تطور الإنسان .. عملية بيولوجية ثقافية

أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

ماذا يعنى أن يكون الكائن الحي إنساناً؟ بالطبع يمكن إدراك جزء من الإجابة من خلال مفهوم التطور العضوي كما ينطبق ذلك على أي حيوان. تأكيداً فان الإنسان حيوان، وأن العملية التطورية تكون فاعلة بالقدر نفسه في الإنسان عبر الفعل المشترك للقوى التطورية: الطفرة، والانجراف الوراثي، والهجرة، والاصطفاء الطبيعي. تطور السكان من بنى الإنسان ولا زالوا يتطورون بفعل التطور الذى يصيب تواترت الجينة استجابة لتلك القوى التطورية، هذه حقيقة علمية أصبحت من البديهيات التي لا تحتاج منا للتدليل أو الشرح.

 

ومن ثم فان أصول الإنسان يمكن تتبعها إلى جذور الحياة على سطح هذا الكوكب، قرابة الثلاث بليون سنة ونصف البليون سنة الماضية. الخمسمائة مليون سنة الأخيرة للتطور، كما يرويها سجل المتحجرات الخاص بالفقاريات، يشير بصورة أكثر مباشرة الى أسلاف بنى الإنسان المباشرين، بتحديد أكثر دقة فانه يمكننا أن نتتبع جذور الإنسان الى انبثاق الثدييات المُشيمية، ومن هنا الى بدايات رتبة الرئيسات التى يرجع تاريخها الى ما يزيد عن ستين مليون سنة مضت.

 

ومن خلال الدراسات المقارنة للرئيسات، والقردة، والقردة العليا، وبنى الإنسان يمكننا أن نكسو باللحم بقايا العظام والأضراس التى تؤلف سجل المتحجرات الخاصة بأسلاف بنى الإنسان من الرئيسات.ونعرف من مثل تلك المقارنات أن الأنواع الأنثروبويدية المبكرة بدأت في البزوغ في العالم القديم منذ أربعين مليون سنة مضت تقريباً، وأن البشريات الأولى كانت على مسرح الحياة منذ حوالي عشرين مليون سنة مضت (واحتمالاً منذ ما يقرب من الثلاثين مليون سنة مضت).

 

لكن السؤال على أية حال، متى بدأ الانبثاق التطوري الفريد الذى أنتج البشريات الأولى ؟ التوقيت المحدد لهذا الحدث التطوري لا زال مثاراً للجدل والخلاف، لكننا نشير الى أن البينات تلمح الى تاريخ يقع بين 5 - 10 مليون سنة مضت بالنسبة لظهور العضو الأول لعائلة الإنسانيات. النصف الأول للتاريخ التطوري للبشريات لا زالت تظلله الغيوم، إلا أن البحث الجاري الذى يقوم به ريتشارد ليكى، ودونالد جوانسون، وديفيد بلبيم وغيرهم يهدف الى تغطية هذه الفجوة المعرفية. نعرف الآن الى حد ما أكثر عن الخمس مليون سنة الأخيرة. تفيدنا البينة الهائلة المتوفرة من جنوب أفريقيا وشرقها، والتى يرجع تاريخها الى البليو- بليستوسين عن عينات من أشكال بشرية مبكرة. يمثل الشكل المبكر- القردى الجنوبى العفارى- بشرية تتميز بمخ صغير للغاية، لكنها تسير على قدمين. تظل قائمة إشكالية ما اذا كان الشكل البدئى للبشريات قد حقق نجاحاً في تصنيع أدواته بانتظام، لكنه لم يتم العثور على أدوات حجرية في حالة ارتباط بمتحجرات هذا الشكل المبكر.

 

علاقة بيولوجية  ثقافية متبادلة أكثر تحديداً ووضوحاً لدى أسلاف بنى الإنسان تبدو جلية منذ مليوني سنة مضت، في تلك الفترة أخذ الأعضاء المبكرون لجنس الإنسان في الانبثاق في أفريقيا (ويحتمل أيضاً في آسيا) وارتبطت بقاياهم المتحجرة ببقايا أدوات حجرية في العديد من المناطق، ومن ثمَّ ليس من المدهش أن يُظهر الأعضاء المبكرون لجنس الإنسان امتلاكهم أمخاخ أكبر كثيراً مما هو ملاحظ لدى النوع القردى الجنوبى (الاسترالبيتكوس).

 

يستمر سجل المتحجرات الخاص بأسلاف بنى الإنسان أسطورة جلجامشية تزخر بالأعمال البطولية مشحونة بالإنسان منتصب القامة، وبالأشكال الانتقالية، وأنواع من الأشكال العاقلة من بينها النياندرتاليون، وأخيراً الإنسان الحديث تشريحياً من نوعنا الانسان العاقل عاقل (الآدمي) منذ أربعين ألف سنة مضت (احتمالاً مئة ألف سنة مضت).

 

هذه إذن باختصار شديد رحلة الإنسان التطورية، لكنها قصة سُرَّدت لنا بأكثر من مجرد التفاصيل المورفولوجية للأضراس والعظام حيث أن بنى الإنسان وأسلافهم يشكلون أكثر من كونهم كائنات فيزيقية يخضعون بصورة عمياء لما يمليه التطور العضوي، اذ أنه منذ عدة ملايين من السنين بدأت البشريات المبكرة في إحداث تعديل ثقافي على بيئاتها، محدثة بالتالي تغيراً جذرياً على محيطها الإيكولوجى، راسمة من ثمَّ إتجاهاً جديداً للتطور الإنسانى.

 

الإجابة على السؤال: ما نحن وكيف أصبحنا على ما نحن عليه الآن، تكون ممكنة فقط وفقط من خلال صيرورة العمليات البيولوجية  الثقافية. إنه بغض النظر عما إذا كنا نتحدث عن أولى التجارب والمحاولات الفطيرة لشظية النواة الحجرية بهدف استخراج الشطفات، أو عن هبوط الإنسان على سطح القمر، فان العملية هى عملية موحدة. قد يكون صحيحاً أن الإنسان صنع الأدوات، لكنه ألا يصح بالقدر نفسه القول بأن الأدوات صنعت الإنسان؟

 

نتائج تاريخ الإنسان التطوري الفريدة تم تعدادها في حجم المخ البشرى وبنيته، وفي الجهاز السني، وفي المشي على قدمين. يمكننا، على كلٍ، أن نرى أثر الأصول البشرية لبنى الإنسان في سلوكهم: مقدرات بنى الإنسان الثقافية في تصنيع الأدوات واستخدامها، وفي اللغة الرمزية، وفي الرغبة في أن يكونوا اجتماعيين.

 

بالطبع فان البنية الفيزيقية لأجسام بنى الإنسان تمت صياغتها بفعل عناصر تطورية ترتبط بالتطور المصاحب لكل تلك الخصائص السلوكية... هل يفسر تطور الإنسان من ثمَّ سلوكه؟ في الوقت الراهن هناك من الباحثين في مجالي البيولوجيا والأنثروبولوجيا من يعتقد بصحة مثل هذه الفرضية.

 

لقد تطور تشديد جديد في البيولوجيا السلوكية خلال العقود الأخيرة أطلقت عليه تسمية البيولوجيا الاجتماعية، ويحاول هذا التناول، في تطبيقاته البراجماتية المتحفظة، فهم السلوك الاجتماعي وسط الحشرات والطيور من منطلق نماذج الاصطفاء الطبيعي، بمعنى آخر فان البيولوجيا الاجتماعية تفترض إمكانية فهم السلوك الاجتماعي وسط تلك الحيوانات بصورة أمثل من خلال إرجاع مثل ذلك السلوك الى النجاح التفاضلي للأفراد.

 

ماذا يمكننا القول بشأن السلوك الإنساني؟ جادل العديد من الباحثين بأن السلوك الإنساني المعاصر الذى يحتوى على عناصر مثل الدولة القومية الإقليمية، والحرب الأهلية المنظمة وما الى ذلك هو مجرد امتداد للسلوك القائم على النزعة الطبيعية للبشريات والذى تطور خلال عدة ملايين من السنين الأخيرة، وأكدَّ أولئك الباحثون على دور الصيد باعتباره المُحتَّم الرئيس في تشكيل السلوك الإنسانى ، أى خلق قرد أعلى مقاتل.

 

واضح أن الصيد المنظم للحيوانات الكبيرة أصبح عنصراً هاماً في عصر الإنسان منتصب القامة منذ حوالى مليون سنة مضت. المتطلبات السلوكية لمثل ذلك النوع من "الصيد الاجتماعي" يمكن أن تكون قد اصطفت تنظيماً اجتماعيا أكثر تماسكاً، ووسائل اتصال أشد فاعلية، وأدوات أكثر تخصيصاً، تلك المتطلبات بدورها يمكن أن تكون قد وضعت فائدة اصطفائية أعلى لمخ أكبر حجماً. هذه الفرضية قد تعطى نموذجاً جيداً، لكن حتى في هذا المستوى يظل هذا النموذج واحداً تأملياً الى حد بعيد حيث لا وجود لإشارة مباشرة في سجل المتحجرات ولا في المخلفات الأثرية الى الظروف المحددة الى إزدياد حجم المخ لدى البشريات.

 

كذلك فان الفرضيات الخاصة بالتأثير المحتم للصيد على النزعة العدوانية الإنسانية والإقليمية، والاختلافات بين الذكور والإناث وما الى ذلك هى الأخرى افتراضات تأملية، فإذا راعينا البينة المتوفرة وطبيعتها فانه قد يبدو مستحسناً تجنب مثل هذه الفرضيات مهما كانت درجة ذكائها.

 

لازال السؤال قائماً... ماذا يمكننا أن نقول بشأن السلوك الإنساني؟ شكل تطور الثقافة ولا شك إمكانيات بنى الإنسان السلوكية. فالحقيقة الماثلة تشير الى أن الإنسان العاقل عاقل يمتلك أساساً للجهاز العصبي مركباً، وأن بنى الإنسان كلهم قادرون على استخدام لغة الرموز، الى الميراث التطوري البيولوجى الثقافي. على كل فقد خلق تطور الثقافة أفقاً جديداً كلياً من الإمكانيات السلوكية، ذلك أن البشريات المبكرة، مثلها مثل بنى الإنسان، كانت هى الأخرى صانعة للرموز وكانت حيوانات عارفة، وكان سلوكها يحمل عنصر الاختبار المبنى داخلها، وهو ما يعنى أن القدرة على استخدام اللغة والثقافة موروثة إلا أن الشكل الذى تتخذه أمر مكتسب بالتعلم. والأمر كذلك فان سلوك الإنسان عرضة لتبديلات كبيرة حتى خلال حياة الفرد من بنى الإنسان.

 

لسنا نحن بنو الإنسان آلات، لسنا جينات عمياء تقتفي النهاية الأخيرة لتحقيق نجاح تفاضلي فردى أعلى، فإننا خلافاً لكافة الحيوانات نمتلك إمكانية الإبداع السلوكي اللانهائي، بالإضافة الى حقيقة الإدراك بامتلاك هذه المرونة، فنسبة لوجود الأجهزة المعرفية التى أسماها ريتشارد داوكينس memes افترقنا نحن بنو الإنسان عن مسار التطور البيولوجى الذى تحتمه الجينات لننتقل الى مجال التطور المحقق ثقافياً ورمزياً.

 

بينما يمكن للقيم الاجتماعية (كما هى مطبقة على الجماعات) والنجاح البيولوجى (كما هو مطبق على الأفراد في الجماعات) أن يدخلا في تناقض من حين لآخر فانهما متساوقان الى حد ما مع مرور الزمن.  بدون علاقة متبادلة لعناصر بيولوجية ثقافية قابلة للتطبيق فانه لا يمكن لبنى الإنسان ولا للمجموعات الإنسانية التى يعتمد عليها الإنسان للبقاء، من البقاء لأزمان طويلة.

 

أفضى مسار تطور البشريات الى ظهور الإنسان العاقل عاقل، هذا الحيوان الذى كرمه الخالق بجعله متميزاً بالمرونة السلوكية. من ناحية فان بنى الإنسان نتاج لتطورهم، لكنهم- خلافاً لكافة الكائنات على كوكبنا الأرضي- يستطيعون تطويع سلوكهم بلا نهاية عبر تمرين قدراتهم الإبداعية الفريدة.

 

منذ حوالي 10.000 سنة مضت زادت مجموعات الإنسان العاقل عاقل من سرعة التعديل الثقافي. معروف كيف أن الجغرافيا الطبيعية وكذلك المجموعات النباتية والحيوانية قد تغيرت مع انحسار الجليد، وحدث الأمر نفسه بالنسبة للمجموعات الإنسانية اذ أن أنواع الإنسانيات ليست محصنة أمام القوى التطورية. مع تغير البيئات لا يتوقف التطور وإنما يغير اتجاهه. مع تطور الزراعة والمواقع السكنية المستقرة المكتظة ظهرت ضغوط إصطفائية جديدة بخاصة الأمراض الوبائية، مثال ذلك إنتشار سمة الخلية المنجلية استجابة للضغوط الملارية وهو تجسيد للكيفية التى يعمل بها الإصطفاء الطبيعى وسط السكان من بنى الإنسان في إطار بيئاتهم الثقافية.

 

استمر معدل التغيرات الثقافية في التزايد خلال العشر ألف سنة الأخيرة، يمكن لنا أن نتتبع كيف تطورت الزراعة على مدى عدة آلاف سنة فقط في مناطق عديدة من العالم القديم، وبدأت في الوقت نفسه مجموعات إنسانية تجرى تجارب مع تدجين النباتات في العالم الجديد، كما لاحظنا ظهور المجتمعات المعقدة.

 

استخدم العديد من الأنثروبولوجيين الثقافيين وعلماء الآثار تلك البينة للقول بوجود أنماط منتظمة، بل حتى قوانين تحكم اتجاه التغير الثقافي، وذهب بعضهم الى حد القول بنماذج افتراضية لتفسير كيفية نشوء الثقافة. علينا أن نأخذ في الحسبان أن العمليات القابعة في أساس التطور الثقافي تختلف جذرياً عن تلك الجارية في مجال التطور البيولوجى: ليس هناك وحدات متفردة للنقل الثقافي مناظرة للجينات، كما وليس هناك إصطفاء ثقافي قياساً بنجاح المجموعات موازياً للاصطفاء الطبيعى قياساً بالنجاح في الأفراد.

 

 لقد تم القول منذ أزمان بعيدة بأن الناس مختلفون، وطرح لينايوس منذ عام 1758 رأياً مفاده أن سمات بعينها ترتبط بسلالات محددة، وهو ما عبر عنه من خلال تصنيفه لأربع مجموعات سكانية تتصف كل مجموعة منها بسمة معينة: الهنود الأمريكيون سريعو الغضب، والأوربيون الدمويون، والآسيويون المنقبضون، والأفارقة اللامبالون. وبعد مائة عام لاحقة ظلت مسألة إلصاق سمات شخصية بالسلالات تسود وسط باحثين آخرين من بينهم جوبينو الذى صار يعرف بلقب " أب الأيدولوجيا العنصرية ". نشير هنا إلى الاختلاف بين التصنيفين ألسلالي من جانب والعنصري من جانب ثانٍ، فالأول يحاول، عادة بدون نجاح، توزيع بنى الإنسان إلى مجموعات متجنباً وضع تمييز يفرز أفضلية مجموعة على أخرى، في حين تحاول التصنيفات العنصرية، دائماً بدون نجاح، إلصاق الخصائص السلوكية الأكثر رقياً بسلالات معينة، والخصائص السلوكية الأكثر دونية بسلالات أخرى. والجدير هنا الإشارة إلى أن علماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس لم يجدوا أساساً علمياً صالحاً لإنشاء علاقة متبادلة بين الشخصية والسلالة. شائع اليوم الاعتقاد بوجود علاقة بين السلالة والشخصية بالرغم من انتفاء وجود بينة على كون الشخصية أو أية سمة ثقافية أو أي عنصر من عناصر الثقافة مثل الدين واللغة هي بحال من الأحوال سمة سلالية، هذا القول لا نشك في كونه يجد تقبلاً لدى معظم المستنيرين من السودانيين، ومن ثمَّ قبول الفكرة القائلة بأن العنصرية هي الاعتقاد بأفضلية سلالة على أخرى، وترتبط بسلوكيات طابعها التمييز والتفرقة تجاه ما يعتبر سلالة " أدنى "، ويقوم الاعتقاد العنصري عادة على أساس الادعاء بأن مجموعات سكانية معينة تمتلك قدرات وملكات عقلية " أقل " ويمتد هذا الاعتقاد ليشمل بجانب ذلك الطابع الأخلاقي والقيمى للسلالة "الأدنى"، ويتميز هذا الاتجاه العنصري بادعائه بأن القدرات العقلية والقيمية والأخلاقية هي سمات موروثة. وفي اعتقادنا أنه من الممكن إرجاع الاعتقاد العنصري القائل بكون مجموعة أناس معينين هم " أدنى " وراثياً إلى عدة عناصر: مثل الاستعمار، والدين، والأنظمة القيمية والأخلاقية، والنشاطات الاقتصادية، والتكنولوجيا أو جميعها مجتمعة. فقط من خلال دراسة متأنية وموضوعية بعيداً عن القيود المفروضة على العقل بفعل هيمنة أشكال مختلفة من التابو، يمكن أن ينجح العقل السوداني المستنير في الكشف عن حقيقة الأزمة الحالية التي فرضتها هيمنة عقل رجعة تمتد جذوره إلى عصر السلطنة الزرقاء، ومن ثم العمل الدءوب لتحرير عقل أهلنا في الشمال والجنوب ، الشرق والغرب عن مثل ما يروج له ما سمي "الكتاب الأسود" الذى هو بالفعل ما يدعيه لنفسه.

 

إن العنصرية ظاهرة ثقافية لا أساس وراثي لها، وكون أن سلالة هي الأفضل أو الأدنى عقلياً وأخلاقياً هو أمر يفتقد لبينات وأدلة تدعمه، والأقرب إلى الصواب هو كون العنصرية ظاهرة تمتد بجذورها إلى الاقتصاد والسياسة والاجتماع. لكن الواضح أنه برغم قناعات المستنيرين من السودانيين بعدم توفر بينات تشير إلى "دونية" مجموعة اثنية و"أفضلية" أخرى من المجموعات المؤلفة لفسيفساء الأمة السودانية، فان العنصرية ممارسة لا زالت تجد تعبيرات لها في العديد من السلوكيات السياسية والاجتماعية في سودان الإنقاذ في وقت انتقل فيه العالم مع بدايات القرن الحادي والعشرين إلى حل إشكاليات ذات فاعلية أجدى بالنسبة لحياة الكائن المسمى الإنسان العاقل عاقل.

 

آخذين في الاعتبار تلك النقاط لا يمكننا إنكار حقيقة كون الثقافات تتغير، وأن تلك التغيرات ذات اتجاه محدد، وأن بعض الثقافات تدوم وتنمو في حين تنقرض أخرى، فإذا كان لنا أن نفهم بصورة لها مغزى أي شئ عن الآلاف الأخيرة من السنوات في تاريخ الإنسان، فان ذلك يكون ممكناً فقط من خلال دراسة تلك العناصر الثقافية.

 

هل يعنى قولي هذا موقفاً يدعو للإقلاع نهائياً عن أفق التطور البيولوجي؟ ليس الأمر كذلك بحال من الأحوال طالما أنني أدرك أن الطفرات لا زالت تحدث، وأن التأثيرات التي تحدثها الإشعاعات والمواد الكيميائية على طفرات الجينة أضحت تشكل خطراً يهدد بوقوع المزيد من تواتر "أخطاء" الجينة، الاصطفاء الطبيعي لازال هو الآخر فاعلاً بطريقة قوية، إذ يحتمل أن 85 % من كل الخلايا المشيجية التي تحمل بها الأنثى لا تعيد إنتاج نفسها، إضافة فان نتائج  الهجرات العربية إلى السودان في القرون الخمس الأخيرة واضحة من حولنا تماماً.

 

ما نريد قوله أن قدرة الإنسان الهائلة على تغيير بيئاته تجاوزت قدراته البيولوجية على الاستجابة، فخلافاً للبعوض الذى تجاوب كلياً (تكيفياً) مع تغيرات بيئية هائلة مثل مبيد "الدي دي تي" فإن الإنسان لن يكون بمقدوره التكيف بهذه السرعة، فإذا كتب للبعوض أن يرش الإنسان بصورة دائمة بالكميات نفسها من مبيدات الحشرات (والتي سيسميها البعوض مبيدات البشريات) فإن الإنسان سيصبح عاجزاً عن التكيف وسينقرض كلياً.