قراءة في أعمال فرنسيس دينج عن الدينكا

 

 

 

 

 

رؤية في أعمال فرانسيس دينج

تعد دراسات الدكتور فرنسيس دينج أحد أمثلة الجهود المعاصرة في خدمة قضية الفهم الاجتماعي (السوسيولوجي) للعلاقات العربية الأفريقية، فقد تناول عبر أكثر من ستة أعمال له مركزة على تراث الدينكا الشفا هي والمسجل لديه النسيج الاجتماعي الذى يربط الدينكا بأوسع المجموعات السلالية الممتدة في شرق القارة وغربها، وبذلك فإنه يجعل هذا النسيج الجزئي مكملاً أو متكاملاً مع النسيج الأفريقي الأكبر في القارة، ثم هو ينتقل من ذلك إلى بحث تداخل النسيج الدينكاوي مع النسيج العربي بدءاً من العلاقة المباشرة مع "الحّمر" المجاورين ومنتقلاً إلى التشابه مع التراث الاجتماعي الروحي مع الشمال لديانات الشرق الأوسط جميعاً، وهو بذلك يقر أساس الاتصال والاستمرارية بين القضايا المحلية والعامة في القارة وعلى رأسها قضية التداخل الاجتماعي والثقافي بين العرب والأفريقيين، أو ما يمكن تسميته "بالبنية الاجتماعية للعلاقات العربية الأفريقية".

 

ولاشك أن دراسة فرنسيس دينج في إطار الدراسات السودانية بعامة تعد من أكثر الدراسات تأهيلاً للوصول إلى نتائج بالغة الأهمية في هذا المجال وليس ذلك بسبب موقع السودان في قلب أفريقيا فحسب بل بسبب العملية الاجتماعية التي تمت على أرض السودان وجعلت منه بوتقة لانصهار العنصر العربي وتحوله إلى جزء من هذا النسيج العربي الأفريقي، وبذلك جعلت الواقع السوداني يرد على كثير من المقولات بل ويرد على الكثير من المبالغات التي يقع فيها العرب أو الأفارقة على السواء خارج هذه المنطقة- القلب. إن النموذج السوداني هنا لا يقدم مثالاً "تاريخياً" مثل غيره من المناطق أو التمازج ولكنه يقدم مادة حية للبنية الاجتماعية المعبرة بالصيرورة.

 

تكشف النظرة السريعة لأعمال فرنسيس دينج عن حصيلة معرفته بتراث بلاده الروحي الاجتماعي...بين الدينكا على وجه التحديد، ففيما بين 1971/1978 صدر لفرنسيس دينج بالإنجليزية "التراث والتحديث" ( (1971، و"الدينكا في السودان" (1972)، و"الدينكا وأغانيهم"( (1973، و"ديناميات التوحد أو تكوين الهُويَّة" ( (1973، و"الحكايات الشعبية عن الدينكا" ( (1974ثم أخيراً "أفريقيون وعالمان- الدينكا في السودان العربي الأفريقي" (1978).

 

التاريخ العلمي والثقافي لفرنسيس دينج، يؤهله لأن يقول الكثير في القضايا التي تناولها بقدر ما تسمح له أصوله الاجتماعية في هذا الصدد أيضاً. فهو أحد أبناء الزعيم دينج ماجوك رئيس قبائل الدينكا- نجوك، التي تقع على الحدود الاجتماعية بين ما يسمى الشمال والجنوب في السودان، تعلم في إحدى الثانويات العليا بالشمال وتخرج بجامعة الخرطوم حيث عُينَّ لتدريس القانون بها لبعض الوقت ثم سافر مبعوثاً ليحصل على درجة الدكتوراة في القانون من جامعة بيل بالولايات المتحدة الأمريكية، كما درس القانون الأفريقي بجامعة لندن. بعد ذلك قام بتدريس الأنثروبولوجيا بجامعة نيويورك كما عمل بقسم حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وقد قدمته مؤلفاته الأولى للحصول على جائزة هيرسكوفيتش في الدراسات الأفريقية. وعقب الحل السلمي لمشكلة جنوب السودان 1972 عُين دينج سفيراً لبلاده في اسكاندينافيا ثم الولايات المتحدة ثم جاء إلى الخرطوم وزيراً للدولة للشئون الخارجية (1975).

 

وقد تأثر منهج دينج في دراساته بموقعه الاجتماعي من جهة وسلكه الدراسي من جهة أخرى، فقد دفعته دراسته للأنثروبولوجيا والقانون الأفريقي إلى الاهتمام بالتراث الشفاهي والاعتماد على "الحكى الشعبي" عن التاريخ والعلاقات الاجتماعية وقد وفر له ذلك مادة غزيرة عن التراث الروحي العميق لأبناء قبيلته كما أدت دراسته للقانون إلى اهتمامه "بالعلاقات" داخل القبيلة. وقد أثر وضعه ابنا لأحد الرؤساء على اتجاهه لدراسة علاقات السلطة فيما بين هؤلاء الرؤساء وموقف بعض الفئات الاجتماعية منها وإن كان ذلك قد حصر تسجيلاته أحياناً في إطار الرؤساء رغم إشارته إلى أنه لم يتجاهل الرجل العادي الذى قدم- في رأيه- مادة متقاربة مع ما رواه الرؤساء.

 

أثر ذلك بالتالي على تحليلاته الاجتماعية-الاقتصادية وتأثيراتها في تطور العلاقات بين الدينكا وغيرهم بسبب عدم مضيه في تحليل تطورات الواقع الاقتصادي ومحيطه الوطني والإقليمي العام. ورغم وعيه بهذا البُعد في أكثر من موقع عندما تناول ثروة القبيلة ونظامها والفئات الاجتماعية التي تتكون في هذا الإطار فإن وقوفه عند مناهج الأنثروبولوجيين الوظيفيين تارة أو المدرسة التاريخية [للمزيد عن الاتجاهين الوظيفي والتاريخي في الأنثروبولوجيا انظر: الأنثروبولوجيا النظرية] نفسها تارة أخرى لم تجعله يمضى كثيراً بالنتائج إلى مداها المتوقع.

 

والمفيد البارز في دراسة فرنسيس دينج هو وعيه بالإطار الأفريقي في جملته وتمهيد الطريق لاستنتاجات خاصة بالعلاقات الأفريقية والأفريقية العربية على السواء حيث يتشابه الواقع بين الدينكا وجيرانها مع الواقع الذى يمكننا أن نقابله في إثيوبيا وتشاد ونيجريا ومالي والنيجر وغير ذلك من مناطق الاحتكاك الثقافي وما نتج عنه من تداخلات وتفاعلات يعرفها التاريخ والواقع المعاصر. 

 

وفي هذا الصدد لا يدرس فرنسيس دينج تراث الدينكا ليفتش فيه عن التشابهات فقط مع التراث العربي أو التراث الروحي"لبلدان الشرق الأوسط" على حد تعبيره وإنما يقدم أيضاً ظروف التناقضات التي نشأت داخل تراث الدينكا معادية للتوحد مع غيرهم، وهو يستخدم منهجاً أنثروبولوجياً علمياً حين لا يرجع مصدر التشابه بالضرورة إلى الاتصال المباشر الذى نشأ حديثاً في القرنين الأخيرين وإنما يرجع التشابه إلى تماثل الظواهر الإنسانية في أنحاء مختلفة من الأرض.

 

ومع ذلك تماثل الدينكا مع غيرهم من القبائل في السودان وأفريقيا والعالم العربي، وهو يستفيد من ذلك في الإيحاء بتأثيراته المباشرة على قضية البحث عن هُويَّة الأمة السودانية وتكامل عناصر الشمال والجنوب في عملية بناء الأمة، بل وبناء العلاقات العربية الأفريقية نفسها. وما يسجله دينج من روايات قديمة لعجائز "الرؤساء" الدينكاويين منقولاً بدوره عن أجدادهم العجائز أيضاً لا يرى فيه أثر الاتصال الحديث بقدر ما يشير إلى التراث الإنساني القديم والمتوارث في الدينكا.

 

وفي كتابيه "ديناميات تكوين الهُويَّة" و"أفريقيون وعالمان" يتنقل بنا فرنسيس دينج في عالم الدينكا الواحد، المزدوج، عالم الأسطورة الأفريقية وعالم الأديان السماويَّة الشرق أوسطية، منطلقاً من مقولة أساسية أخرى ترى أن السودان شماله وجنوبه يعرف هذا التنوع في التركيب الاجتماعي والتراث الروحي مما يصله- في جملته مركباً ثقافياً- بعالمي أفريقيا والعروبة في عملية تفاعل لا تعرف هذه الثنائية المتعسفة التي تعزل العرب عن الأفريقيين، بل أنه يكشف في أكثر من موضع من الكتابين عن تنوع في الروايات بين مجموعات اجتماعية مختلفة داخل الدينكا نفسها مثيلاً للتنوع على المستوى السوداني ككل، بل أنه حين يغوص في التاريخ فإنه يكتشف تلك التشابهات بين التراث الدينكاوى والتراث المصري الفرعوني القديم.

 

التركيب الاجتماعي للدينكا

تعد الدينكا، تلك المجموعة البشرية التي يقدر عددها بنحو ثلاثة ملايين نسمة، أكبر المجموعات الاثنية في السودان الذى يضم حوالي خمسمائة مجموعة اثنية غيرها. والدينكا من الناحية السلالية من النيليين، يشاركون في ذلك النوير والشلك. ومن الناحية الجغرافية فإنهم يمتدون شمال مديريات الإقليم الجنوبي (بحر الغزال- النيل الأعلى) وصولاً إلى جنوب كردفان (حول مجرى النيل) حيث يبدأ التحامهم بقبائل البقارة. وعلى مساحة معلومة من هذه المنطقة (أبييه) تلتقي إحدى بطون الدينكا (نجوك) مع إحدى بطون البقارة (الحمر).

 

يشكل الدينكا جزءاً من مركب اثني وثقافي أشمل هو ما يعرف بمجموعة الشعوب الناطقة باللو والممتدة في أقاليم شرق أفريقيا مع تشابه فيزيقي متميز مع الماساى الذين (كينيا)، والتوتسى (رواندا- بوروندى)، بل ومع بعض المجموعات البشرية التى تمتد غرب القارة حتى مالي والسنغال (طول القامة، وسواد البشرة الداكن، والملامح غير الزنجوية).

 

من أهم بطون الدينكا النجوك، وأبوك، وأدوت، وبان اروثم البور، والنويك ملوال حيث يتحرك الجميع للرعي بين جنوب كردفان ومنطقة بحر الغزال والنيل الأعلى حتى بور (منطقة مشروع قناة جونقلى). هكذا فإننا أمام مركب اجتماعي لا يحصرنا في هذه الأطر القبلية المعزولة التي يتحدث عنها الأنثروبولوجيون ويسمون بها واقع التجزئة في أفريقيا، وإنما نحن بصدد جزء من كل يجعل الواقع الأفريقي نسيجاً اجتماعيا مركباً يمتد على مساحات شاسعة من القارة مما يتطلب نظرة سوسيولوجية أشمل لمعنى الجامعة الأفريقية.

 

تمثل أعمال فرنسيس دينج إسهاماً في هذا التوجه بتأكيده على التشابه الملحوظ بين البنية الاجتماعية للدينكا والمكونات الاجتماعية الأخرى للشعب السوداني، كما أنه ثمة تشابه واضح بين الدينكا والمجموعات النيلية يمكن وضعه أمام التشابه بين موروثات الدينكا الروحية والتراث الديني بخاصة لشعوب الشرق الأوسط، وبالتقاء هذا المركب على أرض السودان موفراً عوامل كافية لبناء الأمة السودانية فإن ذلك يؤدى بنا بالضرورة إلى عدم القطع بثنائية التركيب الثقافي أو حتى الاثني بين شمال السودان وجنوبه، ومن ثم بين غرب وأفارقة.

 

وبولوج فرنسيس في كتاباته لمنطق الدوائر الثقافية فإنه يفتح الباب واسعاً أما الدراسات المتنوعة في هذا الصدد حيث يقتصر من جانبه على دراسة نظام القيم والمعتقدات فقط- بحكم وقوفه عند مناهج المدرسة الوظيفية- ليثبت مقولته الكبيرة.

 

ورغم أن فرنسيس دينج لا يربط كثيراً بين التكوين الاجتماعي والاقتصادي عند الدينكا ليرقب تأثير ذلك في صياغة علاقات البنية الداخلية والعلاقة بالعالم الخارجي فإن مثل هذه الارتباطات ترد بشكل غير مباشر في كثير من الظاهر التي يتعرض لها، فالأرض التي استقروا عليها هي "أفضل مكان في العالم بل ومركزه"، وقيام اقتصادهم المحلى على رعى البقر يجعل من ملكيَّة القطعان محور تقييم المركز الاجتماعي في القبيلة بل محور صياغات جمالية وأدبيَّة حول البقر وألوانه لا حصر لها "والسوق" هو مركز التعامل والتبادل الاجتماعي والاقتصادي على السواء بين العشائر ويضمن في الوقت نفسه الاستقلال الفردي، والزواج الإكسوجامى (من خارج العشيرة) مناسبة أخرى لتبادل الثروة وتحركها، والهجرة  فرصة للعمل الأجير الذى لا يبيحه الواقع الاجتماعي المحدود للقبيلة.

 

بينما يتسم الدينكا بروح التمركز العنصري حول الذات، إلا أنَّ ذلك لا يعنى قوة مشاعر الوحدة داخلهم لأنهم في الواقع يكرسون مظاهر التفتت الداخلي يشكل ملحوظ يجعل الوحدة تتحقق من اللا وحدة، كما يجعلهم عرضة دوماً لمظاهر التنازع والصراع.

 

في هذه البنية تصبح الزعامة ذات ثقل كبير مصدراً للتوحيد بينما تصبح الأسرة بل والفرد وحدة المجتمع، بل وفي إطار الأسرة يصبح الرجل القادر هو أساس البنية الاجتماعية والاقتصادية، لينسحب وضع المرأة إلى درجة التبعية. ومع الاهتمام بالتناسل والتكاثر تتأكد الاستمرارية عبر الرجال لا النساء، لأن الأرستقراطيون من الرجال هم الذين يمدون القبيلة بالرؤساء ويضمنون الخلود في مواجهة الفناء- وهنا تبرز جماليات جسد الرجل الدينكاوى. في هذا الإطار ينشأ عدد من القيم الدفاعية مثل العاطفية والاحترام المتبادل الذى يصل إلى حد المثالية وهو ما يسميه الدينكا "الضنج" إزاء الإطار الخاص للعلاقات التي تتجاوز الثروة إلى تقدير الأكبر عمراً أو التقدير وفق الجنس (الرجال – السيينج).

 

لا يمنع ذلك من وجود القيم السلبية مثل العدوانية والعنف "وعقدة البقر" أو التفاخر بملكيته..وإن كان ذلك لا يؤدى إلى الإخلال بالتوازن الاجتماعي الذى يحميه في رأى فرنسيس ميل معروف عند الدينكا نحو "المحافظة" أو مقاومة التغيير. لكن فرنسيس لا يرى أن هذه الصفة الأخيرة ذات ثبات "ستاتيكى"، فالدينكا تقبلوا الإسلام والمسيحية، وإنتشرت بينهم الهجرة بحثاً عن عمل في الشمال الجغرافي رغم أن ذلك مدان في إطار قيم القبيلة، بل واحترم الدينكا سلطة الحكومات الحديثة وأخذوا بالأشكال الديمقراطية مدخلاً لقبولهم بالتحديث.

 

بل وشملت قابليتهم للتغيير تكوينهم الاجتماعي نفسه، فبينما المعتقدات الأولى ترى الأجنبي لا يمكن أن يكون دينكاوياً وأن الأخير لا يمكن أن يندمج خارج الدينكا "حتى لو اختطفوه وقطعوه إربا لأنَّ نفس الدينكاوى لا تؤسر". ورغم ذلك فإن فرنسيس يسجل عن بعض الرؤساء كيف اندمج العرب داخل الدينكا وأن الأسر المتبادل حدث على الجانبين وأدى في النهاية إلى التزاوج بينهما على نطاق ملحوظ وان قصة زواج محمد (العربي) وثلما (الدينكاوية) تجد رواجاً في الفولكلور الدينكاوى..الخ. مما يثبت تأثير العوامل الجديدة في انفتاح البناء الاجتماعي الدينكاوى. وهنا يشير فرنسيس إلى أن فترة الحكم البريطاني هي التي عملت على تدعيم المحافظة والانعزالية عند الدينكا إلى حد جعل الرؤساء التقليديين يرون في ذلك ميزة للبريطانيين بينما أجيال الشباب قد انطلقت خارج عملية الحصار هذه إلى الانفتاح على المجموعات البشرية الأخرى في أنحاء الوطن السوداني، وباستثناء مصالح "الصفوة المتعلمة" من الشباب في اتجاه العزلة فإن القاعدة الأوسع، في رأى فرنسيس، تتجه إلى التحرك "نحو الخارج" مما يشكل عنصراً بارزاً في حركة الاحتكاك الثقافي الاجتماعي والاقتصادي ذو التأثير في بناء المجتمع الواحد الكبير.

 

البنية الثقافية

يعطى فرنسيس دينج للبنية الثقافية أولوية لفهم البناء الاجتماعي للدينكا ومن ثم يحتل عالم المعتقدات الدينية والتصورات أو "ميثولوجيا وفلسفة" الدينكا مكانة بارزة في تفسير كثير من الظواهر في مجال الاحتكاك الثقافي أو الاجتماعي بين الدينكا وغيرهم. ويفرد فرنسيس الجزء الأكبر من كتاب "أفريقيين وعالمان" لعرض تصورات الدينكا حول خلق العالم والحياة والإنسان، وهجرة الدينكا إلى منطقتهم الحالية ليدرس من خلال ذلك أوجه الشبه والتداخل بين هذه الثقافة والثقافات الأخرى وخاصة ثقافة "بلدان الشرق الأوسط" وأديانها السماوية، فهو يرجح أن هذا التشابه لا يرجع إلى الاتصال المباشر وإنما إلى تشابه في البنية ينفي في النهاية ثنائية التركيب الثقافي داخل السودان أو بين العرب والأفارقة.

 

حول خلق العالم

يرى الدينكا أن الإله الأعظم- دينج هو الذى خلق العالم والأشياء وهو الذى يدمرها أيضاً حيث العالم إلى فناء ولذا يؤكد الدين عند الدينكا على المضمون الخلقي أو نقيضه مصدراً للغفران أو الحرمان وعند كلا المسألتين في ميثولوجيا الدينكا وفلسفتهم تقع القرابة مع السمة الكونية لأديان الشرق الأوسط اليهودية والمسيحية والإسلام، ولذا يسهل على المرء أن يفسر توثق الصلة الذى حدث بين الدينكا والإرساليات التي وصلتهم ويعتقد فرنسيس أن جذور هذه الصلة أعمق من مجرد الاتصال التاريخى الذى حدث مؤخراً.

 

الأديان النيلية ما كانت فقط لمجرد سعادة الإنسان في المجتمع المعيش لكنها في الواقع تقيم علاقة روحية مع عالم سفلى، وهو عالم يتسم بالغموض نسبياً ولا يتشابه تماماً مع عالم الجنة والنار المعروف في المسيحية والإسلام. والخلود عندهم يتحقق في عالمنا هذا عبر استمرارية اسم الإنسان في أبنائه الذكور. ولذا فإن واحدة من قيمهم البارزة هي زيادة النسل التي هي واجب المرأة الرئيس. ويعتقد الدينكا بالإله الواحد، بل وبالتوحد في الله، وإن كانوا يعتقدون أيضاً في تدرج هرمي للمعبودات وفي تنوعها، للخير أو الشر أو وفق العشيرة، وهى تتوحد في النهاية في الإله الأعظم. ويسمى بعضهم الدنيج إله رغم أنه روح تأليه للإله بل وأن بعضهم يوحد بين الدنج والإله الأعظم.

 

وقد خلق الدينج الإنسان الأول من الطين وفي روايات أخرى من الصلصال بالتحديد، وعندما اشتكى الإنسان للإله من وحدته أخذ الإله ضلعه وخلق منه المرأة. وقد حاول هذا الإنسان الوصول إلى الدينج في السماء على نحو ما تروى أسطورة البرج في الشرق الأوسط. ويروى الدينكا أن الإله بعد أن خلق العالم والأشياء، والأشجار فإنه حرم على الإنسان الأول و المرأة أن يأكلا الشجرة المقدسة، لكن تحت إغراء الثعبان فإن المرأة حنثت بوعدها للإله ثم تبعها زوجها ليشاركها المصير نفسه فلقي ثلاثتهم عقابه حيث توعدهم الإله بحياة غير سعيدة، وجعلهم يزحفون، ثم أعطى الإنسان أدوات الزراعة وتوعد المرأة أن يقتلها بنوها، وخلق قلبها صغيراً ولذا فهو سهل التغير. ثم يمضى تراث الدينكا ليروى الكثير عن وضع المرأة زوجةً وأماً في درجة أقل من الرجال إلى حد أن أفراد الأسرة لا يستعملون صفتها أماً مثلاً وإنما ينادونها باسمها دليلاً على عدم الاحترام بينما ينفرد الرجل بذلك.

 

وخلق الإله بعد ذلك جميع الناس وجعل لكل لغته وطريقته ولكنهم جميعاً مترابطون ومع ذلك فإن الدينكا يتميزون عن غيرهم وكذلك تتميز أبقارهم. ورغم هذا التمييز يروى أحدهم "أفريقيون وعالمان، ص. 72" أن الدينكا والعرب جاءوا من نبع واحد في الخليقة لكنهم عندما خرجوا من "حظيرة الخلق" أصبح لكل منهم بقرته كما أصبح للدينكا ثورهم الأرقط. ويعطى الدينكا أهميَّة كبيرة لتفسير دور الزعيم أو القائد تفسيراً ميثولوجياً، وتتعدد التفسيرات حول ذلك مثلما تتعدد حول مشكلة خلق العالم نفسه. والجوك عند الدينكا هو الزعيم مقابل نجوك- الشعب. فقد أعطى الله الرمح للجوك الأب المؤسس والذي قاد الناس بعد ذلك وجعل الرمح لكل السود في العالم، ثم تتعدد الروايات عن قيادة الدينكا للعالم بأسره بفضل قيادة الرجل المؤسس، أب القبيلة وممثل الإله. وعندما أراد هذا القائد أن يعبر البحر بالدينكا وهددهم أناس بالقتل والفناء قدم القائد ابنته فداءً "لناس البحر" حتى يتركوا الدينكا يعبرون بعد أن شق البحر لهم. ومن هذه الميثولوجيا الخصبة عند الدينكا يستنتج فرنسيس التشابه الصارخ بين هذه الروايات وقصص الإنجيل والقرآن: الروايات حول خلق الإله للإنسان من الطين و المرأة من ضلعه وكيف غرر الثعبان بالمرأة وعقاب الله لهم، والقائد المقدس الذى شق البحر ليعبره شعبه وعن ولد نبى من غير أب ومعجزاته بالحديث طفلاً ثم رسالته للناس.وينقل فرنسيس دينج آراء إيفانز برتشارد وآخرين ممن يشاركونه الرأي في هذا التشابه، ويعالج مسألة احتمال تأثر الدينكا بالفترة التي أعقبت وصول الإرساليات ولكنه يؤكد تناقل هذا التراث من مسنين عن أجدادهم لفترات سبقت كثيراً هذا الاتصال الحديث بالإرساليات.

 

هجرة الدينكا

يرى فرنسيس دينج أن روايات الدينكا عن موطنهم القديم ثم هجرتهم إلى الموطن الحالي، الذى يعتزون به اعتزازا أسطورياً، يفسر الكثير أيضاً عن علاقات الدينكا الخارجية، رغم أن الأنثروبولوجيين لم يهتموا بهذا الموضوع بحسبانه أدخل- في اعتقاهم- في علم التاريخ كما أن المؤرخين لم يعتنوا به لأن المادة المتوفرة هي التاريخ الشفهي فقط وليس المكتوب.

 

تشير تسجيلات فرنسيس الشفهية إلى أن المعتقد العام السائد هو أن الدينكا جاءوا من "الشرق" إشارة إلى الشمس والحياة، بل وأن أحدهم حدد له أنهم لم يأتوا من "الجبهة" (أي جبهة القتال في الجنوب). وتبدأ الروايات تتعدد بدلالات مختلفة في موضوعنا، فثمة رواية عن مجيئهم من سنار السلطنة الزرقاء، ورواية أخرى عن مجئ الدينكا من شندى شمال الخرطوم حيث كان خلقهم أول مرة وخروجهم من الماء..إلى الحياة الاجتماعية..لأن الخلق الأول كان سابقاً على ذلك عند الدينكا.

 

يفسر فرنسيس دينج هذه الروايات عن مجئ الدينكا من بعيد إلى مقرهم ذلك بأنه تصوير لسعيهم وراء المرعى، وأن الدينكا بذلك قد استقروا في "أحسن مكان" الآن وذلك كجزء من اعتزاز بأرضهم وفخرهم بها. وفي تصوري أنه مع أهمية هذا التفسير في المجال الاقتصادي إلا أن له دلالة أخرى بالغة الأهمية وهى دلالة الإشارة إلى اتجاه هجرة الدينكا من مناطق مختلفة بالسودان إلى مقرهم هذا رغم أنهم ينتمون للعائلة النيلية الممتدة في شرق أفريقيا، الأمر الذى يجعل المادة الفولكلورية حول المعتقدات والتصورات أكثر دلالة من التفسيرات الأنثروبولوجية التقليدية عن تصنيف الأجناس وأصولها.

 

التأثيرات المتبادلة

يرفض فرنسيس في كتاباته المختلفة مبدأ ثنائية التركيب الثقافي على أساس العروبة والزنجوية أو الشمال بمواجهة الجنوب في السودان حيث يؤكد انتشار العناصر الثقافية العربيَّة والزنجيَّة بين كل من يسمون بالنيليين والساميين أو العرب والزنج في الشمال والجنوب. وعلى هذا الأساس ينطلق منهجه الاجتماعي في معالجة قضية التوحد في السودان. ويؤدى به هذا المنهج بالتالي إلى بحث التأثيرات المتبادلة أو العلاقات المتشابكة كلما أتيح له ذلك خلال دراسة البنية الاجتماعية للدينكا خاصة في مجال المعتقد والتصورات. وانطلاقا من أن البجة والنوبة والفور في الشمال فيهم زنجوية واضحة فإن علماء الأجناس يشيرون أيضاً إلى العناصر الحامية بل والقوقازية في مناطق كثيرة بالجنوب وكما أن القبائل الزنجية تعيش التقاليد والتنظيمات العربية للمجتمع أحياناً فإن هنالك بالمقابل عرباً في الشمال يعيشون تراثاً زنجياً لا يخفي.

 

وحيث تتركز دراساته على الدينكا فإن فرنسيس يعدد كثيراً من أوجه انطباق هذه الأفكار على تراثهم. فالدينكا تقبلوا المسيحية كما تقبلوا الإسلام وتمثلت جماهيرهم اللغة العربية (لغة مخاطبة- لنجوافرانكا) بينما لم تنفذ الإنجليزية إلا للمثقفين من الصفوة. وعن المصريين والترك عرفوا منصب العمدة والشيخ يل أنه يشابه بين طقوس الدفن الفرعونية القديمة ونظيراتها الدينكاوية وتبين إجراءات تزيين قرون الثور على الجدران المصرية القديمة وبين طقوس التعامل مع قرون الثيران عند الدينكا.

 

وعندما اندلعت الثورة المهدية في السودان ضد الاستعمار التركي والبريطاني انعكست في تمثل الدينكا لمفهوم "المهدى" في دينهم، وأصبح المهدى ابن روح السماء العظيمة دينج (أكوك) الذى يصلى له الدينكا "ويتوسلون له...قدس العشيرة". وقد كان الدينكا بدورهم مؤثرين كما كانوا متأثرين، وحيث لا تمتد الدراسة إلى متابعة هذه التأثيرات فيمن حولهم على نطاق واسع فإن تأثر القبائل العربية القريبة من الدينكا يمكن أن تخدم هذه الملاحظة، فالبقارة الذين يفاخرون بعروبتهم يعكسون مثل هذه التأثيرات الزنجية بوضوح في تعاملهم مع المرأة وإيقاعات الرقص وعلاقات الإنسان بقطيع البقر ومفردات اللغة الدينكاوية إلى غير ذلك من أشكال التأثر بأنماط السلوك الدينكاوى وثقافتهم.

 

التأريخ...والتاريخ

يعالج فرنسيس دينج بعديد من الجزئيات الدالة مسألة بالغة الحيوية في العلاقات بين العرب والمجموعات البشرية المختلفة في القارة الأفريقية، زنوجاً أو نيليين أو حاميين..الخ. تلك هي مسألة وقائع التاريخ من جهة وعملية التاريخ شعبياً أو رسمياً من جهة أخرى. وكثيراً ما تحدد هذه المسألة طبيعة العلاقات أو التصورات من حولها بما يساعد في تيسيرها أو توترها وفق طبيعة مناهج التنشئة الاجتماعية أو التثقيف أو الإعلام المستخدمة.

 

ويبدأ التاريخ بتعدد تصورات الدينكا حول "خلق الشعوب" أو الإنسان "الأبيض والبني والأسود"، وحول العلاقات التى تقيمها التصورات الشعبية بين هذه الشعوب أو الخصائص التي يسقطونها على أى منهم حتى تصل إلى الحديث المر عن وقائع الاسترقاق- المتبادل. وتعد الرواية الشعبية للتاريخ عند فرنسيس ذات دلالة خاصة حيث تشكل عنده مصدر بناء التاريخ الرسمي نفسه.

 

ويمضى تاريخ الدينكا عنده من مرحلة ما قبل "السيطرة" الأجنبية بأشكالها المختلفة مرحلة سيادة العلاقات الودية من الشمال والجنوب إلى مرحلة التسلط التركي المصري ثم البريطاني، إلى مرحلة الاستقلال وبناء الأمة أو الوحدة الوطنية.

 

وعن المرحلة المبكرة بالذات تتعدد الروايات الشفهية حول خلق الله للإنسان الأبيض والعربي والدينكاوى، وكيف اعتنى الإنسان الأول (الأب) بالأبيض لأن الأم لم ترضعه، بينما ترك العربي والدينكاوى مع أمهما. وتفصل رواية ثالثة أخرى الأولاد الثلاثة عن بعضهم أو تجعل الأبناء اثنين فقط هما العربي (البني) والدينكاوى (الأسود) ثم تحدد لكل خصائصه.

 

وفي هذه المرحلة أيضاً وقعت صراعات متنوعة بين الدينكا والنوير "وتبادلا التخريب" وهى مثيرة للصراعات بين العرب والدينكا حيث "تبادلا الاسترقاق"، وإن كان ذلك لم يمنع تزاوج العرب والدينكا كما كان ثمة استرقاق من الدينكا لغيرهم من القبائل الزنجية أو العكس.

 

ويشير التراث الدينكاوى إلى تبنى الدينكا للثورة المهدية كثورة ضد القهر لكن المهدية سرعان ما لجأت إلى التسلط مثل الترك والمصريين "ففسد العالم" بفساد الترك والدناقلة خاصة.

 

ولعل هذه الإشارات الأخيرة "للاسترقاق المتبادل" بين القبائل الزنجية مثلما وقع بين العرب وغيرهم أن تريح الباحثين العرب من مشقة الموقف الدفاعي الذى يجهدون فيه أنفسهم للدفاع ضد الهجوم الموجه من أصحاب المنهج التاريخى الأُحادى الجانب، كما قد ينبههم مثل هذا التحليل الاجتماعي الذى يمكن الرجوع إلى تفاصيله في دراسات فرنسيس دينج إلى أهمية دراسة طبيعة المراحل التي تمر بها المجتمعات وفق ظروف موضوعية تتخلق خلها الظواهر والعلاقات.

 

ولأن موضوع هذا المقال ليس تناول العلاقات التاريخية بين المجموعات البشرية أو الأقاليم السودانية والتأثيرات السلبية والإيجابية المتبادلة مما بذل فيه فرنسيس دينج جهداً كبيراً في إطار تناوله لقضية "بناء الأمة" في السودان فإننا لن نواصل معه في المراحل الحديثة كلامه عن الاستعمار البريطاني وتأثيراته في الجنوب أو ظروف "الانعزالية" ثم معركة بناء الوحدة بعد ذلك. لكننا نكتفي بأن ننقل عنه خلاصته بأنه لا يمكن القطع بثنائية التركيب الثقافي أو العنصري للسودان (شمالاً وجنوباً) وبالتالي فثمة أساس قوى للوحدة وبناء الأمة، وتبقى المشكلة في أن التاريخ السياسي هو الذى أكَّد على عناصر الانقسام ودعم إحساس عدم الثقة والعداوة (أفريقيون وعالمان، ص. 227). وهكذا يبدو أن معالجة النسيج الاجتماعي للعلاقات هي الرد الموضوعي على معالجة "التاريخ السياسي" وحده رغم أن كل منها من معطيات الآخر.

 

خلاصة

 الحق أن فرنسيس دينج رغم محاولة التمسك بالمنهج الاجتماعي للهروب من مشكلاته مع التاريخ فإنه ظلَّ أسيراً له في أجزاء كثيرة من كتابيه بحيث بدت عليه روح الرغبة في الموازنة أحياناً كثيرة وقد حاول التغلب على هذا الموقف والخروج من دائرة التاريخ إلى الاجتماع بإشارات أعتقد شخصياً أنها محدودة وأقل مما يعد به منهج فرنسيس دينج مثل ذكره لمصادر الاتجاهات العروبية والأفريقانية بعرض هوامش متناثرة عن دراسات المؤرخين السودانيين الذين خدموا "المعادلة" المطروحة بإخلاص (يوسف فضل، محمد عمر بشير، المدثر عبدالرحمن..الخ) بل وكان يلجأ أحياناً للإسهامات الشعرية لصلاح أحمد إبراهيم لخدمة هذه الروح.

 

وثمة إضافة أخرى نبه أليها فرنسيس وهى أنه مع اهتمامه بالتاريخ المحلى وصراعات القوى السياسية التقليدية مما يشيع تأثيرها السلبي على المستوى الأفريقي أيضاً فإن ذلك لم يجعله يتجاهل تأثير تصاعد حركة التحرر الوطني الأفريقية والعربية على تكوين وعى جديد لدى السودانيين في الشمال والجنوب بأهمية بناء الوحدة الوطنية- بناء الأمة في السودان حيث حدد تصاعد المد الوطني في أفريقيا بعد الاستقلال شخصية المواطن السوداني بين العرب والأفارقة.