حرب الجنوب الثانية  1983

في يوليو 1983 تم إعلان مانفيستو الحركة الشعبية لتحرير السودان الذى عبر عن أهداف كانت قد تمت بلورتها منذ أزمان من قبل دعاة التيار التوحيدي، بخاصة اليسار في الشطرين الشمال والجنوب، أعلنت الحركة أن هدفها هو إعادة صياغة العلاقات السياسية والاجتماعية داخل المجتمع السوداني، وأكدت على أن الهدف الأساسي للحركة والجيش الشعبي لتحرير السودان "ليس هو فصل الجنوب فالجنوب هو جزء لا يتجزأ من السودان، وقد تمت تجزئة أفريقيا بما يكفي من قبل الاستعمار والاستعمار الحديث وان المزيد من التفرقة لن يخدم سوى أعداء أفريقيا".

 

تأكيداً على هذا الموقف المبدئي أعلن قائد الحركة جون قرنق مابيور في ورقة تحديد السياسة العامة للحركة والتي صدرت في الثالث من مارس 1984 "أن التسوس والتآكل الأخلاقي وكل أمراض السودان لا يمكن معالجتها إلا في إطار السودان الموحد". هكذا تم في الثاني والعشرين من مارس تحديد أهداف الحركة السياسية في الآتي:

أولاً، التزام الحركة بتحرير كل السودان وبوحدة شعبه وأراضيه؛

ثانياً، الالتزام بخلق سودان جديد وديمقراطي؛

ثالثاً، الالتزام بمعالجة مشكلات السودان الوطنية والدينية بشكل يرضى كل  السودانيين في إطار ديمقراطي وعلماني؛

رابعاً، الوقوف مع حكم ذاتي حقيقي أو نظام فيدرالي لكل مناطق السودان؛

خامساً، الالتزام بعملية إعادة البناء الجذرية لسلطة الحكومة المركزية بشكل يعالج بصورة نهائية وأساسيَّة تمركز السلطة في أيدي أية مجموعة .

 

لم تأخذ الأحزاب الطائفية بعد القضاء على نظام مايو العسكري الأهداف التي أعلنتها الحركة مأخذ الجد وبدأت كعادتها في تلغيم الجو السياسي بالاتهامات والإشاعات والشكوك حول إخلاص الحركة الشعبية والتزامها بوحدة السودان، متناسيَّة أن إخلاصها هي بالذات أمر مشكوك فيه منذ تنصلها عن وعودها المتكررة كما ألمحنا.

 

الأمر اللافت للانتباه ليس هو إصرار الجبهة الإسلامية الحاكمة الآن على الاستمرار في المخطط نفسه ذلك أن إطلاق الإشاعات والاتهامات والافتراءات الكاذبة شيمة ميزتها منذ بداية تاريخها، وإنما هو عودة الصادق المهدي مجدداً إلى قاعدة النزعة العروبية الإسلامية التفكيكية بإصرار بعد انسلاخه عن التجمع الوطني الديمقراطي، الذى يدعى بأنه أسسَّه! فأخذ يتحدث عما أسماه الأجندة الخفية للحركة الشعبية، علماً بأننا على قناعة تامة بأنه يعلم جيداً أن تلك الأجندة الخفية ليست سوى مشروع السودان الجديد الديمقراطي العقلاني الذى ستظل كل قوى السودان السياسية التوحيدية، بما فيها الحركة الشعبية، تقاتل من أجله. المتتبع لمسار السجال السياسي خلال الديمقراطية الثالثة 1985-1989، والتي تشرف الصادق المهدي برئاستها طيلة عمرها، لا يمكنه إلا أن يتلمس تمسك الحركة بأجندتها الوطنية وعدم ادعائها احتكار وضع تفاصيل عملية إعادة البناء السياسي للسودان واكتفت فقط بتحديد الهياكل الأساسية والمبادئ، والتطلعات، وأساسيات إعادة البناء الوطني، تحدثت الحركة الشعبية شأنها شأن القوى التوحيدية في الشمال الجغرافي فقط عن الحريات التعددية واللامركزية والوحدة، وهى ذات المبادئ التي وقع عليها حزب الأمة، الذى يترأسه الصادق المهدي، في أسمرا في إعلان مبادئ التجمع الوطني الديمقراطي في عام 1995 وهو الإعلان الذى تنصل عنه الصادق المهدي ومهر بتوقيع مبارك الفاضل وبحضوره على إعلان مبادئ بديل بينه وبين رئيس حكومة الإنقاذ عمر البشير في جيبوتي.

 

في مارس 1986 اتفقت الحركة الشعبية والتجمع الوطني الديمقراطي لإنقاذ البلاد على إعلان برنامج مقترح للعمل الوطني صار يعرف بإعلان كوكادام، واتفق الطرفان على أن المتطلبات الرئيسة التي سوف تهيئ مناخاً يقود إلى عقد المؤتمر الدستوري المقترح هي:    

 

أن تعلن كافة القوى السياسية والحكومة الحالية (حكومة سوار الذهب الانتقالية) التزامها بمناقشة مشاكل السودان الرئيسة وليس ما يدعى بمشكلة الجنوب؛

رفع حالة الطوارئ؛

إلغاء قوانين سبتمبر 1983 وكافة القوانين الأخرى المقيدة للحريات؛

العمل بدستور 1956 تعديل 1964 بإدراج الحكومة الإقليمية؛

إلغاء الاتفاقيات العسكرية مع دول أخرى والتي تمس السيادة الوطنية للسودان. 

كذلك اتفق الطرفان على أن تحل الحكومة الحالية نفسها وأن تحل محلها حكومة وحدة وطنية مؤقتة تمثل كافة القوى السياسية بما في ذلك الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان والقوات المسلحة، وهو مطلب ضروري لعقد المؤتمر الدستوري الذى اتفق الطرفان على انعقاده في الخرطوم خلال الأسبوع الثالث من يونيو 1986.

 

المؤسف أن هذا الاتفاق الذى جعل السلام غاب قوسين أو أدنى تم خرقه ليجد طريقه إلى دهاليز المماطلات والمناورات السياسية، تهرب حزب الأمة، رغم أنه وقع على الاتفاق، من إلغاء قوانين سبتمبر التي سبق أن قال عنها رئيسه، الصادق المهدي، أنها لا تسوى الحبر الذى كتبت به، أما الحزب الاتحادي الديمقراطي فانه لم يشارك في كوكادام، في حين أن الجبهة الإسلامية القومية كانت غير راضيَّة عن تلك القوانين لأنها لم تك قاسية بما يكفي.

 

ظلت القوى التوحيدية في شطري البلاد تنادى خلال السنوات من 1983 حتى 1989 بضرورة انعقاد المؤتمر الدستوري للتأمين على وحدة السودان، هذا في حين كان حسين أبو صالح وزير الثقافة والإعلام والناطق الرسمي باسم حكومة الصادق المهدي الائتلافية مع الاتحادي الديمقراطي يصرح للصحافة قائلاً: "ان الأغلبية ممن يموتون في الجنوب هم الجنوبيون، كما أن المدارس والمزارع والمستشفيات التي يتم تدميرها كلها في الجنوب، إذن من مصلحة الحركة لا الحكومة أن يتم وضع حد لهذه الحرب".

 

ظلت القوى التوحيدية ممثلة في اليسار في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب وحيدة في البحث الدءوب عن السلام العادل والمساواة والكرامة لكل شعوب السودان غض النظر عن ملابسات الانتماء الإثنى أو الديني. أخيراً وبعد أن نقل الجيش الشعبي عملياته إلى الكرمك وقيسان تفاعل رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي محمد عثمان الميرغني في أواخر 1988 وبادر إلى توقيع اتفاق مع زعيم الحركة الشعبية جون قرنق وهو الاتفاق الذى صار يعرف باتفاقية السلام السودانية،(والتي كره عمر نورالدائم، الأمين العام المساعد لحزب الأمة تسميتها باتفاقية للسلام) توصل فيها الطرفان إلى "بما أن قيام المؤتمر الدستوري ضرورة وطنية مُلحة توجب على كافة القوى السياسية السودانية العمل الدءوب والمخلص لتهيئة المناخ الملائم لقيام المؤتمر الدستوري"، وتوصل الطرفان إلى قناعة تامة بأن العوامل الأساسية والضرورية لتهيئة المناخ تتمثل في اتخاذ خطوة باتجاه قوانين سبتمبر "بما أن الموقف الثابت للحركة هو إلغاء قوانين سبتمبر واستبدالها بقوانين 1974، إلا أنها في هذه المرحلة– تمشياً مع حرصها على قيام المؤتمر الدستوري- تتفق مع الحزب الاتحادي الديمقراطي، وإلى حين انعقاد المؤتمر الدستوري، على تجميد مواد الحدود وكافة المواد ذات الصلة بقوانين سبتمبر 1983، وألا تصدر أية جهة قوانين تحتوى على مثل تلك المواد وذلك إلى حين انعقاد المؤتمر الدستوري والفصل نهائياً في مسألة القوانين".

 

إلا أن بنود الاتفاق لم تك، على ما يبدو، مرضية للأطراف التفكيكية الصحوية والإسلاموية فظلت الحرب دائرة تطحن جنود القوات المسلحة وشبيبة الحركة الشعبية، فدفعت الغيرة الوطنية بقيادة القوات المسلحة إلى رفع مذكرة للسيد رئيس مجلس الوزراء الصادق المهدي بتاريخ 20 فبراير 1989 جاء فيها "انطلاقا من مسئوليتنا الوطنية والقومية والتاريخية في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، واعتباراً للظروف الأمنية الخطيرة التي يشهدها الوطن في بعض أجزائه، وبعد قراءة ودراسة متأنية وعميقة للوضع الراهن، واستشرافنا لآفاق المستقبل بكل ما يحتوى عليه من احتمالات قد تؤدى إلى انقلاب يقود إلى تهديد وحدة تراب البلاد وتفتيت الأمة السودانية ومسارها الديمقراطي الذى ارتضاه الشعب وضمنه مواثيقه ودستوره خياراً لا بديل له...".

 

بالنظر ملياُ إلى هذه العبارات التي تصدرت المذكرة يتضح شكل الخطاب التوحيدي الذى يميزها..أعلنت القيادة العليا للقوات المسلحة عن تخوفها من تفتيت الأمة السودانية. إلا أن السيد الصادق المهدي، رئيس الوزراء حينها، لم يشأ أن يستوعب مضمون المذكرة وهو ما أكدَّ عليه لاحقاً بعد أن وقع الانقلاب الذى نوهت باحتماله المذكرة "طلبت منهم (الإشارة إلى قيادة القوات المسلحة) أن يجتمعوا ويصدروا توصية بالسياسات الضرورية لإجراء الإصلاحات اللازمة (المقصود تطوير القدرات العسكرية للاستمرار في الحرب) وبدلاً من ذلك ودفاعاً عن أدائهم سيسوا الموضوع وتجنبوا المحاسبة العسكرية وأتوا بمذكرة فبراير 1989 .." ما أسهل التبرير، ذلك أننا على قناعة تامة بأن السيد رئيس الوزراء كان مدركاً بتجربته وشفافيته الفكرية لمغزى تلك المذكرة.

 

فقط تحت الضغط الذى مارسته القوى التوحيدية بمختلف قطاعاتها السياسية والنقابية والعسكرية وافق السيد رئيس الوزراء على البرنامج المرحلي الذى وقع عليه 29 حزباً ونقابةً باستثناء الجبهة الإسلامية القومية، وتم تمهيد الطريق إلى الاتفاق الذى من شأنه أن يؤدى إلى انعقاد المؤتمر الدستوري والذي حدد له تاريخ الثامن عشر من سبتمبر 1989. إلا أن السياسوإسلامويين قرروا قطع الطريق أمام مسيرة السلام وذهب الترابي، على حد تعبيره إلى السجن والبشير إلى القصر في الثلاثين من يونيو 1989 وأصبحت السلطة السياسية بأيدي أشد فصائل التيار التفكيكى تزمتاً ببرنامجهم المسمى التوجه الحضاري الإسلامي، إنه مشروع شيطاني ابليسى، على حد تعبير نقدالله، لا يمكن أن يفضى، في حالة استمراره، إلا إلى واحد من أمرين لا ثالث لهما: حرب دائمة أو فصل للجنوب مع ما يعنيه ذلك من بداية للتفكيك الشامل لفسيفساء الثقافات والاثنيات المؤلفة للهُويَّة السودانية ومن استبعاد لا مكان بناء مشروع الأمة السودانية.

 

أمام إصرار الترابيين الحاكمين في الخرطوم على مشروعهم التفكيكى قررت القيادة العسكرية العليا للحركة الشعبية، للمرة الأولى، في اجتماع توريت في يوليو 1991 أن يتم طرح موضوع حق تقرير المصير للمناطق المهمشة في السودان في كل المفاوضات المقبلة في حال إصرار الحكومة الترابوية الإسلاموية العسكرية على أن تقوم الوحدة على أساس الهُويَّة العربية الإسلامية. وقد استحوذت مسألة حق تقرير المصير على جل الوقت والجهد في الجولتين اللتين عقدتا في أبوجا بنيجريا، وصار حق تقرير المصير أحد القضيتين الأساسيتين في مفاوضات إيقاد (السلطة الحكومية المشتركة لقضايا التنمية)، بينما كانت القضية الثانية هي دور الدين في السياسة. وفي مايو 1994 جاء إعلان المبادئ لدول إيقاد معلناً عن سبع نقاط أساسيَّة يمكن عن طريقها إقرار السلام في السودان، وإمكانية استبعاد مبدأ حق تقرير المصير، وذلك في حال الاتفاق على تلك النقاط :

أولاً، السودان قطر متعدد الأعراق والاثنيات والأديان والثقافات؛

ثانياً، المساواة السياسية والاجتماعية الكاملة بين كل السودانيين؛

ثالثاً، اعتماد الحكم الذاتي على أساس الفيدرالية أو الحكم الذاتي؛

رابعاً، تأسيس دولة  علمانية  ديمقراطية ، وفصل الدين عن الدولة تكون فيها التشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية والأسرية على أساس الدين والأعراف؛

خامساً، التوزيع المناسب للثروة؛

سادساً، اعتماد حقوق الإنسان المقرة دولياً في دستور البلاد؛

سابعاً، اعتماد مبدأ استقلال القضاء في دستور البلاد.

من ثم أعلنت وثيقة إعلان المبادئ أنه في حالة عدم الاتفاق بين الأطراف على المبادئ المذكورة بعالية، يكون للمتضررين الحق في تقرير مصيرهم. لا يعترينا شك مطلقاً أنه لو كانت سلطة اتخاذ القرار السياسي بيد القوى التوحيدية في شطري البلاد، لما استغرق إقرار هذه المبادئ أكثر من لحظة التوقيع عليها جملة وتفصيلاً.

 

في عام 1994 بدأت قيادة حزب الأمة في التململ من وجودهم خارج السلطة بعد فشل العديد من المحاولات التي قاموا بها لإقناع حلفاء الأمس، قادة الجبهة الإسلامية القومية، بضرورة عدم التمادي في الانفراد بكل السلطة وبضرورة العودة إلى الديمقراطية. من ثم سعت بعض قيادات حزب الأمة إلى بناء جسر مع الحركة الشعبية يمكن استخدامه للانتقال إلى لغة حوار جديدة مع الجبهة الإسلامية المتصلبة، وهكذا تم توقيع اتفاق شقدوم بين حزب الأمة والحركة الشعبية في الثاني عشر من ديسمبر 1994 تم التأكيد فيه على إقرار مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وذلك انطلاقاً من الاعتراف بحق تقرير المصير كحق أساسي للإنسان والشعوب، وهى عبارة كان من يتجرأ على البوح بها ولو سراً يعد شيوعياً وزنديقاً وخائناَ لا يحق لممثليه المنتخبين شرعياً أن يتواجدوا في برلمان السودان العربي المسلم...فسبحان الله مغير الأحوال.

 

أصرت الحركة الشعبية في شقدوم أن يقر حزب الأمة الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جبال النوبة، ولشعب الانقسنا، ولشعب إقليم أبييى، إلا أن حزب الأمة رفض الاعتراف بحق تقرير المصير لأية مجموعة خارج جنوب السودان الجغرافي. ومن ثم فان الاتفاقية تثير من الناحية الأنثروبولوجية بعض التساؤلات المشروعة. فطالما أن الطرفين انطلقا من اعترافهما بحق تقرير المصير كحق أساسي للإنسان والشعوب فان ذلك يشير إلى اعتراف الطرفين كليهما بوثيقة حقوق الإنسان التي تعرف الشعب تعريفاً أنثروبولوجياً .. أي جماعة اثنية ثقافية. الأمر كذلك فان النوبا ولاشك و كذلك الأنقسنا، والدينكا ابيى يؤلف كل منهم شعباً اثنيا وثقافياً شأنهم شأن الشلك والنوير والدينكا والتبوسا والزاندى وغيرهم من شعوب الجنوب الجغرافي، فلماذا يبخل عليهم حزب الأمة بممارسة حقهم هم أيضاً؟ اعتقادنا أن تفسير ذلك هو أن مفاوضي حزب الأمة اعتمدوا خطابين مختلفين، الأول أنثروبولوجي اعترفوا فيه بأن سكان الجنوب يؤلفون شعباً (والصحيح شعوباً)، والثاني سياسي عندما تعلق الأمر بالنوبا والأنقسنا والدينكا أبيى الذين رفضوا الاعتراف لهم بحقهم عادين إياهم جزءاً من الشمال الجغرافي.

 

هكذا فان جوهر الخطاب إنما يشير إلى موقف ينظر للأزمة السودانية في ذات الأطر القديمة البالية شمال/جنوب غير مستوعب إطلاقا لحقيقة أن الأزمة أعمق بكثير، إنها مواجهة بين مفهوم السودان الجديد من جانب والسودان القديم من جانب ثان. ما عادت النظرة القديمة قادرة على حل الأزمة السودانية الماثلة. لا بديل غير قبول حقيقة التنوع والتعدد الإثنى والثقافي المميز للسودان ككل والابتعاد مرة وللأبد عن حصر الأزمة في شمال جغرافي بمواجهة جنوب جغرافي...النوبيون في أقصى الشمال، والبجة في الشرق، والفرتيت والزغاوة والفور وغيرهم كثر يحق لهم ممارسة حق تقرير المصير ليس فقط وفق مبادئ إيقاد بل ووفق إعلان مبادئ أسمرا الذى أجاز للأقليات الأخرى حق تقرير مصيرها في حالة إحساسها بأنها متضررة أو إذا ما شعرت بأن هناك نكوصاً عن ما تم إعلانه من مبادئ، أى بتحديد أكثر وضوحاً إذا ما أصرَّ دعاة التفكيك الإسلامويون وغيرهم من دعاة أحادية الهُويَّة العروبية على بقاء السودان القديم، أي السودان وفق ما أدارته تلك النخب التفكيكية على مدى يقارب نصف قرن من الزمان.

 

السؤال المنطقي الذى يتبادر إلى ذهن المواطن السوداني العادي بعد موقف الحركة الشعبية في شقدوم هو هل غيرت الحركة موقفها وانحازت إلى جانب القوى التفكيكية الأفريقانية؟ للإجابة نقول أن القراءة المتأنية لأدب الحركة السياسي وتحركاتها الفعلية تشير إلى أنها قد عدلت خطابها من أجل الوضوح والتأثير، أنها تريد أن تقول لدعاة النزعة العروبية الإسلامية أنهم بمحاولاتهم تغيير لغة التاريخ الفاعلة، وبمحاولاتهم سحب كل دلالاتها، أوجدوا لدى شعوب السودان غير العربية وغير المُستعربة، أي لدى المجموعات المهمشة على مدى ما يقارب نصف القرن هو عمر استقلالنا، الحاجة إلى بناء دلالة صفة ستكون زادهم الآن وفي المستقبل. لقد سخرت سياسات دعاة النزعة العروبية الإسلامية الطبيعة للنهب، وتدخلت في المجالات كلها في السياسة وفي اللغة وفي الفن زارعة إرادتها الأحادية، لقد صار السودان بأسره إن صح القول بمثابة دلالة عن فحوى لها، وهذه قدمها الزمن بشكل صراع من أجل التحرر والنهضة، أو إعادة الخلق الثقافي، واتخذ ذلك شكل إشكالية كل سودانية...الأزمة السودانية الماثلة.

 

كان الإطار الأصلي للحركة الشعبية، كما أشرنا، يقول أنها تقاتل من أجل سودان جديد وموحد وعلماني وديمقراطي تتحقق فيه المساواة والعدالة للجميع غض النظر عن العرق أوالدين، إلا أن دعاة التيار التفكيكى تمسكوا، على حد تعبير ستيفن واندو، بكلمة واحدة وأهملوا باقي العبارة. تضمن تعريف السودان الجديد في أدبيات الحركة وفي أدبيات اليسار السوداني عموماً قبلها ولازال، ولو تحت مسمى آخر، دائماً نقطة تقول أنه وفي غياب الديمقراطية والعقلانية والمساواة والعدالة فانه لن يكون هناك سودان موحد، بل ربما لا يكون هناك سودان على الإطلاق. فالمتتبع لخطاب الحركة الشعبية الرئيس في أبوجا سيلاحظ، كما أشار إلى ذلك ستيفن واندو، تركيزه على أنه ما لم يكن هناك الاستعداد والرغبة عند النخبة الشمالية للتخلي عن العنصريَّة والتسلط الديني [ستيفن واندو] فمن الأفضل أن ينتهي السودان. من ثم يمكننا القول بتحديد شديد ووضوح كامل بأن مفهوم السودان الموحد ظل على الدوام بالنسبة للحركة الشعبية مفهوماً غير مطلق، انه مفهوم مشروط بإنجاز مفارقة ثورية وجذرية لنزعة الهيمنة العروبية الإسلامية التي ميزت كافة التشكيلات والتكوينات الحكومية منذ الاستقلال حتى اليوم.

 

ظل دعاة التيار التوحيدي في شطري البلاد يعزفون لحناً واحداً منذ عشية الاستقلال...لحن السودان الجديد على اختلاف مسمياته، لحناً ظلت القوى التفكيكية تتجاهله دوماً باعتباره لحناً صادراً عن قوى لا وزن لها. لم يحد دعاة التيار التوحيدي عن مشروعهم ولم يبدلوه رغم قصف القنابل ودوى المدافع في الجنوب، ورغم سيل الاتهامات الموجهة للقوى التوحيدية في الشمال بالعمالة للتمرد وبالإلحاد والعلمانية. والآن بعد أن استولى على السلطة نهباً أشد دعاة التفكيك تزمتاً وأبعدوا عنها ركلاً رفاق الأمس من التفكيكيين المعتدلين الأكثر ليبرالية، بدأ لحن السودان الجديد يجد طريقه إلى آذان الأخيرين فكان الاعتراف بمبدأ التعدد الإثنى والثقافي والديني الذى عارضوه في مؤتمر الاثنى عشر في 1965، لكنه اعتراف جزئي لدى بعض التفكيكيين الليبراليين بخاصة أولئك الذين أعلنوا عن تجميد عملهم في تنظيمات التجمع الوطني الديمقراطي بالخارج بداية وبالداخل أخيراً، فالواضح أنهم لازالوا، على حد تعبير ستيفن واندو، "يرددون نقمة واحدة في الوقت الذى يتجاهلون فيه الجملة الأساسية لمجمل اللحن"[ستيفن واندو المرجع السابق].

 

هكذا كتب الصادق المهدي بأسلوب يعبر عن تبنيه أخيراً لخطاب جديد كالعادة دون أن يشير إلى أنه لم يكتشف روما وأن ما يقوله الآن هو ما ظل يردده دعاة التيار التوحيدي منذ عشية الاستقلال: "هناك مشكلة ثانية هي وجود مجموعات وطنية في السودان تنتمي إلى هُويَّات مختلفة. هذه المشكلة نشأت بسبب تخلف النمو القومي في السودان وأخذت شكلها التاريخى في المواجهة التي سميت بمشكلة الجنوب والحرب الأهلية التي أفرزتها، ولكن هي بدرجات مختلفة موجودة في كل السودان لأنها مشكلة التعامل ما بين المجموعة الوطنية التي تمتلك القدرات السياسية والاقتصادية الأكبر والمجموعات الوطنية الأخرى". هذا الانتقال فرضته باعتقادنا تجربة إدمان فشل لازم النخبة العروبية الإسلامية التي تمتلك "القدرات السياسية والاقتصادية الأكبر" منذ عشية الاستقلال. وأخذ الصادق تدريجياً في تقبل خطاب دعاة التيار التوحيدي الأكثر وضوحاً في تشخيص الأزمة السودانية، ولكن على طريقته: "أغلبية المسلمين والعرب في السودان أو أغلبية من ينتمون إلى الكيان العربي الإسلامي في السودان يرون أن السودان قد استعرب وأسلم سلمياً، وأن حتمية هذا أن يصبح كل السودان منتمياً لهذا الكيان العربي الإسلامي. هذا التصور هو الذى كان سائداً لدى أغلبية المنتمين إلى الكيان العربي الإسلامي في السودان. طبعاً الآخرون الذين لا ينتمون إلى هذا الكيان عندهم رأى آخر ويرون أن الظروف السياسية والاقتصادية أدت إلى تهميشهم وأنهم لا يقبلون هذا الإدماج في الكيان العربي الإسلامي، فبلغ رفضهم هذا مبلغاً، مع عوامل أخرى اقتصادية وسياسية مبلغ الحرب الأهلية".

 

بالنظر إلى مثل هذا الشكل من الخطاب يمكن ملاحظة أن "يصبح السودان منتمياً للكيان العربي الإسلامي" يمثل مفهوماً غرسته النخبة المتعلمة ذات النزعة العروبية الإسلامية في الوجدان السياسي ودعمته الآلة التعليمية التي صاغتها الإدارة الاستعمارية البريطانية لا اعتباطاً وإنما ضمن سياستها المعلنة  فرق تسد. نختلف مع الصادق في قوله بأن تهميش المجموعات الاثنية الثقافية الأخرى كان فقط نتاج "ظروف اقتصادية وسياسية"، ذلك أنه باعتقادنا كان الأجدر القول بأن التهميش هو نتاج سلوك سياسي محدد وسياسات اقتصادية منحازة مارستها الحكومات الوطنية منذ الاستقلال وهى تكوينات حكوميَّة هيمنت عليها النخبة المتماهية بنزعتها العروبية الإسلامية. يحاول الصادق عبثاً أن يجعل التهميش ناتج "ظروف" لا "سياسات"، ناتج "فعل جماعي" لأهل الشمال لا ناتج ممارسات نخبة محددة فيقول:" صرت مقتنعاً بأننا- نحن أهل الشمال- همشنا العناصر غير الإسلامية وغير العربية، واعتقدنا أن واجبنا تثبيت وتأكيد كينونتنا الإسلامية العربية، بصرف النظر عن إحساس الكيانات الأخرى، وفي رأى أننا بذلك ارتكبنا غفلة كبيرة، ولم نأخذ ذلك في الحسبان، ولذلك هم بصورة أخرى حملوا السلاح لاستنكار هذا الموقف..أعتقد أننا لا بدَّ أن نعترف بهذا التقصير، وبأن هُويَّة ومصلحة العناصر غير الإسلامية لا نحددها نحن وإنما هم الذين يحددونها في شكل نتفق عليه سوياً، لكي نوفق بين مقتضيات ذاتيتنا وذاتيتهم".

 

لماذا اللجوء إلى مثل هذا الالتواء على الحقائق؟ أم أن الصادق لا يرى في الآخرين الذين ظلوا يعلنون عما يتحدث عنه الآن فقط منذ ما قبل الاستقلال "مواطنين سودانيين من أهل الشمال" فيلجأ إلى تحميل جميع أهل شمال السودان وزر سياسات خاطئة غاصت فيها النخبة العروبية الإسلامية التي ترأس هو شخصياً أكثر من مرة حكوماتها.

 

وحاول الصادق التحول إلى خطاب أكثر وضوحاً ودقة بفعل المتغيرات التي فرضتها الصيرورة التاريخية وذلك لترسيم حدود بين برنامج الصحوة الإسلامية الذى يتبناه عن برنامج التوجه الحضاري الإسلامي للجبهة الإسلاميةَ القومية "القوى الإسلامية العربية التي يمكن أن تصنف بأنها ديمقراطية وغير اكراهية، في رأى، طورت موقفها أمام هذه المحنة الأساسية والتاريخية. التطوير صار بدل أننا نمثل كياناً إسلاميا عربياً وحتماً مستبعد للآخرين ومدمج لهم عبر مراحل، إلى ضرورة الاعتراف بالتنوع والتعدد الثقافي والتعايش بين هذه الثقافات وإعطاء المجموعات الوطنية المختلفة حقها في الهُويَّة والثقافة وأيضاً في الثروة الوطنية أنا أعتقد أن هذا كان من أكبر الإنجازات أو القفزات في تاريخنا الحديث".

 

واضح تماماً في حالة التدقيق في الكلمات نزعة التعالي العروبية التي تتملك الصادق، فهو يتحدث عن قوى إسلامية عربيَّة بمواجهة مجموعات وطنية تقوم الأولى بإعطاء المجموعات الوطنية الأخرى حقها في الهُويَّة والثقافة، لعمري انه خطاب يحمل قدراً من التعالي لا يختلف عن الخطاب الاستعماري الذى كان يصف شعوب المستعمرات بالمجموعات الوطنية، ولا نعتقد أن مثل هذا الخطاب يساعد كثيراً في حل الأزمة السودانية مهما كانت النوايا الطيبة منطلقاً له طالما أننا نرى أن أكبر الإنجازات في تاريخنا الحديث يكمن في حقنا نحن العرب المسلمين أن نمنح السودانيين الآخرين غير العرب مشروعية البقاء، هذا هو محتوى الخطاب!! من الناحية الأنثروبولوجية فان الخطاب الجديد للصادق المهدي لا يتعدى كونه محاولة شكلية خجولة للابتعاد عن مقولات المدرسة الوظيفية، التي شكلت القاعدة النظرية للنخبة العروبية الإسلامية الحاكمة منذ فجر الاستقلال حتى الآن، إلى مقولات الأنثروبولوجيا النسبية التي أعلنت منذ 1947 ميثاق حقوق الإنسان الذى نص على أن الإنسان يحقق شخصيته بالثقافة، ويؤدى احترام الفروقات الفرديَّة إلى احترام الفوارق الثقافية، وأن احترام الفوارق الثقافية أمر مشروع.

 

هكذا فان مسيرة السجال السياسي- الأيديولوجي في السودان منذ عشية الاستقلال هي صراع بين تيارين يقفان على أرضية فكرية أنثروبولوجية متباينة: تفكيكي ينطلق من نزعة مركزة عروبيَة إسلامية من جانب، ومن نزعة مركزة أفريقانية مضادة من جانب ثان، وتيار توحيدي ينطلق من نزعة سودانوية. حتى عندما قرر الصادق الاعتراف بهذه الطبيعة الفعلية للسجال فانه لونها بلون غير لونها "الآن هناك الخيارات أو السيناريوهات الآتية فيما يتعلق بالتعامل مع هذه المسألة الثقافية: هناك الرؤية الأحادية التي ترى الكيان العربي الإسلامي حتماً يغلب على البلاد ولا بدَّ أن يفعل ذلك سواء كان ذلك طوعاً في ظروف مدنية وديمقراطية أو كرهاً في ظروف عسكرية. مقابل هذا، في رأى، نما اتجاه أحادى ومضاد يرفض هذا المنطلق ويرى إقامة هُويَّة سودانوية تستبعد كل الهُويَّات الأخرى الخاصة وتقيم نظاماً يمكن أن يصنف علمانياً ويأخذ موقفاً طارداً لكل الهُويَّات المختلفة لكي يقيم ما يمكن أن يسمى  هُويَّة  سودانوية".

 

هكذا يتضح رفض الصادق جملة وتفصيلاً لمفهوم الوحدة في التنوع ويعده مفهوماً علمانياً وطارداً للهُويَّات الأخرى، ويدعو لمشروع، مطروح في الساحة السياسية والثقافية، ووقف ضده وهو في موقع السلطة، ويسميه مشروعه البديل "أن نتخلى عن الاطروحات الأحادية ونقول بضرورة الاعتراف المتبادل بكل الثقافات، وعمل ما اسميه ميثاق ثقافي سوداني فيه الاعتراف المتبادل والاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين ثقافات السودان باعتبار أن هذا هو الشئ الوحيد الممكن".

 

لكننا نتساءل أوليس هذا المشروع البديل مأخوذ بحذافيره من مشروع السودانوية تلك التي يعدها علمانية وطاردة للهويات الأخرى؟ أو لم تذب القاعدة الفكرية الأنثروبولوجية للصادق المهدي في لغة أيديولوجية في مجرد تفسير للتاريخ، لغة استعلائية والغائية حين كانت له السلطة كاملة غير منقوصة، استعلائية حين فرضت عليه الظروف تجاوز الإلغائية، وتجاوز الإلغائية أخيراً حين دارت الرياح باتجاه معاكس. وبالنهاية ليس من اليسير القول بأن اطروحاته العروبية الإسلامية قد أضفت على الاستعلاء طابعه الخاص، فكان متعجرفاً الغائياً أول الأمر، ثم ما لبث أن أكدَّ ذاته لينتهي إلى الإحساس بالذنب. هذا الانتقال إلى مقولات الأنثروبولوجيا النسبية ليس كافياً ذلك أن النسبية قد أصبحت اليوم دعوة أنثروبولوجية رجعية على حد تعبير فيفاس" فالنسبية أيديولوجية، إذا أثبتت جدواها ولزمن محدد، حيث الشروط التي أدت إلى نشأتها مازالت فاعلة أما الظروف فقد تغيرت الآن، وبصفتها الأيديولوجية أصبحت النسبية مدرسة رجعية، ولم تعد الشعوب البدائية بحاجة لحمايتها".

 

 النسبية الثقافية لدى الصادق المهدي أقرب إلى مفهوم التكيف بوصفة الصيرورة التي تتحول بموجبها عناصر الثقافات الوطنية المُسيطر عليها نحو حالة تتلاءم مع شكل الثقافة العربية المُسيطرة (بكسر الطاء)، وأثناء عملية التثاقف تكون الجماعات الثقافية المسحوقة في علاقة تبادلية صرفة. هذا على عكس ما يرمى إليه دعاة السودانوية الذين يشيرون باستعمال التثاقف إلى الأنماط التي يتم بموجبها قبول مظهر ثقافي معين في ثقافة أخرى بحيث يتلاءم ويتكيف معها، مما يفترض مساواة ثقافية، وإن نسبية، بين الثقافة التي تعطى وتلك التي تتقبل، وهو ما عبر عنه شاعرنا الراحل صلاح أحمد إبراهيم بقوله:

للبوش كل منهم يهدى

ولكن باعتزاز

شيئه الصغير

الأمر كذلك ألا يعنى إنجاز مشروع ميثاق ثقافي سوداني ضرورة التخلي عن مفاهيم النسبية والانتقال إلى مفاهيم التطورية الجديدة التي تقيس تقدم المجتمعات بنسبة استهلاك الفرد من الوحدات الحرارية، لا بنسبة الدم العربي أو الزنجي الذى يجرى في عروقه، ولا بنسبة هيمنة هذه أو تلك من الأفكار الدينية على عقله وهى معايير يصعب قياسها ؟ ولامس الصادق هذا المفهوم حين أقرَّ بحقيقة التركيبة الإثنى للسودانيين " بهذا المعنى أنا أعلم أن في السودان كيان عربي مكون من العرب العاربة من توارثوها ومن العرب المستعربة الذين اتخذوا العربية لغتهم للمخاطبة، بصرف النظر عن كمية الدم العربي في عروقهم. وعلى أي حال أنا في هذا الصدد أعتقد إذا أن العروبة الموجودة في السودان عروبة ثقافية، ولا يوجد أي سبب في ألا تتعايش مع ثقافات أخرى في ظل متفق عليه بين الأطراف المختلفة للتعايش الثقافي المشترك".

 

بالتالي ألا يعنى إنجاز "مشروع ثقافي سوداني" بهذا المعنى الأخير  بالضرورة وجود دولة عقلانية (علمانية)..دولة مدنية تفصل بين الممارستين الدينية والسياسية، ما بين المقدس الأيديولوجي والفاعلية السياسية وهو ما فطن إلى ضرورته في نهاية القرن الثالث قبل الميلاد الملك السوداني العظيم أركامانى، دولة تسعى إلى تحقيق المساواة والعدالة والديمقراطية؟ ألا يعنى ذلك في نهاية المطاف إزالة كافة أشكال النرجسية الاستعلائية العروبية الإسلامية من خلال العمل المشترك الهادف إلى الاجتثاث الكامل للأصولية الإسلاموية وفتح المجال أمام التعددية الثقافية والاثنية والفكرية بدلاً عن تكريس الجهد لإنقاذ مشروعها الإنقاذي القروسطي؟

 

رؤية في مشروع السودان الجديد

نقول بدايةً أن الكتابات على صفحات الصحف السودانية والعربية عن الأزمة السودانية تستمد قاعدة فكرية لها من أطروحات برزت على مسرح الكتابة السودانية المعاصرة التي تتناول بالدراسة قضية تقع على الحدود الجامعة بين الفكر النظري والواقع التاريخى المعيش، وهى قضية "عروبة السودان وإسلامه". لا بدَّ بدءاً ذي بدء بالقول أن مثل تلك الاطروحات القاعدية المعنية تكشف عن نهج اعتقادي في "تزييف" التاريخ وتمارس استعلاء على التاريخ بغية تسويق المعتقد واكتساب مشروعية تاريخية. ولا شك أن موقفاً مثل هذا يحول دون أية قراءة عملية أو معرفة بالذات بل ويهدد بتفاقم أزمة السودان. مع تجاهل كامل لحقيقة الوضع المميز للسودان الذى يجعل منه بحق بوتقة الانصهار الأفريقي العربي. هكذا جاءت تلك الكتابات في معظمها أبعد ما يكون عن أن تقدم تحليلاً علمياً لحقيقة الأزمة السودانية الماثلة. من ثم فإن هذا الكتاب لا يتعدى كونه محاولة لتجاوز الآنية أو الخضوع "لمقتضى الحال" سعياً لتقديم رؤية أنثروبولوجية لأزمة السودان الحالية، المتفاقمة بفعل التوجهات الفكرية الانسدادية، من منظور ينطلق من واقع السودان بحسبانه مؤلفاً لأمة واحدة تتميز بتنوع فريد هو نسيج وحدتها السالفة والحاضرة والقابلة. كان الدكنور جون قرنق قد أشار في محاضرة ألقاها بنهاية 1979 في القاهرة إلى حقيقة تميز السودان بشكلين من التنوع الأول أسماه التنوع التاريخى في حين أسمى الثاني بالتنوع المعاصر، وأن التحدي الذى يواجه السودان في رأيه "هو أن نصهر جميع عناصر التنوع التاريخى والمعاصر لكي ننشئ أمة سودانية، تستحدث رابطة قومية تتجاوز هذه المحليات وتستفيد منها دون أن تنفي أياً من هذه المكونات. إذن، وحدة بلادنا، الوحدة التي نتحدث عنها، لا بدَّ أن تأخذ هذين المكونين لواقعنا بعين الاعتبار حتى نطور رابطة اجتماعية سياسية لها خصوصيتها، وتستند إلى هذين النوعين من التنوع، رابطة اجتماعية سياسية نشعر بأنها تضمنا جميعاً، وحدة أفخر بالانتماء إليها، وأفخر بالدفاع عنها". محق منصور خالد في قوله بأنه لا بدَّ من الابتعاد عن "رؤية السودان بحسبانه-بوابة- لامتداد العروبة إلى أفريقيا. خطأ هذه النظرة يكمن في كونها تحتوى على تخليط بين الإسلام والعروبة لا تبرره إلا الرغبة في استثارة العاطفة الدينية والعاطفة القومية في آن واحد. فامتداد الإسلام أمر يعنى المسلمين وحدهم، أما العروبة- رابطة عرقية كانت أو ثقافية- فتتجاوز أهل الملة الواحدة. ولا سبيل لتحقيق أية وحدة قومية إن لم ننجح في تجاوز الثنائيات المتقاطعة، أفقياً وعموديا، الانقسام الأفقي على مستوى الأوطان والانقسام العمودي على مستوى الأمة. والرؤية خاطئة من جانب ثان لأن السودان ليس بوابة نحو أفريقيا أو جسراً تعبره العروبة إلى أفريقيا، فهذان دوران سلبيان. يتوجب النظر للسودان بوصفه مصهراً تتمازج فيه العروبة مع غيرها من الثقافات، ويرفد فيه الإسلام من فيضه الديانات الأخرى. ما يؤكد مصداقية مثل هذا الطرح أنه بفضل الانسياب التلقائي للغة العربية عن طريق الدين والتجارة أسهمت اللغة العربية إسهاماً كبيراً في تطوير لغات أفريقيا وإثرائها في بلاد غير عربية مثل السواحيلية، اللسان الجامع بين أهل تنزانيا وكينيا و يوغندا وأجزاء من رواندا وبوروندي. ونجاح السودان في عملية الصهر هذه هو الذى يؤهله لأداء دوره التاريخى". 

 

يصعب نفي حقيقة أن أمتنا السودانية "حلوة المذاق" على مرَّ التاريخ قد بلاها الله الآن بمحنة "صُنعت محلياً لكنها فكرياً وفدت من بيئة غير محلية عابرة للحدود" أصبحت معها أمتنا السمحة تمر بمرحلة مخاض درامية، بل حتى أزمة ذات أبعاد متعددة: اجتماعية، واقتصادية، وسياسية بل حتى ايكولوجية.

 

عند النظر إلى العلاقات الاقتصادية، فإنه لا يمكننا تجاوز "التهميش الاقتصادي" عنصراً ميز السياسات التنموية في سودان ما بعد الاستقلال وتأثير ذلك على أنظمة الحكم التي أتاحت لشبكات التبعية في الدولة أن تدخل في صراع على الموارد المتناقصة دوماً (مثل الأرض، ولكن أيضاً العون التنموي). لكننا لا نرمى، على كل، إلى حصر الصراع في مصدر مادي لإدراكنا بأن ذلك سيكون مضللاً. نواجه في الواقع أزمة "بنى اجتماعية" و"سلطة"، أزمة "سلطة الدولة" بوصفها أداة الحكم في السودان، بكلمات أخرى، فشل تلك المؤسسات التي يفترض فيها أن تقود عملية التغير وتمنع الصدامات العنيفة.

 

كان طموح دعاة السودانوية أن تعلن نهاية الفترة الاستعمارية بداية لمرحلة أكثر دينامية في نمو النزعة الوطنية السودانية باتجاه بناء الأمة، التي تمثل مشروعاً طموحاً لإقرار مبدأ وحدتنا في تنوعنا، وما يتبع ذلك من توجهات تنموية، وإقرار لمبادئ الديمقراطية النابعة من تجارب تاريخ أمتنا السودانية العريقة. لكنه ومنذ البداية فإن بناء الأمة كان بالضرورة موجهاً من قبل الدولة النخبوية " الوسطونيلية " النزعة ليتم رفع العلم، المفترض فيه أن يعبر عن طموحات الأمة، في احتفال جماهيري من قبل الحكومة المنتخبة وزعيم المعارضة فقط وكأنما المساحة تحت الساري ما كانت لتسمح لآخرين- يتم من خلالهم تجسيد التنوع المميز لأمة عريقة ما كان نضالها من أجل استقلالها وطرد الأجنبي حكراً على مركب واحد فقط من مركباتها. بنية السلطة الاستعمارية المتميز بالبيروقراطية المتسلطة، والاستحواذ على الفائض، والسيطرة على السوق والقسر، كل ذلك ظلَّ في الأساس دون تغير بعد استقلال السودان في عام 1956. عملياً ظلَّ جهاز الدولة الوطنية الوليدة المحور الرئيس لتراكم الثروة محولاً الاقتصاد الوطني إلى شبكات متوارثة للنخب السياسية، مدمراً بصورة حادة الجانب الإنتاجي للاقتصاد، ولم يجلب أي شكل من أشكال التنمية المتوازنة. بدلاً من الاستثمار في مشروع تنموي يخدم المصلحة العامة للأمة السودانية "أمةً"، ويخلق جهاز دولة بيروقراطي مستقل وفاعل، فإن النخب الحاكمة حاولت التلاعب بالمزايا المادية لسيادة الدولة لتقوية سلطتهم السياسية الشخصية والإقليمية الضيقة. إنه بعد أقل من عقد واحد أخذت حكومات ما بعد المرحلة الاستعمارية في إعادة تمجيد الدولة الاستعمارية، من ثم فإن الطريقة التي ظلت تعمل بها الأنظمة السياسية في سودان ما بعد الاستقلال، لا بدَّ من تحليلها وفق قيمتها الفعلية لا بوصفها تقليداً لنماذج الدولة الغربية.

 

ظل السودان مستقلاً لقرابة نصف قرن ويجب علينا أن نستبعد إمكانية تأسيس، طبقاً للظروف الحالية، نموذج ماكس فيبرى للدولة والديمقراطية الغربية هنا. إذا كان لنا أن نجتهد في تحليل الصراعات المختلفة في مرحلة ما بعد الاستقلال، وفي العقد الأخير على وجه الخصوص، فإنه لا بدَّ لنا بدلاً عن الإصرار على القول بفشل السودان للتماثل مع الديمقراطيات الغربية، أن نقلع عن التعريفات الغربية ونبدأ بالتساؤل عن الكيفية التي يتصور بها أهل السودان مفاهيم التنظيم السياسي الاجتماعي، والهُويَّة، والمسئوليات الحكومية. إن مقارنة بنية الدولة في السودان بالنظريات العامة لبنية الدولة، القائمة على المسارات الغربية، لا تمثل أكثر من مجرد تبسيط مخل.

 

منذ نهاية ستينيات القرن المنصرم، فإن ممارسة النهج الوراثي لاحتكار السلطة من قبل نخب بعينها تقوم على قاعدة دينية طائفية أصبحت تتعرض لمعارضة متناميَّة بفعل تناقص الموارد الداخلية والظروف الجديدة للسيادة الخارجية، التي أعلنت نهاية شبكات المحسوبية ذات القاعدة العريضة في الكثير من أجزاء أفريقيا، إلى جانب نهاية النظام القديم ما بعد الاستعماري لاحتواء النخب. نموذج الدولة الوطنية للتنمية في السودان قد يكون سعى، نظرياً، إلى تحقيق الوحدة الوطنية والتكامل، لكن الطريقة التي وزعت بها الموارد والسلطة قد ركزت بذرة المنافسة على الموارد المتناقصة. لم تعد الشبكات السياسية غير الرسمية القائمة على قاعدة "الوراثة" بقادرة على حماية مصالح النخب المسيطرة بعد أن خلقت التحولات العالمية في نهاية الحرب الباردة إمكانيات تجارية جديدة، أساساً باستخدام طرق غير مشروعة، مما فرض على تلك النخب البحث عن "إستراتيجيات جديدة" لانتزاع الموارد. في حين أننا نعترف بأنَّ إعلان حكم قيَّمي على الطريقة التي عملت بها الأنظمة السياسية المتعاقبة في السودان أمر خاطئ سياسياً، فإنه لا يمكننا تجاهل التكلفة الاجتماعية العالية لسياسة الوراثة والكارثة التي تسببت فيها بالنسبة لاقتصاديات المنتج الصغير. إن تهاوى الدولة "كنظام للسلطة والنظام" يمثل واحداً من أكثر الجوانب درامية للأزمة السودانية.

 

نواجه من ثم مشكلة مزدوجة. على "المستوى الو صفي" هناك حاجة لنماذج جديدة للنظر لأنظمة السلطة والحكم في سودان ما بعد الاستقلال. النظر إلى التطورات السياسية في سودان ما بعد الاستعمار فقط بحسبانها فشلاً تعرضت له عمليَّة بناء الدولة والديمقراطية لن يساعدنا في إدراك الدينامية التي تحكم المجتمع السوداني وتجمعاته السياسية. في الواقع فإننا نمتلك فهماً محدوداً للطريقة التي "تخلق بها السلطة في السودان ويعاد بها إنتاجها وممارستها". إضافة فإن النظريات التي تركز فقط على فشل الدولة عادة ما تهمل الحقائق الموجودة على أرض الواقع. إن السودان يعيش حالياً حداثته الخاصة، وتحاول النخب الحاكمة السياسوإسلاموية الجديدة و"الوراثية" الأكثر عراقة في صراعها من أجل البقاء أن توظف الاختلالات الوظيفيَّة التي تتعرض لها الدولة.

 

الآن وقد تغير الزمن في عصر العولمة هذا، أصبح من الضروري إعادة إدخال مفهومي "الفضاء" و"الزمان" مجدداً إلى رؤانا السياسية. إن دراستنا لقضيتنا السودانية لا بدَّ أن تقيم توازناً بين التناولين "البنيوي" و"الاصطفائي". بكلمات أخرى، فإنه في حين لا يجوز النظر إلى السودان كجزيرة منعزلة عن التحولات العالمية، فإنه من الضروري أيضاً النظر إلى الطريقة الخاصة التي تتجلى بها تلك التطورات في السودان (أي الأشكال الثقافية للأزمة السياسية والاقتصادية). ليس السودان ضحية ماضيه: سياسة التوريث النخبوي، والاثنية وما إلى ذلك والتي هي ظواهر حديثة استجابة للتحولات الحديثة في كل من تفكيرنا العلمي، وفي تكوين السياسات الدوليَّة، فإننا بحاجة إلى ربط المعطيات المحلية المحددة بنيوياً مع التحولات الوطنية والعالمية والتوقف من التعامل مع السودان بوصفه "نموذجاً للتفرقة العنصرية" الممارسة من قبل أهل وسط السودان على الأطراف. ففي الوقت الذى تكونت فيه الهُويات السودانية تاريخياً، كما ألمحنا من خلال عرضنا التاريخى، استجابة لتحولات تاريخية شاملة (التحركات السكانية الداخلية في مختلف المراحل التاريخية، والهجرات العربية التي أفرزت تحولاً جذرياً اتسم بقدر من الديمومة في التوازن الايكولوجي بين الصحراء والأرض المزروعة إلى جانب إحداث تبدل رئيس في بنية الثقافات السودانية المحلية)، فإن الطريقة التي تظهر بها تلك الهُويات نفسها يمكن أن تكون جد متنوعة. الاختلافات الثقافية، على كل، يجب ألا تضللنا طالما أنها أكثر من مجرد لملمة لمحتوى أكثر أهمية.

 

لكن هل باستطاعتنا، من جانب ثانٍٍ، أن نكتفي بوصف كيف أن السودان يعيش الآن حالة تفكك؟ ألا يمكن تقديم إسهام علمي في "إمكانيات بناء الدولة" وإيقاف الحرب الأهليَّة من واقع قراءة مغايرة لتلك التي قدمتها النخب ذات الرؤية الانسدادية، من خلال تفكير جديد أكثر إبداعاً في مسألة إعادة بناء الدولة؟ إذا كانت المناقشات البناءة عن الحكم وسلطة الدولة ممكنة في مناطق أخرى فلماذا لا يكون ذلك ممكناً في السودان؟

 

نعتقد بأن دعاة السودانوية يمكنهم بل يجب عليهم أن ينخرطوا في مناقشة الكيفية التي يمكن بها تطوير البني السياسية في السودان. يقدم مشروع ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي الداعي إلى قيام سودان جديد نموذجاً رائعاً لإمكانية حل الاختلافات الاثنية في إطار سودان موحد. يظهر ذلك النموذج أنه من الممكن دمج ضمان حقوق الأقليات الاثنية- الثقافية مع حكم إقليمي يقوم على الاستفادة من تجارب سودانية محلية على مدى فترات تاريخية ممتدة في أعماق التاريخ إلى عهد دولة كوش في كرمة، ونبتة، ومروى والممالك السودانية المسيحية القروسطية. لماذا لا يصبح ممكناً الانخراط في مناقشة بناءة لتجاربنا السابقة التي نجحت في إنشاء مؤسسات قضت على الصراعات وعملت على إقرار سلام واستقرار في السودان قرابة الثلاثين قرناً من الزمان. تجنب الدخول في مناقشة ذلك إنما يعنى مجرد تأجيل لمثل تلك الأسئلة الأساسيَّة وهو ما يؤدى إلى سيادة الاطروحات التفكيكية الانسدادية وبروز أطروحات تفكيكية متعددة.

 

نقول، نعم هناك مشكلة تكوين دولة وطنية موحدة في السودان وفق رؤية دعاة المشروع الحضاري الإسلامي أو مشروع الصحوة الإسلامية. مفهوم "الانتماء الوطني" مهم وعلى دعاة السودانوية أن يعملوا لإنجاز فهم أكثر عمقاً للكيفية التي نعرف بها كسودانيين انتماءنا السياسي للمجتمع. فقد أدى المحتوى التاريخى المتميز بالتحرك المتزايد لمجموعات اثنية بفعل التقلبات البيئية إلى بلورة "الهُويَّة السودانية الشاملة" عبر نشوء مصاهرات وبروز هًويات جديدة، والتي يمكنها أن تسمو فوق الدولة (مثل الهُوية الاثنية وسلسلة المعتقدات الدينية). مفهوم الوطنية القائم على نزعة مركزة وسطونيلية سياسوإسلاموية، على سبيل المثال، لا بدَّ من إعادة تقييمه بالنظر للواقع القائم على الأرض. علينا أن نعى أن المطابقة بين الوطنية والدولة ليست ممكنة في كل حالة (أو ضرورية). فيما وراء الوطنية والجنسية، اقتنت هُويات أخرى مثل الجنس والاثنية والعرق أهمية سياسية جديدة وهو ما يفرض علينا بلورة رؤى تضمن مفهومي الفضاء والزمان، بعيداً عن مفهوم الهُوية والوطنية الضيق المميز للأفق الإثنى الوسطونيلى. على كل، فإن مفهوم الدولة بوصفها بنية سياسية فحسب هو ما يكمن في قلب الأزمة السودانية الراهنة، ذلك أن الهُويات السودانية المُهمشة اثنيا وثقافياً واقتصاديا أخذت، بفعل تاريخ طويل للتعالي الإثنى والثقافي الوسطونيلى، في تعريف نفسها في مواجهة الدولة الأُحادية دينياً وثقافياً. أصبحت مسألة الهويَّة بفعل تعنت اثني في نهاية المطاف العامود الفقري لحركة سياسية بغرض استعادة الحق الطبيعي بالقوة. ردة الفعل هذه التي إن جاز تسميتها "الحنين إلى الوطن" بمعناه الدستوري، الوطن الحقوقي المسلوب أصبحت زهرة يمتص رحيقها دعاة "السودان الأمة الواحدة" الذين عقدوا العزم في مصوع على المضي في مشوارهم وهم ينشدون:

هذا طريقي يا بنيَّة مرهق للسائر

رصفته أشلاء الضحايا في النضال السافر

وعلى جوانبه تعيث الذئاب والأفاعي دون ضمائر

فإن أردت الحب بالقلب النبيل الطاهر

فسيرى بجنبى في النضال وبابتسامتك آذرى

أما إذا اخترت الفرار فليس ذلك صائرى

سأسير حتى النصر محتقراً لكل حب خائر

 

بالنسبة لدعاة السودانوية فإنه من الضروري إنجاز فهم دقيق للعلاقة بين الهُويات الاجتماعية والدولة والكيفية التي تكونت بها التجمعات السياسية. في حين أن هناك مؤشرات دالة على أن الهُويات الاجتماعية قد تصبح فاقدة لإقليمها العرقي، فإن هناك تطور آخر عادة ما يتم إهماله أو نسيانه، تحديداً إبعاد السكان من موطنهم الإثنى قسراً كما هو حادث اليوم في جبال النوبا وفي ما يسمى بالمنطقة الآمنة للنفط!!

 

المنافسة الحادة المتزايدة على الموارد الشحيحة تدعونا أيضاً للتفكير بصورة أفضل لإدارة البيئة (مثل موارد الغابات، والنفط، والأراضي الزراعية). لا بدَّ من إعادة التفكير بدور الدولة (في مواجهة الشركات العابرة للقارات والرأسمالية المحلية المرتبطة بها وفي مواجهة السكان) في مجال إدارة الموارد الطبيعية وحماية البيئة. كما يجب علي دعاة السودانية بالقدر نفسه أن يطوروا فهماً أكثر دينامية للعلاقة بين تحديد الهُويَّة الاجتماعية وتنظيم حيازة الموارد الطبيعية. الكثير من العنف في السودان ارتبط من جوانب عديدة بالصراع على الموارد الشحيحة، وسوف يتزايد إن سارت الأمور بهذه المأساوية الماثلة.

 

على دعاة السودانوية أن ينجزوا مشروع عمل ثقافي يطهر العقل السوداني من الاعتقاد السائد الذى رسخته النخب التفكيكية بوجود علاقة بين الانتماء الاثني والشخصية. المشروع الثقافي السودانوى يجب أن يؤكد على نفي وجود أية علاقة بين الانتماء الإثنى والشخصية وعلى  نفي الادعاء بأن أية سمة ثقافية أو أي عنصر من عناصر الثقافة مثل الدين واللغة هي بحال من الأحوال سمة سلالية ومن ثم تبيان أن العنصرية هي الاعتقاد بأفضلية سلالة على أخرى، وأنها ترتبط بسلوكيات طابعها التمييز والتفرقة تجاه من يعد منتمياً إلى مجموعة اثنية "أدنى"، وأن مثل هذا الاعتقاد العنصري يقوم عادة على أساس الادعاء بأن مجموعات سكانية معينة تمتلك قدرات وملكات عقليَّة"أقل" ويمتد هذا الاعتقاد ليشمل بجانب ذلك الطابع الأخلاقي والقيَّمي للجماعة الاثنية "الأدنى"، ويتميز هذا الاتجاه العنصري بادعائه أن القدرات العقلية والقيَّمية والأخلاقية هي سمات موروثة. على دعاة السودانوية أن يؤكدوا على حقيقة أن مثل هذه الأفكار العنصرية ترجع إلى عناصر عدة: مثل الاستعمار، والدين، والأنظمة القيَّمية والأخلاقية، والنشاطات الاقتصادية، والتكنولوجيا أو جميعها مجتمعة. فقط من خلال عمل ثقافي دءوب ومتأنٍ وموضوعي بعيداً عن القيود المفروضة على العقل السوداني بفعل هيمنة أشكال مختلفة من التابو، يمكن أن ينجح دعاة السودانوية في الكشف عن حقيقة الأزمة الحالية التي فرضتها هيمنة عقل رجعة تمتد جذوره إلى عصر السلطنة الزرقاء، ومن ثم العمل الدءوب لتحرير عقل أهلنا في الشمال والجنوب، في الشرق والغرب عن مثل ما يروج له المشروع الانسدادي لدعاة التفكيك.

 

على المشروع الثقافي السودانوى أن يبين بكامل الوضوح أن العنصرية ظاهرة ثقافية لا أساس وراثي لها، وكون أن مجموعة اثنية سودانية هي الأفضل أو الأدنى عقلياً وأخلاقياً هو مفهوم يحاول غرسه دعاة التفكيك طالما أن العنصرية ظاهرة تمتد بجذورها إلى الاقتصاد والسياسة والاجتماع [ للمزيد حول العنصرية انظر التطور البيوثقافي].

 

آخذين في الحسبان تلك النقاط فإن المشروع الثقافي السودانوى يجب أن يؤكد على حقيقة كون الثقافات تتغير، وأن تلك التغيرات ذات اتجاه محدد، وأن بعض الثقافات تدوم وتنمو في حين تنقرض أخرى. فإذا كان لنا أن نفهم بصورة لها مغزى أي شئ عن ثقافاتنا السودانية فان ذلك يكون ممكناً فقط من خلال دراسة تلك العناصر الثقافية المؤلفة لكل ثقافة سودانية منفردة في ترابطها وتفاعلها الجدلي بالثقافات السودانية ككل.

 

السؤال الملح هو كيف لمشروع السودانوية الثقافي والأمر كذلك أن يقاوم ويحبط الضغوط الأيديولوجية الثقافية القروسطية التي يمارسها فكر النخب التفكيكية؟ واضح أن هذه الأخطار هي الأعظم وهى التي خلقتها تلك النخب: الكبت الفكري، والحظر السياسي، والتطهير العرقي، والعنصرية وما إلى ذلك، وواضح بالقدر نفسه أن الإجابات القابلة للتطبيق هي بدورها ثقافية.. بوصفنا أناساً فإننا نمتلك كسودانيين القدرة على إعادة صياغة سوداننا سواء للأحسن أو للأسوأ.. الخيار متروك لنا. "دعونا ننفتح، كما يقول د. جون قرتق، وذلك لأن أي مجتمع يقوم على مكونات مبتسرة لا يمكنه أن يصمد أو يعيش طويلاً. هذا هو ما ينبئنا به تاريخ البشرية، فالمجتمع المفتوح والذي يضم ويستوعب جميع مواطنيه هو القابل للحياة والنمو والقادر على التكيف بيسر وعلى أن يستمد أسباب القوة لإستمراريته وبقائه، فهناك أشياء صغيرة تفرق بيننا، أشياء ليس من الصعب أن نجد لها حلولاً، ويمكننا أيضاً معالجة الأمور الكبيرة".

 

 

 

الأنثروبولوجيا النظرية

 

-1-

د. أسامة عبدالرحمن النور ود. أبوبكر يوسف شلابي

في حلقات متتالية على صفحات أركامانى سيتم تناول الاتجاهات النظرية في الأنثروبولوجيا نقلاً عن كتاب د. أسامة النور ود. أبوبكر شلابى، (الأنثروبولوجيا العامة: فروعها واتجاهاتها النظرية وطرق بحثها، المركز القومي للدراسات والأبحاث، طرابلس 2002)

 

 

 البدايات الأولى للتنظير الأنثروبولوجي

  الاتجاه التطوري: البدايات الأولى

 

 

 

البدايات الأولى للتنظير الأنثروبولوجي

خلال القرنين 15 و16 كان الرحالة الأوربيون قد جلبوا معهم لدى عودتهم من أسفارهم معلومات جديدة عن شعوب ما كان للأوربيين سابق معرفة بها. وخلال القرون اللاحقة امتدت حركة التوسع الكشفي التجاري والاستعماري التى خرج معها العالم الأوربي من مكتبات جامعاته ليتجول في أصقاع غير مكتشفة له ليصل إلى إدراك حقيقة إخوة له من بنى الإنسان يختلفون عته مأكلاً ومشرباً وسلوكاً. فكانت الدهشة الأولى: إنهم "البدائيون" الذين تكتشفهم الأنثروبولوجيا الجديدة. وبعد أن لبس العالم ثوب البدائي وحكى لغته وعاش معه لفترات...كانت الدهشة الثانية. هذا "البدائي" ليس متخلفاً كما صورته المعلومات المختزنة في العقل الأوربي منذ فترات...إن له طريقة حياته التى تختلف عن حياة الأوربي، وله منطقه الخاص. وبعد جولات جديدة جاءت دهشة ثالثة...يختلف منطق "البدائي" عن منطق الأوربي، لكنه منطق متماسك، إن له عالمه الخاص المتماسك بقيمه وبمنطقه وشعائره وطرق إيمانه.

 

هكذا أخذت في الظهور كتابات يؤلف بعضها خامة جيدة لدراسة بعض العناصر الثقافية. من أهم تلك الكتابات الدراسة الضخمة المكونة من أربعة مجلدات قام بوضعها المبشر الفرنسي الأب جوزيف لافيتو في النصف الأول من القرن الثامن عشر نتيجة تجربة خمس سنوات قضاها بين أفراد الهنود الأمريكيون الإيروكيز في شمال شرقي الولايات المتحدة الأمريكية. انتهت دراسة لافيتو إلى أن التنظيمات الاجتماعية عند الإيروكيز تساوى التنظيمات البدائية لبنى الإنسان. واكتشف لافيتو وجود تشابه بين النظام الأمومي عند الإيروكيز مع ذلك النظام ما قبل التاريخى الذى وصفه هيرودوت (480-425 ق.م.) عند سكان ليكيا في آسيا الصغرى. ولكون لافيتو حاول تفسير وجود هذا التشابه باحتمال انتشار هذا النظام من آسيا الصغرى إلى أمريكا فإنه يجوز عد لافيتو من أوائل القائلين بمبدأ الانتشار الثقافي diffusion of culture.

 

أثارت كتابات لافيتو والرحالة والمبشرين الذين سبقوه من أمثال بارتولوميو دى لاس كازاس (1502)، تاجر الرقيق الذى تحول إلى الرهبنة والتبشير في أمريكا الوسطى، والدببلوماسى النمساوي سيجموند هربرشتاين الذى كتب عن الروس والفينو-اوجريين (1577)، وشيفر الذى كتب عن النظم الشامانية  في شمال سكاندنافيا (1675)، ودابر الذى سافر كثيراً في أفريقيا وكتب عن الأفارقة وعاداتهم (1686)، وبينز كالب الذى وضع مؤلفاً عن شعب الهوتنتوت (السان) في جنوب أفريقيا (1700) وغيرهم، أثارت رد فعل بين الفلاسفة والمفكرين الأوربيين في القرنين 17و18 والذين حاولوا صياغة قوانين عامة يمكنها أن تشرح بطرق طبيعية تطور المجتمعات البشريَّة عبر مراحل من التقدم. وشكلت أعمال أولئك الفلاسفة والمفكرين الأساس الذى نشأت عليه التطورية الثقافوية اتجاهاً نظرياً في الأنثروبولوجيا في القرن 19 بخاصة لدى لويس هترى مورغان وادوارد برنت تايلور.

 

ففي إيطاليا قدم جيامباتستا فيكو (1668-1744) نظريته حول الدورة التاريخية التى يشير فيها إلى أن المجتمع لا بدَّ أن يتطور وفقاً لقوانين داخلية معينة. طبقاً لذلك رأى فيكو أن كل أمة تمر بثلاث مراحل في تطورها: المرحلة الإلهية، والمرحلة البطولية، والمرحلة الإنسانية، وهى مراحل تمثل دورة الحياة الإنسانية- الطفولة والشباب والنضج. وتمثل الدولة التى لا تنشأ إلا في المرحلة البطولية، سيطرة الأرستقراطية. ويحل محل الدولة في المرحلة الإنسانية مجتمع ديمقراطي تنتصر فيه الحرية و"العدالة الطبيعية". ويتبع هذا، وهو ذروة التقدم الإنساني، انهيار بحيث يعود المجتمع إلى حالته الأولى الإلهية، ثم يستأنف حركته الصاعدة مجدداً لتبدأ دورة جديدة.

 

تظهر بعد ذلك تأملات شارل دى مونتسكيو (1689-1755) التى تجعله من مؤسسي نظرية الحتمية الجغرافية بادعائه أن السيماء الأخلاقية للشعوب وطابع قوانينها وأشكال حكوماتها يحددها المناخ والتربة ومساحة الإقليم. في كل عمل مونتسكيو تنتشر فكرة أن القوانين تؤلف نظاماً "ثمة أشياء عديدة تحكم الناس: المناخ والدين والقوانين والمبادئ الأساسية للحكومة وأمثلة الأشياء الماضيَّة والطبائع والآداب". قد تبدو اللائحة للوهلة الأولى مجرد تعداد، لكن مونتسكيو يدخل معياراً يسمح بتمييز الطريقة التى تؤثر فيها هذه الضغوط المختلفة على الأنواع المتباينة للقوانين. كلما كان التمايز في المجتمع أقل، كلما كان الأساس "التشكلى" (المناخ والبيئة والبنية الديموغرافية) أكثر إلزاماً. كلما كان الناس أكثر "تمدناً" كلما ازداد استناد قانونية النظام الاجتماعي على القوانين والطبائع والآداب. يميز مونتسكيو التعابير الثلاثة، لكنه يميز أولاً الاثنين الأخيرين عن الأول. إن الصين حيث ينم الانتظام عن طريق "الآداب" و"العبادات والطقوس"، تختلف عن إسبارطة حيث الأولوية كانت دائماً "للطبائع"، أي لقواعد السلوك إزاء الآخر. فبعد أن ميز بينها يعود فيجمع الطبائع والآداب التى يضعها معاً في مواجهة القوانين التى هي "أعراف أقرها المُشرع". إن الشعوب الحرة هى التى يحكمها القانون، في حين أن البلدان التى تسيطر فيها الطبائع والآداب تكون عرضة للاستبداد والطغيان. لكن الضبط عن طريق القوانين هو نفسه معقد وموضع خلاف. صحيح أن الحرية السياسية، كما يوحى بذلك مثل إنجلترا، يمكن أن تنتج طبائع وآداب حرة في نطاق التجارة والحياة الخاصة. ولكن يمكن أن يحصل كذلك، كما في إسبرطة وروما، أن لا تكون القوانين إلا اصطناعا من المُشرع الذى يسعى إلى استعادة "العادات القديمة"، أي إلى استعادة الطبائع والآداب، سلطة كانت قد فقدتها. وبما أن قوانين كل بلد تشكل نظاماً، فإننا نستطيع أن نقارن بين هذه البلدان. يقارن مونتسكيو إنجلترا بروما، والصين باسبرطة، لكنه يبدى حذره لكي يحدد تحت أية علاقة يقارنها، يمكن لمجتمعين أن يتشابها تحت علاقة ما، في حين أنهما مختلفان تحت علاقة أخرى.

 

ونادى آن روبير جاك تيرغو (1727-1781) بالفكرة القائلة بأن تقدم المجتمع يرتبط ارتباطا وثيقاً بتطور الحياة الاقتصادية. وكان تيرغو يعترف بأهمية النمو الاقتصادي وتقدم العلم والتقنية لما فيه صالح التطور الاجتماعي، واعتقد بأن "الناتج الصافي"، أي فائض القيمة يتم خلقه في مجال الإنتاج لا في مجال التداول، وقدم بعض الأفكار عن التقسيم الطبقي للمجتمع وجوهر الأجور.

 

أما جان أنطوان كوندورسيه (1743-1794) ففقد دعا إلى طرح الخرافات جانباً وتطوير المعرفة العلميَّة. يتصور كوندورسيه التاريخ نتاجاً للعقل الإنساني معلناً بأن النظام البورجوازي هو قمة المعقولية و"الطبيعة". قسم كوندورسيه التاريخ إلى عشر فترات على أساس الصفات الاتفاقية، وأخذ على عاتقه مهمة تبرير أن الرأسمالية تضمن تقدماً لا نهائياً. وعارض كوندورسيه نظام المقاطعات الاجتماعية، وحارب من أجل المساواة السياسية داعياً إلى استئصال الحكم الدكتاتوري وإلى التطور الحر للفرد. لكنه اعتقد في الوقت نفسه أن عدم المساواة فيما يتعلق بالملكية أمراً مفيداً.

 

وأقام كلود هنرى سان سيمون (1760-1825) مبدأ الفلسفة الطبيعية، أى دراسة الطبيعة في مواجهة التقاليد المثالية بخاصة المثالية الألمانية. واعتنق الحتميَّة بصورة حاسمة ومدَّ نطاقها إلى تطور المجتمع البشرى موجهاً اهتماما خاصاً بدعم الفكرة القائلة بأن التاريخ تحكمه قوانين. وكان يعتقد أن التاريخ لا بدَّ أن يسهم في التقدم البشرى بالقدر الذى تسهم به العلوم الطبيعية. فكل نظام اجتماعي هو خطوة للأمام في التاريخ. ولكن القوى المحركة للتطور الاجتماعي هي تقدم المعرفة العلمية والأخلاق والدين. وبالتالي فإن التاريخ يمر بثلاث مراحل: لاهوتية (وهى فترة سيطرة الدين) وتشمل النظامين العبودي والإقطاعي، وميتافيزيقية (وهى فترة سقوط النظامين العبودي والإقطاعي)، ووضعية (وهى النظام الاجتماعي المستقبلي القائم على العلم). وقد ساعده مفهومه الاجتماعي على أن يبين أن كل نظام اجتماعي ينبثق انبثاقا طبيعياً من التطور التاريخى السابق له. وسوف يقوم المجتمع المستقبلي على أساس صناعة واسعة النطاق منظمة تنظيماً علمياً، ولكن مع الاحتفاظ بالملكية الخاصة والطبقات، وسوف يكون الدور الرائد فيه من نصيب العلم والصناعة وسينهض به العلماء ورجال الصناعة. وينبغي أن يعطى حق العمل لكل إنسان كل حسب قدرته.

 

وفي عام 1859 ظهر عمل شارلس داروين (1809-1882) "أصل الأنواع" الذى جاء إيذاناً باندلاع عاصفة لم تنقشع حتى يومنا هذا. لقد تم بفضل عمل داروين تفسير لغز الأنواع: الأنواع غير ثابتة بل هي متحولة تطورت عن أنواع أخرى عبر بميكانيزم الاصطفاء الطبيعي. وشرح داروين في كتابه المذكور مفهوم التطور في خمس نقاط يمكن اختزالها في الآتي:

 

أولاً، أن كل الأنواع قادرة على إنتاج نسل بصورة أسرع مما هو عليه الحال بالنسبة للزيادات في إنتاج الطعام.

ثانياً، تظهر كل الكائنات الحية تنوعات، فليس هناك من فردين للنوع الواحد متشابهين تماماً.

ثالثاً، بما أن عدد الأفراد الموجودين أكثر مما يفترض بقاءه فإن صراعاً مريراً ينشأ تكون الغلبة فيه لأولئك الأفراد الذين يؤلفون نوعاً إيجابياً كماً، وقوة، ومقدرة على الجري أو أية خصائص إيجابية أخرى ضرورية للبقاء.

رابعاً، تنتقل تلك التنوعات الإيجابية بالوراثة إلى الجيل اللاحق.

خامساً، تنتج تلك الأنواع الناجحة، على مدى فترات من الزمن الجيولوجي، اختلافات تؤدى إلى ظهور أنواع جديدة.

 

وكان العلماء في وقت سابق يرون في الأنواع وحدة غير متغيرة إذ أنه إذا تبدلت الأنواع فلن تكون أنواعاً. فالأنواع كانت، إذن، في أساس المناقشات حول النباتات والحيوانات ولم تكن للأفراد أهمية في داخل الأنواع. من هنا صَعُّب على العديد من العلماء رؤية الكيفية التى يمكن بها حدوث التغير. وكان داروين يرى أن تنوع الأفراد هو ما قد يفسر كيفية حدوث التغير. التنوعات الأكثر كفاءة تم اصطفاءها عن طريق الطبيعة للبقاء بينما الأقل كفاءة تم استثناءها. ومن ثم فإن مفكري علم السكان أصبحوا يؤكدون على تفرد كل شئ في العالم العضوي. الأهم بالنسبة لهم هو الفرد لا النوع. إنهم يؤكدون على أن كل فرد من الأنواع التى تعيد إنتاج نفسها جنسياً هو نوع مختلف فرداً عن كل الآخرين. ليس هناك فرد نموذجي في تصورهم. وقد تم التأكيد على تفرد الفرد (أي التنوع الذى يحدث في كل المجموعات السكانية- بمعنى أن السكان هم مجموعة من الأفراد المتفاعلين، لا نوعاً) وهذا هو ما قاد داروين إلى مفهوم الاصطفاء الطبيعي ميكانيزماً مكن التطور من أن يكون فاعلاً. فالاصطفاء الطبيعي يفعل في الأفراد، إيجاباً أو سلباً، لكن السكان هم الذين يتطورون. وحدة الاصطفاء الطبيعي أصبحت انطلاقا من هذا الفهم هى الفرد بينما أصبح السكان هم وحدة التطور.

 

هكذا فإن نظرية التطور في الطبيعة الحية كما صاغها داروين يمكن اختزالها في أن العوامل الرئيسة في تطور الكائنات الحيَّة هي التحول والوراثة والاصطفاء الطبيعي. الأصلح بين الكائنات الحية هو وحده الذى يبقى ويتكاثر في الصراع من أجل البقاء تحت تأثير البيئة الخارجية. ويُحسن الاصطفاء الطبيعي بصورة مستمرة بنيان الكائنات العضوية ووظائفها دافعاً قدرتها على التكيف مع الأشياء الخارجية المحيطة...هكذا لم يعد العلم بعد داروين كما كان عليه أبداً.  

 

الاتجاه التطوري: البدايات الأولى

على قاعدة هذا التقدم الفكري والعلمي المحقق في القرن 18 والنصف الأول من القرن 19 بدأ ظهور الأنثروبولوجيا الحديثة مفهوماً وموضوعاً ومنهجاً. ففي الفترة 1860-1880 انبثقت التطورية الثقافوية اتجاها نظرياً رئيساً في الأنثروبولوجيا. كان مؤلف باخوفن "حق الأم"، ومؤلف هنرى مين "القانون القديم" الذين صدرا كلاهما في عام 1861 باكورة مؤلفات المدرسة التطورية في الأنثروبولوجيا. أعقبهما في عام 1865 مؤلف تايلور "أبحاث في التاريخ المبكر للجنس البشرى". وفي عام 1869 ظهر مؤلف مورغان "أنظمة القرابة والمصاهرة في الأسرة البشرية". وظهر مؤلف تايلور "المجتمع البدائي" في عام 1871، ومن ثم مؤلف مورغان "المجتمع القديم" في العام 1877.

 

أحرزت الأنثروبولوجيا بمفهومها الحديث وتوجهها النظري التطوري تقدماً ملحوظاً منذ النصف الثاني من القرن 19 تحديداً مع بدايات الحركة الإمبريالية التى مكنت الكثير من دول أوربا الغربية في فرض سيادتها على العديد من المجتمعات غير المعقدة والمنعزلة جغرافياً وثقافياً، وهى المجتمعات التى أطلق عليها الأنثروبولوجيون في المراحل السابقة تسميات متنوعة: "المجتمعات البدائية" و"الطبيعية" و"المتوحشة". أتاحت حركة التوسع الإمبريالي الغرب أوربي الفرصة لعلماء الأنثروبولوجيا الأوربيين التعرف على العديد من المجتمعات غير المعقدة والمنعزلة جغرافياً ودراستها وتحليل بنياتها الثقافية والاجتماعية. وقد دفعهم إلى ذلك عدة أسباب نذكر منها: (1) محاولة ربط ما تم الكشف عنه من معطيات نتيجة تقدم أعمال التنقيب الآثارى في مواقع ما قبل التاريخ الأوربية والعالمية بثقافات الجماعات "البدائية" المنعزلة وذلك عن طريق التعرف على بنياتها وعاداتها وتقاليدها وطقوسها الدينية وفنونها الخ. (2) اختبار الفرضيَّات القائلة بكون تلك الثقافات "البدائية" المعاصرة تمثل المراحل الأولى للتطور الثقافي لبنى الإنسان عموماً، أي تسخير الدراسات الأنثروبولوجية للتعرف على خصائص أنماط الحياة البدائية بحسبانها نموذجاً حياً معاصراً من أنماط الحياة السابقة "الطبيعية" في المراحل التاريخية الوحشية والبربرية.."الاهتمام من ناحية اجتماعية على جماعة الفلاحين البدائيين الذين تختلف حياتهم عن طرق حياة الأوربيين والحضارة الغربية..دراسة هذه الجماعات البدائية ليست مثيرة فقط ومهمة للمشتغلين في البلدان المختلفة، ولكنها تنير طريق دراسة العادات والمعتقدات الأوربية". (3) نتيجة لما توفره تقارير الرحالة والمبشرين عن تلك الجماعات التى عاشوا وسطها وتعرفوا على ثقافاتها، سعت الدراسات الأنثروبولوجية إلى سد النقص في سلسلة المعارف والمعلومات عن مجتمعات غير غربية يختلف نمط حياتها عن نمط الحياة الأوربية. (4) سياسياً تساعد تلك الدراسات السلطات الاستعمارية في إحكام قبضتها على المجتمعات المقهورة المستعمرة إدارياً..."لقد قمنا بدراسة شعوب الأراضي المنخفضة بشكل لم يقم به منتصر آخر، وبشكل لم تدرس أو تفهم فيه قبيلة خاضعة للسيطرة. فنحن نعرف تاريخهم وعاداتهم وحاجاتهم ونقاط ضعفهم بل وأحكامهم المسبقة، وهذه المعرفة الخاصة قد أتاحت لنا توفير قاعدة للإرشادات السياسية التى يمكن ترجمتها بالحذر الإداري والإصلاح اللازم في حينه، وهذا ما يرضى الرأي العام". (5) استغلال الأنثروبولوجيا لأغراض "الاستعمار العلمي"..وصف شروط الوجود البدائي في المرحلة السابقة لدخول الاستعمار، بحيث تصف نمط هذا الوجود قبل أن يصار للقضاء عليه، أو تتناول وصف شروط هذا الوجود كما خلقه الاستعمار، أى يتحول حقل الأنثروبولوجيا إلى دراسة التغير الاجتماعي أو "التثاقف".

 

من أهم ما يميز النصف الثاني للقرن 19 هو سيادة نظرية التطور الداروينية. من خلال الداروينية نمت الأنثروبولوجيا الفيزيقية نمواً هائلاً. في فرنسا قام بول بروكا بفصل جمعية باريس الأنثروبولوجية في عام 1859 عن الجمعية الاثنولوجية التى كانت قد أنشئت منذ العام 1939. وفي بريطانيا أنشأ جيمس هنت الجمعية الأنثروبولوجية البريطانية. وظهرت في فرنسا دراسات بوشيه دى برث عن آثار ما قبل التاريخ التى تم الكشف عنها في وادي السوم والتي تركت تأثيراً كبيراً على تقدم الاتجاه التطوري الثقافوى في دراسة الثقافات الإنسانية. وفي ألمانيا بدأت الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة على يد تيودور فايتز الذى أكَّد في الجزء الأول من كتابه "أنثروبولوجية الشعوب الطبيعية" الصادر في عام 1858 (قبل عام من نشر عمل داروين) على أن اختلاف الشعوب فيما بينها يرجع إلى تأثيرات البيئة عامة والمناخ خاصة، وإلى نوعية الغذاء ونمط الحياة وإلى التطور الثقافي والطفرات. ويؤكد فايتز أن كافة الشعوب قد بدأت من درجة الصفر: الإنسان الطبيعي بدون مدنية. ويؤكد أن الاختلافات في درجات التطور لا ترجع إلى هبات أو قدرات عقلية، فهذه متساوية عند جميع الناس. نجمت الاختلافات عن اختلاف الفرص التى هيأتها الظروف الطبيعية وخاصة المناخ والموقع الجغرافي والعلاقات التاريخية.

 

وتعرض فايتز لمبدأ الانتشارية في مواجهة النشأة المستقلة لكثير من العناصر الثقافية المتشابهة. وأشار إلى ظاهرة الكوفادة التى يتكرر  ظهورها في مجتمعات متباعدة جغرافياً: أفريقيا، وإقليم الباسك الأسباني، والأناضول القديمة، وأندونيسيا، وأمريكا الجنوبية. ولم يحاول فايتز تفسير الكوفادة أو غيرها من الظواهر الثقافية. يميل فايتز عموماً إلى مبدأ الانتشارية بخاصة عند معالجته للتشابهات الثقافية الكبرى مثل تلك الملاحظة بين كل من أمريكا الشمالية وسيبريا، والهند وبولونيزيا. ويؤكد أن التشابه في نظام تقسيم السنة عند الآسيويين والمكسيكيين يعود إلى الانتشار رافضاً احتمال استقلالية النشأة في كل من المنطقتين على حدة. ويحدد مسار حركة الانتشار من آسيا إلى أمريكا عبر مضيق بيهرنج مع عدم استبعاد لإمكنية حدوث الانتشار من آسيا إلى المكسيك عبر جزر المحيط الهادي مباشرة.

 

وفي عام 1861 ظهر كتاب عالم الأنثروبولوجيا النمساوي يوهان ياكوب باخوفن (1815-1887) المعنون "حق الأم". وضع باخوفن في هذا الكتاب تتابعاً زمنياً لنظم الزواج والأسرة والميراث والتركيب الاجتماعي. وتتلخص آراء باخوفن في أنه كانت هناك عدة مراحل أقدمها مرحلة "الاختلاط الجنسي"، تليها مرحلة ثورة المرأة على هذه الأوضاع وتأسيسها لما يسمى بمرحلة النظام الأمومي الذى تثبت فيه صلات الأمهات بالأبناء، ويسمى باخوفن هذه المرحلة ب"الأمازونية". ويربط باخوفن هذا النظام بمجموعة من الوظائف الاجتماعية: الأسرة الأمومية، والنسب الأموي، والإرث الأموي، ونظم دينية تسيطر عليها آلهة الأرض، وتقوم فيها النساء بدور رئيس في النظام الكهنوتي، بالإضافة إلى شيوع عادات وطقوس الخصوبة. وأخيراً يسيطر القمر (بصيغته مؤنثاً) على الشمس. ثم تأتى المرحلة الثالثة حيث تسقط وظيفة المرأة السياسية والدينية ويحل محلها النظام الأبوي. وتظهر في هذه المرحلة الأسرة الحقيقية وتسيطر آلهة السماء على آلهة الأرض والشمس على القمر. لكن بقايا النظام الأمومي لا تزال تظهر في بعض العناصر الثقافية مثل نظام وراثة ابن الأخت للخال (وهو ما كان سائداً في كوش حتى بداية عصرها الإسلامي)، ونظام الكوفادة، ونظام الزواج الأموي المكان ..الخ.

 

ولا شك أن المراحل الثلاث تلك هي مجرد تركيب نظري بحت بخاصة المرحلة الأولى. وقد اعتمد باخوفن على كتابات هيرودوت عن النظام الأمومي في ليكيا. ورغم أن لافيتو كان قد سبق باخوفن في دراسة النظام الأمومي كما أسلفنا، فإن دراسة الأول كانت ذات طبيعة تاريخية محضة لتطور النظام عند الإيروكيز، هذا في حين جاءت دراسة باخوفن نابعة عن وظيفة النظام الأمومي ودوره في التركيب الاجتماعي.

 

 

 

تطور الإنسان .. عملية بيولوجية ثقافية

أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

ماذا يعنى أن يكون الكائن الحي إنساناً؟ بالطبع يمكن إدراك جزء من الإجابة من خلال مفهوم التطور العضوي كما ينطبق ذلك على أي حيوان. تأكيداً فان الإنسان حيوان، وأن العملية التطورية تكون فاعلة بالقدر نفسه في الإنسان عبر الفعل المشترك للقوى التطورية: الطفرة، والانجراف الوراثي، والهجرة، والاصطفاء الطبيعي. تطور السكان من بنى الإنسان ولا زالوا يتطورون بفعل التطور الذى يصيب تواترت الجينة استجابة لتلك القوى التطورية، هذه حقيقة علمية أصبحت من البديهيات التي لا تحتاج منا للتدليل أو الشرح.

 

ومن ثم فان أصول الإنسان يمكن تتبعها إلى جذور الحياة على سطح هذا الكوكب، قرابة الثلاث بليون سنة ونصف البليون سنة الماضية. الخمسمائة مليون سنة الأخيرة للتطور، كما يرويها سجل المتحجرات الخاص بالفقاريات، يشير بصورة أكثر مباشرة الى أسلاف بنى الإنسان المباشرين، بتحديد أكثر دقة فانه يمكننا أن نتتبع جذور الإنسان الى انبثاق الثدييات المُشيمية، ومن هنا الى بدايات رتبة الرئيسات التى يرجع تاريخها الى ما يزيد عن ستين مليون سنة مضت.

 

ومن خلال الدراسات المقارنة للرئيسات، والقردة، والقردة العليا، وبنى الإنسان يمكننا أن نكسو باللحم بقايا العظام والأضراس التى تؤلف سجل المتحجرات الخاصة بأسلاف بنى الإنسان من الرئيسات.ونعرف من مثل تلك المقارنات أن الأنواع الأنثروبويدية المبكرة بدأت في البزوغ في العالم القديم منذ أربعين مليون سنة مضت تقريباً، وأن البشريات الأولى كانت على مسرح الحياة منذ حوالي عشرين مليون سنة مضت (واحتمالاً منذ ما يقرب من الثلاثين مليون سنة مضت).

 

لكن السؤال على أية حال، متى بدأ الانبثاق التطوري الفريد الذى أنتج البشريات الأولى ؟ التوقيت المحدد لهذا الحدث التطوري لا زال مثاراً للجدل والخلاف، لكننا نشير الى أن البينات تلمح الى تاريخ يقع بين 5 - 10 مليون سنة مضت بالنسبة لظهور العضو الأول لعائلة الإنسانيات. النصف الأول للتاريخ التطوري للبشريات لا زالت تظلله الغيوم، إلا أن البحث الجاري الذى يقوم به ريتشارد ليكى، ودونالد جوانسون، وديفيد بلبيم وغيرهم يهدف الى تغطية هذه الفجوة المعرفية. نعرف الآن الى حد ما أكثر عن الخمس مليون سنة الأخيرة. تفيدنا البينة الهائلة المتوفرة من جنوب أفريقيا وشرقها، والتى يرجع تاريخها الى البليو- بليستوسين عن عينات من أشكال بشرية مبكرة. يمثل الشكل المبكر- القردى الجنوبى العفارى- بشرية تتميز بمخ صغير للغاية، لكنها تسير على قدمين. تظل قائمة إشكالية ما اذا كان الشكل البدئى للبشريات قد حقق نجاحاً في تصنيع أدواته بانتظام، لكنه لم يتم العثور على أدوات حجرية في حالة ارتباط بمتحجرات هذا الشكل المبكر.

 

علاقة بيولوجية  ثقافية متبادلة أكثر تحديداً ووضوحاً لدى أسلاف بنى الإنسان تبدو جلية منذ مليوني سنة مضت، في تلك الفترة أخذ الأعضاء المبكرون لجنس الإنسان في الانبثاق في أفريقيا (ويحتمل أيضاً في آسيا) وارتبطت بقاياهم المتحجرة ببقايا أدوات حجرية في العديد من المناطق، ومن ثمَّ ليس من المدهش أن يُظهر الأعضاء المبكرون لجنس الإنسان امتلاكهم أمخاخ أكبر كثيراً مما هو ملاحظ لدى النوع القردى الجنوبى (الاسترالبيتكوس).

 

يستمر سجل المتحجرات الخاص بأسلاف بنى الإنسان أسطورة جلجامشية تزخر بالأعمال البطولية مشحونة بالإنسان منتصب القامة، وبالأشكال الانتقالية، وأنواع من الأشكال العاقلة من بينها النياندرتاليون، وأخيراً الإنسان الحديث تشريحياً من نوعنا الانسان العاقل عاقل (الآدمي) منذ أربعين ألف سنة مضت (احتمالاً مئة ألف سنة مضت).

 

هذه إذن باختصار شديد رحلة الإنسان التطورية، لكنها قصة سُرَّدت لنا بأكثر من مجرد التفاصيل المورفولوجية للأضراس والعظام حيث أن بنى الإنسان وأسلافهم يشكلون أكثر من كونهم كائنات فيزيقية يخضعون بصورة عمياء لما يمليه التطور العضوي، اذ أنه منذ عدة ملايين من السنين بدأت البشريات المبكرة في إحداث تعديل ثقافي على بيئاتها، محدثة بالتالي تغيراً جذرياً على محيطها الإيكولوجى، راسمة من ثمَّ إتجاهاً جديداً للتطور الإنسانى.

 

الإجابة على السؤال: ما نحن وكيف أصبحنا على ما نحن عليه الآن، تكون ممكنة فقط وفقط من خلال صيرورة العمليات البيولوجية  الثقافية. إنه بغض النظر عما إذا كنا نتحدث عن أولى التجارب والمحاولات الفطيرة لشظية النواة الحجرية بهدف استخراج الشطفات، أو عن هبوط الإنسان على سطح القمر، فان العملية هى عملية موحدة. قد يكون صحيحاً أن الإنسان صنع الأدوات، لكنه ألا يصح بالقدر نفسه القول بأن الأدوات صنعت الإنسان؟

 

نتائج تاريخ الإنسان التطوري الفريدة تم تعدادها في حجم المخ البشرى وبنيته، وفي الجهاز السني، وفي المشي على قدمين. يمكننا، على كلٍ، أن نرى أثر الأصول البشرية لبنى الإنسان في سلوكهم: مقدرات بنى الإنسان الثقافية في تصنيع الأدوات واستخدامها، وفي اللغة الرمزية، وفي الرغبة في أن يكونوا اجتماعيين.

 

بالطبع فان البنية الفيزيقية لأجسام بنى الإنسان تمت صياغتها بفعل عناصر تطورية ترتبط بالتطور المصاحب لكل تلك الخصائص السلوكية... هل يفسر تطور الإنسان من ثمَّ سلوكه؟ في الوقت الراهن هناك من الباحثين في مجالي البيولوجيا والأنثروبولوجيا من يعتقد بصحة مثل هذه الفرضية.

 

لقد تطور تشديد جديد في البيولوجيا السلوكية خلال العقود الأخيرة أطلقت عليه تسمية البيولوجيا الاجتماعية، ويحاول هذا التناول، في تطبيقاته البراجماتية المتحفظة، فهم السلوك الاجتماعي وسط الحشرات والطيور من منطلق نماذج الاصطفاء الطبيعي، بمعنى آخر فان البيولوجيا الاجتماعية تفترض إمكانية فهم السلوك الاجتماعي وسط تلك الحيوانات بصورة أمثل من خلال إرجاع مثل ذلك السلوك الى النجاح التفاضلي للأفراد.

 

ماذا يمكننا القول بشأن السلوك الإنساني؟ جادل العديد من الباحثين بأن السلوك الإنساني المعاصر الذى يحتوى على عناصر مثل الدولة القومية الإقليمية، والحرب الأهلية المنظمة وما الى ذلك هو مجرد امتداد للسلوك القائم على النزعة الطبيعية للبشريات والذى تطور خلال عدة ملايين من السنين الأخيرة، وأكدَّ أولئك الباحثون على دور الصيد باعتباره المُحتَّم الرئيس في تشكيل السلوك الإنسانى ، أى خلق قرد أعلى مقاتل.

 

واضح أن الصيد المنظم للحيوانات الكبيرة أصبح عنصراً هاماً في عصر الإنسان منتصب القامة منذ حوالى مليون سنة مضت. المتطلبات السلوكية لمثل ذلك النوع من "الصيد الاجتماعي" يمكن أن تكون قد اصطفت تنظيماً اجتماعيا أكثر تماسكاً، ووسائل اتصال أشد فاعلية، وأدوات أكثر تخصيصاً، تلك المتطلبات بدورها يمكن أن تكون قد وضعت فائدة اصطفائية أعلى لمخ أكبر حجماً. هذه الفرضية قد تعطى نموذجاً جيداً، لكن حتى في هذا المستوى يظل هذا النموذج واحداً تأملياً الى حد بعيد حيث لا وجود لإشارة مباشرة في سجل المتحجرات ولا في المخلفات الأثرية الى الظروف المحددة الى إزدياد حجم المخ لدى البشريات.

 

كذلك فان الفرضيات الخاصة بالتأثير المحتم للصيد على النزعة العدوانية الإنسانية والإقليمية، والاختلافات بين الذكور والإناث وما الى ذلك هى الأخرى افتراضات تأملية، فإذا راعينا البينة المتوفرة وطبيعتها فانه قد يبدو مستحسناً تجنب مثل هذه الفرضيات مهما كانت درجة ذكائها.

 

لازال السؤال قائماً... ماذا يمكننا أن نقول بشأن السلوك الإنساني؟ شكل تطور الثقافة ولا شك إمكانيات بنى الإنسان السلوكية. فالحقيقة الماثلة تشير الى أن الإنسان العاقل عاقل يمتلك أساساً للجهاز العصبي مركباً، وأن بنى الإنسان كلهم قادرون على استخدام لغة الرموز، الى الميراث التطوري البيولوجى الثقافي. على كل فقد خلق تطور الثقافة أفقاً جديداً كلياً من الإمكانيات السلوكية، ذلك أن البشريات المبكرة، مثلها مثل بنى الإنسان، كانت هى الأخرى صانعة للرموز وكانت حيوانات عارفة، وكان سلوكها يحمل عنصر الاختبار المبنى داخلها، وهو ما يعنى أن القدرة على استخدام اللغة والثقافة موروثة إلا أن الشكل الذى تتخذه أمر مكتسب بالتعلم. والأمر كذلك فان سلوك الإنسان عرضة لتبديلات كبيرة حتى خلال حياة الفرد من بنى الإنسان.

 

لسنا نحن بنو الإنسان آلات، لسنا جينات عمياء تقتفي النهاية الأخيرة لتحقيق نجاح تفاضلي فردى أعلى، فإننا خلافاً لكافة الحيوانات نمتلك إمكانية الإبداع السلوكي اللانهائي، بالإضافة الى حقيقة الإدراك بامتلاك هذه المرونة، فنسبة لوجود الأجهزة المعرفية التى أسماها ريتشارد داوكينس memes افترقنا نحن بنو الإنسان عن مسار التطور البيولوجى الذى تحتمه الجينات لننتقل الى مجال التطور المحقق ثقافياً ورمزياً.

 

بينما يمكن للقيم الاجتماعية (كما هى مطبقة على الجماعات) والنجاح البيولوجى (كما هو مطبق على الأفراد في الجماعات) أن يدخلا في تناقض من حين لآخر فانهما متساوقان الى حد ما مع مرور الزمن.  بدون علاقة متبادلة لعناصر بيولوجية ثقافية قابلة للتطبيق فانه لا يمكن لبنى الإنسان ولا للمجموعات الإنسانية التى يعتمد عليها الإنسان للبقاء، من البقاء لأزمان طويلة.

 

أفضى مسار تطور البشريات الى ظهور الإنسان العاقل عاقل، هذا الحيوان الذى كرمه الخالق بجعله متميزاً بالمرونة السلوكية. من ناحية فان بنى الإنسان نتاج لتطورهم، لكنهم- خلافاً لكافة الكائنات على كوكبنا الأرضي- يستطيعون تطويع سلوكهم بلا نهاية عبر تمرين قدراتهم الإبداعية الفريدة.

 

منذ حوالي 10.000 سنة مضت زادت مجموعات الإنسان العاقل عاقل من سرعة التعديل الثقافي. معروف كيف أن الجغرافيا الطبيعية وكذلك المجموعات النباتية والحيوانية قد تغيرت مع انحسار الجليد، وحدث الأمر نفسه بالنسبة للمجموعات الإنسانية اذ أن أنواع الإنسانيات ليست محصنة أمام القوى التطورية. مع تغير البيئات لا يتوقف التطور وإنما يغير اتجاهه. مع تطور الزراعة والمواقع السكنية المستقرة المكتظة ظهرت ضغوط إصطفائية جديدة بخاصة الأمراض الوبائية، مثال ذلك إنتشار سمة الخلية المنجلية استجابة للضغوط الملارية وهو تجسيد للكيفية التى يعمل بها الإصطفاء الطبيعى وسط السكان من بنى الإنسان في إطار بيئاتهم الثقافية.

 

استمر معدل التغيرات الثقافية في التزايد خلال العشر ألف سنة الأخيرة، يمكن لنا أن نتتبع كيف تطورت الزراعة على مدى عدة آلاف سنة فقط في مناطق عديدة من العالم القديم، وبدأت في الوقت نفسه مجموعات إنسانية تجرى تجارب مع تدجين النباتات في العالم الجديد، كما لاحظنا ظهور المجتمعات المعقدة.

 

استخدم العديد من الأنثروبولوجيين الثقافيين وعلماء الآثار تلك البينة للقول بوجود أنماط منتظمة، بل حتى قوانين تحكم اتجاه التغير الثقافي، وذهب بعضهم الى حد القول بنماذج افتراضية لتفسير كيفية نشوء الثقافة. علينا أن نأخذ في الحسبان أن العمليات القابعة في أساس التطور الثقافي تختلف جذرياً عن تلك الجارية في مجال التطور البيولوجى: ليس هناك وحدات متفردة للنقل الثقافي مناظرة للجينات، كما وليس هناك إصطفاء ثقافي قياساً بنجاح المجموعات موازياً للاصطفاء الطبيعى قياساً بالنجاح في الأفراد.

 

 لقد تم القول منذ أزمان بعيدة بأن الناس مختلفون، وطرح لينايوس منذ عام 1758 رأياً مفاده أن سمات بعينها ترتبط بسلالات محددة، وهو ما عبر عنه من خلال تصنيفه لأربع مجموعات سكانية تتصف كل مجموعة منها بسمة معينة: الهنود الأمريكيون سريعو الغضب، والأوربيون الدمويون، والآسيويون المنقبضون، والأفارقة اللامبالون. وبعد مائة عام لاحقة ظلت مسألة إلصاق سمات شخصية بالسلالات تسود وسط باحثين آخرين من بينهم جوبينو الذى صار يعرف بلقب " أب الأيدولوجيا العنصرية ". نشير هنا إلى الاختلاف بين التصنيفين ألسلالي من جانب والعنصري من جانب ثانٍ، فالأول يحاول، عادة بدون نجاح، توزيع بنى الإنسان إلى مجموعات متجنباً وضع تمييز يفرز أفضلية مجموعة على أخرى، في حين تحاول التصنيفات العنصرية، دائماً بدون نجاح، إلصاق الخصائص السلوكية الأكثر رقياً بسلالات معينة، والخصائص السلوكية الأكثر دونية بسلالات أخرى. والجدير هنا الإشارة إلى أن علماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس لم يجدوا أساساً علمياً صالحاً لإنشاء علاقة متبادلة بين الشخصية والسلالة. شائع اليوم الاعتقاد بوجود علاقة بين السلالة والشخصية بالرغم من انتفاء وجود بينة على كون الشخصية أو أية سمة ثقافية أو أي عنصر من عناصر الثقافة مثل الدين واللغة هي بحال من الأحوال سمة سلالية، هذا القول لا نشك في كونه يجد تقبلاً لدى معظم المستنيرين من السودانيين، ومن ثمَّ قبول الفكرة القائلة بأن العنصرية هي الاعتقاد بأفضلية سلالة على أخرى، وترتبط بسلوكيات طابعها التمييز والتفرقة تجاه ما يعتبر سلالة " أدنى "، ويقوم الاعتقاد العنصري عادة على أساس الادعاء بأن مجموعات سكانية معينة تمتلك قدرات وملكات عقلية " أقل " ويمتد هذا الاعتقاد ليشمل بجانب ذلك الطابع الأخلاقي والقيمى للسلالة "الأدنى"، ويتميز هذا الاتجاه العنصري بادعائه بأن القدرات العقلية والقيمية والأخلاقية هي سمات موروثة. وفي اعتقادنا أنه من الممكن إرجاع الاعتقاد العنصري القائل بكون مجموعة أناس معينين هم " أدنى " وراثياً إلى عدة عناصر: مثل الاستعمار، والدين، والأنظمة القيمية والأخلاقية، والنشاطات الاقتصادية، والتكنولوجيا أو جميعها مجتمعة. فقط من خلال دراسة متأنية وموضوعية بعيداً عن القيود المفروضة على العقل بفعل هيمنة أشكال مختلفة من التابو، يمكن أن ينجح العقل السوداني المستنير في الكشف عن حقيقة الأزمة الحالية التي فرضتها هيمنة عقل رجعة تمتد جذوره إلى عصر السلطنة الزرقاء، ومن ثم العمل الدءوب لتحرير عقل أهلنا في الشمال والجنوب ، الشرق والغرب عن مثل ما يروج له ما سمي "الكتاب الأسود" الذى هو بالفعل ما يدعيه لنفسه.

 

إن العنصرية ظاهرة ثقافية لا أساس وراثي لها، وكون أن سلالة هي الأفضل أو الأدنى عقلياً وأخلاقياً هو أمر يفتقد لبينات وأدلة تدعمه، والأقرب إلى الصواب هو كون العنصرية ظاهرة تمتد بجذورها إلى الاقتصاد والسياسة والاجتماع. لكن الواضح أنه برغم قناعات المستنيرين من السودانيين بعدم توفر بينات تشير إلى "دونية" مجموعة اثنية و"أفضلية" أخرى من المجموعات المؤلفة لفسيفساء الأمة السودانية، فان العنصرية ممارسة لا زالت تجد تعبيرات لها في العديد من السلوكيات السياسية والاجتماعية في سودان الإنقاذ في وقت انتقل فيه العالم مع بدايات القرن الحادي والعشرين إلى حل إشكاليات ذات فاعلية أجدى بالنسبة لحياة الكائن المسمى الإنسان العاقل عاقل.

 

آخذين في الاعتبار تلك النقاط لا يمكننا إنكار حقيقة كون الثقافات تتغير، وأن تلك التغيرات ذات اتجاه محدد، وأن بعض الثقافات تدوم وتنمو في حين تنقرض أخرى، فإذا كان لنا أن نفهم بصورة لها مغزى أي شئ عن الآلاف الأخيرة من السنوات في تاريخ الإنسان، فان ذلك يكون ممكناً فقط من خلال دراسة تلك العناصر الثقافية.

 

هل يعنى قولي هذا موقفاً يدعو للإقلاع نهائياً عن أفق التطور البيولوجي؟ ليس الأمر كذلك بحال من الأحوال طالما أنني أدرك أن الطفرات لا زالت تحدث، وأن التأثيرات التي تحدثها الإشعاعات والمواد الكيميائية على طفرات الجينة أضحت تشكل خطراً يهدد بوقوع المزيد من تواتر "أخطاء" الجينة، الاصطفاء الطبيعي لازال هو الآخر فاعلاً بطريقة قوية، إذ يحتمل أن 85 % من كل الخلايا المشيجية التي تحمل بها الأنثى لا تعيد إنتاج نفسها، إضافة فان نتائج  الهجرات العربية إلى السودان في القرون الخمس الأخيرة واضحة من حولنا تماماً.

 

ما نريد قوله أن قدرة الإنسان الهائلة على تغيير بيئاته تجاوزت قدراته البيولوجية على الاستجابة، فخلافاً للبعوض الذى تجاوب كلياً (تكيفياً) مع تغيرات بيئية هائلة مثل مبيد "الدي دي تي" فإن الإنسان لن يكون بمقدوره التكيف بهذه السرعة، فإذا كتب للبعوض أن يرش الإنسان بصورة دائمة بالكميات نفسها من مبيدات الحشرات (والتي سيسميها البعوض مبيدات البشريات) فإن الإنسان سيصبح عاجزاً عن التكيف وسينقرض كلياً.

 

 

 

حفل تتويج مك الفونج في فازوغلى

ترجمة د. عوض حسن*

 

 

 

 

 في اليوم التاسع من فبراير 1944 م. سنحت ليَّ الفرصة السعيدة حضور حفل تتويج مك جديد في فازوغلى على الضفة الشرقية للنيل الأزرق على الحدود الإثيوبية، المقر الرئيس والتقليدي لواحدة من الولايات الصغيرة في مملكة الفونج.

 

لقد كان حشداً ضخماً لرجال القبائل والذين أحضروا فرقهم الفنية حاملة أنواع مختلفة من آلات نفخ هوائية خشبية تتفاوت في أحجامها من مزامير يبلغ طولها القدم لآلات ضخمة تبلغ في طولها السبعة أقدام مجمعة في عدة وحدات بحبال من البامبو، وتكون مؤخرة هذا النوع من الآلات الموسيقية الضخمة راسية على سطح الأرض. كانت هناك أيضاً آلات موسيقية- زايلفون- مجمعة من عدة قطع عادة من خشب الأبنوس مع جوانب يبلغ طولها القدمين، تثبت على الكتف اليمنى ويتم الطرق عليها للإيقاع بقرن يمسك باليد اليمنى للعازف، وتكون اليد اليسرى للعازف متحررة لتمسك بالمزمار وبهذا يتمكن العازف من العزف على الآلتين في آن واحد. لقد كان هناك رقص عنيف وتمثيل لمعارك تشهر فيها الحراب والدروع، والى جانب هذا قرع نحاسيات المك الثلاث المصنوعة بالتوالي من جلد ثور وجلد بقر وجلد عجل (الدلوكة والطبل والنوبة) ويسمى النحاس المصنوع من جلد العجل بالشتَّم.

 

في حوالي الحادية عشر صباحاً تجمع كبار الضيوف في ساحة الدار في كرنك ضخم مسقوف بالقش ومغطى في جوانبه. كان من بين كبار الضيوف المك حسن عدلان- رئيس قسم الإدارة المحلية للفونج وسليل سلاطين سنار. ومن بينهم أيضاً المك نايل حمدان- ممك قيلى. وكانا " الملكين المتوجين " الوحيدين من بين الحضور. وضع الكُكُر (كرسي التتويج) مغطى بقطعة قماش مطرزة. وكان سيف الولايَّة موضوعاً على منضدة بجانب تاج مغطى بقطعة قماش أخرى.

 

لقد تم إحضار هذه الأشياء الثلاث الهامة من قبل المك حسن عدلان من سنجة. الكُكُر سبق تصنيعه في العام 1918 على يد الشيخ حاجو- رجل دين- يعيش بالقرب من سنار. تمَّ تصنيع هذا الكُكُر بديلاً للكُكُر الأصلي الذى كان قد فقد في فترة المهدية. أما السيف فهو السيف الأصلي القديم، في حين أن التاج صنع حديثاً للمناسبة. والتاج الذى يعرف " بالطاقية " عبارة عن قبعة من قماش أخضر ناصع مطرز وهى محدودبة الشكل ذات رأس مدببة حادة بجوانب تتدلى على الأذنين. كل الرموز الثلاثة- الكُكُر والسيف والطاقية يأخذها بعد الاحتفال المك حسن عدلان لحفظها لاستعمالها في تتويج قابل. وضع على المنضدة أيضاً قفطان من الحرير مخطط جديد وأيضاً عباءة زرقاء داكنة.

 

بعد التأكد من اكتمال كل هذه الاستعدادات يذهب "الجندي" لإحضار المك الجديد إلى مكان الحفل. مكانة هذا "الجندي" ووظيفته متوارثة ويجب أن يكون في كل الأحوال من قبيلة أخرى. "جندي" فازوغلى كان من المحس بينما كان "جندي" المك حسن عدلان من النوبا. للجندي وظائف وواجبات عدة من أهمها الحفاظ على التقاليد والعادات.

 

قاد الجندي المك الجديد حميدة رجب باديرو إلى مكان الاحتفال وخلع عنه القفطان الذى كان يرتديه. بعدها تقدم المك حسن عدلان وألبس المك الجديد القفطان الجديد والعباءة الجديدة، ووضع التاج على رأس المك الجديد وسلمه السيف وقام المك نايل بدور المساعد للمك عدلان في تقديمه الأشياء للمك حسن عدلان قبل أن يقوم الأخير بإلباسها وتسليمها للمك الجديد حميدة.

 

بعدها قام الجندي بحمل الكُكُر المُحلى بالقماش المطرز ووضعه تحت شجرة هيجليج ضخمة وقاد المك حسن المك الجديد حميدة وأقعده على كرسي التتويج. بعدها قام المك حسن والمك نايل كل منهما بحزم ثوبه حول وسطه تعبيراً عن الاحترام للمك حميدة وأخذ كل واحد منهما يد المك حميدة بين يديه وناداه بالمانجل، وبهذه الخطوة تمَّ رسمياً ضم المك حميدة وقبوله ضمن القلة المختارة التى تحمل هذا اللقب.

 

تم تكرار هذا الشكل من الترحيب من قبل الجندي وأيضاً العمدة نمر خميس- عمدة التومات، واحدة من العموديات الثلاث التى تكوَّن مكيَّة فازوغلى. تقدم كلاهما للترحيب حفاة حاسرى الرأس. منذ تلك اللحظة في الاحتفال تولى العمدة نمر أمر المراسم، وكان أول دور له هو استلام السيف من المك الجديد حميدة وسحبه.

 

تقدم بعد ذلك عدد من الفقهاء من أصل عربى وقرأوا الفاتحة. تلت ذلك خطبة قصيرة من ناظر المدرسة الأولية كانت مناسبة لكنها بدت دخيلة على المراسم التقليدية وأدت إلى تأخير الجانب الرسمي للترحيب التقليدي لوجهاء قبيلة المك "الأرابيب" والذين تقدم كل منهم محزماً بثوبه حافي القدمين حاسر الرأس مكررين طريقة الترحيب بالمانجل (المك الجديد).

 

بعدها استل العمدة نمر السيف وأشهره فوق رأس المك الجديد حميدة وقام العمدة آدم ابونعمة- رئيس ما تبقى من ولاية فازوغلى الشرقية- واستل سيفه الخاص لتشريف المك الجديد ولقد كان هذا الحدث غير المحسوب مستهجناً لدى خبراء تنظيم الاحتفال ويعد خللاً في المراسم.

 

يصل الاحتفال إلى قمته حينما تقدم أحد أفراد أسرة المك حاملاً طرداً ملفوفاً في قطعة قماش وبدأ فتحه وأخرج قرناً وبدأ في النفخ مصدراً أصواتاً. هذا القرن مأخوذ من وعل وتمَّ الاحتفاظ به وتوارثه لزمن طويل- القرن مغلف بجلد بشرى- وقد تم الاحتفاظ به من زمان كانت العادة فيه تغليف مثل هذا القرن بجلد بشرى بعد المعارك القبلية (من جلد أحد أفراد القبائل المعادية). القرن الوحيد الآخر المتبقي والمغلف بالجلد البشرى محفوظ لدى مك قيلى- وهذا الأخير مصنوع حقيقة من الخشب. أما الأخريات بما فيها قرن المك حسن عدلان فقد فقدت.

 

بعد نفخ القرن تقدم الطبال والذي له نفس مقام عازف القرن وبدأ في توقيع إيقاعات متواصلة بطيئة على طبل الإشارة (دينجير) ليعلن للملأ بأن المك يتمتع بالصحة وقد تمَََّ تتويجه. يعنى الإيقاع المتواصل الأخبار الحسنة، أما الأخبار السيئة فيتم الإعلان عنها بثلاث طرقات متقطعة يتم تكرارها بشكل ثابت ومنتظم. في الماضي كانت القرى تردد هذه الإيقاعات إلى القرى المجاورة وهكذا ينتشر الخبر بسرعة لكل القرى وإبراقه لكل الجهات. ولا يدرى الكاتب إن كان هذا ما حدث في احتفال التتويج هذا. كان لإيقاعات الطبول إثارة البهجة والاستحسان وسط الجموع صاحبها عزف الآلات والغناء، وقام حملة الأسلحة النارية بإفراغ محتوياتها في الهواء.

 

خلال ذلك قام بعض رجال العمدة آدم بفك قطعة قماش بيضاء من وسط الجندي ووقفوا ممسكين بأطرافها ممدودة فوق رأس المك حماية له من أشعة الشمس- لأنه لا يجب أن تقع الشمس على المك قبل الانتهاء من مراسم " تنقيته وتطهيره " في حين قام البعض بتشكيل سواعدهم المتداخلة على هيئة كُكًر أجلسوا المك وحملوه إلى منزله، حُمل الكُكُر وظل العمدة نمر حاملاً السيف.

 

[إلى هنا انتهى تسجيل مشاهداتي الشخصية ثم سجلت ما قيل لي بعد ذلك].

 

ذهب المكَّان حسن عدلان ونايل إلى المنزل وأجلسا المك حميدة على الكُكُر وتمَّ تفويض الجندي بملازمته وخدمته، وكان على الجندي في ذلك الأثناء التزام الصمت. في داخل المنزل كانت هناك امرأة عجوز من جماعة العمدة آدم مع صبيَّة صغيرة من جماعة المك حميدة يقارب عمرها العاشرة- لم تبلغ بعد سن الزواج بالتأكيد- هذا إلى جانب وجود الجندي. أمر الجندي بحراسة الباب بوضع جنود خارجه، وقامت العجوز بمسح المك بدهن ممزوج بدقيق ويقال أن الدهن معتق (الدلكة) ولكن لم تتوفر ليَّ معلومات عنه أو عن نوع الجذور. المسح كان عبارة عن عملية تدليك. بعدها ترك الجندي المكان ليحل محله أحد أفراد رجاله لتقديم الطعام ولم يسمح للنساء الاقتراب من المنزل.

 

ذبحت في هذا الأثناء خارج المنزل الذبائح وتمَّ تقديم المريسة (مشروب مخمر من الذرة) لكل أفراد القبائل. بعد الغروب تمَّ تحويل المك والصبيَّة إلى منزل خاص جديد أعدَّ للمناسبة للإقامة فيه لمدة أسبوع بعدها يقرر المك ما إذا كانت الصبيَّة ستكون في عصمته أو تطليقها إلى الأبد.

 

بعد أسبوع من التتويج تتجمع القبائل مرة أخرى ويساق المك إلى شاطئ النهر ويُطهر فيه بدخوله إلى الماء حتى رقبته. يلي ذلك نفير القرن وتدق الطبول وتقدم الذبائح والمريسة مرة أخرى للجمهور.

 

هناك أربع نقاط لا بدَّ من تسجيلها:

* أن الاختلاء بصبيَّة لم تبلغ سن الزواج في منزل المك بين فترة تتويجه وتطهيره في النهر تعد بدعة ذلك أن التقليد القديم كان أن يتم الاختلاء بعذراء في سن الزواج.

* أن فترة الاختلاء صارت أسبوعا واحداً فقط مقارنة بفترة حول كامل في التقليد القديم.

* حدث خروج خطير على التقليد الذى يمنع خروج المك خلال فترة الاختلاء لضوء النهار وهذا ما لم يتم الالتزام به. مثل هذا الخروج عن هذه  القاعدة يمكن أن يلغى كل ما تمَّ من مراسم التتويج وقد يستدعى ذلك فرض التنازل عن العرش أو حتى ربما الى الموت. أما في هذه الحالة فقد تمَّ تبرير خروج المك حميدة لحدوث خلل في تقسيم اللحم والمريسة على الجمهور نسبة لتقاعس القائمين على أمر الحفل مما استدعى خروجه لتصحيح الخطأ وضمان إكرام ضيوفه. المجلس القضائي المكون من المك نايل، والجندي، والعمدة نمر وآخرين قبل وجاهة العذر وبرأ المك حميدة من الخطأ، وأقر معاقبة القائمين على أمر الضيافة بإجبارهم على تقديم ذبائح من مالهم الخاص.

* أن العاملين الرسميين في خدمة المك، بما فيهم الرجل الذى يشرف على حراسة المك في خلوته، يحق لهم الاستحواذ على ملابس المك القديمة عند التتويج بعد أن يكون قد استبدلها بالجديدة.

 

أخيراً يقول كاتب المقال:" بنهاية هذه المراسم عدت إلى التأمل والتفكير في قوة التقاليد وبقائها عبر المهدية والحكم الثنائي والأزمنة الحديثة، وأيضاً التأمل في التشابه في تفاصيل عديدة لمراسم التتويج في بريطانيا".

 


 

قراءة في أعمال فرنسيس دينج عن الدينكا

 

 

 

 

 

رؤية في أعمال فرانسيس دينج

تعد دراسات الدكتور فرنسيس دينج أحد أمثلة الجهود المعاصرة في خدمة قضية الفهم الاجتماعي (السوسيولوجي) للعلاقات العربية الأفريقية، فقد تناول عبر أكثر من ستة أعمال له مركزة على تراث الدينكا الشفا هي والمسجل لديه النسيج الاجتماعي الذى يربط الدينكا بأوسع المجموعات السلالية الممتدة في شرق القارة وغربها، وبذلك فإنه يجعل هذا النسيج الجزئي مكملاً أو متكاملاً مع النسيج الأفريقي الأكبر في القارة، ثم هو ينتقل من ذلك إلى بحث تداخل النسيج الدينكاوي مع النسيج العربي بدءاً من العلاقة المباشرة مع "الحّمر" المجاورين ومنتقلاً إلى التشابه مع التراث الاجتماعي الروحي مع الشمال لديانات الشرق الأوسط جميعاً، وهو بذلك يقر أساس الاتصال والاستمرارية بين القضايا المحلية والعامة في القارة وعلى رأسها قضية التداخل الاجتماعي والثقافي بين العرب والأفريقيين، أو ما يمكن تسميته "بالبنية الاجتماعية للعلاقات العربية الأفريقية".

 

ولاشك أن دراسة فرنسيس دينج في إطار الدراسات السودانية بعامة تعد من أكثر الدراسات تأهيلاً للوصول إلى نتائج بالغة الأهمية في هذا المجال وليس ذلك بسبب موقع السودان في قلب أفريقيا فحسب بل بسبب العملية الاجتماعية التي تمت على أرض السودان وجعلت منه بوتقة لانصهار العنصر العربي وتحوله إلى جزء من هذا النسيج العربي الأفريقي، وبذلك جعلت الواقع السوداني يرد على كثير من المقولات بل ويرد على الكثير من المبالغات التي يقع فيها العرب أو الأفارقة على السواء خارج هذه المنطقة- القلب. إن النموذج السوداني هنا لا يقدم مثالاً "تاريخياً" مثل غيره من المناطق أو التمازج ولكنه يقدم مادة حية للبنية الاجتماعية المعبرة بالصيرورة.

 

تكشف النظرة السريعة لأعمال فرنسيس دينج عن حصيلة معرفته بتراث بلاده الروحي الاجتماعي...بين الدينكا على وجه التحديد، ففيما بين 1971/1978 صدر لفرنسيس دينج بالإنجليزية "التراث والتحديث" ( (1971، و"الدينكا في السودان" (1972)، و"الدينكا وأغانيهم"( (1973، و"ديناميات التوحد أو تكوين الهُويَّة" ( (1973، و"الحكايات الشعبية عن الدينكا" ( (1974ثم أخيراً "أفريقيون وعالمان- الدينكا في السودان العربي الأفريقي" (1978).

 

التاريخ العلمي والثقافي لفرنسيس دينج، يؤهله لأن يقول الكثير في القضايا التي تناولها بقدر ما تسمح له أصوله الاجتماعية في هذا الصدد أيضاً. فهو أحد أبناء الزعيم دينج ماجوك رئيس قبائل الدينكا- نجوك، التي تقع على الحدود الاجتماعية بين ما يسمى الشمال والجنوب في السودان، تعلم في إحدى الثانويات العليا بالشمال وتخرج بجامعة الخرطوم حيث عُينَّ لتدريس القانون بها لبعض الوقت ثم سافر مبعوثاً ليحصل على درجة الدكتوراة في القانون من جامعة بيل بالولايات المتحدة الأمريكية، كما درس القانون الأفريقي بجامعة لندن. بعد ذلك قام بتدريس الأنثروبولوجيا بجامعة نيويورك كما عمل بقسم حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وقد قدمته مؤلفاته الأولى للحصول على جائزة هيرسكوفيتش في الدراسات الأفريقية. وعقب الحل السلمي لمشكلة جنوب السودان 1972 عُين دينج سفيراً لبلاده في اسكاندينافيا ثم الولايات المتحدة ثم جاء إلى الخرطوم وزيراً للدولة للشئون الخارجية (1975).

 

وقد تأثر منهج دينج في دراساته بموقعه الاجتماعي من جهة وسلكه الدراسي من جهة أخرى، فقد دفعته دراسته للأنثروبولوجيا والقانون الأفريقي إلى الاهتمام بالتراث الشفاهي والاعتماد على "الحكى الشعبي" عن التاريخ والعلاقات الاجتماعية وقد وفر له ذلك مادة غزيرة عن التراث الروحي العميق لأبناء قبيلته كما أدت دراسته للقانون إلى اهتمامه "بالعلاقات" داخل القبيلة. وقد أثر وضعه ابنا لأحد الرؤساء على اتجاهه لدراسة علاقات السلطة فيما بين هؤلاء الرؤساء وموقف بعض الفئات الاجتماعية منها وإن كان ذلك قد حصر تسجيلاته أحياناً في إطار الرؤساء رغم إشارته إلى أنه لم يتجاهل الرجل العادي الذى قدم- في رأيه- مادة متقاربة مع ما رواه الرؤساء.

 

أثر ذلك بالتالي على تحليلاته الاجتماعية-الاقتصادية وتأثيراتها في تطور العلاقات بين الدينكا وغيرهم بسبب عدم مضيه في تحليل تطورات الواقع الاقتصادي ومحيطه الوطني والإقليمي العام. ورغم وعيه بهذا البُعد في أكثر من موقع عندما تناول ثروة القبيلة ونظامها والفئات الاجتماعية التي تتكون في هذا الإطار فإن وقوفه عند مناهج الأنثروبولوجيين الوظيفيين تارة أو المدرسة التاريخية [للمزيد عن الاتجاهين الوظيفي والتاريخي في الأنثروبولوجيا انظر: الأنثروبولوجيا النظرية] نفسها تارة أخرى لم تجعله يمضى كثيراً بالنتائج إلى مداها المتوقع.

 

والمفيد البارز في دراسة فرنسيس دينج هو وعيه بالإطار الأفريقي في جملته وتمهيد الطريق لاستنتاجات خاصة بالعلاقات الأفريقية والأفريقية العربية على السواء حيث يتشابه الواقع بين الدينكا وجيرانها مع الواقع الذى يمكننا أن نقابله في إثيوبيا وتشاد ونيجريا ومالي والنيجر وغير ذلك من مناطق الاحتكاك الثقافي وما نتج عنه من تداخلات وتفاعلات يعرفها التاريخ والواقع المعاصر. 

 

وفي هذا الصدد لا يدرس فرنسيس دينج تراث الدينكا ليفتش فيه عن التشابهات فقط مع التراث العربي أو التراث الروحي"لبلدان الشرق الأوسط" على حد تعبيره وإنما يقدم أيضاً ظروف التناقضات التي نشأت داخل تراث الدينكا معادية للتوحد مع غيرهم، وهو يستخدم منهجاً أنثروبولوجياً علمياً حين لا يرجع مصدر التشابه بالضرورة إلى الاتصال المباشر الذى نشأ حديثاً في القرنين الأخيرين وإنما يرجع التشابه إلى تماثل الظواهر الإنسانية في أنحاء مختلفة من الأرض.

 

ومع ذلك تماثل الدينكا مع غيرهم من القبائل في السودان وأفريقيا والعالم العربي، وهو يستفيد من ذلك في الإيحاء بتأثيراته المباشرة على قضية البحث عن هُويَّة الأمة السودانية وتكامل عناصر الشمال والجنوب في عملية بناء الأمة، بل وبناء العلاقات العربية الأفريقية نفسها. وما يسجله دينج من روايات قديمة لعجائز "الرؤساء" الدينكاويين منقولاً بدوره عن أجدادهم العجائز أيضاً لا يرى فيه أثر الاتصال الحديث بقدر ما يشير إلى التراث الإنساني القديم والمتوارث في الدينكا.

 

وفي كتابيه "ديناميات تكوين الهُويَّة" و"أفريقيون وعالمان" يتنقل بنا فرنسيس دينج في عالم الدينكا الواحد، المزدوج، عالم الأسطورة الأفريقية وعالم الأديان السماويَّة الشرق أوسطية، منطلقاً من مقولة أساسية أخرى ترى أن السودان شماله وجنوبه يعرف هذا التنوع في التركيب الاجتماعي والتراث الروحي مما يصله- في جملته مركباً ثقافياً- بعالمي أفريقيا والعروبة في عملية تفاعل لا تعرف هذه الثنائية المتعسفة التي تعزل العرب عن الأفريقيين، بل أنه يكشف في أكثر من موضع من الكتابين عن تنوع في الروايات بين مجموعات اجتماعية مختلفة داخل الدينكا نفسها مثيلاً للتنوع على المستوى السوداني ككل، بل أنه حين يغوص في التاريخ فإنه يكتشف تلك التشابهات بين التراث الدينكاوى والتراث المصري الفرعوني القديم.

 

التركيب الاجتماعي للدينكا

تعد الدينكا، تلك المجموعة البشرية التي يقدر عددها بنحو ثلاثة ملايين نسمة، أكبر المجموعات الاثنية في السودان الذى يضم حوالي خمسمائة مجموعة اثنية غيرها. والدينكا من الناحية السلالية من النيليين، يشاركون في ذلك النوير والشلك. ومن الناحية الجغرافية فإنهم يمتدون شمال مديريات الإقليم الجنوبي (بحر الغزال- النيل الأعلى) وصولاً إلى جنوب كردفان (حول مجرى النيل) حيث يبدأ التحامهم بقبائل البقارة. وعلى مساحة معلومة من هذه المنطقة (أبييه) تلتقي إحدى بطون الدينكا (نجوك) مع إحدى بطون البقارة (الحمر).

 

يشكل الدينكا جزءاً من مركب اثني وثقافي أشمل هو ما يعرف بمجموعة الشعوب الناطقة باللو والممتدة في أقاليم شرق أفريقيا مع تشابه فيزيقي متميز مع الماساى الذين (كينيا)، والتوتسى (رواندا- بوروندى)، بل ومع بعض المجموعات البشرية التى تمتد غرب القارة حتى مالي والسنغال (طول القامة، وسواد البشرة الداكن، والملامح غير الزنجوية).

 

من أهم بطون الدينكا النجوك، وأبوك، وأدوت، وبان اروثم البور، والنويك ملوال حيث يتحرك الجميع للرعي بين جنوب كردفان ومنطقة بحر الغزال والنيل الأعلى حتى بور (منطقة مشروع قناة جونقلى). هكذا فإننا أمام مركب اجتماعي لا يحصرنا في هذه الأطر القبلية المعزولة التي يتحدث عنها الأنثروبولوجيون ويسمون بها واقع التجزئة في أفريقيا، وإنما نحن بصدد جزء من كل يجعل الواقع الأفريقي نسيجاً اجتماعيا مركباً يمتد على مساحات شاسعة من القارة مما يتطلب نظرة سوسيولوجية أشمل لمعنى الجامعة الأفريقية.

 

تمثل أعمال فرنسيس دينج إسهاماً في هذا التوجه بتأكيده على التشابه الملحوظ بين البنية الاجتماعية للدينكا والمكونات الاجتماعية الأخرى للشعب السوداني، كما أنه ثمة تشابه واضح بين الدينكا والمجموعات النيلية يمكن وضعه أمام التشابه بين موروثات الدينكا الروحية والتراث الديني بخاصة لشعوب الشرق الأوسط، وبالتقاء هذا المركب على أرض السودان موفراً عوامل كافية لبناء الأمة السودانية فإن ذلك يؤدى بنا بالضرورة إلى عدم القطع بثنائية التركيب الثقافي أو حتى الاثني بين شمال السودان وجنوبه، ومن ثم بين غرب وأفارقة.

 

وبولوج فرنسيس في كتاباته لمنطق الدوائر الثقافية فإنه يفتح الباب واسعاً أما الدراسات المتنوعة في هذا الصدد حيث يقتصر من جانبه على دراسة نظام القيم والمعتقدات فقط- بحكم وقوفه عند مناهج المدرسة الوظيفية- ليثبت مقولته الكبيرة.

 

ورغم أن فرنسيس دينج لا يربط كثيراً بين التكوين الاجتماعي والاقتصادي عند الدينكا ليرقب تأثير ذلك في صياغة علاقات البنية الداخلية والعلاقة بالعالم الخارجي فإن مثل هذه الارتباطات ترد بشكل غير مباشر في كثير من الظاهر التي يتعرض لها، فالأرض التي استقروا عليها هي "أفضل مكان في العالم بل ومركزه"، وقيام اقتصادهم المحلى على رعى البقر يجعل من ملكيَّة القطعان محور تقييم المركز الاجتماعي في القبيلة بل محور صياغات جمالية وأدبيَّة حول البقر وألوانه لا حصر لها "والسوق" هو مركز التعامل والتبادل الاجتماعي والاقتصادي على السواء بين العشائر ويضمن في الوقت نفسه الاستقلال الفردي، والزواج الإكسوجامى (من خارج العشيرة) مناسبة أخرى لتبادل الثروة وتحركها، والهجرة  فرصة للعمل الأجير الذى لا يبيحه الواقع الاجتماعي المحدود للقبيلة.

 

بينما يتسم الدينكا بروح التمركز العنصري حول الذات، إلا أنَّ ذلك لا يعنى قوة مشاعر الوحدة داخلهم لأنهم في الواقع يكرسون مظاهر التفتت الداخلي يشكل ملحوظ يجعل الوحدة تتحقق من اللا وحدة، كما يجعلهم عرضة دوماً لمظاهر التنازع والصراع.

 

في هذه البنية تصبح الزعامة ذات ثقل كبير مصدراً للتوحيد بينما تصبح الأسرة بل والفرد وحدة المجتمع، بل وفي إطار الأسرة يصبح الرجل القادر هو أساس البنية الاجتماعية والاقتصادية، لينسحب وضع المرأة إلى درجة التبعية. ومع الاهتمام بالتناسل والتكاثر تتأكد الاستمرارية عبر الرجال لا النساء، لأن الأرستقراطيون من الرجال هم الذين يمدون القبيلة بالرؤساء ويضمنون الخلود في مواجهة الفناء- وهنا تبرز جماليات جسد الرجل الدينكاوى. في هذا الإطار ينشأ عدد من القيم الدفاعية مثل العاطفية والاحترام المتبادل الذى يصل إلى حد المثالية وهو ما يسميه الدينكا "الضنج" إزاء الإطار الخاص للعلاقات التي تتجاوز الثروة إلى تقدير الأكبر عمراً أو التقدير وفق الجنس (الرجال – السيينج).

 

لا يمنع ذلك من وجود القيم السلبية مثل العدوانية والعنف "وعقدة البقر" أو التفاخر بملكيته..وإن كان ذلك لا يؤدى إلى الإخلال بالتوازن الاجتماعي الذى يحميه في رأى فرنسيس ميل معروف عند الدينكا نحو "المحافظة" أو مقاومة التغيير. لكن فرنسيس لا يرى أن هذه الصفة الأخيرة ذات ثبات "ستاتيكى"، فالدينكا تقبلوا الإسلام والمسيحية، وإنتشرت بينهم الهجرة بحثاً عن عمل في الشمال الجغرافي رغم أن ذلك مدان في إطار قيم القبيلة، بل واحترم الدينكا سلطة الحكومات الحديثة وأخذوا بالأشكال الديمقراطية مدخلاً لقبولهم بالتحديث.

 

بل وشملت قابليتهم للتغيير تكوينهم الاجتماعي نفسه، فبينما المعتقدات الأولى ترى الأجنبي لا يمكن أن يكون دينكاوياً وأن الأخير لا يمكن أن يندمج خارج الدينكا "حتى لو اختطفوه وقطعوه إربا لأنَّ نفس الدينكاوى لا تؤسر". ورغم ذلك فإن فرنسيس يسجل عن بعض الرؤساء كيف اندمج العرب داخل الدينكا وأن الأسر المتبادل حدث على الجانبين وأدى في النهاية إلى التزاوج بينهما على نطاق ملحوظ وان قصة زواج محمد (العربي) وثلما (الدينكاوية) تجد رواجاً في الفولكلور الدينكاوى..الخ. مما يثبت تأثير العوامل الجديدة في انفتاح البناء الاجتماعي الدينكاوى. وهنا يشير فرنسيس إلى أن فترة الحكم البريطاني هي التي عملت على تدعيم المحافظة والانعزالية عند الدينكا إلى حد جعل الرؤساء التقليديين يرون في ذلك ميزة للبريطانيين بينما أجيال الشباب قد انطلقت خارج عملية الحصار هذه إلى الانفتاح على المجموعات البشرية الأخرى في أنحاء الوطن السوداني، وباستثناء مصالح "الصفوة المتعلمة" من الشباب في اتجاه العزلة فإن القاعدة الأوسع، في رأى فرنسيس، تتجه إلى التحرك "نحو الخارج" مما يشكل عنصراً بارزاً في حركة الاحتكاك الثقافي الاجتماعي والاقتصادي ذو التأثير في بناء المجتمع الواحد الكبير.

 

البنية الثقافية

يعطى فرنسيس دينج للبنية الثقافية أولوية لفهم البناء الاجتماعي للدينكا ومن ثم يحتل عالم المعتقدات الدينية والتصورات أو "ميثولوجيا وفلسفة" الدينكا مكانة بارزة في تفسير كثير من الظواهر في مجال الاحتكاك الثقافي أو الاجتماعي بين الدينكا وغيرهم. ويفرد فرنسيس الجزء الأكبر من كتاب "أفريقيين وعالمان" لعرض تصورات الدينكا حول خلق العالم والحياة والإنسان، وهجرة الدينكا إلى منطقتهم الحالية ليدرس من خلال ذلك أوجه الشبه والتداخل بين هذه الثقافة والثقافات الأخرى وخاصة ثقافة "بلدان الشرق الأوسط" وأديانها السماوية، فهو يرجح أن هذا التشابه لا يرجع إلى الاتصال المباشر وإنما إلى تشابه في البنية ينفي في النهاية ثنائية التركيب الثقافي داخل السودان أو بين العرب والأفارقة.

 

حول خلق العالم

يرى الدينكا أن الإله الأعظم- دينج هو الذى خلق العالم والأشياء وهو الذى يدمرها أيضاً حيث العالم إلى فناء ولذا يؤكد الدين عند الدينكا على المضمون الخلقي أو نقيضه مصدراً للغفران أو الحرمان وعند كلا المسألتين في ميثولوجيا الدينكا وفلسفتهم تقع القرابة مع السمة الكونية لأديان الشرق الأوسط اليهودية والمسيحية والإسلام، ولذا يسهل على المرء أن يفسر توثق الصلة الذى حدث بين الدينكا والإرساليات التي وصلتهم ويعتقد فرنسيس أن جذور هذه الصلة أعمق من مجرد الاتصال التاريخى الذى حدث مؤخراً.

 

الأديان النيلية ما كانت فقط لمجرد سعادة الإنسان في المجتمع المعيش لكنها في الواقع تقيم علاقة روحية مع عالم سفلى، وهو عالم يتسم بالغموض نسبياً ولا يتشابه تماماً مع عالم الجنة والنار المعروف في المسيحية والإسلام. والخلود عندهم يتحقق في عالمنا هذا عبر استمرارية اسم الإنسان في أبنائه الذكور. ولذا فإن واحدة من قيمهم البارزة هي زيادة النسل التي هي واجب المرأة الرئيس. ويعتقد الدينكا بالإله الواحد، بل وبالتوحد في الله، وإن كانوا يعتقدون أيضاً في تدرج هرمي للمعبودات وفي تنوعها، للخير أو الشر أو وفق العشيرة، وهى تتوحد في النهاية في الإله الأعظم. ويسمى بعضهم الدنيج إله رغم أنه روح تأليه للإله بل وأن بعضهم يوحد بين الدنج والإله الأعظم.

 

وقد خلق الدينج الإنسان الأول من الطين وفي روايات أخرى من الصلصال بالتحديد، وعندما اشتكى الإنسان للإله من وحدته أخذ الإله ضلعه وخلق منه المرأة. وقد حاول هذا الإنسان الوصول إلى الدينج في السماء على نحو ما تروى أسطورة البرج في الشرق الأوسط. ويروى الدينكا أن الإله بعد أن خلق العالم والأشياء، والأشجار فإنه حرم على الإنسان الأول و المرأة أن يأكلا الشجرة المقدسة، لكن تحت إغراء الثعبان فإن المرأة حنثت بوعدها للإله ثم تبعها زوجها ليشاركها المصير نفسه فلقي ثلاثتهم عقابه حيث توعدهم الإله بحياة غير سعيدة، وجعلهم يزحفون، ثم أعطى الإنسان أدوات الزراعة وتوعد المرأة أن يقتلها بنوها، وخلق قلبها صغيراً ولذا فهو سهل التغير. ثم يمضى تراث الدينكا ليروى الكثير عن وضع المرأة زوجةً وأماً في درجة أقل من الرجال إلى حد أن أفراد الأسرة لا يستعملون صفتها أماً مثلاً وإنما ينادونها باسمها دليلاً على عدم الاحترام بينما ينفرد الرجل بذلك.

 

وخلق الإله بعد ذلك جميع الناس وجعل لكل لغته وطريقته ولكنهم جميعاً مترابطون ومع ذلك فإن الدينكا يتميزون عن غيرهم وكذلك تتميز أبقارهم. ورغم هذا التمييز يروى أحدهم "أفريقيون وعالمان، ص. 72" أن الدينكا والعرب جاءوا من نبع واحد في الخليقة لكنهم عندما خرجوا من "حظيرة الخلق" أصبح لكل منهم بقرته كما أصبح للدينكا ثورهم الأرقط. ويعطى الدينكا أهميَّة كبيرة لتفسير دور الزعيم أو القائد تفسيراً ميثولوجياً، وتتعدد التفسيرات حول ذلك مثلما تتعدد حول مشكلة خلق العالم نفسه. والجوك عند الدينكا هو الزعيم مقابل نجوك- الشعب. فقد أعطى الله الرمح للجوك الأب المؤسس والذي قاد الناس بعد ذلك وجعل الرمح لكل السود في العالم، ثم تتعدد الروايات عن قيادة الدينكا للعالم بأسره بفضل قيادة الرجل المؤسس، أب القبيلة وممثل الإله. وعندما أراد هذا القائد أن يعبر البحر بالدينكا وهددهم أناس بالقتل والفناء قدم القائد ابنته فداءً "لناس البحر" حتى يتركوا الدينكا يعبرون بعد أن شق البحر لهم. ومن هذه الميثولوجيا الخصبة عند الدينكا يستنتج فرنسيس التشابه الصارخ بين هذه الروايات وقصص الإنجيل والقرآن: الروايات حول خلق الإله للإنسان من الطين و المرأة من ضلعه وكيف غرر الثعبان بالمرأة وعقاب الله لهم، والقائد المقدس الذى شق البحر ليعبره شعبه وعن ولد نبى من غير أب ومعجزاته بالحديث طفلاً ثم رسالته للناس.وينقل فرنسيس دينج آراء إيفانز برتشارد وآخرين ممن يشاركونه الرأي في هذا التشابه، ويعالج مسألة احتمال تأثر الدينكا بالفترة التي أعقبت وصول الإرساليات ولكنه يؤكد تناقل هذا التراث من مسنين عن أجدادهم لفترات سبقت كثيراً هذا الاتصال الحديث بالإرساليات.

 

هجرة الدينكا

يرى فرنسيس دينج أن روايات الدينكا عن موطنهم القديم ثم هجرتهم إلى الموطن الحالي، الذى يعتزون به اعتزازا أسطورياً، يفسر الكثير أيضاً عن علاقات الدينكا الخارجية، رغم أن الأنثروبولوجيين لم يهتموا بهذا الموضوع بحسبانه أدخل- في اعتقاهم- في علم التاريخ كما أن المؤرخين لم يعتنوا به لأن المادة المتوفرة هي التاريخ الشفهي فقط وليس المكتوب.

 

تشير تسجيلات فرنسيس الشفهية إلى أن المعتقد العام السائد هو أن الدينكا جاءوا من "الشرق" إشارة إلى الشمس والحياة، بل وأن أحدهم حدد له أنهم لم يأتوا من "الجبهة" (أي جبهة القتال في الجنوب). وتبدأ الروايات تتعدد بدلالات مختلفة في موضوعنا، فثمة رواية عن مجيئهم من سنار السلطنة الزرقاء، ورواية أخرى عن مجئ الدينكا من شندى شمال الخرطوم حيث كان خلقهم أول مرة وخروجهم من الماء..إلى الحياة الاجتماعية..لأن الخلق الأول كان سابقاً على ذلك عند الدينكا.

 

يفسر فرنسيس دينج هذه الروايات عن مجئ الدينكا من بعيد إلى مقرهم ذلك بأنه تصوير لسعيهم وراء المرعى، وأن الدينكا بذلك قد استقروا في "أحسن مكان" الآن وذلك كجزء من اعتزاز بأرضهم وفخرهم بها. وفي تصوري أنه مع أهمية هذا التفسير في المجال الاقتصادي إلا أن له دلالة أخرى بالغة الأهمية وهى دلالة الإشارة إلى اتجاه هجرة الدينكا من مناطق مختلفة بالسودان إلى مقرهم هذا رغم أنهم ينتمون للعائلة النيلية الممتدة في شرق أفريقيا، الأمر الذى يجعل المادة الفولكلورية حول المعتقدات والتصورات أكثر دلالة من التفسيرات الأنثروبولوجية التقليدية عن تصنيف الأجناس وأصولها.

 

التأثيرات المتبادلة

يرفض فرنسيس في كتاباته المختلفة مبدأ ثنائية التركيب الثقافي على أساس العروبة والزنجوية أو الشمال بمواجهة الجنوب في السودان حيث يؤكد انتشار العناصر الثقافية العربيَّة والزنجيَّة بين كل من يسمون بالنيليين والساميين أو العرب والزنج في الشمال والجنوب. وعلى هذا الأساس ينطلق منهجه الاجتماعي في معالجة قضية التوحد في السودان. ويؤدى به هذا المنهج بالتالي إلى بحث التأثيرات المتبادلة أو العلاقات المتشابكة كلما أتيح له ذلك خلال دراسة البنية الاجتماعية للدينكا خاصة في مجال المعتقد والتصورات. وانطلاقا من أن البجة والنوبة والفور في الشمال فيهم زنجوية واضحة فإن علماء الأجناس يشيرون أيضاً إلى العناصر الحامية بل والقوقازية في مناطق كثيرة بالجنوب وكما أن القبائل الزنجية تعيش التقاليد والتنظيمات العربية للمجتمع أحياناً فإن هنالك بالمقابل عرباً في الشمال يعيشون تراثاً زنجياً لا يخفي.

 

وحيث تتركز دراساته على الدينكا فإن فرنسيس يعدد كثيراً من أوجه انطباق هذه الأفكار على تراثهم. فالدينكا تقبلوا المسيحية كما تقبلوا الإسلام وتمثلت جماهيرهم اللغة العربية (لغة مخاطبة- لنجوافرانكا) بينما لم تنفذ الإنجليزية إلا للمثقفين من الصفوة. وعن المصريين والترك عرفوا منصب العمدة والشيخ يل أنه يشابه بين طقوس الدفن الفرعونية القديمة ونظيراتها الدينكاوية وتبين إجراءات تزيين قرون الثور على الجدران المصرية القديمة وبين طقوس التعامل مع قرون الثيران عند الدينكا.

 

وعندما اندلعت الثورة المهدية في السودان ضد الاستعمار التركي والبريطاني انعكست في تمثل الدينكا لمفهوم "المهدى" في دينهم، وأصبح المهدى ابن روح السماء العظيمة دينج (أكوك) الذى يصلى له الدينكا "ويتوسلون له...قدس العشيرة". وقد كان الدينكا بدورهم مؤثرين كما كانوا متأثرين، وحيث لا تمتد الدراسة إلى متابعة هذه التأثيرات فيمن حولهم على نطاق واسع فإن تأثر القبائل العربية القريبة من الدينكا يمكن أن تخدم هذه الملاحظة، فالبقارة الذين يفاخرون بعروبتهم يعكسون مثل هذه التأثيرات الزنجية بوضوح في تعاملهم مع المرأة وإيقاعات الرقص وعلاقات الإنسان بقطيع البقر ومفردات اللغة الدينكاوية إلى غير ذلك من أشكال التأثر بأنماط السلوك الدينكاوى وثقافتهم.

 

التأريخ...والتاريخ

يعالج فرنسيس دينج بعديد من الجزئيات الدالة مسألة بالغة الحيوية في العلاقات بين العرب والمجموعات البشرية المختلفة في القارة الأفريقية، زنوجاً أو نيليين أو حاميين..الخ. تلك هي مسألة وقائع التاريخ من جهة وعملية التاريخ شعبياً أو رسمياً من جهة أخرى. وكثيراً ما تحدد هذه المسألة طبيعة العلاقات أو التصورات من حولها بما يساعد في تيسيرها أو توترها وفق طبيعة مناهج التنشئة الاجتماعية أو التثقيف أو الإعلام المستخدمة.

 

ويبدأ التاريخ بتعدد تصورات الدينكا حول "خلق الشعوب" أو الإنسان "الأبيض والبني والأسود"، وحول العلاقات التى تقيمها التصورات الشعبية بين هذه الشعوب أو الخصائص التي يسقطونها على أى منهم حتى تصل إلى الحديث المر عن وقائع الاسترقاق- المتبادل. وتعد الرواية الشعبية للتاريخ عند فرنسيس ذات دلالة خاصة حيث تشكل عنده مصدر بناء التاريخ الرسمي نفسه.

 

ويمضى تاريخ الدينكا عنده من مرحلة ما قبل "السيطرة" الأجنبية بأشكالها المختلفة مرحلة سيادة العلاقات الودية من الشمال والجنوب إلى مرحلة التسلط التركي المصري ثم البريطاني، إلى مرحلة الاستقلال وبناء الأمة أو الوحدة الوطنية.

 

وعن المرحلة المبكرة بالذات تتعدد الروايات الشفهية حول خلق الله للإنسان الأبيض والعربي والدينكاوى، وكيف اعتنى الإنسان الأول (الأب) بالأبيض لأن الأم لم ترضعه، بينما ترك العربي والدينكاوى مع أمهما. وتفصل رواية ثالثة أخرى الأولاد الثلاثة عن بعضهم أو تجعل الأبناء اثنين فقط هما العربي (البني) والدينكاوى (الأسود) ثم تحدد لكل خصائصه.

 

وفي هذه المرحلة أيضاً وقعت صراعات متنوعة بين الدينكا والنوير "وتبادلا التخريب" وهى مثيرة للصراعات بين العرب والدينكا حيث "تبادلا الاسترقاق"، وإن كان ذلك لم يمنع تزاوج العرب والدينكا كما كان ثمة استرقاق من الدينكا لغيرهم من القبائل الزنجية أو العكس.

 

ويشير التراث الدينكاوى إلى تبنى الدينكا للثورة المهدية كثورة ضد القهر لكن المهدية سرعان ما لجأت إلى التسلط مثل الترك والمصريين "ففسد العالم" بفساد الترك والدناقلة خاصة.

 

ولعل هذه الإشارات الأخيرة "للاسترقاق المتبادل" بين القبائل الزنجية مثلما وقع بين العرب وغيرهم أن تريح الباحثين العرب من مشقة الموقف الدفاعي الذى يجهدون فيه أنفسهم للدفاع ضد الهجوم الموجه من أصحاب المنهج التاريخى الأُحادى الجانب، كما قد ينبههم مثل هذا التحليل الاجتماعي الذى يمكن الرجوع إلى تفاصيله في دراسات فرنسيس دينج إلى أهمية دراسة طبيعة المراحل التي تمر بها المجتمعات وفق ظروف موضوعية تتخلق خلها الظواهر والعلاقات.

 

ولأن موضوع هذا المقال ليس تناول العلاقات التاريخية بين المجموعات البشرية أو الأقاليم السودانية والتأثيرات السلبية والإيجابية المتبادلة مما بذل فيه فرنسيس دينج جهداً كبيراً في إطار تناوله لقضية "بناء الأمة" في السودان فإننا لن نواصل معه في المراحل الحديثة كلامه عن الاستعمار البريطاني وتأثيراته في الجنوب أو ظروف "الانعزالية" ثم معركة بناء الوحدة بعد ذلك. لكننا نكتفي بأن ننقل عنه خلاصته بأنه لا يمكن القطع بثنائية التركيب الثقافي أو العنصري للسودان (شمالاً وجنوباً) وبالتالي فثمة أساس قوى للوحدة وبناء الأمة، وتبقى المشكلة في أن التاريخ السياسي هو الذى أكَّد على عناصر الانقسام ودعم إحساس عدم الثقة والعداوة (أفريقيون وعالمان، ص. 227). وهكذا يبدو أن معالجة النسيج الاجتماعي للعلاقات هي الرد الموضوعي على معالجة "التاريخ السياسي" وحده رغم أن كل منها من معطيات الآخر.

 

خلاصة

 الحق أن فرنسيس دينج رغم محاولة التمسك بالمنهج الاجتماعي للهروب من مشكلاته مع التاريخ فإنه ظلَّ أسيراً له في أجزاء كثيرة من كتابيه بحيث بدت عليه روح الرغبة في الموازنة أحياناً كثيرة وقد حاول التغلب على هذا الموقف والخروج من دائرة التاريخ إلى الاجتماع بإشارات أعتقد شخصياً أنها محدودة وأقل مما يعد به منهج فرنسيس دينج مثل ذكره لمصادر الاتجاهات العروبية والأفريقانية بعرض هوامش متناثرة عن دراسات المؤرخين السودانيين الذين خدموا "المعادلة" المطروحة بإخلاص (يوسف فضل، محمد عمر بشير، المدثر عبدالرحمن..الخ) بل وكان يلجأ أحياناً للإسهامات الشعرية لصلاح أحمد إبراهيم لخدمة هذه الروح.

 

وثمة إضافة أخرى نبه أليها فرنسيس وهى أنه مع اهتمامه بالتاريخ المحلى وصراعات القوى السياسية التقليدية مما يشيع تأثيرها السلبي على المستوى الأفريقي أيضاً فإن ذلك لم يجعله يتجاهل تأثير تصاعد حركة التحرر الوطني الأفريقية والعربية على تكوين وعى جديد لدى السودانيين في الشمال والجنوب بأهمية بناء الوحدة الوطنية- بناء الأمة في السودان حيث حدد تصاعد المد الوطني في أفريقيا بعد الاستقلال شخصية المواطن السوداني بين العرب والأفارقة.