الموروث الثقافي السـوداني

تحديات الوحدة الوطنية والانتماء الإقليمي

د. يوسف مختار الأمين

كلية الآداب - جامعة الملك سعود - الرياض

بحث قدم في ندوة "العالم العربي وأفريقيا: تحديات الحاضر والمستقبل" الرباط 15 17 أكتوبر 2003 م.

 

       مقدمة

       عودة إلى الماضي

       حوارات الهُويَّة

       عودًا على بدء

       هوامش

       مراجع

 

 مقدمة

يمر السودان منذ إعلان الدولة الوطنية الحديثة في 1956 م. باضطرابات وأزمات سياسية واجتماعية تتصاعد وتيرتها مع تعقيدات الأوضاع الداخلية وارتباطاتها الإقليمية والعالمية. ويردُ المراقبون والباحثون في أوضاع السودان ذلك إلى عدة أسباب يلتقي معظمها في طبيعة المجتمع السوداني العرقية والثقافية وإمكانياته الاقتصادية. ولعل أبرز هذه الأسباب ما يمكن وصفه بالمأزق الثقافي التاريخي والظرف الموضوعي الذى تكونت فيه الدولة. وهو وضع لم تتمكن النخب التى تعاقبت على إدارة البلاد من النظر فيه، ومن ثم مواجهته بفاعلية. وزاد الأمر تعقيدًا تعثر هذه النخب في إنجاز القدر المطلوب من التنمية الشاملة وتأسيس نظام للحكم متفق عليه ويلبي طموحات الغالبية من أهل البلاد. وفي ظل أوضاع التخلف وتدهور مرتكزات الاقتصاد المعيشي الطبيعي وارتفاع معدلات النمو السكاني تتوسع تلقائياً بؤر الصراع الاثني والجهوي والثقافي. ويتجلى هذا الصراع في تبني مواقف سياسية، وثقافية مغايرة للسائد وفي مواجهة السلطة المركزية بحمل السلاح وإذكاء حرب أهلية وصراعات قبلية تتفاقم أبعادها وآثارها يومًا بعد يوم. فالحرب الأهلية في الجنوب ظلت مشتعلة منذ الاستقلال حتى الآن ما عدا فترة توقف لمدة عشرة أعوام. وشهدت البلاد مؤخراً صراعات وحروب في أقاليم السودان الأخرى في الشرق والغرب بين القبائل وبين بعضها والحكومة المركزية. إن استمرار هذه المواجهات قد أهدر موارد البلاد وعطل التنمية مما أدى إلى تفكك المجتمعات المحلية ونزوح الآلاف من السكان إلى غير أماكن تواجدهم الطبيعي، ويجمع المتابعون لمجريات الأمور أن استمرار هذه الأحوال بات يهدد الوحدة الوطنية ما لم يتم تدارك الأوضاع. ولا غرابة أن نجد اليوم أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية الحديثة تصف السودان بالدولة المضطربة التي فشل قادتها ومثقفوها بصورة متكررة من مواجهة القضايا المعقدة التي أعاقت تطورها Woodward,1989؛ منصور خالد: 1993.

 

تأمل هذه الورقة الاقتراب من قضايا الوحدة الوطنية ومعوقاتها المتمثلة في الصراعات الاثنية والثقافية وذلك من مدخل الموروث الثقافي. وأقصد بالموروث الثقافي كل المنتج الثقافي المادي وغير المادي منذ أقدم العصور حتى الوقت الراهن باعتبار أنه المحيط الذى فيه تشكلّت الهُويَّة السودانية وفيه تتفاعل تحولاتها الدينامية. إن تناول قضية الوحدة الوطنية وعلاقات الانتماء الإقليمي يمكن تناولها من منطلقات مختلفة بمناهج وأطر نظرية متنوعة. وما يهمني هنا، النظر في إمكانية تحليل الأوضاع الحالية انطلاقاً من الموروث المادي الذى يشمل كل ما تركته لنا مجتمعات العصور القديمة من مخلفات أثرية تشمل الأدوات والمباني والفنون وكل ما له صلة بالفعل الإنساني على مر العصور. كما يشمل كل التراث الشعبي من حرف ومنتجات محلية. إن دراسة الثقافة المادية ببعديها التاريخي والتراثي، من مهام علم الآثار الأولى كما سيأتي ذكره، إذ هي تشكل مصدراً أساسياً إن لم يكن وحيدًا لمعرفة التاريخ الثقافي للأمم. وينطلق البحث أيضًا من فكرة أهمية مراجعة التاريخ الثقافي السوداني (Culture History) منذ أقدم عصوره واستدعائه من أجل صوغ مفاهيم جديدة تشكل إطاراً موضوعياً لاستيعاب تعقيدات القضايا الملحة الآن في السودان واقتراح حلول مناسبة لها. فالموروث الثقافي المادي يمكن الاستفادة منه إيجاباً كما حدث في تجارب شعوب وبلدان أخرى في تدعيم ركائز الوحدة الوطنية. ويتم ذلك بالبحث عن المشترك بين فئات المجتمع وإبراز ما يدعم مبادئ التسامح والسلم الاجتماعي خاصة في حالات التعدد الاثني والثقافي في البلد الواحد. وقراءة التاريخ الثقافي في بلد مثل السودان، بشكل متوازن تؤهله لإيجاد مناخات جيدة لتأسيس علاقات إقليمية أكثر إيجابية وفائدة لكل الأطراف. لا تتوقف أهمية التراث المادي كما جاء في هذا السياق عند مرجعيتها وأهميتها التاريخية وإنما تمتد إلى كشف معالم الاستمرارية والتغير في الأنظمة الثقافية. فالتاريخ الثقافي المعروف في شمال البلاد ووسطها يتعاقب في حلقات متصلة منذ العصور الحجرية حتى العصر الإسلامي وذلك مع وجود فترات تحدث فيها تحولات حضارية عميقة تشمل معظم جوانب الحياة الفكرية والمادية ولكنها بدرجات متفاوتة. فعلى سبيل المثال عندما قامت الممالك المسيحية في أواخر القرن السادس الميلادي حلت الديانة وفكرها الجديد مكان أيديولوجية الدولة القديمة القائمة على نظام الحكم العشائري والمعتقد البدائي. وانعكس التغيير أساسًا في الفكر ونظام الحكم ولم يكن واضحاً المستوى نفسه في الجانب المادي من حياة الناس (للمزيد عن التحولات التى أصابت الثقافة السودانية مع وصول المسيحية انظر"أركامانى"). ومع انتشار الإسلام واللغة العربية فيما بعد لم تختف أيضًا عناصر الثقافة المادية للوهلة الأولى بل احتفظت ببعض عناصرها القديمة Adams,1977: 665-680. تنبه لمثل هذه النقطة كثيرون منهم من هو غيرمتخصص في مجالات الدراسات الحضارية. فحليم اليازجي عند دراسته للحركة الأدبية في السودان خلال فترة تزيد عن ثلاثمائة عام يقول: "... فبان لنا مدى الترابط القائم بين هذا الأدب وواقعه البيئي وأحداث تاريخه وكثيرًا ما كان انعكاسًا مباشراً لهذا التاريخ وتلك البيئات... فالماضي السوداني بكل ما استوعبه من تجربة يقتحم أبواب الحاضر في تداخل عفوي أو مقصود"؛ ويقول: "فالحضارات الموغلة في القدم، تحاور العقل السوداني المتطور الذى تغذي بلبان الثقافات الغربية الأكثر حداثة، وكذلك الثقافات العربية بنزعاتها الدينية والإصلاحية..." (اليازجي، 1985: 11-14).

 

وأخلص من ذلك إلى القول بأن الموروث المادي القديم والتراثي هو الأكثر قابلية، ضمن مجالات أخرى للبحث فيه عن المشترك بين فئات المجتمع في الماضي والحاضر ومن ثم تأويله لخدمة قضايا الهُويًّة والوحدة الوطنية.

 

عودة إلى الماضي

يتساءل كثيرون لماذا العودة للتاريخ الثقافي البعيد عند طرح قضايا وأزمات ملحة تهم المجتمعات المعاصرة؟ أوليس ذلك انكفاءً واستغراقاً في أمور غير مفيدة لمعالجة مشاكل الحاضر مثل الوحدة الوطنية والانتماء التي يبدو حلها كامناً في ميدان السياسية؟ لقد ألمحت آنفاً إلى دور الموروث الثقافي في معرفة  تكوين الأمم وتأصيلها والأسس التي تحكم الكثير من علاقات الأنظمة الاجتماعية والفكرية فيها. وتحفل أدبيات علم الآثار والتاريخ بالشواهد العملية لاستغلال المعرفة التاريخية إيجاباً أو سلباً في تأسيس الكيانات الوطنية وتقدمها أو في إضاعة حقوق تاريخية لمجموعات سكانية أو شعب بأكمله. ويتفق الجميع على أن حاضر الأمم يقوم على ماضيها بالرغم من صعوبة تحديد معالم ذلك الماضي البعيد أحيانًا ومشروعيته في تشكيل الحاضر وبناء علاقاته الداخلية والخارجية. ليس من الممكن في هذا الحيز أن نستعرض الأسس النظرية والتطبيقية المطلوبة في ذلك السياق وتطورها في علم الآثار أو الدراسات الأنثروبولوجية. شهد علم الآثار مؤخراً تحولات مهمة في توجهاته النظرية المستخدمة في تأويل التراث المادي القديم. وإذا كانت الأهداف تتغير من حين إلى آخر فإن معرفة أو اكتشاف الأنظمة الثقافية القديمة وتطورها عبر الزمن ظل أحد الأهداف الرئيسة لذلك النشاط العلمي. ويهتم الآثاريون في عملهم الأكاديمي بالهُويّات الثقافية القديمة وتحديد معالمها مثل ما تجد دراستها رواجاً في علوم أخرى غير الآثار وذلك تعبيراً عن تيار متصاعد في العلوم الإنسانية موجه نحو حقوق الأقليات وتأكيد مبادئ التمايز والتعدد الاثني والثقافي في المجتمع الواحد. واليوم نجد البحوث الآثارية قد امتد ميدانها من المجتمعات القديمة إلى المجتمعات التقليدية والبدائية المعاصرة (1) والموجودة في أكثر من بلد ومن بينها السودان. ومثل هذه المجتمعات بقدر ما تعرضت له من تأثيرات حضارية حديثة ما زالت تحافظ على تراثها وأنماط اقتصادها المعيشي المتمثل في الرعي والصيد والزراعة التقليدية. ويشمل التراث المادي أعمال النجارة والحدادة والفخار والأواني المنزلية وأدوات الزينة والملابس وأدوات الموسيقى الشعبية... الخ. إن مثل هذه الحرف التقليدية لها تاريخ طويل وهى تملأ حيزاً في المكوٍن الثقافي للمجتمعات الحالية. وإذا افترضنا مثلاً أن دخول العرب وانتشار الإسلام في السودان يمثل شبه قطيعة ثقافية في مجالات اللغة والدين والفكر فإن ذلك لا يشمل كما أشرنا التراث المادي التقليدي بكامله الذى احتفظ بكثير من سماته القديمة التي ظلت مستمرة حتى اليوم Elamin 1999: 1-3.

 

إن آثار الماضي البعيد والتراث المادي التقليدي ماثلة أمام الناس في شكل مبان وفنون وتحف تعرضها المتاحف المختلفة بطريقة تعكس أهداف الجهات التي أعدت تلك المتاحف. فالموروث الثقافي يقدم للناس على أنه ارثهم الحضاري الذى يقوم عليه حاضرهم ومستقبلهم. وبناءً على ذلك فكثير من الأعمال التي يقوم بها الآثاريون تنبع من موجهات فكرية أو وطنية تدعمها الدولة لبث مفاهيم وأفكار توظف في ترسيخ الأوضاع الراهنة. وليس بعيدًا عن الأذهان أن الاستفادة من دراسة الموروث الثقافي من أجل أجندة سياسية هدفها تشكيل الحاضر وصياغته لصالح فئة أو فئات معينة في المجتمع. بل أن دولاً عدة اعتمدت في نشأتها على استغلال الموروث الثقافي. ففي حالة إسرائيل، على سبيل المثال، عمل الآثاريون على إنتاج معرفة يعتقدون أنها تؤكد أحقية المستوطنين اليهود في أرض الميعاد وإحياء العصبية اليهودية ومن ثم إثبات مواصفات الهُويَّة الثقافية كما وردت في القصص التوراتي. وفي الدولة العبرية نجد أن المواقع الأثرية الكبيرة تمثل قوة رمزية لدى المستوطنين، ساعدت في توحيدهم خلال فترة التأسيس. وأصبحت هذه المواقع الأثرية وما تعنيه من موروث جزءاً مهماً في الفضاء الاجتماعي والسياسي والفكري الإسرائيلي. وفي أفريقيا تظل قصة المباني الأثرية الرائعة لعاصمة زمبابوي القديمة خير مثال على دعاوى المستوطنين الأوروبيين في رفضهم نسبة تلك الحضارة العريقة للسكان المحليين وذلك اعتماداً على تأويل الآثاريين الذين استقطبتهم سلطات الاحتلال الأوروبي. فقد روجوا آنذاك إلى أنها تمثل إنجازاً معمارياً لمجموعات وفدت من الخارج إلى أن نجح آثاريون منصفون، بعد مضي وقت، من إثبات أحقية قبائل البانتو الأفريقية في تأسيس المملكة التاريخية (للمزيد من الإطلاع أنظر كتاب علم الآثار الأفريقية لفيلبسون "أركامانى"). وقد كان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى هزيمة الفكر الاستيطاني الذى قامت عليه دولة البيض المستعمرين. ومن المعلوم أنه عندما تحقق الاستقلال في تلك البلاد تقرر تغيير اسمها من روديسيا الشمالية إلى زمبابوي رمزاً لتاريخ أفريقي عريق يستعيده أصحابه مرة أخرى دعماً للهُويَّة السياسية الجديدة Trigger,1975:355-370. ولا نجد اليوم بلداً لم يُستغل الموروث الثقافي فيه لاستلهام المستقبل وشحذ همم المواطنين. ومتاحف الآثار على اختلاف أنواعها في جميع أقطار العالم تعرض مواد الآثار والتراث للزائر بطريقة تعكس الصورة الرسمية لتاريخ الأمة. وليس غريباً أن يلاحظ المرء أحياناً عدم تمثيل تراث بعض الأقليات أو حتى جزءاً من التاريخ العام يظن أنه يخل بالأوضاع السائدة. فالماضي أو التاريخ مهما كان بعيداً يظل قابعاً في الذاكرة الجمعية يخبو حيناً ويتقد أحيانًا أخرى في لحظات الاستدعاء.

 

وعند مناقشته للهُويَّة الوطنية المصرية أشار فكري حسن إلى رسوخ التراث العربي الإسلامي وما جاء من أوروبا من مؤثرات في العصر الحديث في أذهان الناس مما يشكل ابتعاداً واضحاً عن الماضي القديم، بيد أن الأخير يظل ورقة سياسية مهمة. فالتاريخ الفرعوني كان مصدر قوة واعتزاز لدى المصريين خلال مقاومة الاحتلال الأجنبي ويتجلى ذلك في خطب السياسيين وما كتبه مثقفو الطبقة الوسطى عن الهُويَّة المصرية. وقد استدعى قادة ثورة 1919م. هذا التاريخ ومجدوا ماضي الأمة كما كتب عدد من مشاهير الأدباء أعمالاً روائية مهمة تستمد رموزها من ذلك التاريخ العريق. ولم يتراجع ذلك الاهتمام إلا بعد نمو التيار القومي الحديث في الخمسينات من القرن الماضي Hassan,1998: 207.

 

واختم ملاحظاتي عن أهمية تأويل الموروث الثقافي نظرياً واستغلاله في تعريف الهُويَّات الثقافية التي تعبر عن نقطة الانطلاق في تكوين الشرعية التي تقوم عليها الأمة والسلطة التى تدير شؤونها. والاستعانة بالموروث الثقافي في تشكيل الحاضر يتوقف بالدرجة الأولى على الأيديولوجيا السائدة وعلى قدرة القوى الاجتماعية التي تتبناها. ومن هذه المقدمة أود الإشارة، في إيجاز، إلى سيرة التاريخ الثقافي السوداني ومصادره لنرى مدى انعكاساته على الواقع السوداني المعاصر.

 

نستمد معلوماتنا عن فترات العصور الحجرية والتاريخ القديم من الأعمال الآثارية التي بدأت منذ مطلع القرن العشرين في شمال السودان بوتيرة بطيئة لتتصاعد بصورة مؤثرة عندما تقرر بناء السد العالي وأُجرى ما عرف بحملة إنقاذ آثار النوبة (1959- 1965).جاء إلى المنطقة في ذلك الوقت أكثر من أربعين بعثة علمية أجنبية تجري المسوحات وتنقب في المواقع الأثرية في كل من شمال السودان وجنوب مصر. وكان نتائج أعمالها هو معظم، إن لم نقل كل ما نعرفه، تقريباً عن تاريخ السودان القديم والوسيط (للمزيد من المعلومات حول الموضوع انظر في أركامانى : كاتسنلون؛ و آدمز، , أسامة).

 

توسع النشاط الآثاري بعد ذلك في منطقة الخرطوم ولكنه لم يشمل مناطق السودان الشاسعة الأخرى إلا في حالات قليلة مما سبب نقصاً واضحاً في المعلومات المطلوبة لصوغ التاريخ الحضاري للسودان بحدوده الحالية. ويجدر بالذكر أن التركيز على شمال السودان أوجد "مركزية شمالية" أثرت في توجيه مسار البحث العلمي في هذا الحقل لم تبدأ مراجعتها إلا مؤخرًا وبصورة جزئية (العباس محمد علي، ويوسف الأمين 1992: 65-67). ومازالت مناطق واسعة في الغرب والشرق لم يستوعب تاريخها القديم والوسيط في مسيرة التاريخ السوداني بطريقة مقنعة. بل أن جنوب السودان لم يحظ إلا بحملة آثارية واحدة ولفترة محدودة John Mack and Robertshaw,1982.

 

أوضحت البحوث الآثارية وجود مواقع تعود لفترة العصر الحجري القديم عاشت خلالها مجموعات سكانية على امتداد وادي النيل في السودان وفي الأقاليم الأخرى بعيداً عن نهر النيل (للمزيد انظر أسامة النور: العلاقة بين الصحراء ووادي النيل السوداني وشرق أفريقيا في الهولوسين). وكانت الأدوات الحجرية المكتشفة تعبر في مجملها عن وجود تقاليد ثقافية في تصنيع الأدوات الحجرية وأنماط الاقتصاد المعيشي البدائي وهى تمتاز بخصائص محلية كما تعكس صلات حضارية مع المناطق المجاورة في الوقت نفسه. ويبدو من الصعب القول أن كل أراضي السودان الحالي كانت تمثل في ذلك الزمن وحدة حضارية تربط بين أقاليمه. وربما نجد أول إشارة لهذا الأمر في الدور الثاني من العصور الحجرية المتمثل في مجتمعات العصر الحجري الحديث عندما تعرف الناس على عمل الفخار واستئناس الحيوان والزراعة ضمن ابتكارات أخرى في مجال تصنيع الأدوات العظمية ونماذج الفنون الأخرى وتوجه مجتمعات الصيادين نحو الاستقرار بصفة عامة. ويذكر في هذا السياق ما اشتهر باسم "حضارة الخرطوم القديمة" التى عُرفت أولاً في موقع الخرطوم المبكر الذى نقب فيه آركل في الأربعينات من القرن الماضي. وقد وصف الموقع بأنه كان مستوطنة شبه دائمة أقيمت على ضفاف النهر القديم اعتمد سكانها على صيد الأسماك والحيوانات البرية وجرش الحبوب البرية إذ لم يعرفوا الزراعة بعد. وقد شكلوا أدواتهم المتميزة من الأحجار والعظم كما صنعوا فخار الخرطوم الشهير وهو من النوع الصلب غير المصقول، تزينه خطوط متصلة مموجة وأخرى متقطعة مموجة أو متعرجة. وقد أصبح ممكناً تأريخ هذه الحضارة فيما بعد بالألف الثامن قبل الميلاد وبذا يكون فخار الخرطوم الأقدم في وادي النيل وربما أفريقيا كلها. وقد اكتشف هذا الفخار بزخارفه المعروفة في السودان الأوسط وشمالاً حتى وادي حلفا وكذلك في أماكن بعيدة من الصحراء الغربية حتى النيجر.

 

وفي السودان نفسه يشير توزيع مستوطنات هذه المرحلة إلى تماثل حضاري يمتد من شمال السودان حتى وسطه وقد كانت المستوطنات التي تلت مرحلة ثقافة الخرطوم عبارة عن تجمعات سكانية كبيرة نسبياً اعتمد أصحابها في حياتهم على زراعة الحبوب وتربية الحيوانات مثل الأغنام والماعز والأبقار إضافة إلى الموارد الطبيعية المعهودة Arkell 1975;Haaland 1992: 43-64.

 

ومع انتشار هذه المستوطنات الكبيرة شبه المستقرة بالقرب من ضفاف نهر النيل في الفترة 5000 – 3000 ق. م. تهيأت المجموعات السكانية لإحداث نقلة حضارية جديدة تتمثل في نشوء مراكز وتجمعات أكبر حجمًا انتظمت فيما يعرف بدويلة المدنية. كان ذلك أولاً في كرمة في منطقة النوبة العليا بشمال السودان عندما تمكن الزعماء والأمراء المحليين من تأسيس حكم مستقل عن الدولة المصرية. وقد كان هؤلاء يمثلون مقاومة مستمرة للاحتلال المصري لشمال السودان. وتدلنا المكتشفات الأثرية إلى أن كرمة كانت مدينة تبلغ مساحتها نحو خمسة وعشرين هكتاراً وهى مسورة بحائط ارتفاعه ثلاثين قدماً. ويوجد في وسط المدينة معبد وقصر وقاعة استقبالات كبيرة وبيوت الطبقة العليا في المجتمع. كانت هذه عاصمة أول دولة سودانية (كوش) التى ازدهرت نحو 2200 ق. م. وهى بالتالي أقدم مدينة معروفة لدينا في أفريقيا خارج مصر. كان مجتمع كرمة يمجد الحرب والعسكرية بحيث امتد نفوذها لتسيطر على النوبة السفلى في الشمال لبعض الوقت. واستعان حكام كرمة من المصريين المقيمين في القلاع والحصون لمساعدتهم في إدارة المنطقة. وقد خلفت كرمة تراثاً حضارياً غنياً في مجالات الفنون والحرف والعمارة ما يقف شاهداً على التمّيز الثقافي والأصالة المحلية (شارل بونيه، 1997). (للمزيد عن كرمة)

 

عاد المصريون واخضعوا كل بلاد النوبة نحو 1460 ق. م. وازدهرت المنطقة ببناء المستوطنات والمعابد وبالنمو الاقتصادي والثقافي. نهض أمراء المنطقة مرة أخرى بعد مرور مصر بفترة ضعف، وأسسوا دولة نبتة نحو 9000 ق. م. حيث يبدأ تاريخ كوش الحافل في مرحلته الثانية التى تطغى فيها المؤثرات المصرية كاللغة والعمارة والفنون والدين على الرغم من الغموض الذى يكتنف الطريقة التي تأسست بها هذه الدولة. لقد أعاد الكوشيون للحضارة المصرية مجدها القديم عندما حكموا مصر لمدة سبعين سنة حافلة بالإنجازات التي كان في مقدمها تحقيق أول وحدة سياسية في وادي النيل. إضافة إلى توسعهم في بناء المعابد والمدن وإحياء اللغة المصرية بعد ما أصابها من تدهور في فترة الاضمحلال في نهاية الألف الثاني ق. م. استمرت كوش دولة مستقلة في مرحلتها الثالثة عندما انتقلت العاصمة جنوباً إلى مدينة مروي القديمة القريبة من مدينة شندي (300 كلم شمال الخرطوم). وفي الوقت الذى ازدهرت فيه مروي وتوسعت في الأقاليم السودانية كانت مصر قد خضعت لحكم الفرس ثم البطالمة ثم والرومان.

 

ازدهرت الحضارة المروية (300 قبل الميلاد إلى 350 ميلادية) وعرفت بسماتها الأصلية الممزوجة بالتيارات الثقافية الوافدة من الشمال. كان أول ما حققه حكامها المحافظة على دولتهم ومقاومة البطالمة والرومان من بعدهم عسكرياً ودبلوماسياً عندما فشلوا في صدهم بالقوة. يصعب علينا أن نحصي صفات تلك الحضارة ويكفي أن نشير إلى أهم إبداعاتها مثل الكتابة المرَّوية التي وصفت بأنها شبه أبجدية ولها خطان أحدهما هيروغليفي وثانيهما تجريدي وكلاهما منحدران من أصول مصرية وهى أقدم لغة أفريقية صريحة مكتوبة، غير سامية كما يعتقد أحد علمائها البارزين (عبد الله، عبدالقادر محمود 1986). ومثل ما حدث في الكتابة المرَّوية من تطوير محلي نجد إبداعاً آخر في صناعة الفخار الرفيع والذي لم تشهده المنطقة من قبل. وتشمل الصناعات أيضاً مختلف أنواع قطع الزينة الذهبية والعاجية وغيرها من الأحجار الكريمة والمواد التى جاءت عن طريق التجارة التي انتعشت في هذا العهد. وتوسع المرَّويون في بناء المعابد والأهرام والقصور والقلاع والحصون والبيوت السكنية في المدن الكبيرة المنتشرة في الأقاليم الشمالية والوسطى وأجزاء من الشرقية من البلاد. ومما لا شك فيه أن بقية الأقاليم المرَّوية داخل السودان وبعيداً عن وادي النيل قامت فيها مستوطنات ربما كانت مبنية بمواد غير حجرية تتناسب والبيئة المحلية وممارسة الرعي والزراعة الموسمية. استطاع المرَّويون أيضاً أن يصنعّوا الحديد في القرن السادس قبل الميلاد قبل أن تصبح المدينة عاصمة للدولة وبذلك يكونوا أول من حقق هذه الطفرة التقنية في أفريقيا جنوب الصحراء، ومن المرجح أنها جاءتهم من مصر التي وصلتها التقنية بدورها من غرب آسيا. أما في مجال الفكر والأديان فقد استمر المرَّويون في إتباع الأديان المصرية المعروفة وأضافوا إليها معبودات محلية أهمها أبادماك (الإله الأسد) الذى أقيمت له المعابد في أكثر من مكان وكان بالنسبة لهم إله الخلق والحرب (2). وبنهاية القرن الرابع الميلادي اختفت دولة مروي من مسرح الأحداث في المنطقة تاركة وراءها من الموروث الثقافي ما يشهد على روعة إنجازاتها في دمج الإبداع المحلي بما هو وافد من شمال الوادي. إن تفاصيل امتداد دولة مروي في شرق وغرب السودان غير معروفة الآن وتنتظر الأبحاث الميدانية في المستقبل إذ وجدت آثار مرَّوية في الجزيرة بوسط السودان وعلى النيل الأبيض حتى مدينة كوستي (400 كلم جنوب الخرطوم). وهكذا فإن دولة مروي قد حكمت مركزياً إقليماً واسعاً من مساحة السودان الحالي وكان تراثها المادي متنوعًا مثلما تنوعت أقاليمها بيئياً Adams,1977: 323-325.

 

لا يوجد أثر لدولة مركزية بعد تفكك مروي ما عدا نوباتيا في النوبة الشمالية وكان مركزها في بلانة وقسطل في أقصى الشمال وظلت محصورة هناك تحتفظ بموروثات الحضارة الكوشية حتى تغير حكامها ليعتنقوا المسيحية بتأثير من مصر البيزنطية في 580 م. وكان ذلك إيذاناً ببداية العهد الذهبي الثاني في حضارة السودان القديم. تشير الأدلة الآثارية المتوفرة إلى أن قبول المسيحية وانتشارها أحدث تحولاً ثقافياً عميقاً ومؤثراً مما يعطي انطباعاً بأن أفواجاً من الناس قد دخلوا البلاد ولكن هذا لم يحدث. لقد كانت نقلة ثقافية سريعة أحدثتها اتصالات بين المبشرين وصفوة الحكام في البلدين. لم يكن السودان كله موحداً خلال تاريخه الوسيط حيث قامت في البداية ثلاث دويلات هي نوباتيا والمقرة في الشمال وعلوة وعاصمتها سوبا جنوب الخرطوم وفيما بعد توحدت نوباتيا والمقرة في دولة واحدة عاصمتها دنقلا. نعمت البلاد باستقرار سياسي لنحو ستمائة سنة أثمر خلالها تلاحم الثقافات المحلية مع الديانة الجديدة الوافدة رصيداً حضارياً مميزاً كانت حصيلته بارزة في الفنون الزخرفية واللوحات الملونة الرائعة التي تزين الكنائس وفي الإنجيل المكتوب باللغة النوبية القديمة وكما نجدها أيضاً في مختلف الحرف والمصنوعات التى تمس حياة الناس اليومية Adams,1977: 246-381; O'connor,1993: 4-15.

 

تمثل المرحلة التالية المنعطف الكبير في تاريخ السودان الحديث عندما سقطت الدولة المسيحية في شمال السودان في 1323 م. ومن بعدها الدولة الثانية (علوة) بنهاية القرن الخامس عشر وكان ذلك نتيجة للهجرات العربية المتتالية إلى السودان من مصر. اعتنق سكان شمال السودان ووسطه الدين الإسلامي تدريجيًا، وبمرور الوقت اتخذوا من العربية لغة تجمع بين فئات المجتمع المختلفة كما بدأت عمليات المصاهرة تلقى بظلالها في التركيب العرقي للسودانيين. تشير المصادر التاريخية إلى دخول العرب للسودان بأعداد قليلة منذ عهد حمير ربما عبر البحر الأحمر أو عبر سيناء جنوباً للسودان الشرقي ولكن الأعداد الكبيرة منهم تسربت من مصر بعد الفتح الإسلامي. ثم جاءت أفواج أخرى من الشمال الأفريقي. وقد واجه العرب المسلمون في البداية مقاومة شرسة من الدولة المسيحية في دنقلا التي خاضت ضدهم حرباً دفاعية أحيانًا وهجومية أحياناً أخرى. وقد عقد المسلمون معها اتفاقية سلام في 651 م. تحفظ حقوق الطرفين في التنقل ودفع الجزية ووقف الاعتداء المتبادل. وهكذا صارت بلاد النوبة بموجب هذه الاتفاقية (البقط) خارج داريَّ الحرب والإسلام في آن. ولم يحسم الأمر لصالح المسلمين إلا بعد أن دب الوهن في عضد الدولة المسيحية لأسباب كثيرة منها الأثر العربي الذى نتج عن توغل أعداد غفيرة من المهاجرين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، حيث انهارت الدولة وأسلم آخر حكامها في عام 1323م. وانفتح الباب واسعًا أمام العرب والمستعربين لتأسيس الممالك والسلطنات الإسلامية Hassan,1967.

 

وقبل الحديث عن تطور تلك الأحداث السياسية وأثرها البالغ في المجتمع السوداني علينا الإشارة إلى مصادر المعلومات عن هذه الفترة الحرجة من تاريخ السودان وذلك لأهميتها في تشكيل المناخ الفكري الذى نبعت فيه الرؤية الثقافية السائدة عن السودان اليوم.

 

لم تحظ الفترة الإسلامية في السودان بعمل آثاري مثل غيرها من فترات التاريخ السوداني. ففي المنطقة الشمالية الأوفر حظاً في هذه الدراسات لم تعُنى البعثات العلمية الأجنبية إلا بعدد محدود جداً من المستوطنات الإسلامية إذ لم تكن ضمن اهتمامات العلماء الأجانب. وقد أهملت تلك الآثار من منطلق أنها حديثة ولا تفيدهم في معرفة واقع يرونه ماثلاً أمامهم. أما في بقية أقاليم السودان يظل العمل الآثاري في مجال الآثار الإسلامية غير معروف ما عدا ما جُمع من نقوش وشواهد قبور إضافة للوصف العام لقباب مدافن الفقهاء أو شيوخ الطرق الصوفية. وفيما عدا الاهتمام بوصف العمارة والآثار العثمانية في سواكن في شرق السودان ظلت آثار السلطنات الإسلامية في كردفان ودارفور بغرب السودان بعيدة عن اهتمام الباحثين El-Zein,2000: 35-36.

 

وتشير الأبحاث المحدودة في شمال السودان إلى استمرار الاستيطان في المواقع المسيحية ولكن المباني تدهورت بعد ذلك ولم يجر ترميمها أو بناء مثيل لها كما توقف إنتاج الفنون المتمثل في الرسم والصناعات الخزفية والمعدنية. ويصف الرحالة الذين زاروا المنطقة في أوائل القرن التاسع عشر المنازل الطينية الشبيهة بما نجده في القرى الريفية المعاصرة. كذلك تتوفر معلومات مفيدة في ما كتبه أولئك الرحالة الأوروبيين الذين زاروا السودان ووصفوا ناسه وعاداتهم وأنسابهم كما سمعوها منهم. أما الهجرات العربية فمصادرها هي ما كتبه المؤرخون العرب أمثال المقريزي وابن خلدون. ولم يكتب السودانيون أنفسهم إلا القليل، ومن أهم ما عرف من مؤلفات محلية مخطوطة ابن ضيف الله المعروفة بالطبقات التى وضعها بلغة عربية محلية في مطلع القرن التاسع عشر. وتحوي المخطوطة معلومات مفصلة عن سيرة مشاهير الفقهاء ورجال الدين كما تعد مصدراً أولياً عن الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية لفترة مملكة الفونج الإسلامية التى قامت في وسط السودان مطلع القرن السادس عشر. ويذكر في هذا السياق وثائق تمليك الأرض عند الفونج وشجرات النسب التي تؤرخ للأسر السودانية وتحدد أصولها العربية التى يراد لها دائماً النقاء العربي بمدها حتى النبي (صلعم) أو عمه أو أحد من الصحابة. ويعتقد أن الكثير من عناقيد النسب هذه مشكوك فيها وهى تعود للقرن التاسع عشر وقليل منها إلى عهد دولة الفونج. ومن المخطوطات المهمة التى كتبت في القرن التاسع عشر مخطوطة كاتب الشونة التي يصف فيها ملوك وأحوال دولة الفونج (يوسف فضل 1975: 109-144). ومن جهة أخرى نجد أن تاريخ الممالك والمشيخات الإسلامية التي قامت في أقاليم السودان الأخرى مثل العبدلاب شمال الخرطوم وتقلي والمسبعات في إقليم كردفان ومملكة الفور في الغرب، يستمد من نفس المصادر المشار إليها وكلها خطها أصحابها في مناخات تدعو لتأصيل النسب العربي (القرشي) وتهمل العنصر المحلى فيه. وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن التزاوج بين العرب والسكان المحليين فإن التاريخ القبلي يصر على ذكر الأب أو الجد العربي الأول. وهكذا فإن هذه المصادر لا تعطينا معلومات واضحة تفيدنا في معرفة عمليات المزج السلالي أو تعريب السكان المحليين ويبقى الحكم على ذلك من خلال النتائج فقط. ومن أشهر مصادر التاريخ الشعبي السوداني الدراسة التى قام بها مكمايكل، أحد رجال الإدارة البريطانية في السودان، وذلك في العقد الأول من القرن الماضي. وقد جمع مئات الوثائق الشعبية مثل عقود ملكية الأرض وأسماء الأسر والأفراد، إضافة لشجرات النسب المنتشرة عند زعماء القبائل ورجال الدين وهى من نوع الوثائق سالفة الذكر. ومن هذه الوثائق وضع الأساس لتاريخ العرب في السودان حيث ذكر ما لا يقل عن مائة قبيلة بعضها يتفرع إلى أخرى صغيرة ويعود نسبُها جميعاً إلى أصل عربي خالص. ولقد قسمت دراسة مكمايكل سكان السودان إلى نوعين عرب وغير عرب وبالتالي شكلت إطاراً لكل الدراسات التاريخية اللاحقة ويوشك ضررها أن يبلغ نفعها MacMichael 1922.

 

وفيما يتعلق بوحدة أقاليم السودان فان أياً من الممالك الإسلامية آنفة الذكر لم تتمكن من بسط نفوذها على كل أو معظم أقاليم السودان. ففي أقصى الإقليم الشمالي نجد مشيخة الكنوز ثم مملكة العبدلاب وعاصمتهم قرِي شمال الخرطوم وقد كانت هذه عبارة عن اتحاد فضفاض يشتمل على عشرات المشيخات يحكمها زعماء القبائل. وفي مملكة سنار وممالك الغرب تظل السلطة السياسية محدودة في أقاليم متعارف عليها ولكن ذلك لم يمنع التداخل السلمي أو الضم الذى ينجم عن نزاعات حربية. ومع أن نظام الحكم كان إسلامياً في ظاهره فإن كثيراً من العادات والطقوس المحلية القديمة ما زالت تجد تعبيراتها في حياة الأمراء ومساعديهم أو عامة الشعب. وما وردنا من معلومات عن العناصر المادية لثقافات هذه الممالك يعكس هو الآخر تراثاً يعود لفترات حضارية سبقت انتشار الإسلام. ومن جهة أخرى فإن انتشار الإسلام وتزايد نفوذ رجال الدين الصوفية كان عاملاً فاعلاً مع انتشار اللغة العربية في ربط أقاليم السودان الوسطى والشمالية في وحدة اجتماعية إن لم تكن سياسية بالكامل. ونشوء الممالك المشار إليها لم يكن في الواقع كله من عمل العرب الوافدين بل بالتعاون مع أقوام مستعربة أو سكان محليين. فبعد أن سقطت مملكة علوة في أيدي العرب بزعامة العبدلاب (القواسمة) هاجمتهم قبائل الفونج السود الذين قضوا على نفوذ العرب وتعاونوا معهم لاحقاً في إدارة الإقليم الشمالي بعد أن اتخذوا من سنار عاصمة لهم في 1504 م. ومهما يكن من أمر فقد استمرت دولة الفونج نحو ثلاثمائة سنة اتسعت خلالها دائرة انتشار الإسلام والمؤثرات العربية الأخرى كما ظلت بعض أقاليم السودان الحالي بسكانها بعيدة عن هذه التيارات O'Fahey and Spaulding 1974: 26-116.

 

سقطت دولة الفونج وعهد الممالك الإسلامية في السودان في 1821 م. عندما أكملت جيوش محمد علي باشا غزو البلاد وأقامت ما يعرف بالحكم المصري التركي. وكان من نتائج هذا الحكم الذى استمر ستين عاماً توحيد كل أقاليم السودان الحالية وإخضاعها لحكم مركزي. وقد وضع الحكم الجديد أسساً حديثة للإدارات المحلية كما أدخل أنظمة جديدة في إدارة الاقتصاد والمجتمع وربط أقاليم السودان ببعضها وبالعالم الخارجي. انتهى ذلك الحكم بنجاح الثورة المهدية وهى أول ثورة تحررية في القارة الأفريقية تقوم على فلسفة دينية تنشد توحيد كلمة المسلمين وإزاحة الحكم الأجنبي وقد كتب لها النجاح في 1885 م. ولم تستمر دولة المهدية الوطنية كثيراً إذ اكتسحت البلاد مرة أخرى جيوش الغزو الأجنبي التابعة للتحالف الثنائي بين حكومتي مصر وبريطانيا في 1899 م. وعاش أهل السودان تحت الإدارة الأجنبية التي دمرت مؤسساتهم التقليدية وحلمهم في الدولة المستقلة إلى أن حققوا استقلالهم رسمياً مرة أخرى عام 1956 م. نذكر هذا في إيجاز شديد لأن موضوع هذه الورقة يتركز حول الموروث الثقافي القديم والوسيط وأثره في بناء وحدة السودان وهُويَّة سكانه الأمر الذى نناقشه في الفقرة التالية.

 

حوارات الهُويَّة

كيف ينظر السودانيون الآن إلى ذلك التاريخ الثقافي القديم؟ وكيف يقومونه خاصة عندما يتصل الأمر بالهُويَّة وتأصيل الشخصية الوطنية؟ في ذلك يذهب عامة الناس وصفوتهم مذاهب شتى. فالتاريخ القديم بمعطياته الآثارية والحضارية لم يتسرب بدرجة كافية في الأدبيات المنشورة العامة أو غير المتخصصة ولا في مقررات التعليم العام. وقطاعات كبيرة من النخب المتعلمة تراه شيئاً بعيداً عن هموم حياتهم اليومية وربما لا يمت بصلة لأنسابهم المباشرة. وفي الكتابات الأكاديمية التي تتناول المجتمع والسياسة والثقافة يصادف المرء عادة رصداً لوقائع التاريخ القديم والوسيط يقدمه المؤلف كأمر ضروري تفرضه منهجية البحث. ويقصد به الكاتب عادة تأصيلاً تاريخياً لموضوع الدراسة دون توظيف تلك المعلومات في تطوير أطروحة فكرية ما. والأمثلة الشائعة لإيراد ملخصات للموروث الثقافي نجدها عادة في الدراسات التي تتناول هُويَّة السودان عربية هى أم أفريقية؟ أو تلك التى تنطلق من مبدأ خصوصية تكوين الثقافة السودانية والهُويَّة الوطنية. وهناك أيضاً من يتناول التنوع العرقي والثقافي السوداني في إطار العلاقات الخارجية (أحمد محمد علي الحاكم،1990؛ عبد الهادي الصديق،1997؛ محجوب الباشا،1998). هذه أمثلة محدودة من الإصدارات الكثيرة حول هذه القضايا التى تصدرها مراكز الأبحاث والجامعات والأفراد، وذلك بصورة ملفتة منذ عقد التسعينات. وهى الفترة التي اشتد فيها وعي النخب السياسية والأكاديمية بأهمية الموروث الثقافي ودوره في إيجاد حلول لمشاكل البلاد التي ظلت عالقة لأمد طويل. وقبل ذلك بكثير كانت قضية الثقافة السودانية والهُويَّة مطروحة في حوارات تركزت حول جدلية العروبة والأفريقانية مع اتخاذها أشكالاً ومناحي متباينة. يرى أحد أبرز مؤرخي العرب والإسلام في السودان أن تكوين الأمة السودانية بدأ في الإطار الجغرافي الحالي للبلاد منذ بداية دولة كوش القديمة وما لحقها من حضارات في العصر الوسيط ويرى أن السودانيين الحاليين يقلب في تكوينهم العرقي العنصر الأفريقي كما أن عمليات التزاوج والانصهار مع العرب الوافدين أنتجت أجيالاً من المستعربين. ويمضي بالقول إن عروبة السودان بالمولد وباللغة والوجدان ولكن الهجين الماثل للعيان لا يجعل منهم عربًا خلصًا (يوسف فضل، 1988: 40-44). وفي مجال آخر يناقش انتشار اللغة العربية وثقافتها في وسط البلاد واضمحلال نفوذها كلما ابتعدنا عن مركز الوسط حيث لا تزال اللغات الأفريقية المحلية رائجة تقاوم تيار التعريب مما يؤكد قوة الثقافة الأفريقية. ويقول "يبدو أن قلة من السودانيين قد أخطأوا عن جهل حينما تطرفوا في المبالغة بانتسابهم للعرب دون سواهم ولعل في هذا التطرف من جهة والتمسك بالحضارة الإسلامية العربية من جهة أخرى محاولة لإيجاد سند حضاري يتكئون عليه بعد أن هزم الاستعمار الإنجليزي ثورتهم المهدية واغتصب بلادهم وكاد أن يحتويهم بحضارته الأوروبية" (يوسف فضل،  1975: 21-22). مما لا شك فيه أن مثل هذا الرأي لا يبعد عن الواقع بل لا يعدم من يطوّره لاتخاذ مواقف أخرى.

 

وعند النظر للحوارات المبكرة حول الهوية السودانية وعلاقتها بالمكوّن التاريخي نجد تباينًا وغموضًا في استخدام المصطلحات مثل "الهوية السودانية" و"القومية/ الوطنية" و"الشخصية السودانية". من الممكن رصد ثلاث ملاحظات عن الأدبيات التي تناولت هذا الموضوع الأولى هي التركيز على الأدب السوداني العربي بخاصة الشعر العربي الفصيح والدارج ثم القصة والمقال باعتبار أنها الأوعية التي تحفظ الفكر السوداني وبالتالي تمثل المصدر الرئيس لمعرفة خصائص الهوية وأصول الثقافة. والملاحظة الثانية أنها تؤرخ للثقافة السودانية من خلال الموروث العربي الإسلامي غير عابئة بما قبله. والملاحظة الثالثة هي أن هذه الإسهامات تركزّ على الأقاليم الشمالية والوسطى عندما يستدعى الأمر العودة للموروث الثقافي القديم وذلك نسبة لتوفر مصادر المعلومات كما ذكرنا آنفاً وهى في الوقت نفسه مكان الأثر العربي الإسلامي الأكثر وضوحًا.

 

والأطروحة الأكثر رواجًا في موضوع الهوية السودانية تقوم على مبدأ التمازج والانصهار بين القبائل العربية والسكان المحليين الذين استوعبتهم الثقافة العربية الإسلامية. وأول ما يلاحظ عليها أنها نادرًا ما تناقش عمليات التغيّر الثقافي ولا تطرح تفسيرًا موضوعيًا للتنوع في مستويات التعريب أو الأسلمة للمجموعات الاثنية المحلية. يذكر الكثير من الكتاب عمليات مزج العنصر العربي مع الأفريقي وفق طريقة ميكانيكية تؤدي في النهاية إلى عنصر بيولوجي جديد يسمى "سوداني" وبعد ذلك تحدث معادلة أخرى، غير واضحة تمامًا، تربط بين البيولوجي والثقافي. فالثقافة الجديدة هي المعادل الطبيعي للعنصر السلالي الهجين. يقول أحد أصحاب هذا الرأي: "... ومن خلال هذا التلاقح ظهر إلى الوجود مخلوق جديد هو السوداني الحديث، الذى لا يشكل دمًا عربياً خالصًا أو دمًا زنجيًا خالصًا، ولكنه بالتأكيد يجمع في أنسجته بين ذينك النوعين من الدماء ويحمل في دماغه نتاج الثقافة الأقوى والأكمل..." (محمد المكي إبراهيم،  1989: 12) وعن نفس عملية التمازج بين العرب الوافدين والسكان المحليين يقول آخر: "... ونتج عن كل هذا عنصر مميز في شخصيته وثقافته وانتمائه. فهو عربي اللسان والثقافة، أفريقي التقاطيع، مزيج عرقي وسط يمكنأن نطلق عليه "عربي – أفريقي" "أفرو – أراب كما يقول الفرنجة" (عبدالغفارمحمد أحمد 1987: 31). وهكذا فالسحنة أفريقية والثقافة عربية لأن تعريف الأخيرة هنا يقتصر على اللغة والدين ولا يلتفت إلى عناصرها الأخرى (المادية) التي ربما تحمل رواسبًا من الثقافة الأفريقية المحلية.

 

وعلى الطرف الآخر، هناك من يرى وجود مجموعات عربية خالصة في الشمال والوسط وأخرى أفريقية خالصة، مثل ما هو الحال في جنوب البلاد لم تتأثر بالثقافة العربية ولم يحدث اختلاط بها وظلت خارج دائرة التأثير والتأثر الثقافي. واستمر جنوب البلاد بصفة عامة متميزًا اثنيًا وثقافياً كما يرى كثيرون Deng,2000: 8 ومع صحة هذا الرأي في عموميته فهناك أيضًا ما يشير إلى التداخل الثقافي منذ أمد بعيد كما ألمحنا لذلك عند مراجعة التاريخ القديم. إن الحديث عن الأجناس والأعراق وربطها بالثقافة أمر في غاية التعقيد ولا يمكن تناوله بهذه البساطة. وفي حالة السودان لا يوجد حتى الآن دراسات كافية في الأنثروبولوجيا الطبيعية تسمح بالخوض في ربط جنس معين بثقافة معينة وما نشر من معلومات حول هذه المسألة في شمال السودان لا يدل على تحول مفاجئ أو كبير في الخصائص البيولوجية للتركيبة السكانية منذ العهد الكوشي حتى ما بعد سقوط الممالك المسيحية. من جهة أخرى أوضحت الأبحاث الآثارية والأنثروبولوجية بصفة عامة في أماكن أخرى صعوبة، بل ربما خطأ، ربط ثقافة ما بمجموعة عرقية إذ أن هناك حالات موثقة نجد فيها مجموعات من أصول عرقية مختلفة تشترك في نظام ثقافي واحد. ومن المناسب في هذه الحالة البحث في الثقافة من خلال عناصرها الذاتية وليس العنصر البشري الذى أنتج تلك الثقافة.

 

استمر الفكر العربي/ الإسلامي الأكثر وضوحًا من غيره في الحركة الأدبية التي عبر المتعلمون من السودانيين من خلالها عن هويتهم وتميزهم الثقافي. وفي الستينات من القرن المنصرم برزت حركات إقليمية، وفي العاصمة القومية تعبر عن طموحات ومطالب مجموعات اثنية وقبلية تتمثل في حق الاعتراف بالاختلاف الثقافي والمساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفي وقت وجيز تحوّلت إلى منظمات مسيسة تناضل من أجل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من مدخل الاختلاف والتنوّع الثقافي. ومن هؤلاء أو من يتفق معهم في الرأي برز قادة للعمليات العسكرية ضد الحكومة المركزية في الشرق وفي الغرب في السنوات القليلة الماضية. وهكذا تحوّل حوار الهُويَّة إلى صراع مسلح يهدد الوحدة الوطنية. ومن جهة أخرى ظهرت حركاتُ تمثل تيارات فكرية مختلفة فيتناولها لقضايا الثقافة والهوية الوطنية وقد عبرت هذه عن وجهات نظرها من خلال المسرح والشعر والمقال الصحفي والندوات..الخ وعلى الرغم من أن أعمال هذه المجموعات جاءت من منطلقات فكرية متباينة، ولم يجمعها إطار تنظيمي واحد، غير أنهافي جملتها تمثل بداية الأطروحة الثانية حول الثقافة السودانية.

 

قدم أصحاب الأطروحة الثانية موضوعاتهم وأفكارهم من خلال معالجة الأدب السوداني، تاريخه ومحتوياته واتجاهاته وأساليبه الفنية. كذلك ظهرت الآراء نفسها في دراسات نقدية للفنون التشكيلية، تبحث في موضوعاتها والينابيع التاريخية لتعبيراتها المختلفة. وقد تميّزت هذه الأعمال النقدية/ الأدبية بشيئين، الأول أنها ركزت على الأصول والصفات الأفريقية والمحلية للثقافة السودانية في محاولة لجعلها ندًا للثقافة العربية أو متفوقة عليها مما أوجد ثنائية ربما هي غير ضرورية في تناول موضوع شائك مثل الهوية الثقافية. والشيء الثاني أنها تطرح بقوة فكرة التنوع العرقي والثقافي في السودان وتنادي بأحقية الأقليات في إبراز هوياتها الثقافية كمدخل للتمتع بحقوقها الطبيعية. وذاعت في وسائط الإعلام في ذلك الوقت مصطلحات لم يتم تحديد معانيها بدقة مثل "الغابة والصحراء" والأقليات الهامشية أو المهمشة" والأفريقيانية" ودون المساس بحقوق تلك الأقليات أو الاعتراف بوجودها، على المرء أن يضع في الاعتبار عمليات التغيّر والاختلاط التي أحدثتها التطورات الاقتصادية والتعليمية والإدارية الحديثة وسبل الاتصال في الفترة التي أعقبت نشر المعلومات الأولية عن الكيانات الاثنية الصغيرة وثقافاتها. إذ ليس معروفًا على وجه اليقين ما حدث لتماسك الكيانات الصغيرة. ومن جانب آخر، على المرء أن يتذكر نتائج الهجرات أو النزوح الجماعي الذى تمخض عن النزاعات القبيلة وقسوة موجات الجفاف منذ سبعينات القرن الماضي. وقد يحدث أن يلتحق بعض أفراد المجموعة الاثنية بمجموعة أخرى وتندمج فيها ثم تكتسب طريقة حياتها. وليس موثقًا على وجه الدقة أيضًا مدى التغيّرات التي حدثت في ثقافات المجموعات النازحة من ناحية اللهجات والعادات وغيرها. وفي مثل هذه الظروف تتبدل هُويَّات وتتشكل غيرها (يوسف مختار الأمين،2001).

 

عودًا على بدء

أشرنا إلى أن قضايا الوحدة الوطنية وانتماءات السودان معقدة تتداخل فيها عوامل شتى منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإقليمي بيد أن العامل الثقافي يمثل فيها موقعًا مركزيًا. ومما لا شك فيه أن حوارات السودانيين حول الهُويَّة على ما فيها من غموض، لم تنته إلى موقف فكري يلتف حوله معظم الناس ليتخذوه منطلقًا لحلول موضوعية لمشاكل البلاد العالقة منذ ما قبل الاستقلال.

 

وعندما حَصُل السودان علىاستقلاله من الحكم الأجنبي رسميًا في 1956 م. كان انضمامه لجامعة الدول العربية أمرًا طبيعيًا لم يشكل عقبة أمام الطبقة السياسية التي قادت حركة المقاومة وشكلت الأحزاب الوطنية الفاعلة ومنظمات العمل المختلفة. كان غالبية هؤلاء القادة من طلائع الطبقة الوسطى التي نالت حظها من التعليم ونالت التدريب في دواوين الحكومة وقد كانوا أصلاً ينحدرون من المجموعات السكانية ذات الأصول العربية. لقد ظلت معظم أقاليم السودان بعيدة عن التعليم الحديث لفترة طويلة بل أن بعضها ظل خارج مجريات الأحداث بفضل سياسات العزل التي فرضتها الإدارة الأجنبية. والمطّلع على التاريخ الرسمي لحركة الاستقلال يرى للوهلة الأولى توجهها العربي الإسلامي حيث كانت وثيقة الصلة بالحركة الوطنية المصرية على سبيل المثال. وكان خطاب حركة المقاومة للأجنبي عربيًا وإسلامياً، لغته العربية كما هي وسيلتُه في الاتصال والإعلام، من خلال المقال والبيان الجماهيري والقصيدة الشعرية. نجحت القطاعات الشعبية ذات الأصول العربية في التمدد اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا كما نجحت بدرجات متفاوتة في استقطاب أو استصحاب القطاعات الأخرى من المجتمعات غير العربية. وبمرور الوقت ترسخ تيار العروبة والإسلام في شكل "أيديولوجية" للنخب الطليعية يدعمها مكتسبات اقتصادية وإنتاج ثقافي يتمثل في الكتابات التاريخية والاجتماعية ومناهج التعليم الرسمي والشعبي.

 

إن قبول السودان كدولة وشعب في منظومة البلاد العربية، كان حصيلة أوضاع تاريخية وثقافية تعود للقرن السادس عشر كما أسلفنا، وذلك أمر له مزاياه الحسنة بطبيعة الحال كما له استحقاقاته. ومما لا خلاف عليه فإن غالبية أهل السودان يدينون بالإسلام ويتحدثون العربية بالرغم من تنوعهم العرقي الواضح. فقد ساعد انضمامه في تقوية الثقافة العربية ومكنّها من الدعوة لاستيعاب الجميع وذلك رغمًا عن التباين الاثني والتاريخي. وبمرور الوقت أصبحت الثقافة العربية تلقائيًا مجموعة من الرموز والمعتقدات الاجتماعية المتماسكة التي ينظر من خلالها الفرد السوداني للواقع الاجتماعي. واستمرت هذه العملية عبر قنوات المثاقفة والتعليم كما جرى أثناء ذلك تأطير المجتمع وفئاته على تلك الأسس. ومن دون تخطيط مسبق من النخب المسيطرة، أعاق ذلك التأطير فرص الأقليات التي لا تتوافق مع النموذج السائد، في مجالات التطوير الذاتي، اقتصاديًا واجتماعيًا. وهكذا تكّون حاجز نفسي/ سلطوي يقف في وجه أية مراجعة تهدف إلى معالجات للشأن الداخلي يُظن أنها قد تمس جوهر الانتماء العربي الذى ترسخ تاريخيًا.

 

وفي التسعينات من القرن المنصرم تعقدت الأزمة السودانية وامتد النزاع ذو الصبغة الثقافية إلى أقاليم أخرى غير جنوب البلاد حيث دخلت فيه مجموعات قبيلة مسلمة أصولها غير عربية. ليس من السهل إرجاع تفاقم هذه الأوضاع إلى عوامل داخلية فحسب وإنما لأخرى خارجية أيضًا ذلك لأن معطيات النظام العالمي الجديد ليست ببعيدة عن مجريات الأمور في السودان.

 

واليوم لا يختلف اثنان على محورية التنوع الثقافي والاثني في السودان ولا على وجوب البحث عن حلول جذرية لمشاكل ظلت عالقة لسنوات طويلة. فأدبيات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني كلها تتفق على جوهر هذا الأمر ولكنها تختلف في الحلول والمسالك المؤدية إليها. إن الجدل المستمر منذ سنوات صار صريحًا وجريئًا إذ تناول تفاصيل الأسس التي قام عليها المجتمع السوداني الحديث ولامس علاقاته الإقليمية في الوقت نفسه. فمن جهة علاقات السودان العربية انتبه البعض إلى أن الحوار الجاري الآن بين فئات المجتمع لم يشاركهم فيه الأخوة من المفكرين العرب بصورة ترقى لمستوى نسبة السودان للمنظومة العربية. فقد تُرك السودان لحاله وإن كانت هناك مشاركة فهي من منطلقات الأمن القومي العربي والمحافظة على السودان باعتباره "بوابة العرب إلى إفريقيا" و"معبر الثقافة العربية..." الخ، وهى شعارات يصفها الكثيرون بأنها تبشيرية ضارة بمصير العلاقات الداخلية بين اثنيات السودان المختلفة، ناهيك عن كونها تعبر عن مفاهيم قديمة غير مناسبة حتى من منطلق الحرص على انتشار الثقافة العربية الإسلامية. فإنجاز الهدف الأخير في وقتنا الحالي لا يحتاج لمعابر أو بوابات جغرافية ينتقل عبرها الأثر الثقافي. ويمضي هؤلاء إلى أن عدم مشاركة العرب الإيجابية تعود إلى هامشية عاشها السودان في علاقته العربية منذ أمد. وتترسخ تلك الهامشية في قلة الإلمام بخصوصية التكوين الاجتماعي للسودان كما أن المعطيات التاريخية والثقافية السودانية غير معروفة بدرجة كافية لأشقائه. وربما تعبر هذه الحالة عن نفسها بتلك المؤلفات التي كتبها السودانيون في موضوعات شتى وبدت وكأنها مرافعات لإثبات عروبة السودان وثقافته. ناقش محمد عمر بشير قضية خصوصية التنوع الثقافي والاثني في السودان في سياق حديثه عن البعد العربي والأفريقي في علاقات السودان. وذكر أن السودان لم يشرك أحيانًا في بعض المنظمات العربية بسبب وضعه الطرفي أو لعدم حسم مسألة العروبة فيه (محمد عمر بشير،1991: 84-90). ويمضي ذلك الاستقطاب داخليًا مداه عندما برزت على السطح فكرة المواطنة كأساس للتعايش ونيل الحقوق وليس الدين أو العرق، أو غيرهما. هذا هو المدخل المناسب لفك الارتباط بين العروبة واحتكار السلطة والثروة على رأي بعض من يدعمون هذا الاتجاه. وما يجري الآن من مفاوضات جريئة (3) بين كل الأطراف السودانية لا يخرج عن هذا الإطار ويبدو أن الكل يستعد لتقديم تنازلات تبدو تاريخية من أجل تأمين الوحدة الوطنية. وإن وصل الحوار القائم الآن إلى غاياته المنشودة فسوف يكون للسودان وجه جديد تفرضه الظروف الموضوعية الداخلية وليس رغبات أفراد أو جهات أجنبية. والوضع الجديد المتوقع ينطلق من مراجعة مواقف الهُويَّات الثقافية التي صار لكل واحدة منها قراءة رسمية لتاريخها ظلت غير قابلة للمراجعة أو الاختراق لفترة طويلة. وعلى المستوى الداخلي فإن تاريخ البلاد على النحو الذى كتب به في الغالب، ربما بسط سلطته المعنوية لمصلحة فئة من المجتمع دون أخريات لتستمد منه القوة والسلطة وتشكل من خلاله الحاضر. لا أود أن يأخذنا بعيدًا القول الشائع أن التاريخ يكتبه المنتصرون وفق ما يودون ولكن مساءلة التاريخ أمرُ ضروري يمليه علينا راهن الأوضاع في السودان. إن إعادة قراءة التاريخ الثقافي بكامل عصوره لا بد أن يكون مقرونًا بمشروع الأبحاث الحقلية المستمرة آنفة الذكر خاصة في تلك الأقاليم التي ليس لها تاريخ مدون. والمعلومات التي توفرها الآثار والمصادر التاريخية والتراث الشعبي هي المصدر الأساسي الذى يكشف لنا مستويات الاتصال والتأثير بين مختلف الاثنيات والأعراق في البلاد ومن ثم إبراز المشترك بينها الذى يدعم أواصر الوحدة الثقافية ويعترف بالتنوع والخصوصية في الوقت نفسه. ولتأمين هذه الأشياء لا تكفي فقط القرارات السياسية على كل حال.

 

ولكن الفهم المشترك للظروف التاريخية التي تشكلت فيها الثقافة السودانية يفتح الباب واسعاً أمام البناء الوطني والتماسك الاجتماعي. وذلك من منطلق أنها إحدى ركائز الشرعية التي تقوم عليها الدولة الوطنية كما ذكرنا. عندئذ قد يكون السودانيون في وضع أفضل لخلق علاقات إقليمية أكثر توازنّا وفائدة لهم ولشركائهم في العالمين العربي والأفريقي من جهة، ولمصلحة نمو الثقافة العربية الإسلامية وتفاعلها مع الثقافات المحلية من جهة أخرى.

 

هوامش

(1) سمي هذا المنهج في الدراسات الآثارية بالاثنواركيولوجيا وهو يقوم على تحليل العناصر المادية للمجتمعات التقليدية في سياقاتها البيئية والاجتماعية بغرض جمع معلومات تفيد في بناء فرضيات نظرية ينطلق بها الباحث من الحاضر لتأويل الماضي (يوسف مختار الأمين، 2002).

(2) اتخذته مجموعة من الأدباء والتشكيليين شعارًا لمنتدى فكري يبحث في أصول الثقافة ومنابعها الأفريقية وذلك في الستينات من القرن المنصرم.

(3) تتمثل جرأة الحوار بين السودانيين عندما تقرر أن تكون الخرطوم عاصمة للثقافة العربية عام 2005م حيث رأى البعض أن تحديد العربية قد يسبب مشكلة داخلية بالنسبة للمجموعات الأخرى غير العربية. ويرى آخرون أن الخرطوم ستقدم وجهًا سودانيًا للثقافة العربية يشتمل على عناصرها الأفريقية في الوقت نفسه. ومن اللافت أن النقاش كان حرًا ومفتوحًا في وسائط الإعلام أسهم فيه الكثيرون بمن فيهم بعض المسئولين.

 

المراجع

محمد المكي إبراهيم، 1989، الفكر السوداني، أصوله، وتطوره، الخرطوم.

يوسف مختار الأمين، 2001، تحولات الهوية السودانية. العصور الجديدة 7: 82 – 95.

محجوب الباشا، 1998، التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان. مركز الدراسات الاستراتيجية، الخرطوم.

محمد عمر بشير، 1991، السودان بين التجمعات الإقليمية وتجمع دول حوض النيل. في: علاقات السودان الخارجية (البعد العربي والإفريقي). تحرير حامد عثمان أحمد ومدني محمد أحمد، دار جامعة الخرطوم للنشر، ص ص 84-114.

أحمد محمد علي الحاكم، 1990، هوية السودان الثقافية، منظور تاريخي، دار جامعة الخرطوم للنشر.

يوسف فضل حسن، 1975، دراسات في تاريخ السودان، الجزء الأول، دار جامعة الخرطوم للنشر.

يوسف فضل حسن، 1988، مفهوم الأمة السودانية: منظور تاريخي. في: دراسات في الوحدة الوطنية في السودان، تحرير العجب محمد الطريفي، دار جامعة الخرطوم للنشر، ص 23-64.

منصور خالد 1993، النخبة السودانية وإدمان الفشل (جزءان) سجل العرب. القاهرة.

شارل بونيه 1997، كرمة مملكة النوبة. تراث أفريقي من عهد الفراعنة. ترجمة: أحمد محمد علي الحاكم، دار الخرطوم للطباعة والنشر.

عبد الهادي الصديق، 1998، السودان والأفريقانية. مركز الدراسات الاستراتيجية، الخرطوم.

عبد القادر محمود عبد الله، 1986، اللغة المروية. مطابع جامعة الملك سعود.

عبد الغفار محمد احمد، 1987، السودان والوحدة في التنوع، المكتبة العربية، برلين.

عباس سيد أحمد محمد علي ويوسف مختار الأمين 1992، مشروع البطانة الأثري (شرق السودان): النتائج والدلالات. في: دراسات في الآثار. الكتاب الأول. ص ص 65-99. قسم الآثار، جامعة الملك سعود، الرياض.

حليم اليازجي، 1985، السودان والحركة الأدبية (جزءان). منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت.

 

Adams, Y. M. 1977, Nubia: Corridor to Africa. Allen Lane, London.

Arkell, A. J. 1975, The Prehistory of the Nile Valley. Leiden.

Deng, F. 2000, ‘Race and Culture: Prejudice and Denial in Sudanese Society’. In: Sudan: Development and Culture; 5-12. Sudanese Studies Centre. Cairo.

Elamin, Yousif. M. 1999, ‘Archaeology and Modern Sudanese Cultural Identity’. The African Archaeological Review 16: 1-3.

El-Zein, Intisar. S. 2000, ‘The Archaeology of the Early Islamic Period in the Republic of Sudan’. Sudan and Nubia. No.: 32 – 36.

Haaland, R. 1992, ‘Fish, Pots and Grain’. The African Archaeological Review, 10: 43-64.

Hassan. Fekri. A. 1998, ‘Memorabilia. Archaeological Materiality and National Identity in Egypt’. In: Archaeology Under Fire. Nationalism Politics and Heritage in the Eastern Medit. And Middle East. (ed) Lynn Meskell. Routledge. London. 200-216.

Hassan, Yusuf. F. 1967, The Arabs and the Sudan. Edinburgh.

Mack, John and Robertshaw (eds) 1982, Culture History in the Southern Sudan. Archaeology, Linguistics, Ethnohistory. Memoir No. 8 of the British Institute in Eastern Africa.

MacMichael, H. A. 1967, A History of the Arabs in the Sudan, 2 vol.. London: Frank Cass and Co.

O’connor, D. 1993, Ancient Nubia; Egypt’s Rival in Africa. Philadelphia.

O’Fahey, R. S. and Spaulding J. L. 1974, Kingdoms of the Sudan. London: Methuen and Co. Ltd.

Trigger, B. G. 1975, ‘Alternative archaeologies: nationalist, colonialist, imperialist’. Man 19: 355-70.

Woodward, P. 1990, Sudan: 1898 – 1989 The Unstable State.. London: Lester Crook Academic Publishing.