نص الأسواني عن بلاد النوبة والبجة

 

نقلاً عن الخطط المقريزية

 

* ذكر الجنادل ولمع من أخبار أرض النوبة *

الجندل ما يصل الرجل من الحجارة وقيل هو الحجر كله الواحدة جندلة والجندل الجنادل قال سيبويه وقالوا جندل يعنون الجنادل وصرفوه لنقصان البناء عمالا ينصرف وأرض جندلة ذات جندل وقيل الجندل المكان الغليظ فيه حجارة ومكان جندل كثير الجندل * قال عبدالله بن أحمد بن سليم الأسواني في كتاب أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل * وأول بلد النوبة قرية تعرف بالقصر من أسوان إليها خمسة أميال وآخر حصن للمسلمين جزيرة تعرف بـ بلاق بينها وبين قرية النوبة ميل وهو ساحل بلد النوبة ومن أسوان إلى هذا الموضع جنادل كثيرة الحجر لا تسلكها المراكب إلا بالحيلة ودلالة من يخبر بذلك من الصيادين الذين يصيدون هناك لأن هذه الجنادل متقطعة وشعاب معترضة في النيل ولانصبابه فيها خرير عظيم ودوي يسمع من بعد وبهذه القرية مسلحة وباب إلى بلد النوبة ومنها إلى الجنادل الأولى من بلد النوبة عشر مراحل وهى الناحية التى يتصرف فيها المسلمون ولهم فيما قرب أملاك ويتجرون في أعلاها وفيها جماعة من المسلمين قاطنون لا يفصح أحدهم بالعربية وشجرها كثير وهى ناحية ضيقة شظفة كثيرة الجبال وما تخرج عن النيل وقراها متسطرة على شاطئه وشجرها النخل والمقل وأعلاها أوسع من أدناها وفي أعلاها الكرون والنيل لا يروي مزارعها لارتفاع أرضها وزرعها الفدّان والفدّانان والثلاثة على أعناق البقر بالدواليب والقمح عندهم قليل والشعير أكثر والسلت ويعتقبون الأرض لضيقها فيزرعونها في الصيف بعد تطريتها بالزبل والتراب الدخن والذرة والجاروس والسمسم واللوبيا وفي هذه الناحية نجراش مدينة المريس وقلعة إبريم وقلعة أخرى دونها وبها مينا تعرف بأدواء ينسب إليها لقمان الحكيم وذوالنون وبها بربا عجيب ولهذه الناحية وال من قبل عظيم النوبة يعرف بصاحب الجبل من أجل ولاتهم لقربه من أرض الإسلام ومن يخرج إلى بلد النوبة من المسلمين فمعاملته معه في تجارة أو هدية إليه أو إلى مولاه يقبل الجميع ويكافئ عليه بالرقيق ولا يطلق لأحد الصعود إلى مولاه لا لمسلم ولا لغيره * وأوّل الجنادل من بلد النوبة قرية تعرف بتقوي هي ساحل واليها تنتهي مراكب النوبة المصعدة من القصر أوّل بلدهم ولا تتجاوزها المراكب ولا يطلق لأحد من المسلمين ولا من غيرهم الصعود إلا بإذن من صاحب جبلهم ومنها إلى المقس الأعلى ست مراحل وهى جنادل كلها وشر ناحية رأيتها لهم لصعوبتها وضيقها ومشقة مسالكها أما بحرها فجنادل وجبال معترضة فيه حتى أن النيل ينصب في شعاب ويضيق في مواضع حتى يكون سعه ما بين الجانبين خمسين ذراعاً وبرها مجاويب ضيقة وجبال شاهقة وطرقات ضيقة حتى لا يمكن الراكب أن يصعد منها والراجل الضعيف يعجز عن سلوكها ورمال في غربها وشرقها وهذه الجبال حصنهم واليها يفزع أهل الناحية التى قبلها المتصلة بأرض الإسلام وفي جزائرها نخل يسير وزرع حقير وأكثر أكلهم السمك ويدهنون بشحمه وهى من أرض مريس وصاحب الجبل واليهم والمسلحة بالمقس الأعلى صاحبها من قبل كبيرهم شديد الضبط لها حتى أن عظيمهم إذا صار بها وقف به المسلحي وأوهم أنه يفتش عليه حتى يجد الطريق إلى ولده ووزيره فمن دونهما ولا يجوزها دينار ولا درهم لإذ كانوا لا يتبايعون بذلك إلا دون الجنادل مع المسلمين وما فوق ذلك لا بيع بينهم ولا شراء وإنما هي معاوضة بالرقيق والمواشي والحبال والحديد والحبوب ولا يطلق لأحد أن يجوزها إلا بإذن الملك ومن خالف كان جزاؤه القتل كائناً من كان وبهذا الاحتياط تتكتم أخبارهم حتى أن العسكر منهم يهجم على البلد إلى البادية وغيرهم فلا يعلمون به والنباد الذى يخرط به الجوهر يخرج من النيل في هذه المواضع يغطس عليه فيوجد جسمه بارداً مخالفاً للحجارة فإذا أشكل عليه نفخ فيه بالفم فيعرق ومن هذه المسلحة إلى قرية تعرف بـ ساي جنادل أيضاً وهى آخر كرسيم ولهم فيها أسقف وفيها بربا ثم ناحية سقلودا وتفسيرها السبع ولاة وهى أشبه الأرض بالأرض المتاخمة لأرض الإسلام في السعة والضيق في مواضع والنخل والكرم والزرع وشجر المقل وفيها شئ من شجر القطن ويعمل منه ثياب وخشة وبها شجر الزيتون وواليها من قبل كبيرهم وتحت يده ولاة يتصرفون وفيها قلعة تعرف بـ أصمنون وهى أول الجنادل الثلاثة وهى أشد الجنادل صعوبة لأن فيها جبلاً معترضاً من الشرق إلى الغرب في النيل والماء ينصب من ثلاثة أبواب وربما رجع إلى بابين عند انحساره شديد الخرير عجيب المنظر يتحدر الماء عليه من علو الجبل وقبليه فرش حجارة في النيل نحو ثلاثة برد إلى قرية تعرف بـ يستو وهى آخر قرى مريس وأوّل بلد مقرة ومن هذا الموضع إلى حد المسلمين لسانهم مريسي وهى آخر عمل متملكهم ثم ناحية بقون وتفسيرها العجب وهى عند اسمها لحسنها وما رأيت على النيل أوسع منها وقدرت أن سعة النيل فيها من الشرق إلى الغرب مسيرة خمس مراحل الجزائر تقطعه والأنهار منه تجري بينها على أرض منخفضة وقرى متصلة وعمارة حسنة بأبرجة حمام ومواشى وأنعام وأكثر ميرة مدينتهم منها وطيورها النقيط والنوبي والببغاء وغير ذلك من الطيور الحسان وأكثر نزهة كبيرهم في هذه الناحية * قال وكنت معه في بعض الأوقات فكان سيرنا في ظل شجر من الحافتين في الخلجان الضيقة وقيل أن التمساح لا يضر هناك ورأيتهم يعبرون أكثر هذه الأنهار سباحة ثم سقد بقل وهى ناحية ضيقة شبيهة بأول بلادهم إلا أن فيها جزائر حساناً وفيها دون المرحلتين نحو ثلاثين قرية بالأبنية الحسان والكنائس والأديار والنخل الكثير والكروم والبساتين والزرع ومروج كبار فيها صهب مؤبلة للنتاج وكبيرهم يكثر الدخول إليها لأن طرفها القبلي يحاذي دنقلة مدينتهم ومن مدينة دنقلة دار المملكة إلى أسوان خمسون مرحلة وذكر صفتها ثم قال أنهم يسقفون مجالسهم بخشب السنط وبخشب الساج الذى يأتي به النيل في وقت الزيادة سقالات منحوتة لا يدرى من أين تأتي ولقد رأيت على بعضها علامة غريبة ومسافة ما بين دنقلة إلى أوّل بلد علوة أكثر مما بينها وبين أسوان وفي ذلك من القرى والضياع والجزائر والمواشي والنخل والشجر والمقل والزرع والكرم أضعاف ما في الجانب الذى يلي أرض الإسلام وفي هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيام فيها الجبال والوحش والسباع ومغاوز يخاف فيها العطش والنيل يتعطف من هذه النواحي إلى مطلع الشمس وإلى مغربها مسيرة أيام حتى يصير المصعد كالمنحدر وهى الناحية التى تبلغ العطوف من النيل إلى المعدن المعروف بالشلة وهو بلد يعرف  بـ شنقير ومنه خرج العمري وتغلب في هذه الناحية إلى أن كان من أمره ما كان وفرس البحر يكثر في هذه المواضع ومن هذا الموضع طرق إلى سواكن وباضع ودهلك وجزائر البحر ومنها عبر من نجا من بني أمية عند هربهم إلى النوبة وفيها خلق من ... يعرفون بالزنافج انتقلوا إلى النوبة قديماً وقطنوا هناك وهم على حدتهم في الرعي واللغة لا يخالطون النوبة ولا يسكنون قراهم وعليهم وال من قبل النوبة.

 

* ذكر تشعب النيل من بلاد علوة ومن يسكن عليه من الأمم *

أعلم أن النوبة والمقرة جنسان بلسانين كلاهما على النيل فالنوبة هم المريس المجاورون لأرض الإسلام وبين أوّل بلدهم وبين أسوان خمسة أميال ويقال أن سها جد النوبة ومقري جد المقرة من اليمن وقيل النوبة ومقري من حمير وأكثر أهل الأنساب على أنهم جميعاً من ولد حام بن نوح وكان بين النوبة والمقرة حروب قبل النصرانية وأوّل أرض المقرة قرية تعرف بـ تافة على مرحلة من أسوان ومدينة ملكهم يقال لها نجراش على أقل من عشر مراحل من أسوان ويقال أن موسى صلوات الله عليه غزاهم قبل مبعثه في أيام فرعون فأخرب تافة وكانوا صابئة يعبدون الكواكب وينصبون التماثيل ثم تنصروا جميعاً النوبة والمقرة ومدينة دنقلة هي دار مملكتهم وأوّل بلاد علوة قرى في الشرق على شاطئ النيل تعرف بالأبواب ولهذه الناحية وال من قبل صاحب علوة يعرف بالرحراح * والنيل يتشعب من هذه الناحية على سبعة أنهار فمنها نهر يأتي من ناحية المشرق كدر الماء يجف في الصيف حتى يسكن بطنه فإذا كان وقت زيادة النيل نبع فيه الماء وزادت البرك التى فيه وأقبل المطر والسيول في سائر البلد فوقعت الزيادة في النيل وقيل أن آخر هذا النهر عين عظيمة تأتي من جبل قال مؤرخ النوبة وحدثني سميون صاحب عهد بلد علوة أنه يوجد في بطن هذا النهر حوت لا قشر له ليس هو من بني جنس ما في النيل يحفر عليه قامة وأكثر حتى يخرج وهو كبير وعليه جنس مولد بين العلوة والبجة يقال لهم الديجيون وجنس يقال لهم بازة يأتي من عندهم طير يعرف بحمام بازين وبعد هؤلاء أوّل بلاد الحبشة ثم النيل الأبيض وهو نهر يأتي من ناحية الغرب شديد البياض مثل اللبن قال وقد سألت من طرق بلاد السودان من المغاربة عن النيل الذى عندهم وعن لونه فذكر أنه يخرج من جبال الرمل أو جبل الرمل وأنه يجتمع في بلد السودان في برك عظام ثم ينصب إلى ما لا يعرف وأنه ليس بأبيض فامّا أن يكون اكتسب ذلك اللون مما يمر عليه أو من نهر آخر ينصب إليه وعليه أجناس من جانبيه ثن النيل الأخضر وهو نهر يأتي من القبلة مما يلي الشرق شديد الخضرة صافي اللون جداً يرى ما في قعره من السمك وطعمه مخالف لطعم النيل يعطش الشارب منه بسرعة وحيتان الجميع واحدة غير أن الطعم مختلف ويأتي فيه وقت الزيادة خشب الساج والبقم والغثاء وخشب له رائحة كرائحة اللبان وخشب غليظ ينحت ويعمل منه مقدام وعلى شاطئه يثبت هذا الخشب أيضاً وقيل أنه وجد فيه عود البخور قال وقد رأيت على بعض سقالات الساج المنحوتة التى تأتي فيه وقت الزيادة علامة غريبة ويجتمع هذان النهران الأبيض والأخضر عند مدينة متملك بلد علوة ويبقيان على ألوانهما قريباً من مرحلة ثم يختلطان بعد ذلك وبينهما أمواج كبار عظيمة بتلاطمهما قال وأخبرني من نقل النيل الأبيض وصبه في النيل الأخضر فبقي فيه مثل اللبن ساعة قبل أن يختلطا وبين هذين النهرين جزيرة لا يعرف لها غاية وكذلك لا يعرف لهذين النهرين نهاية فأولهما يعرف عرضه ثم يتسع فيصير مسافة شهر ثم لا تدرك سعتهما لخوف من يسكنهما بعضهم من بعض لأن فيهما أجناساً كثيرة وخلقاً عظيماً قال وبلغني أن بعض متملكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها فلم يأت عليه بعد سنين وان في طرفها القبلي جنساً يسكنون ودوابهم في بيوت تحت الأرض مثل السراديب بالنهار من شدة حر الشمس ويسرحون في الليل وفيهم قوم عراة والأنهار الأربعة الباقية تأتي أيضاً من القبلة مما يلي الشرق أيضاً في وقت واحد ولا يعرف لها نهاية أيضاً وهى دون النهرين الأبيض والأخضر في العرض وكثرة الخلجان والجزائر وجميع الأنهار الأربعة تنصب في الأخضر وكذلك الأول الذى قدمت ذكره ثم يجتمع مع الأبيض وكلها مسكونة عامرة مسلوك فيها بالسفن وغيرها وأحد هذه الأربعة يأتي مرة من بلاد الحبشة قال ولقد أكثرت السؤال عنها واستكشفتها من قوم عن قوم فما وجدت مخبراً يقول أنه وقف على نهاية جميع هذه الأنهار والذي انتهى إليه علم من عرّفني عن آخرين إلى خراب وأنه يأتي في وقت الزيادة في هذه الأنهار آلة مراكب وأبواب وغير ذلك فيدل على عمارة بعد الخراب فامّا الزيادة فيجمعون أنها من الأمطار مع مادة تأتي من ذاتها والدليل على ذلك النهر الذى يجف ويسكن بطنه ثم ينبع وقت الزيادة ومن عجائبه أن زيادته في أنهار مجتمعة وسائر النواحي والبلدان في مصر وما يليها والصعيد وأسوان وبلد النوبة وعلوة وما وراء ذلك في زمان واحد وأكثر ما وقف عليه من هذه الزيادة أنه ربما وجدت مثلا بـ أسوان ولا توجد بـ قوص ثم تأتي بعد فإذا كثرت الأمطار عندهم واتصلت السيول علم أنها سنة ري وإذا قصرت الأمطار علم أنها سنة ظمأ قال وأما طرق بلاد الزنج فإنهم أخبروني عن مسيرهم في بحر الصين إلى بلاد الزنج بالريح الشمالي مساحلين للجانب الشرقي من جزيرة مصر حتى ينتهوا إلى موضع يعرف بـ رأس حفري وهو عندهم آخر جزيرة مصر فينظرون كوكباً يهتدون به فيقصدون الغرب ثم يعودون إلى البحري ويصير الشمال في وجوههم حتى يأتوا إلى قبيلة من بلاد الزنج وهى مدينة متملكهم وتصير قبلتهم للصلاة إلى جدة قال وبعض الأنهار الأربعة يأتي من بلاد الزنج لأنه يأتي فيه الخشب الزمجي وسوبة مدينة العلوي شرقي الجزيرة الكبرى التى بين البحرين الأبيض والأخضر في الطرف الشمالي منها عند مجتمعهما وشرقيها النهر الذى يجف ويسكن بطنه وفيها أبنية حسان ودور واسعة وكنائس كثيرة الذهب وبساتين ولها رباط فيه جماعة من المسلمين ومتملك علوة أكثر مالا من متملك المقر وأعظم جيشاً وعنده من الخيل ما ليس عند المقري وبلده أخصب وأوسع والنخل والكرم عندهم يسير وأكثر حبوبهم الذرة البيضاء التى مثل الأرز منها خبزهم ومزرهم واللحم عندهم كثير لكثرة المواشي والمروج الواسعة العظيمة السعة حتى أنه لا يوصل إلى الجبل إلا في أيام وعندهم خيل عتاق وجمال صهب عراب ودينهم النصرانية يعاقبة وأساقفتهم من قبل صاحب الإسكندرية كالنوبة وكتبهم بالرومية يفسرونها بلسانهم وهم أقل فهماً من النوبة وملكهم يسترق من شاء من رعيته بجرم وبغير جرم ولا ينكرون ذلك عليه بل يسجدون له ولا يعصون أمره على المكروه الواقع بهم وينادون الملك يعيش فليكن أمره وهو يتتوج بالذهب والذهب كثير في بلده * ومما في بلده من العجائب أن في الجزيرة الكبرى التى بين البحرين جنساً يعرف بـ الكرنينا لهم أرض واسعة مزروعة من النيل والمطر فإذا كان وقت الزرع خرج كل واحد منهم بما عنده من البذر واختط على مقدار ما معه وزرع في أربعة أركان الخطة يسيراً وجعل البذر في وسط الخطة وشيئاً من المزر وانصرف عنه فإذا أصبح وجد ما اختط قد زرع وشرب المزر فإذا كان وقت الحصاد حصد يسيراً منه ووضعه في موضع أراده ومعه مزر وينصرف فيجد الزرع قد حصد بأسره وجرّن فإذا أراد درسه وتذريته فعل به ذلك وربما أراد أحدهم أن ينقي زرعه من الحشيش فيلفظ بقلع شئ من الزرع فيصبح وقد قلع جميع الزرع وهذه الناحية التى فيها ما ذكرته بلدان واسعة مسيرة شهرين في شهرين يزرع جميعها في وقت واحد وميرة بلد علوة ومتملكهم من هذه الناحية فيوجهون المراكب فتوسق وربما وقع بينهم حرب * قال وهذه الحكاية صحيحة معروفة مشهورة عند جميع النوبة والعلوة وكل من يطرق ذلك البلد من تجار المسلمين لا يشكون فيه ولا يرتابون به ولو لا أن اشتهاره وانتشاره مما لا يجوز التواطؤ على مثله لما ذكرت شيئاً منه لشناعته فأما أهل الناحية فيزعمون أن الجن تفعل ذلك وأنها تظهر لبعضهم وتخدمهم بحجارة يتطاوعون لهم وتعمل لهم عجائب وأن السحاب يطيعهم * قال ومن عجائب ما حدثني به متملك المقرة للنوبة أنهم يمطرون في الجبال ويلتقطون منه للوقت سمكاً على وجه الأرض وسألتهم عن جنسه فذكروا أنه صغير القدر بأذناب حمر قال وقد رأيت جماعة وأجناساً ممن تقدم ذكر أكثرهم يعترفون بالباري سبحانه وتعالى ويتقربون إليه بالشمس والقمر والكواكب ومنهم من لا يعرف الباري ويعبد الشمس والنار ومنهم من يعبد كل ما استحسنه من شجرة أو بهيمة وذكر أنه رأى رجلاً في مجلس عظيم المقرة سأله عن بلده فقال مسافته إلى النيل ثلاثة أهله وسأله عن دينه فقال ربي وربك الله رب الملك وكل الناس كلهم واحد وأنه قال له فأين يكون قال في السماء وحده وقال انه إذا أبطأ عنهم المطر أو أصابهم الوباء أو وقع بدوابهم آفة صعدوا الجبل ودعوا الله فيجابون للوقت وتقضى حاجتهم قبل أن ينزلوا وسأله هل أرسل فيكم رسول قال لا فذكر له بعثة موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه وما أيدوا به من المعجزات فقال اذا كانوا قد فعلوا هذا فقد صدقوا ثم قال قد صدقتهم إن كانوا قد فعلوا * قال مؤلفه رحمه الله وقد غلب أولاد كنز الدولة على النوبة وملكوها من سنةــــ وبنى بـ دنقلة جامع يأوى إليه الغرباء وأعلم أن على ضفة النيل أيضاً الكانم وملكها مسلم بينه وبين مالي مسافة بعيدة جداً وقاعدة ملكه بلدة اسمها حيمي وأوّل مملكته من جهة مصر بلدة اسمها زرلا وآخرها طولاً بلدة يقال لها كاكا وبينهما نحو ثلاثة أشهر وهم يتلثمون وملكهم متحجب لا يرى إلا يومي العيدين بكرة وعند العصر وطول السنة لا يكلمه أحد إلا من وراء حجاب وغالب عيشهم الأرز وهو ينبت من غير بذر وعندهم القمح والذرة والتين والليمون والباذنجان واللفت والرطب ويتعاملون بقماش ينسج عندهم اسمه دندي طول كل ثوب عشرة أذرع يشترون به من ربع ذراع فأكثر ويتعاملون أيضاً بالودع والخرز والنحاس المكسر والورق وجميع ذلك بسعر ذلك القماش وفي جنوبها شعارى وصحارى فيها أشخاص متوحشة كالفيول قريبة من شكل الآدمي لا يلحقها الفارس تؤذي الناس ويظهر في الليل أيضاً شبه نار تضئ فإذا مشى أحد ليلحقها بعدت عنه ولو جرى إليها لا يصل إليها بل لا تزال أمامه فإذا رماها بحجر فأصابها تشظى منها شرر وتعظم عندهم اليقطينة حتى تصنع منها مراكب يعبر فيها في النيل * وهذه البلاد بين إفريقية وبرقة ممتدة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط وهى بلاد قحط وشظف وسوء مزاج وأوّل من بث بها الإسلام الهادي العثماني ادّعى أنه من ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه وصارت بعده لليزنيين من بني سيف بن ذي يزن وهم على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله والعدل قائم بينهم وهم يابسون في الدين لا يلينون وبنوا بمدينة مصر مدرسة للمالكية عرفت بمدرسة ابن رشيق في سني أربعين وستمائة وصارت وفودهم تنزل بها وسيرد ذكرها في المدارس إن شاء الله تعالى.

 

* ذكر البجة ويقال إنهم من البربر *

أعلم أن أوّل بلد البجة من قرية تعرف بالحزبة معدن الزمرد في صحراء قوص نحو من ثلاث مراحل وذكر الجاحظ انه ليس في الدنيا معدن للزمرد غير هذا الموضع وهو يوجد في مغاير بعيدة مظلمة يدخل إليها بالمصابيح وبحبال يستدل بها على الرجوع خوف الضلال ويحفر عليه بالمعاول فيوجد في وسط الحجارة وحوله غشيم دونه في الصبغ والجوهر وآخر بلاد البجة أوّل بلاد الحبشة وهم في بطن هذه الجزيرة أعني جزيرة مصر إلى سيف البحر مما يلي جزائر سواكن وباضع ودهلك وهم بادية يتبعون الكلأ حيثما كان الرعي بأخبية من جلود وأنسابهم من جهة النساء ولكل بطن منهم رئيس وليس عليهم متملك ولا لهم دين وهم يورثون ابن البنت وابن الأخت دون ولد الصلب ويقولون أن ولادة ابن الأخت وابن البنت أصح فانه ان كان من زوجها أو من غيره فهو ولدها على كل حال وكان لهم قديماً رئيس يرجع جميع رؤسائهم إلى حكمه يسكن قرية تعرف بهجر هي أقصى جزيرة البجة ويركبون النجب الصهب وتنتج عندهم وكذلك الجمال العراب كثيرة عندهم أيضاً والمواشي من الأبقار والغنم والضأن غاية في الكثرة عندهم وبقرهم حسان ملمعة بقرون عظام ومنها جمّ وكباشهم كذلك منمرة ولها ألبان وغذاؤهم اللحم وشرب اللبن وأكلهم للجبن قليل وفيهم من يأكله وأبدانهم صحاح وبطونهم خماص وألوانهم مشرقة الصفرة ولهم سرعة في الجري يبايتون بها الناس وكذلك جمالهم شديدة العدو صبورة عليه وعلى العطش يسابقون عليها الخيل ويقاتلون عليها وتدور بهم كما يشتهون ويقطعون عليها من البلاد ما يتفاوت ذكره ويتطاردون عليها في الحرب فيرمي الواحد منهم الحربة فإن وقعت في الرمية طار إليها الجمل فأخذها صاحبها وان وقعت في الأرض ضرب الجمل بجرانه الأرض فأخذها صاحبها ونبغ منهم في بعض الأوقات رجل يعرف بكلاز شديد مقدام وله جمل ما سمع بمثله في السرعة وكان أعور وصاحبه كذلك التزم لقومه انه يشرف على مصلى مصر يوم العيد وقد قرب العيد قرباً لا يكون للبلوغ إليها في مثله حقيقة فوفي بذلك وأشرف على المقطم وضربت الخيل خلفه فلم يلحق وهذا هو الذى أوجب أن يكون في السفح طليعة يوم العيد وكان الطولونية وغيرهم من أمراء مصر يوقفون في سفح الجبل المقطم مما يلي الموضع المعروف بالحبش جيشاً كثيفاً مراعياً للناس حتى ينصرفوا من عيدهم في كل عيد وهم أصحاب ذمة فإذا غدر أحدهم رفع المغدور به ثوباً على حربة وقال هذا عرش فلان يعني أبا الغادر فتصير سيئة عليه إلى أن يترضاه وهم يبالغون في الضيافة فإذا طرق أحدهم الضيف ذبح له فإذا تجاوز ثلاثة نفر نحر لهم من أقرب الأنعام إليه سواء كانت له أو لغيره وإن لم يكن شئ نحر راحلة الضيف وعوضه ما هو خير منها وسلاحهم الحراب السباعية مقدار طول الحديدة ثلاثة أذرع والعود أربعة أذرع وبذلك سميت سباعية والحديدة في عرض السيف لا يخرجونها من أيديهم إلا في بعض الأوقات لأن في آخر العود شيئاً شبيهاً بالفلكة يمنع خروجها عن أيديهم وصناع هذه الحراب نساء في موضع لا يختلط بهن رجل إلا المشتري منهن فإذا ولدت إحداهن من الطارقين لهن جارية استحيتها وان ولدت غلاماً قتلته ويقلن أن الرجال بلاء وحرب ودرقهم من جلود البقر مشعرة ودرق مقلوبة تعرف بالاكسومة من جلود الجواميس وكذلك الدهلكية ومن دابة في البحر وقسيهم عربية كبار غلاظ من السدر والشوحط يرمون عليها بنبل مسموم وهذا السم يعمل من عروق شجر الغلف يطبخ على النار حتى يصير مثل الغرا فإذا أرادوا تجربته شرط أحدهم جسده وسيل الدم ثم شممه هذا السم فإذا تراجع الدم علم أنه جيد ومسح الدم لئلا يرجع إلى جسمه فيقتله فإذا أصاب الإنسان قتل لوقته ولو مثل شرطة الحجام وليس له عمل في عير الجرح والدم وإن شرب منه لم يضر وبلدانهم كلها معادن وكلما تصاعدت كانت أجود ذهباً وأكثر وفيها معادن الفضة والنحاس والحديد والرصاص وحجر المغنطيس والمرقشيتا والحمست والزمرد وحجارة شطبا فإذا بلت الشطبة منها بزيت وقدت مثل الفتيلة وغير ذلك مما شغلهم طلب معادن الذهب عما سواه والبجة لا تتعرض لعمل شئ من هذه المعادن وفي أوديتهم شجر المقل والاهليلج والاذخر والشيح والسنا والحنظل وشجر البان وغير ذلك وبأقصى بلدهم النخل وشجر الكرم والرياحين وغير ذلك مما لم يزرعه أحد وبها سائر الوحوش من السباع والفيلة والنمور والفهود والقردة وعناق الأرض والزباد ودابة تشبه الغزال حسنة المنظر لها قرنان على لون الذهب قليلة البقاء اذا صيدت ومن الطيور الببغا والنقيط والنوبي والقماري ودجاج الحبش وحمام بازين وغير ذلك وليس منهم رجل إلا منزوع البيضة اليمنى وأما النساء فمقطوع أشفار فروجهن وانه يلتحم حي يشق عنه للمتزوج بمقدار ذكر الرجل ثم قل هذا الفعل عندهم وقيل أن السبب في ذلك أن ملكاً من الملوك حاربهم قديماً ثم صالحهم وشرط عليهم قطع ثدي من يولد لهم من النساء وقطع ذكور من يولد من الرجال أراد بذلك قطع النسل منهم فوفوا بالشرط وقبلوا المعنى في أن جعلوا قطع الثدي للرجال والفروج للنساء وفيهم جنس يقلعون ثناياهم ويقولون لا نتشبه بالحمير وفيهم جنس آخر في آخر بلاد البجة يقال لهم البازة نساء جميعهم يتسمون باسم واحد وكذلك الرجال فطرقهم في وقت رجل مسلم له جمال فدعا بعضهم بعضاً وقالوا هذا الله قد نزل من السماء وهو جالس تحت الشجرة فجعلوا ينظرون إليه من بُعد * وتعظم الحيات ببلدهم وتكثر أصنافها وريئت حية في غدير ماء قد أخرجت ذنبها والتفت على امرأة وردت فقتلتها فرؤي شحمها قد خرج من دبرها من شدة الضغطة وبها حية ليس لها رأس وطرفاها سوداء منقشة ليست بالكبيرة إذا مشى الإنسان على أثرها مات واذا قتلت وأمسك القاتل ما قتلها به من عود أو حربة في يده ولم يلقه من ساعته مات وقتلت حية منها بخشبة فانشقت الخشبة وإذا تأمل هذه الحية أحد وهى ميتة أو حية أصابه ضررها وفي البجة شر وتسرع إليه ولهم في الإسلام وقبله أذية على شرق صعيد مصر خربوا هناك قرى عديدة وكانت فراعنة مصر تغزوهم وتوادعهم أحياناً لحاجتهم إلى المعادن وكذلك الروم لما أن ملكوا مصر ولهم في المعادن آثار مشهورة وكان أصحابهم بها وقد فتحت مصر * قال عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم وتجمع لعبدالله بن سعد بن أبى سرح في انصرافه من النوبة على شاطئ النيل البجة فسأل عن شأنهم فاخبر أن ليس لهم ملك يرجعون إليه فهان عليه أمرهم وتركهم فلم يكن لهم عقد ولا صلح وكان أول من هادنهم عبيد الله بن الحجاب السلولي ويذكر انه وجد في كتاب ابن الحجاب لهم ثلاثمائة بكر في كل عام حين ينزلون الريف مجتازين تجاراً غير مقيمين على ألا يقتلوا مسلماً ولا ذمياً فان قتلوه فلا عهد لهم ولا يؤوا عبيد المسلمين وان يردوا آبقيهم إذا وقعوا إليهم ويقال أنهم كانوا يؤاخذون بهذا وبكل شاة أخذها البجاوي فعليه أربعة دنانير وللبقرة عشرة وكان وكيلهم مقيماً بالريف رهينة بيد المسلمين ثم كثر المسلمون في المعدن فخالطوهم وتزوجوا فيهم وأسلم كثير من الجنس المعروف بالحدارب إسلاماً ضعيفاً وهم شوكة القوم ووجوههم وهم مما يلي مصر من أول حدهم إلى العلاقي وعيذاب المعبر منه إلى جدة وما وراء ذلك ومنهم جنس آخر يعرفون بالزنافج هم أكثر عدداً من الحدارب غير أنهم تبع لهم وخفراؤهم يحمونهم ويحبونهم المواشي ولكل رئيس من الحدارب قوم من الزنافج في حملته فهم كالعبيد يتوارثونهم بعد أن كانت الزنافج قديماً أظهر عليهم ثم كثرت أذيتهم على المسلمين وكان ولاة أسوان من العراق فرفع إلى أمير المؤمنين المأمون خبرهم فأخرج إليهم عبدالله بن الجهم فكانت له معهم وقائع ثم وادعهم وكتب بينه وبين كنون رئيسهم الكبير الذى يكون بقريتهم هجر المقدم ذكرها كتاباً نسخته هذا كتاب كتبه عبدالله بن الجهم مولى أمير المؤمنين صاحب جيش الغزاة عامل الأمير أبي اسحق بن أمير المؤمنين الرشيد أبقاه الله في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة ومائتين لـ كنون بن عبدالعزيز عظيم البجة بـ أسوان أنك سألتني وطلبت إلىّ أن أؤمنك وأهل بلدك من البجة وأعقد لك ولهم أماناً عليّ وعلى جميع المسلمين فأجبتك إلى أن عقدت لك وعلى جميع المسلمين أماناً ما استقمت واستقاموا على ما أعطيتني وشرطت لي في كتابي هذا وذلك أن يكون سهل بلدك وجبلها من منتهى حد أسوان من أرض مصر إلى حد ما بين دهلك وباضع ملكاً للمأمون عبدالله بن هرون أمير المؤمنين أعزه الله تعالى وأنت وجميع أهل بلدك عبيد لأمير المؤمنين إلا أنك تكون في بلدك ملكاً على ما أنت عليه في البجة وعلى أن تؤدي إليه الخراج في كل عام على ما كان عليه سلف البجة وذلك مائة من الإبل أو ثلاثمائة دينار وازنة داخله في بيت المال والخيار في ذلك لأمير المؤمنين ولولاته وليس لك أن تحرم شيئاً عليك من الخراج وعلى أن كل أحد منكم إن ذكر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به أو قتل أحداً من المسلمين حراً أو عبداً فقد برئت منه الذمة ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة أمير المؤمنين أعزه الله وذمة جماعة المسلمين وحل دمه كما يحل دم أهل الحرب وذراريهم وعلى أن أحداً منكم إن أعان المحاربين على أهل الإسلام بمال أو دله على عورة من عورات المسلمين أو أثر لعزتهم فقد نقض ذمة عهده وحل دمه وعلى أن أحداً منكم إن قتل أحداً من المسلمين عمداً أو سهواً أو خطأ حراً أو عبداً أو أحداً من أهل ذمة المسلمين أو أصاب لأحد من المسلمين أو أهل ذمتهم مالا ببلد البجة أو ببلاد الإسلام أو ببلاد النوبة أو في شئ من البلدان براً أو بحراً فعليه في قتل المسلم عشر ديات وفي قتل العبد المسلم عشر قيم وفي قتل الذمي عشر ديات من دياتهم وفي كل مال أصبتموه للمسلمين وأهل الذمة عشرى أضعافه وان دخل أحد من المسلمين بلاد البجة تاجراً أو مقيماً أو مجتازاً أو حاجاً فهو آمن فيكم كأحدكم حتى يخرج من بلادكم ولا تؤوا أحداً من آبقي المسلمين فان أتاكم آت فعليكم أن تردوه إلى المسلمين وعلى أن تردوا أموال المسلمين إذا صارت في بلادكم بلا مؤنة تلزمهم في ذلك وعلى أنكم إن نزلتم ريف صعيد مصر لتجارة أو مجتازين لا تظهرون سلاحاً ولا تدخلون المدائن والقرى بحال ولا تمنعوا أحداً من المسلمين الدخول في بلادكم والتجارة فيها براً ولا بحراً ولا تخيفوا السبيل ولا تقطعوا الطريق على أحد من المسلمين ولا أهل الذمة ولا تسرقوا لمسلم ولا ذمي مالاً وعلى ألا تهدموا شيأ من المساجد التى ابتناها المسلمون بصيحة وهجر وسائر بلادكم طولاً وعرضاً فان فعلتم ذلك فلا عهد لكم ولا ذمة وعلى أن كنون بن عبد العزيز يقيم بريف صعيد مصر وكيلاً يفي للمسلمين بما شرط لهم من دفع الخراج ورد ما أصابه البجة للمسلمين من دم ومال وعلى أن أحداً من البجة لا يعترض حداً لقصر إلى قرية يقال لها قبان من بلد النوبة حدا لأعمدة عقد عبدالله بن الجهم مولى أمير المؤمنين لكنون بن عبد العزير كبير البجة الأمان على ما سمينا وشرطنا في كتابنا هذا وعلى أن يوافي به أمير المؤمنين فان زاغ كنون أو عاث فلا عهد له ولا ذمة وعلى كنون أن يدخل عمال أمير المؤمنين بلاد البجة لقبض صدقات من أسلم من البجة وعلى كنون الوفاء بما شرط لعبدالله بن الجهم واخذ بذلك عهد الله عليه بأعظم ما أخذ على خلقه من الوفاء والميثاق ولكنون بن عبد العزيز ولجميع البجة عهد الله وميثاقه وذمة أمير المؤمنين وذمة الأمير أبي اسحق بن أمير المؤمنين الرشيد وذمة عبدالله بن الجهم وذمة المسلمين بالوفاء بالوفاء بما أعطاه عبدالله بن الجهم ما وفي كنون بن عبد العزيز بجميع ما شرط عليه فان غير كنون أو بدل أحد من البجة فذمة الله جل اسمه وذمة أمير المؤمنين وذمة الأمير أبي اسحق بن أمير المؤمنين الرشيد وذمة عبدالله بن الجهم وذمة المسلمين بريئة منهم وترجم جميع ما في هذا الكتاب حرفاً حرفاً زكريا بن صالح المخزومي من سكان جدة وعبدالله بن اسمعيل القرشي ثم نسق جماعة من شهود اسوان فأقام البجة على ذلك برهة ثم عادوا إلى غزو الريف من صعيد مصر وكثر الضجيج منهم إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله فندب لحربهم محمد بن عبدالله القمي فسأل أن يختار من الرجال من أحب ولم يرغب إلى الكثرة لصعوبة المسالك فخرج إليهم من مصر في عدة قليلة ورجال منتخبة وسارت المراكب في البحر فاجتمع البجة لهم في عدد كثير عظيم قد ركبوا الإبل فهاب المسلمون ذلك فشغلهم بكتاب طويل كتبه في طومار ولفه بثوب فاجتمعوا لقرائته فحمل عليهم وفي أعناق الخيل الأجراس فنفرت الجمال بالبجة ولم تثبت لصلصلة الأجراس فركب المسلمون أقفيتهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وقتل كبيرهم فقام من بعده ابن أخيه وبعث يطلب الهدنة فصالحهم على أن يطأ بساط أمير المؤمنين فسار إلى بغداد وقدم على المتوكل بسر من رأى في سنة إحدى وأربعين ومائتين فصولح على أداء الأتاوة والبقط واشترط عليهم أن لا يمنعوا المسلمين من العمل في المعدن وأقام القمي بـ أسوان مدة وترك في خزائنها ما كان معه من السلاح وآلة الغزو فلم تزل الولاة تأخذ منه حتى لم يبقوا منه شيأ فلما كثر المسلمون في المعادن واختلطوا بالبجة قلّ شرهم وظهر التبر لكثرة طلابه وتسامع الناس به فوفدوا من البلدان وقدم عليهم عبد الرحمن بن عبدالله بن عبدالحميد العمري بعد محاربته النوبة في سنة خمس وخمسين ومائتين ومعه ربيعة وجهينة وغيرهم من العرب فكثرت بهم العمارة في البجة حتى صارت الرواحل التى تحمل الميرة إليهم من أسوان ستين ألف راحلة غير الجلاب التى تحمل من القلزم إلى عيذاب ومالت البجة إلى ربيعة وتزوجوا إليهم وقيل أن كهان البجة قبل إسلام من أسلم منهم ذكرت عن معبودهم الطاعة لـ ربيعة ولـ كنون معاً فهم على ذلك فلما قتل العمري واستولت ربيعة على الجزائر وآلاهم على ذلك البجة فأخرجت من خالفها من العرب وتصاهروا إلى رؤساء البجة وبذك كف شرهم من المسلمين والبجة الداخلة في صحراء بلد علوة مما يلي البحر المالح إلى أول الحبشة ورجالهم في الظعن والمواشي وإتباع الرعي والمعيشة والمراكب والسلاح كحال الحدارب الا أن الحدارب أشجع وأهدى من الداخلة على كفرهم من عبادة الشيطان والإقتداء بكهانهم ولكل بطن كاهن يضرب له قبة من أدم معبدهم فيها فإذا رأوا استخباره عما يحتاجون إليه تعرى ودخل إلى القبة مستدبراً ويخرج إليهم وبه أثر جنون وصرع يقول الشيطان يقرئكم السلام ويقول لكم ارحلوا عن هذه الحلة فان الرهط الفلاني يقع بكم وسألتم عن الغزو إلى بلد كذا فسيروا فانكم تظفرون وتغنمون كذا وكذا والجمال التى تأخذونها من موضع كذا هي لي والجارية الفلانية التى تجدونها في الخباء الفلاني والغنم التى من صفتها كذا ونحو هذا القول فيزعمون أنه يصدقهم في أكثر من ذلك فإذا غنموا أخرجوا من الغنيمة ما ذكر ودفعوه إلى الكاهن يتموله ويحرمون ألبلان نوقها على من لم يقبل فإذا أرادوا الرحيل حمل الكاهن هذه القبة على جمل مفرد فيزعمون أن ذلك الجمل لا يثور إلا بجهد وكذلك سيره ويتصبب عرقاً والخيمة فارغة لا شئ فيها وقد بقي في الحدارب جماعة على هذا المذهب ومنهم من يتمسك بذلك مع إسلامه * قال مؤرخ النوبة ومنه لخصت ما تقدم ذكره وقد قرأت في خطبة الأجناس لأمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر البجة والكجة ويقول عنهم شديد كلبهم قليل سلبهم فالبجة كذلك وأما الكجة فلا أعرفهم انتهى ما ذكره عبدالله بن أحمد مؤرخ النوبة * وقال أبو الحسن المسعودي فأما البجة فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر وتشعبوا فرقاً وملكوا عليهم ملكاً وفي أرضهم معادن الذهب وهو التبر ومعادن الزمرد وتتصل سراياهم ومناسرهم على النجب إلى بلاد النوبة فيغزون ويسبون وقد كانت النوبة قبل ذلك أشد من البجة إلى أن قوى الإسلام وظهر وسكن جماعة من المسلمين معدن الذهب وبلاد العلاقي وعيذاب وسكن في تلك الديار خلق من العرب من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فاشتدت شوكتهم وتزوجوا من البجة فقويت البجة ثم صاهرها قوم من ربيعة فقويت ربيعة بالبجة على من ناواها وجاورها من قحطان وغيرهم ممن سكن تلك الديار وصاحب المعدن في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة بشر بن مروان بن اسحق بن ربيعة يركب في ثلاثة آلاف ألف من ربيعة وأحلافها من مصر واليمن وثلاثين ألف حراب على النجب من البجة في الحجف التحاوية وهم الحدارب وهم مسلمون من بين سائر البجة والداخلة من البجة ككفار يعبدون صنماً لهم والبجة المالكة لمعدن الزمرد يتصل ديارها بالعلاقي وهو معدن الذهب وبين العلاقي والنيل خمس عشرة مرحلة وأقرب العمارة إليه مدينة أسوان وجزيرة سواكن أقل من ميل في ميل وبينها وبين البحر الحبشي بحر قصير يخاض وأهلها طائفة من البجة تسمى الخاسة وهم مسلمون ولهم بها ملك * وقال الهمداني نكح كنعان بن حام أرتيب بنت شاويل بن ترس بن يافث ولدت له حقا والأساود ونوبة وقران والزنج والزغاوة وأجناس السودان وقيل البجة من ولد حام بن نوح وقيل من ولد كوش بن كنعان بن حام وقيل البجة قبيلة من الحبش أصحاب أخبية من شعر وألوانهم أشد سواداً من الحبشة يتزيون بزي العرب وليس لهم مدن ولا قرى ولا مزارع ومعيشتهم مما ينقل إليهم من أرض الحبشة وأرض مصر والنوبة وكانت البجة تعبد الأصنام ثم أسلموا في إمارة عبدالله بن سعد بن أبي سرح وفيهم كرم وسماحة وهم قبائل وأفخاذ لكل فخذ رئيس وهم أهل نجعة وطعامهم اللحم واللبن فقط.