9

فنون بحر الغزال

منحوتات البونجو والبلاندا الجنائزية

كلاوس يوخن كروجر

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

31

شكل 31

إنه من غير الطبيعي وجود منحوتات من الشطر الجنوبي للسودان في المجاميع المبكرة، سواء العامة أو الخاصة. هذه المنطقة التي تمزقها الحرب ظلت تعاني من صعوبة الوصول إليها على مدى سنوات كثيرة، حتى وقت قريب، كان جنوب السودان واحدة من المناطق القليلة غير المتضررة من نشاطات التجار الأفريقيين الباحثين عن الأعمال الفنية. أخذت المنحوتات من هذه المنطقة النائية في الظهور بأعداد أكبر في السوق، لكنه ورغم فقدانها لنسب فإنها تستحق دراسة تفصيلية. في هذه المقالة، سنصف المنحوتات الجنائزية عند قبيلتي البونجو والبلاندا. وفي مقالة ثانية، سيتم نشرها في عدد قادم من مجلة "الفنون القبلية"، سوف نتناول تقاليد فن النحت لدى مجموعات اثنية أخرى في المنطقة وكذلك الأشكال الأخرى للإنتاج الفني للبونجو.

 

رغم أن فن البونجو ظل معروفاً منذ فترة طويلة للمتخصصين، ووجدت القليل من القطع طريقها إلى المتاحف في القرن التاسع عشر، فإنه لم يظهر أي عمل أساسي من البونجو في أي مجموعة غربية عامة خلال الفترة الاستعمارية. بالتالي ليس من المدهش رؤية ندرة أو حتى انعدام أية أمثلة لمنحوتات البونجو والبلاندا في نماذج النحت الأفريقي. لم يبدأ المتحمسون للفن الأفريقي الاهتمام بتلك الأعمال الرائعة إلا بعد ظهورها في المعرض الأساسي للنحت الأفريقي الذي أقيم في متحف لودفيغ بكولون في 1990(Afrikanische Skulptur, held by the Ludwig Museum in Cologne) وفي أفريقيا: فن قارة بعد خمس سنوات في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن، والتي عرضت فيها ثلاثة منحوتات.

 

TOMBS

مدافن البونجو

في هذه الدراسة، سنحاول تقديم موجز لتاريخ هذا الفن في علاقته بالعالم الغربي ومحاولة استكشاف وظيفته ومعناه في عالم البونجو والبلاندا.

 

التوزيع الجغرافي

يعيش البونجو في الجزء الجنوبي لمديرية بحر الغزال بجنوب السودان، وهي منطقة عشبية في معظمها. يعيش البونجو في مجموعات زراعية عائلية، تتباعد إحداها عن الأخرى بمسافة معلومة، غالباً بالقرب من مصادر المياه أو الأنهار. أثناء موسم الأمطار، يكاد تحديد الاتجاه يكون مستحيلاً بسبب طول الأعشاب الذي يصل في حالات إلى ما يزيد عن المترين.

 

هجر السكان في الوقت الراهن تلك المناطق الواسعة، تاركين بضع آلاف فقط من البونجو منقسمين إلى مجموعات مختلفة ومنعزلة بعضها عن الآخر. واحدة من المجموعات الكبيرة التي تفاعل معها المؤلف تعيش في منطقة التونج، وأخرى في منطقة واو وإلى الجنوب من واو، ومجموعة ثالثة في منطقة نهر بوسيرة. مجموعات أصغر تعيش في مركز طمبرة، ومنطقة رمبيك، ومركزي مريدي ويامبيو. يوجد البلاندا في منطقة واو، أساساً في الجنوب والغرب، وكذلك في منطقة طمبرة. وتعيش مجموعة صغيرة في يامبيو. بفضل هذا التشظي، يمكن تحديد الأساليب الفنية المحلية بثقة.

 

bongo man

رجل من البونجو

التاريخ

البونجو هم ذو أصول سودانية. هاجروا في حوالي سنة 1600 من منطقة تقع في تشاد الحالية واستقروا في المديرية التي يقطنونها الآن. قادتهم هجرتهم عبر مناطق جنوبية بعمق نهر مبورنو، وهو ما قد يفسر بعد المؤثرات الأسلوبية من مناطق الكونغو الشمالية. في الغالب الأعظم أنهم جلبوا معهم من منطقة شاري في تشاد تقليد تزيين المدافن بمنحوتات خشبية 1. موثقة حقيقة أن بعض مجموعات السارا، الذين تربطهم بهم صلة قرابة، لديهم أيضاً منحوتات جنائزية، لكن لا يقوم كل البونجو وكل البلاندا بصناعة منحوتات من هذا النوع.

 

غالباً اكتسب البلاندا تقليد وضع المنحوتات على مدافنهم من جيرانهم البونجو 2. ظهرت هذه المجموعة في بواكير القرن السابع عشر عن طريق الزواج المتبادل بين الدو لوو (وهي مجموعة نيلية من الشمال الشرقي) ومجموعات سودانية أصيلة. يغطي مصطلح بلاندا في الوقع قبيلتين مختلفتين، البفيري، الذين يؤلفون في الأساس سودانيون اختلطوا بدم نيلي، والبوور، الذين يشكلون في الأساس نيليون اختلطوا بدم سوداني. ينسب البفيري للندوجو ويتحدثون لغة سودانية. ويعد البجومبا جزءاً من البفيري.

 

1

شكل 1

البوور، من جانب آخر، ذو أصول نيلية، ويرتبطون بـ اللوو، ويتحدثون لغة اللوو. ويؤلف المبريدي جزءاً من البوور. تقارب البفيري والبوور ثقافياً بفعل التزاوج المتبادل المستمر.

 

ترك احتلال الأزاندي للمنطقة على امتداد القرن التاسع عشر تقريباً تأثيره أيضاً. في أواخر ذلك القرن، أجلى سلطان الأزاندي في طمبرة الكثيرين من البلاندا عن أراضيهم مما اضطرهم لإعادة الاستقرار أبعد إلى الشمال. لم يهرب جميع البلاندا على كلٍ، واستمر بعضهم يعيشون تحت سيادة المحتلين الأزاندي ويمارسون ثقافتهم بصورة ظاهرية. وبحسبانهم عرفوا بـ أبرى-أزاندي، يمكن تصنيف فن نحتهم الجنائزي ضمن منحوتات الأزاندي (شكل 1).

 

كانت منطقة البونجو واحدة من مناطق أفريقيا التي وجدت وصفاً كاملاً في أعمال الرحالة الأوربيين في نهاية القرن التاسع عشر. في الوقت الذي كان فيه جورج شفاينفورث Georg Schweinfurth، وثيودور فون هوجلين Theodor von Heuglin، ورومولو جيسي Romolo Gessi، وجون بيثريك John Petherick، وفلهام يونكر Wilhelm Junker في مديرية بحر الغزال، كانت المنطقة تعاني مخاض ثورة ودمرت بفترات حرب واحتلال. كان البونجو بصورة خاصة ضحايا تلك الاضطرابات، وتعرضوا تقريباً للإبادة الشاملة من قبل تجار الرقيق العرب. إما أن يكونوا قد بيعوا رقيقاً أو أخذوا للزرائب عمالاً ينتجون الطعام أو يخدمون صناعاً للفخار (انظر Schweinfurth, Junker, Petherick et al.). اعتمد تنظيم الزرائب الاجتماعي على استغلال الموارد البشرية مثل الرقيق، وأيضاً على تجارة العاج. أثرت قوة العلاقات الثقافية مع المحتلين المسلمين بلا شك عل ثقافة البونجو التقليدية وتكاد تكون قد أبادت كلياً شعب البونجو. التنظيم الاجتماعي غير التراتبي للبونجو، والذي لا وجود فيه لقيادة مركزية، لم يك قادراً على الوقوف في وجه الاحتلالات العسكرية العربية عالية التنظيم، ليبقى العشر من البونجو. الشئ نفسه حدث بالنسبة للبلاندا الذين نجا بعضهم من الصراع فقط بوضع أنفسهم تحت حماية الأزاندي (عاشت مستعمرة حتى في بلاط سلطان الأزاندي جبودوي في يامبيو) أو بالهجرة باتجاه الجنوب. آخرون هربوا شمالاً مع المقاتلين الأزاندي خلفهم مباشرة، واجبروا على تحمل غزوات الأخيرين. عانى البونجو بدورهم أيضاً من قبضة الأزاندي. كان البونجو مسلحين فقط بالقسي والسهام، في حين استخدم الأخيرون الرماح، والدروع، والسيوف. ورغم سوء التنظيم والعددية الأقل فقد أثبت البونجو مع ذلك أنهم خصم قوي بفضل تكتيكاتهم المميزة لحرب العصابات.

 

كان الجزء الغربي من جنوب السودان قد أفرغ إلى حد بعيد من السكان عندما تولى الإنجليز مسئولية الإدارة السياسية للمنطقة في بداية القرن العشرين. وتظل المنطقة كذلك إلى يومنا. أبقت الكثافة السكانية المتدنية على حيوانات الصيد بكميات كبيرة، ونجحت الثقافات التي اعتمدت تقليدياً على الصيد في البقاء. حتى سبعينات القرن العشرين استمر البونجو يعيشون على الصيد، مستخدمين الرماح، والقسي والسهام، والشراك، والشباك. يكمن الصيد أيضاً وراء صروحهم الجنائزية التقليدية، والتي تزين بتماثيل منحوتة ضخمة. مثل تلك المنحوتات تصور الميت، لكن المدافن نفسها قُصد منها إظهار رتبته التي بلغها في المجتمع عن طريق البراعة في الصيد وإقامة الوليمة اللاحقة، بالتالي التأثير الذي يمكن أن يمارسه على الأحياء من عالم ما بعد الممات.

 

منحوتات البونجو في العالم الغربي

2

شكل 2

رغم أن الرحالة المبكرين كانوا مهتمين بفن نحت البونجو، فإننا ندين بالفضل في توضيحه ووصفه التفصيلي لكل من شفاينفورث ويونكر. كان بيثريك أول من جلب إلى أوربا تمثالاً للبنجو 3، وهو تمثال موجود الآن بالمتحف البريطاني في لندن (انظر شكل 2، يسار). ويختلف هذا التمثال عن بقية القطع التي وصلت إلى أوربا منذ تلك الفترة. بالمثل، فإن التمثال الذي يوضحه شفاينفورث في عمله "الفنون الأفريقية Artes Africanae" يظهر أسلوباً اختفى في الوقت الحالي (شكل 4).

الأعمال التي سجلها كل من جورج شفاينفورث وبيثريك لم تك منحوتات جنائزية. انتمت في الغالب إلى نوع النحت التشخيصي الذي يوضع في المنزل كذكرى للمتوفي الذي وصفه جورج شفاينفورث، أو أنها مشابهة لتلك المنصوبة على جانبي الطريق التي تؤدي إلى القرية التي لاحظها بيثريك.

 

5

شكل 5

يعود تاريخ أول صورة فوتوغرافية لمنحوتة بونجو إلى عام 1906 وقد صورها المبشر فرتز جيير Fritz Geyer 4. تجسد المنحوتة أسلوباً لازال موجود اليوم، وتتمركز المنطقة الفنية المرتبطة به حول طمبرة، بالقرب من نهر جوبا (انظر شكل 5).

المنحوتة في الصورة الفوتوغرافية هي واحدة من شكلين وجدا في الحديقة خلف ما كان حينها المباني الحكومية. بالتالي كان الوصول إليهما متيسراً وتم وصفهما وتصويرهما عدة مرات خلال القرن العشرين. صورة جيير تبعها وصف للمنحوتة تمت صياغته أثناء زيارة لمديرية بحر الغزال. عندما ذهب الرحالة الإنجليزي ريتشارد ويندهام Richard Wyndham إلى طمبرة في وقت ما قبل 1936، قام هو كذلك بالتقاط صور فوتوغرافية لتلك المنحوتات، التي كانت لازال قائمة في ما سيصبح حديقة المستشفى، وأعاد جوزيف مايس Joseph Maes فيما بعد طباعة صور ويندهام 5.

وحيث أن طمبرة كانت عرشاً لواحد من زعماء الأزاندي المهمين فقد أشار مارك ليو فليكس Marc Leo Felix 6 إلى صورة من صور ويندهام، واصفاً بالخطأ تلك المنحوتات بحسبانها منحوتات مدفن للأزاندي (التي هي نادرة لكنها مع ذلك موثقة). لاحظ ويندهام نفسه في رسالة بعث بها إلى ميس أن تلك المنحوتات الخشبية صنعها أزاندي بناء على طلب مبشرين أرادوا تزيين حديقتهم. ذكر جيير، من جانب ثان، أعمال صنعها نحات من البلاندا لأوربي. لا يسجل لا جريير ولا ويندهام المحتوى التقليدي المناسب لقطعتي طمبرة 7. تضمينهما لجسم المنحوتات التقليدية يمكن تحديه بالتالي. أنهما يشهدان أكثر على تأثير الصلات الثقافية المبكرة وعلى تحول في الاستخدام المبدئي لفن النحت.

 

كان شارلس سليجمان Charles Seligman، في عام 1917، الأول الذي أعاد إنتاج عمل فني تقليدي قديم مأخوذ من مدفن، احتمالاً التمثال الجنائزي الأول الذي يصل إلى متحف 8. وكان ادوارد ايفانز برتشارد Edward Evans-Pritchard، في عام 1929 9، الأول الذي يكتب وصفاً مفصلاً للمدافن في منطقة التونج، وأعاد إنتاجها في عمله. في مجلد صدر في عام 1932، أعاد سليجمان طباعة صورة لتمثالين كان قد التقطهما دكتور توكر Dr. Tucker. يوفر هذان التمثالان، الذين تمت إعادة تصويرهما فوتوغرافياً من قبل المؤلف عام 1974، بينة مصورة غير عادية لعملية فن النحت الأفريقي الطويلة (انظر شكل 11 أدناه).

 

أخيراً فإن عمل اندرياس Andreas و ولتراود Waltraud كروننبيرج Kronenberg وبحثهما هو ما جعل البونجو وثقافتهم التقليدية معروفة في عالم الاثنوغرافيا. عاشا في خمسينات القرن العشرين وسط البونجو لفترة زمنية طويلة نسبياً وجمعا أعمال وجدت في النهاية ملاذاً آمناً لها في متحف الخرطوم للاثنوغرافيا  نجحا في اقتناء تماثيل مدفن قديم مع بعض نماذج أخرى لم يتم استخدامها من قبل، كما نظما عملية نقل بعض منحوتات طمبرة إلى الخرطوم، حيث تم عرضها في حديقة متحف الاثنوغرافيا. كانت تلك لازالت موجودة هناك عندما وصل متخصصون من ساكسونيا السفلى لصيانتها في عام 1987.*. بعد انقضاء عشرون عاماً منذ الصور التوضيحية لويندهام، تمت ملاحظة أن قطعة واحدة ظلت على حالتها نفسها كما في الصورة الفوتوغرافية. عندما تم ترميمها في عام 1987، أظهرت آثار العمر (شكل 5) 10.

 

8

شكل 8

بدأ تاريخ منحوتات البونجو في الغرب في 1973، عندما طرح في السوق ستة عشر موضوعاً عبر وساطة عالم الفنون والرحالة البلجيكي كريستيان دوبونشيل Christian Duponcheel. كان دوبونشيل 11 قد اطلع في الصحافة على تقارير بخصوص مفاوضات وقف إطلاق النار بين حكومة السودان المركزية والثوار في الجنوب. استقل أول طائرة إلى السودان وتمكن من مقابلة قائد الثوار، الذي كان حينها بسبب المفاوضات متواجداً في العاصمة. بمساعدته تمكن دوبونشيل من جمع منحوتات في مديرية بحر الغزال ونقلها إلى أوربا. انتهت تلك القطع في متاحف (باريس، لندن، نيويورك)، وفي أيدي تجار التحف (هنري كامر Henri Kamer)، أو مجاميع خاصة (فروم Frum، دي جروني de Grunne، دي منيل de Menil).

 

9

شكل 9

بعد عام على رحلة دوبونشيل، ذهبت إلى جنوب السودان مع زوجتي، حيث قمنا بتصوير وجمع المنحوتات المبينة في الشكلين 6 و7. سافرنا سيراً على الأقدام، وقضينا وقتاً طويلاً نستبين من الزعماء، والمعالجين، وبخاصة الصيادين.

 

منحوتات أخرى وصلت إلى أوربا في وقت لاحق، بداية مع حامل بلجيكي (شكل 8 أعلاه) ومن ثم عن طريق مجهودات موظف أمم متحدة ألماني (شكلين 9، يسار؛ و 10، أسفل)، لكن تلك كانت مجرد تذكارات جلبت عن طريق أناس يعملون في المنطقة. ليس قبل حلول 1998 حيث بدأت عندها تلك الأعمال تظهر بأعداد كبيرة في سوق التحف الفنية.

 

أصل المنحوتات وعمرها

10

شكل 10

المنحوتات العتيقة التي لا تأتي من مدافن يحتمل أن تعكس ظواهر محلية (شكل 2 و 4). نحتت تماثيل البونجو المرتبطة بالممارسات الجنائزية من جذع شجرة، تكون قاعدتها مدفونة ستين إلى ثمانين سم في الأرض. توضع إما أمام تل المقبرة أو وسطه وتحاط بحجارة، بحيث تكون الدائرة الكلية حوالي ثلاثة أمتار في القطر. أقيمت تلك المدافن بالقرب من القرى، وتكون التماثيل معرضة بصورة كاملة للطقس. وحيث أن القرى في هذه المنطقة تحركت عندما تصبح الأرض غير صالحة للزراعة، فإن المدافن القديمة أصبحت الآن ضائعة في السافانا، بدون ممرات تقود إليها. تجعل الكثافة السكانية المتدنية للبونجو من الاستحالة بمكان تحديد موقع الكثير من تلك المدافن إلا في حالة اشتراك السكان المحليين بفاعلية في عمليات البحث. تفسر هذه الحقيقة لماذا يكون العامود في قاعدة التمثال مبتوراً بسكين: البونجو، الذين يحترمون أسلافهم ومدافنهم القديمة، لا يودون أن يفسدوا الأرض بإزالة الجزء المطمور من التمثال.

 

يجب أن نستغرب عن ماهية العناصر التي أثرت في تلك المنحوتات الجنائزية مع تقادم السنوات وما هو مداها العمري. كونها منحوتة من خشب المهوجني، فإن صلابة هذا النوع من الخشب ومقاومته الطبيعية أعطى لتلك المنحوتات عمراً طويلاً. ليس بإمكانية النمل الأبيض، وهو عدو أساسي لفن النحت الأفريقي، أن يؤذي هذا الخشب القوي، ونادراً ما ينشطر. تجعل الشمس لون الخشب الأحمر في الأصل فاتراً لكنها لا تهاجمه في الواقع. الضرر الأساسي الذي تعاني منه المنحوتات، بالتالي، تتسبب فيه الرطوبة، بخاصة خلال موسم الأمطار. تبدأ التعرية عادة في خشب القلب الصلب، وتصبح الكثير من المنحوتات أكثر تجويفاً. تشكل حرائق الأدغال كل سنة سبباً آخراً للدمار، كما توضح آثار بعض القطع، لكن طالما أن الخشب الصلب يصعب احتراقه، فإن المنحوتات تكون متفحمة ظاهرياً فقط. ليس من طريقة لحساب عمر منحوتات البونجو باستخدام الكربون المشع14، والمستخدم اليوم بصورة شائعة بالنسبة لمنحوتات أفريقية أخرى، ذلك لأننا لا نعتقد أن تلك الأعمدة يتجاوز عمرها 100 إلى 120 سنة. بالتالي فإن البينة الأساسية التي نمتلكها لتأريخها توجد في المصادر التاريخية والوثائق الفوتوغرافية، التي مكنتنا من التعرف على خمس منحوتات التي تظهر كل واحدة منها في أكثر من صورة فوتوغرافية يفصل بين التقاطها عقود. آخذين في الحسبان مدى التعرية التي حدثت بين التاريخين، يمكننا تكوين صورة عن العملية الطويلة.

 

11

شكل 11

(شكل 11) منحوتات من مدينة التونج، صورها تكر قبل 1932، ثم مجدداً في 1974. كانت لازالت واقفة في عام 1974، حتى وإن كان وجه الطفل لم يعد من الممكن التعرف عليه، وهي حقيقة ناتجة عن تخريب أكثر من كونها ناتجة عن تعرية. كانت تلك المنحوتات في حالة عامة جيدة لأكثر من اثنين وأربعين عاماً بعد تصويرها للمرة الأولى، رغم العديد من علامات التعرية. المثير هو أن القليل قد تبقى من المدافن في الصور المتأخرة. الصورة التي التقطها تكر تظهر منحوتات طليت لتوها. يمكننا بالتالي افتراض أن الأشكال عملت ليس بوقت طويل سابق للصور الملتقطة.

(انظر شكل 5 أ و ب أعلاه) منحوتة من طمبرة التقطت صورتها قبل عام 1936 من قبل ويندهام (المتوحش الدمث The gentle Savage, pl. 38) والتي أخذها كروننبيرج إلى متحف الخرطوم في عام 1958. تظهر بعض علامات التعرية فيما بين التاريخين. عرضت المنحوتة في فناء المتحف في 1958 ورممت في عام 1987 بسبب التعرية الشديدة التي تعرضت لها. كان الوجه بحالة جيدة في عام 1936، لكن بعد أكثر من واحد وخمسين عاماً في الهواء الطلق، فإنها احتاجت إلى ترميم بسبب الأضرار الناتجة عن الطقس.

12A

شكل 12 أ

(شكل 12 أ) هذا المدفن، القريب من التونج، التقطت صورة فوتغرافية له قبل عام 1936 من قبل ويندهام الذي نسب المدفن للأزاندي الذين عاشوا في المنطقة. واضح أنه مدفن للبونجو كان قد أصبح قديماً عندما التقطت صورته.

12B

شكل 12 ب

(شكل 12 ب، يمين) جمع في عام 1999، بحالة سيئة، هذه المنحوتة (التي يمكن رؤيتها في القاع الأيمن، في صورة التقطها ويندهام، المتوحش الدمث، لوحة 17) يمكن تقدير عمرها بحوالي سبعين سنة.

13

شكل 13

(شكل 13) صور هذه المنحوتة كروننبيرج قبل عام 1958، ثم صورها مجدداً في عام 1974، هذا المدفن لا يظهر اليوم تغيرات مرئية. رغم أن كروننبيرج وصفه بأنه قديم، فإن صورة عام 1974 تترك الانطباع بأن المنحوتة حديثة نسبياً.

14

شكل 14

(شكل 14) العمود الذي يعتليه طائر يعود تاريخه إلى أربعينات القرن العشرين، عندما أمرت الحكومة بمنحوتات الطيور في التونج. بدأ الناس حينها يزينون المدافن بأشكال حيوانية أيضاً. هذه المنحوتة التي تضررت كثيراً جمعت حديثاً وتبلغ من العمر قرابة الستين سنة.

 

تلك الأمثلة القليلة تبين أنه في حين أن المنحوتات لا تتآكل دائماً، فإن تغيرات أساسية يمكن ملاحظة حدوثها في فترة أربعين سنة. يمكننا أيضاً الاستنتاج بأنه وبمجرد أن تبدأ عملية التعرية فإنها تتنامى بسرعة، ذلك أنه وطالما بقي الخشب في حالته دون تغير، فإن التغيرات يصعب ملاحظتها. يمكننا أن نفترض بالتالي أنه كلما كانت المنحوتات أقدم بين خمسين ومائة سنة في وقت جمعها.

 

الدين

بفضل أبحاث كروننبيرج في الأهمية الدينية للمدافن، فإننا نمتلك المزيد من المعلومات عن تلك المنحوتات مما هو الحال بالنسبة للعديد من الأشكال الأخرى لأعمال الفن القبلي، ويمكننا رسم مخطط للمحتوى الديني الذي صنعت فيه تلك المنحوتات. هنا، قام لوما بخلق العالم والكائنات البشرية. لوما، الإله الخالق، موجود في كل عملية الخلق، الجانب الروحي موجود في كل فرد من بني الإنسان، وفي كل شئ حي وغير حي. ليس للكائنات الحية علاقة مباشرة مع لوما، لكنها بعد الموت تصل إلى قرية لوما، حيث سوف تعيش للأبد. إنها تنتمي الآن إلى عالم الأسلاف، ويمارسون تأثيراً معلوماً يستخدمونه لرفاهية وخير أحفادهم.

 

لوما-جوبو هو نقيض لوما. إنه سيد الغابة وخالق الجبال، والأنهار، والحيوانات في الأدغال. يشكل الصيادون البونجو تهديداً دائماً لـ لوما-جوبو، لأنهم عندما يمارسون الصيد يدخلون إلى مجاله ويزعجون خلقه. رغم أن البونجو يعيشون في صراع دائم مع لوما-جوبو، فإنه لا وجود لصلة لهم به بعد الموت. كل فرد من البونجو يشيد مذبحاً لإله الغابة هذا أثناء طقوس الصيد، في محاولة لاسترضائه وكسب مساعدته. هذا المذبح، الذي هو مسكن سيد الغابة، يسمى رو لوما جوبو وتشيد الشجرة التذكارية،أو فوري، أمامه. يتوجب على الصياد وزوجته إطاعة أحكام السلوك أثناء الصيد. من سلوك الحيوانات في الغابة يدرك الصياد عما إذا كانت زوجته قد أطاعت تلك الأحكام، وقد يشكل فشلها في الالتزام بذلك خطراً على حياة زوجها. يسهم السلوك المطيع والشعائر الصحيحة في ممارسة صيد ناجح وتحمي الصياد من الحوادث. 

 

الصيد واحتفالات الجدارة

7

شكل 7

عندما يقتل الصياد البونجو حيواناً كبيراً، مثل ثور وحشي، أو فيل، أو فهد أو حتى إنسان، فإنه يكون قد ارتكب مخالفة جدية في مجال سيد الغابة، والذي لن يعجز عن معاقبته. على الجاني بالتالي أن ينفذ طقس صيد إرضاءً لـ لوما-جوبو. الأدوات المستخدمة لتلفيق هذا "التطبيب بالصيد" المهدئ سيتم تمثيله لاحقاً عن طريق حلقات متنوعة تنحت في الأعمدة المشيدة على المدافن. الجماجم والنصب التذكارية تمثل رمزياً أيضاً في المدافن. في الأزمان القديمة، كان قتل عدو أمراً خطيراً ويعد مأثرة خاصة تنال التشريف عن طريق الصروح الجنائزية. بالتالي في شكل 7، يمكن رؤية عامودين على التل خلف الشكل يعتليهما رأسان لعدوين قتلا.

لاحظ بيثريك فوري معلق مع جماجم بشرية تشريفاً لسيد الغابة: "في قلب القرية يوجد ميدان كبير، حيث تعلق على شجرة النصب التذكارية- جماجم المقتولين". أهمية قتل العدو في عالم البونجو تؤكد عليها ملاحظة الأب ماجاجنوتو التى اقتبسها ستيفانو سانت اندريا: "كان من المألوف لدى شبيبة البونجو الأكل باستخدام اليد اليسرى، بحيث يكون لليد اليمنى شرف قتل رجلاً من الدجور". في تلك الأيام كان اصطياد الثور الوحشي يعد الأصعب، بالتالي يكون مدهشاً وضع قرون أو حتى جماجم الثيران ضمن الزينة الجنائزية.

 

15

شكل 15

عندما تكون أسلاب الصيد مهمة فإن هيبة الصياد تزداد في عيون رفاقه. بعد أيام قليلة من طقس الصيد يحق للصياد الاحتفال وينال أثناء احتفال الجدارة، الذي يكون هو مسئول عنه، لقباً يتوافق وعدد الحيوانات التي قتلها. على مدى أيام الاحتفال يتوجب على الصياد أن يوفر لضيوفه المريسة (الجعة) والأطعمة المختلفة. ويرقص الضيوف مع نصب الصيد ويقدمون براءة الشرف للصياد. يحتاج الاحتفال لكميات كبيرة من الطحانة. وبما أن الحبوب غير متوفرة دائماً فإن الاحتفال قد يؤجل في حالات إلى حين توفيرها. كلما ازداد عدد احتفالات الجدارة التي يقيمها الصياد كلما ارتفعت مرتبته الاجتماعية. كل أعمال الصيد البطولية التي حققها والاحتفالات التي أقامها سيتم تعليمها لاحقاً على صروحه الجنائزية، حيث تشير حلقات على شكل قدح في الأعمدة إلى تحضير تطبيب صيد وتمثل الأجسام الكروية رؤوس الحيوانات المقتولة (شكل 15). الرؤوس في قمة الأعمدة يمكن، كما بينا أعلاه، أن تشير إلى الناس الذين قتلهم الصياد. الأعمدة التي تنتهي بشوكة متشعبة تشيد حول التل لاستحضار حيوانات أقل تم قتلها.

 

الاحتفالات الجنائزية

الاحتفالات التي يتم فيها تشييد الصروح الجنائزية، هي بمعنى آخر احتفال ينظم على شرف صياد بونجو. بالتالي فإن كل من الصرح والاحتفال يؤكدان مرتبة المتوفى التي حاز عليها خلال حياته الدنيوية، ويضمنان له الاحتفاظ بتلك المرتبة في العالم الآخر. يقف المتوفى الآن أمام لوما ليدعي مكانه في قرية الإله. تشيد المدافن وتطلى بالمغرة؛ يحاط الكوم التلي بالحجارة. يعتمد عدد الصروح الجنائزية وشكلها على الأفعال التي يقوم بها المتوفى وكذلك على عدد احتفالات الجدارة التي أقامها. يقوم الأقارب والضيوف أثناء المهرجان الاحتفالي بسرد مآثر المتوفى في الصيد وسلسلة نسبه. يمكن لـ لوما بالتالي من تقييم المتوفى؛ كلما علت مرتبته كلما توجب أن يكون الاحتفال ضخماً ومهيباً. إذا أثبت الاحتفال عدم اكتماله وأنه غير مناسب لرتبة المتوفى الاجتماعية، أو إذا كانت الصروح الجنائزية لا تليق بجدارته وبألقابه، فإن المتوفى لن يكون بمقدوره استخدام نفوذه مع لوما ليوفر حماية كافية لأحفاده. فوق ذلك، فإن الأخيرين سيجلبون على أنفسهم انتقام المتوفى.

 

المدافن

رغم أنها متنوعة في بعض الجوانب، فإن مدافن البونجو تتوافق مع المرتبة التي حاز عليها المتوفى خلال حياته الدنيوية، وبالتالي يتم تشييدها وفق ضوابط محددة.

 

30

شكل 30

تشيد تماثيل أنثروبومورفية (تشبهية) ضخمة أمام مدافن الصيادين العظماء للغاية. عادة ما تمثل تلك التماثيل المتوفى، وفي حالات، الرجال الذين قتلهم. تتجه التماثيل باتجاه قرية لوما في الشرق. تُظهر أعمدة منحوتة من فوق التل عدداً من نصب تذكارية للصياد إلى جانب أدوات تستخدم للتجهيز لتطبيب الصيد. قد تعلو تلك الأعمدة رؤوس، بخاصة في منطقة التونج. عادة ما تنتهي الأعمدة حول التل بشوكة، والتي ترمز أسلوبياً للقرون. وهي بدورها أيضاً تشهد عل جدارة الصياد وقوته. في حالات تغطى المدافن بأثاث مهشم كان خاصاً بالمتوفى في السابق، أو بجماجم حيوانات، أو برايات. التماثيل محاطة بإحكام برؤوس أسهم حديدية استخدمت أثناء الاحتفال الذي يتم من خلاله طلاء التماثيل بالمغرة أو بمادة حمراء أخرى. تبقى في بعض الحالات آثار خضاب.

 

يصور المتوفى في حالات فقط بتمثال نصفي احتمالاً، كما يسجل شفاينفورث، نتيجة، على الأقل جزئياً، أسلوب مميز لنحات بعينه. تميز مدافن الصيادين الأقل مرتبة في العادة بحلقة أعمدة بسيطة.

 

عُلمت بعض المقابر بتماثيل أنثروبومورفية ضخمة لكن بدون أن يكون لها لا تل ولا أعمدة. تمثل تلك أيضاً شخصاً ميتاً، لكنها تشيد فقط إذا كان المتوفى قد قتل بفعل سحر. تلك التماثيل، المعروفة باسم مانجير، يهدف منها إلى استبعاد السحرة. تشيد في المقبرة مباشرة بعد الوفاة بدون احتفال مخصص.

 

النساء عادة لا يستحقن تمثالاً يصورهن لكونهن لا يمارسن الصيد. عندما يكون هناك عمود على مدفن امرأة، فإن ذلك يكون بسبب أن احتفال الجدارة قد أقيم على شرفها من قبل صيادين. التمثال الموضح في الشكل 13 واحد من الأمثلة، ويصور ساحرة امرأة مشهورة. عندما يرغب الصيادون في إبراز تأثير شخصية امرأة مشهورة في الآخرة، يمكنهم تحويل الاحتفال لها، وهذا هو ما يفسر وجود أعمدة منحوتة على بعض مدافن النساء.

 

مدافن البلاندا مشابهة لتلك الخاصة بالبونجو وتخدم الغرض نفسه. لكن البلاندا، على أية حال، يميلون أكثر من البونجو إلى تشريف مدافن النساء بإقامة أعمدة. مثل تلك المدافن غالباً ما تكون خاصة بأمهات عظماء الصيادين.

 

الصروح الجنائزية للمجموعات المجاورة، مثل المورو، والأفوكايا، والموروكودو، واللوري، والسوفي، والبلي، والتي سيتم تناولها في الجزء الثاني من هذه المقالة، تختلف عن مدافن البلاندا والبونجو من حيث الأسلوب والوظيفة وأيضاً من حيث المعنى. عند بعض القبائل يوجد تمثال تقريباً لكل ميت، في حين أنه عند قبائل أخرى يحتفظ بهذا الشرف فقط لقلة من الخاصة، مثل صناع المطر. القليل من الناس باقين والقليل للغاية معروف عن ماضيهم بحيث أن تصنيف تلك المدافن يظل غامضاً. ارتكب الرحالة المبكرون العديد من الأخطاء، مثل مدفن الـ "زاندي" الذي اكتشفه ويندهام والذي اتضح أنه مدفن بونجو، رغم أنه من المحتمل الأقرب مجاورة للأزاندي (شكل 12).

 

مراكز النشاط الفني

MAP

 

6

شكل 16

الخريطة في هذه المقالة تُظهر وجود عدد كبير من الأساليب الإقليمية. هذا الأمر لا يثير الدهشة آخذين في الحسبان عزلة المجموعات المختلفة للبونجو والبلاندا. ثلاثة أساليب بونجو تونج (الأشكال 3، 6، 7، 12، 16، 17، 18، 19) يمكن تمييزها، كما يمكن تمييز أسلوب بوسيرى (شكل 9)، وأسلوب واو الجنوبي (الشكلين 20 و 21) وعلى الأقل ثلاثة أساليب بلاندا-مبجومبا (الشكلين 23 و24)، ومبريدي (شكل 10)، وأسلوب اباري-أزاندي في يامبيو (شكل 1) وكذلك أسلوب طمبرة (شكل 5) وأساليب باكا (شكل 25).

نظرياً، فإن أي فرد من البونجو يرغب في أن يكون نحاتاً ويصنع تماثيل جنائزية له مطلق الحرية. يعمل معظم الوقت في مجموعته بأسلوبه الخاص. نحاتون معينون عادة يتخصصون في صناعة الأعمدة ذات الحلق، أو ذات الشوكة، أو التماثيل الضخمة.

16A

شكل 6

 

19

20

21

23

شكل 19

شكل 20

شكل 21

شكل 23

 

يعزى انعدام التبادل بين قبائل البونجو المختلفة وتطور أساليب إقليمية متمايزة إلى عزلة تلك القبائل على امتداد منطقة واسعة، وتفاقم الصراعات المسلحة فيما بينها. فوق ذلك، فإن حجم التماثيل الجنائزية ووزنها جعل من المستحيل نقلها لمسافات طويلة. تساعدنا تلك العناصر في التعرف على أسلوب عدد من النحاتين المتخصصين في التماثيل الجنائزية الأنثروبومورفية. حتى صناع الأعمدة ذات الحلقات يبدو أنهم طوروا أساليب فردية. تختتم هذه المقالة بموجز للأساليب الرئيسة لأعمدة البونجو والبلاندا ولأصولها الجغرافية.

 

3

شكل 3

أسلوب التونج 1 (الأشكال 3، 6، 7)

"أستاذ التونج" تم التعرف عليه عن طريق أعماله. يتميز هذا الأسلوب الرائع بتصوير أشكال الذكور ويتميز بحاسة الحركة. الرأس بيضاوية، ويضيف النحات في حالات ذقن. يلبسون كلهم جرابات عورة، وتبدو العيون المعمولة في الأصل من قواقع حلزون تحدق في الأبدية. في العادة تكون يد واحدة مرفوعة ورجل واحدة ممتدة قليلاً للأمام. مثبتة بانحناءة طفيفة للركبة، يعطي هذا الانطباع بالحركة. المنحوتات فيما يبدو صنعت كلها من قبل يد واحدة، واسم هذا النحات تم إخطارنا به: كوانجا جيتي، أو باندجا جيتي، طبقاً للزوجين كروننبيرج. كان حياً في خمسينات القرن العشرين عندما عاش الزوجين كروننبيرج وسط البونجو، وتمكنا من اقتناء أعماله الأخيرة لمتحف الخرطوم للاثنوغرافيا. في عام 1974، كان هو وأبناءه قد ماتوا وتم تقديمنا لنحات شاب يقوم بصناعة منحوتات جنائزية حديثة. في وقت قريب ظهرت قطع معاصرة للأسلوب نفسه. إنها عموماً قطع أصغر وتمثل صوراً للمستعمرين (الخواجات) في العادة. ومع أن بعضها يتسم بمزايا لا يجوز إنكارها، إلا أن الكثير منها يبدو جامداً. يحتمل أن تنسب تلك الأعمال لتلاميذ أستاذ التونج.

أسلوب التونج 2 (انظر الشكل 12)

هذا الأسلوب القديم يتألف من عمل نحات متخصص في التماثيل النصفية. المنحوتة نفسها يمكن رؤيتها في وضعها الأصلي في صورة فوتوغرافية التقطها ويندهام في ثلاثينات القرن العشرين. تقليد تصوير المتوفى ليس بكامل هيئته وإنما نصفياً كان أكثر شيوعاً في أزمان أقدم؛ يشير التوثيق القديم إلى تماثيل نصفية أكثر مما يمكن رؤيته اليوم. هذا الأسلوب التجريدي نسبياً يختلف عن أساليب التونج الأخرى، وغالباً ما يكون النحات منتمياً لجماعة أخرى. صور ويندهام مدفنه ونسبه للأزاندي، لكنه كان مخطئاً. هذا الصرح الجنائزي مميز للأعمال الأخرى لأسلوب بونجو التونج 2.

17

شكل 17

أسلوب التونج الحلق 1

(الأشكال 16 أ و ب، و17)

يغطي مدى هذا النحت المثمر المنطقة نفسها مثل التونج 1. عمل تحديداً على الأعمدة الجنائزية الحلق، التي يعلوها عادة رأس. فقط عمل واحد من أعمال هذا الأسلوب يظهر شكلاً كاملاً.

 

18A

شكل 18

أسلوب التونج الأعمدة الحلق 2

(شكل 18)

في المنطقة نفسها يوجد أسلوب ثان ينسب لنحات متخصص في أعمدة حلقات تعلوها رأس. أسلوبه أكثر واقعية وعادة ما تزين الرأس بغطاء مزخرف. اختلاف هذين الأسلوبين في المنطقة الجغرافية نفسها يُظهر الحرية الأسلوبية التى يتمتع بها نحاتون متجاورون.

 

أسلوب التونج الشرقي (شكل 19)

يسود أسلوب أكثر تجريدية في المنطقة بين رمبيك والتونج. الوجوه المقعرة ذات الشكل الأشبه بالقلب تستحضر المنحوتات من الكونغو الشرقي وترتبط بالتماثيل النصفية للتونج 2. يصور هذا النحات الحركة والإحساس. يبدو ذراع الشكل وكأنما يقوم بحركة حزن.

 

أسلوب بوسيرى (شكل 9)

وفقاً لآل كروننبيرج، احتفظت مجموعة بوسيرى بأكثر التقاليد أصالة. يظهران في كتابهما العديد من القطع المنحوتة بيد فنان واحد. الأشكال دائماً بلا ملابس، يميل الجسم قليلاً على خط الجذع. الفم والعينان مفتوحة، الوجه مقعر وعلى شكل قلب. الذراعان نحتا قريباً جداً من الجسم. الأسلبة القوية تختلف تماماً عن تصوير الحركة المميزة لمنطقة التونج.

 

أسلوب واو 1 (المنطقة الجنوبية) (انظر شكل 20)

هذا التمثال، مثله مثل التمثال في المتحف البريطاني، من عمل فنان عاش جنوب واو، في منطقة تتميز بأشكال تفتقد إلى أي إحساس بالحركة.

 

أسلوب واو 2 (انظر شكل 21)

يُظهر هذا الشكل خدوش مميزة للبطن، والوجه، والجبهة. الوجه المؤسلب أشبه بالقلب. العينان مطعمتان بمعدن، وهي تقنية وجدت أيضاً لدى قبيلة البلاندا الفرعية – مبجومبا- المجاورة.

22A

شكل 22 أ 

بونجو، أسلوب طمبرة (شكل 22أ وشكل 22ب)

صنع هذا النحات أعمدة منحوتة ضخمة مؤثرة، حقيقية بحقها الخاص. الوجه معبر للغاية دائماً، الرأس بارزة قليلاً إلى الأمام، العينان والأذنان مجوفة بعمق، الفم البيضاوي مفتوح دائماً. قاعدة الرأس والجزء الأعلى من آنية طبية تسندها تخلق سطحين متوازيين متطابقين (شكل 22أ). قطعة أخرى من تنفيذ الفنان نفسه مبينة في الشكل 22ب.

22B

 شكل 22 ب

بلاندا، أسلوب مبجومبا 1 (انظر شكل 23)

يحتمل أن يكون هذا التمثال هو المثال الوحيد المعروف من هذا الأسلوب. كانت هناك تأثيرات غربية في هذه المنطقة منذ ثلاثينات القرن العشرين. كتب ايفانز برتشارد عن أسلوب فن النحت هذا :" تلك التى نصبها المبجومبا هي الأروع التي رأيتها في بحر الغزال. إنها محزوزة بقطعة قماش أو حزام منسوج، ومزخرفة بقبعات، وحلي أذن، ودبابيس أنف؛ إنها مصنوعة لكلا الجنسين، الأجسام منحوتة جيداً وفي أجزاء ملونة بصباغ أحمر وأزرق. في حالات توجد ثلاثة شلوخ مستقيمة على كل خد، والتي يمكن أن تكون علامة قبلية". أزال الزمن ألوان تلك التماثيل القديمة. ألبست بعضها خوذات المستعمرين، والتي كانت تعد، فيما يبدو، رمزاً لعلو المرتبة الاجتماعية وسط البلاندا الآخرين منذ وقت مبكر، ويوجد طبيعياً على رؤوس التماثيل. لكن لم يرتبط غطاء رأس بحال من الأحوال بمقدمة رأس تمثال عن طريق مسامير معدنية كما لاحظه جرمي كووت في تعقيبه على أشكال البونجو الثلاثة في كاتلوج أفريقيا "فن قارة" (1995، ص. 137).

24

شكل 24

أسلوب مبجومبا 2 (شكل 24)

هذا الشكل، الأكثر واقعية بدون ادخالات معدنية، يدلل على أسلوب ثان للمبجومبا. إنه عمل فنان مشهور من منطقة رافيلي، أوستا أوكون. تماثيله عادة طويلة، مع أشكال رقيقة وقوية. تماثيل أخرى لهذا الفنان موجودة في متحف الخرطوم.

بلاندا، أسلوب مبريدي (انظر شكل 10)

أعمال أخرى لهذا الفنان معروفة 12، وتتطابق مع المنطقة الأبعد جنوباً. صنع الفنان أيضاً أشكال طويلة للغاية، دائماً بلا ملابس، مع أكتاف عريضة للغاية ومربعة وأفخاذ قوية. الفم مفتوح في تعبير عدائي، غطيت الرأس بتسريحة أشبه بالخوذة أو بقبعة أوربية في حالات. خلافاً لمنحوتات فنان رافيلي (شكل 24)، تنبثق من تلك الأشكال قوة وحشية. يعيش البلاندا بعيداً في الجنوب حتى طمبرة، والقليل من المجموعات استقرت في مركز يامبيو. كل البلاندا الجنوبيين يستخدمون أسلوب نحت مشابه.

 

بلاندا، أسلوب أبارى-أزاندي من يامبيو (انظر شكل 1)

كانت يامبيو في فترة ما عرشاً لسادة الأزاندي، بالتالي كانت المنطقة كلها مأهولة كلياً بالأزاندي. مع ذلك وجدت هنا تماثيل جنائزية تختلف اختلافاً بيناً من تلك التي نشاهدها في أماكن أخرى 13.الوجه عبارة عن قناع وضع أمام غطاء رأس غير معقد وله تعبير توسطي، وتشكل الأسلبة الهندسية للذراعين ابتكاراً في جسم التماثيل الجنائزية. تلك ذات درجة قرابة أكثر بالتماثيل الكبيرة لمنطقة الكونغو الشمالية منها بالأساليب الخرقاء لشرق أفريقيا. عطاء الرأس المؤسلب الأشبه بالجوهرة وجد على بعض تماثيل الزاندي من يامبيو، كما هو شأن استخدام قناع لتصوير الوجه. هذا الأسلوب قريب من التقاليد المميزة لتماثيل الأزاندي من يامبيو، مثل أجراس الأزاندي ورؤوسهم التي تزين القيثارات. يأتي هذا الشكل من أبارى- أزاندي، وهي قبيلة بلاندا كانت في أزمان ماضية تحت التأثير الثقافي للأزاندي. هذا الأسلوب والفنان الذي جسد عمله مثالاً له ستتم مناقشته مجدداً في الجزء الثاني من هذه المقالة التي سوف تنشر في عدد قادم.

 

أسلوب طمبرة (انظر شكل 5)

التماثيل التى تجسد هذا الأسلوب زينت باحة مستشفى جوبا السابق. لم تصنع بأسلوب تقليدي ويعتقد أنها تصور الأطباء العسكريين العاملين بالمستشفى. الأسلوب رقيق وزخرفي وطبيعي إلى حد ما. هناك ادعاءات بأنه كانت هناك تماثيل مشابهة في مستشفى ليرانجو بالقرب من يامبيو.

25

شكل 25

أسلوب باكا (شكل 25)

تعيش قبيلة باكا الفرعية القريبة للغاية من البونجو في منطقة مريدي وياي. فقط عمودان منحوتان تم التعرف عليهما. كانا مؤسلبان واعتلت كل واحد منهما رأس.

 

26

27

28

شكل 26

شكل 27

شكل 28

 

شكر

أود أن أعبر عن شكري الخاص لزوجتي، جابي، التي رافقتني في العديد من أسفاري، وماكس اتزيكوفتش، لمساعدته.

 

 

 

 

*

عندما كنت (المترجم) مديراً عاماً للإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية إبان الحكومة الديمقراطية الأخيرة قامت الإدارة (1987)، بدعم مادي قدمته سكسونيا السفلى مشكورة، بتنفيذ إعادة تنظيم متحف التراث وعدل اسمه ليصبح متحف السودان القومي للاثنوغرافيا وفق مفهوم الوحدة في التنوع، وهو المشروع الذى تسبب في المشكلة المشهورة التي نشبت بين الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية ووزير الثقافة والإعلام حينها المدعو عبدالله محمد أحمد الإسلاموي الأصولي المندس حينها في حزب الأمة، والذي وقف معارضاً لرؤية تيار السودانوية الذى عبرت عنه سياسات قيادات الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية حينها والقائل بأن وحدة السودان إنما تتجسد في ثقافاته المتنوعة التي تمارس عمليات أخذ وعطاء فيما بينها دون أفضلية أو سيادة أو هيمنة واحدة منها على بقية الثقافات وسعت إلى أن تستجيب أساليب العرض المتحفي إلى هذا التوجه الفكري. هذا وقد أصدر السيد رئيس الجمهورية عمر حسن البشير قراراً  بخلع المتحف القومي للاثنوغرافيا عن جسم الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية وخصخصتة لما صار يعرف بمعهد حضارة السودان (الجسم الإنقاذوي المناط به إعادة كتابة تاريخ السودان وفق مفاهيم الإنقاذ الانسدادية) والذى "يمتلكه" الإسلامويون في شخصية متخصص في اللغة العربية والدراسات الإسلامية. من حينها تحولت كل المقتنيات من صالات العرض لتقبع في مخازن فاقدة لأبسط شروط الصيانة والحماية، في حين تحولت القاعات إلى مكاتب لموظفي وموظفات المعهد المسمى. أضغط هنا لللاطلاع على المزيد بشأن تدمير متحف السودان القومي للاثنوغرافيا. بل وقد امتدت أعمال التدمير المتعمد من قبل معهد حضارة السودان للتراث القومي من المجاميع الاثنوغرافية لتطال واحداً من أهم المواقع الآثارية لا في السودان فحسب بل في مجمل القارة الأفريقية، ألا وهو موقع المصورات الصفراء.

 

 

ملاحظات
1. Chevalier, quoted by Baumann.
2. Santandrea.
3. British Museum N°. Af. 7392, illustrated in Wood's Natural History of Man, Africa, 1874, and Afrikanische Plastik, Eckart von Sydow, Berlin, 1924.
4. Geyer, p. 288, reproduced a sculpture (a part of a couple) from Tembura which was at the entrance of the garden next to the government building along the Jubu river.
5. Maes, J., Kabila - En Grafbeelden uit Kongo, Brussels, 1938, fig. 23, p. 99.
6. Felix, Marc Leo, 100 Peoples of Zaire and Their Sculpture, 1987, 203.
7. Reproduced in 1936 by Wyndham, figs. 36, 37 and 38; Kronenberg, 1960, figs. L, LI, LII; Fendel, Fischer and Maas, 1989, p. 63.
8. In "Gordon College de Khartoum," reproduced in Man, June 1917.
9. The Bongo, Sudan Notes and Records, Vol. XII, part 1.
10. Fendel, Fischer and Maas, "Grabstelen," at the Khartoum National Museum.
11. Personal communication.
12. Illustrated in Kramer/Streck, Sudanesische Marginalien, München, 1991, p. 90.
13. Gero, F., Death among the Azande of the Sudan, Museum Combonianum, 1968.
14. See Schildkrout/Keim, figs. 2.9 and 11.1, and also Fagg, N° 111.
15. Reproduced by Wyndham, pl. 17, then by Maes, fig. 24, p. 100.

 

ببليوغرافيا

BAUMANN, THURNWALD and WESTERMANN, Völkerkunde von Afrika, 1939.
BERNATZIK, H. A., Gari Gari, 1948.
FAGG, W., Tribes and Forms in African Art. Paris, 1965.
FELIX, Marc Leo, 100 Peoples of Zaire and Their Sculpture: The Handbook, Brussels, 1987.
EVANS-PRITCHARD, E. E., The Bongo, Sudan Notes and Records, Vol. 12, 1929, pp. 1-61.
FENDEL, FISCHER and MAAS, "Grabstelen," in Möller, H.-H., Berichte zur Denkmalpflege in Niedersachsen, Hamlen, 1989.
GEYER, F. X., Durch Sumpf, Wald und Feld, München, 1912.
GOHR, Afrikanische Skulptur, Museum Ludwig, Köln, 1990, p. 5.
JUNKER, W., Reisen in Afrika, Vienna and Olmütz, 1889.
KRAMER und STRECK, Hrsg, Sudanesische Marginalien, München, Trickster, 1991.
KRONENBERG, Andreas and Waltraud, "Wooden Carvings in the Southwestern Sudan," Kush, Vol. 8, Khartoum, 1960, pp. 275-281, pl. XL-LII.
---. "Die Soziale Rolle der Jagd bei den Bongo," Anthropos, Vol. 58, 3/4, 1963, pp. 507-519.
---."Verdienstfeste und Grabmonumente in der Bahr-el-Ghazal Provinz," VIe Congrès International, Paris, Vol. 2, 1964, pp. 229-232.
---. Die Bongo: Bauern und Jäger im Südsudan, Wiesbaden, Steiner, 1981.
MAES, J., Kabila - En Graafbeelden uit Kongo, Tervuren, Belgium, 1938.
Petherick, J., Travels in Central Africa and Explorations of the Western Nile Tributeries, London, 1869.
PHILLIPS, T., ed. Africa, the Art of a Continent, The Royal Academy of Arts, London, 1995, pp. 137-138.
SANTANDREA, S., many books.
SCHILDKROUT, Enid, and KEIM, Curtis A., African Reflections, University of Washington Press, Seattle and London, American Museum of Natural History, New York, 1990.
Schweinfurth, Georg A., Im Herzen von Afrika, F. A. Brockhaus, Leipzig, 1874.
---. Artes Africanae, F. A. Brockhaus, Leipzig, London, 1875.
SELIGMAN, Charles Gabriel, "A Bongo Funerary Figure." Man, Vol. 17, n° 67, 1917, pp. 97-98.
SELIGMAN, Charles G., and BRENDA, Z., Pagan Tribes of the Nilotic Sudan, Routledge & Kegan Paul Ltd., London, 1932.
SYDOW, Eckart von, Afrikanische Plastik, Berlin, 1954.
WYNDHAM, R., The Gentle Savage, Cassell and Company, Ltd., London