مشروع بحثي نحو تأصيل أفريقي للحضارة الشمالية

 

هل يعود أصل السودانيين إلى المنابع الجنوبية؟

د. محجوب التجانى

   مــقدمة

مرتكزات البحـث الأنثروبولوجية  - والآثارية

   أ- افريقية الحضارات النيلية،   أم

  ب- افريقية الوطن السوداني.

   ج- الجذور الثقافية لحضارات الشمال، أم

  د- الأصول الحضارية لثقافات الجنوب.

 

 

 

مقــدمة

لعل من الثابت أن الجماعات السكانية التي أقامت الحضارة السودانية القديمة المعروفة آثارياً في منطقة النوبة فيما أكد عليه البحاثة وعلماء الأنثروبولوجيا الثقافية أصل عريق للأعراق التي واصلت مسيرة الحياة منذ تلك العصور السحيقة إلى الأزمان الحاضرة. أما علماء الآثار والثقافة الاجتماعية من أمثال البروفسور ويليام آدمز بوجه خاص فقد استيقنوا أن السكان المعاصرين في المنطقة التاريخية نفسها لا يوجد شك البتة في تحدرهم السلالي والثقافي من تلك الجماعات القديمة، وأنه إلى جانب أدوات المقارنة العلمية المتمثلة في الآثار المادية من جهة، تقف الشواهد اللغوية والانتماءات الوجدانية دليلاً حياً على تلك الصلة جنباً إلى جنب مع دلائل الشواهد الماثلة في صدر القبور وبقايا الصروح.

 

من الممكن أن ينساق الكاتب إلى الحديث عن الأبعاد الأيديولوجية والسياسية للتأصيل الحضاري موضع الذكر. إلا أنَّ موضوعاً آخر ربما لا يبعد كثيراً عن أهمية التحليل السوسيولوجي لهذه الحقائق الأنثروبولوجية والآثارية ظل شاغلاً للتفكير منذ أن تعرفت لأول مرة على مؤلف "النوبة: الرواق لإفريقيا"، وهو ما أبدع صنعه آدمز، ذلك حيث أن آدمز لم يقف طويلاً عند الفكرة القائلة بأنَّ ثمة علاقة حميمة قد نشأت منذ القدم ما بين الحضارة النوبية القديمة وجماعاتها السكانية من جهة والجماعات السكانية التى عاشت في جنوب وادي النيل فيما وراء مناطق السافانا الغنية على امتداد منطقة المستنقعات وروافد النيل المنتشرة شرقاً وغرباً وجنوباً إلى بحيرات المنبع.

 

عليه، يتركز هم هذا الكاتب في محاولة التفكير في علاقة الحضارة النوبية القديمة وما تفتق عنها من ثقافات وحضارات سودانية عديدة، أو ما جاورت وتبادلت التأثير معه من إسهامات السكان في منطقة البجا وشمال كردفان ودارفور والحضارة المصرية في شمال الوادي من زاوية ما نالت فيما يبدو نصيباً وافياً من البحث والتحليل، ألا وهى علاقة تلك الحضارات، منفردة أو مجتمعة، مع الجماعات السكانية الجنوبية وثقافاتها وحضاراتها المختلفة.

 

لا يوجد بحوزة الكاتب في الوقت الحاضر ما يكفي من المراجع لاستكشاف العلاقة المطروحة للبحث. ومع ذلك، فالقصد من طرح الفكرة بهذا التساؤل المثير، هل يعود أصل السودانيين إلى المنابع الجنوبية، هو إثارة الفروض العلمية التي ترتكز على قدر كاف من المعلومات، وتدقيقها، وتمحيصها، والخلوص من ثم إلى نتائج البحث. وعليه، تقدم هذه الورقة مشروعاً للبحث داعية الزملاء، وفي مقدمتهم البروفسور أسامة عبدالرحمن النور إلى المشاركة في الإعداد والتطبيق فربما ينتج عن مشاركتهم الشيقة بحث كامل تدعو الضرورة الثقافية والسياسية إلى دفعه للمكتبة السودانية في قوة وإيمان بوحدة الجنس البشرى وتلاصق جذوره الحضارية وتلاقح ثقافاته عبر القارات، سيما القارة الأفريقية الأم.

 

أ- افريقية الحضارات النيلية

النيل منشأ ومجرى إفريقي بحت ومن اللائق تماماً أن ينسب ذلك النهر العظيم الذى يشيع الحياة والنماء منذ أقدم العصور في أقطار واديه، وبلدان مصبه ومنابعه الضاربة في أعماق القارة السمراء إلى حضارات الأفارقة الدائرة حول ضفافه، آخذة من مائه واخضرار أرضه. ولا بدَّ لذلك من الحديث عن كافة حضارات القارة المنبثة على مدى الزمن في وديان النيل على أنها حضارات نيلية نسبة إلى النهر التليد، وبقدر متساو من الأهمية والشأن. فمن يدرى، لعلَّ أعظم الآثار الرابضة تحت كثبان الرمال أو الغابات ولا تزال سراً مجهولاً هي الدليل المفقود لإثبات الحضارات النيلية المغمورة، وأن الحضارات المعروفة للعالم في شمال الوادي ومناطق النوبة ما هي سوى جزء يسير من الحضارات النيلية المجهولة. إن ثمة حقائق هامة تستدعى استحضار ذلك الفرض الذى ينتظر البحث والتحقيق، فأفريقيا وإنسانها الأفريقي أصل للجنس البشرى على اختلاف ألوانه وما أنشأ لمجتمعاته بعد انتشاره في قارات الأرض الأخرى منطلقاً من القارة الأم (كارينغا، 1993). ولا تزال القارة متفوقة على أنحاء المعمورة بغنى ثقافاتها المتنوعة ولغاتها العديدة وأديانها القديمة وإنسانها المتجدد (ديفيدسون، 1970). الفرض القائل بمرجعية الحضارات النيلية بشكل غالب ومؤثر إلى المآل الأفريقي لا يعد أمراً شططاً. بل لعله الفيل الذى تظاهر الكثرة على التعامي عن ثقله الشامل للسودان، لهثاً وراء ظله الواقع على العرب والأوروبيين منذ أقدم الأزمان. 

 

أفريقية الوطن السوداني

ما أن ينكب فكر على حقيقة الحقائق الماثلة في انتماء السودان قلباً وقالباً لأفريقيا بشعوبها العريقة وحضاراتها القديمة، يشتعل من توه بأمور جسيمة عظيمة الأثر على جملة القضايا القومية التي تعاكسها دعاوى الساسة وانقسامات الطبقة ومظالم الأهل على انتشار الوطن، القارة المصغرة. في مقدمة هذه الأمور أن الاستيعاب الكامل لافريقية السودان كأساس عميق ما يزال مغموساً تحت ركام من الاغتصاب الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي على حد سواء بسبب التهافت العرقي والتعصب الجاهل لمزايا الأفضليات السياسية للجماعات الحاكمة في عاصمة البلاد.

 

ظلت علاقات السودان بأهله الأفارقة مجهولة وممنوعة، وفات على ساسته ما يربطهم بحضارات أفريقيا الغربية من جذور راسخة، وما يشدهم بالدم والتاريخ الواحد إلى حضارات البانتو النابعة من بحيرات النيل في أعماق القارة. وباتت الملامح الرئيسة للسودانيين المدفونة في بعانخى (بـيَّا) وتهارقا، ملوك النيل وفراعنته القدماء يتغاضى أحفادهم عن أفريقيتها الصارخة، يحسبونها إرثاً منقطعاً. وما هكذا يتعامل شعب حضاري مع أصوله التكوينية. ولكنها الحاجة المرفوضة لتوسيع البحث العلمي بكافة فروعه ومناهجه الممحصة للكشف عن حقائق الدم الواحد والأصل الواحد والتاريخ المشترك وإعداد الحاضر القائم لاستحضار المستقبل الواعد بأمة سودانية افريقية موحدة. 

 

الجذور الثقافية لحضارات الشمال

نقول إنها حضارات متعددة المعروف عنها حضارة النوبيين القدماء بآثارها التليدة، ولا يزال أكثرها ربما قابعاً تحت بطون الرمال. على أن حضارات الشمال، بما فيها النوبة، تشتمل عدداً كبيراً ربما من حضارات الشعوب السودانية التى عاشت الزمن في نفس الوطن: البجا وما تفرع عنهم عبر النيل شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. البليميون، والمدجاى، أيقصر باحث وجودهم الحضاري على تلال البحر الأحمر وحسب؟ ألم يكن اختلاط العرب المهاجرة بهم مولداً لعشرات الجماعات السكانية التى انتشرت في طول البلاد وعرضها؟ وما أصل البجا الضاربة شرقاً في القرن الأفريقي سوى امتداد أفريقي للأجناس الأفريقية نفسها التى عاشت جنوباً، في تجاوب مع بيئة متغيرة بحسب الأمطار والرياح وفيضانات النيل العاتية. ألا يفترض باحث أن البجا والشلك والأنواك والدنكا والنوير بجذورهم الإثيوبية والواصلة عبر بحر العرب بأفريقيا الوسطى وجنوباً بالماساى في كينيا، أفارقة أصليين، كانوا شعباً واحداً فتفرق بالمصالح والسعي في الأرض مثلما يتفرق الناس في هذا الزمان؟ لعلَّ الجذور الثقافية لحضارات الشمال في حاجة فعلية لدراسة مقارنة لعادات تلك الأقوام واستطلاع ما يتشابه منها وما يفتأ بعيداً. هنالك الثقافة، أكثر من المظاهر الطبيعية، واللون، وطول القامة ومقاسات الجماجم. هنالك اللغة والآثار والتركيبة. 

 

الأصول الحضارية لثقافات الجنوب

ها هنا فرض يتواتر ويشتد إلحاحاً على فكر المشاهد: أكانت كلها حضارة للبانتو القادمين من أقصى جنوب القارة؟ فماذا عن النيل الحامل لمراكب النوبة والمرعى الناقل للبجا والعرب؟ وماذا نقول عن سواد النيل واسمراره وخصائص الحياة الواحدة طوال مراحلها المتطورة، الصيد وجمع الثمار قبل الزراعة وحصد المحاصيل واستئناس الحيوان - أما كانت كلها ممارسة على أوسع نطاق من جماعات أفريقيا السودانية؟ وكم من الزمان مضى على شعوب السودان دون تفاعل واندماج؟

 

مضى عهد يدرس فيه تلاميذ المدارس فصول التاريخ مفصولة ومتمايزة: النوبة - المهدية بعد التركية - الاستقلال وحزبا الأمة والاتحادي. يجيء عهد يدرس فيه التلامذة والطلاب والمدرسون والبحاثة والساسة فصول التاريخ والآثار والثقافة والاجتماع والسياسة موحدة متعانقة. ما قبل التاريخحيث على البحث أن يستطلع افريقية السودان كأصل واحد لكل ما جاء من بعد. افريقية الحضارات النيليةبما يستجد من أسرارها المغمورة. والجذور الثقافية لحضارات الشمال وعلى حد سواء، الأصول الحضارية لثقافات الجنوب.

 

 

مراجع

Adams, William1977, Nubia, Corridor to Africa, Allen Lane, London,

Davidson, Basil, Africa History: Themes and Outlines, Collier Books, New York

Karenga, M 1993, Introduction to Black Studies, The University of Sankore Press, Los Angeles