السلوك الهستيري في طقوس الزار

 

د. آمال النور حامد

 

 

 

ينعكس السلوك الهستيري في طقوس الزار في الخوف من الأرواح، الذى يعتري المريضة التى تصاب بحالة من الهياج والانفعال، يصل بها إلى درجة الغيبوبة. يمكن تفسير اللجوء للسلوك الهستيري ميكانيزماً دفاعياً، وهو ما يرى فيه جيلفورد (جيلفورد،672:1975) نتاجاً لوجود عدة استجابات تنزع إلى تعويض، أو نتاجاً لصراع، ويتم استخدام الميكانيزم الدفاعي لأجل التوافق والتكيف. من المعروف أن الهستيريا تمارس تأثيراً على الحواس والحساسية الحشوية وعلى الجهاز الحركي، وتؤدي أحياناً إلى تفكك في نظام الشخصية ويذهب بعض العلماء إلى تفسير الأرواح تفسيراً علمياً، حيث يرجعونه إلى انشطارات ذهنية جزئية (تعدد شخصيات، وخيالات، وأوهام، وتصورات ذهنية مصاحبة) تسيطر على ذهن المريض المرهق جسدياً بفعل الطقوس، وتؤدي به إلى نوع من الهلوسة. فالمريض المنهك الغارق في الصخب الطقوسي تعتريه أوهام من صنع العقل ذاته، تمثل مخرجاً لمحتويات اللا شعور. تصور الهلوسة حاجات المريض النفسية ودوافعه ورغباته، وتحدث في اللحظات التى يضعف فيها الانتباه. وقد صور "سادلر" الهلوسة والتوهم بأنها مرحلة متصلة بالخيال (وإن كانت مستقلة بذاتها) وتعد وسيلة للعقل البشري! ولا شك أن هناك مجموعة من الناس لديهم ملكة فياضة من التوهم؛ حتى أصبحت شخصياتهم منفصلة عن الواقع، وهذا موجود بالفعل بين مختلي الأعصاب والهستيريين وغيرهم من الذين يمارسون الطقوس الروحية (سادلر، 33:1964).

 

يمكننا تفسير السلوك الصادر في هذه الممارسات بأنه نابع عن دوافع وحاجات نفسية واجتماعية، أو تفسيره وفقاً لمدرسة التحليل النفسي بـ"مبدأ اللذة والألم"، بينما نرى الجشطالتيون يقولون بأن الكائن الحي يميل إلى الاحتفاظ بحالة من التوازن في علاقته بالبيئة المادية والاجتماعية، فإذا اختل التوازن بحالة من التوتر سارع الفرد بنوع من السلوك الظاهر لاستعادة التوازن (مثال السلوك الهستيري واستدرار العطف).

 

ومن النتائج التى توصلت إليها في أطروحة سبق أن تقدمت بها لنيل الماجستير عد الرقص والانفعال في الحركات التعبيرية وسيلتبن دفاعيتين (أو توافق هروبي). ويتم ذلك من خلال عملية التفريغ عبر الحركات والانفعال، اللذين يمكن عدهما بمثابة تطهير لنفسية المريضة. إن الانفعال الناتج عن ممارسة الطقوس يشتمل على جانب معرفي، ذلك أن التغيرات الفسيولوجية لا تتسبب وحدها في الانفعال فإنه يحتاج إلى تقييم معرفي لوضعية المثير. تبدأ المعرفة بالإدراك والتقييم ونتيجة هذا التقييم يحدث الانفعال، ويكون التعبير في أنماط الانفعال عبر استجابات فسيولوجية، تتبع الميل الذى تشعر به المريضة الممارسة للطقوس، ويمثل هذا الجانب الإدراكى والمعرفي والقييمى لدى المريضة الممارسة؛ لاعتقادها في إمكانية استدراج الروح التى تلبستها سعياً لإرضائها وعقد أواصر السلام والوئام معها. ومن ثم فإن هذه الطقوس تمثل بالنسبة للمريضة استراتيجية رئيسة لتأمين ذاتها، ودرءاً للخطر الذى يتهددها وإبعاداً لخوفها الدائم.

 

وتحتوي الممارسات التعبيرية أيضاً على علائم النقلة والطرح بمعاناة المريضة التى تتقبلها الشيخة المعالجة، ونعلم أن هذا المصطلح يعني "العملية التى تتجسد بواسطتها الرغبات اللا واعية من خلال انصبابها على بعض الموضوعات، فمن إطار نمط من العلاقة التى تقوم مع هذه الموضوعات وأبرزها العلاقة التحليلية" (جان لابلانش وبونتاليس،574:1979). وقد دعمت هذه الفرضية اليزابيث موسون بقولها: "أما الطقوس الممارسة في المس الشيطاني، مثلاً الزار، فنلاحظ أن لهذه العلاجات مفعولاً تطهيرياً وكذلك نلاحظ علائم النقلة التى يمكن مشاهدتها تحدث في أشرطة الفيديو" (اليزابيث موسون،80-79:1992). خلاصة القول فإن المريضة قد تستعيد توازنها، وذلك من خلال إسقاطها للتشنجات أثناء رقصها الهستيري الطابع في الأجواء الاحتفالية ذات السياق الرمزي.

 

السياق الرمزي للممارسة الطقوسية

الممارسة الاحتفالية الراقصة بوصفها فناً نجدها مفعمة بالرمزية التعبيرية المتنوعة، بكل ما تحويه من فنون سواء في اختلاف المادة المستخدمة أو أسلوب التعبير والموضوعات التى تعبر عنها تلك الطقوس أو في هدفها. ولعل هذا يرجع للتأثير الأفريقي في معظم الطقوس، عبر عن ذلك ني يارتلى بقوله: "تشكل الفنون التقليدية جزءاً من الحياة اليومية للأفريقي فهو يغني ويرقص ويمسرح أفراحه وأحزانه، ويعبر عن مشاعره الدفينة بمهابة في أزيائه وألوانها وأنماطها المختلفة وبكثير من الرمزية. (وبجانب هذا إشباع الحاجة الاجتماعية للدعم الجماعي)" (Nii-Yartley,1989: 57- 58). أو قول فينا شارما: "تكمن روح المرح في الاحتفال الذى يمثل مظهراً خارجياً للعادات أو العبادات، وهو المصدر الأول لحرية الإنسان ومناعته في المجتمع. وفي الاحتفال والوليمة هما انعكاس لتناغم أساسي وجوهري مع العالم، إنهما جزأن ضروريان وأساسيان لوجود الإنسان... في قلب الاحتفال تكمن المعرفة والقبول والغرابة.. فالمجتمعات التقليدية خصصت مساحة معينة للأداء الطقوسي للتضحية والوليمة" ( (Veena Sharma,1988: 67- 74

 

إن الأداء الطقوسي مفعم بالرمزية، ذلك من حيث الزمان والمكان، والملابس والحلي، والإيقاع، والبخور، والحركة، والضحية وشخوص خيوط الزار. ووفقاً لما جاء في الموسوعة الفلسفية العربية أنه "يمكن للسلوك التعبيري أن يكون رمزياً، وهذا ما نجده عند البدائيين، وإلا كيف نفهم مضمون صلواتهم وخرافاتهم وتصرفاتهم وممارساتهم الدينية والاجتماعية إذا لم نر فيها التعبير الرمزي. الرمز هو مشاركة لما هو مقدس وأداة وصل بما يحمل من أبعاد دينية واثنولوجية وله ارتباط بالثقافة البدائية من خلال الارتباط بين الخرافة والأسطورة، وله وظيفة محددة لفهم العوالم ويوصف، بأنه أداة يمارس بها السحر الذى هدفه قهر القوة الكونية" (الموسوعة الفلسفية العربية،م. 1، 1980: 460-461 ). ولا يختلف تعريف الموسوعة البريطانية الجديدة عن التعريف السابق، إذ نجد أنها تؤكد على أن نقل المفاهيم يتم عبر التصورات المرئية السمعية والحركية، ويتم استخدامها من قبل جميع الأديان، كما أنها تتميز بجدلية في إخفاء المعرفة وإظهارها ... وأن التعبيرات الدينية والارتباطات التفسيرية في مختلف أشكال العلامات والإيماءات والأصوات تقوم بدور مهم في عملية الإدراك الانعكاسي الرمزي. أما عن منبع العملية الترميزية فتحددها الموسوعة بأنها توجد في عالم الوعي واللا وعى للتجربة والفكر، وفي الادراكين الحسي والحدسي وفي الخيال. فالإحساس والعمليات الفسيولوجية تشارك في تشكيل البنية الرمزية (New Encyclopedia Britanica,1973-74:900-905).

 

وفي اعتقادي أن الرمزية في الممارسة الطقوسية لا تبتعد كثيراً عن التعرفين المذكورين أعلاه. فإن أشكال العلامات والإيماءات والأصوات والألوان والمواد المستخدمة قد يكون لها دور فاعل في عملية الإدراك الانعكاسي الرمزي في طقوس الزار، وتعد وسيلة غير ناطقة للتعبير كما أن لها علاقة بعالم المقدس وبالفنون، كما لها وظيفة سيكولوجية.

 

أما عن الرمز نوعاً من النشاط الإنساني فإنه يمثل اتجاهاً يجد تجلياً له في فلسفة ارنست كاسيرير وتلميذته سوزان لانجر، حيث يركز الأول تعريفه للإنسان بوصفه حيواناً خالقاً للرموز عاداً النطق اصطلاحاً ناقصاً لا نستطيع من خلاله تفهم أشكال تعقد الحضارة الإنسانية قائلاً بأنه: "علينا تعريف الإنسان حيواناً رمزياً، ولا نستطيع عن طريق العقل إدراك العالم الأسطوري ... فبين الجهاز المستقبل وجهاز التأثير نجد عند الإنسان حلقة ثالثة نسميها الانعكاس الرمزي" (كاسيرير، مقال في الإنسان: أنظر الموسوعة الفلسفية العربية،627-626:1988) من ثم يجوز القول بأنه وفقاً لـ كاسيرير يعيش الإنسان في البعد الرمزي متجاوزاً عالمه المادي، وما الممارسة الطقوسية سوى جزء من عالم ذلك البعد الرمزي. والإنسان يغرق نفسه في خيوط متشابكة من الرمزية يتجاوزها الرمز، رغم بنيته المادية الحسية، مشيراً إلى معانٍ أخرى. في هذا الخصوص تشير سوزان لانجر إلى أن عالم المعنى أكثر اتساعاً من عالم اللغة، أي، أنه توجد مجالات لا يمكن قياسها على أساس المنطق اللغوي مثل: الفنون والأساطير والأحلام، عادة إياها رموزاً حافلة بشتى المعاني. فالرمز، على حد تعبيرها، له معنى خاص يستمد من تأمل الرمز والانفعال به. هكذا تخلص للقول "بأن معرفة الذات والقدرة على استبصار شتى مراحل الحياة ومظاهر العقل إنما ينطلقان من الخيال الفني" (Langer 1963: 10).

 

ويعترف عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا ليفي شتراوس بأن العلاقات الثقافية الإنسانية تقوم على أنظمة رمزية حيث يشير إلى أنه يعد أية ثقافة هي "مجموعة أنظمة رمزية، يحتل فيها الصدارة كل من اللغة وقواعد القرابة والعلاقات الاقتصادية والفن والعلم والدين" (الموسوعة العربية الفلسفية، المرجع السابق، الصفحة نفسها).

 

أنماط الرمزية التعبيرية

يمكن التفرقة بين ثلاثة أشكال تمثل أنماطاً رمزية حددتها الموسوعة البريطانية: رموز مرئية، والفعل الرمزي الممسرح في العبادة، والرموز اللغوية. تتمثل الرموز المرئية لدى العديد من الجماعات في الألوان التى تحمل معاني مختلفة، حيث يعبر اللون الأبيض، مثلاً، عن الفرح أو الحزن أو الموت وهى أحاسيس متناقضة. وللأحمر أيضاً معان رمزية متعددة فهو يرمز للطقوس والقساوسة وللحياة والموت. وترتبط الألوان في الديانة المسيحية بالمقدس، في حين أنها ارتبطت في ديانة المايا بالاتجاهات الجغرافية، حيث رمزوا للشرق باللون الأحمر وللغرب بالأسود وللشمال بالأبيض والجنوب بالأصفر New Encyclopedia Britanica,1973. أما لدى قدماء المصريين فقد ارتبطت الألوان بالسلالات البشرية، حيث صوروا أنفسهم باللون الأحمر، وصوروا الشعوب التى تعيش إلى الشرق منهم باللون الأصفر، وصوروا أهل المناطق الواقعة إلى الشمال منهم باللون الأبيض، وأبقوا على اللون الأسود لتصوير الشعوب المجاورة لهم من الجنوب (Gossett Thomas,F.,1964: 4).     

 

يتميز الزار عموماً بكثرة أنماط الرمزية التعبيرية، المعبر عنها في الألوان والحركة والأزياء والحلي والأغاني والإيقاع والأضحية وأنواع الطعام. يحتل اللون في طقوس الزار مساحة واسعة: حيث نجد أن اللون الأحمر هو لون رداء روح "لولية الحبشية" ولون دم الأضحية حتى أن الزار نفسه تطلق عليه تسمية "الريح الأحمر" وينعكس في الطبول المزخرفة بالحناء. واللون الأزرق الغامق هو لون ملابس الأسياد "الزرق"، واللون الأزرق هو لون رداء "الدراويش" الخ. فاللون هنا كأنما يجسد لغة اجتماعية يفهمها الممارسون للطقوس، لغة تتشابك وتتفاعل في بنيتهم النفسية ولها رمزيتها. وقد يكون من المحتمل أن هذا الارتباط المحدد بين لون الأزياء والأسياد يجد تفسيراً في ارتباط الأزياء لدى الشامان، حيث ترتبط بمنظور العلاقة مع المقدس. فلكل خيط في الزار رداء يناسبه، ومن ثم ترتدي الممارسة أشكالاً مختلفة من الأزياء والألوان طبقاً للخيط. وحركياً يتجلى الفعل الرمزي في الممارسة الحركية التعبيرية الراقصة؛ الذى يمثل نشاطاً وانفعالاً جماعياً لا شعورياً وله لغته الرمزية. يقول صفوت كمال (1979) في ذلك أن أشكال الممارسات الطقوسية هي التى تعطينا التصور والتجسيد المادي والقدرة الشاعرة للإنسان البدائي؛ في إدراك وجوده وإبداعاته في تخيل أشكال القوى التى تحيط به. ففي المجتمعات التقليدية لا يميز الإنسان بين شخصه وجسده فبين الإنسان والعالم والآخرين يسود النسيج نفسه بألوان مختلفة، لا تغير في شيء من اللحمة المشتركة. وقد عبر عن ذلك ديفيد روبرتون قائلاً: "الجسد بناء رمزي وليس حقيقة في ذاتها من هنا منشأ عدد لا يحصى من التصورات التي تسعى إعطائه معنى وسبباً لها طابعها الغريب والمتناقض من مجتمع لآخر" (ديفيد روبرتون، 1997: 5). وقد أشارت الموسوعة البريطانية إلى أن الإشارات والحركات تقوم بدور مهم في الطقوس الدينية والسلوك الديني وتشتق معناها من منظور علاقتها بالمقدس، فالرقص المقدس يؤدى في خطوط مستقيمة أو دوائر، وقد يحتوي على الحجل والقفز وحركات الأيدي (فالرقص بالأيدي والأصابع على سيبل المثال له معنى رمزي محدد في الهند وبعض الدول الآسيوية الأخرى، وله تنظيم صارم). ويشيع استخدام الأيادي في كثير من الشعائر والممارسات الطقوسية، فلمس المقدس والتحلي به وفقاً لقانون صارم ينفذ بدقة، والإشارات المصاحبة في الصلوات والتضرعات نجد نماذج لها في الديانة الهندوسية، وممارسة اليوغا البوذية فالخبط والضرب والضغط والتلويح يمكن عدها إشارات رمزية، فالمصلي حين يرفع يديه باتجاه عالم المقدس ويسجد فإنه يتصل بالعالم السفلي وهذا هو أول معنى للسجود، والانحناء يمثل الاحترام، والجلوس يمثل الاستقبال والقبول للمقدس، هذه الأوضاع جميعها توجد في التأمل البوذي. هنا يمكننا القول أن الحركات التى تحتوي عليها الممارسة الطقوسية هى بقايا ممارسات قديمة في ديانات وشعائر. ففي خيوط الزار نلاحظ كثيراً من هذه الحركات، فالدوران والتحرك في خطوط، والتمايل مع العنف في الحركة، وحرارة الإيقاع، كلها لها دلالتها الرمزية لاسترضاء الأسياد في مختلف الخيوط. فالممارسة الطقوسية يمكن تشبيهها بالأحلام من حيث أن كليهما يمثل لحظات التحرر الإنساني، التى تختفي فيها قوانين الزمان والمكان ويعبر الإنسان عن نفسه بشكل تلقائي. إنها ربما تمثل نوعاً من اللغة الرمزية التى تعبر عن التجربة الإنسانية بشكل عام، إنها هروب يوتوبي من واقع تقبع فيه سلطة تحول دون تحقيق الرغبات، وتحول الدوافع إلى أهداف رمزية، أو ربما، هي تفريغ للطاقة. إنه توافق انهزامي أو، ربما هو رقص كما عرفه لويس الفيلد وآخرون (Lois Ellfeldt and Eleanor Mctheny,1958: 246) على أنه نوع من الفنون غير اللفظية التى تعمد إلى ترميز المفاهيم في حركات. فالرقص في الممارسة الحركية هو تعبير حركي هادف يمثل، على حد تعبير ايكمان عدة ظواهر إذ هو سلوك غير لغوي ووسيلة اتصال غير لغوية باستخدام لغة الجسد ( Paul Ekman,1977) . وقد اعتمدت جودث حنا فكرة ايكمان باعتبار الرقص تعبيراً حركياً كوسيلة اتصال، بالتالي فإنه يمثل ميكانيزماً يبيح حدوداً مشتركة بين الفرد والجماعة، ومن ثم فهو لغة طبيعية إدراكية ذات معان داخلية وخارجية، إنه تنظيم للحركات الفيزيقية إلى جانب القواعد المترابطة التى تواجه الأداء في مواقع اجتماعية مختلفة. ويشير عبد الحميد يونس إلى أن الرقص يعد سلوكاً اجتماعياً أو لغة جسدية ورمزاً للشعور ووسيلة أكثر فاعلية مقارنة باللغة في الكشف عن الحاجات أو الرغبات. فالحركات الراقصة تصبح رموزاً نمطية مقننة، كما أن بعض أعضاء المجتمع الواحد قد يفهمون أن هذه الرموز مقصود بها تمثيل للخبرات في العالم الخارجي. ويضيف أن الحركة والإيقاع اللذين يستهدفان غايات دينية أو سحرية ونفعية هما أسبق تاريخياً من اللغة، وأنه يمكن من خلال الدراما التى تتوسل بالإيماء والإشارة والحركة والإيقاع والكلمة إلى جانب تشكيل المادة - تتبع أشكال متنوعة للفنون التى تحتوي في داخلها على وسائل للتعبير متعددة، فالدراما هي من أعرق الفنون وأكثرها ارتباطاً بنفسية الجماعات (عبدالحميد يونس،1972). التعبير الدرامي المصحوب بالانفعالات هو جوهر الممارسة الطقوسية في الزار، وهذه الاستجابة الانفعالية الغامرة المدعومة بالاعتقاد وصفها مالينوفسكي بأنها تمثل استجابات الإنسان الطبيعية في مثل هذا الموقف وتقوم على آلية نفسية فسيولوجية عادة لأنها تُحدث ما يمكن تسميته، في اعتقاده، بالتعبيرات الانفعالية الممتدة في الفعل والكلمة (مالينوفسكي، 1995).

 

وهناك جانب آخر في الممارسة الطقوسية يتمثل في الرمزية اللغوية التى تحتوى على الإيقاع والصوت والكلمة، والتي يمكن أن يكون لها معنى في البنية الأساسية للعملية الترميزية، فهناك إيقاعات محددة وأغنيات معينة لكل خيط من خيوط الزار تتناغم مع الرقص الطقوسي. وقد لاحظت من خلال دراسة ميدانية أجريتها بمحافظة الخرطوم أن حوالي 78% من عينة البحث يزداد حماسهن لممارسة الرقص الطقوسي بمجرد سماعهن للإيقاع، مما يقود للاستنتاج بأن تلك الإيقاعات والأغاني تحمل دلالة رمزية ترتبط في ذهنية الممارسات بالرقص والتفاعل النفسي ليس في طقوس الزار فحسب وإنما في حفلات الأعراس أيضاً. كما لاحظت وجود علاقة جوهرية بين اللحن وتركيبه وبين الأغنية ودورها الرئيس في مناجاة أرواح الأسياد من خلال الخيوط المختلفة المتلاحقة تباعاً، على سبيل المثال "خيط الدراويش" الذى يغلب عليه الطابع الديني وذكر الأولياء والصالحين في عبارات قصيرة متكررة أقرب إلى الذكر الصوفي:

"الله الله ياشيخ محمد

وحد الله ياشيخ محمد"

أو مثل

"يالله يابيومي داوي العيان

يابيومى ليلك برهان"

 

وتتشابه بعض خيوط البنات مع خيط الدراويش من حيث التكرار:

"ياعيشة المغربية

وحاة أبوكي حنيّ عليَّ

ياعيشة المغربية

وحاة أبوكى زيلى العليَّ"

 

ولاحظت أن تلك الخيوط تحمل قدراً من الطرب والمتعة، وتمنح الممارسات فرصة التماهي واستعراض مفاتنهن، بينما نجد أن إيقاع خيط "لولي الحبشية" يتسم بسرعة الإيقاعات التى تتيح للممارسة إطلاق العنان لحركات جسمها بصورة فيها شيء من الخلاعة واستعراض مفاتن الجسم؛ بينما نجد في خيوط الزرق التى تتميز بعنف الإيقاعات التعبيرية المعتمدة أساساً على الطبول، وتعبر عن المعاناة أكثر من كونها تعبيراً عن النشوة والابتهاج، دافعة بالممارسة إلى إفراغ انفعالاتها بقدر فيه شيء من العنف والوحشية والعدوانية. إن فهم موسيقى الزار وإيقاعاته وأغانيه يكون ممكناً من خلال العلاقة الوثيقة بين الثقافة والحالة النفسية المضطربة، التى يرى التيجاني الماحي وجود ارتباط لها بالتجارب الأولى لتكوين الشخصية، وهى المراحل الهامة لتكوين الأجزاء الوظيفية للشخصية، حيث فيها أثر للأنماط التقليدية وغيرها أساساً من أسس الدفاع الرئيسة للشخصية (التيجاني الماحي،1949). وقد أسهم فيلا سواندى ( Fela Swande,1970) في دراسة دور الموسيقى في المجتمعات التقليدية مشيراً إلى ارتباطها بطقوس وعادات اجتماعية، وتنتظم المادة الخام للأصوات فيها في شكل بنية لها معنى ومقبولة عموماً في مجتمعها، وترتبط تلك الأنماط بنظرة المجتمع المعني بالعالم وبتجاربه. فالموسيقى التقليدية، في اعتقاده، يمكن تحليلها سيكولوجياً فقط عبر دلالاتها الرمزية.

 

ويمكن أن يكون للأصوات تأثير روحي ووجداني ومن ثم استخدامها وسيلة للاتصال بعالم المقدس. فنغمة محددة يمكنها مخاطبة وعي المقدس، ويتم ذلك عبر الطبول والإيقاعات الأخرى. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن أدوات الإيقاع يمكن أن يكون لها معنى رمزي من خلال أشكالها وخاماتها، ودللت على ذلك بذكرها مثالاً من جماعة "اويتوتو" في كولومبيا الذين يعتقدون بأن أرواح أسلافهم موجودة في الطبول. فالعلاقة بين الأفكار الدينية أو الاعتقادية والموسيقى لها أهمية خاصة، حين تتخلل كلمات الإيقاع الموسيقي؛ وذلك بتدعيمها للمقدس. وقد شاع استخدام ذلك في المسيحية في القرون الوسطى والحديثة، وكذلك لدى أصحاب الطرق الصوفية من المسلمين. فالكلمة تقوى وتكتسب قيمة ومعنى حينما يصحبها إيقاع وهو ما سبق أن أكد عليه كل من اتلسون وكانتريل في استعراضهما مؤخراً للدراسات المتعلقة بطبيعة الإدراك الحسي، وأشارا إلى أن المدركات الحسية يمكن أن تتحول إلى رموز (Ittleson,W.H. & Hadley Cantril,1954).

 

والكلمة المنظومة أو الصيغ السحرية نجد لها وجوداً في طقوس الزار، ولها فاعليتها ورمزيتها. وكان مالينوفسكي قد ذكر أن الكلمة المنظومة هي دائماً قلب الممارسة الطقوسية وحددها بثلاث عناصر ترتبط بالفاعلية السحرية وهى : 1- المؤثرات الصوتية، 2- استخدام الكلمات التى تناشد أو تصف أو تأمر بالهدف المرغوب، 3- هناك عنصر في كل تعويذة (ويقصد بها الإشارات الميثولوجية) (مالينوفسكي، مرجع سابق). الكلمة المنظومة مثل (دستور يا سيادي، والعفو والرضا) هي مناداة للأسياد ممزوجة بالإيقاع، وما تحويه من إشارات ميثولوجية لمناداة تلك الأرواح حتى تنال عفوها ورضاها. والفكرة في هذه المناداة ربما تعبر عن الكلمة الملزمة أو الرابطة بين البشر والقوى الخفية، وتعبر عن الهيمنة التى تدفع بالممارسة لأداء رقصاتها لخوفها من المستور, ميثاق يتضمن قواعد سلوكية معينة لإرضاء الأسياد. وكان أحمد رشدي صالح قد قام بتفسيرها وفقاً للمفهوم الشعبي عبر ثلاثة تناولات: أولاً، مجتمع الأولياء أو الجان كما تصورها المأثورات الشعبية وتداخل العلاقة بينهم وبين المجتمع البشري؛ ثانياً، مسألة اجتياز الهوة بين هذين المجتمعين؛ ثالثاً، تسخير تلك القوة الخفية بواسطة الكلمة الأدبية (أحمد رشدي، 1971)

 

هكذا نجد أن المعتقد الشعبي يرسم شخوص هذا المجتمع الخفي، شخوص لهم صفات البشر عامة ولهم النوازع البشرية من تسامح وغضب يحبون ويكرهون، كائنات خلقها تصورهم، لذا فإنهم يتوسلون إليها بالكلمة والايقاع والرقص تعبيراً عن فكرة الميثاق بين البشر والقوة الخفية والخوف من  المستور .. إنها وفقاً لجوليان روتر .. "دوافع لا شعورية لها قدرة على الهروب من خلال الرمزية في الأحلام وفي الأعراض المرضية، وفي الخيالات وفي أساليب أخرى" (جوليان روتر،104:1989)؛ أو وفقاً لتعبير يونج البدائي يخاف من الانفعالات التى تخرج عن نطاق سيطرته؛ لأنها تحطم الوعي، وبالتالي، يتعرض لحالات الامتلاك، وكل نضال الإنسان ليس سوى محاولة لتماسك وعيه، وهذا هو غرض الطقس أو العقيدة اللذان يمثلان سدوداً وجدراناً للحماية من مخاطر اللا وعي" (Jung et al.1978: 22).

 

وتوجد انطباعات حسية تمارس تأثيراً على وجدان الممارسة، ويفعم بالرمزية مثل بخور الزار، فالبخور يترك انطباعاً ذهنياً وله ارتباطه الشرطي مما يحفزها على الممارسة والتجاوب الوجداني، مستندة على اعتقادها في استرضاء الأسياد بهذه الروائح، فاستخدام الروائح النفاذة قد شاع منذ القدم لمواجهة التأثيرات الشيطانية السحرية. ويقول كراب في هذا الصدد إن استخدام الروائح النفاذة القوية هي ذرائع وقائية جيدة. وقد يكون هذا الأمر في اعتقاده هو ما قد يفسر لنا الدور الذى ينهض به نبات التوم في معارك جنوبي أوروبا. و"يعد البخور في مصر القديمة عتبات توصل للآلهة" (الموسوعة الفلسفية العربية،م.,460-462:1980،1) ولازلنا نجد استخدام البخور في الطقوس الدينية، وفي السودان على وجه الخصوص نجد أنواعاً مختلفة للبخور منها بخور الزار، وبخور العين، وبخور العروس، وبخور الطلح...الخ.

 

وقد لاحظت في دراستي الميدانية أن 84% من عينة البحث أكدنَّ بأنهن يشعرن بالراحة النفسية باستنشاق رائحة البخور، ويلجأ 74% منهن لاستخدامه كلما شعرن بالضيق أو المرض. وتتفق هذه النتائج مع ما أشار إليه أحمد عكاشة من أن الشم من الحواس التى تمكن الإنسان أن يستبدل الأشياء بما يشير إليها من إمارات وعلامات، وضمن ثنايا هذه الحاسة تنبثق تباشير السلوك التكيفي، سلوك الاستعداد، والتوقع، والرؤيا. ومن اتجاهات الرقي السيكولوجي الانتقال من استخدام الأشياء لاستخدام رموزها (أحمد عكاشة، 1980: 78). ويمكن القول بأن للبخور انطباع حسي ودلالة رمزية؛ فالشيخة تبدأ معالجتها بتشخيص نوعية الأسياد عن طريق حرق أنواع عدة من البخور، وهو ما يرمز إلى قوة الشيخة في استدعائها لأرواح الأسياد، و يمثل وسيلة اتصال. فبإحراقها للبخور تستنفر ظهور روح "السيد" كما يبدأ طقس الزار بإحراق البخور وبه ينتهي في آخر الطقوس المعروف بقفل العلب. وجه آخر للرمزية نشاهده في طقوس الزار، ألا وهو الضحية ومائدة الزار، أو ما يسمى بلغة الزار "الميز" وما تحويه من أطعمة لها رمزيتها ومأكولات وافدة على المائدة السودانية التقليدية مثل الديك الرومي، والزيتون، والجبن الرومي، وبعض المشروبات الكحولية. فسر البعض بأن الضحية تتوحد بالآلهة ومن ثم الاعتقاد في قدسية لحمها. ويرى آخرون فيها هدية أو رشوة للآلهة أو الأرواح، بينما يرى بعض آخر أنها بديل أو فداء لمن يقدم الضحية. ويذهب البعض في تفسيرها على أنها تمثيل رمزي للاثم. كل هذه التفسيرات المتعددة قد تصدق جزئياً أو كلياً ولكنها قد لا تصل إلى لب المشكلة (Encyclopedia Americana,1966,vol.26, “ritual”: 528). في هذا السياق يقول مالينوفسكي بأن جذور طقوس قرابين التضحية يمكن اكتشافها في سيكولوجية الهدية التى تعد مشاركة في الوفرة والخير، وهى تعبير آخر عن النزعة العقلية نفسها، أي، الاحتفاظ بالفعل لحفظ الحياة وتجديدها (مالينوفسكي، مرجع سابق:45).

 

وقد ترتكز القوة المعنوية لمثل تلك الاحتفالات إلى تصورات سحيقة في القدم، بصدد دلالة الأكل والشرب والوسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية؛ ففي الممارسة الطقوسية تقتل العشيرة حيوانها الطوطمي وتأكله ويحاكونه، فإذا ما تم العمل يعقبه الاحتفال الصاخب. يقول فرويد إن هذا الحداد لا يلبث أن يعقبه احتفال صاخب مرح، ترفع فيه كل قواعد التحظيرات الطوطمية، أي، تطلق الحرية لكافة الرغبات المكبوتة من أجل إشباعها، فالعيد هو انتهاك احتفالي لأمر من النواهي، والميل للابتهاج إنما ينشأ عن إباحة ما هو محظور في الأيام العادية (فيصل عباس، 26:1991).

 

نجمل القول بأن الممارسة الطقوسية يتم تأديتها في أجواء مفعمة بالرمزية، سواء في الملبس أو الأداء الحركي والألوان والكلمة والإيقاع، ولهذا السياق الرمزي للممارسة أهميته في تفهم أغوار الرمزية الطقوسية رغم صعوبة إخضاع ذلك للدراسة التجريبية، ذلك أن هذه الأغوار قد تمدنا بوقائع تساعد في تفهم جذور الكثير من الأمراض النفسية، فلقد ذكرت الموسوعة الأمريكية بأن المعرفة الطبية مطالبة بأن تمد يد العون لإظهار الجوهر الحقيقي لبعض أنواع العصاب والهستريا رغم صعوبة ذلك ولعل هذا ما حدا بـ يونج للإشارة إلى أن دراسة الفرد واللا وعي هو عمل شاق وضخم، لم يتم التحكم والسيطرة عليه. ولكنه يشير إلى أن هناك بدايات وأن النتائج الأولية مشجعة، ويبدو أنها ستكون مؤشراً لإجابات على العديد من الأسئلة التى تواجه الجنس البشري (Jung, 90:1978 ).

 

المراجع

 

جيلفورد ج.ب،1975 ، مبادئ علم النفس، ترجمة مجموعة بإشراف يوسف مراد، دار المعارف، القاهرة.

سادلر،1964 ، العقل الباطن وعلاقته بالأمراض النفسية، ترجمة حافظ عباس، شركة فن، القاهرة.

جان لابلانش وج.ب. بونتاليس،1997 ، معجم مصطلحات التحليل النفسي، ط 3، ترجمة مصطفي حجازي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت.

اليزابيث موسون،1992 ، "تاريخ الطب النفسي عبر الحضاري"، مجلة الثقافة النفسية، مجلد 3، عدد 10، بيروت.

الموسوعة الفلسفية العربية،1986 : م.1 "الاصطلاحات والمفاهيم"، تحرير معن زياد، المجلد الثاني، معهد الإنماء العربي، بيروت.

صفوت كمال،1979 ، "الرمز والأسطورة والشعائر في المجتمعات البدائية"، عالم الفكر، المجلد 9 العدد 4 يناير/فبراير/مارس، الكويت، ص. 181-185.

ديفيد روبرتون،1997 ، الجسد والحداثة، ترجمة محمد صلصيلة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت.

عبد الحميد يونس،1972 ، "الفولكلور والميثولوجيا"، مجلة عالم الفكر، مجلد ثالث، العدد الأول أبريل/ مايو/ يونيو، الكويت.

مالينوفسكى برونوسلاف،1995 ، السحر والعلم والدين، ترجمة فيليب عطية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة.

التيجانى الماحى،1949 ، "الرائد لا يكذب أهله: الزار في السودان" مجلة السودان الجديد عدد يونيو، الخرطوم.

أحمد رشدي،1971 ، الأدب الشعبي، مكتبة النهضة العربية، القاهرة.

جوليان روتر،1989 ، علم النفس الإكلينيكي، ترجمة عطية هنّا، مراجعة محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، القاهرة.

احمد عكاشة،1980 ، علم النفس الفسيولوجي، ط 5، دار المعارف، القاهرة.

فيصل عباس،1991 ، التحليل النفسي وقضايا الإنسان والحضارة، دار الفكر اللبناني، بيروت.

 

 

Nii-Yartley F. 1989, ‘Creation and Presentation of Traditional African Dances: A Reviw of basic Ghanian attitudes’, Africa Quarterly, vol. 29, No. 1-2, New Delhi.

Veena Sharma 1988, ‘Leisure in a traditional West African Society as seen through a work of fiction’, African Quarterly, vol. XXVIII, No. 1-2, New Delhi.

Langer S.K. 1963, Feeling and Form, London: Routledge.

Gossett Thomas F. 1964, Race: the History of an an Idea in America. Dalas: Southern Methodist University Press.

Lois Ellfeldt and Eleanor Mctheny, 1958, ‘Movement and Learning: Development of a general theory’, Research Quarterly 29 October.

Paul Ekman 1977, ‘Biological and Cultural Contribution to Facial Movement’, in: Blacking (ed.), The Anthropology of the Body, New York: Academic Press.

Fela Swande 1970, ‘The Role of Music in Traditional African Society’, Paper Presented to Scientific Meeting in Cameroon.

Ittleson W.H. and Hadley Cantril 1954, Perception: a transactional approach, New York: Doubleday & Company (Doubleday Papers in Psychology D.pp 7).

Jung C.G., M-L von Franz, L. Joseph Henderson, Jolande Jacobi and Aniela Jaffé (eds.) 1978, Man and his Symbols, 17th Ed., U.S.A.: Dell Publishing Co. Inc.