النسق القرابى

الوحدة القبلية لا يمكن إدراكها من واقع أي من الحقائق التى ذكرناها، مأخوذة إفرادياً أو في جماعها، لكن ذلك يكون ممكناً فقط بالإشارة إلى نسق القرابة. عشيرة النوير ليست مجموعة غير متفرقة من الأفراد يعترفون بقرابتهم المشتركة، مثل الكثير من العشائر الأفريقية، لكنها شرائحية بدرجة عالية. الشرائح هي بنيات وراثية، وبالتالي فإننا نشير إليهم كمجموعات سلسلة نسب وإلى العشيرة كنظام خارجي الزواج يتتبع أصلهم إلى سلف مشترك. الخاصة المميزة لسلسلة النسب هي أن علاقة كل عضو بالأعضاء الآخرين يمكن تثبيتها بمصطلحات وراثية. علاقته بأعضاء سلاسل أنساب أخرى من العشيرة نفسها هي، بدورها، معروفة، طالما أن سلاسل النسب مترابطة وراثياً. من ثم فإنه في الرسم التخطيطي أدناه تمثل (A) عشيرة متشرحة إلى الحد الأقصى من سلسلتي النسب (B) و(C) وتتفرع هاتين السلسلتين بدوريهما إلى سلاسل أساسية (D) و(E) و(F) و(G). بالطريقة نفسها، تمثل سلاسل الأنساب (H) و(I) و(J) و(K) شرائح لسلسلتي النسب (E) و(F)؛ وتمثل (L) و(M) و(N) و(O) سلاسل نسب هي شرائح لسلسلتي النسب الصغريين (H) و(J). العشيرة في جماعها هي بنية وراثية، أي أن الأحرف اللاتينية تمثل أشخاصاً ترجع العشيرة وشرائحها أصلها إليهم، ومنهم يتخذون في العادة أسماءهم. لا بدَّ وأنه كانت هناك أكثر من عشرين عشيرة من هذا النوع في أرض النوير، دون الأخذ بالحسبان العديد من سلاسل النسب الصغيرة ذات الأصول الدينكاوية.

 

إن سلسلة نسب النوير هي مجموعات أبوية النسب، وتؤلف كل الأفراد الأحياء المنحدرين، عبر الذكور فقط، من مؤسس ذلك الخط المحدد. منطقياً، تشمل أيضاً الأفراد الأموات المنحدرين من المؤسس، لكن أولئك الأموات يحتلون أهمية فقط من حيث أن وضعهم الوراثي يفسر العلاقة بين الأحياء. القرابة الأبوية المتسعة يعترف بها إلى أبعد مدى يمكن تتبعه، بحيث أن عمق سلسلة النسب يكون متوافقاً دوماً مع عرضها.

 

عشيرة النوير كونها بهذا القدر من الشرائحية لها الكثير من الخصائص التى وجدناها في البنية القبلية. سلسلة أنسابها هي مجموعات متمايزة فقط بالنسبة إلى بعضها الآخر. بالتالي، في الرسم التخطيطي أعلاه، تمثل (M) مجموعة فقط في مواجهة (L)، وتمثل (H) مجموعة فقط في مواجهة (I)، وتمثل (D) مجموعة فقط في مواجهة (E) وهكذا. دوماً هناك اندماج لسلاسل الأنساب مكملة للفرع نفسه بالنسبة لفرع مكمل، أي في الرسم التخطيطي، (L) و (M) ما عادتا تفصلان سلستي نسب دنيتن، لكنهما سلسلتا نسب واحدة صغيرة، و(H) في مواجهة (I)، و(D) و(E) ما عادتا تفصلان سلسلتي نسب رئيستين، لكنهما سلسلتا نسب أساسيتين، و(B) في مواجهة (C). بالتالي فإن سلسلتي نسب متساويتين ومتعارضتين تمثلان مركب بالنسبة لسلسلة ثالثة، بحيث أن الفرد هو عضو في سلسلة نسب بالنسبة لمجموعة محددة وليس عضواً فيها بالنسبة لمجموعة مختلفة. سلاسل النسب بالتالي هي مجموعات نسبية، مثلها مثل أقسام القبيلة، ومثلها، هي مجموعات دينامية. من ثم فإنه يمكن وصفها فقط بمصطلحات القيم والأوضاع.

 

ليست سلاسل نسب النوير مشتركات مجتمعية متموضعة رغم أن أعضاءها عادة ما تربطهم علاقة بالموقع ويتحدثون عن الموضع كما لو أنه كلياً مجموعة أبوية النسب. كل قرية نوير ترتبط بسلسلة نسب، ورغم أنَّ أعضاءها عادة ما يؤلفون نسبة قليلة من المجتمع، فإنها تلتصق بهم بحيث يمكننا التحدث عنها تجمعاً لأشخاص متجمعون حول نواة أبوية النسب. التجمع لغوياً يتطابق مع النواة من خلال تعريف مجتمع القرية باسم سلسلة النسب. فقط بالرجوع إلى قواعد الزواج الخارجي وبعض النشاطات الطقوسية يتوجب على المرء عد سلاسل النسب مجموعات مستقلة كلياً. في الحياة الاجتماعية عموماً، فإن سلاسل النسب تؤدى وظيفتها في إطار المجتمعات المحلية، في كافة المستويات من القرية إلى القبيلة، وكجزء منها. لا نستطيع هنا مناقشة الطرق التى تصبح بها مجموعات الإقامة شبكة للروابط القرابية- الزواج، والتبني، وغيرها من الاحتمالات- ولكن النتيجة تنحى لأن تكون أن مجموعة محلية هي أموية النسب تتجمع حول نواة أبوية النسب، قواعد الزواج الخارجي هي المبدأ الفاعل في هذه النزعة.

 

عشائر النوير في كل مكان متفرقة، بحيث أنه في كل قرية أو معسكر يجد المرء ممثلين لعشائر متنوعة. تحركت سلاسل نسب صغيرة على امتداد أرض النوير واستقرت هنا وهناك وجمعت نفسها حول عناصر أبوية غير مترابطة في مجتمعات محلية. الهجرة وامتصاص الدينكا كانت ظروفاً عملت لمصلحة انتشار العشائر واختلاطها. كونهم كانوا غزاة، ورعاة مراحيل ولا يدينون بعبادة السلف، فإن النوير ما كانوا أبداً مقيدين بنقطة معينة لا بالضرورة ولا بالإحساس.

 

مع ذلك، هناك علاقة مباشرة بين البنية السياسية ونظام العشيرة، ذلك أن العشيرة، أو سلسلة النسب الكلية، ترتبط لدى كل قبيلة، التى تحتل فيها موقعاً سائداً وسط المجموعات أبوية النسب الأخرى. فضلاً عن أن كل شريحة منها تنزع للارتباط بشريحة من القبيلة بحيث يكون هناك تواصل، وعادة توحد لغوى، بين أجزاء العشيرة وأجزاء القبيلة. بالتالي إذا قارنا الرسم التوضيح 2 بالرسم التوضيحي 3 وافترضنا العشيرة A هي السائدة في القبيلة B، فإن سلسلتي النسب B و C تتوافقان مع الأقسام الأولية X وY؛ سلسلتا النسب الرئيستان D وE تتوافقان مع القسمين الثانويين و؛ سلسلتا النسب الرئيستان F وG تتوافقان مع القسمين الثانويين و؛ وسلسلتا النسب الفرعيتين J وK تتوافقان مع الأقسام الثالثة و.

 

نتحدث عن عشيرة سائدة في القبيلة بوصفها العشيرة الأرستقراطية، رغم أنه، باستثناء في محيط توسع النوير شرقاً، تمنح سيادتها المرتبة أكثر من كونها تمنح الامتياز. يؤلف أعضاؤها أقلية- عادة أقلية ملحوظة- في القبيلة. لا يعيش كل أعضاء العشيرة الأرستقراطية في القبيلة التى تسود فيها عشيرتهم، لكن الكثيرين منهم يوجدون في قبائل أخرى. لا ترتبط كل العشائر بالقبيلة بهذه الصورة. يعد الفرد أرستقراطياً في القبيلة التى تسود فيها عشيرته فقط. إذا عاش في قبيلة أخرى فلن يكون أرستقراطياً هناك.

 

هناك بالتالي في كل قبيلة نوع من التراتب الاجتماعي. هناك الأرستقراطيون، ونوير من عشائر أخرى، ودينكا، لكن تلك الفئات لا تمثل طبقات وتعد الفئتان الثانية والثالثة صنفين أكثر من كونيهما مجموعتين. الدينكا الذين تم امتصاصهم في مجتمع النوير ينحدرون في غالب الأحيان في نسقهم القرابى بالتبني والزواج، ولم يؤد الاحتلال إلى تطور الطبقات والطوائف. يمكن إرجاع ذلك، احتمالا، وجزئياً على أية حال، إلى حقيقة أن الدينكا، مثلهم مثل النوير، هم رعاة مراحيل في الأساس وأنهم في جوانب أخرى يعيشون نمطاً حياتياً شبيهاً.

 

دون أن نقدم كافة البينات ودون ادعاء أية مؤهلات، نحاول تفسير لماذا تتشرح عشائر النوير، بخاصة العشائر السائدة، إلى سلاسل نسب أكثر بكثير مما هو معتاد لدى الشعوب الأفريقية. في وجهة نظرنا، تتشرح العشائر لديهم لأن البنية السياسية التى يرتبطون بها متشرحة بالطريقة التى وصفناها. الالتزامات الاجتماعية وسط النوير تتجلى في الأساس من خلال تعبير قرابي وتتحدد العلاقات المتداخلة للمجتمعات المحلية في إطار القبيلة طبقاً لعلاقة النسب الأبوي. بالتالي، كما تتشرح القبيلة كذلك تتشرح العشيرة معها وتصبح نقطة الافتراق بين أقسام القبيلة نقطة الانحراف في بنية سلسلة نسب العشيرة مرتبطة بكل قسم. إنه، كما أتضح لنا، فالعشائر وسلاسل أنسابها ليست مجموعات مشتركية متميزة، لكنها متضمنة في المجتمعات المحلية، والتي تؤدى وظيفتها بنيوياً من خلالها. والأمر كذلك، ليس مدهشاً أنها تتخذ شكل الدولة التى تمنحهم وجوداً مشتركاً.

 

تلك العشائر التى ترتبط بقبائل لها عموماً امتدادات وعمق في سلسلة نسبها أكبر من تلك العشائر غير المرتبطة بقبيلة، وكلما كبرت القبيلة كلما زادت أهمية هذا الارتباط بالنسبة للنوير. إنه في القبائل الأكبر، مساحة وتعداداً، وفي تلك التى تمددت أكثر واستوعبت أجانب أكثر، مثل اللو، والجاجاك الشرقيين، وقبائل الجاجوك، نجد الاهتمام الأكبر بالوضع المتميز والسائد للعشائر الأرستقراطية. بالطبع، تؤثر العلاقات السياسية ليس فحسب على شكل العشيرة البنيوي، مقسمة إياها إلى شرائح على خطوط التفلق السياسي، إنما أيضاً يجوز القول بأن نظام العشيرة يمارس بدوره فاعلية مناظرة على البنية السياسية. في ارتباك سلاسل نسب الأصل المختلف للعشيرة وفي شبكة من الصلات الأموية النسب، فإن البنية السياسية تتخذ شكلاً متوافقاً، في لغة القرابة،بجعل عشيرة واحدة- نظام واحد لسلاسل القرابة- يتوافق مع القبيلة وبنيتها في مواجهة الشرائح. فكما أن الفرد عضو في شريحة قبلية في مواجهة شرائح أخرى في المرتبة نفسها وأيضاً عضو في الوقت نفسه في القبيلة التى تضم كل تلك الشرائح، فهو أيضاً عضو في سلسلة نسب بمواجهة سلاسل نسب أخرى في نفس المرتبة وأيضاً عضو في الوقت نفسه في العشيرة التى تضم كل سلاسل النسب تلك، وهناك توافق صارم بين هذين المركبين للانتماء، طالما أن سلسلة النسب محتواة في في الشريحة والعشيرة في القبيلة. إضافة، المسافة في بنية العشيرة بين سلسلتي نسب لعشيرة سائدة تنزع إلى التوافق مع المسافة في بنية القبيلة بين القسمين الذين ترتبط العشيرتان بهما. بالتالي فإن نظام سلاسل النسب للعشيرة السائدة يمكن النوير من التفكير في قبيلتهم في الشكل المتوافق لبنية العشيرة. في كل شريحة تمنح صلات شبكة القرابة وحدة وتماسكاً عبر العلاقة المشتركة بسلسلة نسب العشيرة السائدة التى تقيم هناك، وبما أنَّ سلاسل النسب المنفصلة تلك هي مركب في علاقتها بالعشائر الأخرى فإنَّ مجمل القبيلة ينبني حول إطار أبوي النسب كلياً. رغم أن الأقسام قد تنزع إلى الانسحاب والانقسام، فإن قيمة أبوية، تتقاسمها سلاسل النسب السائدة محتواة فيها، تبقى.

 

نسق طبقات العمر

مؤسسة قبلية أخرى هي نسق طبقات العمر، وهو نسق ينال قدراً من الأهمية الاجتماعية لدى النوير أكثر من أي من الشعوب النيلية في السودان. يمر الأطفال النوير إلى مرحلة الرجولة عبر امتحان قاسٍ وسلسلة من الطقوس مرتبطة به. تجرى تلك التلقينات حيثما توفر عدد كافٍ من الأطفال في سن 14-16 سنة في قرية أو منطقة. الشبان الذين تم تلقينهم في سنوات متتالية ينتمون كلهم إلى طبقة عمر واحدة، وهناك فترة أربع سنوات فاصلة بين آخر دفعة من طبقة الملقنين والدفعة الأولى لطبقة الملقنين اللاحقين، خلال الأربع سنوات الفاصلة هذه لا يتم تلقين أي دفعة من الأطفال. تكون مدة التلقين مفتوحة على مدى ست سنوات، بحيث أنه بالإضافة إلى الأربع سنوات الفاصلة، تكون هناك عشر سنوات بين بداية كل طبقة عمرية وبين بداية الطبقة التى تسبقها وتلك التى تليها. لا تنتظم الطبقات العمرية بصورة دائرية.

 

طبقات النوير العمرية هي مؤسسات قبلية بمعنى، على الأقل في القبائل الكبيرة، أن كل أقسام القبيلة لها الفترات المفتوحة والمنغلقة نفسها وتسمى الطبقات بالأسماء نفسها. وهي أيضاً المؤسسات القومية للنوير الأكثر خصوصية، ذلك أن ندوب التلقين هي علامات مجتمعهم ووسام سيادتهم. إضافة، رغم أن كل قبيلة كبيرة لها تنظيم خاص بها لطبقتها العمرية، فإن القبائل المتجاورة تنسق طبقاتها زمنيا واسميا، بحيث أن النوير الغربيين، والنوير الشرقيين، والنوير الوسطيين ينزعون إلى الانقسام إلى ثلاثة أقسام في هذا الشأن. لكنه حتى عندما يسافر الفرد من ركن من أرض النوير إلى ركن آخر، يمكنه بسهولة أن يدرك الطبقة المماثلة لطبقته في كل منطقة. إن نظام الطبقة العمرية، بالتالي، مثل نظام العشيرة، ففي حين أن له مضمونه القبلي فإنه غير مقيد بخطوط التفلق السياسي.

 

يوجد في كل قبيلة فرد له شرف افتتاح التلقين وإغلاقه وأن يعطى التسمية لكل طبقة عمرية. ينتمي هذا الفرد إلى واحدة من سلاسل النسب التى لها علاقة طقوسية بالأبقار ويعرف هؤلاء الأفراد بـ "رجال الأبقار". يفتتح فترات التلقين ويغلقها في منطقته وتحذو المناطق الأخرى لقبيلته حذوه . بمجرد أن يتم افتتاح الفترة، فلكل قرية ولكل منطقة أن تلقن أطفالها وقت ما تشاء. لا ترتبط الطبقات العمرية بنشاطات مشتركة ولا يمكن القول بأن لها وظائف سياسية. ليس هناك مراتب "للمحاربين" و"للكبار" ينشغلون بإدارة البلاد، وليست الطبقات العمرية وحدات عسكرية، إذ يقاتل الفرد مع أعضاء مجتمعه المحلى، غض النظر عن عمره.  ليس هناك تدريباً تعليمياً أو أخلاقياً في طقوس التلقين، كما وليست هناك قيادة في الطبقات العمرية.

 

لا يوجد عادة أكثر من ست طبقات عمرية في وقت واحد، طالما أن ست طبقات تغطى حوالي خمسة وسبعين عاماً. وكلما ماتت طبقة يظل اسمها عالقاً في الذاكرة لجيل أو جيلين. وتصبح كل طبقة الأكبر سناً مع مرور الزمن، من ثم يرتقى الفرد من مرتبة دنيا إلى مرتبة وسطي، ومن مرتبة وسطي إلى مرتبة عليا في مجتمعه بوصفه عضواً في جماعة. بالتالي يمثل التراتب في نسق الطبقات العمرية المزيد من التجسيد لمبدأ التشرح الذى لاحظناه خاصةً مميزة لنسق القرابة والنسق السياسي للنوير. هناك تراتب في داخل كل طبقة عمرية، لكن هذا ليس على القدر نفسه من الأهمية، ذلك أن الطبقة ترى نفسها، ويراها الآخرون، مجموعةً غير منقسمة في علاقتها بالطبقات الأخرى، وتصبح أقسامها متداخلة كلما ارتقت الطبقة إلى مرتبة أعلى. بمجرد أن تكتمل الطبقة فإنها لا تغير عضويتها، لكن الطبقات تغير باستمرار مواضعها في علاقتها بالنسق ككل. هناك كذلك نسبية فيما يتعلق بتلك الطبقات التراتبية أشبه بما لاحظناه في الأقسام القبلية والعشائر، حيث أنه في الوقت الذى تحتفظ فيه بخصوصيتها يكون هناك انصهار موضعي لطبقتين بالنسبة لطبقة ثالثة. يبدو ذلك واضحاً بصورة خاصة في الاحتفالات. سواء عدت الطبقة دنيا أو مساوية إنما يعتمد ليس فقط على مرتبتها في بنية الطبقة العمرية، لكن أيضاً على مرتبة طبقة ثالثة معنية في أي وضع، وهي نزعة ناتجة عن العلاقة بين الطبقات العمرية والأجيال.

 

الدور الأكثر بروزاً للطبقات العمرية في تحديد السلوك يكمن في الطريقة التى تتأثر بها الواجبات والمصالح خلال الانتقال من الطفولة إلى الرجولة. أيضاً فإنَّ كل ذكر من النوير يكون، بفضل وضع طبقته في البنية، في حالة أولوية، أو مساواة، أو دونية بالنسبة لكل رجل آخر من النوير. بعض الرجال يكونون "أبناء له"، وبعضهم "إخوة له"، وبعضهم "آباء له". دون الدخول هنا في التفاصيل، يمكننا القول بأن سلوك الرجل تجاه الرجال الآخرين في مجتمعه يتحدد إلى حد بعيد بأوضاعهم المحددة في نسق الطبقات العمرية. بالتالي فإن العلاقات العمرية، شأنها شأن العلاقات القرابية، هي محددات بنيوية للسلوك. يمكن عد نسق الطبقة العمرية، إضافة، مؤسسة سياسية طالما أنه، إلى حد بعيد، متشرح قبلياً وطالما أنه يقسم القبيلة- فيما يتعلق بأعضائها الذكور- إلى مجموعات على أساس العمر والتي تكون في علاقة محددة بين بعضها الآخر. لا نعتقد، على كل، أن له تطابقاً مع البنية القبلية القائمة على التشرح الإقليمي الذى سجلناه. النسق السياسي الإقليمي ونسق الطبقة العمرية كلاهما متماسك في ذاته ويتداخلان في حالات، لكنهما لا يعتمدان على بعضيهما الآخر.

 

الضغائن والنزاعات الأخرى

 يعمل النسق السياسي، في اعتقادنا، عبر مؤسسة الضغينة التى تنظم عن طريق ميكانيزم يعرف بـ "الزعيم جلد النمر"، لقب نحتفظ به، رغم أن كنية "زعيم" مضللة. هذا الشخص هو واحد من أولئك المتخصصين الذين يهتمون، وفق قدرات طقوسية، بفاعليات مختلفة لحياة النوير الاجتماعية والطبيعة. الزعماء جلد النمر ينتمون إلى سلاسل نسب معينة فقط، رغم أنه ليس كل أعضاء سلاسل النسب تلك يمارسون قوتهم الطقوسية الموروثة. في معظم أنحاء أرض النوير، لا تشكل سلاسل النسب فروعاً من عشائر سائدة.

 

عندما يقتل شخص فرداً آخر، عليه أن يتوجه فوراً إلى زعيم، ويقوم الأخير بجرح يده حتى يسيل الدم. وإلى أن توضع علامة الكين هذه، يتوجب على القاتل ألا يأكل و لا يشرب. إذا خاف من الثأر، كما هو الحال دائماً، فعليه أن يبقى في منزل الزعيم، لأنه مكان مقدس. خلال الشهور القليلة اللاحقة على الزعيم أن ينتزع من أقرباء القاتل وعداً بقبولهم دفع تعويض  لتجنب الضغينة ويقنع أقرباء القتيل بأن عليهم قبول التعويض. خلال هذه الفترة لا يشرب أعضاء الفريقين ولا يأكلون من إناء واحد، كما ولا يحق لهم الأكل، بالتالي في منزل الطرف الثالث نفسه. يجمع الزعيم من ثم الأبقار- حتى وقت قريب يتألف التعويض من حوالي أربعين إلى خمسين بقرة- ويأخذها إلى منزل القتيل، حيث يقوم بأداء طقوس الأضحيات المختلفة للتطهير والتكفير. هذا هو الإجراء المتبع لتسوية الضغينة، وقبل الإدارة الحالية (يقصد الإدارة الاستعمارية- أسامة) كان هذا هو التقليد المتبع، ذلك أن النوير شعب مضطربون يقدرون الشجاعة كأعلى فضيلة ويمتلكون مهارة في القتال.

 

مثل هذا الوصف الموجز، يمكن أن يعطى المرء انطباعا بأن الزعيم يحكم في القضية ويفرض إطاعة قراره. لا يطلب من الزعيم إصدار حكم: لا يخطر للنوير أن مثل ذلك ضرورة. يبدو أنه يفرض على أقرباء القتيل قبول التعويض بإصراره، حتى لو استدعى ذلك تهديدهم ولعنهم، لكنه أمر متفق عليه أنه سيفعل ذلك، حتى يحتفظ أقرباء الفقيد بسمعتهم. الشئ الذى يبدو أنه يحتل الأهمية هو الاعتراف بالعلاقات المجتمعية بين الأطراف المعنية، وبالتالي الالتزام الأخلاقي بتسوية المسألة عن طريق قبول الدفع التقليدي، والرغبة لدى الطرفين لتجنب، في الوقت الراهن على أية حال، المزيد من الضغائن.

 

تؤثر الضغينة بصورة مباشرة على الأقرباء الأبويين في الطرفين. فالفرد لا يطلب الثأر في الأقرباء الأمويين أو الأقرباء الأبويين الأباعد.  مع ذلك، نعتقد أن للضغينة محتوى اجتماعي أكثر اتساعا وفي ذلك تكمن أهميتها السياسية. علينا بداية الاعتراف أنه يسهل تسوية الضغائن كلما صغرت المجموعة المعنية بالأمر. عندما يقتل الفرد أحد الأقرباء أو جاراً قريباً، فإن المسألة تسوى بسرعة بدفع التعويض، عادة بمعيار مخفض، يتم تقديمه وقبوله بسرعة، ذلك أنه عندما يقع القتل داخل القرية فإن الرأي العام يطالب بتسوية فورية، حيث أنه جليّ للكل أنه في حالة السماح بممارسة الثأر فستصبح الحياة المشتركة مستحيلة. في الجانب الآخر من الميزان، حين يقع القتل بين أقسام أولية أو ثانوية للقبيلة، فإن هناك فرصة قليلة لتسوية سريعة، وذلك لبعد المسافة، ولأن الثأر لا يمكن تحقيقه بسهولة، ومن ثم تتراكم الضغائن غير المسوية. مثل أعمال القتل تلك عادة ما تكون نتيجة الاحتراب داخل القبيلة الذى يقتل فيه العديدون. لا يضع هذا صعوبة في التوصل إلى تسوية فحسب، بل تستمر العداوة المتبادلة بين الأقسام التى تسببت في الاقتتال، طالما أن الاحتراب يشمل ليس فقط الأقارب الأبويين للقتيل، وإنما مجتمعات محلية بأكملها. الضغينة، بوصفها خياراً بين الثأر المباشر وقبول التعويض، بدون الحاجة إلى تسوية فورية، لكنها تتطلب حسماً في نهاية المطاف، هي بصورة خاصة شرط شائع بين قرى الإقليم نفسه. أقرباء القتيل ليسوا ببعيدين للدرجة التى تعيقهم من توجيه ضربة لأقرباء القاتل، وبعيدين عنهم بما يسمح باستمرار حالة عداء بين المجتمعات المحلية التى ينتمي لها الطرفان. المجتمعات بكاملها تشترك في العداء بالضرورة، رغم أنها ليست خاضعة لحظر (تابو) صارم مثل المفروض على الأقرباء الأبويين الأقربين للقتيل والقاتل، ولا هي مهددة بالثأر. مع ذلك، فإن أعضاءها، في العادة، يرتبطون بعلاقات أموية وثيقة بتلك القيم وعليهم أن يقدموا العون في حالة انفجار قتال مفتوح. في الوقت نفسه فإن تلك المجتمعات تربطها صلات اجتماعية، بحيث أن ميكانيزم الزعيم جلد النمر يتم استخدامه في نهاية المطاف لمنع الاضطراب الكلى. تتخذ الضغينة بالتالي طبيعة سياسية وتعبر عن العداوة بين شرائح سياسية.

 

التعارض المتوازن للشرائح السياسية، باعتقادنا، يتم الحفاظ عليه عبر مؤسسة الضغينة التى تسمح بحالة عداوة مستترة بين المجتمعات المحلية، لكنها تسمح أيضاً بانصهارها في جماعة أكبر. نقول بأن العداوة مستترة لأنه حتى عندما تحسم الضغينة يكون هناك نزوع غير منقطع للثأر، لكن أقرباء القتيل يمكن أن ينتهزوا أية فرصة سانحة لتنفيذ هدفهم؛ و، أيضاً، فإنه حتى بعد قبول التعويض يمكن للأسى أن يفجر الضغينة مجدداً، ذلك أن النوير يقرون بأن الضغينة من حيث الإحساس تستمر إلى الأبد. الزعيم جلد النمر لا يحكم ولا يقاضى لكنه يعمل وسيطاً تنهي عن طريقه الجماعات، الراغبة في إنهاء العداء السافر، تسوية فعلية للضغينة. الضغينة، بما في ذلك الدور الذى يقوم به الزعيم، هي بالتالي بميكانيزم تحافظ به البنية السياسية على نفسها بالشكل المعروف لنا.

 

الزعيم جلد النمر يمكنه أيضاً أن يعمل وسيطاً في النزاعات المتعلقة بملكية الأبقار، ويمكنه هو وكبار السن من الطرفين التعبير عن وجهة نظرهم بشأن وقائع القضية. إلا أن الزعيم لا يستدعى المتهمين ذلك أنه لا يمتلك لا محكمة ولا سلطات قضائية و، إضافة، لا وسائل له لفرض الإذعان لقراره, كل ما بمقدوره فعله أن يذهب مع المدعى وبعض كبار السن من جماعة المدعى إلى منزل المتهم طالباً منه ومن أقربائه مناقشة الأمر. فقط في حالة قبول الطرفين بالخضوع للتحكيم يمكن تسوية الأمر. أيضاً، ورغم أن الزعيم بعد التشاور مع كبار السن، يمكنه أن يصدر حكماً، فإن هذا الحكم يمكن التوصل إليه بالاتفاق العام، بالتالي، ينبع من اعتراف جماعة المتهم أو جماعة المدعى بأن العدالة تقف مع الطرف الآخر. نادراً ما يطلب من الزعيم العمل وسيطاً، وليس هناك من أحد آخر له سلطة التدخل في النزاعات، والتي تسوى بطرق أخرى غير الوسائل القانونية.

 

بالمعنى الحرفي للكلمة، ليس لدى النوير قانون. ليس هنالك فرد له وظائف تشريعية أو قضائية. هناك مدفوعات تقليدية مستوجب دفعها للفرد المتضرر الذى أصابته جروح معينة- الزنا مع زوجته، أو مع ابنته، والسرقة..الخ- لكن تلك المدفوعات لا تؤلف نظاماً قانونياً، ذلك أنه لا توجد سلطة مكونة ونزيهة تقرر في صحة وخطأ النزاع وليس هناك سلطة خارجية يمكنها فرض مثل ذلك القرار في حالة صدوره. إذا كان الحق إلى جانب فرد، و، بفضل ذلك، ينال دعم أقربائه وأنهم مستعدون لاستخدام القوة، فإنه ستكون له فرصة جيدة لأن ينال ما يستحق، إذا كان الطرفان يعيشان بالقرب من بعضيهما الآخر. الطريقة المعتادة لأن ينال الفرد حقه أن يذهب إلى حظيرة المستدين ويأخذ أبقاره. مقاومة المستدين تعنى المخاطرة بالقتل والضغينة. يبدو أن الكيفية التى يسوى بها النزاع تعتمد إلى درجة بعيدة على الوضعيات النسبية للأشخاص المعنيين من الأقرباء ومن الطبقة العمرية في الأنساق والتباعد بين مجتمعاتهم في البنية القبلية. نظرياً، يمكن للفرد أن ينال التعويض من أي عضو في قبيلته، لكن، في الواقع، هناك فرصة غير كبيرة لفعل ذلك إلا في حالة أن يكون الفرد عضواً في مجتمع محلى ومن الأقرباء. تتفاوت قوة القانون تبعاً لوضعية الأطراف في البنية السياسية، وبالتالي فإن "قانون" النوير هو نسبى في المقام الأول، مثل البنية نفسها.

 

خلال العام الذى أمضيته مع النوير، لم أسمع قط بقضية أديرت، سواء أمام فرد أو مجلس للأكابر، وتملكني الإحساس أنه من النادر للغاية للفرد أن ينال تعويضاً إلا عن طريق القوة أو التهديد بها. وكما أنه لم يكن للنوير قانون، فإنهم كذلك يفتقدون حكومة. فالزعيم جلد النمر لا يمثل سلطة سياسية كما وأن "رجل القطيع" والوسطاء الطقوسيين الآخرين (الأخصائيين الطوطميين، وصناع المطر، وملاك الفتش، والسحرة، والمقدسين وغيرهم) لا يمتلكون وضعاً ولا وظيفة سياسية، رغم أنهم يمكن أن يكونوا متميزين ومهابين في منطقتهم. الرجال الأكثر نفوذاً في قرية هم في العادة رؤساء عائلات مشتركة، بخاصة  عندما يكونوا أثرياء بالأبقار، ويتمتعون بشخصية قوية، وهم أعضاء في العشيرة الأرستقراطية. لكنهم لا يحتلون وضعاً ووظائف محددة. كل نويرى نتاج تنشئة مساواتية صارمة، ديمقراطية عميقة، وتسهل إثارته لممارسة العنف، ويعد نفسه صالحاً مثله مثل جاره؛ والعائلات، والعائلات المشتركة، في الوقت الذى تنسق فيه نشاطاتها مع نظيراتها في القرية، تنظم شؤونها وفق ما تراه. حتى في حالات الحملات، يكون هناك القليل من التنظيم، وتنحصر القيادة في مجال المعركة ولا تكون مؤسسية ولا دائمة. تصبح مهمة سياسياً فقط عندما تدار الحملات من قبل الأنبياء ويكونوا هم المتحكمين فيها. لا وجود لأخصائيين نوير يمكن أن يقال أنهم وسطاء سياسيون ويمثلون، أو يجسدون، وحدة الجماعات المحلية وخصوصيتها، وباستثناء الأنبياء، لا يمتلك أي أحد أكثر من مجرد الشهرة المحلية. كل الزعماء، بهذا المعنى المبهم للأفراد المتنفذين في المنطقة، من البالغين سن الرشد، وباستثناء بعض النبيات  العارضات من النساء، كلهم من الرجال.

 

ونسبة لأن أنبياء النوير كانوا بؤرة المعارضة للحكومة (الاستعمارية - أسامة)، فإنهم كانوا في حالة اختفاء وتحت المطاردة، خلال زيارتي لأرض النوير، ولذلك لم أتمكن من إجراء ملاحظة دقيقة لسلوكهم. يتوحد النوير في القول بأن ظهور الأنبياء لم يسبق نهاية القرن الماضي (التاسع عشر- أسامة) وهناك بينة تشير إلى أن ظهورهم ارتبط بانتشار المهديَّة. غض النظر عن ذلك، لا يوجد شك في أن الأنبياء المتنفذون ظهروا في أزمان التغلغل العربي إلى أرض النوير وأنه بحلول أزمان الاستعمار البريطاني كانوا قد اكتسبوا احتراما وتزايد تأثيرهم أكثر من أي أشخاص آخرين. لا تشن أية حملات واسعة بدون مباركتهم ومبادرتهم وعادة ما يقودون بأنفسهم تلك الحملات، وينالون جزءاً من الغنائم، وأشرفوا إلى حد بعيد على توزيع المتبقي منها. رغم أنه يبدو أن هناك بينة تشير إلى أن الأنبياء المبكرين لم يكونوا أكثر من وسطاء طقوسيين، فإن أنبياء لاحقين يبدو أنهم أخذوا في تسوية النزاعات، على الأقل في مناطقهم الخاصة. على كل، فإن أهميتهم السياسية تكمن في مجال آخر. فلأول مرة جسد فرد واحد، حتى ولو كان ذلك في شكل روحي أساساً، وحدة قبيلة، ذلك أن الأنبياء كانوا بالضرورة رموز قبلية، مع أن ذلك- وهذه الحقيقة ليست ذات أهمية سياسية- عادة ما امتد نفوذهم  إلى ما وراء حدود القبيلة وجلب إلى درجة بعيدة الوحدة وسط القبائل المتجاورة خلافاً لما كان يبدو في السابق. وعندما نضيف بأنه كانت هناك نزعة لدى الأرواح التى تتملك الأنبياء إلى الانتقال- بعد وفاتهم- إلى أبناء أولئك الأنبياء، فإننا نكون محقين في الاستنتاج بأن التطور نحى باتجاه درجة أعلى من الفيدرالية بين القبائل وباتجاه ظهور قيادة سياسية، وتفسير تلك التغيرات بالرجوع إلى التدخل العربي والبريطاني. كانت المعارضة بين النوير وجيرانهم دائماً مقطعية (عدوان داخلي في إطار العصبية بالمفهوم الخلد ونى- أسامة). لكنهم الآن أصبحوا مواجهين بعدو قوى مشترك (عدو خارجي بالمفهوم الخلد ونى- أسامة). عندما قضت الحكومة "الاستعمارية"- أسامة) على الأنبياء، فإن هذا التطور أمكن كبحه.

 

خلاصة

وصفنا بإيجاز وحللنا ما نعتقد أنه النسق السياسي للنوير: العلاقات بين الشرائح الإقليمية في إطار نظام إقليمي والعلاقات بين ذلك وأنظمة اجتماعية أخرى في إطار بنية اجتماعية شاملة. اختبرنا العلاقات البين قبلية، والعلاقات بين الشرائح القبلية. تلك العلاقات، إلى جانب الصلات القبلية والبين قبلية مع الشعوب الأجنبية، هي ما نعرفه بأنه النسق السياسي للنوير. في الحياة الاجتماعية يندمج السياسي مع أنساق أخرى، بخاصة نسق العشيرة ونسق الطبقات العمرية، وناقشنا العلاقة التى تؤسسها مع البنية السياسية. كذلك ذكرنا تلك التخصصات الطقوسية ذات الأهمية السياسية. النسق السياسي تمَّ ربطه بالظروف البيئية وأنماط الحياة.

 

دستور النوير فردى وحر للغاية. انه دولة لا رأسية، فاقدة لأية أجهزة تشريعية وقضائية وتنفيذية. ومع ذلك، فإنها بعيدة عن أن تكون فوضوية. لها شكل مستمر ومتماسك يمكن تسميته "فوضوية منظمة". غياب حكومة مركزية وبيروقراطية في الأمة، في القبيلة، وفي الشرائح القبلية يلاحظ بدرجة أقل في غياب أى أشخاص يمثلون وحدة  تلك المجموعات وخصوصيتها.

 

ليس ممكناً من واقع دراسة مجتمع النوير وحده، إذا كان ذلك ممكناً بحال، تفسير وجود مؤسسات سياسية وغيابها من منطلق علاقاتها الوظيفية مع المؤسسات الأخرى. على أفضل وجه يمكننا القول بأن خصائص اجتماعية محددة يبدو أنها كانت متوافقة. الظروف البيئية، ونمط الحياة، والتوزيع الإقليمي، وشكل التفلق السياسي يبدو متوافقاً. كذلك وجود العشائر مع بنية سلاسل النسب ونسق متطور للطبقات العمرية يبدو متلازماً مع غياب سلطة سياسية وتراتب طبقي. الدراسات المقارنة وحدها يمكن أن تظهر عما كانت مثل هذه التعميمات صحيحة و، إضافة، عما إذا كانت مفيدة. لا نستطيع هنا مناقشة تلك المسائل لكننا نقول فقط، في الختام، أن التوافق الذى ندركه في بنية النوير السياسية هو عملية صيرورة أكثر منه عملية مورفولوجية. تتألف العملية من نزعات مكملة باتجاه التفلق والانصهار والتي، تتفاعل بالمثل في كل الجماعات السياسية عن طريق سلسلة من الضمينات والاستثناءات المتحكم منها عبر الوضع الاجتماعي المتغير، تمكننا من التحدث عن نسق والقول أن هذا النسق محدد بصورة متميزة عن طريق التعارض النسبي بين شرائحه. 

 

 

الاتجاه الانتشاري

يفترض دعاة هذا الاتجاه أن الاتصال بين الشعوب المختلفة قد نتج عنه احتكاك ثقافي وعملية انتشار لبعض السمات الثقافية أو كلها وهو ما يفسر التباين الثقافي بين الشعوب. وينطلق دعاة هذا الاتجاه من الافتراض بأن عملية الانتشار تبدأ من مركز ثقافي محدد لتنتقل عبر الزمان إلى أجزاء العالم المختلفة عن طريق الاتصالات بين الشعوب.

 

وبما أن نظرية الانتشار الثقافي تسعى إلى الكشف عن حلقات لربط الثقافات معاً نتيجة تفاعلها جغرافياً وزمنيا فإنها تلتزم أيضاً بالمبدأ التاريخي في علاقات الثقافات بعضها بالبعض الآخر.

 

وقد ظهرت في أوروبا مدرستان للانتشار الثقافي. كان فريدريك راتزل رائداً للمدرسة الأولى وتبني منهجاً تاريخياً-جغرافياً بتأثير المدرسة الجغرافية الألمانية وركز على أهمية الاتصالات والعلاقات الثقافية بين الشعوب ودور تلك العلاقات في نمو الثقافة. وادعى راتزل بأن الزراعة اعتمدت إما على الفأس أو المحراث وهو ما يفسر الاختلافات بين الثقافات الزراعية. وتبعه في ذلك هان، المتخصص في الجغرافيا البشرية، وادعى الأخير بأن تدجين الحيوانات أعقب اكتشاف الزراعة المعتمدة على الفأس. ومع اعتراف هان بأن الزراعة المعتمدة على الفأس يمكن أن تكون قد ظهرت عدة مرات في أجزاء مختلفة من العالم إلا انه يؤكد على أن زراعة المحراث وتدجين الحيوانات واكتشاف عجلة الفخاري قد تمت كلها في الشرق الأدنى القديم ثم انتشرت منه إلى بقية أجزاء العالم. أما هاينرينج شورتز فقد أبرز فكرة وجود علاقات ثقافية بين العالم القديم (اندونيسيا وماليزيا) وبين العالم الجديد (الأمريكتين). وقد طور ليو فروبينيوس فكرة انتقال الثقافات عبر المحيطات بادعائه حدوث انتشار ثقافي من اندونيسيا إلى أفريقيا. فقد حاول في كتابه الذي نشره في عام 1898 بعنوان "أصل الثقافات الأفريقية" إثبات وجود دائرة ثقافية ماليزية زنجية في غرب أفريقيا فسرها بوصول نفوذ ثقافي اندونيسي في صورة موجة ثقافية إلى ساحل أفريقيا الشرقي، ومن ثمَّ عبورها إلى غرب أفريقيا حيث لا تزال بقايا تلك الموجة  موجودة في حين أن بقاياها قد اندثرت في شرق أفريقيا نتيجة هجرات البانتو والحاميين اللاحقة. بهذا يكون ليو فروبينيوس أول من أدخل مفهوم "الدائرة الثقافية" في الاثنولوجيا وهو المفهوم الذي نال تطوره اللاحق في أعمال جرايبز فكرة أحادية منشأ الثقافة الإنسانية مفترضاً وجود عدة مراكز ثقافية أساسية في جهات مختلفة من العالم.. وبفعل التقاء الثقافات نشأت دوائر ثقافية وحدثت بعض عمليات الانصهار وبرزت تشكيلات مختلفة وهو الأمر الذي يفسر الاختلافات البادية في الثقافات الأساسية. وفي عام 1905 نشر جرايبز بحثه عن "الدوائر الثقافية والطبقات الثقافية في جزر المحيط الهادي" والذي استخدم فيه عدد لا يحصى من العناصر الثقافية التي ترتبط بعضها بالبعض الآخر لتؤلف دائرةً ثقافية. وباستخدام التتابع الزمني وانتشارها في أستراليا وجزر المحيط الهادي. وفي عام 1911 نشر جرايبز كتابه "منهج الاثنولوجيا" الذى رسم فيه الخطوط العامة لمدرسته الانتشارية.

 

أما فلهلم شميدت فقد نشر مع فيلهلم كوبرز خلاصة آراء مدرسة "فينا" وأكدا على وجود ثقافات أزلية تمثل أقدم أنواع المجموعات الثقافية المعاصرة. وكانت هذه الثقافات الأزلية (أقزام أفريقيا وآسيا والفيدا في سيريلانكا، والسينوى في الملايو، والكوبو في سومطرة) تمثل الدائرة الثقافية الأولى. وتمثلت الدائرة الثانية في الثقافات الرعوية في مناطق سيبيريا وأواسط آسيا (حيث دجن الساموييد في شمال سيبيريا الرنة، ودجن التركمان الحصان، ثم المجموعات التي دجنت الماشية والماعز إلخ).

 

وتنطوي فكرة الدائرة الثقافية على نقطتين هما: وجود الدائرة الثقافية وكينونتها، والدائرة الثقافية بحسبانها منهجاً بحثياً اثنولوجياً. ويعرف شميدت الدائرة الثقافية بقوله: "إذا احتوت ثقافة كاملة على كل شيء: النواحي المادية والاقتصادية والاجتماعية والاعتيادية والدينية، فإننا نطلق عليها اسم الدائرة الثقافية لأنها متكاملة وتعود على نفسها مثل الدائرة. إنها تكفي نفسها بنفسها، ومن ثم تؤمن استقلال وجودها. وهى أي الثقافة- في حالة إذا ما أهملت أو فشلت في إرضاء واحد أو أكثر من الاحتياجات الإنسانية الهامة تتيح حدوث تعويض من ثقافة أخرى. وكلما زاد عدد عناصر التعويض تقل هذه الثقافة عن أن تكون دائرة ثقافية (مستقلة). ويضيف شميدت بأن كل مفردات الثقافة متماسكة تماسكاً عضوياً وليست مجرد ارتباطات تلقائية، غالباً ما يسيطر واحد من مظاهر الثقافة في الدائرة على بقية المظاهر، ومن ثم تدمغ هذه المظاهر بصبغتها الخاصة ويسوق مثالاً النسب الأموي المرتبط بالجماعات الأموية النسب غالباً ما تعبد القمر، بينما إله السماء هو الإله المسيطر عند الرعاة وإله الشمس عند الجماعات الطوطمية الأبوية النسب.

 

وقد لخص  كوبرز في بحثه الذى نشره عن "الانتشارية: الانتقال والتقبل" ضمن كتاب "الأنثروبولوجيا المعاصرة" الذى أشرف عليه توماس وطبع في عام 1956، أهم وجهات نظر المدرسة الانتشارية النمساوية وقد ترجم محمد رياض تلك النقاط في كتابه "الإنسان : دراسة في النوع والحضارة".

 

1- حيث أن الثقافة والإنسان (منذ نشأته) متزامنان فإن التاريخ في أوسع معانيه يشتمل على كل الفترة التى ظهر فيها الإنسان على الأرض حتى اليوم.

2- لا ينكر أي باحث قديماً وحديثاً أن الانتشار الثقافي، ودرجة انتقاله تقبله حقيقة واقعة.

3- إن الانتشارية مبدأ هام في الدراسات الاثنولوجية ودراسات ما قبل التاريخ. ونتيجة لنقص الوثائق المكتوبة فإن الأمر يحتاج إلى دراسات  مقارنة للصفات الثقافية من أجل الحصول على العوامل المكانية والزمانية والسببية.

4- يجب أن يستخدم الانتشاريون مقياس الشكل والعدد المعروف عن المنهج التاريخي. ولا شك أن هذا المنهج لن يؤدى إلى تاريخ مماثل لما نجده في الكتابات التاريخية العلمية. يمثل العنصر الثقافي هنا دليلاً قائماً على الصلات، كما يزداد هذا الدليل قوة نتيجة لمدى ترابط العنصر الثقافي ببقية الثقافة. ولا يمكننا أن نهمل هذه الأدلة على إنها تمثل جزءاً من العملية التاريخية.

5- الانتشار الثقافي لا يمثل كل أحداث التاريخ، فدراسة العناصر الثقافية لا تحل محل الوثائق التاريخية لكنها تعطي إضافات هامة في هذا الاتجاه التاريخى. وفي حالة نقص الوثائق التاريخية، كما هو الحال عند دراسة ما قبل التاريخ والجماعات البدائية، يصبح من غير المعقول أن نمتنع عن تفسير الحقائق في الاثنولوجيا وعلم الآثار.

6- تقوم الدراسات الانتشارية على المتشابهات الثقافية، حتى في الحالات التى لا نستطيع فيها التأكد من وجود ارتباطات وهجرات بين المتشابهات الثقافية، فلا شك أن تأكيدنا بأن الظاهرتين المتشابهتين قد نشأتا نشأة مستقلة يصبح غير مقبول لأنه يفترض شيئاً أبعد تحققاً من الارتباطات السابقة. وعلى العموم يمكننا أن نترك الباب مفتوحاً دون اتخاذ قرار.

7- إن الانتشار والنقل والتقبل لا تسير كلها حسب قواعد معينة هناك دائماً فرص متعددة للقبول أو التعديل ، وهى فرصة الاختيار الحر عند غالبية الجماعات.

8- يترتب على ذلك أن كل حالة من حالات الانتشار الثقافي يجب أن تعالج قائمة بذاتها وحسب ظروفها.

 

والجدير بالذكر أن فكرة الدوائر الثقافية كانت في مجموعها وسيلة ومنهجاً أدق وأحسن من أفكار المدرسة الانتشارية الثانية التى تأسست في بريطانيا على يد عالم التشريح البريطاني اليوت سميث الذى كان مهتماً بالآثار والهياكل البشرية. وكان سميث وكذلك تلميذه بيري قد اعتقدا بأن الثقافة الإنسانية نشأت على ضفاف النيل وازدهرت في مصر القديمة منذ حوالي خمسة ألف سنة قبل الميلاد تقريباً. وعندما توافرت الظروف وبدأت الاتصالات بين الجماعات والشعوب انتقلت بعض مظاهر تلك الثقافة المصرية القديمة إلى بقية العالم. ففي كتابه "هجرة الحضارات" الذى نشره عام 1915 يؤكد سميث من خلال دراسته للمتشابهات الاثنوغرافية خارج مصر بأن مصر كانت مركزاً للثقافة ومنها انتقلت إلى عالم البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا والهند واندونيسيا وعالم المحيط الهادي والأمريكتين.

 

وفي عام 1923 نشر بيري كتابه " أطفال الشمس" الذى حدد فيه عنصراً واحداً سيطر على مجمل الثقافة المصرية الاعتقاد في ألوهية الملوك أبناء الشمس، وبالتالي عبادة الشمس. واهتم بيري بعدة عناصر ثقافية مصرية في توزيعها العالمي مثل التحنيط وبناء الأهرام والقيمة التي يعطيها المصريون القدماء للمعادن النفيسة بحسبانها قوة مانحة للحياة المديدة إلخ.

 

أما في أمريكا فإن الاتجاه الانتشاري وجد تعبيراً له في كتابات فرانز بواس العالم الطبيعي الألماني الذي استهوته الأنثروبولوجيا بعد زيارة قام بها إلى جزيرة بافن في كندا في عام 1883. فقد أشار بواس إلى أنه من خلال دراسة الشكل والتوزيع الجغرافي  لمصدر السمات الثقافية وهجرتها واستعارتها عن طريق الاتصال بين الشعوب، يمكن للباحث أن يستدل على كيفية نشأة السمات الثقافية وتطورها، وبالتالي يمكن الوصول إلى نظرية تتوفر فيها عناصر الصدق والبرهان لتفسير المجتمعات الإنسانية وتطور النظم الاجتماعية أو السمات الثقافية. وانطلاقا من هذا الفهم استخدم بواس مصطلح المناطق الثقافية الذى يشير إلى مجموعات من المناطق الجغرافية التي تتصف كل منها بنمط ثقافي معين غض النظر عن احتواء أي من هذه المناطق على شعوب أو جماعات. ويشير مفهوم المنطقة الثقافية إلى طرق السلوك الشائعة بين عدد من المجتمعات التي تتميز باشتراكها في عدد من مظاهر الثقافة نتيجة لدرجة معينة من الاتصال والتفاعل.

 

وفق هذا الإطار النظري سعت المدرسة الأمريكية بزعامة بواس إلى إنجاز الدراسة التاريخية الدقيقة للعناصر المختلفة لثقافة محددة وتحليل كل جزء أو عنصر من حيث مصدر نشأته وتطوره واستخدامه وتتبع عمليات هجرته أو استعارته بين الشعوب المختلفة. وكان من نتيجة هذا الاتجاه الانتشاري أن أخذ علماء الإنسان في النظر إلى الثقافات الإنسانية بحسبان أنها تؤلف كيانات مستقلة من حيث المنشأ والتطور ومن حيث ملامحها الرئيسة التى تميزها عن غيرها، وهو ما يضع الاتجاه الانتشاري على عكس الاتجاه التطوري الذى يرى أن الثقافات متشابهة وأن الاختلاف الوحيد بينها يكمن فقط في درجة تطورها التقني والاقتصادي. لقد زعزعت المدرسة الانتشارية إن لم يكن إشكالية الاتجاه التطوري فعلى الأقل طريقته. فالاتجاه الانتشاري قد ابتعد على الأقل عن الفهم الخطى للتاريخ، ومن ناحية ثانية جعل نظرية التاريخ لاحقة لتحليل التواريخ الجزئية لكل مجتمع بحسبانه كلاً مستقلاً، هكذا كتب بواس قائلاً "حين نوضح تاريخ ثقافة واحدة ونفهم مؤثرات المحيط والشروط النفسيَّة التى تنعكس فيها، نكون قد خطونا خطوة إلى الأمام . كذلك يمكننا أن نبحث في الأسباب المؤثرة أثناء تكونه، أو إبانة تطور تلك الثقافة . وهكذا، وبفهمنا لمقاطع النمو، يمكننا اكتشاف قوانين عامة. هذه الطريقة أكثر ضماناً من الطريقة المقارنة (التطورية). والتي غالباً ما تمارس، فبدل وضع فرضية تتناول نمطاً لتطور، يقدم التاريخ الفعلي قاعدة الاستنتاجات.

 

اعتقادنا أن جل الأنثروبولوجيا الثقافية كامن في هذا النص: مفهوم الثقافة، والتحليل الوصفي للمحيط المادي، والتفسير النفسي، والشك بالتاريخ. اهتم بواس في عبارته بالتساؤل عن المنهج الذى يتحكم بالعمل الأنثروبولوجي التقليدي. ومع ذلك فثمة نقد لمفهوم الطبقات، والشرائح. ونجد في كتاب لوفي "المجتمع البدائي" (1920) رفضاً كاملاً لمفاهيم مورغان الأساسية : تتابع ذو خط واحد لطبقات التطور، مفهوم نسق القرابة، مفهوم الأصل إلخ. استخلص مالينوفيسكي وراد كليف بروان، كما سنرى، هذه النتائج في مالها من أبعاد.

 

الاتجاه الوظيفي 

يعد الاتجاه الوظيفي من الاتجاهات النظرية الأساسية في علم الإنسان وفي علم الاجتماع. أخذ هذا الاتجاه في التبلور منهجاً نظرياً لدراسة الثقافات الإنسانية في الوقت الذى نشأ فيه الاتجاه الانتشاري في كل من أوروبا وأمريكا كرد فعل على منطلقات الاتجاه التطوري. إلا أن فكرة الوظيفة قديمة وجدت تعبيراً لها في أعمال الفلاسفة والمفكرين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. اقترن الاتجاه الوظيفي بصور ة أساسية بالأنثروبولوجيا الاجتماعية في بريطانيا بأسماء مالينوفسكى ورادكليف بروان.

 

اقترنت الوظيفية بالاتجاه العضوي في العلوم الطبيعية عرف الاتجاه الوظيفي في الأنثروبولوجيا الاجتماعية بتركيزه على دراسة الثقافات الإنسانية كل على حدة وفق واقعها المكاني والزماني ذلك أن الوظيفية ليست دراسة متزامنة بقدر ما هي آنية. وفي ذلك اختلف الاتجاه الوظيفي عن الدراسات التاريخية النزعة المميزة لكل من الاتجاهين التطوري الانتشاري. وقد تجلى الاتجاه الذى صار يعرف باسم المماثلة العضوية بداية في أعمال الفلاسفة الأخلاقيين الاسكتلنديين من أمثال آدم سميث وديفيد هيوم وغيرهما من الذين رأوا في المجتمع نسقاً طبيعياً ينشأ من الطبيعة البشرية لا من العقد الاجتماعي. وقد استخدم مونتسكيو مفهوم النسق في كتابه "روح القوانين" بوضعه أسس النسق الاجتماعي الكلى بناءً على ارتباط أجزاء المجتمع ارتباطا وظيفياً. وأصبحت فكرة النسق الاجتماعي العامل القوى في إرساء دعائم علم الاجتماع المقارن والأنثروبولوجيا الاجتماعية. أصبح التحليل الوظيفي مدخلاً أساسياً في تحليلات علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعية للربط بين النظام الاجتماعي ووظيفته وبين خصائص سلوك الأفراد الذين يؤلفون ذلك النظام. يشتمل النسق الاجتماعي على عدد من النظم يقوم كل نظام بوظيفته المعينة بغية الحفاظ على سلامة النسق. وينظر الوظيفيون إلى المجتمعات البشرية أنساقاً اجتماعية تعتمد أجزاؤها بعضها على بعض ويدخل كل جزء منها في عدد من العلاقات الضرورية مع الأجزاء الأخرى. وقد ذهب هربرت سبنسر في موضوع المماثلة إلى أبعد من ذلك حيث شبه المجتمع من حيث البناء والوظيفة بالكائن الحي بحسبان أن المجتمع ينمو ويتطور تماماً كما ينمو الأول ويتطور.

 

واستخدم سبنسر إصطلاحات العلوم الطبيعية في تحليلاته البنائية الوظيفية للمجتمع والحياة الاجتماعية مثل الفسيولوجيا والمورفولوجيا والإيكولوجياإلخ. وأشار بوضوح إلى أن البناء يتألف من الأجزاء التى تدخل في تركيبه وفي عناصر جزئية لا حصر لعددها تؤدى دورها في عملية التساند بين جميع الأجزاء التى تدخل في تركيب البناء الكلى.

 

ويعد إميل دوركايم بحق حلقة الوصل بين الفكر الذى كان سائداً في القرن التاسع عشر والاتجاهات الجديدة للفكر الاجتماعي التى ظهرت في بداية القرن التاسع عشر والاتجاهات الجديدة للفكر الاجتماعي التى ظهرت في بداية القرن العشرين. اتخذ دوركايم موقفاً رافضاً للتفسيرات العضوية التى قال بها أنصار الاتجاه العضوي من أمثال هربرت سبنسر، مستبعداً إمكانية تفسير الظواهر الاجتماعية من خلال المماثلة العضوية. وكان دوركايم يسعى إلى تحرير الظواهر الاجتماعية من محتوياتها النفسية وإلى تجريدها من أصولها البيولوجية  بالتركيز على دراسة تلك الظواهر من وجهة نظر اجتماعية صرفة في حدود علم الاجتماع. يرى دوركايم أن الظاهرة الاجتماعية يجب أن تتمتع باستقلالها بحسبانها ظاهرة قائمة بذاتها، أي أنَّ لها وجودها المستقل عن الظواهر البيولوجية  ولا يمكن لها ان تتأثر إلا اجتماعيا ولا تفسر إلا على أسس اجتماعية. وفي كتابه "تقسيم العمل" استخدم دوركايم الوظيفة بمعنيين اثنين: أولاً بالإشارة إلى نسق من الحركات الحيوية اللازمة لحياة الكائن العضوي، وثانياً بالإشارة إلى العلاقة التى تربط بين تلك الحركات الحيوية وبين حاجات الكائن العضوي (وظيفة التنفس، والهضم على سبيل المثال). استخدم دوركايم مفهوم الدور مرادفاً لمفهوم الوظيفة ذلك أنه حين يتحدث عن وظيفة الدين مثلاً فإنه يشير إلى الدور الذي يقوم به الدين في الحياة الاجتماعية. ويوصى دوركايم تلاميذه بكلمته: إذا كنت ترغب في دراسة ظاهرة اجتماعية فعليك أن تصل إلى السبب الذى أدى إلى الوظيفة التى تقوم بها الظاهرة.

 

برونيسلو مالينوفسكي (1884-1942)

تمثل إسهام مالينوفسكى في النظرية الوظيفية في طرحه لتوجيه نظري يقوم على فرضية مفادها أن جميع السمات الثقافية تشكل أجزاء مقيدة للمجتمع الذى توجد فيه، أي أن كل نمط ثقافي، وكل معتقد ديني، أو موقف من المواقف يمثل جزءاً من ثقافة المجتمع يؤدى وظيفة في تلك الثقافة. ويرى مالينوفسكي أن ثقافة أي مجتمع تنشأ وتتطور في إطار إشباع الاحتياجات البيولوجية  للأفراد، وحصرها في التغذية، والإنجاب، والراحة البدنية، والأمان والاسترخاء، والحركة والنمو. ويرى مالينوفيسكى الثقافة بأنها "ذلك الكل من الأدوات وطبائع الجماعات الاجتماعية والأفكار الإنسانية والعقائد والعادات التى تؤلف في مجموعها الجهاز الذى يكون فيه الإنسان في وضع يفرض عليه أن يكيف نفسه مع هذا الجهاز الكلى لكي يحقق حاجاته الضرورية". ويؤكد مالينوفسكى أن كل ثقافة هي كيان كلى وظيفي متكاملويشبهها بالكائن الحي بحيث لا نستطيع فهم أي جزء من الثقافة إلا في ضوء علاقته بالكل، وأن الوظيفة التى يؤديها بعناصر الثقافة الأخرى، أي أن الثقافة تدرس كما هي موجودة بالفعل وليس من الضروري أن نبحث في تاريخ نشأتها وتطورها.

 

ويؤكد مالينوفسكى على الأسس البيولوجية  التى تقوم عليها النظرية الأنثروبولوجية ذلك أن البشر في كل زمان ومكان عليهم أن يشبعوا حاجاتهم الضرورية التى تؤهلهم على البقاء، أي أن على البشر أن يشبعوا حاجاتهم الضرورية من غذاء وهواء، وعليهم أن يتناسلوا، وأن يزودوا أنفسهم بالراحة والصحة والأمن وغيرها من الحاجات الضرورية التى تحفظ للنوع البشرى البقاء والاستمرار، أي أن الإنسان ليس مثل بقية الحيوانات يعيش فقط على الدوافع الجسمية، وإنما على الدوافع الثقافية. ونرى في كل مجتمع أنواعاً من الاستجابات الثقافية لكل تلك الاحتياجات الضرورية ذلك أنه وفقاً لرأي مالينوفسكى "لا يمكن تعريف الوظيفة إلا بإشباع الحاجات عن طريق النشاط الذى يتعاون فيه الأفراد ويستخدمون الآلات ويستهلكون ما ينتجونه".

 

يرى مالينوفسكى أن الاستجابات الثقافية للحاجات البيولوجية  الضرورية هي التى فرضت على الإنسان عدداً من الضرورات الناتجة عن هذه الاحتياجات الضرورية التي تتمثل في:

 

أولاً: نتيجة للحاجة الضرورية للغذاء ظهرت استجابات ثقافية تتمثل في الحصول على الغذاء والذي يعرف بالتنظيم الاقتصادي أياً كان هذا التنظيم ساذجاً غير معقد أو معقداً أو شاملاً لعدد من القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي والمتمثلة في صنع الآلات والأدوات اللازمة لإنتاج الغذاء واستخدامها لأغراض أخرى مختلفة، إلى جانب ظواهر أخرى مصاحبة مثل ملكية الأرض وتقسيماتها وتوزيع الثروة بين أفراد المجتمع وتقسيم العمل وما إلى ذلك.

ثانياً: تظهر الضرورة الثانية، وهى ضرورة معيارية أي ثقافية، استجابة للاحتياج لتفسير الثقافة ذاتها بقصد الوصول إلى الوظيفة الأساسية للثقافة البشرية المتمثلة في عمليات التعاون والحياة المشتركة مع ما يتطلبه ذلك من مظاهر العمل المشترك بين أفراد المجتمع من أجل المصلحة العامة، وتظهر بفعل ذلك قواعد اجتماعية معينة.

ثالثاً: التنظيم السياسي الذى يحدد السلطات في أي مجتمع، ويرتبط في معظم المجتمعات بالتسلط والقهر، ويرمى إلى تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع فيما بينهم، وينظم علاقاتهم بغيرهم من المجتمعات، ويوفر لهم الحماية ضد الاعتداءات التى قد تقع عليهم من الخارج.

رابعاً: الضرورة التى تمثلها الطرق والوسائل التى ينتقل بها التراث الاجتماعي الثقافي من جيل إلى جيل، أي التربيَّة المسئولة عن إعداد أفراد المجتمع تربوياً وتزويدهم بالمعارف اللازمة التى تؤهلهم للقيام بأدوارهم المحددة في المجتمع، وهى تمثل القوانين المنظمة للسلوك الإنساني من جميع جوانبه.

 

ظهرت كتابات مالينوفسكى عن جماعات جزر تروبرياند بماليزيا فيما بين 1922-1935 وقد شكلت تلك الدراسات،كما يرى الكثيرون من العلماء، جل إنتاجه العلمي في الفترة التى أمضاها مدرساً بجامعة لندن، وقد شكلت معلوماته التى جمعها من جزر تروبرياند جوهر محاضراته ودروسه التى ألقاها في لندن بخاصة ما تعلق منها بخبرته في جمع تلك المعلومات وطريقته التي انتهجها في الدراسة الحقلية.

 

يلاحظ أن مالينوفسكى سعى لتحقيق بعض الغايات من خلال ما نشره، ويمكن أن يكون من بين تلك الغايات التأكيد على رأيه القائل بأن مظاهر الثقافة لا يمكن دراستها في ذاتها، أي بمعزل عن الغايات التى تسعى لتحقيقها، بمعنى أنه يجب على الباحث فهمها في حدود استخداماتها: فالقارب، على سبيل المثال، عند جماعات التروبرياند لا يُعد في حد ذاته أكثر من مجرد قطعة مادية، لكنه مصنوع لعدة أغراض. عند صناعته يواجه الناس بعدة صعوبات قد لا يمكن التغلب عليها إلا في حدود العمل التطوعي الجماعي، كما أن لكل خطوة من خطوات صناعة القارب طقوسها الخاصة بها وأن تلك الطقوس والاعتقادات لا تكمن في مجرد خطوات صناعة القارب وإنما حتى عند استخدامه في الإبحار، وفي مجابهة الأخطار، وفي نجاح التجارة وما إلى ذلك. ويلاحظ مالينوفسكى بفعل خبرته الدقيقة بقضايا منهج الأنثروبولوجيا الاجتماعية أنه يجب على الباحث ألا يعتمد كثيراً على العموميات، كما ويجب عليه ألا يعَّول كثيراً على شروح مخبره المرافق له في الدراسة الحقليَّة من أجل الوصول إلى فهم الحقيقة الاجتماعية وذلك لأن الناس دائماً يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً مغايراً. ويسدى مالينوفيسكى نصيحة لطلاب الأنثروبولوجيا الاجتماعية مفادها أن الإنسان البدائي الذى صُور لنا على أنه إنسان متوحش هو في الواقع إنسان مثلنا يتمتع بعقل ويستخدم هذا العقلمثلنا، على أن مالينوفسكى كان قد استخلص هذه المبادئ في دراساته التي قام بها في جزر تروبرياند حيث اكتشف حقيقة الإنسان البدائي وعقليته، وأن مسألة العقلانية هذه مهمة جداً عند مالينوفسكى إذ كتب في مقدمة كتابه "الجريمة والعادة في مجتمع متوحش" أن الباحث الأنثروبولوجي الحديث قد جبل على طريقة الوصول إلى بعض القواعد العامة في بعض المسائل مثل قضية ما إذا كان العقل البدائي يختلف عن عقولنا أو أنه مثل عقولنا، أو ما إذا كانت حياة الجماعات المتوحشة كلها مسيَّرةوبصورة دائمة بعالم الغيبيات أو بقوى ما وراء طبيعية أو على العكس من ذلك إلى غير ذلك من القضايا. على أن هذه المشكلات العقلانية العامة، أي القوى والقواعد العامة وغيرها يمكن أن تكون من وجهة نظر مالينوفسكى الأساس لنظرية عالمية للإنسان الاجتماعي.

 

يقدم مالينوفسكى في كتابه "أبطال المحيط الهادي الغربي" تحليلاً يجوز عده نموذجاً من نماذج الأنثروبولوجيا الحديثة وإن كانت بعض تفسيراته موضع اعتراض اليوم. يعرض مالينوفسكى تداخل عناصر ثقافة جماعات تروبرياند من خلال وصف النظام الاقتصادي للأسر الأموية حيث يلتمس الفرد أصله وقرابته عن طريق الأم وحيث لا يرتبط الابن بأبيه وإنما بخاله الذى هو عشيرته. الفرد من التروبرياند يعمل بجد واجتهاد في بستانه لكي يعول أخته وأولادها وليس زوجته وأولاده، وأن أكثر من 75% من إنتاجه يوزع على أقاربه من أمه. هنا يتضح تداخل النظام الاقتصادي بنظام القرابة في مجتمع التروبرياند كما يحلله مالينوفسكى من واقع حياتهم الاجتماعية. يسمح هذا النظام الاجتماعي للزعماء بتعدد الزوجات، ويفضل الزعماء الزواج بالنساء اللائي لهن إخوة أغنياء ليكون لهم عدد من الأصهار الأثرياء وبما أن النظام الأمومي في تروبرياياند يضع واجبات على الأخ نحو أخته فإن الزعيم يجد نفسه غارقاً في الثروة التى تقدم لزوجاته من أخواتهن. ما يتحصل عليه الزعيم من ثروة لا يخزنه، بخاصة السلع الغذائية، بل يقوم بتوزيعه في عدد من المناسبات والاحتفالات. أنه من خلال التزام الزعيم بالتوزيع المستمر للثروة في مثل تلك الاحتفالات فإنه يعنى بالمهام المناط بها زعيماً من جهة، ومن جهة ثانية فإن استمرار هذا الالتزام يعتمد على استمرار النظام القرابى.

 

يقدم تحليل مالينوفسكى للسلطات التى يمارسها الزعيم في قرية أوماركانا التى تهيمن على مقاطعة كيريوينا إشارة إلى أن القرية تمثل الوحدة السياسية الأساسية لمجتمع تروبرياند، ويمارس حتى أكثر الزعماء شأناً سلطتهم على قريتهم بصورة رئيسة، وعلى مقاطعتهم بصورة ثانوية. تستثمر المشاعة القروية بساتينها جماعياً وتشن الحرب، وتقيم الاحتفالات الدينية، وترسل البعثات التجارية. يبقى استقلالها الذاتي السياسي والاقتصادي على جانب كبير من الأهمية. يمارس زعيم القرية شيئاً من السلطة على المقاطعة، أي على مجموعة من القرى تنضم إلى قريته في الحرب وفي الاحتفالات الدينيَّة الكبيرة. يتوزع جميع الرجال من ذوى الرتب في شكل هرم يترأسه زعيم أوماركانا. هذا الزعيم هو سيد أقوى القوى السحريَّة التى تتحكم بالمطر والشمس. يتحلى الرجال ذوو الرتب بحلي مميزة، لكنهم يتميزون قبل كل شئ عن العوام بوجود محرمات (تابو) يتكاثر عددها كلما ارتقينا سلم الهرم. لا يتمتع الأشخاص من ذوى الرتب العالية والزعماء بأي سلطة قضائية أو تنفيذية على الأفراد من ذوى الرتب الدنيا في القرى غير المرتبطة بقريتهم. عندما يطلب زعيم من الزعماء من أفراد قريته أو مقاطعته أو من الأجانب بذل الخدمات فإنه يكون ملزماً بالتعويض عن هذه الخدمات. وكما أوضحنا فأن الزعيم يتحصل على الموارد الضرورية عن طريق تعدد الزوجات الذى هو امتياز الزعماء، وعن طريق الهبة التى يدين بها كل صهر لزوج أخته. الزعيم ذو الرتبة يتزوج واحدة من أخوات كل زعيم من زعماء قرى مقاطعته فيصبحون مدينين له بجزء من محاصيلهم وأشيائهم الثمينة. يستخدم الزعيم ذو الرتبة هذا الثراء في إقامة الاحتفالات الكبيرة، وبوجه عام في دمج عدد من القرى بـ "اقتصاد المقاطعة". وبهذا فأن الزعيم هو الأداة لاقتصاد أوسع نطاقاً من اقتصاد القرية.

 

لا يتمتع الزعيم بأية قوة عامة لتسوية المنازعات التى تظل من اختصاص الأنساب. يتمتع الزعيم بسلاح أوحد هو السحر، ويكون خيرة السحرة تحت تصرفه. وعلى هذا لا يعرف مجتمع تروبرياند حكومة مركزية. إن مجتمع تروبرياند يجسد مثالاً لتسلسل هرمي وراثي يربط بين مختلف الأنساب والمشاعات القروية المحلية من دون أن يؤدى الوظيفة التي تؤديها بنية سياسية ظاهرة. أن سلطة الزعماء هي ركيزة العلاقات الاقتصادية والدينية التى تتخطى إطار المشاعات القروية الخصوصية من غير أن تدمج مع ذلك هذه المشاعات في شبكة اقتصادية واحتفالية واحدة تغطى الجزيرة بأسرها. ويتمتع الزعماء بأقوى السلطات السحرية التى ينبغي عليهم أن يضعوها في خدمة مشاعاتهم . ولهذا فأن إمتيازاتهم هى الوجه الآخر لواجباتهم والمكافأة على الخدمات الاستثنائية التى يبذلونها لمشاعاتهم على كافة المستويات وهمية كانت أم فعلية.

 

ويمثل مجتمع تروبرياند أشهر مثال على الأهمية والشكل اللذين قد تتلبسهما المبادلات في المجتمعات البدائية المجزأة. فعلاوة على تبادل القلائد والأساور، تتيح البعثات البحرية الكبيرة إمكانية التموين بالمواد الأولية الضرورية من حجارة للفؤوس وخيزران وصلصال وما إلى ذلك. لقد كانت شبكة توزيع الكولا تؤلف رابطة سياسية واسعة تربط بين مجتمعات مجزأة يتوجب عليها أن تكفل الانتظام لتجارة حيوية من دون مساعدة حكومة مركزية تحفظ السلام وتوطده. حاول مالينوفسكى لدى تحليل نظام شبكة توزيع الكولا توضيح النشاطات الاقتصادية ومزجها بالنظام الطقوسي المتمثل في السحر والشعوذة. تمارس جماعات تروبرياند الزراعة وبناء القوارب وصيد الأسماك من خلال أسلوب لتقسيم العمل بين الأفراد وفق أنواع النشاطات الاقتصادية الشئ الذى يدفعهم إلى تبادل السلع بين جزر تروبرياند المختلفة عن طريق شبكة توزيع الكولا. يحلل مالينوفسكى شبكة الكولا بحسبانها أنساق مركبة من الشعائر الدينية والطقوس والاحتفالات التى يتم فيها تبادل بعض المواد الطقوسية بين أفراد الجماعات التى تنتمى إلى شبكة كولا معينة.

 

ورغم النسق المركب لشبكة الكولا فإنها تمارس دوراً تجارياً ذلك أنه عندما يرغب أحد الأفراد في شبكة ما زيارة شريكه في جزيرة أخرى عليه أن يحمل معه منتجاته ومصنوعاته التى يرى ضرورة حملها معه. يحلل مالينوفسكى طقوس الاستقبال والاحتفالات الدينية التى يتم خلالها تبادل السلع وكذلك تقديم الهدايا بمدى رضا الإنسان المتحصل على الهديَّة. هكذا يفسر مالينوفسكى فلسفة جماعات تروبرياند من توزيع سلعهم من خلال تحليله لشبكة توزيع الكولا.

 

راد كليف بروان (1881-1955)

حاول رادكليف براون أن يطور الأنثروبولوجيا الاجتماعية إلى علم طبيعي يقوم على الدراسة العلمية المقارنة للأنساق الاجتماعية عند الشعوب البدائية. أسهم إسهاماً بناءً في دراسة البناء الاجتماعي وأنساق القرابة. يعد هو ومالينوفسكى المؤسسين لمدرسة الأنثروبولوجيا البريطانية الحديثة. ألف كتاب: "جزر الاندمان"  (1922). وجمعت مقالاته العلمية ومحاضراته في ثلاثة كتب: "البنية والوظيفة في المجتمع البدائي" (1952)، "علم طبيعي للمجتمع" (1957)، "المنهج في الأنثروبولوجيا الاجتماعية" (1958).

 

من أهم الاتجاهات التي تأثر بها بروان وهيمنت على أفكاره مسألة المماثلة بين الكائنات الحية والحياة الاجتماعية، أي على أساس المشابهة بين الحياة الاجتماعية والحياة العضوية البيولوجية  كما كان الحال عند إميل دور كايم. يرى بروان أن المجتمع مثله مثل الكائن الحي يتألف من أجزاء أو وحدات تتداخل وظيفياً وتعتمد على بعضها البعض، فمثلاً أنه كما تتعاضد أعضاء الكائن الحي للحفاظ على الكائن حياً تعمل نظم المجتمع وتقاليده بدورها على بقاء المجتمع واستمراره. يُعرِّف بروان الوظيفة بأنها الدور الذى يؤديه أي نشاط جزئي في النشاط الكلى الذى يكون هو جزء فيه. هكذا تكون وظيفة أي نظام اجتماعي كامنة في الدور الذي يؤديه في البنية الاجتماعية المكونة من أفراد يرتبطون ببعضهم في كلٍ واحدٍ متماسكٍ للعلاقات الاجتماعية المحددة، ووظيفة أية عادة اجتماعية هي الدور الذى تقوم به العادة المعينة في مجمل الحياة الاجتماعية على أساس أن هذه الحياة هي عماد النسق الاجتماعي الكلى. يعطى براون أهميَّة للحياة الاجتماعية في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية طالما أن النسق الاجتماعي يؤلف، في رأيه، وحدة كيان ووظيفة، أي أنه ليس مجرد تجمع أو حشد وإنما هو كل متكامل مثله مثل الكائن العضوي.

 

رأينا كيف أن مالينوفسكى اهتم بمفهوم الثقافة وجعلها محوراً وأساساً لدراساته وتحليلاته الوظيفية. أما براون فيهتم بالمجتمع عاداً إياه نسقاً طبيعياً. اهتم براون من ثم بالأشخاص Persons عاداً إياهم وحدات بنيوية حيث أن هذه الوحدات تكوَّن الكل وتجعل منه بنيَّة، هذه الأهميَّة التى أولاها براون للأشخاص جعلته يفرق بينهم وبين الأفراد Individuals. الأشخاص أعضاء المجتمع يمكن أن يكون كل منهم مواطناً له مهنة معينة، أي أن الشخص عند براون يجسد مجموعة علاقات اجتماعية، في حين أن الفرد هو كائن بيولوجي بمعنى أنه يجسد مجموعة من العمليات الفسيولوجية والسلوكية ويقوم علماء الفسيولوجيا وعلماء النفس بدراسته. أما الأشخاص فأن دراستهم تقع في نطاق البنية الاجتماعية ولا يمكن دراسة أية بنية اجتماعية ودونهم بحسبانهم وحدات البنية الرئيسة. لهذا فأن دراسة المجتمع عند براون بمعناها البنيوي تشير إلى الترابط الداخلي الذى يربط بين البنية الاجتماعية وبين صيرورة الحياة الاجتماعية. عليه فأن استخدام مفاهيم مثل صيرورة Process ، وبنية Structure ، ووظيفة Function ما هي إلا محاور بنى عليها براون نظريته في تفسير الأنساق الاجتماعية. تقوم فكرة الوظيفة بمعناها البنيوي عند براون على أساس أن البنية تؤلف مجموعة من العلاقات التى تربط بين تلك الوحدات البنيوية بدرجات متفاوتة. فالأسرة عند براون هي بمثابة وحدة بنيوية والعلاقات الأسرية القائمة بين أفرادها هي علاقات بنيوية تستحيل رؤيتها في عموميتها في أية لحظة لكننا نستطيع ملاحظتها. أن أهمَّ ما يميز تفسيرات براون وتحليلاته الوظيفية هو تركيزها على البنية الاجتماعية هو تركيزها على البنية الاجتماعية ووظيفتها وهو ما أدى إلى انبثاق اتجاه جديد في الأنثروبولوجيا صار يعرف بالاتجاه البنيوي الوظيفي.

 

اضطر رادكليف براون، في محاولته إعطاء  الأنثروبولوجيا نقاءً جديداً ومنهجية، أن يذوب هذا العلم في النظرية العامة المتعلقة بالمجتمعات، أي في علم الاجتماع، وفي الوقت نفسه أعطى براون الأنثروبولوجيا تمايزاً معرفياً. وبما أن المجتمعات غير المعقدة (البدائية/غير المعقدة) نسبياً هي مادة موضوع دراسة الأنثروبولوجيا، فقد ارتأى براون إمكانية أخذ مفاهيم علم الاجتماع الأساسية (بنية، ووظيفة، ومجتمع الخ. كما أشرنا). هكذا تبدى لبراون بأنه يمكنه، انطلاقا من أجزاء طفيفة في علم الاجتماع، إثراء طريقته. الأمر كذلك يجوز القول بأن فكرة البنية الاجتماعية ظهرت في الأنثروبولوجيا مع التحليلات التى قدمها براون ومع تعريفه لمفهوم البنية.

 

الحق يقال فأن مفهوم البنية شابه قدر من الغموض لوروده بأشكال عديدة في أعمال الكثيرين من علماء الاجتماع. تعددت الآراء وتنوعت حول هذا المفهوم لدرجة استحالت معها فرصة الوصول إلى تعريف واحد شامل ومحدد يتفق حوله العلماء. ففي كتابه "البنية الاجتماعية" (1965) يرى موردوك أن مفهوم البنية الاجتماعية يدل على تماسك المؤسسات الاجتماعية إذ ليست تلك المؤسسات تجمعاً عشوائياً بل أن لها بنية. أحد أغراض هذا النوع من التحليل هو بالتحديد فهم تماسك  المؤسسات الاجتماعية وإظهار تبعيتها المتبادلة، ولذلك فإنه يلاحظ استبعاد هذه الفكرة في شكل التحليل البنيوى الوظيفي. بصورة أعم غالباً ما ينال مفهوم البنية عند الوظيفيين والبنيويين تفسيراً قريباً من مفهوم النمط. في حالات يتم استخدام مفهوم البنية بمواجهة تعبيرات أخرى أو بالعلاقة معها إذ نجد أن غورفتش في مقال نشره بعنوان "مفهوم البنية الاجتماعية" (1955) يميز مثلاً المجموعات المبنية عن المجموعات المنظمة وهكذا فإنه يعتقد بإمكانية أن تكون الطبقات الاجتماعية "متبنية" دون أن تكون "منظمة". ويواجه مفهوم البنية في ظروف أخرى بمفهوم المصادفة. كذلك فأن مفهوم البنية غالباً ما يشير إلى العناصر الثابتة لنظام معين مقابل عناصره المتغيرة وهكذا تشير فكرة المفهوم إلى نموذج معين، إما إلى ثوابت النموذج، وإما إلى مجمل الثوابت والوظائف التى تربط المتغيرات فيما بينها، وإما أيضاً إلى مجمل الثوابت والوظائف. وفي حالات أخرى أيضاً يستعمل مفهوم البنية بشئ من التردد لتمييز الأساسي من الثانوي والجوهري من غير الجوهري والأصلي من المشتق هكذا يرى مانهايم أن البنية الاجتماعية هي "نسيج القوى الاجتماعية في نشاطها المتبادل والذي تخرج منه مختلف نماذج الملاحظة والفكر"في هذه الحالة فأن مفهوم البنية الاجتماعية يشير بصورة ضمنية إلى مجمل العناصر لنظام اجتماعي معين يخمن عالم الاجتماع أنه يسيطر عليها ويحدد الأخرى. بالنسبة لمانهايم يتعلق الأمر بالعناصر المادية (التى يشار إليها بغموض بعبارة "القوى الاجتماعية" التى تسمح بتفسير العناصر الفكرية، وهو ما يذكرنا بالتمييز الذى يقيمه ماركس بين البنية التحتية والبنية الفوقية. ويستعمل بعض علماء الاجتماع مفهوم البنية الاجتماعية بحسبانه مرادفاً "لنظام التدرج" وتعد متغيرات التدرج في هذه الحال أولية وحاسمة.

 

وقد رفض علماء الأنثروبولوجيا من أمثال كروبر وايفانز برتشارد وراد كليف بروان عد بعض فئات المتغيرات بصفتها حاسمة بحيث أصبح مفهوم البنية الاجتماعية عندهم مرادفاً بسيطاً لمفاهيم أخرى، مثل مفاهيم التنظيم الاجتماعي أو تنظيم العلاقات الاجتماعية. هكذا يمكن أن يظهر مفهوم البنية مترابطاً مع مفهوم النظام إذا اعتبرنا أن النظام هو مجمل "العناصر ذات التبعية المتبادلة". ولكن يمكن أن يظهر كذلك وكأنه معَّرف ضمنياً أو صراحة بمواجهة مجموعة أخرى من المفاهيم أو من التصاق بها، في اتجاهات متنوعة جداً ربما يستطيع الوضع العام وحده أن يحددها.

 

على كل فقد اقترن مفهوم البنية عند أصحاب الاتجاه الوظيفي بالدراسات الحقليَّة المعمقة بخاصة تلك التى قام مالينوفسكى في جزر تروبرياند وكذلك راد كليف بروان في جزر الاندمان حيث ظهرت تبعاً لذلك تعريفات للبنية الاجتماعية بعيدة عن الارتباط بالوظيفة عند براون وآخرين وظهور اتجاه جديد يجمع بين البنية والوظيفة عرف بالاتجاه البنيوي الوظيفي.

 

يرى بروان أن مفهوم البنية يشير بالضرورة إلى وجود نوع من الترتيب بين الأجزاء التى تدخل في تركيب الكل وذلك لأن ثمة علاقات وروابط معينة بين الأجزاء التى تؤلف الكل وتجعل منه بنية متماسكة ومتمايزة. ومن ثم تكون الوحدات الجزئية التى تدخل في تكوين  البنية الاجتماعية هم الأشخاص أعضاء المجتمع الذين يحتل كل منهم مركزاً معيناً في المجتمع ويؤدى دوراً معلوماً في الحياة الاجتماعية. وكما أشرنا سابقاً فأن هذه تشكل النقطة الأساسية في نظرية راد كليف بروان عن البنية الاجتماعية لأن الإنسان فرداً لا يعد جزءاً مكوناً للبنية التى تتألف من أشخاص هم أعضاء المجتمع لا من حيث أنهم أفراد.

 

الإنسان فرداً هو كائن بيولوجي يتكون من مجموعة كبيرة من وحدات وعمليات عضوية ونفسية وبالتالي مداراً لبحث البيولوجيا وعلم النفس. أما الإنسان شخصاً فهو مجموعة من العلاقات الاجتماعية تتحد طبقاً لمكانته الاجتماعية مواطناً، وزوجاً، وأباً، وعضواً في مجتمع الخ. من هنا يصبح الإنسان "الشخص" لا "الفرد" هو موضوع بحث الأنثروبولوجيا الاجتماعية التى تستمر باستمرار النظام الاجتماعي الذى ينظم أدوار الأشخاص ويشخص علاقاتهم بين بعضهم البعض ويحددها هذا ما يفسر، في رأي براون، استمرار العشيرة، والقبيلة، والأمة بحسبانها تجسيداً لتنظيمات معينة من الأشخاص رغم التغير الذى يصيب الوحدات المؤلفة له من وقت إلى آخر . يقصد براون بالبنية الاجتماعية الآتي:

 

أولاً: الجماعات الاجتماعية الموجودة لفترة طويلة وكافية، وهى الأشكال المورفولوجية للمجتمع الإنساني والتي تمثل تجمع الأنساق في وحدات اجتماعية مختلفة الأحجام.

ثانياً: التباين القائم بين أفراد وجماعات مجتمع من المجتمعات، ويحدد ذلك  التباين الأدوار الاجتماعية التى يقوم بها الأفراد والجماعات في المجتمع الواحد، مثل اختلاف المركز الاجتماعي بين الرجال والنساء، وبين الشيوخ والشباب، وبين الشباب والأطفال، وبين الرئيس والمرؤوس، وبين صاحب العمل والعمال.

ثالثاً: كل العلاقات الاجتماعية التى تقوم بين شخص وآخر من البنية التى تتكون من العلاقات الثنائية مثل العلاقات بين الأب وابنه، وابن الخال وابن أخته الخ. ويعد النظام القرابى في المجتمعات غير المعقدة أهم النظم الاجتماعية وهو الذى يحدد شبكة العلاقات الاجتماعية للمجتمع.

 

وتتميز البنية الاجتماعية وفقاً لبروان بعدة خصائص:

1- البنية الواقعية التى هي مجموعة من العلاقات الواقعيَّة بين شخصين على الأقل، وقد تضم عدداً كبيراً من الأشخاص. ما يميز هذه العلاقات طابعها المتغير سواء بين الأشخاص أو الجماعات، بمعنى أنها غير ثابتة بفعل دخول أعضاء جدد في المجتمع عبر الولادة أو الهجرة إلى المجتمع، والهجرة من المجتمع، والوفيات. تشمل البنية الاجتماعية الواقعية أيضاً جميع العلاقات الاجتماعية الجزئية المتغيرة بين أعضاء أي مجتمع من المجتمعات البشرية.

2- الصورة البنيوية التي تتميز بالثبات النسبي لفترة زمنية تطول أو تقصر وفق متغيرات معينة. وتتعرض الصورة البنيوية للتغير في حالات بصورة فجائية أو تدريجية فالثورة  أو الغزو الخارجي قد يؤديان إلى حدوث تغير فجائي عارم.

3- لا يمكن رؤية البنية الاجتماعية بصورة مباشرة، لكن يمكن للباحث ملاحظة البنية في صورة علاقات اجتماعية محسوسة بين أفراد وجماعات مجتمع من المجتمعات . ثم أن دراسة البنية الاجتماعية شئ ودراسة العلاقات الاجتماعية شئ آخر. يستخدم بعض الأنثروبولوجيين مصطلح البنية الاجتماعية للإشارة إلى الجماعات الاجتماعية الثابتة فقط مثل الأمم، والقبائل، والعشائرإلخ التى تحتفظ باستمراريتها وكياناتها بالرغم من التغيرات التى تتعرض لها عضويتها زيادة أو نقصاناً.

5- يدرس الباحث الأنثروبولوجي البنية الاجتماعية بهدف الوصول إلى نتائج موضوعية مستخدماً منهجاً شمولياً، أي دراسة تشمل جميع أجزاء البنية الاجتماعية وكافة مظاهرها ذلك أن عناصر البنية وأجزاءها تتفاعل ككل وعلى الباحث أن يكشف عن العلاقات المباشرة وغير المباشرة التي تربط تلك العناصر والأجزاء. بمعنى آخر عليه أن يحدد عملية التأثيرات المتبادلة بين وحدات البنية الاجتماعية.

6- استمرار البنية الاجتماعية وبقائها فترة طويلة من الزمن، وهى خاصة تميز البنية وتؤهلها للقيام بوظيفتها الاجتماعية الأساسية المتمثلة في الحفاظ على تماسك المجتمع وبقائه، ويكون بقاء البنية بقاءً متجدداً لا جامداً، بمعنى أنه متغير وليس ساكن.

 

لقد أصبحت البنيوية الوظيفية دراسة لا لنمط الحياة بل لنمط وجود فعلى متخطية نزعة المركزة الاثنية التى ميزت الأنثروبولوجيا في النصف الأول للقرن التاسع عشر والتي لم تر في المجتمعات الأخرى إلا أنواعاً من الحياة التى تخطاها التطور.

 

وتعد البنيوية الوظيفية أن كل مجتمع، بحسبانه نظام مؤسسات وممارسات لها دلالتها، قادر على الاستمرار في حركته وتحولاته والقيام بوظيفته رغم التغيرات الظاهرة داخلياً وخارجياً على المستوى "الشخصي"، وقادر على الممارسات غير الهامة. فالمجتمع ليس مجرد ركام لا عضوي كما تصور أنثروبولوجيو النصف الأول من القرن التاسع عشر، بل هو "نظام" وظيفي من مؤسسات تلبى حاجات إنسانية أساسية. فالوظيفة الإنسانية والاجتماعية لهذه المؤسسات هي التى تعطيها شبه شرعيتها وديمومتها. وقد عبرت عالمة الأنثروبولوجيا البريطانية لوسى ماير عن ذلك بقولها: "أن تفسير الثقافة الإنسانية بحسبانها آلية تضامن تهدف لتحقيق الحاجات الاجتماعية بحيث يرتبط كل عنصر فيها بالباقي ويظل مشروطاً به، يفرض ضرورة الاهتمام بجدية أكثر بالمؤسسات غير المعقدة  للشعوب غير المتحضرة أكثر مما تم في الماضي، وطالما أننا نؤكد أن القبائل مازالت تعيش شروط البربرية غير المنتظمة،و هى شروط تعترف بقسوتها حتى القبائل، يصبح يسيراً علينا أن نتطلع إلى انتصار المدنية مع ما يلحق بها من حسنات، وأن تعد كل مقاومة حيوية مؤقتة سترتفع حين يتبنى السكان الأصليون مفهوماًُ أكثر عقلانية".

 

 


مشروع بحثي نحو تأصيل أفريقي للحضارة الشمالية

 

هل يعود أصل السودانيين إلى المنابع الجنوبية؟

د. محجوب التجانى

   مــقدمة

مرتكزات البحـث الأنثروبولوجية  - والآثارية

   أ- افريقية الحضارات النيلية،   أم

  ب- افريقية الوطن السوداني.

   ج- الجذور الثقافية لحضارات الشمال، أم

  د- الأصول الحضارية لثقافات الجنوب.

 

 

 

مقــدمة

لعل من الثابت أن الجماعات السكانية التي أقامت الحضارة السودانية القديمة المعروفة آثارياً في منطقة النوبة فيما أكد عليه البحاثة وعلماء الأنثروبولوجيا الثقافية أصل عريق للأعراق التي واصلت مسيرة الحياة منذ تلك العصور السحيقة إلى الأزمان الحاضرة. أما علماء الآثار والثقافة الاجتماعية من أمثال البروفسور ويليام آدمز بوجه خاص فقد استيقنوا أن السكان المعاصرين في المنطقة التاريخية نفسها لا يوجد شك البتة في تحدرهم السلالي والثقافي من تلك الجماعات القديمة، وأنه إلى جانب أدوات المقارنة العلمية المتمثلة في الآثار المادية من جهة، تقف الشواهد اللغوية والانتماءات الوجدانية دليلاً حياً على تلك الصلة جنباً إلى جنب مع دلائل الشواهد الماثلة في صدر القبور وبقايا الصروح.

 

من الممكن أن ينساق الكاتب إلى الحديث عن الأبعاد الأيديولوجية والسياسية للتأصيل الحضاري موضع الذكر. إلا أنَّ موضوعاً آخر ربما لا يبعد كثيراً عن أهمية التحليل السوسيولوجي لهذه الحقائق الأنثروبولوجية والآثارية ظل شاغلاً للتفكير منذ أن تعرفت لأول مرة على مؤلف "النوبة: الرواق لإفريقيا"، وهو ما أبدع صنعه آدمز، ذلك حيث أن آدمز لم يقف طويلاً عند الفكرة القائلة بأنَّ ثمة علاقة حميمة قد نشأت منذ القدم ما بين الحضارة النوبية القديمة وجماعاتها السكانية من جهة والجماعات السكانية التى عاشت في جنوب وادي النيل فيما وراء مناطق السافانا الغنية على امتداد منطقة المستنقعات وروافد النيل المنتشرة شرقاً وغرباً وجنوباً إلى بحيرات المنبع.

 

عليه، يتركز هم هذا الكاتب في محاولة التفكير في علاقة الحضارة النوبية القديمة وما تفتق عنها من ثقافات وحضارات سودانية عديدة، أو ما جاورت وتبادلت التأثير معه من إسهامات السكان في منطقة البجا وشمال كردفان ودارفور والحضارة المصرية في شمال الوادي من زاوية ما نالت فيما يبدو نصيباً وافياً من البحث والتحليل، ألا وهى علاقة تلك الحضارات، منفردة أو مجتمعة، مع الجماعات السكانية الجنوبية وثقافاتها وحضاراتها المختلفة.

 

لا يوجد بحوزة الكاتب في الوقت الحاضر ما يكفي من المراجع لاستكشاف العلاقة المطروحة للبحث. ومع ذلك، فالقصد من طرح الفكرة بهذا التساؤل المثير، هل يعود أصل السودانيين إلى المنابع الجنوبية، هو إثارة الفروض العلمية التي ترتكز على قدر كاف من المعلومات، وتدقيقها، وتمحيصها، والخلوص من ثم إلى نتائج البحث. وعليه، تقدم هذه الورقة مشروعاً للبحث داعية الزملاء، وفي مقدمتهم البروفسور أسامة عبدالرحمن النور إلى المشاركة في الإعداد والتطبيق فربما ينتج عن مشاركتهم الشيقة بحث كامل تدعو الضرورة الثقافية والسياسية إلى دفعه للمكتبة السودانية في قوة وإيمان بوحدة الجنس البشرى وتلاصق جذوره الحضارية وتلاقح ثقافاته عبر القارات، سيما القارة الأفريقية الأم.

 

أ- افريقية الحضارات النيلية

النيل منشأ ومجرى إفريقي بحت ومن اللائق تماماً أن ينسب ذلك النهر العظيم الذى يشيع الحياة والنماء منذ أقدم العصور في أقطار واديه، وبلدان مصبه ومنابعه الضاربة في أعماق القارة السمراء إلى حضارات الأفارقة الدائرة حول ضفافه، آخذة من مائه واخضرار أرضه. ولا بدَّ لذلك من الحديث عن كافة حضارات القارة المنبثة على مدى الزمن في وديان النيل على أنها حضارات نيلية نسبة إلى النهر التليد، وبقدر متساو من الأهمية والشأن. فمن يدرى، لعلَّ أعظم الآثار الرابضة تحت كثبان الرمال أو الغابات ولا تزال سراً مجهولاً هي الدليل المفقود لإثبات الحضارات النيلية المغمورة، وأن الحضارات المعروفة للعالم في شمال الوادي ومناطق النوبة ما هي سوى جزء يسير من الحضارات النيلية المجهولة. إن ثمة حقائق هامة تستدعى استحضار ذلك الفرض الذى ينتظر البحث والتحقيق، فأفريقيا وإنسانها الأفريقي أصل للجنس البشرى على اختلاف ألوانه وما أنشأ لمجتمعاته بعد انتشاره في قارات الأرض الأخرى منطلقاً من القارة الأم (كارينغا، 1993). ولا تزال القارة متفوقة على أنحاء المعمورة بغنى ثقافاتها المتنوعة ولغاتها العديدة وأديانها القديمة وإنسانها المتجدد (ديفيدسون، 1970). الفرض القائل بمرجعية الحضارات النيلية بشكل غالب ومؤثر إلى المآل الأفريقي لا يعد أمراً شططاً. بل لعله الفيل الذى تظاهر الكثرة على التعامي عن ثقله الشامل للسودان، لهثاً وراء ظله الواقع على العرب والأوروبيين منذ أقدم الأزمان. 

 

أفريقية الوطن السوداني

ما أن ينكب فكر على حقيقة الحقائق الماثلة في انتماء السودان قلباً وقالباً لأفريقيا بشعوبها العريقة وحضاراتها القديمة، يشتعل من توه بأمور جسيمة عظيمة الأثر على جملة القضايا القومية التي تعاكسها دعاوى الساسة وانقسامات الطبقة ومظالم الأهل على انتشار الوطن، القارة المصغرة. في مقدمة هذه الأمور أن الاستيعاب الكامل لافريقية السودان كأساس عميق ما يزال مغموساً تحت ركام من الاغتصاب الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي على حد سواء بسبب التهافت العرقي والتعصب الجاهل لمزايا الأفضليات السياسية للجماعات الحاكمة في عاصمة البلاد.

 

ظلت علاقات السودان بأهله الأفارقة مجهولة وممنوعة، وفات على ساسته ما يربطهم بحضارات أفريقيا الغربية من جذور راسخة، وما يشدهم بالدم والتاريخ الواحد إلى حضارات البانتو النابعة من بحيرات النيل في أعماق القارة. وباتت الملامح الرئيسة للسودانيين المدفونة في بعانخى (بـيَّا) وتهارقا، ملوك النيل وفراعنته القدماء يتغاضى أحفادهم عن أفريقيتها الصارخة، يحسبونها إرثاً منقطعاً. وما هكذا يتعامل شعب حضاري مع أصوله التكوينية. ولكنها الحاجة المرفوضة لتوسيع البحث العلمي بكافة فروعه ومناهجه الممحصة للكشف عن حقائق الدم الواحد والأصل الواحد والتاريخ المشترك وإعداد الحاضر القائم لاستحضار المستقبل الواعد بأمة سودانية افريقية موحدة. 

 

الجذور الثقافية لحضارات الشمال

نقول إنها حضارات متعددة المعروف عنها حضارة النوبيين القدماء بآثارها التليدة، ولا يزال أكثرها ربما قابعاً تحت بطون الرمال. على أن حضارات الشمال، بما فيها النوبة، تشتمل عدداً كبيراً ربما من حضارات الشعوب السودانية التى عاشت الزمن في نفس الوطن: البجا وما تفرع عنهم عبر النيل شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. البليميون، والمدجاى، أيقصر باحث وجودهم الحضاري على تلال البحر الأحمر وحسب؟ ألم يكن اختلاط العرب المهاجرة بهم مولداً لعشرات الجماعات السكانية التى انتشرت في طول البلاد وعرضها؟ وما أصل البجا الضاربة شرقاً في القرن الأفريقي سوى امتداد أفريقي للأجناس الأفريقية نفسها التى عاشت جنوباً، في تجاوب مع بيئة متغيرة بحسب الأمطار والرياح وفيضانات النيل العاتية. ألا يفترض باحث أن البجا والشلك والأنواك والدنكا والنوير بجذورهم الإثيوبية والواصلة عبر بحر العرب بأفريقيا الوسطى وجنوباً بالماساى في كينيا، أفارقة أصليين، كانوا شعباً واحداً فتفرق بالمصالح والسعي في الأرض مثلما يتفرق الناس في هذا الزمان؟ لعلَّ الجذور الثقافية لحضارات الشمال في حاجة فعلية لدراسة مقارنة لعادات تلك الأقوام واستطلاع ما يتشابه منها وما يفتأ بعيداً. هنالك الثقافة، أكثر من المظاهر الطبيعية، واللون، وطول القامة ومقاسات الجماجم. هنالك اللغة والآثار والتركيبة. 

 

الأصول الحضارية لثقافات الجنوب

ها هنا فرض يتواتر ويشتد إلحاحاً على فكر المشاهد: أكانت كلها حضارة للبانتو القادمين من أقصى جنوب القارة؟ فماذا عن النيل الحامل لمراكب النوبة والمرعى الناقل للبجا والعرب؟ وماذا نقول عن سواد النيل واسمراره وخصائص الحياة الواحدة طوال مراحلها المتطورة، الصيد وجمع الثمار قبل الزراعة وحصد المحاصيل واستئناس الحيوان - أما كانت كلها ممارسة على أوسع نطاق من جماعات أفريقيا السودانية؟ وكم من الزمان مضى على شعوب السودان دون تفاعل واندماج؟

 

مضى عهد يدرس فيه تلاميذ المدارس فصول التاريخ مفصولة ومتمايزة: النوبة - المهدية بعد التركية - الاستقلال وحزبا الأمة والاتحادي. يجيء عهد يدرس فيه التلامذة والطلاب والمدرسون والبحاثة والساسة فصول التاريخ والآثار والثقافة والاجتماع والسياسة موحدة متعانقة. ما قبل التاريخحيث على البحث أن يستطلع افريقية السودان كأصل واحد لكل ما جاء من بعد. افريقية الحضارات النيليةبما يستجد من أسرارها المغمورة. والجذور الثقافية لحضارات الشمال وعلى حد سواء، الأصول الحضارية لثقافات الجنوب.

 

 

مراجع

Adams, William1977, Nubia, Corridor to Africa, Allen Lane, London,

Davidson, Basil, Africa History: Themes and Outlines, Collier Books, New York

Karenga, M 1993, Introduction to Black Studies, The University of Sankore Press, Los Angeles

 


 

نص الأسواني عن بلاد النوبة والبجة

 

نقلاً عن الخطط المقريزية

 

* ذكر الجنادل ولمع من أخبار أرض النوبة *

الجندل ما يصل الرجل من الحجارة وقيل هو الحجر كله الواحدة جندلة والجندل الجنادل قال سيبويه وقالوا جندل يعنون الجنادل وصرفوه لنقصان البناء عمالا ينصرف وأرض جندلة ذات جندل وقيل الجندل المكان الغليظ فيه حجارة ومكان جندل كثير الجندل * قال عبدالله بن أحمد بن سليم الأسواني في كتاب أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل * وأول بلد النوبة قرية تعرف بالقصر من أسوان إليها خمسة أميال وآخر حصن للمسلمين جزيرة تعرف بـ بلاق بينها وبين قرية النوبة ميل وهو ساحل بلد النوبة ومن أسوان إلى هذا الموضع جنادل كثيرة الحجر لا تسلكها المراكب إلا بالحيلة ودلالة من يخبر بذلك من الصيادين الذين يصيدون هناك لأن هذه الجنادل متقطعة وشعاب معترضة في النيل ولانصبابه فيها خرير عظيم ودوي يسمع من بعد وبهذه القرية مسلحة وباب إلى بلد النوبة ومنها إلى الجنادل الأولى من بلد النوبة عشر مراحل وهى الناحية التى يتصرف فيها المسلمون ولهم فيما قرب أملاك ويتجرون في أعلاها وفيها جماعة من المسلمين قاطنون لا يفصح أحدهم بالعربية وشجرها كثير وهى ناحية ضيقة شظفة كثيرة الجبال وما تخرج عن النيل وقراها متسطرة على شاطئه وشجرها النخل والمقل وأعلاها أوسع من أدناها وفي أعلاها الكرون والنيل لا يروي مزارعها لارتفاع أرضها وزرعها الفدّان والفدّانان والثلاثة على أعناق البقر بالدواليب والقمح عندهم قليل والشعير أكثر والسلت ويعتقبون الأرض لضيقها فيزرعونها في الصيف بعد تطريتها بالزبل والتراب الدخن والذرة والجاروس والسمسم واللوبيا وفي هذه الناحية نجراش مدينة المريس وقلعة إبريم وقلعة أخرى دونها وبها مينا تعرف بأدواء ينسب إليها لقمان الحكيم وذوالنون وبها بربا عجيب ولهذه الناحية وال من قبل عظيم النوبة يعرف بصاحب الجبل من أجل ولاتهم لقربه من أرض الإسلام ومن يخرج إلى بلد النوبة من المسلمين فمعاملته معه في تجارة أو هدية إليه أو إلى مولاه يقبل الجميع ويكافئ عليه بالرقيق ولا يطلق لأحد الصعود إلى مولاه لا لمسلم ولا لغيره * وأوّل الجنادل من بلد النوبة قرية تعرف بتقوي هي ساحل واليها تنتهي مراكب النوبة المصعدة من القصر أوّل بلدهم ولا تتجاوزها المراكب ولا يطلق لأحد من المسلمين ولا من غيرهم الصعود إلا بإذن من صاحب جبلهم ومنها إلى المقس الأعلى ست مراحل وهى جنادل كلها وشر ناحية رأيتها لهم لصعوبتها وضيقها ومشقة مسالكها أما بحرها فجنادل وجبال معترضة فيه حتى أن النيل ينصب في شعاب ويضيق في مواضع حتى يكون سعه ما بين الجانبين خمسين ذراعاً وبرها مجاويب ضيقة وجبال شاهقة وطرقات ضيقة حتى لا يمكن الراكب أن يصعد منها والراجل الضعيف يعجز عن سلوكها ورمال في غربها وشرقها وهذه الجبال حصنهم واليها يفزع أهل الناحية التى قبلها المتصلة بأرض الإسلام وفي جزائرها نخل يسير وزرع حقير وأكثر أكلهم السمك ويدهنون بشحمه وهى من أرض مريس وصاحب الجبل واليهم والمسلحة بالمقس الأعلى صاحبها من قبل كبيرهم شديد الضبط لها حتى أن عظيمهم إذا صار بها وقف به المسلحي وأوهم أنه يفتش عليه حتى يجد الطريق إلى ولده ووزيره فمن دونهما ولا يجوزها دينار ولا درهم لإذ كانوا لا يتبايعون بذلك إلا دون الجنادل مع المسلمين وما فوق ذلك لا بيع بينهم ولا شراء وإنما هي معاوضة بالرقيق والمواشي والحبال والحديد والحبوب ولا يطلق لأحد أن يجوزها إلا بإذن الملك ومن خالف كان جزاؤه القتل كائناً من كان وبهذا الاحتياط تتكتم أخبارهم حتى أن العسكر منهم يهجم على البلد إلى البادية وغيرهم فلا يعلمون به والنباد الذى يخرط به الجوهر يخرج من النيل في هذه المواضع يغطس عليه فيوجد جسمه بارداً مخالفاً للحجارة فإذا أشكل عليه نفخ فيه بالفم فيعرق ومن هذه المسلحة إلى قرية تعرف بـ ساي جنادل أيضاً وهى آخر كرسيم ولهم فيها أسقف وفيها بربا ثم ناحية سقلودا وتفسيرها السبع ولاة وهى أشبه الأرض بالأرض المتاخمة لأرض الإسلام في السعة والضيق في مواضع والنخل والكرم والزرع وشجر المقل وفيها شئ من شجر القطن ويعمل منه ثياب وخشة وبها شجر الزيتون وواليها من قبل كبيرهم وتحت يده ولاة يتصرفون وفيها قلعة تعرف بـ أصمنون وهى أول الجنادل الثلاثة وهى أشد الجنادل صعوبة لأن فيها جبلاً معترضاً من الشرق إلى الغرب في النيل والماء ينصب من ثلاثة أبواب وربما رجع إلى بابين عند انحساره شديد الخرير عجيب المنظر يتحدر الماء عليه من علو الجبل وقبليه فرش حجارة في النيل نحو ثلاثة برد إلى قرية تعرف بـ يستو وهى آخر قرى مريس وأوّل بلد مقرة ومن هذا الموضع إلى حد المسلمين لسانهم مريسي وهى آخر عمل متملكهم ثم ناحية بقون وتفسيرها العجب وهى عند اسمها لحسنها وما رأيت على النيل أوسع منها وقدرت أن سعة النيل فيها من الشرق إلى الغرب مسيرة خمس مراحل الجزائر تقطعه والأنهار منه تجري بينها على أرض منخفضة وقرى متصلة وعمارة حسنة بأبرجة حمام ومواشى وأنعام وأكثر ميرة مدينتهم منها وطيورها النقيط والنوبي والببغاء وغير ذلك من الطيور الحسان وأكثر نزهة كبيرهم في هذه الناحية * قال وكنت معه في بعض الأوقات فكان سيرنا في ظل شجر من الحافتين في الخلجان الضيقة وقيل أن التمساح لا يضر هناك ورأيتهم يعبرون أكثر هذه الأنهار سباحة ثم سقد بقل وهى ناحية ضيقة شبيهة بأول بلادهم إلا أن فيها جزائر حساناً وفيها دون المرحلتين نحو ثلاثين قرية بالأبنية الحسان والكنائس والأديار والنخل الكثير والكروم والبساتين والزرع ومروج كبار فيها صهب مؤبلة للنتاج وكبيرهم يكثر الدخول إليها لأن طرفها القبلي يحاذي دنقلة مدينتهم ومن مدينة دنقلة دار المملكة إلى أسوان خمسون مرحلة وذكر صفتها ثم قال أنهم يسقفون مجالسهم بخشب السنط وبخشب الساج الذى يأتي به النيل في وقت الزيادة سقالات منحوتة لا يدرى من أين تأتي ولقد رأيت على بعضها علامة غريبة ومسافة ما بين دنقلة إلى أوّل بلد علوة أكثر مما بينها وبين أسوان وفي ذلك من القرى والضياع والجزائر والمواشي والنخل والشجر والمقل والزرع والكرم أضعاف ما في الجانب الذى يلي أرض الإسلام وفي هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيام فيها الجبال والوحش والسباع ومغاوز يخاف فيها العطش والنيل يتعطف من هذه النواحي إلى مطلع الشمس وإلى مغربها مسيرة أيام حتى يصير المصعد كالمنحدر وهى الناحية التى تبلغ العطوف من النيل إلى المعدن المعروف بالشلة وهو بلد يعرف  بـ شنقير ومنه خرج العمري وتغلب في هذه الناحية إلى أن كان من أمره ما كان وفرس البحر يكثر في هذه المواضع ومن هذا الموضع طرق إلى سواكن وباضع ودهلك وجزائر البحر ومنها عبر من نجا من بني أمية عند هربهم إلى النوبة وفيها خلق من ... يعرفون بالزنافج انتقلوا إلى النوبة قديماً وقطنوا هناك وهم على حدتهم في الرعي واللغة لا يخالطون النوبة ولا يسكنون قراهم وعليهم وال من قبل النوبة.

 

* ذكر تشعب النيل من بلاد علوة ومن يسكن عليه من الأمم *

أعلم أن النوبة والمقرة جنسان بلسانين كلاهما على النيل فالنوبة هم المريس المجاورون لأرض الإسلام وبين أوّل بلدهم وبين أسوان خمسة أميال ويقال أن سها جد النوبة ومقري جد المقرة من اليمن وقيل النوبة ومقري من حمير وأكثر أهل الأنساب على أنهم جميعاً من ولد حام بن نوح وكان بين النوبة والمقرة حروب قبل النصرانية وأوّل أرض المقرة قرية تعرف بـ تافة على مرحلة من أسوان ومدينة ملكهم يقال لها نجراش على أقل من عشر مراحل من أسوان ويقال أن موسى صلوات الله عليه غزاهم قبل مبعثه في أيام فرعون فأخرب تافة وكانوا صابئة يعبدون الكواكب وينصبون التماثيل ثم تنصروا جميعاً النوبة والمقرة ومدينة دنقلة هي دار مملكتهم وأوّل بلاد علوة قرى في الشرق على شاطئ النيل تعرف بالأبواب ولهذه الناحية وال من قبل صاحب علوة يعرف بالرحراح * والنيل يتشعب من هذه الناحية على سبعة أنهار فمنها نهر يأتي من ناحية المشرق كدر الماء يجف في الصيف حتى يسكن بطنه فإذا كان وقت زيادة النيل نبع فيه الماء وزادت البرك التى فيه وأقبل المطر والسيول في سائر البلد فوقعت الزيادة في النيل وقيل أن آخر هذا النهر عين عظيمة تأتي من جبل قال مؤرخ النوبة وحدثني سميون صاحب عهد بلد علوة أنه يوجد في بطن هذا النهر حوت لا قشر له ليس هو من بني جنس ما في النيل يحفر عليه قامة وأكثر حتى يخرج وهو كبير وعليه جنس مولد بين العلوة والبجة يقال لهم الديجيون وجنس يقال لهم بازة يأتي من عندهم طير يعرف بحمام بازين وبعد هؤلاء أوّل بلاد الحبشة ثم النيل الأبيض وهو نهر يأتي من ناحية الغرب شديد البياض مثل اللبن قال وقد سألت من طرق بلاد السودان من المغاربة عن النيل الذى عندهم وعن لونه فذكر أنه يخرج من جبال الرمل أو جبل الرمل وأنه يجتمع في بلد السودان في برك عظام ثم ينصب إلى ما لا يعرف وأنه ليس بأبيض فامّا أن يكون اكتسب ذلك اللون مما يمر عليه أو من نهر آخر ينصب إليه وعليه أجناس من جانبيه ثن النيل الأخضر وهو نهر يأتي من القبلة مما يلي الشرق شديد الخضرة صافي اللون جداً يرى ما في قعره من السمك وطعمه مخالف لطعم النيل يعطش الشارب منه بسرعة وحيتان الجميع واحدة غير أن الطعم مختلف ويأتي فيه وقت الزيادة خشب الساج والبقم والغثاء وخشب له رائحة كرائحة اللبان وخشب غليظ ينحت ويعمل منه مقدام وعلى شاطئه يثبت هذا الخشب أيضاً وقيل أنه وجد فيه عود البخور قال وقد رأيت على بعض سقالات الساج المنحوتة التى تأتي فيه وقت الزيادة علامة غريبة ويجتمع هذان النهران الأبيض والأخضر عند مدينة متملك بلد علوة ويبقيان على ألوانهما قريباً من مرحلة ثم يختلطان بعد ذلك وبينهما أمواج كبار عظيمة بتلاطمهما قال وأخبرني من نقل النيل الأبيض وصبه في النيل الأخضر فبقي فيه مثل اللبن ساعة قبل أن يختلطا وبين هذين النهرين جزيرة لا يعرف لها غاية وكذلك لا يعرف لهذين النهرين نهاية فأولهما يعرف عرضه ثم يتسع فيصير مسافة شهر ثم لا تدرك سعتهما لخوف من يسكنهما بعضهم من بعض لأن فيهما أجناساً كثيرة وخلقاً عظيماً قال وبلغني أن بعض متملكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها فلم يأت عليه بعد سنين وان في طرفها القبلي جنساً يسكنون ودوابهم في بيوت تحت الأرض مثل السراديب بالنهار من شدة حر الشمس ويسرحون في الليل وفيهم قوم عراة والأنهار الأربعة الباقية تأتي أيضاً من القبلة مما يلي الشرق أيضاً في وقت واحد ولا يعرف لها نهاية أيضاً وهى دون النهرين الأبيض والأخضر في العرض وكثرة الخلجان والجزائر وجميع الأنهار الأربعة تنصب في الأخضر وكذلك الأول الذى قدمت ذكره ثم يجتمع مع الأبيض وكلها مسكونة عامرة مسلوك فيها بالسفن وغيرها وأحد هذه الأربعة يأتي مرة من بلاد الحبشة قال ولقد أكثرت السؤال عنها واستكشفتها من قوم عن قوم فما وجدت مخبراً يقول أنه وقف على نهاية جميع هذه الأنهار والذي انتهى إليه علم من عرّفني عن آخرين إلى خراب وأنه يأتي في وقت الزيادة في هذه الأنهار آلة مراكب وأبواب وغير ذلك فيدل على عمارة بعد الخراب فامّا الزيادة فيجمعون أنها من الأمطار مع مادة تأتي من ذاتها والدليل على ذلك النهر الذى يجف ويسكن بطنه ثم ينبع وقت الزيادة ومن عجائبه أن زيادته في أنهار مجتمعة وسائر النواحي والبلدان في مصر وما يليها والصعيد وأسوان وبلد النوبة وعلوة وما وراء ذلك في زمان واحد وأكثر ما وقف عليه من هذه الزيادة أنه ربما وجدت مثلا بـ أسوان ولا توجد بـ قوص ثم تأتي بعد فإذا كثرت الأمطار عندهم واتصلت السيول علم أنها سنة ري وإذا قصرت الأمطار علم أنها سنة ظمأ قال وأما طرق بلاد الزنج فإنهم أخبروني عن مسيرهم في بحر الصين إلى بلاد الزنج بالريح الشمالي مساحلين للجانب الشرقي من جزيرة مصر حتى ينتهوا إلى موضع يعرف بـ رأس حفري وهو عندهم آخر جزيرة مصر فينظرون كوكباً يهتدون به فيقصدون الغرب ثم يعودون إلى البحري ويصير الشمال في وجوههم حتى يأتوا إلى قبيلة من بلاد الزنج وهى مدينة متملكهم وتصير قبلتهم للصلاة إلى جدة قال وبعض الأنهار الأربعة يأتي من بلاد الزنج لأنه يأتي فيه الخشب الزمجي وسوبة مدينة العلوي شرقي الجزيرة الكبرى التى بين البحرين الأبيض والأخضر في الطرف الشمالي منها عند مجتمعهما وشرقيها النهر الذى يجف ويسكن بطنه وفيها أبنية حسان ودور واسعة وكنائس كثيرة الذهب وبساتين ولها رباط فيه جماعة من المسلمين ومتملك علوة أكثر مالا من متملك المقر وأعظم جيشاً وعنده من الخيل ما ليس عند المقري وبلده أخصب وأوسع والنخل والكرم عندهم يسير وأكثر حبوبهم الذرة البيضاء التى مثل الأرز منها خبزهم ومزرهم واللحم عندهم كثير لكثرة المواشي والمروج الواسعة العظيمة السعة حتى أنه لا يوصل إلى الجبل إلا في أيام وعندهم خيل عتاق وجمال صهب عراب ودينهم النصرانية يعاقبة وأساقفتهم من قبل صاحب الإسكندرية كالنوبة وكتبهم بالرومية يفسرونها بلسانهم وهم أقل فهماً من النوبة وملكهم يسترق من شاء من رعيته بجرم وبغير جرم ولا ينكرون ذلك عليه بل يسجدون له ولا يعصون أمره على المكروه الواقع بهم وينادون الملك يعيش فليكن أمره وهو يتتوج بالذهب والذهب كثير في بلده * ومما في بلده من العجائب أن في الجزيرة الكبرى التى بين البحرين جنساً يعرف بـ الكرنينا لهم أرض واسعة مزروعة من النيل والمطر فإذا كان وقت الزرع خرج كل واحد منهم بما عنده من البذر واختط على مقدار ما معه وزرع في أربعة أركان الخطة يسيراً وجعل البذر في وسط الخطة وشيئاً من المزر وانصرف عنه فإذا أصبح وجد ما اختط قد زرع وشرب المزر فإذا كان وقت الحصاد حصد يسيراً منه ووضعه في موضع أراده ومعه مزر وينصرف فيجد الزرع قد حصد بأسره وجرّن فإذا أراد درسه وتذريته فعل به ذلك وربما أراد أحدهم أن ينقي زرعه من الحشيش فيلفظ بقلع شئ من الزرع فيصبح وقد قلع جميع الزرع وهذه الناحية التى فيها ما ذكرته بلدان واسعة مسيرة شهرين في شهرين يزرع جميعها في وقت واحد وميرة بلد علوة ومتملكهم من هذه الناحية فيوجهون المراكب فتوسق وربما وقع بينهم حرب * قال وهذه الحكاية صحيحة معروفة مشهورة عند جميع النوبة والعلوة وكل من يطرق ذلك البلد من تجار المسلمين لا يشكون فيه ولا يرتابون به ولو لا أن اشتهاره وانتشاره مما لا يجوز التواطؤ على مثله لما ذكرت شيئاً منه لشناعته فأما أهل الناحية فيزعمون أن الجن تفعل ذلك وأنها تظهر لبعضهم وتخدمهم بحجارة يتطاوعون لهم وتعمل لهم عجائب وأن السحاب يطيعهم * قال ومن عجائب ما حدثني به متملك المقرة للنوبة أنهم يمطرون في الجبال ويلتقطون منه للوقت سمكاً على وجه الأرض وسألتهم عن جنسه فذكروا أنه صغير القدر بأذناب حمر قال وقد رأيت جماعة وأجناساً ممن تقدم ذكر أكثرهم يعترفون بالباري سبحانه وتعالى ويتقربون إليه بالشمس والقمر والكواكب ومنهم من لا يعرف الباري ويعبد الشمس والنار ومنهم من يعبد كل ما استحسنه من شجرة أو بهيمة وذكر أنه رأى رجلاً في مجلس عظيم المقرة سأله عن بلده فقال مسافته إلى النيل ثلاثة أهله وسأله عن دينه فقال ربي وربك الله رب الملك وكل الناس كلهم واحد وأنه قال له فأين يكون قال في السماء وحده وقال انه إذا أبطأ عنهم المطر أو أصابهم الوباء أو وقع بدوابهم آفة صعدوا الجبل ودعوا الله فيجابون للوقت وتقضى حاجتهم قبل أن ينزلوا وسأله هل أرسل فيكم رسول قال لا فذكر له بعثة موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه وما أيدوا به من المعجزات فقال اذا كانوا قد فعلوا هذا فقد صدقوا ثم قال قد صدقتهم إن كانوا قد فعلوا * قال مؤلفه رحمه الله وقد غلب أولاد كنز الدولة على النوبة وملكوها من سنةــــ وبنى بـ دنقلة جامع يأوى إليه الغرباء وأعلم أن على ضفة النيل أيضاً الكانم وملكها مسلم بينه وبين مالي مسافة بعيدة جداً وقاعدة ملكه بلدة اسمها حيمي وأوّل مملكته من جهة مصر بلدة اسمها زرلا وآخرها طولاً بلدة يقال لها كاكا وبينهما نحو ثلاثة أشهر وهم يتلثمون وملكهم متحجب لا يرى إلا يومي العيدين بكرة وعند العصر وطول السنة لا يكلمه أحد إلا من وراء حجاب وغالب عيشهم الأرز وهو ينبت من غير بذر وعندهم القمح والذرة والتين والليمون والباذنجان واللفت والرطب ويتعاملون بقماش ينسج عندهم اسمه دندي طول كل ثوب عشرة أذرع يشترون به من ربع ذراع فأكثر ويتعاملون أيضاً بالودع والخرز والنحاس المكسر والورق وجميع ذلك بسعر ذلك القماش وفي جنوبها شعارى وصحارى فيها أشخاص متوحشة كالفيول قريبة من شكل الآدمي لا يلحقها الفارس تؤذي الناس ويظهر في الليل أيضاً شبه نار تضئ فإذا مشى أحد ليلحقها بعدت عنه ولو جرى إليها لا يصل إليها بل لا تزال أمامه فإذا رماها بحجر فأصابها تشظى منها شرر وتعظم عندهم اليقطينة حتى تصنع منها مراكب يعبر فيها في النيل * وهذه البلاد بين إفريقية وبرقة ممتدة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط وهى بلاد قحط وشظف وسوء مزاج وأوّل من بث بها الإسلام الهادي العثماني ادّعى أنه من ولد عثمان بن عفان رضي الله عنه وصارت بعده لليزنيين من بني سيف بن ذي يزن وهم على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله والعدل قائم بينهم وهم يابسون في الدين لا يلينون وبنوا بمدينة مصر مدرسة للمالكية عرفت بمدرسة ابن رشيق في سني أربعين وستمائة وصارت وفودهم تنزل بها وسيرد ذكرها في المدارس إن شاء الله تعالى.

 

* ذكر البجة ويقال إنهم من البربر *

أعلم أن أوّل بلد البجة من قرية تعرف بالحزبة معدن الزمرد في صحراء قوص نحو من ثلاث مراحل وذكر الجاحظ انه ليس في الدنيا معدن للزمرد غير هذا الموضع وهو يوجد في مغاير بعيدة مظلمة يدخل إليها بالمصابيح وبحبال يستدل بها على الرجوع خوف الضلال ويحفر عليه بالمعاول فيوجد في وسط الحجارة وحوله غشيم دونه في الصبغ والجوهر وآخر بلاد البجة أوّل بلاد الحبشة وهم في بطن هذه الجزيرة أعني جزيرة مصر إلى سيف البحر مما يلي جزائر سواكن وباضع ودهلك وهم بادية يتبعون الكلأ حيثما كان الرعي بأخبية من جلود وأنسابهم من جهة النساء ولكل بطن منهم رئيس وليس عليهم متملك ولا لهم دين وهم يورثون ابن البنت وابن الأخت دون ولد الصلب ويقولون أن ولادة ابن الأخت وابن البنت أصح فانه ان كان من زوجها أو من غيره فهو ولدها على كل حال وكان لهم قديماً رئيس يرجع جميع رؤسائهم إلى حكمه يسكن قرية تعرف بهجر هي أقصى جزيرة البجة ويركبون النجب الصهب وتنتج عندهم وكذلك الجمال العراب كثيرة عندهم أيضاً والمواشي من الأبقار والغنم والضأن غاية في الكثرة عندهم وبقرهم حسان ملمعة بقرون عظام ومنها جمّ وكباشهم كذلك منمرة ولها ألبان وغذاؤهم اللحم وشرب اللبن وأكلهم للجبن قليل وفيهم من يأكله وأبدانهم صحاح وبطونهم خماص وألوانهم مشرقة الصفرة ولهم سرعة في الجري يبايتون بها الناس وكذلك جمالهم شديدة العدو صبورة عليه وعلى العطش يسابقون عليها الخيل ويقاتلون عليها وتدور بهم كما يشتهون ويقطعون عليها من البلاد ما يتفاوت ذكره ويتطاردون عليها في الحرب فيرمي الواحد منهم الحربة فإن وقعت في الرمية طار إليها الجمل فأخذها صاحبها وان وقعت في الأرض ضرب الجمل بجرانه الأرض فأخذها صاحبها ونبغ منهم في بعض الأوقات رجل يعرف بكلاز شديد مقدام وله جمل ما سمع بمثله في السرعة وكان أعور وصاحبه كذلك التزم لقومه انه يشرف على مصلى مصر يوم العيد وقد قرب العيد قرباً لا يكون للبلوغ إليها في مثله حقيقة فوفي بذلك وأشرف على المقطم وضربت الخيل خلفه فلم يلحق وهذا هو الذى أوجب أن يكون في السفح طليعة يوم العيد وكان الطولونية وغيرهم من أمراء مصر يوقفون في سفح الجبل المقطم مما يلي الموضع المعروف بالحبش جيشاً كثيفاً مراعياً للناس حتى ينصرفوا من عيدهم في كل عيد وهم أصحاب ذمة فإذا غدر أحدهم رفع المغدور به ثوباً على حربة وقال هذا عرش فلان يعني أبا الغادر فتصير سيئة عليه إلى أن يترضاه وهم يبالغون في الضيافة فإذا طرق أحدهم الضيف ذبح له فإذا تجاوز ثلاثة نفر نحر لهم من أقرب الأنعام إليه سواء كانت له أو لغيره وإن لم يكن شئ نحر راحلة الضيف وعوضه ما هو خير منها وسلاحهم الحراب السباعية مقدار طول الحديدة ثلاثة أذرع والعود أربعة أذرع وبذلك سميت سباعية والحديدة في عرض السيف لا يخرجونها من أيديهم إلا في بعض الأوقات لأن في آخر العود شيئاً شبيهاً بالفلكة يمنع خروجها عن أيديهم وصناع هذه الحراب نساء في موضع لا يختلط بهن رجل إلا المشتري منهن فإذا ولدت إحداهن من الطارقين لهن جارية استحيتها وان ولدت غلاماً قتلته ويقلن أن الرجال بلاء وحرب ودرقهم من جلود البقر مشعرة ودرق مقلوبة تعرف بالاكسومة من جلود الجواميس وكذلك الدهلكية ومن دابة في البحر وقسيهم عربية كبار غلاظ من السدر والشوحط يرمون عليها بنبل مسموم وهذا السم يعمل من عروق شجر الغلف يطبخ على النار حتى يصير مثل الغرا فإذا أرادوا تجربته شرط أحدهم جسده وسيل الدم ثم شممه هذا السم فإذا تراجع الدم علم أنه جيد ومسح الدم لئلا يرجع إلى جسمه فيقتله فإذا أصاب الإنسان قتل لوقته ولو مثل شرطة الحجام وليس له عمل في عير الجرح والدم وإن شرب منه لم يضر وبلدانهم كلها معادن وكلما تصاعدت كانت أجود ذهباً وأكثر وفيها معادن الفضة والنحاس والحديد والرصاص وحجر المغنطيس والمرقشيتا والحمست والزمرد وحجارة شطبا فإذا بلت الشطبة منها بزيت وقدت مثل الفتيلة وغير ذلك مما شغلهم طلب معادن الذهب عما سواه والبجة لا تتعرض لعمل شئ من هذه المعادن وفي أوديتهم شجر المقل والاهليلج والاذخر والشيح والسنا والحنظل وشجر البان وغير ذلك وبأقصى بلدهم النخل وشجر الكرم والرياحين وغير ذلك مما لم يزرعه أحد وبها سائر الوحوش من السباع والفيلة والنمور والفهود والقردة وعناق الأرض والزباد ودابة تشبه الغزال حسنة المنظر لها قرنان على لون الذهب قليلة البقاء اذا صيدت ومن الطيور الببغا والنقيط والنوبي والقماري ودجاج الحبش وحمام بازين وغير ذلك وليس منهم رجل إلا منزوع البيضة اليمنى وأما النساء فمقطوع أشفار فروجهن وانه يلتحم حي يشق عنه للمتزوج بمقدار ذكر الرجل ثم قل هذا الفعل عندهم وقيل أن السبب في ذلك أن ملكاً من الملوك حاربهم قديماً ثم صالحهم وشرط عليهم قطع ثدي من يولد لهم من النساء وقطع ذكور من يولد من الرجال أراد بذلك قطع النسل منهم فوفوا بالشرط وقبلوا المعنى في أن جعلوا قطع الثدي للرجال والفروج للنساء وفيهم جنس يقلعون ثناياهم ويقولون لا نتشبه بالحمير وفيهم جنس آخر في آخر بلاد البجة يقال لهم البازة نساء جميعهم يتسمون باسم واحد وكذلك الرجال فطرقهم في وقت رجل مسلم له جمال فدعا بعضهم بعضاً وقالوا هذا الله قد نزل من السماء وهو جالس تحت الشجرة فجعلوا ينظرون إليه من بُعد * وتعظم الحيات ببلدهم وتكثر أصنافها وريئت حية في غدير ماء قد أخرجت ذنبها والتفت على امرأة وردت فقتلتها فرؤي شحمها قد خرج من دبرها من شدة الضغطة وبها حية ليس لها رأس وطرفاها سوداء منقشة ليست بالكبيرة إذا مشى الإنسان على أثرها مات واذا قتلت وأمسك القاتل ما قتلها به من عود أو حربة في يده ولم يلقه من ساعته مات وقتلت حية منها بخشبة فانشقت الخشبة وإذا تأمل هذه الحية أحد وهى ميتة أو حية أصابه ضررها وفي البجة شر وتسرع إليه ولهم في الإسلام وقبله أذية على شرق صعيد مصر خربوا هناك قرى عديدة وكانت فراعنة مصر تغزوهم وتوادعهم أحياناً لحاجتهم إلى المعادن وكذلك الروم لما أن ملكوا مصر ولهم في المعادن آثار مشهورة وكان أصحابهم بها وقد فتحت مصر * قال عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم وتجمع لعبدالله بن سعد بن أبى سرح في انصرافه من النوبة على شاطئ النيل البجة فسأل عن شأنهم فاخبر أن ليس لهم ملك يرجعون إليه فهان عليه أمرهم وتركهم فلم يكن لهم عقد ولا صلح وكان أول من هادنهم عبيد الله بن الحجاب السلولي ويذكر انه وجد في كتاب ابن الحجاب لهم ثلاثمائة بكر في كل عام حين ينزلون الريف مجتازين تجاراً غير مقيمين على ألا يقتلوا مسلماً ولا ذمياً فان قتلوه فلا عهد لهم ولا يؤوا عبيد المسلمين وان يردوا آبقيهم إذا وقعوا إليهم ويقال أنهم كانوا يؤاخذون بهذا وبكل شاة أخذها البجاوي فعليه أربعة دنانير وللبقرة عشرة وكان وكيلهم مقيماً بالريف رهينة بيد المسلمين ثم كثر المسلمون في المعدن فخالطوهم وتزوجوا فيهم وأسلم كثير من الجنس المعروف بالحدارب إسلاماً ضعيفاً وهم شوكة القوم ووجوههم وهم مما يلي مصر من أول حدهم إلى العلاقي وعيذاب المعبر منه إلى جدة وما وراء ذلك ومنهم جنس آخر يعرفون بالزنافج هم أكثر عدداً من الحدارب غير أنهم تبع لهم وخفراؤهم يحمونهم ويحبونهم المواشي ولكل رئيس من الحدارب قوم من الزنافج في حملته فهم كالعبيد يتوارثونهم بعد أن كانت الزنافج قديماً أظهر عليهم ثم كثرت أذيتهم على المسلمين وكان ولاة أسوان من العراق فرفع إلى أمير المؤمنين المأمون خبرهم فأخرج إليهم عبدالله بن الجهم فكانت له معهم وقائع ثم وادعهم وكتب بينه وبين كنون رئيسهم الكبير الذى يكون بقريتهم هجر المقدم ذكرها كتاباً نسخته هذا كتاب كتبه عبدالله بن الجهم مولى أمير المؤمنين صاحب جيش الغزاة عامل الأمير أبي اسحق بن أمير المؤمنين الرشيد أبقاه الله في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة ومائتين لـ كنون بن عبدالعزيز عظيم البجة بـ أسوان أنك سألتني وطلبت إلىّ أن أؤمنك وأهل بلدك من البجة وأعقد لك ولهم أماناً عليّ وعلى جميع المسلمين فأجبتك إلى أن عقدت لك وعلى جميع المسلمين أماناً ما استقمت واستقاموا على ما أعطيتني وشرطت لي في كتابي هذا وذلك أن يكون سهل بلدك وجبلها من منتهى حد أسوان من أرض مصر إلى حد ما بين دهلك وباضع ملكاً للمأمون عبدالله بن هرون أمير المؤمنين أعزه الله تعالى وأنت وجميع أهل بلدك عبيد لأمير المؤمنين إلا أنك تكون في بلدك ملكاً على ما أنت عليه في البجة وعلى أن تؤدي إليه الخراج في كل عام على ما كان عليه سلف البجة وذلك مائة من الإبل أو ثلاثمائة دينار وازنة داخله في بيت المال والخيار في ذلك لأمير المؤمنين ولولاته وليس لك أن تحرم شيئاً عليك من الخراج وعلى أن كل أحد منكم إن ذكر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به أو قتل أحداً من المسلمين حراً أو عبداً فقد برئت منه الذمة ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة أمير المؤمنين أعزه الله وذمة جماعة المسلمين وحل دمه كما يحل دم أهل الحرب وذراريهم وعلى أن أحداً منكم إن أعان المحاربين على أهل الإسلام بمال أو دله على عورة من عورات المسلمين أو أثر لعزتهم فقد نقض ذمة عهده وحل دمه وعلى أن أحداً منكم إن قتل أحداً من المسلمين عمداً أو سهواً أو خطأ حراً أو عبداً أو أحداً من أهل ذمة المسلمين أو أصاب لأحد من المسلمين أو أهل ذمتهم مالا ببلد البجة أو ببلاد الإسلام أو ببلاد النوبة أو في شئ من البلدان براً أو بحراً فعليه في قتل المسلم عشر ديات وفي قتل العبد المسلم عشر قيم وفي قتل الذمي عشر ديات من دياتهم وفي كل مال أصبتموه للمسلمين وأهل الذمة عشرى أضعافه وان دخل أحد من المسلمين بلاد البجة تاجراً أو مقيماً أو مجتازاً أو حاجاً فهو آمن فيكم كأحدكم حتى يخرج من بلادكم ولا تؤوا أحداً من آبقي المسلمين فان أتاكم آت فعليكم أن تردوه إلى المسلمين وعلى أن تردوا أموال المسلمين إذا صارت في بلادكم بلا مؤنة تلزمهم في ذلك وعلى أنكم إن نزلتم ريف صعيد مصر لتجارة أو مجتازين لا تظهرون سلاحاً ولا تدخلون المدائن والقرى بحال ولا تمنعوا أحداً من المسلمين الدخول في بلادكم والتجارة فيها براً ولا بحراً ولا تخيفوا السبيل ولا تقطعوا الطريق على أحد من المسلمين ولا أهل الذمة ولا تسرقوا لمسلم ولا ذمي مالاً وعلى ألا تهدموا شيأ من المساجد التى ابتناها المسلمون بصيحة وهجر وسائر بلادكم طولاً وعرضاً فان فعلتم ذلك فلا عهد لكم ولا ذمة وعلى أن كنون بن عبد العزيز يقيم بريف صعيد مصر وكيلاً يفي للمسلمين بما شرط لهم من دفع الخراج ورد ما أصابه البجة للمسلمين من دم ومال وعلى أن أحداً من البجة لا يعترض حداً لقصر إلى قرية يقال لها قبان من بلد النوبة حدا لأعمدة عقد عبدالله بن الجهم مولى أمير المؤمنين لكنون بن عبد العزير كبير البجة الأمان على ما سمينا وشرطنا في كتابنا هذا وعلى أن يوافي به أمير المؤمنين فان زاغ كنون أو عاث فلا عهد له ولا ذمة وعلى كنون أن يدخل عمال أمير المؤمنين بلاد البجة لقبض صدقات من أسلم من البجة وعلى كنون الوفاء بما شرط لعبدالله بن الجهم واخذ بذلك عهد الله عليه بأعظم ما أخذ على خلقه من الوفاء والميثاق ولكنون بن عبد العزيز ولجميع البجة عهد الله وميثاقه وذمة أمير المؤمنين وذمة الأمير أبي اسحق بن أمير المؤمنين الرشيد وذمة عبدالله بن الجهم وذمة المسلمين بالوفاء بالوفاء بما أعطاه عبدالله بن الجهم ما وفي كنون بن عبد العزيز بجميع ما شرط عليه فان غير كنون أو بدل أحد من البجة فذمة الله جل اسمه وذمة أمير المؤمنين وذمة الأمير أبي اسحق بن أمير المؤمنين الرشيد وذمة عبدالله بن الجهم وذمة المسلمين بريئة منهم وترجم جميع ما في هذا الكتاب حرفاً حرفاً زكريا بن صالح المخزومي من سكان جدة وعبدالله بن اسمعيل القرشي ثم نسق جماعة من شهود اسوان فأقام البجة على ذلك برهة ثم عادوا إلى غزو الريف من صعيد مصر وكثر الضجيج منهم إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله فندب لحربهم محمد بن عبدالله القمي فسأل أن يختار من الرجال من أحب ولم يرغب إلى الكثرة لصعوبة المسالك فخرج إليهم من مصر في عدة قليلة ورجال منتخبة وسارت المراكب في البحر فاجتمع البجة لهم في عدد كثير عظيم قد ركبوا الإبل فهاب المسلمون ذلك فشغلهم بكتاب طويل كتبه في طومار ولفه بثوب فاجتمعوا لقرائته فحمل عليهم وفي أعناق الخيل الأجراس فنفرت الجمال بالبجة ولم تثبت لصلصلة الأجراس فركب المسلمون أقفيتهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وقتل كبيرهم فقام من بعده ابن أخيه وبعث يطلب الهدنة فصالحهم على أن يطأ بساط أمير المؤمنين فسار إلى بغداد وقدم على المتوكل بسر من رأى في سنة إحدى وأربعين ومائتين فصولح على أداء الأتاوة والبقط واشترط عليهم أن لا يمنعوا المسلمين من العمل في المعدن وأقام القمي بـ أسوان مدة وترك في خزائنها ما كان معه من السلاح وآلة الغزو فلم تزل الولاة تأخذ منه حتى لم يبقوا منه شيأ فلما كثر المسلمون في المعادن واختلطوا بالبجة قلّ شرهم وظهر التبر لكثرة طلابه وتسامع الناس به فوفدوا من البلدان وقدم عليهم عبد الرحمن بن عبدالله بن عبدالحميد العمري بعد محاربته النوبة في سنة خمس وخمسين ومائتين ومعه ربيعة وجهينة وغيرهم من العرب فكثرت بهم العمارة في البجة حتى صارت الرواحل التى تحمل الميرة إليهم من أسوان ستين ألف راحلة غير الجلاب التى تحمل من القلزم إلى عيذاب ومالت البجة إلى ربيعة وتزوجوا إليهم وقيل أن كهان البجة قبل إسلام من أسلم منهم ذكرت عن معبودهم الطاعة لـ ربيعة ولـ كنون معاً فهم على ذلك فلما قتل العمري واستولت ربيعة على الجزائر وآلاهم على ذلك البجة فأخرجت من خالفها من العرب وتصاهروا إلى رؤساء البجة وبذك كف شرهم من المسلمين والبجة الداخلة في صحراء بلد علوة مما يلي البحر المالح إلى أول الحبشة ورجالهم في الظعن والمواشي وإتباع الرعي والمعيشة والمراكب والسلاح كحال الحدارب الا أن الحدارب أشجع وأهدى من الداخلة على كفرهم من عبادة الشيطان والإقتداء بكهانهم ولكل بطن كاهن يضرب له قبة من أدم معبدهم فيها فإذا رأوا استخباره عما يحتاجون إليه تعرى ودخل إلى القبة مستدبراً ويخرج إليهم وبه أثر جنون وصرع يقول الشيطان يقرئكم السلام ويقول لكم ارحلوا عن هذه الحلة فان الرهط الفلاني يقع بكم وسألتم عن الغزو إلى بلد كذا فسيروا فانكم تظفرون وتغنمون كذا وكذا والجمال التى تأخذونها من موضع كذا هي لي والجارية الفلانية التى تجدونها في الخباء الفلاني والغنم التى من صفتها كذا ونحو هذا القول فيزعمون أنه يصدقهم في أكثر من ذلك فإذا غنموا أخرجوا من الغنيمة ما ذكر ودفعوه إلى الكاهن يتموله ويحرمون ألبلان نوقها على من لم يقبل فإذا أرادوا الرحيل حمل الكاهن هذه القبة على جمل مفرد فيزعمون أن ذلك الجمل لا يثور إلا بجهد وكذلك سيره ويتصبب عرقاً والخيمة فارغة لا شئ فيها وقد بقي في الحدارب جماعة على هذا المذهب ومنهم من يتمسك بذلك مع إسلامه * قال مؤرخ النوبة ومنه لخصت ما تقدم ذكره وقد قرأت في خطبة الأجناس لأمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر البجة والكجة ويقول عنهم شديد كلبهم قليل سلبهم فالبجة كذلك وأما الكجة فلا أعرفهم انتهى ما ذكره عبدالله بن أحمد مؤرخ النوبة * وقال أبو الحسن المسعودي فأما البجة فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر وتشعبوا فرقاً وملكوا عليهم ملكاً وفي أرضهم معادن الذهب وهو التبر ومعادن الزمرد وتتصل سراياهم ومناسرهم على النجب إلى بلاد النوبة فيغزون ويسبون وقد كانت النوبة قبل ذلك أشد من البجة إلى أن قوى الإسلام وظهر وسكن جماعة من المسلمين معدن الذهب وبلاد العلاقي وعيذاب وسكن في تلك الديار خلق من العرب من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فاشتدت شوكتهم وتزوجوا من البجة فقويت البجة ثم صاهرها قوم من ربيعة فقويت ربيعة بالبجة على من ناواها وجاورها من قحطان وغيرهم ممن سكن تلك الديار وصاحب المعدن في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة بشر بن مروان بن اسحق بن ربيعة يركب في ثلاثة آلاف ألف من ربيعة وأحلافها من مصر واليمن وثلاثين ألف حراب على النجب من البجة في الحجف التحاوية وهم الحدارب وهم مسلمون من بين سائر البجة والداخلة من البجة ككفار يعبدون صنماً لهم والبجة المالكة لمعدن الزمرد يتصل ديارها بالعلاقي وهو معدن الذهب وبين العلاقي والنيل خمس عشرة مرحلة وأقرب العمارة إليه مدينة أسوان وجزيرة سواكن أقل من ميل في ميل وبينها وبين البحر الحبشي بحر قصير يخاض وأهلها طائفة من البجة تسمى الخاسة وهم مسلمون ولهم بها ملك * وقال الهمداني نكح كنعان بن حام أرتيب بنت شاويل بن ترس بن يافث ولدت له حقا والأساود ونوبة وقران والزنج والزغاوة وأجناس السودان وقيل البجة من ولد حام بن نوح وقيل من ولد كوش بن كنعان بن حام وقيل البجة قبيلة من الحبش أصحاب أخبية من شعر وألوانهم أشد سواداً من الحبشة يتزيون بزي العرب وليس لهم مدن ولا قرى ولا مزارع ومعيشتهم مما ينقل إليهم من أرض الحبشة وأرض مصر والنوبة وكانت البجة تعبد الأصنام ثم أسلموا في إمارة عبدالله بن سعد بن أبي سرح وفيهم كرم وسماحة وهم قبائل وأفخاذ لكل فخذ رئيس وهم أهل نجعة وطعامهم اللحم واللبن فقط.

 

 

النظام السياسي للنوير في جنوب السودان

إيفانز برتشارد

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

مقدمة المترجم

الآن وقد أثبتت سنوات الإنقاذ عقم الممارسة "الثورية السياسوإسلاموية" التى وضعت خطة عمل لهندسة اجتماعية على نطاق واسع أفضت إلى تأسيس حكم استبدادي ثيوقراطي هو الثاني من نوعه في السودان. إن المحاولة الإنقاذية لإعادة تشكيل المجتمع السوداني مثلت مشروعاً ضخماً سبب إزعاجاً شديداً للكثيرين من المفكرين السياسيين السودانيين مما دفع بأهل الإنقاذ السياسوإسلامويين الطوباويين إلى أن يصموا آذانهم على مدى سنوات عن العديد من الشكاوى، وأن يقمعوا بشدة كل رأى معارض غير معقول كان أم معقول مستمسكين بقول فلاديمير إيلتش لينين "لا يمكنك أن تصنع عجة بدون أن تكسر بيضاً".

بعد أن بذلوا ما في جعلتهم من طاقات لتكسير كل البيض تكشفت لهم حقيقة أنهم مهما كسروا من بيض فإن الدجاج يبيض بخصوبة عالية. أدركوا فشل مشروعهم الطوباوي الأحادي فولوا يتحدثون عن "التنوع" و"التعدد" الاثني والثقافي والديني، وسمحوا لأجهزة إعلامهم الابتعاد عن "ساحات الفداء" توجهاً إعلامياً أوحدا ببث برامج ذات مغزى ونعنى هي الأكثر إخصاباً لمشروع الأمة السودانية. لكنهم في الحين نفسه يسعون إلى إفراغ شعارات التنوع والتعدد بتحويلها إلى شعارات محكومة بما يسمونه "ثوابت الإنقاذ"، ومن ثم يجوز القول بأن تبنيهم لمبدأ "التنوع والتعدد" لا يبدو أكثر من مجرد تكتيك سياسي قصير الأجل.

التنوع والتعدد الاثني والثقافي والديني جسده اليسار السوداني منذ بروزه على الساحة السودانية في نهاية الأربعينيات وطوره ليتبلور في مقولة "الوحدة في التنوع". وقد رفض التيار الإسلاموي منذ ظهوره على مسرح الحياة السياسية السودانية الاعتراف بحقيقة التنوع والتعدد بدعوته إلى فرض هيمنة "ثقافة مركزية" تنفي الآخر. لكن شاءت الإنقاذ أم أبت، فإن مسار التاريخ لا بدَّ وأن يفضى إلى سيادة قيم العقلانية وانتصار "الروح الإنسانية" التى تقيم الفرد لا بدينه أو لونه ولا بانتمائه العرقي أو هويته الثقافية وإنما بإسهامه في جعل السودان مجتمعاً مكتفياً، مانحاً لكافة مواطنيه السعرات الحرارية الضرورية، كافلاً استمرارية التثاقف بين كافة أعراقه أمة واحد إثراءً للتراث الإنساني.

بعد أن أفضى المشروع السياسوإسلاموي الطوباوي إلى المآسي التى تعيشها الأمة السودانية جراء حرب أهلية تمثل بلورة لكامل المشروع، ومن فقر مدقع يحيق بالمواطن، ومن فقدان كامل للسيادة الوطنية على جزء من السودان باتفاقية رسمية مع يوغندا، ومن اعتراف غير معلن بانسلاخ حلايب عن جسم السودان، ومن انعدام للاستقرار الأمني في الغرب الأقصى، ومن...ومن...أفلا يحق لدعاة السودانوية المؤمنين "بالوحدة في التنوع" التغني بالعودة إلى الخرطوم "المركز" مع محجوب شريف:

غنى يا خرطوم وغنى

شدي أوتار المغنى

ضوى من جبهة شهيدك

أمسياتك واطمئني

ونحن يا ست الحبايب

من ثمارك

في دروب الليل نهارك

وقبل ما يطول انتظارك

نحن جينا

وديل أنحنا القالوا فتنا

وقالوا للناس انتهينا

جينا زى ما كنا حضنك يحتوينا

ظل دعاة السودانوية في السودان عمومه دوماً ينطلقون من مفهوم "التثاقف" رافضين جملة وتفصيلاً أطروحات التيار السياسوإسلاموي وغيره من التيارات التفكيكية في الشمال الداعين إلى فرض هيمنة عنصر أوحد من مجمل عناصر المركب الثقافي والديني المكون للأمة السودانية. وفي الآن نفسه ظل دعاة السودانوية رافضين للتيار الانفصالي في الجنوب. وبما أن مفهوم "التثاقف" يستبعد جملة وتفصيلا مبدأ غالبية سائدة بمواجهة أقليات طالما أن إقرار مثل هذا المبدأ يفضى بالضرورة إلى تفكيك السودان وعرقلة بناء مشروع الأمة السودانية الواحدة، فإنه لا بدَّ من بلورة الظواهر التى نشأت وتنشأ عن الاحتكاك المباشر والمتواصل بين عناصر الكل المركب للثقافات السودانية والجماعات الحاملة لتلك الثقافات. من ثم يجئ الجهد في ترجمة هذا البحث الذى، كتبه إيفانز برتشارد في عام ... عن النسق السياسي، للنوير ليصب في خانة الجهد المبذول من قبل العديد من الكتاب والفنانين والمفكرين  والسياسيين الساعين إلى بلورة وتأطير مفهوم "التثاقف" أداة للعمل من أجل هزيمة المشروع السياسوإسلاموي الطوباوي ومن أجل طرح مشروع بديل يدعو لانفتاح كافة الثقافات السودانية دونما انغلاق وبلا انسداد فكرى في دائرة ما يسمى "بالثقافة المركزية". علينا أن نستوعب بعضنا البعض وأن نغوص جميعنا كل منا في أعماق ذهنية الآخر عن طريق معرفة مكونات الآخر الثقافية وإدراكها بدلاً عن التقوقع في زنزانة النظرة الشوفينية المنغلقة التى تتوهم في أن تجعل عنصراً بعينه من عناصر المركب الثقافي السوداني المتنوع مركزاً للكون الذى يتوجب على الآخر، الهامشي، أن يعرفه ويدركه!!

 

نص إيفانز برتشارد

 

أكتب باختصار عن النوير لأنني سبق أن سجلت جزءاً معتبراً من ملاحظاتي عن دستورهم السياسي وكل ذلك على وشك أن يصدر كتاباً. الملاحظات تلك، على كلٍ، تم تضمينها هذا المجلد (الأنظمة السياسية الأفريقية) بسبب أنَّ دستور النوير يقدم نموذجاً لشرق أفريقيا ولأنه يطلعنا على نمط سياسي خاص للغاية.

 

التوزيع

للكشف عن حالة فقدان الحكومة لديهم يجب علينا بداية أن نلقى نظرة موجزة لإيكولوجية الناس: سبل كسب معاشهم، توزيعهم، وعلاقة هاتين بمحيطهم. يمارس النوير تربية الأبقار والزراعة. ويقومون أيضاً بصيد الأسماك، واصطياد الحيوانات، ويجمعون الفواكه والجذور البرية. إلا أن الأبقار، خلافاً لموارد طعامهم الأخرى، تقتنى أكثر من مجرد أهمية غذائية، إنها بلا شك ذات قيمة أعلى في نظرهم من أي شئ آخر. من ثم، رغم أنهم يمتلكون اقتصادا مختلطاً، فإن النوير عاطفياً هم رعاة في الأساس.

 

أرض النوير أكثر ملاءمة لتربية المواشي منها للزراعة: إنها مسطحة، طينية، منطقة سافانا، جافة وجرداء أثناء موسم الجفاف ومغمورة ومغطاة بالحشائش الطويلة أثناء موسم الأمطار. تسقط الأمطار الغزيرة وتفيض الأنهار على ضفافها بدءاً من يونيو حتى ديسمبر. ومن ديسمبر حتى يونيو تشح الأمطار وينخفض منسوب الأنهار. تتألف السنة بالتالي من فصلين لهما امتداد زمني متساوٍ. هذه الثنائية الفصلية، مع الاهتمامات الرعوية، تؤثر بعيداً على العلاقات السياسية.

 

خلال فصل الأمطار يعيش النوير في قرى مرتفعة على ظهر هضاب صغيرة مدورة و تلال أو منقطة على امتدادات أرض غير شديدة الانحدار، وينشغلون بزراعة الدخن والذرة. الأرض التى تعترض بين قرية وأخرى، تكون مغمورة لستة أشهر، ومن ثم فهي ليست صالحة للإقامة ولا للزراعة ولا للرعي. أية مسافة من خمسة إلى عشرين ميلاً يمكن أن تفصل بين القرى المتجاورة، بينما تفصل المسافات الأكبر أقساماً من القبيلة الواحدة وتفصل قبيلة عن قبيلة.

 

في نهاية موسم الأمطار، يحرق الناس الحشائش لتوفير مرعى جديد ويغادرون قراهم للإقامة في معسكرات صغيرة. عندما يصبح الجفاف شديداً، تتركز مساكن تلك المعسكرات الوسطية حول مصادر المياه الدائمة. ورغم أن تلك التحركات تتم أساساً من أجل الأبقار، فإنها تمكن النوير أيضاً من صيد الأسماك، وهو ما يكاد يستحيل من مواقع القرى، وأن، ولو بدرجة أقل، يمارسوا اصطياد الحيوانات وجمع الفواكه والجذور البرية. وعندما تهطل الأمطار مجدداً، يعودون إلى قراهم، إذ تتوفر حماية للأبقار وتسمح الأرض المرتفعة بممارسة الزراعة.

 

توزيع النوير تحتمه الظروف الطبيعية ونمط الحياة الذى وضعنا خطوطه العامة. خلال موسم الأمطار، تنفصل القرى، لكنها لا تكون منعزلة بحال من الأحوال، من جيرتها بامتدادات مغمورة من الحشائش، وبالتالي تؤلف الجماعات المحلية وحدات مختلفة للغاية. خلال موسم الجفاف، يتمركز الناس من قرى مختلفة في المنطقة نفسها حول مصادر المياه الدائمة ويقتسمون معسكرات مشتركة. من جانب ثانٍ، قد تذهب عائلات قرية إلى معسكر وعائلات إلى معسكر آخر، رغم أن الغالبية تؤلف جماعة محلية على امتداد السنة.

 

نادراً ما يتوفر للنوير فائض طعام في بداية موسم الأمطار وعادة ما يكون غير كافٍ لسد احتياجاتهم. بالطبع، يمكن القول بأنهم عادة على حافة العوز وأنهم يواجهون المجاعة الحادة من حين لآخر بعد مرور بضع سنوات قليلة. في تلك الظروف، يكون مفهوماً وجود قدر عالٍ من المشاركة في الطعام في القرية نفسها، بخاصة وسط أعضاء المساكن والقرى المتجاورة. رغم أنه في أي وقت قد يكون لبعض الأعضاء أبقار ومحاصيل أكثر من آخرين، وتلك ممتلكاتهم الخاصة، فإن الناس يأكلون في مساكن بعضهم البعض في الاحتفالات وفي الوجبات اليومية، ويتم اقتسام الطعام بصورة أو بأخرى، إلى الدرجة التى يمكن للمرء فيها الحديث عن وجود مخزون مشترك. يكون الطعام متوفراً بكثرة من نهاية سبتمبر حتى منتصف ديسمبر في السنة العادية، وأنه خلال تلك الأشهر يتم إقامة الاحتفالات والرقصات وما إلى ذلك.

 

يمتلك النوير تقنية غير معقدة. تفتقد بلادهم الحديد والحجر كما أن أعداد الأشجار وتنوعاتها محدودة، وهى غير ملائمة لأغراض أخرى غير المباني. هذا الشح في المواد الخام، جنباً إلى جنب مع الإمداد المحدود بالطعام، يقوى الصلات الاجتماعية، ويقرب أهل القرية أو المعسكر أكثر، بمعنى أخلاقي، طالما أنهم كنتيجة شديدو الاعتماد المتبادل و يكون نشاط الرعي واصطياد الحيوانات وصيد الأسماك، وبدرجة أقل النشاطات الزراعية، بالضرورة عملاً جماعياً. يتجلى ذلك بوضوح تام في فصل الجفاف، عندما ترعى أبقار العديد من العائلات وهى مقيدة في زريبة مشتركة وتقاد قطيعاً واحداً إلى أرض المرعى.

 

بالتالي، فإنه بمعنى ضيق تمثل العائلة المنزلية الوحدة الاقتصادية، وتشكل الجماعات المحلية الأكبر، مباشرة أو غير مباشرة، مجموعات تعاونية مندمجة للحفاظ على الوجود، وتشاركيات تمتلك مصادر طبيعية وتشترك في استغلالها. تكون الوظائف التعاونية أكثر مباشرة وبروزاً في المجموعات المحلية الصغيرة أكثر منها في المجموعات الأكبر، لكن الوظيفة الجماعية للحصول على الاحتياجات الضرورية للحياة من المصادر ذاتها تكون إلى درجة ما مشتركة لكافة الجماعات المحلية من العائلة المنزلية حتى القبيلة.

 

تتألف تلك الجماعات المحلية من العائلة أُحادية الزواج المرتبطة بكوخ مفرد، تحتل العائلة مسكناً واحداً، القرية الصغيرة، والقرية، والمعسكر، والمنطقة، والأقسام القبلية ذات الأحجام المختلفة، والقبيلة، والناس، والمجتمع الدولي تلك تمثل حدود الأفق الاجتماعي للنوير. تعد العائلة، والعائلة المنزلية، والقرية الصغيرة جماعات منزلية أكثر منها سياسية، ولا نناقشها بمزيد من التفصيل.

 

يتحتم توزيع تلك الجماعات المحلية إلى حد بعيد بالظروف الطبيعية، بخاصة بوجود الأرض التى تبقى أكثر ارتفاعا من منسوب الفيضان خلال موسم الأمطار، ومن المياه الدائمة التى تعاند الجفاف. في كل قرية، يتحدد عدد السكان وترتيب المساكن بطبيعة الموقع. عندما ترتفع المساكن فوق تل منعزل تكون متزاحمة بعضها بالآخر؛ وعندما تصطف على امتداد قمة جبل أو تل، تكون أكثر تباعداً بعضها عن الآخر؛ وعندما تنتشر على امتداد متسع من الأرض المرتفعة، يمكن أن تفصل بين القرية الصغيرة والأخرى عدة مئات من الياردات. في العديد من القرى الكبيرة، تتجمع المساكن في مجموعات، أو قرى صغيرة، يكون سكانها في العادة أقارب أقربين وزوجاتهم. ليس ممكناً سوى إعطاء إشارة تقريبية لعدد سكان قرية، لكن يمكن القول أنه يتراوح من 50 إلى عدة مئات نسمة.

 

كما بينا، تنفصل القرى عن بعضها بعدة أميال من السافانا. مجموعة قرى واقعة في محيط يسمح بنشوء اتصالات مباشرة نطلق عليها "منطقة أو مركز district". ليست هذه مجموعة سياسية، ذلك أنه يمكن تعريفها فقط في علاقتها بكل قرية، طالما أن نفس القرى يمكن تضمينها في أكثر من منطقة واحدة؛ ولا نعد جماعة محلية مجموعة سياسية إلا إذا تحدث الناس عن أنفسهم بوصفهم جماعة بمواجهة جماعات أخرى من النوع نفسه وعدوا كذلك من قبل الآخرين. برغم ذلك تنحو المنطقة للتطابق مع فرع من الدرجة الثالثة لقبيلة وشبكة الارتباطات الاجتماعية هي التى تعطى الفرع الكثير من تماسكه. الناس من المنطقة نفسها عادة ما يقتسمون معسكرات مشتركة في موسم الجفاف ويحضرون احتفالات الزواج والمناسبات الأخرى بينهم. يتزاوجون فيما بينهم ومن ثم ينشئون فيما بينهم علاقات مصاهرة ونسب والتي تتمحور حول نواة أبوية النسب، كما سنرى لاحقاً.

 

تتجمع القرى، الوحدات السياسية لأرض النوير، في أقسام أو فروع قبلية. هناك بعض القبائل الصغيرة جداً إلى الغرب من النيل والتي تؤلف قرى متجاورة فقط. في القبائل الأكبر إلى الغرب من النيل وفي  قبائل شرق النيل كلها، نجد أن الإقليم القبلي ينقسم إلى عدد من المناطق التى تفصل بينها أراضى غير مأهولة، والتي تعترض بين أقرب مواقع إقامة لقبائل متماسة أيضاً.

 

بما أن النوير بأجمعهم يغادرون قراهم إلى معسكر بالقرب من الماء، فإن لهم توزيع ثانٍ في موسم الجفاف. عندما يعسكرون على ضفاف نهر، فإن تلك المعسكرات في حالات يلي بعضها الآخر بعد كل عدة أميال، لكنهم عندما يعسكرون حول أحواض داخلية، فإن مسافة عشرين إلى ثلاثين ميلاً تفصل بين معسكر والذي يليه. المبدأ الإقليمي لبنية النوير السياسية يتم تعديله بفعل الهجرات الموسمية. الناس الذين يؤلفون جماعات قروية منفصلة في فصل الأمطار يمكن أن يتحدوا في معسكر مشترك خلال موسم الجفاف. بالمثل، الناس الذين هم من القرية نفسها يمكن أن ينضموا إلى معسكرات مختلفة. أيضاً، عادة ما يكون ضرورة، في القبائل الأكبر، لأعضاء قرية اجتياز أراضى واسعة في البلاد، مأهولة بجماعات قروية أخرى، وصولاً إلى الماء، ويمكن أن يقع معسكرهم قريباً من قرى أخرى. لتجنب الفقدان الكلى لقطعانهم بفعل طاعون الماشية أو بسبب كارثة أخرى، فإن النوير يقومون بتوزيع القطعان في معسكرات متعددة.

 

في غربي بلاد النوير، حيث القبائل عموماً أصغر من قبائل شرق النيل، هناك دوماً وفرة في المياه والمرعى، ومن الممكن، من ثم، للجماعات القروية في موسم الأمطار أن تحافظ على عزلة نسبية في موسم الجفاف. لكن حيث، كما هو الحال في قبيلة لوو- على سبيل المثال، تفرض ندرة المياه والمرعى المزيد من التحرك الفاعل وتركيز أكبر، فإن الناس الموزعين على مساحات متسعة يمكن أن يؤسسوا اتصالا اجتماعيا أكثر بين بعضهم البعض مما هو عليه الوضع في أرض النوير الغربية. تنكسر عزلة الجماعات المحلية واستقلالها بفعل الضرورة الاقتصادية مما يؤدى بالتالي إلى ازدياد حجم المجموعة السياسية. هذه الحقيقة لا بدَّ من النظر إليها في علاقتها بحقيقة أخرى وهى أنه إلى الشرق من النيل تسمح امتدادات واسعة من الأرض المستوية تمركز محلى أكبر في الأمطار منه في الضفة الغربية للنيل. فضلاً عن التمركز الفصلي يوفر تفسيراً، رغم عدم اكتماله تماماً، لموضع الحدود القبلية، طالما أن المحتم لها ليس هو توزيع القرى فحسب، بل أيضاً الاتجاه الذى ينقلب إليه الناس في ترحالهم إلى مراعى موسم الجفاف. بالتالي فإن قبائل وادي الزراف يتراجعون إلى نهر الزراف ومن ثم لا يقتسمون المعسكرات مع قبيلة لوو، ويقيم ذلك الجزء من قبيلة لوو الذى يرتحل إلى الشرق والشمال الشرقي معسكراتهم على نهر نياندينج وفي أعالي البيبور ولا يقتسمون مياههم ومرعاهم مع قبائل جيكانى، الذين يرتحلون إلى أعالي نهر السوباط وأسفل البيبور. أكثر من ذلك، فإن بعض قبائل النوير الكبرى قادرة على المحافظة على درجة من وحدة القبيلة بدون أجهزة حكومية وهو ما يمكن أن يرجع إلى الهجرة الموسمية، طالما أنه، كما أسلفنا القول، يفرض على الأقسام المحلية المختلفة بفعل قسوة المنطقة إلى الدخول في صلة متبادلة وإلى تطوير بعض سلوكيات الصبر وإلى الاعتراف بالمصالح المشتركة.

 

بالمثل، فرع قبلي هو تفلق متميز، ليس فقط لكون قراه تحتل جزءاً جيد التحديد من منطقة القبيلة، بل كذلك من حيث أنه يمتلك مراعيه الفريدة في موسم الجفاف. الناس من فرع واحد يتحركون في اتجاه واحد والناس من فرع مجاور يتحركون في اتجاه مخالف. تمركزات فصل الجفاف أبداً لا تكون على أسس قبلية، لكنها لفروع من القبيلة، ولا تكون كثافة السكان عالية في أي منطقة أو أية مرحلة.

 

مجمل سكان النوير حوالي 300.000 نسمة. لا أدرى المساحة الكلية بالأميال لبلادهم، لكن إلى الشرق من النيل، حيث يوجد بالتقريب 180.000 من النوير، يقال أنهم يقطنون 26.000 ميل مربع، مع كثافة سكانية متدنية تبلغ سبع في كل ميل مربع. وليست الكثافة السكانية بأحسن حالاً إلى الغرب من النيل. لا توجد في أي مكان من بلاد النوير درجة عالية من التمركز المحلى.

 

رغم أن تحرك موسم الجفاف ينتج المزيد من العلاقات المتبادلة بين أفراد الفروع القبلية المختلفة أكثر مما يلاحظ في موسم الأمطار فإن التوزيع قد يقودنا لأن نتوقع أن تكون تلك العلاقات فردية في الأساس أو، عندما تتعلق بمجموعات، فإنها تكون في إطار جماعات محلية صغيرة، وليس الفروع القبلية الأكبر، تصل إلى حالة ترابط. يمكن أن يكون هذا، احتمالا، أحد الأسباب المؤدية إلى انعدام التعقيد البنيوي وإلى التنوع الكبير في أشكال العلاقات الاجتماعية وسط النوير. خارج المجموعات القرابية الصغيرة وجماعات القرى والمعسكرات، لا وجود لمركبات للتعاون الاقتصادي وليس هناك ارتباطات طقوسية منظمة. باستثناء المغامرات العسكرية الموسمية، فإن الحياة المشتركية النشطة محصورة في تفلقات قبلية صغيرة.

 

النظام القبلي

ما هي قبيلة النوير؟ أكثر سمة بادية بوضوح هي وحدة منطقتها وانغلاقها، ويلاحظ ذلك بصورة أكثر وضوحاً في فترة ما قبل الاستعمار مما هو عليه الأمر اليوم. يتفاوت عدد سكان القبيلة من بضع مئات وسط بعض القبائل الصغيرة إلى الغرب من النيل- إذا ما عدت تلك بالفعل قبائل، إذ أن القليل جداً من البحث قد أجرى في تلك المنطقة- ليبلغ عدة آلاف. يبلغ سكان معظم القبائل ما يزيد عن 5.000 نسمة والأعداد الأكبر 30.000 و 45.000 نسمة. كل قبيلة مكتفية ذاتياً من الناحيَّة الاقتصادية، لها مراعيها الخاصة، وإمدادات مياهها، وأحواض صيدها، والتي يجوز لأعضائها فقط الحق في استغلالها. وللقبيلة اسمها الذى يرمز إلى تفردها. لدى أفراد القبيلة إحساس بالوطنية: يفتخرون بانتمائهم لعضوية القبيلة ويعدونها أعلى من القبائل الأخرى. وسط كل قبيلة توجد عشيرة سائدة توفر إطاراً للقرابة يقوم على أساسه المركب السياسي. وتنظم كل قبيلة أيضاً بصورة مستقلة نظام التراتب العمري الخاص بها.

 

لا تختلف القبيلة عن أقسامها في أي من تلك الصفات المذكورة. التعريف غير المعقد يقول بأن القبيلة هي الجماعة الأكبر التى لا بدَّ وأن تحل الخلافات بين أعضائها  بالتحكيم وأن عليها أن تتحد بمواجهة الجماعات الأخرى من النوع نفسه وضد الأجانب. في الحالتين الأخيرتين لا وجود لمجموعة سياسية أكبر من القبيلة وكل المجموعات السياسية الأصغر هي أقسام منها.

 

هناك قانون داخل القبيلة؛ هناك آلية لفض النزاعات والتزام أخلاقي لاحتوائها عاجلاً أم آجلاً. إذا قتل الشخص زميلاً له في القبيلة، يمكن منع أو حجب الضغينة بدفع أبقار. بين القبيلة والقبيلة ليست هناك وسائل للجمع بين الأطراف في النزاع ولا يقدم التعويض كما انه غير مطلوب. بالتالي إذا قتل فرد من قبيلة فرداً من قبيلة أخرى، فإن العقوبة يمكن أن تتخذ فقط شكل حرب قبلية. يجب ألا نفترض أنَّ العداءات داخل القبيلة يمكن حلها بيسر. هناك سيطرة معتبرة على الثارات داخل القرية، لكن كلما كبر حجم الجماعة المحلية كلما أصبحت التسوية أكثر صعوبة. عندما يدخل قسمان كبيران من القبيلة في عداوة، فإن فرص التحكيم الفوري والتسوية تكون نائية. تختلف قوة القانون باختلاف المسافة في البنية القبلية التى تفصل الأشخاص المعنيين. مع ذلك، طالما أن الإحساس بالجماعة يظل باقياً والعرف القانوني معترف به رسمياً داخل القبيلة، غض النظر عن التقلبات والتناقضات التى قد تظهر في العلاقات الفعلية بين أفراد القبيلة، فإنهم يظلون يعدون أنفسهم مجموعةً متحدة. من ثم إما أن يتم الإحساس بالعداوات وتسويتها، بالتالي الاحتفاظ بوحدة القبيلة، أو أنَّ العداوات تظل غير محسومة بحيث يفقد الناس الأمل والتطلع إلى التسوية وأخيراً يتوقفون عن الإحساس بأن عليهم تسويتها، بحيث تنحى القبيلة إلى التفلق لتظهر قبيلتان جديدتان.

 

كذلك علينا ألا نفترض أن الحدود السياسية للقبيلة هي حدود العلاقة الاجتماعية. يتحرك الناس بحريَّة في كل أرض النوير ولا يتحرش بهم إذ لم يرتكبوا جريمة دموية. يتزوجون، وبدرجة أقل، يتاجرون عبر الحدود القبلية، ويقومون بزيارة أقاربهم المقيمين خارج قبيلتهم نفسها. الكثير من العلاقات الاجتماعية، التى ليست هي بالتحديد سياسية، تربط أعضاء قبائل مختلفة. على المرء أن يذكر فقط أن  العشائر نفسها توجد في قبائل مختلفة وأنه في كل مكان يتم تنسيق الفئات العمرية. كل نويري له حق ترك قبيلته والاستقرار في قبيلة جديدة، والتي يصبح من ثم عضواً فيها. في أزمان السلم يحق حتى للغرباء من الدينكا زيارة أرض النوير دون أن يتعرضوا لأذى. إضافة علينا أن ندرك أن مجمل شعب النوير يمثل جماعة واحدة، غير منقسمة إقليمياً، في إطار ثقافة مشتركة وشعور بالخصوصية والتميز. لغتهم المشتركة وقيمهم تسمح بالاتصال فيما بينهم. بالطبع، قد نتحدث عن النوير أمة، لكن فقط في محتوى ثقافي، ذلك أنه لا يوجد تنظيم سياسي مشترك ولا إدارة مركزية.

 

إلى جانب كونهم المجموعة الأكبر التى يعترف فيها بالالتزامات القانونية، فإن القبيلة هي أيضاً المجموعة الأكبر التى عادة ما تتحد في حالة شن هجوم أو في حالة الدفاع. يقوم شبان القبيلة، حتى وقت قريب، بحملات غزو جماعية ضد الدينكا ويشنون الحرب ضد قبائل النوير الأخرى. كانت الغزوات ضد الدينكا متكررة الحدوث؛ في حين كانت الحروب بين قبائل النوير فيما بينها أقل حدوثاً. نظرياً، إذا كان قسمان من قبيلتين مختلفتين في حالة عداء، فيمكن أن يعتمد كل قسم على دعم أقسام أخرى من القبيلة نفسها، لكن عملياً فإن الأقسام الأخرى لا تشترك. تتلاحم القبائل المتجاورة في حالات ضد الأجانب، بخاصة ضد الدينكا، رغم عدم وجود التزام أخلاقي لفعل ذلك، ويكون الإتحاد قصير الأجل، وينفذ الحلفاء مهامهم بصورة مستقلة، حتى في حالة التعاون.

 

في الوقت الراهن، يتاخم النوير من الغرب والجنوب الدينكا، الذين يبدو أن لهم النوع نفسه من النظام السياسي الخاص بهم، أي أنهم يؤلفون مجموعات قبائل بدون حكومة مركزيَّة. منذ أقدم الأزمان كان النوير في حالة احتراب مع الدينكا وكانوا دوماً هم المهاجمون. نعرف أنه في النصف الأول من القرن الماضي (القرن التاسع عشر- أسامة) تدفقت موجات من النوير من موطنها إلى الضفة الغربية للنيل مجتاحة أرض الدينكا إلى الشرق من ذلك النهر وأنهم احتلوا وامتصوا السكان في معظم ما هو الآن أرض النوير الشرقية (ميز النوير بين ناث سيينج " الوطن الأم"، أو أرض النوير الغربية، وناث دوار، "المهجر"، أو أرض النوير الشرقية). الاحتراب بين الشعبين استمر حتى يومنا هذا لكن لا يبدو أن هناك تغييراً كبيراً في المنطقة خلال الخمسين سنة الماضية، هذا إذا ما وثقنا في خرائط الرحالة المبكرين. إذا كان لنا أن نعرف لماذا تؤلف القبائل الشرقية مجموعات أكبر عدداً ومساحة مقارنة بالقبائل الغربية، فإن الهجرات باتجاه الشرق تمثل حقيقة لا بدَّ من أخذها في الحسبان مع تلك الهجرات الموثقة في أوقات أسبق، ذلك أنه يجوز افتراض أن الصراع من أجل الاحتلال والاستقرار، وامتصاص الدينكا بصورة غير مشهودة، كان لها تأثيرها على الحشود المهاجرة.

 

إلى الشمال، فإن النوير يحتكون بدرجات متفاوتة بالعرب، وبقبائل جبال النوبا، وبمملكة الشلك القوية، وببعض الجماعات الصغيرة في دار فونج (البورون والكوما)؛  في حين يتاخم النوير من الشرق والجنوب الشرقي الجالا في إثيوبيا، والأنواك، والبيير. متى ما دخل النوير في علاقات مع تلك الشعوب فقد كانت عدائية الطابع.

 

تطفّل عرب شمال السودان من قانصي الرقيق هنا وهناك في الأجزاء الممكن الوصول إليها من أرض النوير في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، لكنهم لم ينجحوا في أي مكان في أن تكون لهم اليد العليا أو، بالطبع، أن يتركوا تأثيراً ملحوظاً على النوير، الذين عارضوهم بشدة وقاوموا لاحقاً الحكومة المصرية، التى لم تقم بعمليات جادة ضدهم. كذلك بالمثل تعامل النوير مع الحكم البريطاني بعدم احترام حتى تم كسر معارضتهم وإخضاعهم تحت إدارة صارمة بفعل عمليات عسكرية طويلة بين 1928 و 1930. باستثناء هذه الحلقة في تاريخهم، يمكن القول بأن النوير قد وصلوا في علاقاتهم الخارجية حالة توازن وحالة عداء متبادل يتم التعبير عنها من وقت لآخر في الاحتراب.

 

تنقسم القبيلة إلى شرائح إقليمية تعد نفسها جماعات منفصلة. نشير إلى تقسيمات القبيلة الأولية والثانوية والثالثة بمصطلح شرائح. الأقسام الأولية هي شرائح من قبيلة، والأقسام الثانوية هي شرائح من قسم أولى، والثالثة هي شرائح من قسم ثانوي. تنقسم الثالثة إلى قرى وتنقسم القرى إلى مجموعات منزليَّة. عضو قسم ثالث ²Z من قبيلة B يعد نفسه عضواً في جماعة Z² بالنسبة لـ Z¹، لكنه يعد نفسه عضواً في Y² وليس Z² بالنسبة لـY¹. بالمثل، يعد نفسه عضواً في Y، وليس Y²، بالنسبة لـ X. يعد نفسه عضواً في قبيلة B، وليس عضواً في قسمها الأولى Y، بالنسبة لقبيلة A. بالتالي، في مخطط بنيوي، هناك دائماً تناقض في تعريف مجموعة سياسيَّة، ذلك أن الفرد هو عضو فيها بفضل عدم عضويته في مجموعات أخرى من النوع نفسه الذى يقف خارجه، وهو بالمثل ليس عضواً في الجماعة نفسها بفضل عضويته في شريحة منها تقف في تضاد مع شرائحها الأخرى. بالتالي يعد الفرد عضواً في مجموعة سياسية في حالة واحدة وليس عضواً فيها في حالة مختلفة، على سبيل المثال فهو عضو في قبيلة بالنسبة لقبائل أخرى وهو ليس عضواً فيها من حيث أن شريحة قبيلته تقف في مواجهة شرائح أخرى. لدى دراسة الدستور السياسي للنوير، يكون من الضروري من ثم النظر إليه سوياً مع دساتير أعدائهم كنظام سياسي واحد، ذلك أن الخاصة البنيوية الجلية للمجموعات السياسية للنوير تكمن في نسبيتها. الشريحة القبلية هي مجموعة سياسية بالنسبة لشرائح أخرى من النوع نفسه، وتؤلف كلها بصورة مشتركة قبيلة فقط بالنسبة لقبائل النوير الأخرى وبالنسبة للقبائل المجاورة الأجنبية التى تؤلف جزءاً من نظامهم السياسي، وبدون تلك العلاقات فإن معنى قليلاً يمكن إلصاقه بمفاهيم "قبيلة" و "شريحة قبلية. إنَّ التمييز والتفرد لمجموعة سياسية بالنسبة لمجموعات من النوع نفسه هو تعميم يشمل كل جماعات النوير المحلية، من أكبرها إلى أصغرها.

 

العلاقة بين القبائل وبين شرائح قبيلة والتي تمنحها الوحدة السياسية والتميز هي علاقة تضاد. التضاد بين القبائل، أو الإتحادان الفيدرالية للقبائل، والشعوب الأجنبية، يتم التعبير عنه من جانب النوير من خلال الغارات المتعمدة والمستمرة، التى تشن بصورة متهورة وعنيفة. وبين قبائل النوير، يتمثل هذا التضاد في حروب فعلية أو بقبول حقيقة أن النزاع لا يمكن، أو لا يجب، حسمه بأية وسائل أخرى. في الاحتراب القبلي، على كل، يظل النساء خارج مدى القتل والاسترقاق. بين شرائح القبيلة نفسها، يعبر عن التضاد من خلال مؤسسة الضغينة. الاقتتال بين أفراد من القرية نفسها أو المعسكر ينحصر إلى حد بعيد في الاشتباك بالهراوات. العداء ونمط التعبير في تلك العلاقات المختلفة يتفاوت في الدرجة وفي الشكل الذى تتخذه.

 

تتفجر الضغائن عادة بين أقسام القبيلة نفسها وهى تكون في المعتاد طويلة المدى. تكون تسويتها أكثر صعوبة كلما كبرت الأقسام المعنية. في إطار القرية تسهل التسوية وفي إطار الأقسام الثلاثية للقبيلة يمكن تسوية الضغائن طال الزمن أم قصر، لكن عندما تشمل الضغائن مجموعات أكبر يمكن ألا تتم تسويتها إطلاقاً، بخاصة إذ قتل أفراد من أي من الطرفين في معركة كبيرة.

 

القسم القبلي له معظم خصائص القبيلة: الاسم، والإحساس الوطني، والنسب السائد، والتميز الإقليمي، والموارد الاقتصادية وما إلى ذلك. كل قسم هو قبيلة مصغرة، وتختلف الأقسام عن القبائل فقط من حيث الحجم، ومن حيث درجة التكامل، ومن حيث أنها تتحد في حالة الحرب وتعتمد مبادئ للعدالة مشتركة.

 

قوة الإحساس المرتبط بالمجموعات المحلية يكون بصورة تخطيطية متناسباً بحجمها. الإحساس بالوحدة في القبيلة أضعف من إحساس الوحدة داخل أقسامها. كلما صغرت المجموعة المحلية كلما زادت الصلات ترابطاً بين أعضائها وكلما أضحت تلك الصلات أكثر تضامناً وضرورة للإبقاء على حياة المجموعة. في المجموعة الكبيرة، مثل القبيلة، تكون الصلات نادرة، وقصيرة الأجل، ومحدودة. أيضاً كلما صغر حجم المجموعة كلما كانت العلاقات أشد ترابطاً وتنوعاً بين أفرادها، حيث علاقات الإقامة خيطاً في شبكة علاقات نسب أبوي، ونسب أموي، ونسب تصاهري. تصبح العلاقات بالدم والزواج أقل كلما اتسعت المجموعة.

 

واضح أننا عندما نتحدث عن قبيلة النوير إنما نستخدم مصطلحاً نسبياً، لأنه لا يكون دوماً سهلاً القول، وفق المعيار الذى نستخدمه، عما إذا كنا نتعامل مع قبيلة ذات شريحتين أوليتين أو مع قبيلتين. إن النظام القبلي كما يعرف في التحليل السوسيولوجي يمكن، بالتالي، يمكن أن يقارب أي طرح بياني غير معقد. القبيلة هي تمثيل لنزعة شرائحية مميزة للبنية السياسية ككل. السبب الذى يجعلنا نتحدث عن المجموعات السياسية للنوير، وعن القبيلة على وجه الخصوص، كمجموعات نسبية ونذكر أنها لا يسهل وصفها بمصطلحات المورفولوجيا السياسية، هو أن العلاقات السياسية ذات طابع ديناميكي. إنها في حالة تبدل دائم باتجاه أو آخر. الحركة الواضحة باتجاه التفلق. نزعة القبائل والشرائح القبلية إلى التفلق والتضاد الداخلي بين أجزائها يتم توازنها بالنزعة باتجاه الانصهار، توحد المجموعات واندماجها. هذه النزعة للانصهار موروثة في الطبيعة الشرائحية لبنية النوير السياسية، ذلك أنه بالرغم من أن كل مجموعة تنزع للانقسام إلى أجزاء متضادة، فإن تلك الأجزاء تنزع للاندماج بالنسبة للمجموعات الأخرى. من ثم فإن التفلق والاندماج هما عنصران لمبدأ الشرائحية نفسه وأنه يتوجب إدراك قبيلة النوير وأقسامها بوصفها علاقة بين هذين النقيضين، مع ذلك نزعتين مكملتين. البيئة الطبيعية، ونمط الحياة، ونمط التوزيع، وبؤس الاتصالات، والاقتصاد غير المعقد وغيرها، تفسر إلى حد ما واقع الانقسام السياسي، لكن النزعة باتجاه الانقسام الشرائحى يبدو موروثاً في البنية السياسية نفسها.