تقرير مفوضية ترسيم حدود أبيى 

الجزء (2)

المواقف والادعاءات

  ترجمة : الأستاذ محمد جعفر و أ.د. سليمان محمد الدبيلو

مراجعة وتدقيق أ.د. أسامة عبدالرحمن النور

لقد كتب السيد ك.د.د هندرسون في كتابه مذكرات في تاريخ بقاريي غرب كردفان سنة 1935م "لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أن موقع دينكا نوك بوصفها منطقة صديقة بين الحمر وبحر الغزال قد برهنت بأنها ذات قيمة في الحفاظ على الأحاسيس الطيبة ومنع الاحتكاك. وعلى الرغم من صعوبة تحديد حدودها يكون من الخطاء السياسي ضمهم إلى إقليم آخر (بحر الغزال) على أساس قبلي. فمثل هذا المقترح (الضم إلى بحر الغزال) يجب أن ينظر نزولاً عند رغبة دينكا نوك (وهذا غير وارد الآن) أو في حالة تغول الحمر عليهم".

يمكن تلخيص مواقف وادعاءات كل من حكومة السودان، وقبيلة المسيرية، والحركة الشعبية، ودينكا نوك فيما يلي:

1.    إفادات دينكا نوك أن : حدود منطقة دينكا نوك تمتد أصلاً حتى الاضية وعليه فإن الحدود بين المسيرية ودينكا نوك يجب أن تمتد من بحيرة كيلك وحتى المجلد.

2.    إفادات المسيرية أن : حدود المسيرية تمتد أصلاً جنوب بحر العرب حتى الحدود الحالية بين كردفان وبحر الغزال.

3.    إفادات المسيرية وموقف الحكومة أن : دينكا نوك حديثي القدوم لهذه الحدود حيث انه بعد تركهم منطقة بحر الزراف في أعالي النيل في القرن التاسع عشر تم جلبهم لاجئين بناءً على طلبهم ذلك من زعماء الحمر.

4. إفادات المسيرية وموقف الحكومة أن : إضافة منطقة ابيي إلى دار المسيرية هي تأكيد على أن حدود منطقة دينكا نوك هي جزء من حدود دار المسيرية.

5. إفادات المسيرية وموقف الحكومة أن : لقد كان دينكا نوك  يدارون بوصفهم جزءاً من المسيريه ويتمثل ذلك في دفع الضرائب ونظام المحاكم.

6. إفادات المسيرية أن : يدعي المسيرية بأن مناطق محدده شمال مدينة ابيي مثل (فولة النقار، وباول، ودمبلويا داك، وجور، وتردة أم بلايل، والشقي، ولكوجي، ولاو، وناما) تتبع لهم منذ عهد التركية وخلال 1905 وحتى الآن.

7. موقف الحكومة أن: المنطقة الوحيدة التي تأثرت بالضم إلى كردفان حسب قرار الحكم الثنائي سنة 1905 والخاص بإدارة دينكا نوك كجزء من كردفان هي المنطقة الواقعة جنوب بحر العرب وان دينكا نوك لم يسكنوا شمال بحر العرب إلى بعد سنة 1905.

8. إفادات دينكا نوك وموقف الحركة الشعبية والجيش الشعبي أن : هناك استمرارية في الحدود التي عاشت فيها واستخدمتها مشيخات دينكا نوك التسعة ولم تتغير في الفترة بين سنة 1905م حتى 1965م عندما اندلع القتال المسلح بينهم والمسيرية.

9. موقف الحركة الشعبية والجيش الشعبي أن : تعرف منطقة ابيي بالمنطقة الواقعة بين خط عرض َ35  ْ10  شمالاً وخط طول  َ32 ْ29 شرقاً والحدود الإدارية عند الاستقلال سنة 1956م لكل من أعالي النيل وبحر الغزال ودارفور.

يمكن اختبار هذه المواقف بمقارنة الإفادات الشفوية التي تم جمعها مع السجلات المعاصرة التي تحصلت عليها المفوضية كما يلي:

الادعاء (1) : أن حدود دينكا نوك تمتد حتى الأضية وان الحدود بين المسيرية ودينكا نوك يجب أن تمتد من بحيرة كيلك حتى المجلد.

لا يوجد إلا القليل من السجلات المعاصرة التي تشير للمنطقة بين الاضية وبحر العرب قبل القرن العشرين. من هذه المصادر القليلة جداً يوميات براون والتي سجلها حين كان في دارفور في عامي 1794 و1795 والتي وصف فيها المسيرية في براكا والدينكا على مسيرة خمسة أيام باتجاه الجنوب الشرقي. وقد أكد هذه المذكرات ك.دى.دى هندرسون مفتش منطقة النهود سنة 1930 إذ أفاد فيها بأن المسيرية يتواجدون في منطقة المجلد والبركه ودينكا نوك في دبة المشبك بالقرب من الرقبة الزرقاء حتى لو أثبتت الأبحاث الآثارية أن تواجد دينكا نوك امتد حتى منطقة الاضية إلا أن مذكرات براون وتأكيدات هندرسون قد أوضحت أن هذا ليس هو الحال في القرن الثامن عشر. وعليه فإن هذا الادعاء والذي لم يجمع عليه دينكا نوك يعتبر لا علاقة له بالموضوع الحالي.

جميع التقارير الإدارية في القرن العشرين تؤكد أن المجلد هي رئاسة الحمر وأن بحيرة كيلك يستخدمها الحمر الفلايتة كمنطقة رعي صيفيه (وفي بعض الأحيان يستقرون فيها طوال العام) وهذا على أقل تقدير منذ بداية هذا القرن. كتب ب. ب. هاول مفتش منطقة النهود في سنة 1948 "يعتبر المجلد عند الحمر منطقة مركزيه تنطلق منها جميع التحركات وهي نقطة تجمع للقبيلة خلال فصل الخريف". وكذلك إيان كنيسون والمتخصص في الأنثروبولوجيا والذي عاش بين الحمر في أوائل سنة 1950 كتب في سنة 1954 "تعتبر المجلد بالنسبة للحمر كالوطن وحضورهم لها من البحر يعتبر عندهم مناسبة فرح وتطلع".

من هنا فإن الادعاء بأن الحدود لدينكا نوك تمتد حتى كيلك بل حتى المجلد لا يمكن إقرارها.

الادعاء (2) : تمتد حدود المسيريه في البدايه جنوب بحر العرب حتى حدود جنوب كردفان مع بحر الغزال: 

لقد تم اختبار الادعاء الذي أثاره عدد من الشهود من المسيريه مؤكدين، أن حدود المسيريه تمتد جنوب بحر العرب وإنها أصلاً مع دينكا ريك وتوج، وقد تمت مقارنته هذا الادعاء  بإفادات أخرى.

لم تؤكد هذا الادعاء مذكرات هندرسون عام 1930 ولا مذكرات كنيسون في 1950 على الرغم من أن أحد مخبري كنيسون أفاد بأن الحمر بدأوا في الذهاب إلى قولى في الرقبه الزرقاء وأم بيورو في أواخر التركية فإن هذا لا يجعلهم جنوب بحر العرب.أما الادعاء بان لهم مع دينكا ريك وتوج فقد تم رفضه من قبل أقوك عند استفسارهم.

وهناك إفادات محدده في عام 1902 و1904 و1905 من مراقبين محليين تفيد من الجزء من بحر العرب الذي يسكنه دينكا نوك كان يعرف إما باسمه بلغة الدينكا "كير" أو بحر الجانقى (ويلكنسن 1902؛ بولنويس 1904؛ بيلدون 1905) حتى الحمر نفسهم فقد أشاروا له ببحر الدينكا (كنيسون 1954).

كان بروفسور كنيسون في محاولته لتحديد مناطق نزوح الحمر ودينكا نوك واستقرارهم وبالتالي تحديد حدودهم مهتماً بالاختلافات الايكولوجية لكل من الطرفين، فأشار إلى أن نزوح المسيرية إلى السودان قد تبع حزام السافانا (في مناخ طبيعي وبشكل عام متشابه) لا شبه صحراوي (في الشمال) ولا مستنقعات موسميه (في الجنوب). أما دينكا نوك فقد عاشوا على ضفاف الأنهار والمجارى المائية مثل تلك على ضفاف النيل الأبيض التي قدموا منها (كنيستون 1966 وإفاداته). وقد عاش الحمر والدينكا زمناً طويلاً في هذين المناخين إلى درجة أن لكل منهما نوع مختلف من الأبقار. وعليه فإن الأسباب المناخية تقف حائلاً دون فرضية أن الحمر عاشوا حول ضفاف الأنهار. إلا أن هناك دليل على توسع الرقعة الرعوية للحمر في القرن العشرين طوال فترة الحكم الثنائي. 

لقد فرضت التركية الضرائب الباهظة على المسيريه خاصة من قبل وكلاء الزبير الباشا حينما تمكن من هذه المنطقة وجعل من ديم الزبير في بحر الغزال قاعدته (الفكى النور موسي وهندرسون 1939). في فترة المهديه فقد انقسم الحمر إلى قسمين بعضهم ذهب لـ أمدرمان تلبية لنداء الخليفة، أما القسم الآخر لينجو من ممثلي الخليفة فقد لجاء إلى دينكا نوك (اروب بيونق) في الرقبة الزرقاء واستقروا هناك حتى سقوط الخليفة سنة 1898 و1899. بعدها عادوا إلى ديارهم في الشمال (ابو مستوره ولويد 1908) و (دينق 1986) وفي مطلع القرن العشرين قلت أعداد مواشي الحمر (هاول 1948) وكنتيجة لذلك انخفضت أيضاً أراضي الرعي.

لقد علق الإدارين البريطانين الأوائل على السرعة التي استغل بها الحمر ظروف الاستقرار في توسيع رقعة الرعي الموسميه جنوباً حتى داخل أراضي الدينكا (بولدون 1905). وفي موسم الجفاف سنة 1902 لقد وجد الحمر يرعون أبقارهم بمنطقة باول في رقبه الشيب وعلى طول الرقبه الزرقاء وفي أماكن مثل ابوكاريت والملم. في عام 1908 لقد رسمت حكومة الحكم الثنائي تحركات الحمر وقد سجلت أن لهم أربعة أماكن رعي خلال موسم الجفاف بجانب بحيرة كيلك حول الترده، وحول كواك، وعلى طول الرقبه دواس عند الدواس، وانتيلا وبوك، وعلى طول الرقبه الزرقاء عند قلي وابواصلا وابوعرف والديمسويه، وفكى والملم، وحسوبه وتستمر حتى فاول في رقبه الشيب (لويد 1908، الملحق 5.3 والخرطة 3) .  

وفي العشرينات من القرن التاسع عشر أوردت التقارير أن الحمر في فصل الجفاف يرعون حول بحر العرب، وفي عام 1933 بدأ الحمر في استخدام أراضي كبيرة على الضفة الشمالية لبحر العرب، أدت هذه التحركات  إلى إشكالات مع دينكا بحر الغزال جنوب بحر العرب. وفي هذه المرحلة وردت شكاوى مفادها أن الحمر قد اجتازوا حدود دينكا توج (حسب التقارير الأمنية لمديرية بحر الغزال 1923 و1924). وفي الثلاثينيات من القرن نفسه انعكست الشكاوى برفض الحمر دخول دينكا ملوال لشمال بحر العرب وقد دعم دينكا نوك اعتراض الحمر مما دفع بدينكا ملوال شمالاً.

وفي نفس الوقت وسع دينكا نوك مراعيهم جنوب بحر العرب وفي منتصف الثلاثينيات من القرن التاسع عشر توصل دينكا نوك مع دينكا توج إلى اتفاق تم بموجبه منح دينكا نوك حق الرعي جنوباً حتى خور اللول في منطقة دينكا توج ومنح دينكا توج حق الرعي حتى بحر العرب. وحسب إفادات أقوك (دينكا توج وريك) فإن دينكا نوك كان لهم دور أساسي في فتح المجال أمام الحمر جنوباً. وقد دعمت ذلك الوثائق.

إن المقارنة بين الخلافات التي وقعت بين عرب الرزيقات على طول امتداد بحر العرب في دارفور ودينكا ملوال ذات قدر من الأهمية في إلقاء الضوء على هذه القضية. ففي عام 1916 عندما كانت دارفور دولة مستقلة شجعت حكومة السودان، التي يتبع لها إقليم بحر الغزال، دينكا ملوال في هذا الإقليم على منع دخول عرب الرزيقات منطقة جنوب بحر العرب. أما بعد سنة 1916 عندما غزت حكومة السودان دارفور وتم ضمها للسودان فقد أصبح الرزيقات ودينكا ملوال مواطنين في السودان مع الفارق أن الحكومة الجديدة في دارفور كانت تسعى لكسب ود الرزيقات لصعوبة التعامل مع دينكا ملوال. وقد أصبح للطرفين حقوق الرعي في المنطقة جنوب بحر العرب. وفي عام 1918 منح مفتشو (دارفور وبحر الغزال) المنطقة التي تمتد أربعين ميلاً جنوب بحر العرب للرزيقات الأمر الذي دفع بدينكا ملوال رفض هذا القرار وأدى ذلك إلى حالة عدم استقرار في منطقة دينكا بحر الغزال وفي عام 1924 تم تعديل الخط الفاصل بين الرزيقات ودينكا بحر الغزال إلى 14 ميل جنوب بحر العرب. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة من الحكومة كانت تعد مكافأة للرزيقات على موالاتهم الحكومة فإن الحكومة وبطريقة فطنه أقرت بأن ليس للرزيقات حق الدار جنوب بحر العرب. وعلى الرغم من انه قد ينظر لهذا القرار بأنه اعتراف بحق الدينكا في هذه المنطقة فإن دينكا ملوال لم يتخلوا عن حقهم في المنطقة جنوب بحر العرب على الرغم من رفض حكومة السودان إعادة النظر في هذا القرار.

آخذين في الحسبان الأفضلية في المعاملة التي منحتها حكومات الحكم الثنائي للرزيقات فليس من المستغرب أن  ينال الحمر المعاملة نفسها إذا ما أثاروا مثل هذه القضية ولكنه لا يوجد في الوثائق ما يشير إلى ذلك. ومن هنا فإن ادعاء المسيريه بأن حدودهم التقليدية تمتد إلى جنوب بحر العرب عاري من الصحة. فالوثائق والإفادات الشفوية تشير إلى أن تمدد الرقعة الرعوية للمسيرية جنوب بحر العرب قد بدأت في القرن العشرين إبان فترة الحكم الثنائي وقد تم ذلك نتيجة لتعاونهم مع دينكا نوك.

الادعاء (3) : إن دينكا نوك قدموا حديثاً للمنطقة وذلك بعد أن تركوا أعالي النيل في القرن التاسع عشر وبناء على طلبهم من زعماء المسيرية تم احتوائهم في هذه المنطقة كلاجئين.

ما ذكره براون في مذكراته وأكده هندرسون ينطبق على الادعاء أن دينكا نوك وصلوا أثناء حياة على ابوقرون (1825-1835) أو حتى بعد ذلك إبان فترة على الجلة والتي أصبح فيها ناظراً للمسيريه سنة 1900. فإذا كان دليل براون يؤكد ان المسيريه تواجدوا حول منطقة البركة والمجلد في منتصف التسعينات من القرن السابع عشر فهو أيضاً يؤكد ان الدينكا قد استقروا في الوقت نفسه في منطقة الرقبة الزرقاء.

لا توجد أبداً أية إفادة من مخبري الحمر تؤكد هذا الادعاء حسب هندرسون وكنيسون، وبالعكس فإن هندرسون قد حدد أن الدينكا قد استقروا حول الرقبة الزرقاء قبل استقرار الحمر في منطقة المجلد (هندرسون 1935 و1939). وقد أشار أحد مصادر كنيسون إلى وجود عدد قليل من الأشخاص حول قولى في الرقبه الزرقاء وأم بيرو عندما وصل الحمر البحر في فترة الاضطرابات أواخر التركية (على رحمه - تاريخ الحمر ولا يرجح كنيسون ذلك) عندما بدأ الزبير باشا توسيع منطقة نفوذه في بحر الغزال إلى بحر العرب ودارفور (تاريخ الحمر حسب إفادة الفكى النور موسي وهندرسون 1939).

وقد أشار براون إلى أن الدينكا الذين قطنوا جزءاً من الرقبة الزرقاء وامتدوا شرقاً هم من دينكا نوك وليس دينكا روينق وذلك لربطه بزراعة الذرة والتي تعرف عند المسيريه بالماريق (وهو الاسم الذي يطلقه المسيرية على هذا النوع من الذره). وفي مذكرات هندرسون 1939 أشار إلى ان المسيريه يطلقون اسم ماريق على دينكا نوك. وفي الواقع فإن هذا الاسم قد ورد في خرائط السودان منذ عام 1902 حتى اليوم (ويلكنسن 1902، والوثيقة في سنة 1934-6 والتي تؤسس محكمة نوك، ولخص معلومات من الخريطة L-66) ولا توجد أية إفادة من دينكا نوك أو دينكا روينق تدعي سبق روينق لدينكا نوك في هذه المنطقة.

لقد ادعى المسيريه والحكومة بأن دينكا نوك قد هجروا موطنهم في جزيرة الزراف في أعالي النيل نتيجة للفيضانات وغزو النوير لهم في القرن التاسع عشر (إفادة المسيريه وموقف الحكومة) وفي ذلك خلط لحدثين مختلفين لمجموعتين من مجموعات دينكا نوك الأولى تسكن حول نهر السوباط في أعالي النيل والثانية دينكا نوك في كردفان.

وفي الواقع فإن قول ب. ب. هاوال، والذي يشار له دائما مصدر إثبات، بأن دينكا نوك قدموا لكردفان في القرن التاسع عشر يثبت عكس ذلك عندما كتب "لم يذكر دينكا نوك حادثة غزو النوير لموطنهم الأصلي لأنهم هاجروا منها قبل ذلك. وواضح أيضاً أن هناك دينكا يعيشون في المنطقة الحالية لنوك منذ فترة تسبق بكثير غزو وتوسع النوير شرقاً" (هاول 1951). وقد أفاد ميكر مانيرول بأن هناك حروب كثيرة بين النوير ونوك إلا أن ذلك حدث بعد استقرار نوك في منطقة ابيي الحالية (الملحق 4.1).

وبمراجعة معلومات الفيضانات لبحر الزراف وتواريخ حدوثها في مطلع القرن التاسع عشر تتولد بعض الشكوك في صحة الادعاء أن دينكا نوك قد دفعوا غرباً نتيجة للفيضانات في ذلك الوقت. ففي القرن الثامن عشر، التاريخ الصحيح لوصول دينكا نوك للرقبة الزرقاء، لقد كانت قياسات النيل عالية الأمر الذي قد يوحي بحدوث فترات فيضانات في أعاليه. علماً بأن أولى رحلات نزوح النوير شرقاً كانت في الربع الأول من القرن التاسع عشر وهي فترة جفاف في جزيرة الزراف بينما تأثرت منطقة النوير غرب بحر الجبل بفيضانات محليه وهي أحد أسباب نزوحهم شرقاً. وقد تأثرت المنطقة الواقعة شرق جزيرة الزراف بفيضانات في العشرينات من القرن الثامن عشر. انقسم دينكا نوك في هذا الوقت إلى قسمين أحدهما يتحرك شرقاً إلى نهر السوباط والآخر غرباً إلى كردفان وكان لا بدَ للمجموعة المتحركة غرباً من عبور النيل الأبيض مروراً بأرض الشلك قبل بلوغهم أرض دينكا روينق والرقبة الزرقاء، ولا يوجد أي سجل بحدوث مثل هذا النزوح الكبير باتجاه الغرب عبر أرض الشلك في حين أنه قد تم ذكر النزوح الشرقي للنوير في هذه الفترة.

وقول المسيرية أن دينكا نوك قدموا للمنطقة لاجئين نتيجة الحروب في منطقتهم تجافيه الوقائع المعاصرة للمسئولين البريطانين الذين قدموا للمنطقة مطلع القرن العشرين. وقد سبق ذكر كيف أن الحمر كانوا فقراء في نهايات القرن التاسع عشر (الملحق 5.3 و 5.6) وقد أكدت ذلك ملاحظات المسئولين البريطانين الأوائل الذين قدموا للمنطقة إذ اشار الكثير منهم إلى فقر الحمر مقارنة بجيرانهم من البقارة والدينكا (ويلكنسن 1902،ماهون 1902، أونيل 1906 في الملحق 6.6، وليكنسن 1902 في الملحق 5.10) وقد تميز الدينكا بثرائهم (الأبقار والحبوب) أما الحمر فقد عرفوا بفقرهم.

لقد برز الادعاء بأن المسيرية استجاروا دينكا نوك في هذه المنطقة في عام 1966 تاريخ بداية المشكلة الحالية بين الحمر ودينكا نوك (عبد الباسط سعيد 1982 بالملحق 5.9) وقد أشار الادعاء إلى أن الزعيمين على ابوقرون وعلى الجلة، والذين عاشا بفارق خمسين عاماً بينهما، بأنهما أول من استضاف دينكا نوك في المنطقة دليل إضافي إلى أن هذا التقليد حديث. إن تكرار هذا الادعاء خلال الخمسين عاماً الماضية قد أكد لدى المسيرية القناعة بصحته بل إن معظم المسيرية يعتقدون الآن أن هذا الادعاء صحيح وفي واقع الأمر ان هذا الادعاء غير صحيح وتدحضه الوثائق المعاصرة بل تثبت عكسه وعليه يجب تجاهله واستبعاده نهائياً من الآن فصاعداً.

الادعاء (4) : إن تبعية منطقة ابيي الإدارية إلى منطقة دار المسيريه تعني ان منطقة ابيي جزء من دار المسيرية (إفادات المسيريه الشفهية الملحق 4.1 وموقف حكومة السودان الملحق 3.1).

جميع الوثائق خلال الفترة الأخيرة للحكم الثنائي من سنة 1948 حتى 1952 تشير إلى عدم وضوح الرؤيا حول إضافة دينكا نوك لمجلس ريفي المسيرية أو عدمها وذلك ليس فقط لرفض دينكا نوك للضم بل أن هناك عدد من المسيرية كان يعارض ذلك. وفي النهاية فإن ضم دينكا نوك عضواً كاملاً في مجلس ريفي المسيرية كان قراراً واقعياً. وقد كان قرار تسمية المجلس بمجلس ريفي المسيريه كان فقط لطمأنة المسيرية نظراً لأن مفتش المركز المسئول عن هذه المنطقة كان يعرف دائما بمفتش مركز دار المسيرية. وقد أكد آخر مفتش لمركز ريفي المسيرية السيد مايكل تيبس تأكيداً قاطعاً في شهادته بأن الاسم لا يعني أبداً إن للمسيرية حق الدار على كافة حدود منطقة ريفي المسيرية (الملحق 5.8 ومقابلة تيبس في الملحق 4.3).

وعليه فقد وجدت المفوضية بأنه لا يمكن استخدام تبعية منطقة ابيي لريفي المسيرية دليلاً على حق المسيرية في كامل أرض منطقة ابيي.

الادعاء (5): أن : قد كانت إدارة دينكا نوك جزءاً من المسيرية في الضرائب ونظام المحاكم (إفادات المسيريه الشفهية الملحق 4.1 وموقف الحكومة الملحق 3.1).

لقد تم التأكد من ادعاءات دينكا نوك وإفادات بعض المخبرين من المسيرية التي تقول ان دينكا نوك لم يدفعوا أية ضريبة لبحر الغزال (الملحق 4.1)، ذلك لأن قرار الإدارة وقتها ان لا تجمع أية ضرائب منهم إلا بعد ضمهم لكردفان. يتطابق هذا مع ما ورد في أول سجلات ضرائب وجدتها المفوضية (عام 1908) حيث أن ضرائب المسيرية وضرائب دينكا نوك تحسب وتجمع كل على حدة حتى الاستقلال. أما عند الاستقلال فقد فرض على المسيرية ضريبتي المواشي والتعداد (الدقنية) بينما فرض على دينكا نوك ضريبة التعداد فقط (الملحق 5.7).

لقد أسست المحاكم المحلية التي تحكم بالشريعة والعرف عن طريق الشيوخ والعمد والنظار ومنحت لها سلطات محدده في القانون منذ الثلاثينيات من القرن التاسع عشر والأدلة من سجلات الحكم الثنائي تؤكد أن محاكم دينكا نوك تختلف تماماً عن محاكم المسيرية وتدار بصورة مختلفة طوال فترة الحكم الثنائي. وقد عملت محكمة الزعيم اروب بطريقة غير نظامية خلال العشرينات من القرن التاسع عشر حتى تم اعتمادها وتسميتها المحكمة رقم 12 في عام 1936 (وهي مختلفة تماماً عن محاكم المسيرية) تحت قانون المحاكم الأهلية سنة 1932. ولما كانت المحكمة محكمة دينكا وهم غير مسلمين فقد تم تعديل اعتمادها ليتماشى مع الضوابط واللوائح الرئيسة في قانون 1931 المطبقة على المحاكم في الأقاليم الجنوبية الثلاثة. وعند الاستقلال تبعت محكمة ابيي لمفتش المجلس (الملحق رقم 5.7) بينما تبعت محاكم المسيرية للقاضي المقيم بالنهود.

تؤكد سجلات الضرائب والمحاكم صحة ادعاء دينكا نوك بأنهم كانوا يحكمون حكماً ذاتياً في إقليم كردفان ومجلس ريفي دار المسيرية، وأنهم لم يكونوا جزءاً من إدارة المسيرية. أما عدم فرض أية ضرائب على دينكا نوك حتى بعد 1905 فلا علاقة لذلك بهذه القضية.

الادعاء (6): أن : إن المناطق شمال مدينة ابيي مثل قوليه، وباول، والدمبلويه داك، وجور، وتردة أم بلايل، والشقي، وليكوجي، ولاو، وناما تتبع للمسيرية منذ عهد التركية وخلال 1905 حتى الآن (إفادة المسيرية الشفهية الملحق 4.1).

إن ادعاء الطرفين لعدة مواقع بين الرقبة الزرقاء وبحر العرب مبرر والقضية بالغة التعقيد نظراً لأن معظم هذه المواقع تحمل الأسماء العربية والدينكاويه في آن معاً. وقد سجلت الأسماء الدينكاويه في خرائط هيئة  المساحة السودانية حتى عام 1918 إلا أن هذه الأسماء قد تم حذفها من الخرائط في عام 1931 لأسباب غير معروفة لنا (الملحق 6).

وعند زيارة المفوضية لهذه المناطق آنفة الذكر لم تجد أي سكن دائم فيها من أي نوع وقد وجدت فيها أسواق مؤقته وآبار لشرب الأبقار إلا أنها لم تجد أي دليل على سكن دائم للمسيرية فيها ولم تجد أي أثر للقرى القديمة التي ادعى الدينكا وجودها في هذه المناطق سابقاً والتي تم تدميرها عند نشوب الحرب.

جدير بالذكر إلى أن منطقتين من هذه المناطق تحملان أسماءً نيليةً فـ لاو بلغة الدينكا تعني لون من ألوان البقر أما باول فتعنى القرية وهو اسم شائع في لغة الدينكا والنوير والشلك، وتوجد أماكن كثيرة في أعالي النيل وبحر الغزال تحمل مثل هذا الاسم.

وكما رأينا فإن منطقة باول تُعد المركز الرئيس لرعي الحمر خلال فترة الصيف على أقل تقدير منذ مطلع القرن العشرين. أما شقي فقد أوردت مصادر دينكا نوك في 1974 (الفترة قبل نشوب النزاع المسلح) بأنها منطقة دينكا نوك يزورها بانتظام المسيرية (باقوت دينق الملحق 5.9). أما بالنسبة لمنطقة ناما وعلى الرغم من أن المفوضية لم تتمكن من زيارتها فهي منطقة طينيه داخل منطقة القوز تتوفر فيها المياه طوال العام وقد كانت توفر لدينكا نوك الأسماك خلال الفترة بعد الخريف حتى بداية فصل الجفاف (مقابلات ابيي الملحق 4.1) وهي أيضاً منطقة زراعة مطرية بالنسبة للمسيرية وتزايدت الزراعة فيها وخاصة زراعة القطن في مطلع الخمسينيات من القرن التاسع عشر. وحسب إفادة مايكل تيبس حين زار هذه المنطقة في  1954 فإنها منطقة خالية من أي وجود للاستقرار (الملحق 5.9 و 4.3) إلا أننا قد تحصلنا على ما يؤكد ان ناما منطقة استقرار للدينكا من بعض جيرانهم (مقابلات دينكا اقوق الملحق 4.1).

وتفسر حقيقة أن صيد السمك يبدأ في شهر ديسمبر وينتهي بدخول فصل الجفاف جزئياً التضارب بين ادعاء الدينكا وإفادة مفتش المنطقة إذا ما أخذنا في الحسبان ان زيارات المسئولين تبدأ عادة  في فصل الجفاف وهو الوقت الذي يغادر فيه دينكا نوك المنطقة.

وفي هذا الخصوص فإن الأدلة التي تمكنت المفوضية من جمعها تشير إلى ما يلي:

1- لقد تأكد تماماً بأن الرقبه لاو منطقة استقرار لـ دينكا نوك ولم يصلها الحمر مطلع القرن، ولم يتمكن الحمر من توسيع انتشارهم في هذه المنطقة واستخدامهم الصيفي لها إلا مؤخراً في حقبة الحكم الثنائي وذلك نتيجة لحالة الاستقرار التي أرستها حكومة الحكم الثنائي في هذه المنطقة وأيضاً للعلاقات الأسرية الطيبة التي تأسست بين دينكا نوك والحمر (الملحق 5.9).

2- وكذلك فإن الرقبة الزرقاء نجول هي أيضاً أرض استقرار دائم لـ دينكا نوك على أقل تقدير منذ أواخر القرن الثامن عشر وقد تم إقرار المسيرية بذلك في اتفاقهم مع دينكا نوك الذي تم في مارس 1965 (عبد الباسط سعيد 1982، الملحق 5.9).

3- وقد تأكد أيضاً استخدام دينكا نوك لمنطقة ناما منطقةً لصيد الأسماك في نهاية موسم الخريف. إن توسعة المنطقة الزراعية لزراعة القطن بواسطة الحمر في منطقتي ناما وسوبو يرجع تاريخها إلى أوائل الخمسينيات من القرن التاسع عشر وهي نتيجة لخطة التنمية التي وضعتها الحكومة قبل الاستقلال هدفها تلبية طموح قديم في هذه المنطقة وهو زيادة نسبة سكان هذه المنطقة من الحمر.

عليه فقد وجدت المفوضية وبدون أدنى شك أن لـ دينكا نوك الحق في مناطق شقي، والرقبه، ولاو، والرقبة الزرقاء، بينما أثبت المسيرية حقوقهم الثانوية في هذه المناطق. أما بالنسبة لمنطقة ناما فالطرفين تشاركا في الحقوق الثانوية فيها.

الادعاء (7) : ان : المنطقة الوحيدة التي تأثرت بقرار حكومة الحكم الثنائي القاضي بإدارة منطقة دينكا نوك كجزء من إقليم كردفان هي المنطقة الواقعة جنوب بحر العرب حيث أن دينكا نوك لم يسكنوا شمال بحر العرب إلا بعد عام 1905 (موقف الحكومة الملحق 3.1).

هذا هو ادعاء حكومة السودان الذي يقول أن الحدود الجنوبية لكردفان عند بداية الحكم الثنائي الإنجليزي المصرى هي بحر العرب وان جميع الذين عاشوا شمال هذه الحدود قبل 1905 هم سلفاً في كردفان. وتدعي الحكومة أيضاً بأن السلطان اروب بيونق زعيم زعماء دينكا نوك كان يعيش جنوب بحر العرب في 1905 وان حكومة الحكم الثنائي كانت تعد بحر العرب هو الحد الفاصل بينه والحمر شمالاً، وتدعي الحكومة أيضاً بأن الحدود الوحيدة التي تم ضمها لكردفان هي المنطقة التي تقع جنوب بحر العرب ويقطنها دينكا نوك وتوج وقد تم ضم منطقة دينكا توج لبحر الغزال تاركين المنطقة المعنية لدينكا نوك.

يدعم ادعاء الحكومة التقارير السنوية الصادرة قبل 1905 من المديريتين كرفان وبحر الغزال والتي أكدت تحديداً أن الحد الفاصل بين المديريتين هو بحر العرب (التقارير السنوية لبحر الغزال 1902و1904 والتقارير السنوية لكردفان 1903 الملحق 3.1).

وقدمت الحكومة أيضاًً خرائط معاصره وقريبة من المعاصرة توضح ان الحدود بين المديريتين تتبع بحر العرب (تحديداً خريطة السودان الإنجليزي والتي رسمها هـ. و. ماردون في اليوم الأول من أكتوبر ونقحت في الثالث منه وأرفقت في تقارير كاونت قلشن (السودان الإنجليزي - المصري، المجلد الأول، هـ. م. س. 1905)، والنيل الأبيض وكردفان، ومصلحة المساحة المصرية القاهرة 1907 مستنتجة من تقارير الاستخبارات 1904).

ولدعم هذه الخرائط قدمت الحكومة تقارير مسار الميجور ويلكنسن سنة 1902 والتي أعيد طبعها في تقرير قلشن سنة 1905 (السودان الإنجليزي - المصري) وقد أوضح هذا التقرير ان مكان دينكا نوك جنوب بحر العرب ومكان اروب بيونق إلى الجنوب من ذلك بل جنوب نهر كير (بحر الجانقي) وأشارت الحكومة أيضاً إلى تقرير البمباشا بيرسفال الذي أشار إلى أن بحر العرب هو الحدود الشمالية للسلطان روب (الملحق 3.1).

ولما كانت أدلة الحكومة قوية جداً فكان لا بدَّ للمفوضية من اختبارها مقارنة بالوثائق والتقارير الإدارية للفترة منذ بداية الحكم الثنائي حتى تكتشف فهم وأسلوب عمل الإدارات المحلية على أرض الواقع.

لقد اكتشفت المفوضية أن هناك تشويشاً كبيراً في الجغرافيا بين بحر العرب وبحر الغزال طوال العشرين عام الأولى من الحكم الثنائي وقد كان هذا التشويش جزءاً من التشويش العام لجغرافية السودان كله.

وفي الفترة قبل إعادة غزو السودان (1898-8) فقد اعتمدت الجيوش الإنجليزية المصرية الغازية اعتماداً كلياً على معلومات الاستكشافات في القرن التاسع عشر لمعرفة جغرافية السودان. وقد كتب الكابتن قلوشن في كتابه الأول عن السودان والذي صدر قبل معركة أمدرمان يقول "إنه من غير المتوقع أن تحدث تغيرات ذات أهمية في حدود الدول التي يتم التعامل معها"، وقد كان واثقاً من أن المعلومات الجغرافية ستكون صحيحة. إلا أنه وفي العام الأول بعد إعادة احتلال السودان اضطر لإصدار ملحق لكتابه يعترف فيه بأن هناك تشويش غير متوقع في جغرافيا المنطقة. وقد حذر قولشن في هذه الإصدارة الملحقة وقال "نظراً لعدم تطابق وصف نفس الجزء أو الأنهر في البلاد (سواء كان حسب الخرائط أو التقارير) من ناحية الأبعاد أو تهجي الأسماء وقد لوحظت عدة اختلافات في الأبعاد وقد جرت محاولات لأخذ متوسط من المراجع المختلفة إلا أن ذلك من المرجح لا يعطى نتائج مقنعه...(الملحق 6).   

وحول بحر العرب بصفة خاصة فقد كتب قولشن : "وستكون معرفة تفاصيل مسار مجرى بحر العرب، هذا النهر العظيم الذي ينحدر من أقاصي الغرب من قلب دار فرتيت، الأكثر إثارة. وقد انقضي قرن كامل تقريباً بعد أن علّمه السيد براون على الخريطة وبشكل مبهم حتى هذا التاريخ فإن معرفتنا به غير دقيقه إذ لا يوجد أي أوربي تمكن من استكشاف كامل مجرى هذا النهر وقد تم عبوره في موقعين فقط. حتى العرب ليس لديهم الكثير ليقولوه حوله حيث أنهم دائماً يفضلون في مسارهم طريق دارا أو شاكا في الشمال. ولهذا فإن المستكشفين قد تمكنوا من جمع معلومات ضعيفة ومتناقضة. ولهذه الأسباب فإن الحقيقة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من هذه الملاحظات المتناقضة هي أن بحر العرب قد تعرض لتغيرات عنيفة آخذين في الحسبان طول فصل الجفاف".

إن الخريطة التي أرفقت مع ملحق قولشن توضح ملتقى بحر العرب مع بحر الغزال شمال نهر آخر عُرف ببحر الحمر والذي يلتقي مع بحر الغزال شمال بحيرة أمبادي. وقد أصبحت معرفة حقيقة هذين النهرين ودقة تحديد موقعهما مصدر تشويش لسنين قادمة (ر. م. ساوندرز 1900، يوميات حول بحيرة نو مشرع الريك 1905، الملحق 5.12) وقد استمرت حالة عدم معرفة جغرافيا حوض العرب حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. ففي نسخة خريطة المساحة السودانية لسنة 1912 (1:250,000 65-K) والتي غطت ما عُرف لاحقاً بمنطقة ابيي، قد تمت الاشارة إلى "مجرى بحر لم يتم مسحه كليا". ولم يتم تصحيح ذلك إلا في سنة 1918 عندما أضيفت تعديلات جوهريه في مجرى بحر العرب والرقبة الزرقاء في الشمال وأضيفت للخريطة (الملحق 6).

لقد قامت المفوضية برسم طريق الميجور ويلكنسن في عام 1902 من بحيرة كيلك إلى نهر كير (الملحق 5.10) على خريطتيّ المساحة السودانية رقم 35 NCH (بحيرة كيلك) و 35 NCL (غابة العرب) (الملحق 6).

وكما يلاحظ من الخريطة رقم 2 فإن المواقع التالية يمكن التعرف عليها بوضوح: كيلك، والجرف، واليوي، والدبيكر، والأنقا، وكويك، والدبيب، وفولة حمديا، وفت، وباول. وبعد فاول بقليل انحني الطريق إلى جنوب الجنوب الشرقي على طول نهر عُرف على انه بحر العرب. وفي واقع الأمر فإن هذا النهر هو الرقبة الزرقاء (الاسم العربي) أو نهر نقول (الاسم الدينكاوي) وكما أوضحت مذكرات عودة ويلكنسن فإنه كان في رقبة الشيب والتي تصب في الرقبه الزرقاء.

يتضح من ما تقدم بأن الإداريين قد وقعوا في خطاء كبير بحسبان الرقبة الزرقاء أنها بحر العرب وعدوها الحدود بين بحر الغزال وكردفان. وقد وقع البمباشا بارسيفال عام 1904 في الخطأ نفسه عندما زار الناظر اروب بينق على نهر كير قادماً من واو عاصمة بحر الغزال، بوصفه أن النهر كير يبعد 50 ميلاً جنوب بحر العرب (الملحق 5.11).

ولم يتم تصحيح هذا الخلط إلا في عامي 1905- 1906 عندما أجري مسح لبحر الغزال حتى مصب ما كان يُعرف ببحر العرب خطأ وتم تصحيح هذا الخطأ. وقد كان بولدن أول من تعرف على أن كير هو بحر العرب في مسحه مارس 1905 (الملحق 5.12) ثم تعرف على ان الرقبة الزرقاء هي بحر الحمر المنطقة التي يأتي لها الحمر بأبقارهم فترة الجفاف (وعليه فقد كان لا بدَّ من الاشارة له ببحر الحمر في الخرائط الرسمية الخاصة بمناطق استقرار الدينكا جنوب الرقبة الزرقاء (التي عُدت خطأ بحر العرب) وشمال بحر كير (بحر الجانقي) بحر العرب الحقيقي. وعليه فإن جميع المراجع التي كانت تشير إلى حدود سلطان روب الشمالية مع العرب على أنها بحر العرب يجب أن تفهم الآن أن المقصود بذلك هو الرقبة الزرقاء.

وبالنظر إلى الظروف البيئية الخاصة بالاستقرار الدائم لدينكا نوك شمال بحر العرب (بحر كير) ورعيهم الموسمي جنوبه فقد لاحظ هاول ان القرى الدائمة ومناطق الزراعة لدينكا نوك تتواجد في المناطق العالية على ضفاف النهر وشمال بحر العرب بينما مناطق الرعي الصيفي فمعظمها في مناطق الأعشاب المنبسطة (الجرف) جنوب النهر. والجرف هي المنطقة التي تغمرها المياه موسم الفيضان ولا تصلح للسكن الدائم. (الملحق 4.2).

من الواضح انه قد تمت تحركات شمالاً وجنوباً لدينكا نوك بعد 1905. وقد فسرت الحكومة هذه التحركات بأنها تحركات إلى أراضي جديدة لا حق لدينكا نوك فيها إلا أنه لا يمكن الجزم على مثل هذا التفسير من الوثائق المعاصرة. وفي مطلع القرن العشرين فقد كان اعتقاد حكومة الحكم الثانئي بأن تعداد السودان قد انخفض بنسبة 75% خلال حكم المهدية أي من 8 مليون إلى مليوني نسمه وعليه فقد أعتبر السودان منخفض السكان بطريقة مزعجة ولهذا فقد تم تشجيع المواطنين الذين هجروا من منازلهم في فترة المهدية إلى العودة إليها. وقد كانت الاشارة إلى عودة اللاجئين لديارهم في التقارير السنوية للمديرات خلال الفترة الأولى من الحكم الثنائي شائعة جداً. فمديرية كردفان مثلاً قد ذكرت وبامتنان في 1904 عودة مواطنيها من سنار والجزيرة وهؤلاء هم المواطنين المرغوبين حيث أنهم يعودون بأسرهم ومواشيهم لبناء قراهم.

لم تستخدم حكومة الحكم الثنائي هجر الأرض أو تركها دون استخدام خلال فترة المهدية دليلاً على عدم ملكية الأرض وقد كانت سياستها العامة هي إعادة وإحياء الاستقرار القبلي كل في منطقته قدر الممكن. ففي كردفان مثلاً هناك الكثير من الأدلة تم ذكرها (الملحق 5) تشير إلى تشجيع الحكومة لكل من المسيرية والدينكا ليس فقط على العودة إلى ديارهم بل إلى التوسع في استخدام الأرض. ولهذه النقطة انعكاسات مباشره على تقييم المفوضية للدليل الخاص باستمرارية حدود دينكا نوك بين 1905 و1965.  

الادعاء (8): أن : هناك استمرارية في حدود مشيخات دينكا نوك ولم تتغير منذ 1905 حتى 1965 عندما نشبت الحرب بين نوك والمسيرية (إفادات نوك الشفوية وموقف الحركة، الملحق 3.2).

حتى نتحقق من هذا الادعاء كان لا بدَّ لنا من تقييمه والتأكد من مصداقية الإفادات الشفوية التي وردت إلينا من دينكا نوك. إن هناك مبدأ معتمداً في بحوث التاريخ يقول أن أفضل مصدر للتاريخ الخاص بالشعوب هو الشعوب نفسها. إن العادات التاريخية للشعوب المجاورة تضيف بعداً مختلفاً في تاريخ الشعوب إلا أن الجيران بصفة عامة ينقصهم الفهم التفصيلي الدقيق والإلمام بالعادات الداخلية الخاصة بجيرانهم ومعلوم أيضاً انه في حالة النزاعات الحدودية فإن أطراف النزاع تدلي باعترافات شفهية لدعم ادعائهم.

لقد جاءت إفادات دينكا نوك الشفوية للأسئلة التي سألتها المفوضية لهم حول مقر استقرارهم ورعيهم تفصيلية ومكثفة (الملحق 4.1 و 4.2). لم تتمكن المفوضية من التحقق من جميع هذه الإفادات سواء كان من خلال الزيارات الميدانية التي قامت بها أو من الإفادات الأخرى التي حصلت عليها من المصادر الكثيرة الأخرى.ورغماً عن ذلك فإن هناك ما يقال عن الإفادات نفسها.

لقد قام ممثلو مشايخ دينكا نوك التسعة عند سؤالنا لهم حول مواقع قراهم الدائمة وأمكنة رعيهم الموسمية بإجابتنا وبصفة فورية بتفاصيل وافرة ودقيقة حول حدودهم، وقد أشاروا بان جزءاً من المشايخ قد تشاركوا في القرى وفي المرعى الأمر الذي تم تأكيده سابقاً بأن الحدود بين هذه المشيخات غير مفصلة والمراعي مشتركة ومتداخلة (ويليز 1909 الملحق 5.13). ورغم قلة الأسماء الدينكاوية في خرائط هيئة المساحة السودانية إلا أن عدة أسماء أعطيت للمفوضية من قبل شهود من دينكا نوك يمكن العثور عليها في الخرائط القديمة (الملحق 6) وتشمل هذه الأسماء اكوتوك (عراديب)، براجاك (دول)، وكول اديت (رقبا ديبدي)، وإيقيل (دبة أمان)، وابين اقوي (دبة الشياب)، وكول خور (دبة فضل الله)، ونونج (النعام). هذه الأسماء الدينكاوية لم تعد تظهر في خرائط المساحة السودانية. إضافة إلى ذلك فقد أكدَّ جيران دينكا نوك من الاقوق عدة مواقع استقرار ذكرت في إفادات نوك (الملحق 4.2) تحديداً موقع دينداهول (تبلدية)، وناما، وباقي، وطوبا، وروبا، واكوتوك، ومابار امال، وماجينق الور.

أما إفادات المسيرية فقد جاءت قليلة وعمومية التفاصيل بعكس إفادات دينكا نوك (الملحق 4.1) فقد حصر المسيرية أنفسهم في مواقع متنازع عليها قليلة مثل ناما، والشقي، ولاو، وباول، إضافة إلى الإصرار على الحدود الحالية مع بحر الغزال. وعندما سؤلوا مباشرة عن مواقع قبور زعماء الدينكا المشهورين، والتي كانت معروفة تماماً للدينكا، فلم يؤكدوا موقعها ولم ينكروا وجودها. وقد رأينا سلفاً كيف ادعى المسيريه بأن ناظرهم على الجله في مطلع القرن العشرين سمح لدينكا نوك بالعيش في موقعهم الحالي ضيوفاً على المسيرية بعد طرد النوير لهم في القرن التاسع عشر من أرضهم.

إنه لمن رأي الخبراء أن التفاصيل التي أوردها دينكا نوك وبصفة خاصة تلك التي دعمها جيرانهم والتي وجدت في الخرائط القديمة هي دليل على معرفة وإلمام تام بالمنطقة بينما أبدى المسيرية معرفة محدودة بها.

لقد قدمت الحركة أيضاًً جدول لمجموعات أعمار دينكا نوك مصحوبة بخريطة توضح المواقع التي بموجبها تم تحضير مجموعات الأعمار (الملحق 3.2). لم يكن من الممكن التحقق من تواريخ مجموعات الأعمار هذه من مصادر أخرى.

وبتطبيق مجموعات الأعمار هذه على بعض الأحداث التي تم ذكرها في المقابلات (الملحق 4.2) فقد برزت لنا بعض الأنماط خاصة عند استخدام التواريخ القديمة من منتصف القرن التاسع عشر وما قبله. وحيث أنه لم يعط المدى بين هذه البدايات يكون من الصعب تحديد الأسس التي بموجبها تمت هذه الحسابات. وفي تقديرنا فإن مجموعات الأعمار من منتصف القرن التاسع عشر وبعده قد تكون أكثر دقة من تلك التي قبل هذا التاريخ. وبتحليل خريطة مجموعات التواريخ هذه حاصرين أنفسنا في التواريخ الحديثة نجد أن تركيز مجموعات الأعمار جنوب خط عرض 35َ 10ْ شمالاً تشير إلى استمرارية منطقة دينكا نوك قبل 1905 حتى أواخر القرن العشرين. إلا انه رغماً عن ذلك وبدون دليل يدعم هذا الادعاء يكون من الصعب قبوله.

هناك حجة قوية حول استمرارية تواجد دينكا نوك حول المجاري المائية لحوض بحر العرب (بحر أو كير نفسه، وامبيرو، والرقبه لاو، والرقبه الزرقاء وفروعها). وهذا لم يؤكد فقط من الإفادات السابقة وإنما من شاهدين مستقلين وملمين بالمنطقة واستخدامات الأرض فيها إلى ما قبل الاستقلال، والشاهدين هما تبس وكنيسون (الملحق 4.3).

ليس لدينا وصف تفصيلي لمناطق استقرار دينكا نوك ولا نمط استخدامهم للأرض خلال فترة الحكم الثنائي وذلك نتيجة لموسمية زيارات الإداريين لمنطقة دينكا نوك. وحيث أن الإداريين يزورون هذه المنطقة فقط في فصل الجفاف (بين ديسمبر وأبريل، تبس الملحق 5.7 و 5.13) فإن الوصف القليل الذي تحصلنا عليه هو فقط لنشاطات دينكا نوك في فصل الجفاف الفترة التي يتمركزون فيها حول الأنهار. إلا أن هناك إشارات في مطلع القرن العشرين من الإداريين بأن حدود دينكا نوك تمتد شمالاً (ماهون 1903، ويليس 1909 في الملحق 5.13) ويبدو أن هذا هو النهج الذي اتبع في سياسة إحياء الأراضي القبلية طوال فترة الحكم الثنائي.

وعلى الرغم من ذلك لا يوجد دليل مستقل يؤكد الحدود الشمالية القصوى التي استقر فيها دينكا نوك أو استخدموها موسمياً. إن عدم وجود شواهد حدود طبيعية إضافة إلى التداخل في استخدام الأرض لم يشجع إدارييي الحكم الثنائي على محاولة تحديد مثل هذه الحدود (راجع تعليق هندرسون 1935 في مطلع التقرير). هناك  دلائل تشير إلى محاولة بعض الإداريين لفصل دينكا نوك عن الحمر في بعض المناطق مثل طرد دينكا نوك ودينكا آخرين من حاسوبا في 1932 بناء على طلب الحمر وزعماء دينكا نوك (مذكرات هندرسون الملحق 5.13)، والادعاء بأن الزعيم كوال اروب كان يشجع دينكا نوك للاستقرار وسط الحمر في 1940 (المذكرات الشهرية لكردفان 1940 الملحق 5.13) إلا أن هذه الادعاءات تفتقد للمعنى والتفاصيل التي تمكننا من بلوغ قرار نهائي حولها.

لا بدَّ من التحقق من ادعاء دينكا نوك أن الحد بينهم والحمر هو القوز من خلال مسح منظم. هناك اتفاق عام من مصادر أخرى يؤكد أن حزام القوز الذي يفصل بين المناطق دائمة الاستقرار للحمر والدينكا لا يقطنه أحد، أي انه منطقة عبور وليست منطقة استقرار، وأيضاً أن القوز يستخدم موسمياً بانتظام من قبل الطرفين (كنيسون 1954 في الملحق 5.2 وكنيسون 1966 في الملحق 5.3، وكتيبس 1999 في الملحق 5.13).

وعليه فإن المفوضية قد وجدت أدلة كافية لقبول ادعاء دينكا نوك بحقهم الدائم في المنطقة التي يحدها خطا عرض 10َ 10ْ وحقهم الثانوي شمال هذا الخط.

الادعاء (9) : أن : إن منطقة ابيي تعرف على أنها هي حدود كردفان التي يحدها خط عرض 35َ 10ْ شمالاً وخط طول 32َ 29ْ  في الشرق وحدود أعالي النيل وبحر الغزال ودارفور عند الاستقلال سنة 1956 (ادعاء الحركة الملحق 3.2).

لقد قدمت الحركة خريطة وضعت فيها حدود ابيي الشمالية في خط عرض 35َ 10ْ شمالاً ويمتد على خط مستقيم من حدود دارفور الحالية حتى خط طول 15ً 32َ 29ْ شرقاً وتمتد الحدود الشرقية جنوباً على طول هذا الخط حتى تلتقي مع حدود أعالي النيل عند خط عرض 05َ 10ْ شمالاً وتتبع حدود بحر الغزال ودارفور حسب حدود الاستقلال.

وتعتمد الحركة في هذا الوصف على الأسماء الدينكاوية للمناطق وتشير إلى قرار جمهوري منذ عام 1974 يحدد الحدود الشمالية لابيي مع المسيرية والنوبا بمناطق (جيكدي، وكول جوي، ومابيور، وكول شوم (قبيش)، وديندهول (تبلاديا)، وثور، وروبا، ونين ثاو، وزوبا، وروم لوكوك، وكواك، وانياك، وميدنق، ومينق قير، وماردوك، وبانثور (هجليج). لقد ثبتت أسماء هذه المناطق في خريطة الحركة إلا أنها لا تتطابق مع إحداثيات الخريطة، معظمها مشمول في المنطقة التي يحدها خط عرض 35َ 10ْ شمالاً وخط طول 15ً 32َ 29ْ شرقاً مع وجود قليل من المواقع شمال الخط الشمالي.

وفي غياب القرار الرئاسي الذي أشارت إليه الحركة فإنه من الصعوبة بمكان قبول  صحة هذا الادعاء.

وبالنسبة للمسيرية فإنهم قد أثبتوا حقهم الثانوي للقوز والمنطقة جنوبه بينما لدينكا نوك الحق الثانوي شمال خط عرض 10َ 10ْ شمالاً. وبأخذ خط عرض 35َ 10ْ كأقصى حد شمالاً لادعاء دينكا نوك آخذين في الحسبان أن القوز مشمول بين هذه الحدود يكون من المعقول عد القوز منطقة تتساوى فيها الحقوق الثانوية. وبناءً على ذلك نضع الحدود الفاصلة بين دينكا نوك والمسيرية خط عرض 30ً 22َ 10ْ شمالاً لتقسيم المنطقة الواقعة بين 10َ 10ْ و35َ 10ْ شمالاً بالتساوي بينهما. وحيث أنه لم يتقدم دينكا نوك ولا الحركة لحقهم في الحدود شرق خط طول 15ً 32َ 29ْ شرقاً فإنه من المعقول عد هذا الخط هو الحد الشرقي للمنطقة وتبقى جميع الحدود الأخرى كما هي حسب حدود الاستقلال سنة 1956م.