ثقافة أم مثاقفة : السـودان وحرب الهُويات

عاطف عبدالله قسم السيد 

سبق نشر هذا البحث في صحيفة الاتحاد وأعيد نشره في سودانايل

 

 

 تقديم
حملت مفاوضات ماشاكوس التي عُلقت من قبل والتي ستستأنف خلال الأيام القادمة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان طيه من الملفات والأوراق السودانية الساخنة إلى طاولة المفاوضات.

 

مادة هذه الأوراق هي المواجع والمظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أرهقت الوطن وقضت مضاجعة زهاء ما يناهز الخمسة عقود من الزمان هي عمر استقلال السودان. فالحرب الدائرة الآن والتي اشتعل أوارها في عام 1983 إنما تضرب بجذورها إلى عام 1955، وهو العام الذي سبق إعلان الاستقلال.

 

وإذا كانت المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتهميش الآخر وعدم الاعتراف به هي الوقود الذي ظل يشعل نار تلك الحرب، فإن الوجه الثقافي المرتبط بحقوق الهوية والاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي والاثني يمثل هو الآخر مكوناً رئيساً من مكونات تلك الحرب ووقودها ومادتها.

 

وفي رصيد الفكر السوداني تراث غني ومتصل من الكتابات والإسهامات المكرسة لتناول قضايا التعدد اللغوي والثقافي والديني والعرقي وديمقراطية الثقافة وحقوق المواطنة المرتبطة بالهوية. من بين هذه الإسهامات المتصلة تبادر الاتحاد إلى نشر هذه الدراسة الماثلة بين يدي القارئ الآن حول حرب الهُويات السودانية. وقد عمد فيها الكاتب عاطف عبد الله إلى التعريف بأهم التيارات والرؤى الثقافية المتصارعة فيما بينها. ضمن ذلك وفي سياقه يقدم الكاتب خلفية تاريخية عامة تطرح من الأسئلة أكثر مما تقدم من الإجابات عن مكونات الشخصية السودانية وفسيفساء التكوين العرقي اللغوي الثقافي المتعدد للمجتمع السوداني.

 

كما يطرح في السياق نفسه كيف تحول هذا التعدد كله من نعمة إلى نقمة، وكيف أصابت لعنة حرب الهُويات جسد المجتمع بسهام وسموم الاستعلاء العرقي والديني والثقافي. وغض النظر عن النتائج التي ستنتهي إليها (ماشاكوس) كخطوة من الخطى على طريق الحل فإن هذه القضايا ستظل مطروحة على بساط التأمل والبحث والعمل حتى تضع حرب الهُويات أوزارها ذات يوم في بلاد السودان.


تمهيد
ورد في تقرير أعد على أعتاب الاستقلال أن السودان يتكون من 570 قبيلة تنقسم إلى 56 أو 57 فئة اثنية على أساس الخصائص اللغوية والثقافية والاثنوغرافية و تتحدث 114 لغة منطوقة منها المكتوبة، 50 منها في جنوب السودان. هذه المجموعات الاثنية الـ 57 أعيد تجميعها في ثماني مجموعات رئيسة 39 % عرب أو من أصول عربية، 30 % جنوبيون أو من أصول أفريقية، 12 % بجة، 15 % نوبيين، كما أن هناك مجموعات أخرى مثل الفور والنوبا والأنقسنا  والأجانب المولدون قد تم تصنيفهم ضمن المجموعات أعلاه. 51 % يتحدثون اللغة العربية، 49 % يتحدثون لغات ولهجات أخرى و60 % مسلمون، 10 % مسيحيون، 30 % وثنيون وأصحاب ديانات أفريقية مختلفة.

وقد تم تقسيم المجموعات أعلاه إلى مجموعتين ثقافيتين رئيسيتين هما الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي ذو القيادة المسيحية. (1)
 

بعد مضي قرابة النصف قرن على هذا التقرير و الصراع ما زال متأججاً حول الهوية والانتماء الثقافي في السودان، نجد أنفسنا مازلنا نعدو وراء الوطن الحلم و نطمح بأن تكون لنا دولة قومية موحدة، و بناء وعي بهوية مشتركة، تضمن بناء وحدة وطنية حقيقية ومستدامة. تكمن الصعوبة  في هذه التعددية والتنوع اللغوي والاثني في شبه القارة السودانية وفي ذلك المحيط الخارجي المتداخل معه حدودياً وشعوبياً، الأمر الذي يصعب معه الحلم بتحقيق وحدة لهذا التنوع ووطن يلم الشمل ويجمع هذه الأضداد وتتعايش فيه هذه الثقافات المختلفة، والأصول العرقية المتنوعة، والمعتقدات الدينية والاثنية المتعددة في سلام ووئام.

 

لست بصدد تقديم دراسة منهجية للهوية الثقافية في السودان بقدر ما سأحاول تسليط الضوء على وجهات النظر الثقافية المختلفة والتعريف بها  بقدر ما توفر لي من مصادر، وفتح باب للحوار حول الهُوية الثقافية في السودان. ولكن تسليط الضوء على الرؤى الثقافية المتناحرة وتجاهل الهُوية العرقية في السودان بتشعيباتها العديدة أمر فيه استحالة .. لذا لا بدَّ أن نمر أولاً عبر الهُويَّة.

 

ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى هو العقل الذي منحنا الوعي بالتميز، حتى تكتمل إنسانيتنا لا بدَّ لنا من الانتماء إلى جماعة "الإنسان كائن اجتماعي"، وتبدأ الجماعة من الأسرة والقبيلة لتنتهي بالأمة والإنسانية جمعاء. و يعرف الأستاذ طه إبراهيم المحامي معنى الهُوية بأنها شعور الانتماء إلى جماعة محددة، ويقول في ذلك ان شعور الفرد بالانتماء إلى جماعة معينة أو مجتمع معين هو الذي يحدد وطنيته، وبمعنى ما مدى إخلاصه لذلك المجتمع. أما الوجه القانوني للهُويَّة فقد تبلور فيما يعرف بالحق في الجنسية حيث تتطابق الهُوية هنا مع معنى الجنسية(2). وأيضا تعرف الهوية بأنها ما يميز أية جماعة من حيث خصائصها المادية والوجدانية والروحية والاثنية عن سواها.

إن طرح أي سؤال حول هوية الشخصية السودانية لا يمكن أن يكتمل إلا بطرح المزيد من الأسئلة، وسيبدو الأمر وكأن لا نهاية له لأن الأسئلة لا تنفد. إلا أن مستلزمات البحث العلمي والتمسك بالموضوعية والعلمية بعيداً عن التعصب، يمكن أن يقدما رؤية وصورة نركز فيها على ما يجمع، ونقلص فيها ما يفرق؛ وسيكون المدخل  لموضوع هذه الدراسة هو طرح الأسئلة التالية:

 

ما هي مكونات الشخصية السودانية؟ ما الذي يميزها عن سواها؟ ما هي الخصائص المادية والروحية التي جمعت السودانيين ووحدتهم، أو تلك التي فرقتهم وتصالحوا وتحاربوا من أجلها لأكثر من نصف قرن؟ ما هو تأثير الإسلام والعروبة في تلك المكونات؟ وما هي المعالجات التي طرحتها وجهات النظر المتباينة في مسألة الهُوية الثقافية؟ على ماذا يا ترى استندت ثقافياً ثنائيات (الغابة والصحراء) و(الحراز والمطر) و (رجل سنار والأفريقي النبيل)؟ وما هي الحاضنة الثقافية للشخصية السودانية؟ أهي العروبية أم الإسلاموية والدعوة إلى التأصيل الثقافي كما يراها البعض؟ أم هي الأفروعربية كما نادى بها حمزة الملك طمبل ورواد مدرسة الفجر في ثلاثينيات القرن الماضي؟ أم الرعوية وزهد الصوفية كما يذكر الأستاذ محمد عبد القادر سبيل، أم الزنجية الأفريقية كما يتمنى بعض مثقفي الشمال الباحثين عن الخلاص من قيود الالتزام الاجتماعي و الديني وبعض الجنوبيين الذين يتنكرون للثقافة العربية والإسلامية في السودان، أهي خليط من كل ذلك أم هي سودانوية فقط لا غير؟

 

المكونات التاريخية
(أيثيوبيا) الاسم الذي أطلقه قدماء الإغريق على الأرض التي امتدت من الشلال الأول عند أسوان إلى أقاصي الحبشة شمالا وجنوبا ، ومن سواكن ومصوع على البحر الأحمر إلى صحراء ليبيا شرقاً وغرباً، وتعني الكلمة (أيثيوبيا) الوجه المحروق أو الأسود. وقد ذكر المؤرخ  نعوم شقير بأن أول من سكنها هم السود. أما تسمية (كوش) فقد وردت في التوراة، سفر التكوين الإصحاح الثاني
"وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا ...
وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة.
ومن هناك ينقسم ليصير أربعة رؤوس ، اسم الواحد فيشون .
وهو المحيط بجميع ارض الحويلة حيث الذهب .
وذهب تلك الأرض جيد . هناك المقل وحجر الجزع ،
واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش
واسم النهر الثالث حداقل وهو الجاري شرقي أشور والنهر الرابع الفرات "

[للمزيد من إشكاليات تسمية السودان القديم انظر في أركامانى]

مملكة كوش وعاصمتها الأولى نبتة ثم ولأسباب حياتية بعد أن توسعت في الزراعة انتقلت العاصمة لمروي  وأهرام البجراوية ستظل شاهد  على حضارة عظيمة والكوشيين أكثر ما عرف فيهم أنهم حاميي و أمناء على الحضارة المصرية القديمة ، اعتنقوا ديانة آمون وأول من وحدوا القطرين لفترة من الزمن عندما فتحوا مصر بقيادة بعانخي في 751 ق.م.

 

(بلاد بونت) والبوانيت الاسم الذي أطلقه قدماء المصريين على الأرض والسكان الذين أقاموا بين طريق بربر وسواكن وجبال الحبشة " وأرسل الملك متوفيس (من الأسرة السادسة) القائد هرخف لغزو بلاد البوانيت فعاد بغنائم البخور والأبنوس والعاج والجلود حملها على 300 حمار .. إلخ "

 

(الممالك المسيحية) نوباديا وعاصمتها فرس- المقرة وعاصمتها دنقلة العجوز- علوة وعاصمتها سوبا. (بلاد السودان) هذا الاسم الذى أطلقه العرب على المنطقة الأفريقية شبه الصحراوية التي تمتد  من المحيط الأطلنطي حتى البحر الأحمر، والتي تمت أسلمتها ، هي ليست في حقيقة الأمر موطن للزنوج ، ولكنها المنطقة المتوسطة التي تقع بين المجموعة الحامية لشمال أفريقيا، والمجموعة الزنجية لوسط أفريقيا، وهي التي تم تقسيمها فيما بعد إلى "السودان الغربي" للمنطقة التي تشمل حوض السنغال وجامبيا وفولتا العليا والنيجر و"السودان العام" الذي يضم حوض بحيرة تشاد، و "السودان الشرقي" الذي يقصد به السودان الإنجليزي المصري وهو المعني في هذه الدراسة.

السودان بلد المليون ميل مربع ، بحدوده الحالية يعد تكويناً حديثاً أو مستحدثاً في بداية القرن المنصرم، فقد ضمت دارفور عام 1916 حيث كانت مملكة مستقلة لأكثر من ثلاثة عقود، كما كانت دار مساليت هي الأخرى سلطنة مستقلة تم ضمها كإقليم يتمتع بالحكم الذاتي ثم أصبحت جزء مما صار يعرف بالسودان الإنجليزي المصري، أما بحر الغزال فقد كانت جزءاً من أملاك الملك ليوبولد ملك بلجيكا وأهداها للبريطانيين في مطلع القرن العشرين في إطار تبادل المستعمرات.  
 

جغرافية وتاريخ السودان. إن ما يميز السودان عن سواه هو هذا الواقع الجغرافي المتفرد والطبيعة المتميزة التي أحاطت به والمناخات المختلفة، من مناخ السافنا الاستوائي الممطر في الجنوب إلى مناخ البحر الأبيض المتوسط في أقصى جبل مرة في الغرب، والمناخ الصحراوي الجاف في الشمال، إلى السهل البحري وجبال البحر الأحمر في الشرق الممطر شتاءً.

 

كما أسهم أيضا المحيط الخارجي حيث يحاط السودان بتسعة أقطار من مصر في الشمال وليبيا وشاد وأفريقيا الوسطى في الغرب إلى كينيا وأوغندا وزائير وأثيوبيا في الجنوب وإرتريا والبحر الأحمر الذي يفصلها عن المملكة العربية  السعودية في الشرق، الأمر الذي يميز السودان عن أي قطر آخر. أضف لذلك الإرث التاريخي المتنوع والتفاوت الحضاري والاقتصادي والأثني بين كل منطقة وأخرى وبين كل إقليم وآخر.


تأثير الهجرات الخارجية والداخلية
كان تكوين السكان الأصليين لأرض السودان الشمالي والأوسط قبل الهجرات يتكون من النوبة وهم شعب هجين من سلالات قوقازية وزنجية تسكن على ضفاف النيل من دنقلا إلى أسوان، والنوبيين في الشمال الوسيط والبجة في شرق السودان، والفور والمساليت في غرب السودان وفي الجنوب الغربي والقبائل النيلية في الجنوب عدا قبيلة الشلك التي كانت حدودها تمتد حتى ملتقى النيلين.

 

بدأت الهجرات لأرض السودان قبل الإسلام وكانت هجرات المسيحيين الأوائل من مصر، كما كانت هناك هجرات للعرب قبل ظهور الإسلام لكنها لم تكن مقننة كالهجرات التي تلت ظهور الإسلام عندما تواترت هجرات العرب المسلمين لأرض السودان بعد القرن السابع الميلادي. لم يتوغل المهاجرون العرب جنوبا لصعوبة التضاريس، حيث السافنا الكثيفة والحيوانات المفترسة.

 

واستمرت عملية تعريب السكان الأصليين زهاء ما يربو على الألف سنة وأفرزت لنا هذا الهجين الذي يعرف بالشمال العربي المسلم. كان التعريب يتم في سلاسة وتأني وذلك بالتمازج العرقي والثقافي ، أما عمليات الأسلمة فلم تتم (للشمال المستعرب) إلا بعد ذلك بعدة قرون وقد تم ذلك على أيدي الفقهاء الصوفية بعد القرن الخامس عشر الميلادي أيام السلطنة الزرقاء.


المؤثرات العربية الإسلامية
بعد أن فتح العرب مصر في القرن السادس الميلادي عقد الفاتحون المسلمون اتفاقيتين منفصلتين الأولي مع النوبة (اتفاقية البقط أيام الخليفة عمر بن الخطاب) والثانية مع البجا (أيام الخليفة المأمون) وذلك بعد فشل الحملات العسكرية لفتح بلاد السودان أو الممالك المسيحية فيه (علوة والمقرة).

 

بالرقم من فشل الحملات العسكرية العربية الإسلامية وتكبدها خسائر فادحة إلا أن تفوق العرب في السلاح والعتاد أجبر السودانيين على طلب الهدنة والتفاوض لإقرار سلام. وكانت هاتين الاتفاقيتين اللتين نظمتا العلاقة بين الطرفين وأن كانتا مجحفتين بحق السودانيين إلا أنهما حافظتا على استقلال ممالكهم التي أعتبرها العرب دار صلح وهي منزلة بين منزلتين دار الحرب ودار السلم ، أمنت الاتفاقيتان على مصالح العرب ومددتا نفوذهم و وطدتا مراكزهم السياسية بعد أن تمكنوا من الاقتصاد كتجار ومنقبين عن الذهب والزمرد والياقوت في أرض المعادن بشرق السودان وأخيراً تميز هويتهم مكنّهم من الوصول للسلطة والحكم وذلك مع نهاية القرن الرابع عشر ومطلع القرن الخامس عشر الميلادي.

 

أما في ما يتعلق بالهجرات الداخلية فقد شهد السودان عدة هجرات خاصة للقبائل النيلية الجنوبية التي توغلت نحو العمق الأفريقي جنوبا، أما أكبرها فقد كان تهجير الشلك (من القبائل النيلية) من ضفاف النيل الأبيض حيث كانت حدودهم تتاخم الخرطوم إلى غابات الجنوب العصية هربا من الاسترقاق بعد تحولوا لأهداف سهلة للنخاسه وتجار الرقيق . ثم توج ذلك السلطان بادي أبو دقن (أحد ملوك الفونج) بطردهم من مركزهم وحاضرتهم مدينة أليس (الكوة) حالياً.

 

كما هو معروف أيضاً أن العرب الأوائل وفدوا البلاد دون نسائهم ومن المعروف أن الإسلام لا يسمح بزواج المرأة المسلمة من غير المسلم لذلك كان هذا التصاهر من اتجاه واحد.  أما وصول العرب المسلمين للسلطة فقد تم بتزاوجهم ومصاهرتهم للأسر الحاكمة مستغلين نظام الوراثة الأمومي الذي كان متبعاً حينها فوصل أحفادهم لأروقة الحكم والمراكز القيادية في الدولة على أساس تفوقهم الثقافي والمالي والحضاري.

 

هكذا تأسست مملكة الفونج (السلطنة الزرقاء) في الجنوب الأقصى على أنقاض مملكة العنج أو علوة المسيحية  في 1505 م. وانتقلت العاصمة من سوبا إلى سنار وهيمنت السلطنة على عموم الأراضي السودانية وشاركتها مملكة دارفور في الغرب. وأصول الفونج مختلف حولهم فمن يقول أ ن أصلهم من الشلك  ومن قائل أنهم من سكان دارفور الأصليين، وهناك رواية تنسبهم لبني أمية. وبالرقم من أن حكام هذه السلطنة من المسلمين إلا أن أنظمتها كانت مستمدة من عادات وأعراف ضاربة في القدم مثال رابطة النسب والمصاهرة والملك المقدس عند الفونج  (3) حيث يعد الملوك مقدسين ليس باعتبارهم آلهة وإنما باعتبارهم حارسين لقيم وتقاليد الأسلاف . وحتى بعد أن صار الإسلام دين المملكة الرسمي واللغة العربية هي لغة الرسمية إلا أن انتشار الإسلام كان أسميا في مطلع الدولة (السلطنة الزرقاء) وبالتالي غيابه عن الأصعدة القانونية والتشريعية والأيديولوجية للدولة (4)ولكن الانتشار الفعلي للإسلام وتغلغله في حياة السكان تم على أيدي الفقهاء والمتصوفة الذين وفدوا من مصر والحجاز والمغرب أمثال الشيخ إبراهيم البولاد الذي قدم من مصر ودرس في دار الشايقية والشيخ تاج الدين البهاري الذي قدم من بغداد وأدخل طريقة الصوفية في بلاد الفونج ثم التلمساني المغربي .. الخ.  كما جاء في كتاب الطبقات لود ضيف الله (5).

 

أن تعريب وأسلمة شمال السودان قد تمت بالتدريج عبر فترة طويلة من الزمن وفي إطار تلاقح ثقافي سلمي. فمنذ أن فتحت مصر كان هناك امتصاص تدريجي للعرب من قبل النوبيين في الشمال والسود في الوسط (6) ومن ذلك يتضح أن الأسلمة في السودان قد بدأت وانتشرت بالجهد الشعبي وارتكزت على قاعدة المجتمع ويعود الفضل في انتشاره للدعاة الصوفيين وللطرق الصوفية ، ثم بعد قرنين أو أكثر وجد الإسلام طريقه لمؤسسات المجتمع وقمته (7)  كما يتضح لنا بأن الأسلمة والتعريب قد تما داخل الإطار الذي كانت تهيمن فيه التقاليد حيث تمكن الصوفيون من دمج الممارسات الوثنية السائدة ضمن أسلوب معتقداتهم الإسلامية الخاصة (8).  يقدم ج. سبنسر تريمنجهام في مؤلفه الثمين الإسلام في السودان في تحليله للتحول الديني للسودانيين من المسيحية إلى الإسلام ومظهر هذا الدين الذي وصفه الدكتور منصور خالد (إسلام وشته على مستوى العادات وليست العبادات شبهة من وثنية ...) هذا التحليل .. لقد كانت عمليات الاستيعاب في السودان متقدمة مع خلوها من عيوب العملية الطبيعية التي كانت من جهة تحولاً للثقافة الإسلامية– التي فيها العوامل الدينية أقل حسما من النظام. وكانت من جهة أخرى عملية امتصاص العناصر الدينية الثقافية الأرواحية (الوثنية والديانات المحلية) المحلية وإلباسها الأشكال والصياغات الإسلامية، وتوجهها نحو الاستشراف العالمي، لذا فقد حدثت بشكل بطئ عملية استيعاب متبادلة، إذ كانت العناصر الأرواحية  تتشبث بعناد شديد خلال الامتصاص داخل النظام الإسلامي. لقد كان الإسلام نفسه يحمل في داخله شكلا من أشكال التأمل اللاعقلاني المملوء بالخرافة وسير الأولياء عندما قام "الفقرا"(9) بتدريسه لأول مرة في مملكة الفونج. لقد تدرب هؤلاء الرجال بشكل لا يمكن تصوره على المذهب المالكي الذي قصد من جهة في أن لا يكون للإسلام القويم تأثير على الحياة، ومن جهة أخرى تأثر بشكل عميق بالصوفية وطرق الدراويش، وهكذا فقد كان لهؤلاء الرجال وسط شعب ليست لديه أي خلفية ثقافية – والـحديث ما زال لسبنسر تريمنجهام - السلطة الكاملة لقيادته نحو الخرافات التي تؤمن بها الجماهير ودمجها في شخصيتهم "الفقرا"(10) ويعلل تريمنجهام أسباب البعد عن الإسلام القويم باضطراب الأحوال  السياسية لدولة الفونج ، وبعدها عن أي اتصال مع المراكز الإسلامية، التي كانت راكدة هي الأخرى، لم تؤد إلى تطور مدارس تعليمية / أو ثقافية .. وهكذا كان الإسلام الذي تطور بهذه الطريقة قد تشرب بشكل قوي بالنزعات الأفريقية التي كانت عواملها المميزة العاطفة والخرافة (11).

 

والسودان الحديث أو أفريقيا المصغرة يجمع كل ألوان الطيف اللغوي في أفريقيا، عدا لغة الخويسان في جنوب أفريقيا (توصل عالم اللسانيات جوزيف قرينبرج إلى اكتشاف أربع مجموعات لغوية في القارة الأفريقية المجموعة الأولى هي النيجيرية – الكونغولية – الكردفانية نسبة إلى نهر النيجر ونهر الكونغو وإقليم كردفان بالسودان) والمجموعة الثانية هي النيلية الصحراوية والثالثة الحامية السامية والأخيرة هي الخوسية وهي لغة الجنوب الأفريقي. وكما ذكر الدكتور منصور خالد في الجزء الأول من كتابه جنوب السودان في المخيلة العربية أن السودان هو موطن ثلاثة من هذه المجموعات اللغوية الأفريقية وهي الثلاث مجموعات الأولى ، فاللهجات الكردفانية (غير العربية) تمت بسبب إلى لغات أهل وادي النيجر والحامية السامية تنتسب إليها الكوشية والنوبية كما تنتسب إليها الأمهرية والتقرينية (12).  كل ذلك يجعل من السودان بلدا محوريا في أفريقيا ليس فقط من الناحية الجغرافية، بل من الناحية الثقافية أيضاً، وبالنسبة للغات السودانية حيث بينا في بداية هذه الدراسة وحسب تعداد 1956 وكان عدد السكان حينها حوالي العشرة ملايين نسمة 51 في المائة منهم يتحدثون اللغة العربية 17.7 في المائة يتحدثون اللغات النيلية منهم 11 في المائة يتحدثون لغة الدينكا ما يدلل على أن السودان ليس فقط منطقة تعدد لغوي بل أيضا منطقة ازدواج لغوي (13) لا شك أن هذه الخارطة اللغوية قد اعترتها تغيرات كثيفة بعد مضي قرابة نصف القرن عليها وذلك بسبب الهجرات الداخلية وسياسات التعريب للحكومات المتعاقبة الأمر الذي أدى لانحسار لغات عديدة وظهور لغات جديدة أبرزها ما يعرف محلياً بلغة (عربي جوبا) التي ازدهرت في الجنوب خاصة في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية. والسؤال الكبير هو هل يمكن أن يكون هذا التنوع والتعدد مصدر ثراء ووحدة بدلاً أن يكون أساس بلاء وفرقة وتفكك؟ سؤال يبدو سهل الإجابة نظرياً ولكن يصعب طرحه في الواقع!!

 

الإسلاموية والعروبية ودعاة التأصيل الثقافي
هناك كثير من دعاة تطبيق الأحكام والتشريعات الإسلامية والتعريب في السودان الحديث بحجة أن الإسلام دين الأغلبية، هذه الدعوات فجرت أسباب الصراع العرقي وأذكت نار الفتنة، وصيرت الدين ولأول مرة في تاريخ السودان كمشكل سياسي ومزقت نسيج الوحدة الثقافية الهش القائم في السودان.

 

فمنذ مطلع ستينيات القرن المنصرم أيام عبود (بداية سياسة تعريب الجنوب) مروراً بعهد الإمام نميري (إصدار القوانين الإسلامية أو تشريعات سبتمبر) انتهاء بهوس الإنقاذيين (إعلان الجهاد) وحتى مراحل الحكم الديمقراطي تخللته الكثير من المساومات والمزايدات السياسية باسم الدين. وقد أتت دعوات الأسلمة والتعريب القسري بأسماء وثياب مختلفة. فمن إسلام الصحوة إلى البعث الإسلامي و دعاة الدستور الإسلامي أو دعاة التأصيل والعودة إلى الجذور،  ولكن من بين كل هؤلاء نجد أن برامج الأسلمة والتعريب الذي فاقم المشكل السوداني وأجج أتون الحرب الأهلية وحولها إلى حرب جهادية، وحول جنوب الوطن إلى دار حرب، البرامج الماضي تطبيقا وتنفيذا في أرض الواقع حتى تاريخه، هو برنامج الجبهة القومية الإسلامية الذي يعد البرنامج السياسي الوحيد الذي وجد سبيلاً للتطبيق والتجريب في الحياة العامة منذ 1976 تاريخ المصالحة الوطنية التي أبرمها النميري مع الأخوان المسلمين، واستطاع الأخوان من خلاله أن يشقوا طريقهم إلى السلطة، ولم يألوا جهدا في تنفيذ مخططهم و برامجهم السياسية، لم توقفهم الانتفاضة ولا الديمقراطية الثالثة عما بدأوه، وعندما لاحت الفرصة لإيقاف نزيف الدم ووقف الحرب بادروا للاستحواذ على السلطة عنوة في يونيو 1989.

 

ولكي نصل لرأي (الجبهة القومية الإسلامية) في مسألة الهُويًّة السودانية نعود لمنظر الجماعة الدكتور حسن الترابي الذي يقول في هذا الشأن:"لا تنشأ حياة سياسية إلا بقيام جماعة توحدها أواصر الموالاة ويعينها من دون الناس بذاتية مستقلة ثم تقوم عليها سلطة مركزية ترعى شئونها وترتب علاقاتها العامة بمقتضى نظام جامع . ولكن نماء العاطفة الموحدة واستتباب النظام الحاكم تطور عسير يكلف كثيراً من الرهق والاضطراب في مرحلة بناء الأمة ، إذ تكون الوحدات الاجتماعية الأولية التي تأتلف في تكوين الأمة لا تزال مشربة بروح العصبية الاعتزالية ومقيمة على حال الحرية الساذجة التي تستعصي على الانضباط . ثم أن الأمة قد يعترها الهرم بعد تمام التكوين فتطرأ في وسطها نزعات التجزئة التي تهدد سلطانها الواحد. ولا ينفك التاريخ يشهد دورات نشوء الأمم وانحلالها وتوارثها لولاء الناس وأقاليم الأرض. إلا الإيمان فإنه يبني الأمة بأيسر وأسرع وأثبت ما يكون لأن الإيمان مفعول اختيار حر. فأيمّا طائفة من الناس اختارت الإيمان أصبحوا  لفورهم أمة واحدة تظلهم جامعة الدين ، ثم تقوى جامعتهم من بعد بفعل عوامل التوحيد التي تنشأ على التراخي في تطور الأمم الأخرى كانتشار اللغة الواحدة واختلاط الدم ونشوء المصلحة الواحدة والتاريخ المشترك" (14)

 

لقد أوردت هذا المقطع بأكمله من فكر د. الترابي حتى تتضح النظرية الإسلاموية في تكوين  هوية الأمة، وهي تتلخص في نقطتين الأولى تتركز في الدين (المعني هنا الإسلام) والإيمان بهذا الدين كمصدر أساسي للحكم والثانية انتشار اللغة الواحدة (المعنية هنا اللغة العربية) الذي يليه أخيرا عاملا اختلاط الدم وتوحد المصالح . 

 

من يتابع التطور العقائدي والثقافي في السودان من المنظور التاريخي يجد أن التعريب الأسلمة لشماله قد انطلقت بعكس هذه النظرية تماما فلقد كانت البداية الهجرات العربية قبل اتفاقية (البقط) وبعدها وكانت الأولوية تأمين المصالح التجارية (أي المصلحة المشتركة)  ثم تلاها بعد استقرار أولئك  المهاجرين المصاهرة مع السكان الأصليين (عامل اختلاط الدم) وبعد وقت كاف عمت اللغة الوافدة "اللغة العربية" تلاها انتشار الدين الجديد "الإسلام" وامتزج بالثقافات والأعراف النوبية والبيجاوية وكان الناتج إنسان سنار المسلم المستعرب.  لكن هذا التعجل في الأمور واستباق الزمن جعل الوطن والمواطن في آخر سلم الأولويات لدى السلطة الحاكمة وذلك بحثا عن انتصار آني للخيار الحضاري أو الشهادة من أجل الخيار المصيري.  يري كثير من الباحثين الإسلامويين ولا أقول الإسلاميين للفرق بينهم، بأن الخيار الإسلامي خيار حضاري (المشروع الحضاري لحكومة الإنقاذ الوطني) ويراه آخرون خياراَ مصيرياَ بعد أن أثبتت الخيارات الأخرى فشلها، الإسلامويون والعروبيون يرون أن رسالة الثورة الإسلامية (انقلاب الإنقاذ) هي إقامة دولة نموذجية يحتذى بها في أفريقيا.  ويري منظروها أن السودان هو بوابة العبور للإسلام والعروبة في أفريقيا، وهم على قناعة بأن السودان ليس سوى جسر لإيصال الرسالتين (الإسلام والعروبة) لأفريقيا. وهنا ومن منطلق هذه الرسالة التاريخية نجد أولوية العمل هي استكمال أسلمة و تعريب السودان في المقام الأول فجحا أولى بلحم ثوره، والمعني هو إلغاء الثقافة الأفريقية و تعريب الجنوبيين، ثم يمتد هذا الواجب المقدس للدول المجاورة ومن ثم إلى العالم. ولهذا نجد أن السودان هو مقر منظمة الدعوة الإسلامية ومعهد الخرطوم الدولي للغة العربية، والمركز الإسلامي الأفريقي، ومؤسسة دان فوديو  والعديد من منظمات جامعة الدول العربية والمؤتمر الشعبي الإسلامي العالمي التي تعني بهذا الشأن.

 

ولو نظرنا في خطة إقامة الدولة الدينية في السودان لوجدنا أن نظام الجبهة القومية الإسلامية  الحاكم كان يرى الجاهلية في شعب السودان قبل أن يتسيدوا السلطة فيه، لذا بدأوا بالادعاء بإنقاذ الشعب السوداني من الضلالة والخطيئة الكبرى التي كانت ستكلل بإلغاء قوانين سبتمبر، وإعمال المصالحة الوطنية بعد أن وافق البرلمان والحكومة على تفعيل اتفاق الميرغني – قرنق. لذا بدأ أهل الجبهة القومية الإسلامية عندما دانت لهم السلطة دون شريك في يونيو 89 من نفس النقطة التي انطلق منها قبل أكثر من أربعة عشر قرناً القائد الإسلامي عبد الله أبن أبي السرح وذلك بإطلاق يد العرب والمسلمين في أرض السواد (ممالك النوبة) فأطلقوا العنان لتجارهم ليتمكنوا من اقتصادها المنهك (سياسة التمكين)  وتسيدوا وسيسوا جميع الوظائف الإدارية التكنوقراطية (مزيداً من التمكين) وأذكوا أتون الحرب. وأرسلت الجبهة الإسلامية  مهووسيها ليطأوا بخيلهم بطون شعب الجنوب وحولوا  دارهم إلى دار حرب، فحرقوا الزرع والضرع وشردوا وقتلوا من الأرواح ما لم تفعله كل الحروب السابقة، وأرسلوا الشباب ليكونوا وقوداً لحربهم الجهادية فلم ينج من وبالهم أحد، دون أن يحفلوا لما جرى ويجري لأحفاد رماة الحدق، الذين ضاق بهم الحال فتنازلوا عن قيم الآباء والأجداد والدين القويم  بعد أن فسدت الذمم وضاق الحال وصاروا بالملايين يتسولون اللجوء السياسي في أي موطئ يقبل بهم بعد أن ضاقت دونهم أرض المليون ميل مربع.


الثقافات الأفريقية وهوية أبناء الجنوب
في يوليو الماضي وفي إحدى ضواحي العاصمة الكينية نيروبي وتحت مظلة دول الإيقاد، وقعت الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان على ما صار يعرف ببروتوكول السلام أو (بروتوكول مشاكوس). وقد نص البند الثالث من البروتوكول آنف الذكر على حق تقرير المصير لمواطني جنوب السودان. و جاء نص الفقرة رقم 4 فيه كما يلي : بنهاية الفترة الانتقالية التي تبلغ مدتها ست سنوات تجري الحكومة السودانية والحركة الشعبية استفتاء مراقبا دوليا، يطلب فيه من مواطني جنوب السودان أما تأكيد وحدة السودان بالتصويت لصالح نظام الحكم الذي أقر في اتفاقية السلام، أو بالتصويت بالانفصال. قبل ذلك بعدة سنوات في 1995 بالعاصمة الإرترية أسمرا وفيما يعرف بمؤتمر القضايا المصيرية أو (مقررات أسمرا) وقعت الأحزاب الشمالية والحركة الشعبية وتجمع الأحزاب الوطنية الأفريقية وبعض الشخصيات الوطنية المنضويين تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي قرارا حول قضية تقرير المصير جاء في البند العاشر ما نصه (أن شعب جنوب السودان – بحدوده القائمة في أول يناير 1956 م – سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية).

 

كل ذلك يوضح بأن كافة الأطراف السودانية من شمال وجنوب . حكومة ومعارضة، أضحت متفقة على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وبات احتمال انفصال الجنوب قائما، ليس الجنوب فحسب بل يمكن أن تنضم إليه فيما بعد منطقة أبيي (تقع إداريا في إقليم جنوب كردفان) ومناطق جبال النوبة والانقسنا (جنوب النيل الأزرق) حيث وافق التجمع في مؤتمر القضايا المصيرية  على استفتائهم حول مستقبلهم السياسي.

 

هناك عامل رئيسي ركن إليه كثير من الساسة والمحللين السياسيين العرب و الكثير من السودانيين الشماليين، راهنوا على خيار وحدة السودان بعد المرحلة الانتقالية في الاستفتاء الذي سيجري للجنوبيين  ليس بسبب قناعات الجنوبيين بضرورة الوحدة،  إنما بسبب "حسب رؤية هؤلاء الساسة والمحللين" عدم وجود المكون الأساسي للدولة الجنوبية الوليدة إلا وهو الهويَّة، حيث يرون انه لا يوجد أي أساس يوحد القبائل التي تسكن الجنوب تحت راية الدولة المستقلة ، ولدى هؤلاء كثير من الأسئلة وأيضا الإجابات الجاهزة عليها، لأنه ووفقاً للمسلمات القديمة والمعلومات المعلبة منذ عشرات السنين فإنه لا توجد عناصر مشتركة بين سكان الجنوب، وأنهم مجموعة من القبائل الوثنية تعيش حياة بدائية وجدت نفسها في منطقة جغرافية واحدة .. وهكذا استسلم هؤلاء لهذه القناعات حتى يكفوا أنفسهم عناء البحث والتقصي في الواقع الجنوبي المتغير، وعما أحدثته وتحدثه الحركة الشعبية من تغييرات جوهرية في الواقع الجنوبي أرضا وشعبا وأيضا ما أحدثته الحرب والتصعيد المستمر لها من هجرات وتداخل بين مختلف القبائل داخل معسكرات المتمردين واللاجئين.

 

من حق الجميع  أن يتساءلوا وأن يثيروا الشكوك عما هو الذي يمكن أن يجمع ويوحد سكان هذه الدولة الوليدة؟ هل هي الثقافة الأفريقية؟  وهل هناك هوية جنوبية موحدة يمكنها أن توفر الانتماء لهذه الدولة، وتوفر لها السلام والأمن وتحميها من شر التحارب والتقاتل بين قبائلها المتباينة؟ ففي حالة انفصال الجنوب وقيام دولة مستقلة في أراضيه وقد تضم هذه الدولة الوليدة جبال النوبة والانقسنا. لن أذهب بعيدا لكني سأعيد صياغة الأسئلة و طرحها ليس  بحثا عن تأكيد قناعات واهية، بل من أجل التقصي للوصول للحقائق. يقول الأستاذ والباحث الجنوبي جون قاي نوت يوه "لاشك أن مثل هذه الأسئلة قد تثير الشكوك عند بعض القبائل السودانية عن جدوى المناداة والقتال من أجل الانفصال لقيام دولة في جنوب السودان بمجرد أن القبائل القاطنة هناك وجدت نفسها في منطقة جغرافية واحدة .. الخ". (15) ويواصل مبحثه عن وحدة الهُوية السياسية والاجتماعية للدولة الجديدة، شارحا التركيبة القبلية لمجتمع جنوب السودان. التركيبة القبلية لمجتمع الجنوب مثلها مثل تركيبة بقية القبائل الأفريقية المجاورة من حيث ترابط الجذور التاريخية بين القبائل. فإذا أخذنا الجذور اللغوية للقبائل في الجنوب نجد أن القبائل النيلية تتحدث اللغة نفسها تقريباً وتشارك بعضها في الكثير من العادات والتقاليد المشتركة، وكذلك الأمر بالنسبة للقبائل النيلية الحامية، والقبائل الحامية إذ تتحدث اللغات نفسها تقريباً وتتشابه تقاليدها وطرق عيشها، والأهم من ذلك أن هذه القبائل الجنوبية فقدت الاتصال بجذورها التاريخية مع نظيراتها في شرق وجنوب غرب أفريقيا، منذ أن هاجرت إلى مناطقها الحالية في جنوب السودان منذ أكثر من ألفي سنة (16). ويواصل الأستاذ جون قاي نوت معددا العناصر التي تجعله متفائلا في إمكانية إبقاء مستوى التعايش السلمي القائم بين القبائل الجنوبية وتوظيفها في الدولة المرتقبة ومن أهم هذه العناصر التي وحدت الجنوبيين التزاوج خاصة بين الشلك والنوير والدينكا وأنوك من جهة أخري، هذا التزاوج خلال الخمسة وعشرون سنة الماضية أنتج علاقات أسرية إيجابية بين أسر كثيرة. ثم هناك عنصر آخر هو التعايش السلمي بين أفراد الثوار الجنوبيين داخل المعسكرات في الأحراش، وأيضا المدارس الداخلية في رمبيك ولوكا وعطار وملكال الثانوية، بالإضافة إلى مدرسة الشيخ لطفي الثانوية للنازحين الجنوبيين برفاعة، ومدرسة سانت أوغستين الثانوية بالخرطوم التي خرجت العديد من الطلاب والطالبات، هذه المدارس لعبت دورا مهما منذ الستينات في رفع مستوى التعليم في الجنوب ويشكل خريجوها الطبقة المتعلمة في الجنوب الآن وقد ساهم السكن الداخلي في تعارف معظم القيادات السياسية للجنوبيين مع بعضهم البعض. ثم يضيف الأستاذ جون قاي نوت عنصرا ثالثا في تحليله ويعد كأهم العناصر الموحدة للقبائل الجنوبية وهو عنصر الدين المسيحي الذي جمع صفوف الجنوبيين داخل وخارج البلاد خلال الخمسة وعشرين سنة الماضية فيما أطلق عليه اسم "النهضة الروحية" التي اجتاحت كل الكنائس السودانية بعد عام 1985 ومهدت لخلق روابط اجتماعية جديدة بين أبناء الجنوب الذين يعيشون في معسكرات ومخيمات اللاجئين في أوغندا وإثيوبيا وكينيا وإريتريا، وفي المناطق التي تقع تحت سيطرة الحركة الشعبية وفي مخيمات النازحين في ضواحي الخرطوم وفي داخلها، وفي مدن جنوبية وشمالية أخرى. أصبحت الكنيسة بالنسبة لكثيرين الملجأ الوحيد والأمل في الحياة بسبب استمرار الحرب ونتائجها المدمرة وأهم من ذلك أصبحت الكنيسة الوسيلة الوحيدة للتعليم في الجنوب، لأن الدولة أغلقت كل منافذ التعليم هناك. وبالتالي أصبح جيل (النهضة الروحية) في الجنوب نموذجا للتعايش بين القبائل الجنوبية، وقامت علاقات وصداقات حميمة بين هؤلاء الشباب وتزوجوا من بعضهم دون تميز قبلي (17)ثم يضيف عنصرا لا يقل أهمية في خلق الوحدة السياسية والاجتماعية المنشودة ألا وهو عنصر اللغة.  لغة (عربي جوبا) وهي عبارة عن لغة محلية مشتقة معظم مفرداتها من اللغة العربية مخلوطة باللغات المحلية في المحافظات الاستوائية مع بعض المفردات الإنجليزية، وهي أشبه باللغة السواحلية بشرق أفريقيا، وقد ذكر الدكتور منصور خالد بأن القائد الجنوبي الدكتور جون قرنق عندما يخاطب قواته التي تربوا على الثمانين ألفا يحدثهم بهذه اللغة أي (عربي جوبا). كما تستخدم أيضاً في تأليف الترانيم الكنسية في كل كنائس الجنوب تقريباً. وهي لغة ليست وليدة هذه الظروف، فقد سبق استخدامها في الشمال حيث كان يبث من إذاعة أمدرمان برامج (ركن الجنوب) بلغة عربي جوبا وذلك منذ الستينيات. وأيضا إذاعة صوت الحق في مرحلة الديمقراطية الثالثة التي كانت تبث من مدينة ملكال بالجنوب وأخيرا إذاعة جوبا. وقد أسهمت هذه الإذاعات في نشر لغة عربي جوبا وانتشرت كثير من الأغاني العاطفية والأناشيد الوطنية التي تخاطب الجنوبيين وتحثهم على الوحدة ونبذ الحرب مثال أغنيات الفنان يوسف فتاكي:
     ياي بليدنا.... سوداني وطننا
     وكلنا إخوان ..
     وين يا لوا  أمسك بليدي كويسيا
     أنا بقى حرية  باكر نكرجو لوبيا
     في بليدنا
(وياي هي أحدى مدن الجنوب وبليدنا أي بلادنا ووين يا لوا أي أين يا لواء وهي رتبة عسكرية والمعني بها الحاكم العسكري خلال حكم عبود ، أمسك بليدي كويسة أي أحكم بلدي بطريقة كويسة أي صحيحة، أنا أبقى حرية أنا أتتطلع لحريتي ، باكر نكرجو لوبيا أي غدا نزرع اللوبيا في بلدنا ونكرجو معناها بلغة الزاندي الزراعة).
 

وأيضا أبدع  الشعراء الشماليون  في استخدام هذه اللغة أمثال محجوب شريف الذي أجادها وعبر من خلالها قائلا :
     كل طلقة بينا نحن تبقى وفرة
     سمسما وبفره
     سكرا وشاي
     تتراسايكلين
     جاي وجاي وجاي
     مافي حاجة ساي
     كلو عنده دين
     كلو عنده راي
     بور وبورسودان
     بارا والجنينة
     عبري ولا واو *
     حاجة مش كويسة
     كل زول براو
     هي سودان بكرة
     من سودانا ناو
*(  بور وبوتسودان ... إلى واو -  كلها أسماء مدن سودانية في الجنوب والشمال والشرق والغرب )
 

ومن لغة الفن السياسي إلى لغة الخطاب السياسي المباشر في استخدامات عربي جوبا حيث درج الساسة الشماليون في استخدام عربي جوبا عند مخاطبتهم للجنوبيين والساسة الجنوبيون كذلك يستخدمون لغة عربي جوبا في خطابهم السياسي وفي اللقاءات والمقابلات الإذاعية والتلفزيونية وكنموذج أقدم مقتطفات من خطاب د. جون قرنق في لقاء جماهيري مع الجالية السودانية في القاهرة في 2 ديسمبر 1997 بقاعة المؤتمرات الدولية: "أنا بقول ، أنا بخاطبكم  زي ما أنا بخاطب ناس في الغابة هناك. أنا ببدأ نقول أنا أكب السلام ليكم ، أنا أكب السلام ، سلام كتير ليكم أنتم السودانيين جماهير بتاع السودان في كايرو ، في مصر عامة ، أنا بقول ليكم سلام عليكم أنتم كله، نساء ورجال، صغير وكبير , بلسان بتاعكم امشو كلم الناس الماجاي وقول ليهم دكتور جون قرنق بسلم عليكم .. أنا عاوز نقول ونكب الشكر الكتير لحسني مبارك رئيس بتاع البلد دي..."

 

كما أن هذا الانتشار لعربي جوبا أدى لاستخدامه في مناطق أخرى عديدة أهمها جبال النوبه كما نجدها في بعض الأغاني والأناشيد النوباوية. التي رددتها فرقة عقد الجلاد ونشرتها في كل ربوع السودان. مما يعني قدرة اللغات المحلية في التمازج مع اللغة العربية وأيضا مرونة اللغة العربية في قدرتها على التعبير والاستخدام في كل بقاع السودان المختلفة الألسن والمزاج اللغوي.
 

وهناك عامل آخر سيسهم في تثبيت دعائم الدولة الجديدة "في حالة الانفصال" ألا وهو العامل الخارجي الذي لا يقل أهمية حسب الظروف العالمية الآنية "خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر" وقد أضحى النفط عاملاً رئيسياً في توحيد الدولة الناشئة والمحافظة عليها من شر نفسها ومن شر خصومها. فلأمريكا والاتحاد الأوروبي مصالح اقتصادية وإستراتيجية في هذه المنطقة، فأرض الجنوب بها من الثروات المعدنية  خاصة النفط الذي أصبحت الحاجة له لا تخفي على أحد بعد إعلان الحرب على الإرهاب، ووجود دول بعينها مقصودة بهذا الجهاد الأمريكي كإيران والعراق كلتاهما موجودتين في مواقع احتياطي النفط الأمر الذي يستدعي البحث عن مصادر جديدة  والمحافظة على السلام والأمن في تلك المناطق حتى تتمكن الشركات الغربية من القيام بدورها. وهناك أيضا العامل الإنساني لتلك الدول والضغوط التي تتعرض لها الحكومات الغربية من مواقع الضغط الكنسية داخل مؤسسات اتخاذ القرار ومن المؤسسات الأهلية التي ملت نزيف الدم في الجنوب. وهي الآن تفعل كل ما بوسعها لوقف الحرب واستتباب الأمن في الجنوب غير عابئة بحل مشكلة الحكم في السودان أو وحدة أراضيه.
 

هناك أيضا بعض الشماليين الداعين  لتأطير الثقافة الأفريقية وذلك كرد فعل لاستغلال الدين في شئون السياسة وفشل الحكومات المتعاقبة في حل المشكل السوداني وهؤلاء الشماليين أصيبوا باليأس والقنوط من عدم  حسم مسألة فصل الدين عن الدولة وإلغاء القوانين الإسلامية التي شرعها النميري، كما فقدوا الأمل والثقة في قياداتهم السياسية الممثلة في الأحزاب الشمالية التي مزقتها حكومة الإنقاذ الوطني وشرذمتها، ووجدوا أنفسهم خارج حلبة  النضال من أجل إلغاء القوانين المقيدة للحريات سواء على المستوى الفردي والجماعي، وأيضا خارج حسبة معادلات التسويات السياسية التي تجري على الساحة،  فتعلقوا بأهداب الثقافة الأفريقية بحجة أن السودان وطن يشمل الجميع دينيين وغير دينيين، مسلمين وكنسيين، وهذه الفئة لا تخفي أملها وطموحاتها بأن يحكم السودان زعيم جنوبي مسيحي حتى يتمكن من إحداث التغيرات اللازمة ، وأصبح أملهم في المكاسب السياسية والعسكرية التي يمكن أن يحققها الوحدويين الجنوبيين في قيادة الحركة الشعبية، لذا فهم ومعظمهم يقيمون بالخارج كلاجئين سياسيين في أوروبا وكندا وأمريكا والخليج وجدوا أنفسهم ينتظرون أن تحارب الحركة الشعبية بالنيابة عنهم لتحقق لهم أجندتهم الخاصة في الدولة العلمانية والحريات.

 

كما أن هناك بعض المناطق المهمشة الأخرى (مثال جبال النوبة والإنقسنا) ملت التعالي العرقي والتخلف التنموي الذي تعيش فيه فأخذت تبحث عن جذورها الأفريقية وتشبثت بأصولها الثقافية مقابل النعرات العرقية من أصحاب الأغلبية المستعربة من دعاة التأصيل والتعريب.

 

الأفروعربية أو مدرسة الغابة والصحراء
في مطلع الستينات، وكانت حركات التحرر الوطني في أوج عنفوانها، تأسست مجموعات ثقافية عديدة أسست رؤيتها الشعرية والثقافية على الأفروعربية كمشروع حضاري يمثل التصالح بين الثقافة العربية والثقافة الأفريقية في السودان  وقد كانت "أبادماك" أحدى افرازات هذا المد الثوري مثل عديد من التنظيمات الأدبية المشابهة "رابطة سنار" و"أولوس" في كسلا وقد تبنى بعض أعضاءها الأفروعربية كحل لأزمة الهوية الثقافية في السودان.

 

كان من رواد مدرسة الغابة والصحراء الدكتور محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر (الذي أبتكر التسمية) واسحق إبراهيم اسحق، على المك والشاعر الكبير مصطفي سند، الأفروعربية أو مدرسة الغابة والصحراء هي رمزية دلالية للعنصر الأفريقي الذي تمثله الغابة والعنصر العربي الذي تمثله الصحراء وهي مماثلة للواقع الجغرافي السوداني حيث نجد الصحراء الممتدة من الشمال حتى تخوم الوسط وجنوب الوسط حيث الغالبية للعنصر العربي أو المستعرب , وكلما توغلنا جنوباً حيث تبدأ السافانا المعتدلة، ثم السافانا الغنية والغابات المدارية نجد الغلبة للعنصر الزنجي، ولقد وجدت جماعة الأفروعربية ضالتها في نموذج إنسان سنار تلك السلطنة السوداء التي قامت بتحالف العبدلاب مع العنج أي تلاقح العنصر العربي والعنصر الأفريقي الذي شكل النواة للسودان الوسط القائم إلى يومنا هذا.

 

الأفروعربية كمصطلح لغوي ردها الشاعر الدكتور محمد عبد الحي إلى دعوة سودنة الشعر التي نادى بها الناقد حمزة الملك طمبل وإلى مدرسة الفجر (مجلة أدبية أصدرها عرفات محمد عبد الله خلال ثلاثينيات القرن الماضي) وقد جاءت دعوة طمبل لتأسيس واستحداث رؤية نقدية مميزة للأدب السوداني بعيدا عن مفاهيم الأدب الغربي التقليدي وموازية له في تلك الفترة كما جاءت دعوته لتنقض المسلمات الفنية لمدرسة الإحياء الشعري في العقدين الثاني والثالث من القرن الماضي (شعر محمد سعيد العباسي وود البنا)، وقد كانت دعوته للشعراء السودانيين  ليعبروا عن البيئة السودانية والطبيعة السودانية بكل التنوع والتمايز الذي تحمله "حتى يقول قارئ شعرهم إن هذا شعر سوداني حق، فيه الحساسية والتضاريس السودانية". وقد كانت الدعوة كلها تمثل تسامي الصفوة ليعبروا عن السودان كله وكان البحث عن القاسم المشترك الأعظم بين الهجين العربي الأفريقي في السودان ليعبروا عنه.

 

وقد تم نقد هذه المدرسة بأن شعرائها وأدباءها لم يجدوا ما يشفي غليلهم من شغف التعبير سوي الهروب إلى الفردوس الأفريقي وقد عرف الباحث والمنقب في الثقافة السودانية الدكتور عبد الله على إبراهيم متعه الله بالصحة والعافية في بحثه "الأفروعربية أو تحالف الهاربين" "الأفروعربية كمدرسة فكرية لا تهدف إلى تحجيم الانتماء العربي الصريح وحسب، بل إلى إجراء تحسين جذري في المكون العربي الإسلامي من الذاتية السودانية. فاستعادة التراث الأفريقي في نظر الأفروعروبيين، ليست مجرد تصحيح لمعادلة مختلة، وإنما المقصود منها هو تهريب أجندتهم الاجتماعية والفكرية إلى الثقافة العربية الإسلامية الغبشاء المتشددة بقصد حملها على التلطف والسماحة" (18).

 

ويقول أيضاً في بحثه آنف الذكر و في إطار  نقده لجماعة الغابة والصحراء أو الأفروعروبيين في استخدامهم المكون الأفريقي في الثقافة السودانية وحقوق الجنوبيين في نصرة آرائهم في الحياة السياسية والاجتماعية وقد كان في قمة الشفافية في نقده "وعندي إجمالاً أن خلع أو تحجيم الهوية الثقافة العربية هو إما غش ثقافي أو يأس. فالطريق فيما أرى إلى اطمئنان الجنوبيين وغيرهم من حملة الثقافة الأفريقية إلى أمنهم الثقافي، يمر عبر تصدي العرب المسلمين للنعرات وأنواع التحريم التي تغص بها ثقافتهم تصدياً بالأصالة عن أنفسهم، لا نيابة عن أحد . ويستلزم ذلك وقفة مستنيرة إزاء الذات وقدرة على تحري النقد ، وتحمل تبعاته. ولا أحسب أن حملة الثقافة الأفريقية ممن يرغب في الزج بهم كلاعبين رئيسيين في أجنده تفتح وديمقراطية الثقافة العربية الإسلامية، فالأصح في نظري مثلاً أن يدعو من يزعم  أن تعاطي الخمر حرية شخصية إلى كامل حرياته الشخصية كعربي مسلم. لا أن يتخفى وراء نسبته في أفريقيا التي الخمر فيها بعض الماء أو الغذاء أو أنخاب الطقوس. والأهم من ذلك كله ألا يتأسى العربي المسلم لفقدان الجنوبي حريته في شرب الخمر، قبل أن يتأسى هو لفقدانه الحق ذاته. فحملة الثقافة الأفريقية قد يرغبون أن يرو العرب المسلمين في السودان متمتعين بحقوقهم في الاعتقاد والرأي وأنواع الشغف الأخرى أولاً ، قبل أن يصدقوا مشروع  الأفروعروبيين الحضاري". (19) ولاشك كما ذكر الدكتور في مقالته حول الأفروعربية أو تحالف الهاربين أن هذه الخطة باتت مكشوفة . وأظنها اليوم باتت مكشوفة أكثر مما مضي لكل من له علاقة بحل المشكل السوداني. وأصدق تعبير عن ذلك نجده في جنوبيات محمد المهدي المجذوب التي يقول فيها:
     وليتني في الزنوج ولي رباب تميد به خطاي وتستقيم
     وفي حقوي من خرز حزام وفي صدغي من ودع نظيم
     وأجترع المريسة في الحواني وأهذر لا أُلام ولا ألوم
     وأصرع في الطريق وفي عيوني ضباب السكر والطرب الغشوم
     طليق لاتقيدني قريش بأحساب الكرام ولا تميم

 

هذه النزعة للتحلل والتفكك من قيد الزواجر والنواهي التي تحيط بالثقافة العربية الإسلامية وجدت منذ أمد طويل في الأدب العربي وفي السودان وجدت طريقها للتعبير من بوابة الغابة والصحراء أو الأفروعربية.

وقد نحت النور عثمان أبكر في  رائعته صحو الكلمات المنسية التسمية التي أصبحت تمثل التيار الرئيسي لشعراء تلك الحقبة والتي يقول فيها :
     مولود الغابة والصحراء
     من هذا الطافر كالجبل الأسمر
     كمنارة ساحلنا الأزرق

أما رمز مدرسة الأفروعربية وعنوانها فهو ما يتجلى في  قصيدة د. محمد عبد الحي العودة إلى سنار التي يقول في بعضها:
     سأعود اليوم يا سنار حيث الرمز خيط من بريق أسود بين الذرى والسفح، والغابة والصحراء
     والثمر الناضج والجذر القديم
     لغتي أنت
     وينبوعي الذي يأوى نجومي
     وعرق الذهب المبرق في صخرتي الزرقاء
     والنار التي فيها تجاسرت على الحب العظيم
     فافتحوا ، حراس سنار
     افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة
     افتحوا الليلة أبواب المدينة
     " بدوي أنت"
     لا "من بلاد الزنج "
     لا أنا منكم. تائه عاد
     يغني بلسان ويصلي بلسان

 

الأفروعربية وطريق النار  طريق النار مفروش بالنوايا الطيبة قول ينطبق على الأفروعروبيين الذين كان عندهم حسن القصد ويحدوهم الأمل في تمازج الثقافات العربية والأفريقية وإزالة العوائق بين الشمال والجنوب والدعوة للقاء في وسط الطريق بين هذا الجنوبي ذو الثقافة الأفريقية وذلك الهجين العربي الأفريقي ذو الثقافة العربية حتى ينتج إنسان سنار جديد . وأيضا للباحثين عن التفرد بعيدا عن طغيان الأدب العربي. لكن هذه الدعوة قد لا تختلف كثيرا عن دعوة الإسلاميين والعروبيين التبشيرية فالدعوة للتمازج القومي عند الإسلاميين ستنتهي بشكل مؤكد إلى تبني الجنوبيين الثقافة العربية والإسلام مقابل الرطانات والملل الوثنية. وأن يتحول ما تبقى لهم من ثقافة إلى شئ فلكلوري يشاهد على خشبة المسرح في الاحتفالات والمناسبات الرسمية.

 

وأخيرا فقد وجدت الدعوة الرفض والمقاومة من المثقفين الجنوبيين الذين رفضوا إعادة إنتاجهم كما ذكر الدكتور عبد الله علي إبراهيم "فقد تلزم الجنوبيين ضرورات التساكن القومي إلى اكتساب اللغة العربية أو عادة عربية إسلامية . غير أنهم سيقاومون كل ميل لجعلهم يتبنون النسبة العربية المقترحة من قبل الأفروعربيين إلى جانب نسبتهم الأفريقية المؤكدة. وستبدوا لهم الدعوة إلى إعادة إنتاجهم ، عبر التمازج الثقافي كطبعة لاحقة لإنسان سنار ، نوعاً من الغش الثقافي لا حوار. فالجنوبيون محاذيرهم كثيرة ، الصادق منها والمخترع ، حيال عرب الشمال" (20).


العودة إلى المرعى مؤسسة المسيد والبيئة الرعوية
يذكر الأستاذ محمد عبد القادر سبيل في بحثه (الميل إلى المرعى) النزعات الرعوية في الثقافة السودانية (21) "أن بنية ثقافة مجتمعنا تجد مرجعيتها في مصدرين أساسيين هما مؤسسة المسيد، والأهم من ذلك بيئة المرعى، وقد نزيد على ذلك نسبياً الثقافات الأفريقية". هنا يختزل الأستاذ/ محمد سبيل الثقافة السودانية في مرجعيتها إلى مصدرين أساسيين هما المسيد والمرعى، أما الثقافة الأفريقية فهي في مرجعيتها رعوية أيضا وذلك حسب طرحه.

 

يحدد سبيل مكونات الشخصية السودانية في مصدري المسيد أي الصوفية وهي تمثل الدين الحي الذي أستشف وأتبع من خلال مناهجها كما استدللنا في مكان آخر في هذه الدراسة. والمرعى أي الرعي  الذي يمثل النشاط الاقتصادي لأكثر من ثلثي السكان.

 

قد يكون هذا الحديث التنظيري غير مقبول لدى الكثير من الباحثين في أنثربولوجيا الثقافة السودانية ومكوناتها، ولكن حتى لا نتسرع بإصدار الأحكام لنرى كيف يدلل محمد عبد القادر سبيل على نظريته:  يقول في بحثه آنف الذكر: "من المسيد انحدرت قيم وسمات شخصية محددة تعد من مميزات السلوك السوداني ومن ذلك التواضع والتسامح والزهد وتمجيد الفقر والانحياز للضعيف وعدم الاعتراف بالتمايز أو النبوغ والتشكيك في مشروعية حالات النجاح اللافتة، وكذلك بساطة الطعام والملبس وتواضع العمران وغير ذلك كثير مما كان يتلقاه الفرد من أخلاقيات وقيم تحولت مع مر الأيام إلى أعراف ومحددات سلوكية (أي ثقافة بالمعنى الانثربولوجي) توارثتها الأجيال حتى لتجد تمظهراتها عند من لا صلة له بتربية (حيران) المسيد مباشرة. أما بيئة المرعى فقد طبعت الشخصية السودانية بمعظم السمات السلوكية الأخرى، سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي، ومن ذلك اعتماد الشفهية بدلاً من التوثيق، والتشبث بالحرية، دون أن يتلازم مع المسئولية بالضرورة، وأيضاً رفض السلطة من حيث المبدأ، والضجر من الرسوخ والاستمرارية، وبالتالي عدم التكيف مع روح المؤسسية كنظام ورسوخ ودقة وثبات مبادئ".

 

يستدل الأستاذ سبيل بالأمثال والحكم الشعبية كوجه ثقافي ومناهج التعليم التي تعكس الثقافة الرعوية ويطرح العديد من الاستدلالات من الواقع السوداني المعاصر كالملبس والمسكن والمأكل. كما يحمل النشاط الزراعي وبنيته الهشة وعدم استقراره في تأسيسه إرثا ثقافيا زراعياً متواصلاً.. يقول الأستاذ سبيل : مازلت أدعو وأطلب مؤازرة المبدعين والمفكرين نحو تأسيس مدرسة (العودة إلى المرعى) بدلا من (العودة إلى سنار) التي طرحتها مدرسة الغابة والصحراء، لأن الإجابة الشافية لجذور الهوية السودانية وبنية التفكير السوداني ومرجعية الثقافة وأسباب عدم الاستقرار وعدم النمو وفشل الممارسة الديمقراطية الليبرالية نجدها جميعا تعود إلى ثقافة المرعى، وهذا الكلام يخص كل القبائل السودانية بمن فيهم الجنوبيون غير المشمولين أصلا بنموذج سنار (الخلاسي) كما يخص النوبة والبجا والأنقسنا، كل هؤلاء رعويون ويعتزون بذلك وهذا من حقهم – كما يواصل سبيل في موضع آخر من ورقته "من المهم جدا أن نذكر هنا مسألة غاية في الأهمية مفادها أن البداوة ليست صفة تخص العرب دون سواهم" وهو يرى أن هذا خطأ وقعت فيه مدرسة الغابة والصحراء في مرجعيتها الثقافية .. قصيدة محمد عبد الحي – العودة إلى سنار بدوي أنت ..إلخ  ويؤكد سبيل أن ثقافة المجتمع الرعوي تضم حتى قبائل الجنوب التي يمارس معظمها هذا النشاط الاقتصادي (...أؤكد هنا أن أهم القواسم الثقافية المشتركة التي تربط بين القبائل السودانية كافة مرجعيتها الرعوية) إنتهى.

 

إذا علمنا بأن الإنسان هو أبن الأرض التي يعيش عليها فطقسها ومناخها وتضاريسها وناتجها وعلاقات إنتاجها هو الذي يشكل ملامحه الأساسية وسلوكه، مع علمنا بعدم الاستقرار الزراعي تاريخياً وطبيعة الزراعة المطرية وبداوتها . حيث تعرضت الزراعة لكثير من المحن عبر تاريخها أكبرها ما فعله الخليفة عبد الله بالمزارعين والقبائل المستقرة حول النيل. فلا غرو بأن نتفق مع سبيل في بعض ما طرحه ولكن أيضا  نختلف  معه خاصة بعد تحليلنا لمكونات الشخصية السودانية.. لأن حصر مكونات الشخصية الثقافية السودانية في إطاري المسيد والمرعى فيه كثير من التجني على المكونات الأخرى خاصة المكونات التاريخية والتداخل الثقافي الشعوبي والمناخ وأثره في المأكل والملبس والمسكن والمعتقدات الإثنية  والأرواحية السابقة للإسلام. عموما الدراسة هامة وحيوية وفيها الجديد وأتمنى أن تستكمل خاصة تركيبة الطرق الصوفية وأثرها في المكونات والممارسات الدينية لدى المسلمين. وأتمنى أن تجد الدراسة طريقها في البحث والتمحيص من قبل أهل الاختصاص.

 

السودانوية
عرفت السودانوية  كمصطلح تعريفي للهوية السودانية عندما أصدرت الحركة الشعبية لتحرير السودان منفستو إعلان قيامها في 1983، ويعرف الدكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان "السودانوية" بأنها البوتقة التي ستأتي نتيجة انصهار التنوع التاريخي "أي التركيبات القديمة للسكان الأصليين منذ ما قبل التاريخ" والتنوع المعاصر "وهو التنوع الثقافي المعاصر بتركيبة السودان الحالية" دون أن يهمل المؤثرات الخارجية والتداخل الثقافي العالمي.  و يلخص الدكتور جون قرنق السودانوية بطريقة الرياضيات وذلك وفق المعادلة التالية (س= (أ + ب + ج) حيث أن س هي السودان أو الهوية السودانية، وهي دالة مرتبطة بالمتغيرات أ، ب، ج. أ يمثل التنوع التاريخي ب يمثل التنوع المعاصر وج يمثل تأثيرات الحضارات الأخرى علينا، أما المتغير الثابت (س) والذي يمثل الهُويَّة السودانية فهو المحصلة النهائية لهذه المتغيرات أو المكونات . وتعد السودانوية كهوية ثقافية بأنها أكبر من مجموع الأجزاء المكونة لها (22) .


كتب كثير من الباحثين في حقل الهُوية السودانية وعلى رأسهم المرحوم الدكتور أحمد الطيب زين العابدين عن السودانوية كبوتقة لصهر الثقافات السودانية المتنوعة وقد ذكر الدكتور منصور خالد في ذلك إن القاع الاجتماعي للوطنية السودانية ليس هو الاستعراب أو التزنج وإنما هو خليط من هذا وذاك ووأشار عليه بالسودانوية. و ويعرفها الدكتور منصور بأنها  نتاج عروبة تنوبت وتزنجت ونوبة تعربت، وإسلام وشته على مستوى العادات وليست العبادات شبهة من وثنية ...
(23)  ويرى الدكتور منصور خالد أن العلاج الناجز لمسألة الهُويَّة السودانية هو المواطنة ويقول في ذلك: "السودانيون ليسوا قومية واحدة بالمفهوم الأنثروبولوجي أو السلالي، وإنما هم شعب واحد – بالمفهوم السياسي– تمازجت عناصره في فضاء جغرافي محدد، وأفق تاريخي معين، وكل واحد منها مزاج. وفي القانون ترتكز المواطنة على عمدتين، حق الدم Jus Sanguinis  وحق الأرض Jus Solis. السودانيون إذن نتاج لصدف الجغرافيا والتاريخ شأن شعوب كثيرة تخلقت نتيجة لمثل هذه الصدف (أمريكا، جنوب أفريقيا، بيرو، البرازيل، كندا) هذه الشعوب المتعددة المنابت والمتنوعة الثقافات أدركت بحسها الواعي بأن الرابطة الوثقى التي توحد بين أهليها هي الإحساس بالانتماء لوطن واحد (المواطنة)، والولاء لدستور واحد يؤطر هذه المواطنة. فالخيار أمام مثل هذه المجموعات هو أما الانتماء للوطن انتماءً مباشراً عن طريق المواطنة ودستورها، أو الانتماء له انتماءً غير مباشر عن طريق هوُياتها الصغرى، دينية كانت أم عرقية أو ثقافية. الانتماء الأخير وصفة لا تنجم منها إلا الكارثة لأن التحصن بالهوُيات الصغرى يفضي، بالضرورة، إلى إقصاء الآخر الذي لا ينتمي لتلك الهُويَّة، وإقصاء الآخر يقود بالضرورة أيضاً إلى تقوقعه في هويته المحلية المحدودة، وربما إلى إنكار كل ما هو مشرق في ثقافة من أقصاه وسعى للهيمنة عليه. فالفريق المقصى لن يرى- بمنطق رد الفعل- في إبداعات الآخر أكثر من إنها وجهة من وجوه الهيمنة والإلغاء"(24). كما تنطلق السودانوية بالاعتراف بواقع الأديان السماوية والتقليدية الأفريقية السودانية وأنه يجب التعامل معها كواقع حياة وأن يتم التعامل مع معتنقيها كأقوام أصيلة في البلاد وليس كأقليات لا يعتد بها ولا بدياناتها (25).

 

ما هو مطروح من سودانوية هو شكل آخر للعولمة على نطاق قطري. ولكن هل يحمل كل مساوئ العولمة أم أن اختلاف المصالح والأهداف يبرئها من الأدران وحسن القصد والنوايا الطيبة سوف ينجيها من مساوئ العولمة التي يفسرها البعض بأنها شكل آخر للاستعمار الجديد وهل تتحول السودانوية إلى استعمار داخلي؟ وذلك بعد الاحاطة على التعددية والتنوع والاختلاف بين منطقة وأخرى داخل شبه القارة السودانية.

 

تطرح السودانوية أمام  تنافس وصراع الهويات والثقافات سماءاً مفتوحتاً للجميع ، حيث تكون الغلبة والهيمنة في نهاية المطاف للأقوى، وحيث تذوب الثقافات الضعيفة في صهريج السودانوية وقد يتحول الأمر إلى بحر يأكل فيه السمك الكبير الأسماك الصغيرة، لكن هل هذا ما تصبوا إليه السودانوية؟ وهل يتحول اللهث من أجل ثقافة سودانوية إلى لهث من أجل تنمية الرأس مال وتكديس الثروات وتغليب الثقافات؟ لا شك أن التساؤل مشروع خاصة عندما يأتي الطرح من فصيل سياسي قوي ونافذ مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان، هناك عدة عوامل لتتوافق السودانوية ومكملة لطرحها من ضمنها إعادة توزيع الثروة والتنمية المتوازية وشكل الحكم وفصل الدين عن الدولة وأخيرا الديمقراطية اللبرالية التي ارتضتها كل أطراف الصراع السياسي أو الفرقاء السودانيون كما يحلو للصحافة العربية أن تدعوهم.


خلاصة
لا أظن أنه خافيا على أي أحد ما حاق بشعب السودان جراء السياسات المتعاقبة والتي تسيره بعكس عجلة التاريخ ، فمن  بين أصحاب الخيار الإسلامي والعروبيون إلى الباحثين عن التأصيل الثقافي في أضابير الماضي العتيق،  جميعهم أدمنوا الخيارات السهلة واستطابوا العيش في ظل الاستنتاجات الجاهزة والمعلومات المعلبة حتى أصيبوا بالخمول الفكري، ولا يودون أن يرهقوا عقولهم بالبحث في رد الظواهر الفكرية إلى مرتكزاتها أو في فهم الماضي في إطاره التاريخي، يبحثون عن حلول لمشاكل الحاضر في ذلك الماضي مع كل ما يمثله من سحر وبما له من تقديس وهالة جذابة تداعب أحلام الفقراء والبسطاء بإقامة العدالة الراشدة كما كانت في زمان الفاروق عمر، وتوصلنا بأسباب السماء وتبسط النعيم والرخاء ناسين أو متناسين أن الماضي لا يعيش في دواخلنا إلا بالقدر الذي يتيحه له الحاضر، والحاضر وحده هو الذي يشكل إطار حياتنا الراهنة، لذا لا يلبثوا أن يعودوا للحاضر الواقع بأيديولوجية يمينية فاشية تغرق البلاد في حمامات الدم و متاهات الجهل والظلام.

 

إن الثقافات السودانية متعددة الأشكال والسمات، ولكن أمر القائمين عليها أشبه بصاحب متجر ضخم يملك سلعاَ متنوعة.. لكنه يعرض لزبائنه سلعة واحدة، تاركا بقية بضاعته حتى تكسد وتفسد وتموت.. فلماذا لا نعرض ونستعرض ما نملك، نبحث عن الخير والجمال في أدب الدينكا والشلك والنوير وعن البطولة والفراسة في أدب الجعليين والمتعة في حكايات وأغنيات الشايقية والحكمة في آداب وفنون البجة والبني عامر ونبحث ما عند النوبة ونتعلم مما لدى البقارة والمساليت والرزيقات والفونج  والهمج في الجنوب الشرقي...الخ. وليكن اتجاهنا هو: نحو ثقافات سودانية متمايزة ومميزة.. ديمقراطية المحتوى متعددة الأشكال والأوجه.

 

وحتى نتمكن من تحقيق الحد الأدنى من الدولة القومية الموحدة، لا بدَّ من إجراءات عديدة تتم  وقرارات كبيرة تتخذ على كافة المستويات، على سبيل المثال لا الحصر يجب تقليص عدد الأقاليم في السودان إلى خمسة أقاليم  كما نادى الأستاذ محمود محمد طه عام 1955 قبل الاستقلال، وهي الإقليم الشمالي والشرقي والغربي والأوسط والجنوبي, بحيث يتألف الإقليم  الشمالي من الرقعة الممتدة من حدود أمدرمان الشمالية حتى الحدود المصرية، والشرقي من الرقعة التي تشمل مديرية كسلا وأرض ومنطقة البحر الأحمر, والغربي من كردفان ودار فور, والأوسط من منطقة النيل الأزرق والأبيض وارض الجزيرة, والجنوبي من كل الولايات الجنوبية، أي المناطق التي كانت تتألف منها الثلاث المديريات (بحر الغزال وأعالي النيل والاستوائية) عند الاستقلال عام 1956. مع إضافة أبيي إلى الإقليم الجنوبي وذلك بعد مراجعة رغبة أهلها، وهذا التقسيم يؤدي إلى  تقليص الصرف الحكومي على مؤسسات وهياكل المديرات المتضخمة وتأكيد معاني الوحدة القومية السودانية، وبينما تصبح الخرطوم بأجنحتها الثلاث عاصمة فيدرالية للسودان. ويجب أن يكون لكل إقليم صلاحيات واسعة في اصدار التشريعات واستنباط القوانين اللازمة لتسيير عجلة الحياة فيه على أن لا تتناقض مع دستور العام الذي يجب أن يراعى في وضعه حقوق المواطنة والدولة المدنية.

 

كما يجب أن تختصر المسافة بين بورسودان في أقصى الشرق  ومدينة الفاشر في أقصى الغرب  بحيث تكون المسافة بينهم أقرب من المسافة بين مدينتي بورسودان وجدة اللتان لا يفصل بينهما سوى البحر الأحمر، وكذلك المسافة بين  وادي حلفا في أقصى الشمال ونمولي في أقصى الجنوب يجب أن تصير أقرب من حلفا إلى أسوان المصرية وذلك بتوفير سبل المواصلات الرخيصة والنقل التجاري الأقل تكلفة والاتصال، يجب أن يتكامل السودان تجاريا واقتصاديا بحيث أن السلع التي تنتج في نمولي وجوبا تباع بنفس السعر في الخرطوم وكسلا والفاشر وفي وادي حلفا وهذا الأمر لا يحتاج لسحر ساحر بل قرار حكومي بسيط بحيث أن رسوم الإنتاج المقررة على السلع يجب أن يراعى فيها تكلفة النقل مما يجعل السوق المحلية في متناول كل أصحاب العمل والإنتاج بدون أي معوقات من الناحية الاقتصادية ونكون قد حققنا بذلك إحدى ركائز وحدة الهوية أي"تبادل المصالح" وهناك سياسات أخرى يمكن أن تساهم في خلق الروابط الاجتماعية والتزاوج وتقوية ركيزة أخرى وهي "رابطة الدم" وذلك بتشجيع الزواج بين الأعراق المختلفة ويمكن أن تسن تشريعات مثال أنه في حالة زواج أي جنوبي من بنت شمالية بأن يمنح الزوجين قطعة أرض  سكنية أو مزرعة أو ورشة صغيرة أو قيام صندوق تكافلي لتشجيع مثل هذه الزيجات وأن يمنح هؤلاء الأزواج  أولية في التعيينات للوظائف الحكومية وفي الترقي الوظيفي حتى يستقر تكوينهم الأسري. كما أن هناك مسألة رعاية الثقافات المتنوعة في السودان يمكن أن يتم ذلك بتدريس اللغات المحلية في مناطقها كجزء من المقررات المدرسية وأن تدرس بشكل اختياري في بقية أرجاء الوطن بحيث من حق الطالب في حلفا أن يتعلم لغة الدينكا لو أراد ، كما أن من حق الشلكاوي أن يتعلم اللغة النوبية وهكذا حتى نثبت لغاتنا التي تعبر عنا من نمولي إلى حلفا.. ثم فوق كل هذا وذاك يجب أن ننشأ دولة المواطنة التي لا يحس فيها أي  مواطن بالاضطهاد بسبب دينه أو عرقه أو لونه أوثقافته أولغته ، يجب أن نعمل جميعا لإعادة الثقة للجنوبيين فينا ،حتى يمنحونا الفرصة الثانية وذلك  بالتصويت لصالح الوحدة.

 

أفريقيا المصغرة أو هذا الواقع السوداني المتنوع ثقافيا المتعدد عرقياً ودينياً والسناً وأعرافا ومجاورة يتطلب جهد مؤسسي فعال من قبل جميع مؤسسات المجتمع أهلي و حكومي، رسمي وشعبي، وهي مسئولية تاريخية ونحن نمر بهذا المنعطف الخطير في أن نكون أو لا نكون.  حماية ورعاية ثقافات الاقليات الضعيفة وإبرازها ونشرها وتوثيقها واجب في أيدينا اليوم وبأيدي غيرنا غدا، وأن أي استعلاء من أي مجموعة عرقية أو ثقافية، مهما بلغ شأنها في أو أي محاولة لقمع وحجب ثقافة الآخر يكون مكمن ضعف قاتل للهوية السودانية كلها.. أن ديمقراطية الثقافة هي جوهر ديمومتها وتطورها وانطلاقها نحو العالم ، أنها البوتقة والسبيل الوحيد لدمج وصهر الثقافة في السودان الواسع حتى تخرج لنا في النهاية ثقافة سودانية تحتوي كل سمات هذا المجتمع المتعدد وتعبر عن همومه ووعيه وتكون رافد إيجابي في الثقافة الإنسانية ، ثقافة ذات ملامح محددة وخاصة،وهي حتما حين تأتي لن تكون عربية نجدية ولا  أفريقية نقية التزنج بل ستكون سودانية، قد لا نعيش حتى نراها ولكن من أجل أطفالنا القادمين فلنمهد لها  الطريق بالإيمان بالتعددية و بنبذ الاستعلاء العرقي والإقرار بالتنوع الثقافي وبديمقراطية الصراع الفكري وتطوره الطبيعي ، ومعافاته من اللعب الخشن والغير قانوني فكما يقول شاعرنا محمد الحسن سالم حميد:
بى كم قتيل تقدر تدوم عمراً طويل في السلطنة
بسم الله .. ولا الشيطنة
وارد حراق نص البلد في جنح ليل
بى فدّ قتيل
بس مستحيل التجبر الأبنوس غصب يصبح نخيل
والعكس
لا تتعب تجر خيط الفجر تالا الأصيل
خلى الوطن ياخد براحه
كما الخميل
من كل لون تابع جميل
 

هوامش
(1)  إحصاء 1955.
(2) طه إبراهيم، الهوية السودانية وعلاقة الدين بالدولة، مركز الدراسات السودانية، الرباط يناير 1992
(3)  د. عبد السلام سيد أحمد، الفقهاء والسلطنة في سنار، براغ 1991 ص 40.
(4) المرجع السابق نفسه، ص 60 
(5) كتاب الطبقات ص 43.
(6) ج. سبنسر تريمنجهام، الإسلام في السودان، ترجمة فؤاد محمد عكود، القاهرة،  2001 ص. 15
(7) عبد السلام سيد أحمد، مرجع سابق، ص 60
(8) فرنسيس دينق، صراع الرؤى – نزاع الهويات في السودان، ص42.
(9) الفقرا  المعني بهم الفقهاء، وهم مشايخ الطرق الصوفية، الذين وفدوا إلى البلاد من أجل نشر الدعوة الإسلامية.
(10) ج . سبنسر تريمنجهام، مرجع سابق، ص 111.
(11) المرجع السابق نفسه.
(12) منصور خالد، جنوب السودان في المخيلة العربية، دار تراث، لندن 2000 ص 53
(13) عبد الله علي إبراهيم، الثقافة والديمقراطية في السودان، دار الأمين للطباعة، ص 144.
(14) حسن عبد الله الترابي، من كتاب الإيمان وأثره في حياة الإنسان، منشورات العصر الحديث، ص 219.
(15) جون قاي نوت يوه، جنوب السودان آفاق وتحديات، الأهلية للنشر والتوزيع، ص119.
(16) المرجع السابق نفسه، ص 119
(17) المرجع السابق نفسه، ص 122
(18) عبد الله على إبراهيم، مرجع سابق، ص18
(19) المرجع السابق نفسه، ص 25
(20) المرجع السابق نفسه، ص24
(
21) محمد عبد القادر سبيل، "محاولة لتلمس النزعات الرعوية في الثقافة السودانية"، دراسة مقدمة للمنتدى الثقافي، أبوظبي 2000
(22) جون قرنق، قضايا الوحدة والهوية، تحرير الواثق كمير، ص 39 -40
(23) منصور خالد، مرجع سابق، ص 8
(24) المرجع السابق نفسه، ص 341 - 342
(25) المرجع السابق نفسه، ص 352