حفل تتويج مك الفونج في فازوغلى

ترجمة د. عوض حسن*

 

 

 

 

 في اليوم التاسع من فبراير 1944 م. سنحت ليَّ الفرصة السعيدة حضور حفل تتويج مك جديد في فازوغلى على الضفة الشرقية للنيل الأزرق على الحدود الإثيوبية، المقر الرئيس والتقليدي لواحدة من الولايات الصغيرة في مملكة الفونج.

 

لقد كان حشداً ضخماً لرجال القبائل والذين أحضروا فرقهم الفنية حاملة أنواع مختلفة من آلات نفخ هوائية خشبية تتفاوت في أحجامها من مزامير يبلغ طولها القدم لآلات ضخمة تبلغ في طولها السبعة أقدام مجمعة في عدة وحدات بحبال من البامبو، وتكون مؤخرة هذا النوع من الآلات الموسيقية الضخمة راسية على سطح الأرض. كانت هناك أيضاً آلات موسيقية- زايلفون- مجمعة من عدة قطع عادة من خشب الأبنوس مع جوانب يبلغ طولها القدمين، تثبت على الكتف اليمنى ويتم الطرق عليها للإيقاع بقرن يمسك باليد اليمنى للعازف، وتكون اليد اليسرى للعازف متحررة لتمسك بالمزمار وبهذا يتمكن العازف من العزف على الآلتين في آن واحد. لقد كان هناك رقص عنيف وتمثيل لمعارك تشهر فيها الحراب والدروع، والى جانب هذا قرع نحاسيات المك الثلاث المصنوعة بالتوالي من جلد ثور وجلد بقر وجلد عجل (الدلوكة والطبل والنوبة) ويسمى النحاس المصنوع من جلد العجل بالشتَّم.

 

في حوالي الحادية عشر صباحاً تجمع كبار الضيوف في ساحة الدار في كرنك ضخم مسقوف بالقش ومغطى في جوانبه. كان من بين كبار الضيوف المك حسن عدلان- رئيس قسم الإدارة المحلية للفونج وسليل سلاطين سنار. ومن بينهم أيضاً المك نايل حمدان- ممك قيلى. وكانا " الملكين المتوجين " الوحيدين من بين الحضور. وضع الكُكُر (كرسي التتويج) مغطى بقطعة قماش مطرزة. وكان سيف الولايَّة موضوعاً على منضدة بجانب تاج مغطى بقطعة قماش أخرى.

 

لقد تم إحضار هذه الأشياء الثلاث الهامة من قبل المك حسن عدلان من سنجة. الكُكُر سبق تصنيعه في العام 1918 على يد الشيخ حاجو- رجل دين- يعيش بالقرب من سنار. تمَّ تصنيع هذا الكُكُر بديلاً للكُكُر الأصلي الذى كان قد فقد في فترة المهدية. أما السيف فهو السيف الأصلي القديم، في حين أن التاج صنع حديثاً للمناسبة. والتاج الذى يعرف " بالطاقية " عبارة عن قبعة من قماش أخضر ناصع مطرز وهى محدودبة الشكل ذات رأس مدببة حادة بجوانب تتدلى على الأذنين. كل الرموز الثلاثة- الكُكُر والسيف والطاقية يأخذها بعد الاحتفال المك حسن عدلان لحفظها لاستعمالها في تتويج قابل. وضع على المنضدة أيضاً قفطان من الحرير مخطط جديد وأيضاً عباءة زرقاء داكنة.

 

بعد التأكد من اكتمال كل هذه الاستعدادات يذهب "الجندي" لإحضار المك الجديد إلى مكان الحفل. مكانة هذا "الجندي" ووظيفته متوارثة ويجب أن يكون في كل الأحوال من قبيلة أخرى. "جندي" فازوغلى كان من المحس بينما كان "جندي" المك حسن عدلان من النوبا. للجندي وظائف وواجبات عدة من أهمها الحفاظ على التقاليد والعادات.

 

قاد الجندي المك الجديد حميدة رجب باديرو إلى مكان الاحتفال وخلع عنه القفطان الذى كان يرتديه. بعدها تقدم المك حسن عدلان وألبس المك الجديد القفطان الجديد والعباءة الجديدة، ووضع التاج على رأس المك الجديد وسلمه السيف وقام المك نايل بدور المساعد للمك عدلان في تقديمه الأشياء للمك حسن عدلان قبل أن يقوم الأخير بإلباسها وتسليمها للمك الجديد حميدة.

 

بعدها قام الجندي بحمل الكُكُر المُحلى بالقماش المطرز ووضعه تحت شجرة هيجليج ضخمة وقاد المك حسن المك الجديد حميدة وأقعده على كرسي التتويج. بعدها قام المك حسن والمك نايل كل منهما بحزم ثوبه حول وسطه تعبيراً عن الاحترام للمك حميدة وأخذ كل واحد منهما يد المك حميدة بين يديه وناداه بالمانجل، وبهذه الخطوة تمَّ رسمياً ضم المك حميدة وقبوله ضمن القلة المختارة التى تحمل هذا اللقب.

 

تم تكرار هذا الشكل من الترحيب من قبل الجندي وأيضاً العمدة نمر خميس- عمدة التومات، واحدة من العموديات الثلاث التى تكوَّن مكيَّة فازوغلى. تقدم كلاهما للترحيب حفاة حاسرى الرأس. منذ تلك اللحظة في الاحتفال تولى العمدة نمر أمر المراسم، وكان أول دور له هو استلام السيف من المك الجديد حميدة وسحبه.

 

تقدم بعد ذلك عدد من الفقهاء من أصل عربى وقرأوا الفاتحة. تلت ذلك خطبة قصيرة من ناظر المدرسة الأولية كانت مناسبة لكنها بدت دخيلة على المراسم التقليدية وأدت إلى تأخير الجانب الرسمي للترحيب التقليدي لوجهاء قبيلة المك "الأرابيب" والذين تقدم كل منهم محزماً بثوبه حافي القدمين حاسر الرأس مكررين طريقة الترحيب بالمانجل (المك الجديد).

 

بعدها استل العمدة نمر السيف وأشهره فوق رأس المك الجديد حميدة وقام العمدة آدم ابونعمة- رئيس ما تبقى من ولاية فازوغلى الشرقية- واستل سيفه الخاص لتشريف المك الجديد ولقد كان هذا الحدث غير المحسوب مستهجناً لدى خبراء تنظيم الاحتفال ويعد خللاً في المراسم.

 

يصل الاحتفال إلى قمته حينما تقدم أحد أفراد أسرة المك حاملاً طرداً ملفوفاً في قطعة قماش وبدأ فتحه وأخرج قرناً وبدأ في النفخ مصدراً أصواتاً. هذا القرن مأخوذ من وعل وتمَّ الاحتفاظ به وتوارثه لزمن طويل- القرن مغلف بجلد بشرى- وقد تم الاحتفاظ به من زمان كانت العادة فيه تغليف مثل هذا القرن بجلد بشرى بعد المعارك القبلية (من جلد أحد أفراد القبائل المعادية). القرن الوحيد الآخر المتبقي والمغلف بالجلد البشرى محفوظ لدى مك قيلى- وهذا الأخير مصنوع حقيقة من الخشب. أما الأخريات بما فيها قرن المك حسن عدلان فقد فقدت.

 

بعد نفخ القرن تقدم الطبال والذي له نفس مقام عازف القرن وبدأ في توقيع إيقاعات متواصلة بطيئة على طبل الإشارة (دينجير) ليعلن للملأ بأن المك يتمتع بالصحة وقد تمَََّ تتويجه. يعنى الإيقاع المتواصل الأخبار الحسنة، أما الأخبار السيئة فيتم الإعلان عنها بثلاث طرقات متقطعة يتم تكرارها بشكل ثابت ومنتظم. في الماضي كانت القرى تردد هذه الإيقاعات إلى القرى المجاورة وهكذا ينتشر الخبر بسرعة لكل القرى وإبراقه لكل الجهات. ولا يدرى الكاتب إن كان هذا ما حدث في احتفال التتويج هذا. كان لإيقاعات الطبول إثارة البهجة والاستحسان وسط الجموع صاحبها عزف الآلات والغناء، وقام حملة الأسلحة النارية بإفراغ محتوياتها في الهواء.

 

خلال ذلك قام بعض رجال العمدة آدم بفك قطعة قماش بيضاء من وسط الجندي ووقفوا ممسكين بأطرافها ممدودة فوق رأس المك حماية له من أشعة الشمس- لأنه لا يجب أن تقع الشمس على المك قبل الانتهاء من مراسم " تنقيته وتطهيره " في حين قام البعض بتشكيل سواعدهم المتداخلة على هيئة كُكًر أجلسوا المك وحملوه إلى منزله، حُمل الكُكُر وظل العمدة نمر حاملاً السيف.

 

[إلى هنا انتهى تسجيل مشاهداتي الشخصية ثم سجلت ما قيل لي بعد ذلك].

 

ذهب المكَّان حسن عدلان ونايل إلى المنزل وأجلسا المك حميدة على الكُكُر وتمَّ تفويض الجندي بملازمته وخدمته، وكان على الجندي في ذلك الأثناء التزام الصمت. في داخل المنزل كانت هناك امرأة عجوز من جماعة العمدة آدم مع صبيَّة صغيرة من جماعة المك حميدة يقارب عمرها العاشرة- لم تبلغ بعد سن الزواج بالتأكيد- هذا إلى جانب وجود الجندي. أمر الجندي بحراسة الباب بوضع جنود خارجه، وقامت العجوز بمسح المك بدهن ممزوج بدقيق ويقال أن الدهن معتق (الدلكة) ولكن لم تتوفر ليَّ معلومات عنه أو عن نوع الجذور. المسح كان عبارة عن عملية تدليك. بعدها ترك الجندي المكان ليحل محله أحد أفراد رجاله لتقديم الطعام ولم يسمح للنساء الاقتراب من المنزل.

 

ذبحت في هذا الأثناء خارج المنزل الذبائح وتمَّ تقديم المريسة (مشروب مخمر من الذرة) لكل أفراد القبائل. بعد الغروب تمَّ تحويل المك والصبيَّة إلى منزل خاص جديد أعدَّ للمناسبة للإقامة فيه لمدة أسبوع بعدها يقرر المك ما إذا كانت الصبيَّة ستكون في عصمته أو تطليقها إلى الأبد.

 

بعد أسبوع من التتويج تتجمع القبائل مرة أخرى ويساق المك إلى شاطئ النهر ويُطهر فيه بدخوله إلى الماء حتى رقبته. يلي ذلك نفير القرن وتدق الطبول وتقدم الذبائح والمريسة مرة أخرى للجمهور.

 

هناك أربع نقاط لا بدَّ من تسجيلها:

* أن الاختلاء بصبيَّة لم تبلغ سن الزواج في منزل المك بين فترة تتويجه وتطهيره في النهر تعد بدعة ذلك أن التقليد القديم كان أن يتم الاختلاء بعذراء في سن الزواج.

* أن فترة الاختلاء صارت أسبوعا واحداً فقط مقارنة بفترة حول كامل في التقليد القديم.

* حدث خروج خطير على التقليد الذى يمنع خروج المك خلال فترة الاختلاء لضوء النهار وهذا ما لم يتم الالتزام به. مثل هذا الخروج عن هذه  القاعدة يمكن أن يلغى كل ما تمَّ من مراسم التتويج وقد يستدعى ذلك فرض التنازل عن العرش أو حتى ربما الى الموت. أما في هذه الحالة فقد تمَّ تبرير خروج المك حميدة لحدوث خلل في تقسيم اللحم والمريسة على الجمهور نسبة لتقاعس القائمين على أمر الحفل مما استدعى خروجه لتصحيح الخطأ وضمان إكرام ضيوفه. المجلس القضائي المكون من المك نايل، والجندي، والعمدة نمر وآخرين قبل وجاهة العذر وبرأ المك حميدة من الخطأ، وأقر معاقبة القائمين على أمر الضيافة بإجبارهم على تقديم ذبائح من مالهم الخاص.

* أن العاملين الرسميين في خدمة المك، بما فيهم الرجل الذى يشرف على حراسة المك في خلوته، يحق لهم الاستحواذ على ملابس المك القديمة عند التتويج بعد أن يكون قد استبدلها بالجديدة.

 

أخيراً يقول كاتب المقال:" بنهاية هذه المراسم عدت إلى التأمل والتفكير في قوة التقاليد وبقائها عبر المهدية والحكم الثنائي والأزمنة الحديثة، وأيضاً التأمل في التشابه في تفاصيل عديدة لمراسم التتويج في بريطانيا".