقام بتدريس القرآن هناك، واتخذه المك مستشاراً له في مكان شيخ العبدلاب الذى انتقل قبل مجئ سليمان بوقت قصير، وتزوج سليمان بنت المك وأنجب منها أبناء من بينهم عمارة دنقس. وأصبح الأبناء حكاماً في مناطق مختلفة من السودان. وتقول رواية أخرى أن أولئك الأبناء قد مروا جنوباً على حافة المرتفعات الإثيوبية وعبروا إلى النيل الأبيض.

 

وفي رواية ثالثة فان تيفا، وقام، وميتوبارا وردت كأسماء لأماكن في الحبشة مرَّ بها الأبناء في رحلتهم من اريتريا إلى السودان. يشير الاسم الثاني منها إلى قوز فامى و دبة فامى شمال شرقى الرنك، في حين أن ميتوبارا يمكن أن تكون قرية ماتبار الواردة في عمل كايو بين جبل كلجو وتلال الانقسنا في الطريق منها إلى النيل عند الروصيرص. هنالك مكان آخر، جبل ماتبارا، هكذا ورَّد ذكره في خريطة خوجلين، حالياً جبل ماكبارة على بعد عشرين ميلاً جنوبي القلابات في الزاوية الحدودية الحادة. مقاربة أخرى محتملة مع مدر بحر "منطقة البحر" التى هي اسم لمقاطعة اريترية كانت مديرية بارانجاش. إلا أن مكوك ابولدوجو وماجاجا لديهم تقليد جارى في تحداراتهم بأنهم دينكا وأنهم جاءوا من الغرب من تيفا و قام التى يقولون بأنها جبال في الغرب. تلك الروايات يبدو أنها تشير بقوة إلى النيل الأبيض بوصفه الموطن الأصلي للناس الذين يسمون فونج الجبال، لكن بما أن الفونج أنفسهم لم يجيئوا إلى تلك الجبال إلا مؤخراً، احتمالا بعد الغزو التركي، فان الروايات التى لا تعتمد على أسس راسخة قد لا يكون لها تأثير على إشكالية أصل الفونج.

 

الرواية التى حكاها مك قيلي نايل تسمى سليمان إبن خالد وتأخذه إلى دنقلا حيث تزوج بنت الملك الذى كان اسمه تيوجهاوال. وأصبح عمارة ثمرة هذه الزيجة ملكاً على العنج. ومن ثمَّ تصبح الرواية مختلطة حيث يقال بأن العنج تعرضوا للهزيمة من قبل جيش الفونج واحتموا أولاً بسنار ومن ثم في جبل تورتاسى (بالقرب من قيلى) وتنتهي الرواية كالتالي: "حين وصل الفونج إلى السودان كانوا بيضاً مثل الإنجليز لكنهم بزواجهم من النساء المحليات أصبحوا سوداً. تزوج ملوك الفونج في قيلي بنساء من البرتا الهمج والانقسنا وغيرهن ".

 

أما رواية البجة (البشارين الابراهيماب) فتحكى بأن أبناء مروان بن الحكم وصلوا إلى الحبشة من الجزيرة العربية وتقدموا ليهزموا عبدلاب رفاعة، وكان ذلك في عهد أناكو وكادابوب. لاحقاً انتفض الهمج وقتلوا أبناء مروان واقتسموا الأرض مع العبدلاب. وكان البطاحين والشكرية تحت سلطانهم. وتقع رفاعة في الضفة المواجهة لأربجى وبالتالي تكون هذه الإفادة هي الثانية عن المعركة التى ذكرها بروس.

 

ويبدو أن هناك رواية في وركَّت (بالقرب من قربين) تربط الفونج بالنيل الأبيض. يتحدث سكان وركَّت لغة غير عربية ويسمون أنفسهم بالهمج ويميزون أنفسهم عن الفونج الذين كان موطنهم الأصلي ستامسيتزى الواقع بين جبال نيماتى وتيفافان. كان معظم الزعماء في قراويط، الواقعة إلى الشمال من قلى، من الفونج الذين شكلوا السكان الأصليين للجبل. وكان السكان فخورون بأصلهم الفونجاوى وعدوا الهمج قوماً تابعين رغم أن المجموعتين تحدثتا اللغة نفسها. ورغم أن فونج قراويط تمازجوا مع الهمج فانهم ظلوا يظهرون ملامح مميزة تجعلهم إلى حد ما أشبه بأجمل الشلك. وهناك فونج أيضاً في جبلي قلى وسيلاق غالبيتهم من الفانا فانا ويدركون صلتهم بمك رونجا السابق. احتمالاً أن يكون كل أولئك الفونج قد هربوا جنوباً من أراضيهم مع بداية الغزو التركي (الذى كما هو معروف جعل الاسترقاق أحد أهدافه الرئيسة- أركامانى).

 

حالياً فان تلك الروايات تظهر اختلاطاً بيناً وعدم ترابط، إلا أن النقطة الأهم هى هل تلك الروايات تحدارات شفهية حقيقية أم أنها مجرد روايات منتزعة من سرد مكتوب أم أنها خليط من الاثنين؟ أعتقد أنها خليط من الاثنين. إن إدخال شخصيات من القرن الثامن على أحداث من القرن السادس عشر يمكن أن تكون بفعل الفقيه السمرقندى أو أي تأثير استعرابي آخر. لكنه من سليمان ولاحقاً تظهر الروايات قدراً من المصداقية. فالمحتوى هو من نوع الموضوعات المعتادة التى تحكى عن مغامر فقير يتزوج بنت الملك ليؤسس أسرة حاكمة. التفاصيل التى تذكر هي التى تمثل أهمية كبرى بالنسبة للرواة- يتذكر أبراهيماب أسفل نهر عطبرة، أو يختارون إن صح التعبير، من التاريخ المكتوب هزيمة جيرانهم العبدلاب, ويختار سكان الجبال الجنوبية الشرقية أحداث من تاريخهم القديم الذاتى- التجميعيون العرب للأنساب يمكن أن يتحملوا مسئولية إدخال الحكم ومروان، لكنه لم يهمهم شئ سوى تأسيس أو اختلاق أصل عربي، ويبدو مستبعداً أن يكونوا قد اختلقوا الأحداث الأخرى.

 

لنحاول النظر إلى المخطوطات المحلية وما تقوله حول الموضوع، وهو أمر أصبح ممكناً بفضل العمل الكبير الذى قام به ماكمايكل. أفضل تلك المخطوطات والتي يرجع تاريخها لمنتصف القرن السابع عشر تفيد بأن الأمريين هم أسرة سليمان بن عبدالملك بن مروان الأموي" يقال بأنهم حكموا السود في السودان وبلاد الهمج حتى أصبحوا في نهاية المطاف متماثلين معهم في كل الوجوه وأصبحوا يعرفون بالفونج. هرب سليمان من الجزيرة العربية إلى الحبشة ومنها إلى السودان حيث تزوج بنت الملك وولد منها ولدان هما داؤود وأنس، الذين تغير اسماهما بعد موته ليصبحا اودون وأونسه. من صلبهما جاء ملوك السودان كان الأول منهم هو عمارة في سنار".

 

الرواية الإرترية

خلاصة تلك المناقشات يبدو وكأننا قد تخلصنا من فرضية بروس عن الأصل الشلكاوى ويمكن الحديث عن أصل غربي (النيل الأبيض) كبينة صالحة للموطن الأصلي لمؤلفيها لكنها غير صالحة لأصل الفونج. تشير الروايات الأخرى ، الشفهية والمكتوبة، إلى الشمال الشرقي. في العام 1522 كان مقر عمارة دنقس بلا شك في لامول التى تبعد ثمانية أيام من سنار، ويحتمل أنه جند قواته من سكان تلك المناطق. إلا أنَّ الرواية المحلية تلمح إلى أنه جاء في نهاية الأمر من مكان أبعد إلى الشمال. حالياً هناك في إرتريا روايات محددة لقبيلة تسمى الفونج. وقد سجل روسينى رواية محلية تقول بأنه عندما جاء ازجدى عند الهباب في حوالي 1500 كانت القبائل القاطنة في المنطقة هي البالو والفونج, وقد رحل الفونج عند وصوله وبقيت منهم في الوقت الراهن أسرة واحدة فقط. يجدر ملاحظة أن الحديث هذا عن الفونج كقبيلة وأضيفت لهم قبيلة أخرى هي البالو، ومن ثمَّ فإنهم يظهرون أناساً عاديين لا حكاماً على المملكة، وعاشوا في ترترا. القرية اللاحقة إلى الجنوب من قرية ازجدى هي قرية اندلال (انزلال).

 

في سيرة حياة مرقوريوس ذكر أن ملكة سبأ (المسماة ملكة الجنوب) لدى عودتها من زيارة قامت بها إلى سليمان إتبعت طريقاً مغايراً لطريق رحلة الذهاب ذلك أن عبيدها الفونج والتاكورير والبالو كانوا في حالة ثورة. يتضمن ذلك أن تلك القبائل احتلت جزءاً من الطريق المعتادة إلى فلسطين حين كتبت تلك الفقرة، وسيضع ذلك تلك القبائل على أو بالقرب من طريق الحج العادية عبر إرتريا (من سواكن عبر ماريا إلى كرن). ينطوي المرجع ولا شك على مفارقة تاريخية: فالقس المعنى (مرقوريوس) توفي في عام 1419 في حين نسب روسينى المخطوط إلى القرن الثامن عشر. ربط الفونج بقبيلتين أرتريين أخرتين يبدو أمراً في غير مكانه في القرن الثامن عشر عندما كان الفونج في وقتها معروفين جداً في الحبشة بوصفهم أسرة حاكمة في سنار، لكن ذلك يمكن أن يكون سليماً وصحيحاً في القرن الخامس عشر.

 

ويسجل روسينى رواية تقول بوجود معسكر للفونج في ريبالاف بالقرب من ريَّا في سهل آجرا حيث يمكن مشاهدة بقاياه بالقرب من قبة الشيخ إياسو. وكان المكان يسمى أتاتافي حيث حارب الفونج الالمادا الذين كانوا قد احتلوا المنطقة قل مجئ ازجادى.

 

ويتواتر الاسم الفونج في المنطقة نفسها. ففي شجرة نسب قبيلة المنسا إلى الجنوب من الهباب، فان الاسم الثالث كان اوالى الفنجاوى، الثالث تحدراً من منساى . هذا الاسم يرجع إلى الجيل الحادي والعشرين السابق لاحباماخل (بداية القرن العشرين) وسيقع بالتالي حوالي نهاية القرن الثالث عشر بزمن طويل سابق لتأسيس أسرة الفونج. وفي بركة على بعد ثلاثون ميلاً أسفل أغوردات يوجد خور باسم اديفونجاى. وعلى بعد أربعة أميال يقع دونجواز الذى يعد معسكراً صيفياً لزعماء بنى عامر، ولذلك يسمى داجا أو زاجا المعسكر ويقع في منطقة صالحة للزراعة بالقرب من بحيرتين. وقد يكون اسم عمارة دونقس مشتق من دونجواز. الاسم الثاني لا بدَّ أن يكون اثنيا أو طبوغرافياً ، ويوجد مثل هذا النوع من المطابقات في المنطقة.

 

لا تقول الرواية في كلمات كثيرة أن ازجدى طرد الفونج من وادي انسيبا حيث وجدهم، لكن ذلك مضمن في الإفادة التى تشير إلى رحيل الفونج بوصول ازجدى. يمكن عد هذه الحادثة سبباً وراء تحرك عمارة دونقس إلى الجنوب، لكن كراوفورد يقول بأنه ليس ضرورياً لفرضيته الاهتمام بالرحيل إذ قد تكون هناك أسباب أخرى أدت اليه. عاش عمارة دونقس في عصر شهد عدم استقرار وتقلبات سياسية. أخذت الحبشة، الجارة الأقوى، في الاهتمام بالجنوب الشرقي حيث أرض محتليها المستقبليين حكام ادل (زيلع). ظلت الحدود الغربية مفتوحة إلى كل من بإمكانه حشد مئات الفرسان. لقد كانت المنطقة معبراً يمر بقبائل متوحشة ليصل إلى أراضى غنية لكنها مهجورة . ويحتمل أن عمارة دونقس قد شرع مع فرقة من الفرسان في نقش مستقبله في الجنوب وأقام مركزاً له في لامول. كان من بين قواده العسكريين واحد باسم أبوكامل والذي يمكن أن يكون سلفاً للكميلاب إلى الجنوب من طوكر. كان أبوكامل شريفاً مكياً وكان كميلاب عطبرة، وهم فرع من القبيلة نفسها، أشرافاً. مرة أخرى تتفق التواريخ، اذ أن كميَل السلف التقليدي للكميلاب ينتمي لنفس جيل عمارة دونقس، وتزوج عثمان حفيد عبدالله جماع فاطمة حفيدة أبوكامل (كميل).

 

نوبا وهمج وعنج

بوصول عمارة إلى الجنوب فانه غالباً ما واجه أناك (النوباويون) الهاربون من رماح العرب بعد تدمير سوبا (علينا أن نتذكر أن شيخ العبدلاب يقال بأنه جاء إلى السودان عندما ذهب والد عمارة إلى تافا). هذا الحدث الداوى لازالت ذكراه عالقة في أذهان أحفاد الهاربين والذين أصبح قسمهم الأعظم "وحاة سوبا بلد الجد والحبوبة"، حتى اليوم فان خراب سوبا يساق في السودان للتعبير عن الدمار الشامل. يحتمل أن عمارة كون فرقة فرسان منهم مستغلاً رغبتهم الطبيعية في الانتقام ممن دمر حاضرة مملكتهم وتقدم شمالاً على النيل الأزرق ليستعيد معهم منطقتهم المفقودة. بعد انتصاره الذى حققه في أربجى قرر تأسيس عاصمة مملكته الخاصة في سنار ذلك أن سوبا كانت قد دمرت دماراً شاملاً، بالإضافة إلى أن سنار كانت محمية من هجمات العرب. وكان عباديا، احتمالاً عبدالله جماع، مسئولاً عن خزائن الملك عندما زار روبينى سنار. وتحرك عمارة دونقس نفسه باستمرار من مكان إلى مكان ، وهى ممارسة شائعة في الأزمان السالفة التى انعدم فيها حكم القانون، إن أراد الاحتفاظ بسلطته على الزعماء الخاضعين له. إلا أن بينة روبينى تشير إلى لامول مقراً رئيساً لعمارة دونقس. إذا كانت لامول في القلابات فان اختيارها لا بدَّ وأن يكون موفقاً حيث أنها تسيطر على أهم طريقين تجاريين يدخلان إلى الحبشة من الغرب ويلتقيان عندها. إلى الجنوب الغربي من القلابات حزام ممتد من الأراضي الجبليَّة. لقد كانت منطقة حدودية نموذجية يصعب الوصول إليها أو السيطرة عليها، ملجأ طبيعياً للمنبوذين. حتى اليوم فان المكان لازال مجهولاًً بل أن القسم الحبشي (كوارا) غير موضح في الخرائط. القسم الجنوبى إلى الشمال الشرقي من فازوغلى هى الأرض المسماة بأرض الهمج, مركزها القوى في أبى رملة (التى فشل الملك دكين في احتلالها). هذه منطقة جانجار، وغالباً من هنا جند عمارة قواته المكونة من اللاجئين العنج والمواطنين االهمج. على مثل هذا المستودع للقوى البشرية اعتمد ملوك سنار في فرض سيادتهم إلى حين أن تم اكتشاف المستودع الثاني في كردفان. طالما تمركز حاكم الفونج أساساً في لامول مع وجود نواب له في سنار والمناطق الأخرى فقد ظل بمكنته التحكم في القوات، لكنه بمجرد أن انتقلت العاصمة إلى سنار، غالباً في عهد دكين ، فان تلك القوات، وقد تركت لنفسها، نالت قدراً من الاستقلال. يمكن أن تكون تلك هي الحقيقة الكامنة وراء عبارة الفونج في الجنوب، وأصل جواد الجانجار، وقوات لولو. شذرات بيَّنة تدعم هذه الفرضية هي مقولة الشكرية عن حرس الفرسان لملك سنار أبناء دونجور وريد، ودونجور هي مكان في منطقة جانجار في أعالي الدندر. يبدو أن مقولة الشكرية تتعلق بأحداث وقعت في بداية القرن السابع عشر.

 

لازالت منطقة فازوغلى تحتوى على بقايا أعداد من الإقطاعيات الممنوحة المستقلة، بمجرد الاعتراف بسيادة سنار. لازال مك فازوغلى نفسه يحتفظ بمنصبه في ظل حكومة السودان (الإشارة إلى الحكومة الاستعمارية البريطانية-المصرية) وتم تتويجه قبل فترة "بالطاقية". يلقب حاكم الفونج الحالي بالمانجل لكن يقال أنه لقب مستحدث. ولجبل قيلي الواقع على بعد سبعين ميلاً إلى الجنوب من الروصيرص تاريخ مثير يرتبط بعلاقات فونجاوية محددة، وهو اسم أقرب لكلمة نوبية تعنى" أحمر" فهل يكون الاسم أطلق من قبل نوبيين هاجروا جنوباً؟ التاريخ المبكر لقيلى غير واضح ومعروف فقط من التحدارات الشفهية التى تذكر شخصاً ما باسم جابار ملك فازوغلى والموجود اسمه في قائمة ملوك تلك المنطقة. كان مياس هو الملك الأول لقيلى، عم لعمارة دونقس وكان عرشه في ديسا بالقرب من الروصيرص إلى الشمال منها، وهو موقع سمي سابقاً أبومياس. وفي ديسا يوجد موقع قديم يقول الناس عنه أن اسمه كان سوبا ومياس. ويقول شاتوى أن الموقع مغطى بالفخار أكثر من أي موقع آخر شاهدته وأن هناك  ما يبدو أشبه بأرضية منزل مشيد بالطوب الأحمر. يرد الاسم مياس في أشجار النسب لكن دون علاقة برواية قيلى.

 

طبقاً لروايات قيلى فان مراكزهم الرئيسة تم تحويلها من ديسا إلى جبل رقريق على بعد ثمانين ميلاً إلى الجنوب بواسطة دورا ابن مياس، ومن هناك إلى قيلي القريبة (حيث هي الآن) بواسطة مياس ابن دورا.

 

وسط مثل أولئك الزعماء الإقطاعيين الصغار جند عمارة دونقس جيشه الذى تمكن به من إلحاق الهزيمة بالعرب العبدلاب وأسس مملكة الفونج في سنار. هذه هي بلاد الهمج وزراء الفونج. ويقال أن الأميريين، وهم أسلاف ملوك الفونج، كانوا قد حكموا السود في السودان وبلاد الهمج وأصبحوا أخيراً متماثلين معهم وعرفوا بالفونج. سيكون رائعاً أن ينجح المرء في إعطاء تعريف دقيق لمصطلح الهمج، إلا أن ذلك غير ممكن ذلك أن مراجعنا تعطى تعريفات مختلفة ولا يعرف سوى أنهم قدموا إلى سنار من الجنوب.

 

أولئك الهمج في منطقة فازوغلى كانوا في الغالبية زنوجاً لكنهم شملوا بعض العناصر المهاجرة من الشمال الغربي. سيكشف علم الآثار يوماً عن ثقافتهم المادية. حالياً فان علم الآثار يقدم دعماً محدوداً للنظرية القائلة بمجئ الفونج إلى سنار من هذه المنطقة. كشف في موقع أبوقيلى المواجه لسنار في عام 1914 عن جبانة احتوت مقابرها على فخار لم يسبق الكشف عن مثله (حتى ذلك الوقت- أركامانى) عدت الجبانة منتمية إلى تاريخ متأخر غالباً عصر الفونج. الفخار جد مختلف عن أي فخار آخر ولا بدَّ أنه قد تم إدخاله من مكان آخر ولا يشكل تطوراً من الفخار المسيحي السابق الخاص بالمنطقة. حالياً فان البينة المتوفرة تشير إلى أن الفخار الفونجاوى في أبوقيلى مشتق من ثقافة تنتمي إلى أعالي النيل الأزرق.

 

فرضية الأصل الشلكاوى

إلا أن دعاة الفرضية الشلكاوية قد يجادلون بأن هناك جذر شلكاوى صغير لكنه قوى في رواية الفونج والذي لا تستطيع هذه النظرية الشرقية (أعالي النيل الأزرق) اعتباره. من ثم نحاول تناول هذا الاعتراض وأيضاً إعطاء بعض التفاصيل عن الشلك أنفسهم الذين، حتى وإن كانوا مجرد مغيرين، قد وجدوا لأنفسهم مكاناً في تاريخ سنار.

 

تقوم النظرية القائلة بالأصل الشلكاوى للفونج على عدد من العناصر يأتي في مقدمتها سرد بروس الذى يكثر الاستشهاد به. ثم هناك الاعتقاد الراسخ لدى كبار السن من همج جبل قولى بأن الفونج كانوا شلكاً، بالإضافة إلى ذكر الشلك والدينكا والكيرا في أنساب يعود تاريخ واحد منها إلى القرن السادس عشر وهى أنساب تجعل هذه المجموعات الاثنية الثلاثة تشترك في أصل واحد مع الفونج. هناك أيضاً طقوس التتويج مع الكُكُر المصاحب لها وهى طقوس تحمل الكثير من السمات المميزة للطقوس الشلكاوية. ورغم أن هذه العناصر قد تبدو غير كافية فإنها تمثل أساساً يمكن الإتكاء عليه.

 

يفترض كراوفورد أن الارتباط الشلكاوى لم يتم اشتقاقه مباشرة من منطقة الشلك في النيل الأبيض، لكن بطريقة غير مباشرة من منطقة فازوغلى والجبال الواقعة إلى الغرب منها والتي كان سكانها جزئيا من أصل شلكاوى. عندما زحف عمارة دنقس شمالاً إلى أسفل النيل الأزرق وأسس مملكته قد يكون اصطحب معه بعض تلك الارتباطات الشلكاوية، لكن الأكثر احتمالا أنه قد تم إدخالها، أو أنها اتخذت جذوراً راسخة لها، عندما أصبحت سنار مقراً دائماً لملوك الفونج. ويربط كراوفورد ذلك بقدوم دكين "من الشرق". يتوافق ذلك جيداً مع إفادة المك حسن المشار إليها سابقاً بأن دكين سمي صاحب العادة ذلك أنه هو الذى أدخل للمرة الأولى طقوس التتويج. أفلا يجوز أن تكون تلك الإفادة صحيحة طالما أن دكين هو الملك الأول الذى تم تتويجه في سنار بعد أن وصل اليها ليجعلها مقراً لحاضرته الدائمة بدلاً عن مركزها القوى النائي في لامول؟ ويتفق آركل مع هذا التفسير ويرى بأن دكين هو الأول من ملوك الفونج الذى أرسى علاقات تعاضد مع الهمج المحليين الأوصياء على الطقوس التى تبناها الفونج.

 

هناك خلط واضح بين الفونج والهمج يمكن ملاحظته بسهولة. ينتمي ملوك الفونج إلى طبقة القادة العسكريين الحاكمة التى يرجع أفرادها إلى أصول اثنية مختلفة بعضهم، بما في ذلك الملك الثاني عبدالقادر، يحملون أسماء عربية قحة. ضمت قوات عمارة دنقس الأصلية ضباطاً عرباً وأحباشاً وبجة ونوبيين وهو مجرد افتراض ذلك أن ما نعرفه عن الجيش هو أنه مؤلف من الفونج والهمج، وبما أن الهمج هم المحليون فان المنطق يقول بأنهم شكلوا الأغلبية العددية، وأن مصطلح الفونج استخدم للدلالة على طبقة الضباط. ففي الجزيرة لازال هناك تقليد شائع يقول بأن الفونج كانوا جيشاً بلا نساء وأنهم اتخذوا نساء لهم من السكان المحليين، من هنا يبدو لنا أساس الخلط بين الفونج والهمج. بخصوص هذا الخلط يطرح كراوفورد فرضية بشأن الطبيعة المزدوجة للتحدارات الشفهية عن أصل الفونج، وتقول فرضيته بأن الروايات الخاصة بالأصل الشمالي للفونج يمكن إرجاعها إلى الطبقة الفنجية الحاكمة، في حين ترجع الروايات القائلة بالأصول الجنوبية إلى سكان منطة فازوغلى التى تم غزوها.

 

لا شك في أن أهل فازوغلى وصلوا أصلاً من الغرب. إنهم زنوج ومن ثم لا يمكن عدهم قادمين من الشمال أو من الشرق. وفي الجنوب الشرقي تمتد أرض الحاميين الجالا، إضافة فان أسماء الأماكن تشير إلى بينة واضحة لعلاقة بالشلك. كان وسترمان  في مؤلفه عن الشلك أشار إلى أن هناك العديد من أسماء الأماكن في فازوغلى تحمل البادئة فا أو با وهى بادئة تميز أسماء قرى الشلك ومن ثم يصل إلى استنتاج بأن قرى فازوغلى هي مواقع للشلك الذين وصلوا إلى هناك كمهاجرين Westermann,1912. إضافة فان هناك نوع من الازدواجية في أسماء الأماكن (مثلاً كاكا) الموجودة في كل من فازوغلى ومناطق النيل الأبيض.

 

الاتصالات المباشرة بين مملكة سنار والشلك وجدت بالتأكيد. لا بدَّ أنه كان هناك تداخل مستمر في المراكز الحدودية الفنجية في العيس. بفترة قصيرة بعد منتصف القرن السابع عشر، على سبيل المثال قتل شخص اسمه إسماعيل عازف العود وهو من المسلمين وقتل معه أكثر من أربعين مسلماً من قبل الشلك الذين وصلت غاراتهم أحياناً أبعد إلى الشمال. وقد أعطى بيثريك، الأول من الرحالة الأوربيين الذى وصل بلاد الشلك، وصفاً لتلك الغارات ويقول بأنه " خلال فيضان النيل (الأبيض) نزلت مجموعات من عصابات الشلك في زوارقهم الخفيفة بأسفل النيل وفاجأت العيس والسكان العرب على ضفتي النهر شمالاً حتى وادي الشللاى. وكانوا جريئين بحيث أنهم في العديد من الحالات بعد أن يخفوا زوارقهم في الحشائش قاموا باستكشاف عبر البلاد حتى المناطق المجاورة لسنار...استرقوا النساء والأطفال، وغنموا القطعان والمواشي" Petherick,1861. بين كوستى وسنار فان النيلين يبعدان عن بعضهما 60 ميلاً وكانت الجزيرة أكثر عرضاً إلى الشمال والجنوب من خط العرض هذا بحيث أن المناطق المجاورة لسنار كانت عرضة لمثل تلك الغزوات. ليس هناك سجل لهذه الغزوات لكن المرء يتوقع أن يتم العثور على سجل من هذا النوع.

 

وصف شفاينفورث زوارق الشلك التى حظي بمشاهدتها بأنها من "الطرور الموثوق بالحبال، وإنها خفيفة الوزن كالريش بحيث يستطيع المرء حمل ثلاثة منها على كتفه مع أن كل زورق منها يمكن أن يسع لثلاثة أشخاص. عندما يصل الشلكاوى إلى نهاية الرحلة فانه يقبض على زورقه كما يفعل محارب قديم مع درعه، ويحمله معه ليضمن سلامته من جانب، ولجعله يجف حيث أن الطرور يمتص الماء بسرعة ويتشبع بالرطوبة . قابلتني مجموعة بأسطول كبير من تلك الزوارق تقدر بحوالي ثلاثة ألف زورق ، وبما أن مجموعة من التجار تعرضت للهجوم في طريق عودتهم إلى الخرطوم ونهبت بضاعتهم فانه انتابني قدر من القلق ". ويضيف شفاينفورث " يمكن رؤيتهم مندفعين نحو النهر بسرعة جنونية وهم يجمعون مراكبهم بكثافة مثل النمل" Schweinfurth,1873.

 

في عام 1911 شكلت بلاد الشلك شريطاً ضيقاً على الضفة الغربيَّة للنيل من كاكا في الشمال حتى بحيرة نو في الجنوب. ووصف بيثريك مدينة كاكا في عام 1853 بأنها مكونة من قطاطى من القش وتبعد ميلاً واحداً عن النهر وهى الأبعد شمالاً والأكثر أهمية من بين مدن الشلك والمكان الوحيد الذى سمح فيه للأجانب بالاستقرار.

 

عن التاريخ القديم للشلك لا نعرف سوى ما يمكن استقراءه من التحدارات الشفهيَّة. يوماً ما سنعرف أكثر إذ أن ضفتي النيل الأبيض مليئة بالأكوام التلية (الدَبَّات) التى تبدو جلية في الخريطة امتداداً من الجبلين حتى ملكال تقريباً والسوباط، كما توجد في حالات إلى الداخل بعيداً عن النهر على جوانب الوديان. وتوجد دَبَّات أخرى في بحر الغزال عند ملتقى نهر بونجو مع نهر قول وإلى الشرق باتجاه نهرجور. تلك الدبات ذات شكل مستدير وذات أحجام مختلفة تبلغ أربعة ألف/ عشرين ألف متر مربع ، بارتفاع 15-40 ق.م. الفخار الذى يغطى بعض تلك الدَبَّات يختلف عن فخار الدينكا، ويفسره السكان المحليون بأنه صنع من قبل جماعة من بارجو الذين كانوا طوال القامة.

 

عودة لإشكالية أصل الفونج نجد أن أهل فازوغلى قد جاءوا من النيل الأبيض، ويرى كراوفورد أن هناك ثلاث طرق محتملة لإنجاز ذلك الارتحال: الأول من المناطق المجاورة لملوط عبر السهل شرقاً إلى حافة مرتفعات الحبشة ومن ثم التغلغل التدريجي شمالاً عبر الكرمك وقيلي، والثاني من حدود جبل أحمد أغا عبر الكرمك ومن ثم شمالاً، والثالث من المنطقة المجاورة للرنك مروراُ بجبل قلى وتلال تابى.

 

إن تسمية جبل احمد أغا هي ولاشك تركية متأخرة وهو ذات الجبل الذى ذكره فيرنى باسم دفافونق وهكذا عُلَّم في الخريطة. ويعتقد كل من كراوفورد وآركل بأن الاسم دفافونق لا علاقة له بتأصيل الفونج. ويسمى ليجيان هذا الجبل تيفافان ويقول أن الاسم الدينكاوى للجبل كان "كور اوير" أى جبل اوير وأن العرب أسموه جبل بربا نسبة لاسم الأطلال الباقية بجواره. الاسم أحمد أغا يرجع تاريخه تحديداً إلى العام 1860 حيث وقعت معركة بين الدينكا والمستعمرين الأتراك. يرد الاسم في خريطة مصلحة المساحة ربع المليونية باسم احمد أغا بالإضافة إلى ذكر اسم بديل هو بيبان. لمصلحة الاحتمال الثالث يمكن ذكر الاسم قوز فامى الواقع حوالي عشرين ميلاً إلى الشمال الشرقي من الرنك. كانت فام واحدة من الأماكن التى مرَّ بها الفونج في طريق هجرتهم.

 

فرضية الأصل البورناوى

طرح آركل فرضية وصول الفونج إلى سنار لا بقوتهم الذاتية وإنما بفضل قيادة وفرها حاكم أسرة منفية من بورنو (كانم سابقاً). كانت إمبراطورية كانم قد سيطرت على مملكة دارفور، بالتالي على طرق القوافل إلى النيل ومصر. تقول التحدارات في بورنو أن إمبراطورية كانم قد تمددت في 1576 شرقاً حتى النيل وأرض دوى أو دو داو (داتاو؟) التابعة لمملكة دنقلا المسيحية، وهى في رأى آركل أدو في جزيرة صاى. وصل الإسلام إلى كانم قبل سنة 1240 من شمال أفريقيا لا مباشرة من مصر. تذهب هذه الفرضيَّة للادعاء بأن المنفيين المسلمين البورنو، بفعل الصراعات على السلطة في إمبراطورية كانم، وصلوا إلى النيل الأبيض واستقروا في العيس التى كانت حينها قرية شلكاوية، وأصبحت السلطة للغزاة بداية على الشلك ومن ثم على مملكة سوبا المضعضعة. وبفضل قوة الشلك هزموا العرب الذين كانوا تحت قيادة العبدلاب في معركة أربجى ومن ثم أقاموا مملكة سنار. ويرى بالمر أن اسم الفونج نفسه يرتبط بالفونى، وهو اسم الماى الأسطوري لكانم، وبالكلمة التى تعنى في لغة الكانورى والتبو غطاء الوجه (اللثام) لدى الطوارق، وأن كلمة الهمج مشتقة من الكلمة الطارقية امجهلى (الجمع، ايمجهاد) والتي تعنى طبقة العبيد.

 

هذه الرواية البورناوية تؤكد في جزئية منها على الأصل الشلكاوى للفونج طالما أنهم هم الذين أسقطوا سوبا.. وهزموا العبدلاب.. وأقاموا سنار تحت قيادة بورناوية غازية قهرت الشلك ومن ثم فان تسمية الغزاة فونجا هي، كما يقول كراوفورد، أن نسمى أسرة وليام الغازى سكسوناً.

 

تعقيب أركامانى

هكذا يتضح أن التكوين الاثني لمملكة الفونج إنما يجسد نتاج عملية تمازج  هائلة أنجبت مجتمعاً قديماً- جديداً . لا خلاف في أن العرب الوافدين إلى كوش كانوا من القبائل البدوية الصرفة الباحثة عن المراعى الخضراء وما كانت مسألة نشر العقيدة الإسلامية واردة في حسابات دوافع تلك الهجرات . تمثل حياة البداوة نمطاً من الحياة مباشر وفطري ومن ثم فان معرفة البدوي تعد ترجمة مباشرة لحاجاته ، أي كما يقول غاستون بلاشار، البدوي لا يرهق نفسه في معرفة الأشياء وإنما يشير إليها فقط بجدواها ومقدار الفائدة المباشرة منها. كان إسلام البدو يعنى الإيمان والاعتقاد ولا يعنى رؤية أو نظاماً   وكان ذلك هو ما يعرف عن الإسلام طوال المراحل السابقة على الفونج، فقد كان إسلاما بدوياً لا يحفل بما يدور في عالم الفكر والثقافة بل يجهل . بالتالي من الصعوبة بمكان العثور على إشارة إلى رائد فكر أو مدرسة علم أو حتى نظرية أو منطق طوال تلك القرون من عمر التمازج مابين أنظمة الحياة المحلية وأنماط حياة البداوة التى أصبحت أحد المكونات الأساسية للعقل السوداني". كان ملوك الفونج لا عرب العبدلاب هم الذين فتحوا البلاد وأرسلوا الدعوات إلى الفقهاء المسلمين للحضور ومباشرة الدعوة للدين الجديد الذى اعتنقوه بفعل استضافتهم للوافدين العرب والسماح لهم بالانصهار معهم. فالسماحة السودانية التى نتغنى بها صباح مساء هي في الواقع سمة ميزت كوش وشعوبها منذ أقدم الفترات التاريخية وليست سمة وافدة من ما وراء البحر. إلا أن الأهم قبل كل شئ لفهم الأزمة الحالية التى تهدد كيان أمتنا السودانية إنما يكمن في حقيقة أن وصول الدعاة الإسلاميين ارتبط بفترة الانحطاط الذى ساد الثقافة العربية بدءاً من 1258 م. وصف ابن خلدون حال الفقه في تلك الفترة بقوله "وقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة- مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل، وسد الناس باب الخلاف وطرقه، فصرحوا بالعجز والاعواز وردوا الناس إلى تقليدهم هؤلاء الأربعة كل بمن اختص به من المقلدين وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من تلاعب" ابن خلدون . محق عثمان حسن عثمان في قراءة النص بحسبانه يشير إلى "تخشب الفكر وذبوله في حقل الفقه، وانقطاعه إلى تقليدية مفقرة قادت إلى الانغلاق والتعصب المذهبي، فسرها ابن خلدون بانعدام البيئة التى يتفاعل فيها الرأي والرأي الآخر". فالدعاة الذين قدموا إلى مملكة الفونج في القرن السادس عشر وما بعده كانوا يحملون لا " عقل فقه " وإنما "عقل رجعة " خلط في رجعته لنموذجه المثالي، على حد تعبير العروى، بين مرجعية النص الديني ومرجعية النص التاريخى مضفياً القداسة على النص التاريخى. وفي هذا السياق عبر عثمان حسن عثمان عن حقيقة الفقه في السلطنة الزرقاء بقوله " أن العقل الفقهي كفاعلية لم يعد له وجود في عصر الانحطاط ، اللهم إلا بعض الآليات مستخدمة بشكل مبتسر ومحور في نطاق "عقل الرجعة" الذى مثل فاعلية متخفية في ثياب الفقه. بالتالي كان من الطبيعي أن يذكر ود ضيف الله في مستهل كتابه الطبقات بأن ما يستمده من أخبار عن الأصوليين بمنزلة اليقينية التى تفيد العلم بالشئ وتنفي عنه الشك والظن والوهم".

 

هذا العقل متسربلاً بالفقه فرض أفقه على مملكة الفونج. وإذا كانت مقولته الأساسية الاتجاه بكل ما يطرأ على المجتمع من مستجدات نحو الماضي النموذج بحيث يكون الجديد امتدادا آلياً للقديم ويكتسب معناه منه، هي الرؤية الحالية لدعاة التيار الإسلاموي الأصولي من الترابيين الذين يطرحون تصورات ومبادئ تتعالى، كما يقول الطيب تيزينى، على التاريخ ولا تخضع لا للتطور ولا للنقد، فلا عجب أن تصل أزمة أمتنا السودانية في القرن الحادي والعشرين إلى نفق مظلم. يسعى الترابيون اليوم إلى تأكيد فكرة سيد قطب القائلة بأن الإسلام وحدة عقيدة وسلوك ، أنجز نموذجاً مثالياً من خلال إعادة بنائية لنواحي الحياة الأخلاقية و المادية ونظمها الاجتماعية، في البيئة البدائية التى ظهر فيها. بالتالي ليس من ثمة شئ يعمل العقل على اكتشافه وإنما محض تأويل واتساق مع المبادئ في التاريخ. إنهم يصرون، حفاظاً على مصالحهم السياسية والمادية في المقام الأول، على تبرير سلوكياتهم باللجوء إلى الخلط والدمج بين ميدان العلاقة بين الخالق والمخلوق وميدان العلاقات الاجتماعية واقفين حجر عثرة أمام تحرر الميدان الأخير من سلطة الأحكام الدينية وبالتالي نشؤ مجتمع مدني، الشرط المسبق لوحدة أمتنا السودانية... هكذا يصرح عمر البشير لطلاب الثانوية العامة بعد أن اجتازوا الامتحانات وأكملوا التدريب العسكري القسري المفروض عليهم وهم يتطلعون إلى الانخراط في الجامعات بأن "شبابنا لا يطمح إلى الشهادات العلمية وإنما يسعى إلى الشهادة في سبيل الله! فالله ينظر سبعين مرة ليختار المجاهد، وينظر سبعين مرة أخرى ليختار الشهيد". لعمري أن ذلك إنما يجسد قمة الانحطاط الفكري الذى قال عنه سلامة موسى "إن الانحطاط لم يعن في القرون الوسطى سوى قصر الذهن البشرى على خدمة ما وراء الطبيعة ونشدان السعادة والهناء في غير هذه الأرض".

 

هذا الفكر الذى يفصح عنه بلا خجل عمر البشير وغيره من الإسلامويين الجدد في السودان ليس سوى استمرار لفكر الرجعة الذى ارتبط بعصر الفونج وبلغ مداه بفعل الإحباط في ظل العبودية الشاملة التى أقامها الاستعمار التركي  المصري على البلاد وأحالها إلى"سودان" بفهم قاصر لا تزال الذهنية العربية عموماً تتمثله. لن نخوض في تاريخ السودان الحديث الذى يبدأ بحملات محمد على التى دشنت السودان بوصفه أرضاً مستباحة لتجارة الرق طالما أنه أرض سود، فهذا التاريخ رغم أنه قد قتل بحثاً ودراسة فانه لا يزال يحتاج منا لإعمال منهجية أكثر صلابة علمية تميط اللثام عن المسكوت عنه الكثير بعيداً عن أشكال التابو المختلفة التى تفرضها عقلية مصابة بانفصامية قاتلة. هكذا كان لا بدَّ من أن يعلن أهل كوش والفونج، والذين صاروا يعرَّفون بلون بشرتهم السمراء عبيداً تستباح حريتهم، عن رفضهم العبودية الشاملة المفروضة عليهم ، فاندلعت نيران الثورة الوطنية التحررية التى ما كان لها من طريق سوى الاحتماء برسالة تخاطب الذهنية السائدة والتي نمت وترعرعت منذ 1504.

 

"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله الولي الكريم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله التسليم، وبعد فمن العبد المفتقر إلى الله محمد المهدي بن عبدالله إلى أحبائي في الله المؤمنين بالله وكتابه ...  ثم تفضل الله علىَّ بالخلافة الكبرى، وأخبرني سيد الوجود (صلعم) بأني المهدي المنتظر وخلفني بالجلوس على كرسيه بحضرة الخلفاء والأقطاب، وأيدني الله بالملائكة والأولياء ...  ثم أخبرني سيد الوجود (صلعم) بأن الله جعل لك المهدية علامة، وهى الخال على خدي الأيمن، وكذلك جعل ليَّ علامة أخرى: تخرج تحت راية من نور، وتكون معي في حالة الحرب يحملها عزرائيل فيثبت الله بها أصحابي وينزل الرعب في قلوب أعدائي فلا يلقاني أحد بعداوة إلا خذله الله  ...  ثم قال لي النبي (صلعم) : إنك مخلوق من نور عنان قلبي ، فمن له سعادة صدقَّ بأني المهدي المنتظر ، ولكن الله جعل في قلوب الذين يحبون الجاه النفاق فلا يصدقون حرصاً على جاههم  ...  والسلام عليكم".

 

هكذا أعلن قائد الثورة ضد التسلط التركي رسالته الربانية متوعداً باسم الله جميع من هم في شكٍ من أمره. ما كان له من سبيل آخر للمروق على إمبراطورية جعلت من الدين غطاء لممارسات مثل التى استباحها محمد على في السودان. ونجح الثائر المهدي في خلق صحوة وطنية دكت أسس دولة الاستبداد التركي وقضت عليه، لكنه في الآن نفسه أقام إطارا تأسست عليه بعد وفاته دولة دينية أشد استبداداً كان ناتج الصراع بين النخب من أجل السلطة، ليسيطر الخليفة عبدالله التعايشى على السودان من 1885 حتى 1898 فارضاً سلطانه عليه إرهاباً باسم الدولة الدينية بادئاً بقتل جميع أقرباء المهدي الذين ادعوا أنهم " الأشراف " الأكثر جدارة بوراثة الدولة التى أسسها الثائر المهدي، وبفعل الفشل في حل المشاكل السياسية والاقتصادية لجأ الخليفة إلى إعلان الجهاد  لنشر العقيدة  بدلا عن الالتفات إلى توفير الاحتياجات الدنيوية لشعب أنهكه القتال وهده. ومن ثم ما كانت البنادق السريعة الطلقات ولا المدافع الحديثة التى حصدت الآلاف في كرري هي عامل الهزيمة الوحيد.

 

وبعد الاستقلال يطل من جديد شبح الدولة الجهادية بدءاً من عام 1967 ليحقق دعاتها الانقضاض على السلطة في الثلاثين من يونيو 1989 بانقلاب عسكري أسود أدخل البلاد مجدداً في حالة احتراب باسم الجهاد لكنه هذه المرة جهاداً ضد مشروع الأمة السودانية نفسها ومستقبلها، جهاداً لفرض مشروع قروسطي تجاوزه الزمن.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حسن مكى 1990، الثقافة السنارية: المغزى والمضمون، الخرطوم، دار المركز الإسلامي الأفريقي .

عروسة: يذكر الميدا منطقة تسمى هاريسة، حالياً أريسا على بعد 40 ميلاً إلى الجنوب من أسمرا. ويذكر بروس منطقة تسمى عروسى فيما يسمى الآن عمارة، تقع في الخريطة الحالية بين تانا ودانقولا، وعروسة أيضاً اسم لمنطقة إلى الأسفل من الشلال الثالث وكذلك لجزيرة على النيل الأبيض بالقرب من كوستى (السودان في مدونات، العدد 15، ص 223). في اللغة العربية فإن الكلمة تعنى الفتاة حديثة الزواج لكن التسمية أبعد من أن تكون ذات صلة بهذا المعنى.

(1) قسم سوبا أنظر السودان في مدونات، العدد الثالث عشر، ص 256. ويقول كرافورد بأنَّ شيخ البومزوجا أحمد آدم قال له في فبراير 1950 أن الناس يقولون "سوبا بلد الجد والحبوبة" وأن العبارة تستخدم للقسم، كذلك قال أن كل المواقع القديمة يقال لها سوبا.

(2) الطاقية أبوقرون السودان في مدونات، العدد السادس والعشرون، ص 37-42 . لأهمية هذا الوصف الرائع للتويج بالطاقية أم قرون فقد قامت أركامانى بوضع ترجمة له قام بها د. عوض حسن من جامعة الخرطوم أثناء تواجده بالجماهيرية الليبية في جامعة الجبل الغربى، وذلك لغرض ما كانت له علاقة بمجلة أركامانى التى لم تك فكرتها قد ولدت حينها. أرجو المعذرة مم الصديق عوض حسن لنشرنا الترجمة دون الرجوع اليه لعلمنا بأنه لن بعترض على ما فيه النفع العلمي العام.

(3) أبومياس هكذا يسميه كايو ويضعه في خريطته مباشرة إلى الجنوب من الكوك (أبوكوك في خريطة مصلحة المساحة الربع مليونية رقم 55. ويشير كايو إلى موقع آخر يسميه المحس إلى الشمال قليلاً من سنجة وعلى الضفة الغربية توجد الحسابة الحالية. يذكر بروس مياس أو الكساب التى هة غالباً المحس عند كايو لكنه يخلط بينها وبين المكان الأبعد إلى الجنوب أبومياس التى هي أبوكوك وديسا. يوضح يروس في خريطته مياس على ضفة النيل والكسلب على بعد 30 ميل إلى الجنب بعيداً إلى الداخل. على كل حال فإنه لم يصل إلى هناك ومعلوماته سماعية.

D.Westermann 1912, The Shilluk People. Their Language and Folklore. Berlin.

J.Petherick 1861, Egypt, the Soudan and Central Africa, Philadelphia.

G.Schweinfurth 1973, The Heart of Africa: three years travels and adventures in the unexplored regions of Central Africa, from 1886 to 1871, Translated by E.F.Ellen, London.