التركيبة الاثنية في دارفور

من كتاب "السلطان على دينار" لمؤلفه الان ثيوبولد

ترجمة فؤاد عكود

 

 

  جغرافية دارفور

 

1) المجموعات الاثنية ذات النمط الحياتي المستقر الفور| المساليت| الداجو والتنجر
2) المجموعات الاثنية ذات النمط الحياتي البدوي وشبه البدوي الزغاوة| البديات| الميدوب
3) المجموعات الاثنية ذات النمط الحياتي المعتمد على رعي الإبل الزيادية
4) المجموعات المستقرة ذات الأصول العربية بني فضل| المسيرية| المعاليا
5) البدو رعاة البقر الرزيقات| الهبانية| التعايشةبني هلبة

 

 

جغرافية دارفور

تمتد دارفور تاريخياً من خط عرض 10ْشمالاً إلى خط العرض 16ْْ شمالاً، ومن خط لطول 22 ْشرقاً إلى خط الطول 27 ْ شرقاً لتكون مثلثاً تمتد مساحته إلى 450 ميلاً طولاً و350ميلاً عرضاً في أوسع حدودها السياسية، وتشتمل على 140,000 ميلاً مربعاً بعد أن تم في عام 1952 تعديل الحدود الإدارية بين دارفور والمديرية الشمالية وذلك بضم 35,760 ميلاً إضافية إلى دارفور عدا واحتيّ النخيلة والنطرون (غازيتة السودان 847؛ السودان المناخ 1953). دُمجت دارفور بصورة نهائية فقط في عام1916 بعد هزيمة السلطان على دينار.

 

الحدود الطبيعية لـ دارفور واضحة المعالم حيث تمتد من الشمال الصحراء الليبية حتى ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويمتد من الشرق حزام عريض من التلال الرملية التى تكون حاجزاً بينها وبين كردفان، ومن الجنوب يعيق وجود ذبابة التسي تسي من تحرك الحيوانات إلى ما وراء بحر العرب. فقط في الغرب يلاحظ الاستمرار الجغرافي المشابه لجغرافية دارفور، مما يجعل الحدود هنا متفاوتة جوهرياً ومن ثم استدعى الأمر ، كما يشير إلى ذلك " لامبن"، تحديدها عن طريق الأحداث السياسية بدلاً عن عوامل التربة والزراعة والمناخ Lampen: 177.

 

تاريخياً اتصلت دارفور بالعالم الخارجي عبر طريقين أساسيين: الأول، درب الأربعين الشهير بين أسيوط في مصر وكوبي التى كانت بمثابة العاصمة التجارية القديمة لـ دارفور. وتتوسط هذا الطريق محطات بين كل منها عدة أيام وهى جبل رملي (3 أيام)، والخارجة (يوم واحد)، وبلوك (يوم واحد)، وبرسي (يوم واحد)، والشب (5 أيام)، وسليمة (4أيام)، وبئر الملح (8 أيام)، والمزروب (يوم واحد)، وأخيراً كوبي (يوم واحد). أما الثاني فكان من طرابلس عن طريق جالو والكفرة إلى وايتي حيث يتفرع إلى فرعين، الغربي يسير إلى وداي، والشرقي إلى دارفور. وقد وفر هذان الطريقان اتصال دارفور بالشمال ومكناها من تنشيط التجارة التبادلية من جانب وأسهما، باعتقاد "لامبن" Lampen: 178، في انسياب الأفكار الثقافية والدينية من الشمال.

 

يمكن تقسيم دارفور إلى أربع مناطق رئيسة : المنطقة الشمالية شبه الصحراوية؛ وأرض القوز في الوسط الشرقي؛ والسهول الطينية الجنوبية، والجزء الرئيس أو المركزي لـ جبل مرة. تتكون المنطقة الأولى الشمالية من منحدرات متدرجة تكسرها سلسلة جبال حيث تبرز الوديان التى تنمو بها الأشجار والشجيرات التى توفر مرعي جيداً، ويبلغ معدل هطول الأمطار أقل من10 بوصة في العام وهو معدل يكفي لإعالة المراعي لكنه غير قادر بحال على إعالة الزراعة. وفي الشمال الشرقي لهذه المنطقة يقع جبل ميدوب وسط سلسلة تلال بركانية الأصل يقسمها العديد من الوديان الصغيرة. يبلغ ارتفاع جبل ميدوب حوالي 6,000 قدم ويتألف سكانه من البدو أو شبه البدو ويقتنون الإبل يجولون بها جنوباً حتى الوديان العظيمة لـغربي دارفور مثل وادي أزوم ووادي باري حيث تتوفر المياه في موسم الجفاف، ويرتحلون شمالاً إلى التربة الرملية حيث تنمو بعد سقوط الأمطار في المنطقة المعروفة بـ الجزو أنواع من العشب جيدة تستمر مخضرة حتى شهر ديسمبر، تمثل بيئة صالحة لرعي الإبل بدون الاحتياج إلى مياه إضافية.

 

أما المنطقة الوسطى لـ دارفور (فيما بين 14,30 ْ شمالاً و12 ْ شمالاً) فيقسمها المحور المركزي لـ جبل مرة، وتتكون الأرض الواقعة شرق الجبال من الرمال القارية أو القيزان. هنا يمارس السكان نمط حياة زراعية مستقرة، ويبلغ متوسط هطول الأمطار 12بوصة في العام. ويسيل غربي جبل مرة عدد من الوديان التى توفر مصادر دائمة للمياه. وتعد هذه المنطقة واحدة من أكبر مناطق ازدهار الفور المستقرين في قراهم الممتدة على ضفاف الوادي، ومن أهم تلك الوديان وادي أزوم الذى يغذيه عدد كبير من الخيران بالقرب من زالنجى، على بعد خمسين ميلاً إلى الغرب من جبل مرة، ويستمر في الجريان إلى حوالي خمسين ميلاً آخر ليلتحم بوادي باري في مورني، ومن ثم يستمران في الجريان إلى مسافة ستمائة ميل أخرى ليصب في بحيرة تشاد. جريان وادي أزوم موسمي عادة خلال فصل الأمطار بين ابريل وسبتمبر في قناة ضيقة تصبح بركاً متقطعة بمجرد توقف هطول الأمطار، لتجف البرك نفسها بحلول يناير تقريباً حيث يصبح الحصول على الماء في كل مكان على عمق أقل من ثلاثة أقدام كما يشير إلى ذلك " باربور" Barbour: 111.

وتمتد المنطقة الشمالية لـ دارفور من خط العرض12 ْ جنوباً إلى الحدود الجنوبية على طول بحر العرب ويتجه إلى الشمال والجنوب إلى خط العرض 10 ْ. تمثل هذه المنطقة سهلاً طينياً مغطى في معظم أجزائه بالشجيرات الكثيفة، تمتاز المنطقة بهطول الأمطار بغزارة لتصل إلى 25 و35 بوصة في العام. تتنقل في هذه المنطقة قبائل البقارة الرعوية الذين يمضون فصل الشتاء على طول بحر العرب وإلى ما ورائه، ويرتحلون بأبقارهم إلى الشمال في إقليم القوز خلال موسم الأمطار.

 

وأخيراً، تمتد سلسلة جبال مرة شرق خط الطول 24 ْمباشرة، وتقسم الإقليم إلى نصفين متساويين تقريباً. تشكل هذه السلسلة مستجمعاً للمياه بين حوض النيل وحوض بحيرة تشاد، وتبلغ مساحتها سبعين ميلاً عرضاًTothill 1948:851. ويحدد "جيلان" طول السلسلة بأربعين ميلاً والعرض بخمسة وثلاثين ميلاً، ولكنه يضيف قائلاً "من الصعب تحديد حدها الشمالي وتمتد السلسلة نفسها عند الارتفاع الأدنى إلى مسافة إضافية معقولة شمالاً"Gillan 263.

 

التركيبة الاثنية في دارفور

تعيش في دارفور ثلاث مجموعات رئيسة : قبائل مستقرة، وأخرى بدوية وشبه بدوية غير ذات أصول عربية، وثالثة بدوية ذات أصول عربية. وتمثل دارفور كنزاً لغوياً غنياً إذ توجد بها 14 لغة.

 

أولاً المجموعات الاثنية ذات النمط الحياتي المستقر

الفور : وهي مجموعة اثنية تعيش على طول سلسلة جبل مرة، وهو إقليمهم العرقي ومعقل سلالتهم، ويتمددون غرباً حتى وادي أزوم ووادي باري. لازالت إشكالية أصول الفور مطروحة للنقاش. تتميز لغة الفور تماماً عن اللغة العربية، وهى غنية بالمفردات اللغوية ولها نظام معقد في التراكيب اللغوية والقواعد. وقد وصف " بيتون" في مقاله عن الفور نمط الإقامة قائلاً: "يتمركز السكان في القرى المكونة من أكواخ مستديرة من القش وذات سقوف مخروطية. ومن عادتهم أنه عندما يتزوج الشاب فإنه يقوم ببناء كوخه بجوار كوخ أبويّ العروس. ثم يقوم ببناء كوخ أكبر عندما يكبر الطفل الأول، وأكواخ إضافية للأطفال عندما يكبرون. وعندما تتزوج ابنته سيقوم زوجها بدوره ببناء كوخه بجوار منزل أبويها. وهكذا تنمو مجموعة من الأكواخ لمختلف أعضاء الأسرة الواحدة، كلهم داخل الحوش نفسه الذى تتسع مساحته من حوالي 400 ياردة إلى أضعاف هذه المساحة" Beaton: 3.

 

يمارس الفور زراعة الذرة السكرية والدخن في الأرض المنخفضة في نهاية مايو ويقومون بحصادهما في نوفمبر وديسمبر. تشكل الذرة السكرية والدخن الغذاء الأساسي، مع أنهم يفضلون الذرة لكونها تعطي محصولاً وفيراً مقارنة بالدخن. كذلك يزرع الفور الذرة الشامية في أوائل موسم هطول الأمطار في الأراضي الحجرية الفقيرة غير البعيدة من الأكواخ ويقومون بتسميد التربة بروث الحيوانات. تحصد الذرة الشامية في يوليو وأغسطس، وتستخدم محصولاً أساسياً في حال نفاذ الذرة السكرية. أما المحاصيل المطرية الأخرى فهي الفول السوداني والفلفل والسمسم والبطيخ والقرع والطماطم. فوق كل ذلك تستخدم مياه وادي أزوم المنتظمة لزراعة المحاصيل الشتوية التى تحتاج إلى ري، فهناك مساحات صغيرة تزرع بالبصل في كل قرية. كما أن فور تلال جبل مرة مشهورون بأنهم من أكثر الكادحين الزراعيين في دارفور، وتزرع كل محاصيلهم على المصاطب التى تغطي جوانب التلال إلى ارتفاع تسعة ألف قدم، وتعتمد الزراعة هنا على الأمطار، لكنه وعلى مسافة قريبة توجد المياه الدائمة في الكثير من الوديان الجبلية حيث من الممكن أن تنمو المحاصيل بنظام الري في المصاطب الصغيرة والمصممة بدرجة عالية من حيث التقنية. هكذا يمكن زراعة محصولين أحدهما في الصيف محصولاً مطرياً، والآخر في الشتاء يبذر في ديسمبر/ يناير ويحصد في أبريل محصولاً مروياً. وتزرع خضروات مثل البامية والبطاطا كمحصولات مروية. تتم زراعة القطن في كل مناطق الفور وذلك للاستهلاك المنزلي، ويزرع مطرياً ويترك لمدة عام أو عامين أو أكثر دون أن يكون هناك موسم خاص لجمعه. انه يجمع بشكل متقطع طوال العام، وتملك كل قرية محلجها الخشبي ونولها. ويحتفظ الفور بأعداد كبيرة من الماعز والماشية والضان. كما أن الأبقار ذات السنام والسلالة الأفريقية تعد ذات قيمة كبيرة لألبانها وكثروة للعروس. أما الضان والأغنام فهي ذات قيمة نقدية قليلة ويتم بيع جلودها للدباغين كما يتم أكلها في المناسبات الخاصة.

 

تعيش نساء الفور حياة غير مقيدة ويشكلن جزءاً نشطاً من الجماعة مع الرجال، وتمتلك المرأة قطعة أرضها الخاصة، مع أنه عادة ما تكون أقل من قطعة الرجل.

الفور كلهم مسلمون، ولكل قرية مسجدها وإمامها وفقيهها. هناك نوع من الإسلام الشعبي المتميز بالإبقاء على بعض المعتقدات القديمة الموروثة من أزمان ما قبل الإسلام، بخاصة المتعلقة باحتفالات إسقاط المطر.

 

المساليت : يقع الإقليم العرقي للمساليت في الحد الأقصى الغربي لـ دارفور بين خطي عرض 14,50 ْ و 12 ْ يحده من الغرب وادي اسونجا ووادي كاجى، ومن الشرق وادي باري ووادي أزوم. يمتد إقليمهم العرقي حوالي 140ميلاً من الشمال إلى الجنوب، ويتفاوت ما بين 70إلى 50 ميلاً طولاً في العرض بمساحة حوالي سبعة ألف ميل مربع وسط إقليمهم يتكون من رمال متموجة بالشجيرات الشوكية مع نتوءات صغيرة لا تشكل تلالاً كبيرة. جنوب الإقليم جبلي وتتركز فيه كثافة سكانية عالية. توفر وديان كاجا وأسونجا وباري المصادر المائية عند أعماق بسيطة، بينما في الأجزاء الداخلية للإقليم تكون الآبار عميقة. تقوم غالبية قرى المساليت على الأرض المرتفعة على بعد كيلو متر ونصف الكيلو من تلك الأودية، ويقوم السكان بتربية الماشية والضان ولا يقتنون الإبل. المحصول الثابت هو الدخن، بينما تتم زراعة البصل على ضفاف الأودية الكبيرة. يوجد الحديد في كل أنحاء إقليم المساليت العرقي (دار مساليت) ويُصنع محلياً.

 

أصول المساليت غامضة وتحتاج إلى دراسات أنثروبولوجية، لكنهم يدعون بشكل روتيني لأنفسهم نسباً عربياً حجازياً، ويقولون بأن لغتهم المميزة تم اكتسابها من السكان الأصليين حيث استقر نهائياً العرب المترحلون. لكن من الناحية الأنثروبولوجية فإن السحنة الزنجوية هي الغالبة عند المساليت مع أثر طفيف من الدم العربي الذى تم اكتسابه عن طريق التزاوج مع العرب الذين عاشوا بينهم بأعداد قليلة خاصة في الشمال. بالإضافة إلى لغتهم الخاصة فإن اللغة العربية مفهومة في كل أنحاء إقليم المساليت العرقي. اكتسب المساليت سمعة مرعبة بوصفهم مقاتلين شرسين، وقد اعتادوا على إخافة جيرانهم بسبب أنهم يفتخرون بقوتهم على التحول إلى حيوانات متوحشة، خاصة الضبع. 

 

الداجو والتنجر : هاتان المجموعتان الاثنيتان توجدان الآن في دارفور. كان الداجو تقليدياً هم أول سلالة حاكمة في دارفور، ويعيشون الآن على التلال الواقعة شمال شرق وجنوب شرق نيالا (كلمة نيالا في لغة الداجو تعني ثرثرة أو ونسة). يشتغل الداجو بالزراعة وتربية الماشية، وتعيش مجموعة منهم في دار سيلا إلى الجنوب الغربي من دار مساليت. كانت دار سيلا طوال عهد السلطان على دينار محل نزاع على الحدود بين دارفور ووداي. أما التنجر فهناك فرضية تقليدية تقول بأنهم حلوا محل الداجو بوصفهم سلالة متفوقة في دارفور. يعيش التنجر في مجموعة صغيرة حول كتم شمالي دارفور ويتحدثون اللغة العربية فقط MacMichael 1926,vol.I: 84.

 

المجموعات الاثنية ذات النمط الحياتي البدوي وشبه البدوي

الزغاوة : أكبر المجموعات الاثنية التى تعيش في شمال غرب دارفور، وتنتشر من الحدود الغربية إلى الشرق حتى حوالي خط طول 25 ْ. يتميزون اثنياً عن العرب، وتشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى أنهم ذو علاقة بـ التبو وقد تكون لهم صلة بالمجموعة البربرية الليبية. لغة الزغاوة متفرعة من لغة التبو. 

 

الزغاوة بدو يربون الإبل والضان والماعز مع القليل من الأبقار رغم أن إقليمهم الحجري لا يناسب الابل مثل ما هو حال أرض القوز إلى الشمال منهم. حتى قدوم الاستعمار الثنائي الإنجليزي المصري اشتهر الزغاوة بوصفهم لصوص جمال. حتى اليوم فإنهم يعدون من أشرس المجموعات الاثنية الدارفورية. 

 

البديات : تعيش هذه المجموعة الاثنية في أقصى شمال دارفور. تعيش أغلبية هذه المجموعة الاثنية في صحراء إقليم " عنيدي" الذى كان يعرف حتى وقت قريب بأفريقيا الاستوائية الفرنسية على الحدود الشمالية الغربية للسودان، لكنهم ينتشرون حتى الركن الشمالي الغربي للسودان. وقد اعتادوا الإغارة مباشرة عبر الصحارى الشمالية للسودان حتى المناطق النهرية لـ دنقلا.

 

الميدوب: تعد جبال الميدوب الواقعة شمال شرقي دارفور معزولة تماماً، إذ يوجد إلى الشمال صحراء تاما وعلى المرء أن يسافر غرباً وشرقاً أربعة أو خمسة أيام فوق سهل ممتد لا يوجد به سوى أعشاب قليلة وشجيرات منخفضة قبل أن يجد المياه بشكل دائم في إقليم الكبابيش أو الزغاوة على التوالي، وإلى الجنوب فإن أقرب آبار البرتي تقع على مسافة مسيرة يوم ونصف، وأقرب مكان من كل الجهات يتم الوصول إليه عبر سهل لا أشجار فيه. هكذا عبر قرون كان الاتصال الوحيد بين الميدوب والعالم الخارجي يتم من خلال الزيارات المتقطعة للكبابيش الرعاة أو الزغاوة الذين يأتون لشراء الملح الذى يستخرج من المنخفض الواقع في الركن الجنوبي الغربي والبالغة مساحته ميلاً وعمقه 300 قدم، والذي يحتوي على الملح الحجري على عمق غير كبير من السطح. وكذلك من قوافل الملح الآتية من دارفور والتي تتوقف للحصول على الماء في رحلة العودة من واحة النطرون الواقعة شمالاً. أما بالنسبة للميدوب أنفسهم فهناك مصادر لا تنضب من مياه الآبار والينابيع في الوديان العميقة التى تتدفق نحو السهل، ولهذا السبب يتم بناء القرى على المنحدرات الدنيا للتلال أو على السهل الواقع حول تلك التلال.

 

يحتفظ الميدوب بشكل أساسي بقطعان الضان والأغنام مع بعض الأبقار والإبل، وهم مجموعات شبه بدوية لأنهم يقيمون المخيم في التلال طبقاً لأحوال المرعى، ويذهب معظمهم في موسم الأمطار مع قطعانهم إلى المناطق غير المسكونة في الشرق حتى وادي الملك الذى يزوره الكبابيش أيضاً.

 

المجموعات الاثنية ذات النمط الحياتي المعتمد على رعي الإبل

الزيادية : ويعدون إلى حد بعيد أكبر المجموعات وأضخمها التى تقتني الإبل في دارفور، وينتمون إلى مجموعة قبائل فزارة التى ترعى الإبل، وأشقاء قبيلة دار حامد في كردفان. كانوا يشكلون قوة كبيرة على عهد الاستعمار التركي المصري، لكنهم اضعفوا في أيام الثورة المهدية، مع ذلك كانوا يحتلون في عهد السلطان على دينار مساحة واسعة في شمال شرق دارفور بين الميدوب والبرتي.

يقوم الزيادية في شهور الصيف بسقي إبلهم من الآبار ويرعون داخل نصف قطر تبلغ مساحته خمسين ميلاً من مصدر الماء، كما تقام الخيام داخل نصف قطر مساحته خمسين ميلاً من مصدر الماء أيضاً. حالما تظهر السحب الممطرة يتحرك الزيادية جنوباً على أمل الحصول على مرعى في العشب الأخضر الذى نما على الأمطار المبكرة. ولا يتحرك الزيادية إلى أبعد من حوالي خط العرض 13 ْ خوفاً من ذبابة التسي تسي. وعندما تجف مياه الأمطار تعود القطعان إلى آبارها، والهدف هو العودة إلى المخيم نفسه لعدة سنوات. ولا يتم سقي الإبل خلال موسم الشتاء لعدة أشهر دون انقطاع لأن القطعان تتحرك شمالاً إلى منطقة الجزو حيث يمكن للإبل الرعي والحصول على الرطوبة الكافية الموجودة في الأعشاب الخضراء الخشنة Reid 1935:113-120.

 

المجموعات المستقرة ذات الأصول العربية

بني فضل: كان بنو فضل في أيام الحكومة التركية- المصرية قبيلة قوية جداً فس دارفور، وعاشت في مثلث شرقي دارفور، رأسه في الطويشة وقاعدته الفاشر- جبل الحلة. ومع أنهم فقدوا الكثير من مكانتهم خلال المهدية- فإنهم وجدوا بالتالي أن حكم على دينار لا يحتمل. وفي عام 1904 هاجر حوالي ثلثهم إلى كردفان واستقروا في الشرق من النهود أما الباقون فقد سكنوا في منطقة صغيرة وسط دارفور عند الحدود الغربية لكردفان.

 

المسيرية: للمسيرية قرابة لصيقة بقبيلة الحمر التى تقطن جنوبي كردفان. ومع ذلك فإنهم في دارفور- رغم أنهم قبيلة مستقرة- فإنهم خلافاً لأبناء عمومتهم في كردفان- يحتلون منطقة صغيرة بين البرقد والداجو شمال شرق نيالا.

 

المعاليا : تعد المعاليا ذات قرابة مع قبيلة دار حامد في كردفان. وقد قسمت باستمرار بين دارفور وكردفان. عاشت أغلبية القبيلة قبل المهدية في دارفور، ولكن في عهد المهدية بدأ التحرك المنتظم للقبيلة إلى داخل كردفان- وكانت في عهد على دينار أولى ضحايا هجماته- وزادت سرعة الهجرة إلى كردفان ولكنها مع نهاية عهد على دينار بدأت في العودة مجدداً إلى وطنها القديم في دارفور الذى يحده الرزيقات في الشمال الغربي MacMichael 1915: 43.

 

البدو رعاة البقر

تعرف القبائل البدوية التى تقتني الأبقار في السودان بشكل جماعي بـ البقارة. وقد استعملت الكلمة للقبائل البدوية وشبه البدوية التى تعيش ما بين خطي العرض 13 و 10 وتمتد من الأبيض حتى بحيرة تشاد. ويوجد في دارفور أربع قبائل رئيسة:

 

الرزيقات : وهم أشهر قبائل البقارة وأغناها وأقواها. يحتلون منطقة تبلغ مساحتها 12 ألف ميل مربع شمال شرق دارفور، وينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الماهرية في الشرق والشمال؛ والنوابية في الغرب؛ والمحاميد في الشمال. يتكون إقليمهم في معظمه من الشجيرات الكثيفة عدا ما يتم تنظيفه لزراعة الدخن.

 

الهبانية : تعيش هذه القبيلة في دارفور وكردفان إلى الغرب من الرزيقات في منطقة تبلغ ثلث منطقة الرزيقات وهم أقل بداوة من البقارة، ويزرعون دخناً أقل من الرزيقات وبعتمدون بشكل كبير على الأرز البري، وتنقسم القبيلة إلى فرعين رئيسين: النارة والسوت.

 

التعايشة: ما زال التعايشة يعيشون غرباً إلى مسافة أبعد من الهبانية الذين لهم معهم علاقة نسب قوية، ويحتلون الركن الجنوبي الغربي لـ دارفور- والقسمان الرئيسان هما قلادة واريك- وكانت قبيلة التعايشة في أيام الخليفة عبدالله من أقوى القبائل في السودان وأخطرها. وتم إقناع الآلاف منهم أو إجبارهم للارتحال إلى امدرمان حيث وفورا الدعامة الأساسية لنظامه. وبعد دخول القوات الاستعمارية البريطانية- المصرية وهزيمة الثوار المهدويين، وبرغم عودة العديد منهم إلى موطنهم فإنهم لم يستردوا أبداً ما كان لهم من سلطة سابقة إذ بقيت دارهم ذات كثافة سكانية قليلة.

 

بني هلبة : يعيش بنو هلبة شمال التعايشة. وكانوا في أزمان الحكومة الاستعمارية التركية- المصرية من أكبر القبائل وأغناها، إلا أن القسم الأعظم منهم دمر في المهدية، كما تعرضوا فيما بعد وبشكل مستمر لاضطهاد على دينار مما جعل أعداداً كبيرة منهم تهاجر إلى ديار الرزيقات وسيلا وحمر، وبالرغم من أنهم بقارة، فإنهم يمتلكون بدرجة أقل الإبل والضان.

 

ويمكن بشكل جيد فهم هجرات البقارة عن طريق طبيعة ديارهم، إذا أن ديارهم مكونة من سلاسل تلال رملية متناثرة هنا وهناك بأحواض ذات أرضية مغطاة بطمي صلب. والرعي في ديارهم أفضل من الأرض الطينية أو القوز اللتين تقعان إلى الشمال، إذ أن تلك الأعشاب توفر الملح الذى تحتاجه حيواناتهم، كما أنها جيدة كعلف جاف. وهكذا فإن الهجرة تتألف من التحرك بعيداً عن الدار عندما يضطرهم شح الماء والمرعى والعودة إليهما حالما يتوفر ذلك.

 

وتشتي القبائل على طول بحر العرب أو في إقليم أرض الحديد الواقعة خلفه. ويعودون إلى الديار في بداية الأمطار. ومع نمو العشب وتوفر المياه في البرك تتحسن صحة الحيوانات. ويتم الاحتفاظ بالماشية هناك إلى أن يجبرهم تكاثر الذباب والحشرات الناتجة من المياه الراكدة على التحرك شمالاً للرعي في القوز. وخلال الفترة التى يمضونها في الديار يقومون بزراعة الحبوب على قمم التلال في رعاية النساء العجائز عندما يذهب الرجال مع حيواناتهم شمالاً. وعند انتهاء موسم الأمطار تعاد القطعان إلى الديار، وتشرب من المياه الموجودة في البرك وترعى العشب الجيد المتوفر، وعندما تجف البرك ينتهي الرعي حول الديار وتبدأ رحلة عجلى نحو المرعي الشتوي. وتوجد هذه المراعي بالنسبة لمعظم القبائل في الحزام الواقع شمال بحر العرب، ولكن هناك اختلافات، فالرزيقات يذهبون إلى ما وراء النهر إلى بحر الغزال حتى يصلوا إلى منطقة ذبابة التسي تسي. ويشتي بنو هلبة على طوال الوديان الغربية لدارفور خاصة وادي أزوم، بينما يعبر العديد من التعايشة الحدود إلى داخل إقليم دار سيلا. والتى تمضيها في الشمال صعبة بالنسبة للبقارة لأن الأعشاب الموجودة لا توفر علفاً جيداً للماشية، ويصبح الحصول على المرعى والمياه صعباً بشكل مضطرد، كما تصبح سقاية الماشية مرة كل يومين، ويأخذ فريق البقارة الشكل البيضاوي ويتم الاحتفاظ بالماشية في الوسط وتحاط بالزريبة لحمايتها من الحيوانات المتوحشة، وكل الأكواخ ذات سقف مستدير وأرضيتها بيضاوية الشكل وتبنى عادة في الصيف من القش أما في موسم الشتاء فتبنى من سعف النخيل على هيئة حصر مرفوعة على شُعب ويملك الرجل وزوجته في العادة حوالي العشرين بقرة. ويعد من الأغنياء من يملك أكثر من مائة بقرة. ولدى المرأة البقارية حرية كبيرة سواء قبل الزواج أو بعده. ولدى الفتاة القليل من الحرية الكاملة في اختيار زوجها الثاني. ويعني عدم الإنجاب الطلاق. وعندما تكون المرأة مهددة بالطلاق فإنها تبحث عن وريث ومن هنا فإن قصة الحب تبدأ غالباً مع الزواج.

 

وليس لدى البقارة إلا القليل من وسائل الراحة، فهم غالباً ما يكونون على حافة الجوع إذ أن الأغنياء وحدهم الذين يستطيعون شراء الشاي واللحم، ولا يملكون وسائل لاتقاء المطر أو البرد، كما أن المستنقعات التى يعيشون وسطها طوال الوقت تعرضهم للإصابة بالأمراض، ومع ذلك فهم من بين أكثر القبائل جاذبية في السودان، لأن قياس الوقت الطويل الذى لا قيمة له قد مكنهم من تطوير الحديث إلى فن جميل، ونما الضيق والحرمان الجلد والصبر، كما أن حياة التجوال خلقت عندهم روحاً استقلالية صارمة.

 

Sudan Government Gazette No. 847, 15 October 1952: 513; Sudan Almanace 1953:55.

Lampen G.D., ‘History of Darfur’, Sudan Notes and Records, vol. 31, part 2: 177.

Barbour K.M., ‘The Wadi Azum from Zalingei to Tlurnei’, Sudan Notes and Records, vol. 6: 111.

Tothill J.D., Agriculture in the Sudan, 1948: 851.

Gillan J.A., ‘Jebel Marra and DeribaLakes’, Sudan Notes and Records, vol. 1: 263.

Beaton A.C., ‘The Fur’, Sudan Notes and Records, vol.29, part 1: 3.

Mac Michael H.A., A History of the Arabs in the Sudan, Cambridge 1926, vol. I: 84.

Reid J.A. 1935, ‘The nomad Arab Camel breeding tribes of the Sudan, In: J.A. de C.Hamilton (ed.),The Anglo-Egyptian Sudan from within, London: 113-120.

 


الموروث الثقافي السـوداني

تحديات الوحدة الوطنية والانتماء الإقليمي

د. يوسف مختار الأمين

كلية الآداب - جامعة الملك سعود - الرياض

بحث قدم في ندوة "العالم العربي وأفريقيا: تحديات الحاضر والمستقبل" الرباط 15 17 أكتوبر 2003 م.

 

       مقدمة

       عودة إلى الماضي

       حوارات الهُويَّة

       عودًا على بدء

       هوامش

       مراجع

 

 مقدمة

يمر السودان منذ إعلان الدولة الوطنية الحديثة في 1956 م. باضطرابات وأزمات سياسية واجتماعية تتصاعد وتيرتها مع تعقيدات الأوضاع الداخلية وارتباطاتها الإقليمية والعالمية. ويردُ المراقبون والباحثون في أوضاع السودان ذلك إلى عدة أسباب يلتقي معظمها في طبيعة المجتمع السوداني العرقية والثقافية وإمكانياته الاقتصادية. ولعل أبرز هذه الأسباب ما يمكن وصفه بالمأزق الثقافي التاريخي والظرف الموضوعي الذى تكونت فيه الدولة. وهو وضع لم تتمكن النخب التى تعاقبت على إدارة البلاد من النظر فيه، ومن ثم مواجهته بفاعلية. وزاد الأمر تعقيدًا تعثر هذه النخب في إنجاز القدر المطلوب من التنمية الشاملة وتأسيس نظام للحكم متفق عليه ويلبي طموحات الغالبية من أهل البلاد. وفي ظل أوضاع التخلف وتدهور مرتكزات الاقتصاد المعيشي الطبيعي وارتفاع معدلات النمو السكاني تتوسع تلقائياً بؤر الصراع الاثني والجهوي والثقافي. ويتجلى هذا الصراع في تبني مواقف سياسية، وثقافية مغايرة للسائد وفي مواجهة السلطة المركزية بحمل السلاح وإذكاء حرب أهلية وصراعات قبلية تتفاقم أبعادها وآثارها يومًا بعد يوم. فالحرب الأهلية في الجنوب ظلت مشتعلة منذ الاستقلال حتى الآن ما عدا فترة توقف لمدة عشرة أعوام. وشهدت البلاد مؤخراً صراعات وحروب في أقاليم السودان الأخرى في الشرق والغرب بين القبائل وبين بعضها والحكومة المركزية. إن استمرار هذه المواجهات قد أهدر موارد البلاد وعطل التنمية مما أدى إلى تفكك المجتمعات المحلية ونزوح الآلاف من السكان إلى غير أماكن تواجدهم الطبيعي، ويجمع المتابعون لمجريات الأمور أن استمرار هذه الأحوال بات يهدد الوحدة الوطنية ما لم يتم تدارك الأوضاع. ولا غرابة أن نجد اليوم أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية الحديثة تصف السودان بالدولة المضطربة التي فشل قادتها ومثقفوها بصورة متكررة من مواجهة القضايا المعقدة التي أعاقت تطورها Woodward,1989؛ منصور خالد: 1993.

 

تأمل هذه الورقة الاقتراب من قضايا الوحدة الوطنية ومعوقاتها المتمثلة في الصراعات الاثنية والثقافية وذلك من مدخل الموروث الثقافي. وأقصد بالموروث الثقافي كل المنتج الثقافي المادي وغير المادي منذ أقدم العصور حتى الوقت الراهن باعتبار أنه المحيط الذى فيه تشكلّت الهُويَّة السودانية وفيه تتفاعل تحولاتها الدينامية. إن تناول قضية الوحدة الوطنية وعلاقات الانتماء الإقليمي يمكن تناولها من منطلقات مختلفة بمناهج وأطر نظرية متنوعة. وما يهمني هنا، النظر في إمكانية تحليل الأوضاع الحالية انطلاقاً من الموروث المادي الذى يشمل كل ما تركته لنا مجتمعات العصور القديمة من مخلفات أثرية تشمل الأدوات والمباني والفنون وكل ما له صلة بالفعل الإنساني على مر العصور. كما يشمل كل التراث الشعبي من حرف ومنتجات محلية. إن دراسة الثقافة المادية ببعديها التاريخي والتراثي، من مهام علم الآثار الأولى كما سيأتي ذكره، إذ هي تشكل مصدراً أساسياً إن لم يكن وحيدًا لمعرفة التاريخ الثقافي للأمم. وينطلق البحث أيضًا من فكرة أهمية مراجعة التاريخ الثقافي السوداني (Culture History) منذ أقدم عصوره واستدعائه من أجل صوغ مفاهيم جديدة تشكل إطاراً موضوعياً لاستيعاب تعقيدات القضايا الملحة الآن في السودان واقتراح حلول مناسبة لها. فالموروث الثقافي المادي يمكن الاستفادة منه إيجاباً كما حدث في تجارب شعوب وبلدان أخرى في تدعيم ركائز الوحدة الوطنية. ويتم ذلك بالبحث عن المشترك بين فئات المجتمع وإبراز ما يدعم مبادئ التسامح والسلم الاجتماعي خاصة في حالات التعدد الاثني والثقافي في البلد الواحد. وقراءة التاريخ الثقافي في بلد مثل السودان، بشكل متوازن تؤهله لإيجاد مناخات جيدة لتأسيس علاقات إقليمية أكثر إيجابية وفائدة لكل الأطراف. لا تتوقف أهمية التراث المادي كما جاء في هذا السياق عند مرجعيتها وأهميتها التاريخية وإنما تمتد إلى كشف معالم الاستمرارية والتغير في الأنظمة الثقافية. فالتاريخ الثقافي المعروف في شمال البلاد ووسطها يتعاقب في حلقات متصلة منذ العصور الحجرية حتى العصر الإسلامي وذلك مع وجود فترات تحدث فيها تحولات حضارية عميقة تشمل معظم جوانب الحياة الفكرية والمادية ولكنها بدرجات متفاوتة. فعلى سبيل المثال عندما قامت الممالك المسيحية في أواخر القرن السادس الميلادي حلت الديانة وفكرها الجديد مكان أيديولوجية الدولة القديمة القائمة على نظام الحكم العشائري والمعتقد البدائي. وانعكس التغيير أساسًا في الفكر ونظام الحكم ولم يكن واضحاً المستوى نفسه في الجانب المادي من حياة الناس (للمزيد عن التحولات التى أصابت الثقافة السودانية مع وصول المسيحية انظر"أركامانى"). ومع انتشار الإسلام واللغة العربية فيما بعد لم تختف أيضًا عناصر الثقافة المادية للوهلة الأولى بل احتفظت ببعض عناصرها القديمة Adams,1977: 665-680. تنبه لمثل هذه النقطة كثيرون منهم من هو غيرمتخصص في مجالات الدراسات الحضارية. فحليم اليازجي عند دراسته للحركة الأدبية في السودان خلال فترة تزيد عن ثلاثمائة عام يقول: "... فبان لنا مدى الترابط القائم بين هذا الأدب وواقعه البيئي وأحداث تاريخه وكثيرًا ما كان انعكاسًا مباشراً لهذا التاريخ وتلك البيئات... فالماضي السوداني بكل ما استوعبه من تجربة يقتحم أبواب الحاضر في تداخل عفوي أو مقصود"؛ ويقول: "فالحضارات الموغلة في القدم، تحاور العقل السوداني المتطور الذى تغذي بلبان الثقافات الغربية الأكثر حداثة، وكذلك الثقافات العربية بنزعاتها الدينية والإصلاحية..." (اليازجي، 1985: 11-14).

 

وأخلص من ذلك إلى القول بأن الموروث المادي القديم والتراثي هو الأكثر قابلية، ضمن مجالات أخرى للبحث فيه عن المشترك بين فئات المجتمع في الماضي والحاضر ومن ثم تأويله لخدمة قضايا الهُويًّة والوحدة الوطنية.

 

عودة إلى الماضي

يتساءل كثيرون لماذا العودة للتاريخ الثقافي البعيد عند طرح قضايا وأزمات ملحة تهم المجتمعات المعاصرة؟ أوليس ذلك انكفاءً واستغراقاً في أمور غير مفيدة لمعالجة مشاكل الحاضر مثل الوحدة الوطنية والانتماء التي يبدو حلها كامناً في ميدان السياسية؟ لقد ألمحت آنفاً إلى دور الموروث الثقافي في معرفة  تكوين الأمم وتأصيلها والأسس التي تحكم الكثير من علاقات الأنظمة الاجتماعية والفكرية فيها. وتحفل أدبيات علم الآثار والتاريخ بالشواهد العملية لاستغلال المعرفة التاريخية إيجاباً أو سلباً في تأسيس الكيانات الوطنية وتقدمها أو في إضاعة حقوق تاريخية لمجموعات سكانية أو شعب بأكمله. ويتفق الجميع على أن حاضر الأمم يقوم على ماضيها بالرغم من صعوبة تحديد معالم ذلك الماضي البعيد أحيانًا ومشروعيته في تشكيل الحاضر وبناء علاقاته الداخلية والخارجية. ليس من الممكن في هذا الحيز أن نستعرض الأسس النظرية والتطبيقية المطلوبة في ذلك السياق وتطورها في علم الآثار أو الدراسات الأنثروبولوجية. شهد علم الآثار مؤخراً تحولات مهمة في توجهاته النظرية المستخدمة في تأويل التراث المادي القديم. وإذا كانت الأهداف تتغير من حين إلى آخر فإن معرفة أو اكتشاف الأنظمة الثقافية القديمة وتطورها عبر الزمن ظل أحد الأهداف الرئيسة لذلك النشاط العلمي. ويهتم الآثاريون في عملهم الأكاديمي بالهُويّات الثقافية القديمة وتحديد معالمها مثل ما تجد دراستها رواجاً في علوم أخرى غير الآثار وذلك تعبيراً عن تيار متصاعد في العلوم الإنسانية موجه نحو حقوق الأقليات وتأكيد مبادئ التمايز والتعدد الاثني والثقافي في المجتمع الواحد. واليوم نجد البحوث الآثارية قد امتد ميدانها من المجتمعات القديمة إلى المجتمعات التقليدية والبدائية المعاصرة (1) والموجودة في أكثر من بلد ومن بينها السودان. ومثل هذه المجتمعات بقدر ما تعرضت له من تأثيرات حضارية حديثة ما زالت تحافظ على تراثها وأنماط اقتصادها المعيشي المتمثل في الرعي والصيد والزراعة التقليدية. ويشمل التراث المادي أعمال النجارة والحدادة والفخار والأواني المنزلية وأدوات الزينة والملابس وأدوات الموسيقى الشعبية... الخ. إن مثل هذه الحرف التقليدية لها تاريخ طويل وهى تملأ حيزاً في المكوٍن الثقافي للمجتمعات الحالية. وإذا افترضنا مثلاً أن دخول العرب وانتشار الإسلام في السودان يمثل شبه قطيعة ثقافية في مجالات اللغة والدين والفكر فإن ذلك لا يشمل كما أشرنا التراث المادي التقليدي بكامله الذى احتفظ بكثير من سماته القديمة التي ظلت مستمرة حتى اليوم Elamin 1999: 1-3.

 

إن آثار الماضي البعيد والتراث المادي التقليدي ماثلة أمام الناس في شكل مبان وفنون وتحف تعرضها المتاحف المختلفة بطريقة تعكس أهداف الجهات التي أعدت تلك المتاحف. فالموروث الثقافي يقدم للناس على أنه ارثهم الحضاري الذى يقوم عليه حاضرهم ومستقبلهم. وبناءً على ذلك فكثير من الأعمال التي يقوم بها الآثاريون تنبع من موجهات فكرية أو وطنية تدعمها الدولة لبث مفاهيم وأفكار توظف في ترسيخ الأوضاع الراهنة. وليس بعيدًا عن الأذهان أن الاستفادة من دراسة الموروث الثقافي من أجل أجندة سياسية هدفها تشكيل الحاضر وصياغته لصالح فئة أو فئات معينة في المجتمع. بل أن دولاً عدة اعتمدت في نشأتها على استغلال الموروث الثقافي. ففي حالة إسرائيل، على سبيل المثال، عمل الآثاريون على إنتاج معرفة يعتقدون أنها تؤكد أحقية المستوطنين اليهود في أرض الميعاد وإحياء العصبية اليهودية ومن ثم إثبات مواصفات الهُويَّة الثقافية كما وردت في القصص التوراتي. وفي الدولة العبرية نجد أن المواقع الأثرية الكبيرة تمثل قوة رمزية لدى المستوطنين، ساعدت في توحيدهم خلال فترة التأسيس. وأصبحت هذه المواقع الأثرية وما تعنيه من موروث جزءاً مهماً في الفضاء الاجتماعي والسياسي والفكري الإسرائيلي. وفي أفريقيا تظل قصة المباني الأثرية الرائعة لعاصمة زمبابوي القديمة خير مثال على دعاوى المستوطنين الأوروبيين في رفضهم نسبة تلك الحضارة العريقة للسكان المحليين وذلك اعتماداً على تأويل الآثاريين الذين استقطبتهم سلطات الاحتلال الأوروبي. فقد روجوا آنذاك إلى أنها تمثل إنجازاً معمارياً لمجموعات وفدت من الخارج إلى أن نجح آثاريون منصفون، بعد مضي وقت، من إثبات أحقية قبائل البانتو الأفريقية في تأسيس المملكة التاريخية (للمزيد من الإطلاع أنظر كتاب علم الآثار الأفريقية لفيلبسون "أركامانى"). وقد كان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى هزيمة الفكر الاستيطاني الذى قامت عليه دولة البيض المستعمرين. ومن المعلوم أنه عندما تحقق الاستقلال في تلك البلاد تقرر تغيير اسمها من روديسيا الشمالية إلى زمبابوي رمزاً لتاريخ أفريقي عريق يستعيده أصحابه مرة أخرى دعماً للهُويَّة السياسية الجديدة Trigger,1975:355-370. ولا نجد اليوم بلداً لم يُستغل الموروث الثقافي فيه لاستلهام المستقبل وشحذ همم المواطنين. ومتاحف الآثار على اختلاف أنواعها في جميع أقطار العالم تعرض مواد الآثار والتراث للزائر بطريقة تعكس الصورة الرسمية لتاريخ الأمة. وليس غريباً أن يلاحظ المرء أحياناً عدم تمثيل تراث بعض الأقليات أو حتى جزءاً من التاريخ العام يظن أنه يخل بالأوضاع السائدة. فالماضي أو التاريخ مهما كان بعيداً يظل قابعاً في الذاكرة الجمعية يخبو حيناً ويتقد أحيانًا أخرى في لحظات الاستدعاء.

 

وعند مناقشته للهُويَّة الوطنية المصرية أشار فكري حسن إلى رسوخ التراث العربي الإسلامي وما جاء من أوروبا من مؤثرات في العصر الحديث في أذهان الناس مما يشكل ابتعاداً واضحاً عن الماضي القديم، بيد أن الأخير يظل ورقة سياسية مهمة. فالتاريخ الفرعوني كان مصدر قوة واعتزاز لدى المصريين خلال مقاومة الاحتلال الأجنبي ويتجلى ذلك في خطب السياسيين وما كتبه مثقفو الطبقة الوسطى عن الهُويَّة المصرية. وقد استدعى قادة ثورة 1919م. هذا التاريخ ومجدوا ماضي الأمة كما كتب عدد من مشاهير الأدباء أعمالاً روائية مهمة تستمد رموزها من ذلك التاريخ العريق. ولم يتراجع ذلك الاهتمام إلا بعد نمو التيار القومي الحديث في الخمسينات من القرن الماضي Hassan,1998: 207.

 

واختم ملاحظاتي عن أهمية تأويل الموروث الثقافي نظرياً واستغلاله في تعريف الهُويَّات الثقافية التي تعبر عن نقطة الانطلاق في تكوين الشرعية التي تقوم عليها الأمة والسلطة التى تدير شؤونها. والاستعانة بالموروث الثقافي في تشكيل الحاضر يتوقف بالدرجة الأولى على الأيديولوجيا السائدة وعلى قدرة القوى الاجتماعية التي تتبناها. ومن هذه المقدمة أود الإشارة، في إيجاز، إلى سيرة التاريخ الثقافي السوداني ومصادره لنرى مدى انعكاساته على الواقع السوداني المعاصر.

 

نستمد معلوماتنا عن فترات العصور الحجرية والتاريخ القديم من الأعمال الآثارية التي بدأت منذ مطلع القرن العشرين في شمال السودان بوتيرة بطيئة لتتصاعد بصورة مؤثرة عندما تقرر بناء السد العالي وأُجرى ما عرف بحملة إنقاذ آثار النوبة (1959- 1965).جاء إلى المنطقة في ذلك الوقت أكثر من أربعين بعثة علمية أجنبية تجري المسوحات وتنقب في المواقع الأثرية في كل من شمال السودان وجنوب مصر. وكان نتائج أعمالها هو معظم، إن لم نقل كل ما نعرفه، تقريباً عن تاريخ السودان القديم والوسيط (للمزيد من المعلومات حول الموضوع انظر في أركامانى : كاتسنلون؛ و آدمز، , أسامة).

 

توسع النشاط الآثاري بعد ذلك في منطقة الخرطوم ولكنه لم يشمل مناطق السودان الشاسعة الأخرى إلا في حالات قليلة مما سبب نقصاً واضحاً في المعلومات المطلوبة لصوغ التاريخ الحضاري للسودان بحدوده الحالية. ويجدر بالذكر أن التركيز على شمال السودان أوجد "مركزية شمالية" أثرت في توجيه مسار البحث العلمي في هذا الحقل لم تبدأ مراجعتها إلا مؤخرًا وبصورة جزئية (العباس محمد علي، ويوسف الأمين 1992: 65-67). ومازالت مناطق واسعة في الغرب والشرق لم يستوعب تاريخها القديم والوسيط في مسيرة التاريخ السوداني بطريقة مقنعة. بل أن جنوب السودان لم يحظ إلا بحملة آثارية واحدة ولفترة محدودة John Mack and Robertshaw,1982.

 

أوضحت البحوث الآثارية وجود مواقع تعود لفترة العصر الحجري القديم عاشت خلالها مجموعات سكانية على امتداد وادي النيل في السودان وفي الأقاليم الأخرى بعيداً عن نهر النيل (للمزيد انظر أسامة النور: العلاقة بين الصحراء ووادي النيل السوداني وشرق أفريقيا في الهولوسين). وكانت الأدوات الحجرية المكتشفة تعبر في مجملها عن وجود تقاليد ثقافية في تصنيع الأدوات الحجرية وأنماط الاقتصاد المعيشي البدائي وهى تمتاز بخصائص محلية كما تعكس صلات حضارية مع المناطق المجاورة في الوقت نفسه. ويبدو من الصعب القول أن كل أراضي السودان الحالي كانت تمثل في ذلك الزمن وحدة حضارية تربط بين أقاليمه. وربما نجد أول إشارة لهذا الأمر في الدور الثاني من العصور الحجرية المتمثل في مجتمعات العصر الحجري الحديث عندما تعرف الناس على عمل الفخار واستئناس الحيوان والزراعة ضمن ابتكارات أخرى في مجال تصنيع الأدوات العظمية ونماذج الفنون الأخرى وتوجه مجتمعات الصيادين نحو الاستقرار بصفة عامة. ويذكر في هذا السياق ما اشتهر باسم "حضارة الخرطوم القديمة" التى عُرفت أولاً في موقع الخرطوم المبكر الذى نقب فيه آركل في الأربعينات من القرن الماضي. وقد وصف الموقع بأنه كان مستوطنة شبه دائمة أقيمت على ضفاف النهر القديم اعتمد سكانها على صيد الأسماك والحيوانات البرية وجرش الحبوب البرية إذ لم يعرفوا الزراعة بعد. وقد شكلوا أدواتهم المتميزة من الأحجار والعظم كما صنعوا فخار الخرطوم الشهير وهو من النوع الصلب غير المصقول، تزينه خطوط متصلة مموجة وأخرى متقطعة مموجة أو متعرجة. وقد أصبح ممكناً تأريخ هذه الحضارة فيما بعد بالألف الثامن قبل الميلاد وبذا يكون فخار الخرطوم الأقدم في وادي النيل وربما أفريقيا كلها. وقد اكتشف هذا الفخار بزخارفه المعروفة في السودان الأوسط وشمالاً حتى وادي حلفا وكذلك في أماكن بعيدة من الصحراء الغربية حتى النيجر.

 

وفي السودان نفسه يشير توزيع مستوطنات هذه المرحلة إلى تماثل حضاري يمتد من شمال السودان حتى وسطه وقد كانت المستوطنات التي تلت مرحلة ثقافة الخرطوم عبارة عن تجمعات سكانية كبيرة نسبياً اعتمد أصحابها في حياتهم على زراعة الحبوب وتربية الحيوانات مثل الأغنام والماعز والأبقار إضافة إلى الموارد الطبيعية المعهودة Arkell 1975;Haaland 1992: 43-64.

 

ومع انتشار هذه المستوطنات الكبيرة شبه المستقرة بالقرب من ضفاف نهر النيل في الفترة 5000 – 3000 ق. م. تهيأت المجموعات السكانية لإحداث نقلة حضارية جديدة تتمثل في نشوء مراكز وتجمعات أكبر حجمًا انتظمت فيما يعرف بدويلة المدنية. كان ذلك أولاً في كرمة في منطقة النوبة العليا بشمال السودان عندما تمكن الزعماء والأمراء المحليين من تأسيس حكم مستقل عن الدولة المصرية. وقد كان هؤلاء يمثلون مقاومة مستمرة للاحتلال المصري لشمال السودان. وتدلنا المكتشفات الأثرية إلى أن كرمة كانت مدينة تبلغ مساحتها نحو خمسة وعشرين هكتاراً وهى مسورة بحائط ارتفاعه ثلاثين قدماً. ويوجد في وسط المدينة معبد وقصر وقاعة استقبالات كبيرة وبيوت الطبقة العليا في المجتمع. كانت هذه عاصمة أول دولة سودانية (كوش) التى ازدهرت نحو 2200 ق. م. وهى بالتالي أقدم مدينة معروفة لدينا في أفريقيا خارج مصر. كان مجتمع كرمة يمجد الحرب والعسكرية بحيث امتد نفوذها لتسيطر على النوبة السفلى في الشمال لبعض الوقت. واستعان حكام كرمة من المصريين المقيمين في القلاع والحصون لمساعدتهم في إدارة المنطقة. وقد خلفت كرمة تراثاً حضارياً غنياً في مجالات الفنون والحرف والعمارة ما يقف شاهداً على التمّيز الثقافي والأصالة المحلية (شارل بونيه، 1997). (للمزيد عن كرمة)

 

عاد المصريون واخضعوا كل بلاد النوبة نحو 1460 ق. م. وازدهرت المنطقة ببناء المستوطنات والمعابد وبالنمو الاقتصادي والثقافي. نهض أمراء المنطقة مرة أخرى بعد مرور مصر بفترة ضعف، وأسسوا دولة نبتة نحو 9000 ق. م. حيث يبدأ تاريخ كوش الحافل في مرحلته الثانية التى تطغى فيها المؤثرات المصرية كاللغة والعمارة والفنون والدين على الرغم من الغموض الذى يكتنف الطريقة التي تأسست بها هذه الدولة. لقد أعاد الكوشيون للحضارة المصرية مجدها القديم عندما حكموا مصر لمدة سبعين سنة حافلة بالإنجازات التي كان في مقدمها تحقيق أول وحدة سياسية في وادي النيل. إضافة إلى توسعهم في بناء المعابد والمدن وإحياء اللغة المصرية بعد ما أصابها من تدهور في فترة الاضمحلال في نهاية الألف الثاني ق. م. استمرت كوش دولة مستقلة في مرحلتها الثالثة عندما انتقلت العاصمة جنوباً إلى مدينة مروي القديمة القريبة من مدينة شندي (300 كلم شمال الخرطوم). وفي الوقت الذى ازدهرت فيه مروي وتوسعت في الأقاليم السودانية كانت مصر قد خضعت لحكم الفرس ثم البطالمة ثم والرومان.

 

ازدهرت الحضارة المروية (300 قبل الميلاد إلى 350 ميلادية) وعرفت بسماتها الأصلية الممزوجة بالتيارات الثقافية الوافدة من الشمال. كان أول ما حققه حكامها المحافظة على دولتهم ومقاومة البطالمة والرومان من بعدهم عسكرياً ودبلوماسياً عندما فشلوا في صدهم بالقوة. يصعب علينا أن نحصي صفات تلك الحضارة ويكفي أن نشير إلى أهم إبداعاتها مثل الكتابة المرَّوية التي وصفت بأنها شبه أبجدية ولها خطان أحدهما هيروغليفي وثانيهما تجريدي وكلاهما منحدران من أصول مصرية وهى أقدم لغة أفريقية صريحة مكتوبة، غير سامية كما يعتقد أحد علمائها البارزين (عبد الله، عبدالقادر محمود 1986). ومثل ما حدث في الكتابة المرَّوية من تطوير محلي نجد إبداعاً آخر في صناعة الفخار الرفيع والذي لم تشهده المنطقة من قبل. وتشمل الصناعات أيضاً مختلف أنواع قطع الزينة الذهبية والعاجية وغيرها من الأحجار الكريمة والمواد التى جاءت عن طريق التجارة التي انتعشت في هذا العهد. وتوسع المرَّويون في بناء المعابد والأهرام والقصور والقلاع والحصون والبيوت السكنية في المدن الكبيرة المنتشرة في الأقاليم الشمالية والوسطى وأجزاء من الشرقية من البلاد. ومما لا شك فيه أن بقية الأقاليم المرَّوية داخل السودان وبعيداً عن وادي النيل قامت فيها مستوطنات ربما كانت مبنية بمواد غير حجرية تتناسب والبيئة المحلية وممارسة الرعي والزراعة الموسمية. استطاع المرَّويون أيضاً أن يصنعّوا الحديد في القرن السادس قبل الميلاد قبل أن تصبح المدينة عاصمة للدولة وبذلك يكونوا أول من حقق هذه الطفرة التقنية في أفريقيا جنوب الصحراء، ومن المرجح أنها جاءتهم من مصر التي وصلتها التقنية بدورها من غرب آسيا. أما في مجال الفكر والأديان فقد استمر المرَّويون في إتباع الأديان المصرية المعروفة وأضافوا إليها معبودات محلية أهمها أبادماك (الإله الأسد) الذى أقيمت له المعابد في أكثر من مكان وكان بالنسبة لهم إله الخلق والحرب (2). وبنهاية القرن الرابع الميلادي اختفت دولة مروي من مسرح الأحداث في المنطقة تاركة وراءها من الموروث الثقافي ما يشهد على روعة إنجازاتها في دمج الإبداع المحلي بما هو وافد من شمال الوادي. إن تفاصيل امتداد دولة مروي في شرق وغرب السودان غير معروفة الآن وتنتظر الأبحاث الميدانية في المستقبل إذ وجدت آثار مرَّوية في الجزيرة بوسط السودان وعلى النيل الأبيض حتى مدينة كوستي (400 كلم جنوب الخرطوم). وهكذا فإن دولة مروي قد حكمت مركزياً إقليماً واسعاً من مساحة السودان الحالي وكان تراثها المادي متنوعًا مثلما تنوعت أقاليمها بيئياً Adams,1977: 323-325.

 

لا يوجد أثر لدولة مركزية بعد تفكك مروي ما عدا نوباتيا في النوبة الشمالية وكان مركزها في بلانة وقسطل في أقصى الشمال وظلت محصورة هناك تحتفظ بموروثات الحضارة الكوشية حتى تغير حكامها ليعتنقوا المسيحية بتأثير من مصر البيزنطية في 580 م. وكان ذلك إيذاناً ببداية العهد الذهبي الثاني في حضارة السودان القديم. تشير الأدلة الآثارية المتوفرة إلى أن قبول المسيحية وانتشارها أحدث تحولاً ثقافياً عميقاً ومؤثراً مما يعطي انطباعاً بأن أفواجاً من الناس قد دخلوا البلاد ولكن هذا لم يحدث. لقد كانت نقلة ثقافية سريعة أحدثتها اتصالات بين المبشرين وصفوة الحكام في البلدين. لم يكن السودان كله موحداً خلال تاريخه الوسيط حيث قامت في البداية ثلاث دويلات هي نوباتيا والمقرة في الشمال وعلوة وعاصمتها سوبا جنوب الخرطوم وفيما بعد توحدت نوباتيا والمقرة في دولة واحدة عاصمتها دنقلا. نعمت البلاد باستقرار سياسي لنحو ستمائة سنة أثمر خلالها تلاحم الثقافات المحلية مع الديانة الجديدة الوافدة رصيداً حضارياً مميزاً كانت حصيلته بارزة في الفنون الزخرفية واللوحات الملونة الرائعة التي تزين الكنائس وفي الإنجيل المكتوب باللغة النوبية القديمة وكما نجدها أيضاً في مختلف الحرف والمصنوعات التى تمس حياة الناس اليومية Adams,1977: 246-381; O'connor,1993: 4-15.

 

تمثل المرحلة التالية المنعطف الكبير في تاريخ السودان الحديث عندما سقطت الدولة المسيحية في شمال السودان في 1323 م. ومن بعدها الدولة الثانية (علوة) بنهاية القرن الخامس عشر وكان ذلك نتيجة للهجرات العربية المتتالية إلى السودان من مصر. اعتنق سكان شمال السودان ووسطه الدين الإسلامي تدريجيًا، وبمرور الوقت اتخذوا من العربية لغة تجمع بين فئات المجتمع المختلفة كما بدأت عمليات المصاهرة تلقى بظلالها في التركيب العرقي للسودانيين. تشير المصادر التاريخية إلى دخول العرب للسودان بأعداد قليلة منذ عهد حمير ربما عبر البحر الأحمر أو عبر سيناء جنوباً للسودان الشرقي ولكن الأعداد الكبيرة منهم تسربت من مصر بعد الفتح الإسلامي. ثم جاءت أفواج أخرى من الشمال الأفريقي. وقد واجه العرب المسلمون في البداية مقاومة شرسة من الدولة المسيحية في دنقلا التي خاضت ضدهم حرباً دفاعية أحيانًا وهجومية أحياناً أخرى. وقد عقد المسلمون معها اتفاقية سلام في 651 م. تحفظ حقوق الطرفين في التنقل ودفع الجزية ووقف الاعتداء المتبادل. وهكذا صارت بلاد النوبة بموجب هذه الاتفاقية (البقط) خارج داريَّ الحرب والإسلام في آن. ولم يحسم الأمر لصالح المسلمين إلا بعد أن دب الوهن في عضد الدولة المسيحية لأسباب كثيرة منها الأثر العربي الذى نتج عن توغل أعداد غفيرة من المهاجرين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، حيث انهارت الدولة وأسلم آخر حكامها في عام 1323م. وانفتح الباب واسعًا أمام العرب والمستعربين لتأسيس الممالك والسلطنات الإسلامية Hassan,1967.

 

وقبل الحديث عن تطور تلك الأحداث السياسية وأثرها البالغ في المجتمع السوداني علينا الإشارة إلى مصادر المعلومات عن هذه الفترة الحرجة من تاريخ السودان وذلك لأهميتها في تشكيل المناخ الفكري الذى نبعت فيه الرؤية الثقافية السائدة عن السودان اليوم.

 

لم تحظ الفترة الإسلامية في السودان بعمل آثاري مثل غيرها من فترات التاريخ السوداني. ففي المنطقة الشمالية الأوفر حظاً في هذه الدراسات لم تعُنى البعثات العلمية الأجنبية إلا بعدد محدود جداً من المستوطنات الإسلامية إذ لم تكن ضمن اهتمامات العلماء الأجانب. وقد أهملت تلك الآثار من منطلق أنها حديثة ولا تفيدهم في معرفة واقع يرونه ماثلاً أمامهم. أما في بقية أقاليم السودان يظل العمل الآثاري في مجال الآثار الإسلامية غير معروف ما عدا ما جُمع من نقوش وشواهد قبور إضافة للوصف العام لقباب مدافن الفقهاء أو شيوخ الطرق الصوفية. وفيما عدا الاهتمام بوصف العمارة والآثار العثمانية في سواكن في شرق السودان ظلت آثار السلطنات الإسلامية في كردفان ودارفور بغرب السودان بعيدة عن اهتمام الباحثين El-Zein,2000: 35-36.

 

وتشير الأبحاث المحدودة في شمال السودان إلى استمرار الاستيطان في المواقع المسيحية ولكن المباني تدهورت بعد ذلك ولم يجر ترميمها أو بناء مثيل لها كما توقف إنتاج الفنون المتمثل في الرسم والصناعات الخزفية والمعدنية. ويصف الرحالة الذين زاروا المنطقة في أوائل القرن التاسع عشر المنازل الطينية الشبيهة بما نجده في القرى الريفية المعاصرة. كذلك تتوفر معلومات مفيدة في ما كتبه أولئك الرحالة الأوروبيين الذين زاروا السودان ووصفوا ناسه وعاداتهم وأنسابهم كما سمعوها منهم. أما الهجرات العربية فمصادرها هي ما كتبه المؤرخون العرب أمثال المقريزي وابن خلدون. ولم يكتب السودانيون أنفسهم إلا القليل، ومن أهم ما عرف من مؤلفات محلية مخطوطة ابن ضيف الله المعروفة بالطبقات التى وضعها بلغة عربية محلية في مطلع القرن التاسع عشر. وتحوي المخطوطة معلومات مفصلة عن سيرة مشاهير الفقهاء ورجال الدين كما تعد مصدراً أولياً عن الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية لفترة مملكة الفونج الإسلامية التى قامت في وسط السودان مطلع القرن السادس عشر. ويذكر في هذا السياق وثائق تمليك الأرض عند الفونج وشجرات النسب التي تؤرخ للأسر السودانية وتحدد أصولها العربية التى يراد لها دائماً النقاء العربي بمدها حتى النبي (صلعم) أو عمه أو أحد من الصحابة. ويعتقد أن الكثير من عناقيد النسب هذه مشكوك فيها وهى تعود للقرن التاسع عشر وقليل منها إلى عهد دولة الفونج. ومن المخطوطات المهمة التى كتبت في القرن التاسع عشر مخطوطة كاتب الشونة التي يصف فيها ملوك وأحوال دولة الفونج (يوسف فضل 1975: 109-144). ومن جهة أخرى نجد أن تاريخ الممالك والمشيخات الإسلامية التي قامت في أقاليم السودان الأخرى مثل العبدلاب شمال الخرطوم وتقلي والمسبعات في إقليم كردفان ومملكة الفور في الغرب، يستمد من نفس المصادر المشار إليها وكلها خطها أصحابها في مناخات تدعو لتأصيل النسب العربي (القرشي) وتهمل العنصر المحلى فيه. وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن التزاوج بين العرب والسكان المحليين فإن التاريخ القبلي يصر على ذكر الأب أو الجد العربي الأول. وهكذا فإن هذه المصادر لا تعطينا معلومات واضحة تفيدنا في معرفة عمليات المزج السلالي أو تعريب السكان المحليين ويبقى الحكم على ذلك من خلال النتائج فقط. ومن أشهر مصادر التاريخ الشعبي السوداني الدراسة التى قام بها مكمايكل، أحد رجال الإدارة البريطانية في السودان، وذلك في العقد الأول من القرن الماضي. وقد جمع مئات الوثائق الشعبية مثل عقود ملكية الأرض وأسماء الأسر والأفراد، إضافة لشجرات النسب المنتشرة عند زعماء القبائل ورجال الدين وهى من نوع الوثائق سالفة الذكر. ومن هذه الوثائق وضع الأساس لتاريخ العرب في السودان حيث ذكر ما لا يقل عن مائة قبيلة بعضها يتفرع إلى أخرى صغيرة ويعود نسبُها جميعاً إلى أصل عربي خالص. ولقد قسمت دراسة مكمايكل سكان السودان إلى نوعين عرب وغير عرب وبالتالي شكلت إطاراً لكل الدراسات التاريخية اللاحقة ويوشك ضررها أن يبلغ نفعها MacMichael 1922.

 

وفيما يتعلق بوحدة أقاليم السودان فان أياً من الممالك الإسلامية آنفة الذكر لم تتمكن من بسط نفوذها على كل أو معظم أقاليم السودان. ففي أقصى الإقليم الشمالي نجد مشيخة الكنوز ثم مملكة العبدلاب وعاصمتهم قرِي شمال الخرطوم وقد كانت هذه عبارة عن اتحاد فضفاض يشتمل على عشرات المشيخات يحكمها زعماء القبائل. وفي مملكة سنار وممالك الغرب تظل السلطة السياسية محدودة في أقاليم متعارف عليها ولكن ذلك لم يمنع التداخل السلمي أو الضم الذى ينجم عن نزاعات حربية. ومع أن نظام الحكم كان إسلامياً في ظاهره فإن كثيراً من العادات والطقوس المحلية القديمة ما زالت تجد تعبيراتها في حياة الأمراء ومساعديهم أو عامة الشعب. وما وردنا من معلومات عن العناصر المادية لثقافات هذه الممالك يعكس هو الآخر تراثاً يعود لفترات حضارية سبقت انتشار الإسلام. ومن جهة أخرى فإن انتشار الإسلام وتزايد نفوذ رجال الدين الصوفية كان عاملاً فاعلاً مع انتشار اللغة العربية في ربط أقاليم السودان الوسطى والشمالية في وحدة اجتماعية إن لم تكن سياسية بالكامل. ونشوء الممالك المشار إليها لم يكن في الواقع كله من عمل العرب الوافدين بل بالتعاون مع أقوام مستعربة أو سكان محليين. فبعد أن سقطت مملكة علوة في أيدي العرب بزعامة العبدلاب (القواسمة) هاجمتهم قبائل الفونج السود الذين قضوا على نفوذ العرب وتعاونوا معهم لاحقاً في إدارة الإقليم الشمالي بعد أن اتخذوا من سنار عاصمة لهم في 1504 م. ومهما يكن من أمر فقد استمرت دولة الفونج نحو ثلاثمائة سنة اتسعت خلالها دائرة انتشار الإسلام والمؤثرات العربية الأخرى كما ظلت بعض أقاليم السودان الحالي بسكانها بعيدة عن هذه التيارات O'Fahey and Spaulding 1974: 26-116.

 

سقطت دولة الفونج وعهد الممالك الإسلامية في السودان في 1821 م. عندما أكملت جيوش محمد علي باشا غزو البلاد وأقامت ما يعرف بالحكم المصري التركي. وكان من نتائج هذا الحكم الذى استمر ستين عاماً توحيد كل أقاليم السودان الحالية وإخضاعها لحكم مركزي. وقد وضع الحكم الجديد أسساً حديثة للإدارات المحلية كما أدخل أنظمة جديدة في إدارة الاقتصاد والمجتمع وربط أقاليم السودان ببعضها وبالعالم الخارجي. انتهى ذلك الحكم بنجاح الثورة المهدية وهى أول ثورة تحررية في القارة الأفريقية تقوم على فلسفة دينية تنشد توحيد كلمة المسلمين وإزاحة الحكم الأجنبي وقد كتب لها النجاح في 1885 م. ولم تستمر دولة المهدية الوطنية كثيراً إذ اكتسحت البلاد مرة أخرى جيوش الغزو الأجنبي التابعة للتحالف الثنائي بين حكومتي مصر وبريطانيا في 1899 م. وعاش أهل السودان تحت الإدارة الأجنبية التي دمرت مؤسساتهم التقليدية وحلمهم في الدولة المستقلة إلى أن حققوا استقلالهم رسمياً مرة أخرى عام 1956 م. نذكر هذا في إيجاز شديد لأن موضوع هذه الورقة يتركز حول الموروث الثقافي القديم والوسيط وأثره في بناء وحدة السودان وهُويَّة سكانه الأمر الذى نناقشه في الفقرة التالية.

 

حوارات الهُويَّة

كيف ينظر السودانيون الآن إلى ذلك التاريخ الثقافي القديم؟ وكيف يقومونه خاصة عندما يتصل الأمر بالهُويَّة وتأصيل الشخصية الوطنية؟ في ذلك يذهب عامة الناس وصفوتهم مذاهب شتى. فالتاريخ القديم بمعطياته الآثارية والحضارية لم يتسرب بدرجة كافية في الأدبيات المنشورة العامة أو غير المتخصصة ولا في مقررات التعليم العام. وقطاعات كبيرة من النخب المتعلمة تراه شيئاً بعيداً عن هموم حياتهم اليومية وربما لا يمت بصلة لأنسابهم المباشرة. وفي الكتابات الأكاديمية التي تتناول المجتمع والسياسة والثقافة يصادف المرء عادة رصداً لوقائع التاريخ القديم والوسيط يقدمه المؤلف كأمر ضروري تفرضه منهجية البحث. ويقصد به الكاتب عادة تأصيلاً تاريخياً لموضوع الدراسة دون توظيف تلك المعلومات في تطوير أطروحة فكرية ما. والأمثلة الشائعة لإيراد ملخصات للموروث الثقافي نجدها عادة في الدراسات التي تتناول هُويَّة السودان عربية هى أم أفريقية؟ أو تلك التى تنطلق من مبدأ خصوصية تكوين الثقافة السودانية والهُويَّة الوطنية. وهناك أيضاً من يتناول التنوع العرقي والثقافي السوداني في إطار العلاقات الخارجية (أحمد محمد علي الحاكم،1990؛ عبد الهادي الصديق،1997؛ محجوب الباشا،1998). هذه أمثلة محدودة من الإصدارات الكثيرة حول هذه القضايا التى تصدرها مراكز الأبحاث والجامعات والأفراد، وذلك بصورة ملفتة منذ عقد التسعينات. وهى الفترة التي اشتد فيها وعي النخب السياسية والأكاديمية بأهمية الموروث الثقافي ودوره في إيجاد حلول لمشاكل البلاد التي ظلت عالقة لأمد طويل. وقبل ذلك بكثير كانت قضية الثقافة السودانية والهُويَّة مطروحة في حوارات تركزت حول جدلية العروبة والأفريقانية مع اتخاذها أشكالاً ومناحي متباينة. يرى أحد أبرز مؤرخي العرب والإسلام في السودان أن تكوين الأمة السودانية بدأ في الإطار الجغرافي الحالي للبلاد منذ بداية دولة كوش القديمة وما لحقها من حضارات في العصر الوسيط ويرى أن السودانيين الحاليين يقلب في تكوينهم العرقي العنصر الأفريقي كما أن عمليات التزاوج والانصهار مع العرب الوافدين أنتجت أجيالاً من المستعربين. ويمضي بالقول إن عروبة السودان بالمولد وباللغة والوجدان ولكن الهجين الماثل للعيان لا يجعل منهم عربًا خلصًا (يوسف فضل، 1988: 40-44). وفي مجال آخر يناقش انتشار اللغة العربية وثقافتها في وسط البلاد واضمحلال نفوذها كلما ابتعدنا عن مركز الوسط حيث لا تزال اللغات الأفريقية المحلية رائجة تقاوم تيار التعريب مما يؤكد قوة الثقافة الأفريقية. ويقول "يبدو أن قلة من السودانيين قد أخطأوا عن جهل حينما تطرفوا في المبالغة بانتسابهم للعرب دون سواهم ولعل في هذا التطرف من جهة والتمسك بالحضارة الإسلامية العربية من جهة أخرى محاولة لإيجاد سند حضاري يتكئون عليه بعد أن هزم الاستعمار الإنجليزي ثورتهم المهدية واغتصب بلادهم وكاد أن يحتويهم بحضارته الأوروبية" (يوسف فضل،  1975: 21-22). مما لا شك فيه أن مثل هذا الرأي لا يبعد عن الواقع بل لا يعدم من يطوّره لاتخاذ مواقف أخرى.

 

وعند النظر للحوارات المبكرة حول الهوية السودانية وعلاقتها بالمكوّن التاريخي نجد تباينًا وغموضًا في استخدام المصطلحات مثل "الهوية السودانية" و"القومية/ الوطنية" و"الشخصية السودانية". من الممكن رصد ثلاث ملاحظات عن الأدبيات التي تناولت هذا الموضوع الأولى هي التركيز على الأدب السوداني العربي بخاصة الشعر العربي الفصيح والدارج ثم القصة والمقال باعتبار أنها الأوعية التي تحفظ الفكر السوداني وبالتالي تمثل المصدر الرئيس لمعرفة خصائص الهوية وأصول الثقافة. والملاحظة الثانية أنها تؤرخ للثقافة السودانية من خلال الموروث العربي الإسلامي غير عابئة بما قبله. والملاحظة الثالثة هي أن هذه الإسهامات تركزّ على الأقاليم الشمالية والوسطى عندما يستدعى الأمر العودة للموروث الثقافي القديم وذلك نسبة لتوفر مصادر المعلومات كما ذكرنا آنفاً وهى في الوقت نفسه مكان الأثر العربي الإسلامي الأكثر وضوحًا.

 

والأطروحة الأكثر رواجًا في موضوع الهوية السودانية تقوم على مبدأ التمازج والانصهار بين القبائل العربية والسكان المحليين الذين استوعبتهم الثقافة العربية الإسلامية. وأول ما يلاحظ عليها أنها نادرًا ما تناقش عمليات التغيّر الثقافي ولا تطرح تفسيرًا موضوعيًا للتنوع في مستويات التعريب أو الأسلمة للمجموعات الاثنية المحلية. يذكر الكثير من الكتاب عمليات مزج العنصر العربي مع الأفريقي وفق طريقة ميكانيكية تؤدي في النهاية إلى عنصر بيولوجي جديد يسمى "سوداني" وبعد ذلك تحدث معادلة أخرى، غير واضحة تمامًا، تربط بين البيولوجي والثقافي. فالثقافة الجديدة هي المعادل الطبيعي للعنصر السلالي الهجين. يقول أحد أصحاب هذا الرأي: "... ومن خلال هذا التلاقح ظهر إلى الوجود مخلوق جديد هو السوداني الحديث، الذى لا يشكل دمًا عربياً خالصًا أو دمًا زنجيًا خالصًا، ولكنه بالتأكيد يجمع في أنسجته بين ذينك النوعين من الدماء ويحمل في دماغه نتاج الثقافة الأقوى والأكمل..." (محمد المكي إبراهيم،  1989: 12) وعن نفس عملية التمازج بين العرب الوافدين والسكان المحليين يقول آخر: "... ونتج عن كل هذا عنصر مميز في شخصيته وثقافته وانتمائه. فهو عربي اللسان والثقافة، أفريقي التقاطيع، مزيج عرقي وسط يمكنأن نطلق عليه "عربي – أفريقي" "أفرو – أراب كما يقول الفرنجة" (عبدالغفارمحمد أحمد 1987: 31). وهكذا فالسحنة أفريقية والثقافة عربية لأن تعريف الأخيرة هنا يقتصر على اللغة والدين ولا يلتفت إلى عناصرها الأخرى (المادية) التي ربما تحمل رواسبًا من الثقافة الأفريقية المحلية.

 

وعلى الطرف الآخر، هناك من يرى وجود مجموعات عربية خالصة في الشمال والوسط وأخرى أفريقية خالصة، مثل ما هو الحال في جنوب البلاد لم تتأثر بالثقافة العربية ولم يحدث اختلاط بها وظلت خارج دائرة التأثير والتأثر الثقافي. واستمر جنوب البلاد بصفة عامة متميزًا اثنيًا وثقافياً كما يرى كثيرون Deng,2000: 8 ومع صحة هذا الرأي في عموميته فهناك أيضًا ما يشير إلى التداخل الثقافي منذ أمد بعيد كما ألمحنا لذلك عند مراجعة التاريخ القديم. إن الحديث عن الأجناس والأعراق وربطها بالثقافة أمر في غاية التعقيد ولا يمكن تناوله بهذه البساطة. وفي حالة السودان لا يوجد حتى الآن دراسات كافية في الأنثروبولوجيا الطبيعية تسمح بالخوض في ربط جنس معين بثقافة معينة وما نشر من معلومات حول هذه المسألة في شمال السودان لا يدل على تحول مفاجئ أو كبير في الخصائص البيولوجية للتركيبة السكانية منذ العهد الكوشي حتى ما بعد سقوط الممالك المسيحية. من جهة أخرى أوضحت الأبحاث الآثارية والأنثروبولوجية بصفة عامة في أماكن أخرى صعوبة، بل ربما خطأ، ربط ثقافة ما بمجموعة عرقية إذ أن هناك حالات موثقة نجد فيها مجموعات من أصول عرقية مختلفة تشترك في نظام ثقافي واحد. ومن المناسب في هذه الحالة البحث في الثقافة من خلال عناصرها الذاتية وليس العنصر البشري الذى أنتج تلك الثقافة.

 

استمر الفكر العربي/ الإسلامي الأكثر وضوحًا من غيره في الحركة الأدبية التي عبر المتعلمون من السودانيين من خلالها عن هويتهم وتميزهم الثقافي. وفي الستينات من القرن المنصرم برزت حركات إقليمية، وفي العاصمة القومية تعبر عن طموحات ومطالب مجموعات اثنية وقبلية تتمثل في حق الاعتراف بالاختلاف الثقافي والمساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفي وقت وجيز تحوّلت إلى منظمات مسيسة تناضل من أجل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من مدخل الاختلاف والتنوّع الثقافي. ومن هؤلاء أو من يتفق معهم في الرأي برز قادة للعمليات العسكرية ضد الحكومة المركزية في الشرق وفي الغرب في السنوات القليلة الماضية. وهكذا تحوّل حوار الهُويَّة إلى صراع مسلح يهدد الوحدة الوطنية. ومن جهة أخرى ظهرت حركاتُ تمثل تيارات فكرية مختلفة فيتناولها لقضايا الثقافة والهوية الوطنية وقد عبرت هذه عن وجهات نظرها من خلال المسرح والشعر والمقال الصحفي والندوات..الخ وعلى الرغم من أن أعمال هذه المجموعات جاءت من منطلقات فكرية متباينة، ولم يجمعها إطار تنظيمي واحد، غير أنهافي جملتها تمثل بداية الأطروحة الثانية حول الثقافة السودانية.

 

قدم أصحاب الأطروحة الثانية موضوعاتهم وأفكارهم من خلال معالجة الأدب السوداني، تاريخه ومحتوياته واتجاهاته وأساليبه الفنية. كذلك ظهرت الآراء نفسها في دراسات نقدية للفنون التشكيلية، تبحث في موضوعاتها والينابيع التاريخية لتعبيراتها المختلفة. وقد تميّزت هذه الأعمال النقدية/ الأدبية بشيئين، الأول أنها ركزت على الأصول والصفات الأفريقية والمحلية للثقافة السودانية في محاولة لجعلها ندًا للثقافة العربية أو متفوقة عليها مما أوجد ثنائية ربما هي غير ضرورية في تناول موضوع شائك مثل الهوية الثقافية. والشيء الثاني أنها تطرح بقوة فكرة التنوع العرقي والثقافي في السودان وتنادي بأحقية الأقليات في إبراز هوياتها الثقافية كمدخل للتمتع بحقوقها الطبيعية. وذاعت في وسائط الإعلام في ذلك الوقت مصطلحات لم يتم تحديد معانيها بدقة مثل "الغابة والصحراء" والأقليات الهامشية أو المهمشة" والأفريقيانية" ودون المساس بحقوق تلك الأقليات أو الاعتراف بوجودها، على المرء أن يضع في الاعتبار عمليات التغيّر والاختلاط التي أحدثتها التطورات الاقتصادية والتعليمية والإدارية الحديثة وسبل الاتصال في الفترة التي أعقبت نشر المعلومات الأولية عن الكيانات الاثنية الصغيرة وثقافاتها. إذ ليس معروفًا على وجه اليقين ما حدث لتماسك الكيانات الصغيرة. ومن جانب آخر، على المرء أن يتذكر نتائج الهجرات أو النزوح الجماعي الذى تمخض عن النزاعات القبيلة وقسوة موجات الجفاف منذ سبعينات القرن الماضي. وقد يحدث أن يلتحق بعض أفراد المجموعة الاثنية بمجموعة أخرى وتندمج فيها ثم تكتسب طريقة حياتها. وليس موثقًا على وجه الدقة أيضًا مدى التغيّرات التي حدثت في ثقافات المجموعات النازحة من ناحية اللهجات والعادات وغيرها. وفي مثل هذه الظروف تتبدل هُويَّات وتتشكل غيرها (يوسف مختار الأمين،2001).

 

عودًا على بدء

أشرنا إلى أن قضايا الوحدة الوطنية وانتماءات السودان معقدة تتداخل فيها عوامل شتى منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإقليمي بيد أن العامل الثقافي يمثل فيها موقعًا مركزيًا. ومما لا شك فيه أن حوارات السودانيين حول الهُويَّة على ما فيها من غموض، لم تنته إلى موقف فكري يلتف حوله معظم الناس ليتخذوه منطلقًا لحلول موضوعية لمشاكل البلاد العالقة منذ ما قبل الاستقلال.

 

وعندما حَصُل السودان علىاستقلاله من الحكم الأجنبي رسميًا في 1956 م. كان انضمامه لجامعة الدول العربية أمرًا طبيعيًا لم يشكل عقبة أمام الطبقة السياسية التي قادت حركة المقاومة وشكلت الأحزاب الوطنية الفاعلة ومنظمات العمل المختلفة. كان غالبية هؤلاء القادة من طلائع الطبقة الوسطى التي نالت حظها من التعليم ونالت التدريب في دواوين الحكومة وقد كانوا أصلاً ينحدرون من المجموعات السكانية ذات الأصول العربية. لقد ظلت معظم أقاليم السودان بعيدة عن التعليم الحديث لفترة طويلة بل أن بعضها ظل خارج مجريات الأحداث بفضل سياسات العزل التي فرضتها الإدارة الأجنبية. والمطّلع على التاريخ الرسمي لحركة الاستقلال يرى للوهلة الأولى توجهها العربي الإسلامي حيث كانت وثيقة الصلة بالحركة الوطنية المصرية على سبيل المثال. وكان خطاب حركة المقاومة للأجنبي عربيًا وإسلامياً، لغته العربية كما هي وسيلتُه في الاتصال والإعلام، من خلال المقال والبيان الجماهيري والقصيدة الشعرية. نجحت القطاعات الشعبية ذات الأصول العربية في التمدد اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا كما نجحت بدرجات متفاوتة في استقطاب أو استصحاب القطاعات الأخرى من المجتمعات غير العربية. وبمرور الوقت ترسخ تيار العروبة والإسلام في شكل "أيديولوجية" للنخب الطليعية يدعمها مكتسبات اقتصادية وإنتاج ثقافي يتمثل في الكتابات التاريخية والاجتماعية ومناهج التعليم الرسمي والشعبي.

 

إن قبول السودان كدولة وشعب في منظومة البلاد العربية، كان حصيلة أوضاع تاريخية وثقافية تعود للقرن السادس عشر كما أسلفنا، وذلك أمر له مزاياه الحسنة بطبيعة الحال كما له استحقاقاته. ومما لا خلاف عليه فإن غالبية أهل السودان يدينون بالإسلام ويتحدثون العربية بالرغم من تنوعهم العرقي الواضح. فقد ساعد انضمامه في تقوية الثقافة العربية ومكنّها من الدعوة لاستيعاب الجميع وذلك رغمًا عن التباين الاثني والتاريخي. وبمرور الوقت أصبحت الثقافة العربية تلقائيًا مجموعة من الرموز والمعتقدات الاجتماعية المتماسكة التي ينظر من خلالها الفرد السوداني للواقع الاجتماعي. واستمرت هذه العملية عبر قنوات المثاقفة والتعليم كما جرى أثناء ذلك تأطير المجتمع وفئاته على تلك الأسس. ومن دون تخطيط مسبق من النخب المسيطرة، أعاق ذلك التأطير فرص الأقليات التي لا تتوافق مع النموذج السائد، في مجالات التطوير الذاتي، اقتصاديًا واجتماعيًا. وهكذا تكّون حاجز نفسي/ سلطوي يقف في وجه أية مراجعة تهدف إلى معالجات للشأن الداخلي يُظن أنها قد تمس جوهر الانتماء العربي الذى ترسخ تاريخيًا.

 

وفي التسعينات من القرن المنصرم تعقدت الأزمة السودانية وامتد النزاع ذو الصبغة الثقافية إلى أقاليم أخرى غير جنوب البلاد حيث دخلت فيه مجموعات قبيلة مسلمة أصولها غير عربية. ليس من السهل إرجاع تفاقم هذه الأوضاع إلى عوامل داخلية فحسب وإنما لأخرى خارجية أيضًا ذلك لأن معطيات النظام العالمي الجديد ليست ببعيدة عن مجريات الأمور في السودان.

 

واليوم لا يختلف اثنان على محورية التنوع الثقافي والاثني في السودان ولا على وجوب البحث عن حلول جذرية لمشاكل ظلت عالقة لسنوات طويلة. فأدبيات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني كلها تتفق على جوهر هذا الأمر ولكنها تختلف في الحلول والمسالك المؤدية إليها. إن الجدل المستمر منذ سنوات صار صريحًا وجريئًا إذ تناول تفاصيل الأسس التي قام عليها المجتمع السوداني الحديث ولامس علاقاته الإقليمية في الوقت نفسه. فمن جهة علاقات السودان العربية انتبه البعض إلى أن الحوار الجاري الآن بين فئات المجتمع لم يشاركهم فيه الأخوة من المفكرين العرب بصورة ترقى لمستوى نسبة السودان للمنظومة العربية. فقد تُرك السودان لحاله وإن كانت هناك مشاركة فهي من منطلقات الأمن القومي العربي والمحافظة على السودان باعتباره "بوابة العرب إلى إفريقيا" و"معبر الثقافة العربية..." الخ، وهى شعارات يصفها الكثيرون بأنها تبشيرية ضارة بمصير العلاقات الداخلية بين اثنيات السودان المختلفة، ناهيك عن كونها تعبر عن مفاهيم قديمة غير مناسبة حتى من منطلق الحرص على انتشار الثقافة العربية الإسلامية. فإنجاز الهدف الأخير في وقتنا الحالي لا يحتاج لمعابر أو بوابات جغرافية ينتقل عبرها الأثر الثقافي. ويمضي هؤلاء إلى أن عدم مشاركة العرب الإيجابية تعود إلى هامشية عاشها السودان في علاقته العربية منذ أمد. وتترسخ تلك الهامشية في قلة الإلمام بخصوصية التكوين الاجتماعي للسودان كما أن المعطيات التاريخية والثقافية السودانية غير معروفة بدرجة كافية لأشقائه. وربما تعبر هذه الحالة عن نفسها بتلك المؤلفات التي كتبها السودانيون في موضوعات شتى وبدت وكأنها مرافعات لإثبات عروبة السودان وثقافته. ناقش محمد عمر بشير قضية خصوصية التنوع الثقافي والاثني في السودان في سياق حديثه عن البعد العربي والأفريقي في علاقات السودان. وذكر أن السودان لم يشرك أحيانًا في بعض المنظمات العربية بسبب وضعه الطرفي أو لعدم حسم مسألة العروبة فيه (محمد عمر بشير،1991: 84-90). ويمضي ذلك الاستقطاب داخليًا مداه عندما برزت على السطح فكرة المواطنة كأساس للتعايش ونيل الحقوق وليس الدين أو العرق، أو غيرهما. هذا هو المدخل المناسب لفك الارتباط بين العروبة واحتكار السلطة والثروة على رأي بعض من يدعمون هذا الاتجاه. وما يجري الآن من مفاوضات جريئة (3) بين كل الأطراف السودانية لا يخرج عن هذا الإطار ويبدو أن الكل يستعد لتقديم تنازلات تبدو تاريخية من أجل تأمين الوحدة الوطنية. وإن وصل الحوار القائم الآن إلى غاياته المنشودة فسوف يكون للسودان وجه جديد تفرضه الظروف الموضوعية الداخلية وليس رغبات أفراد أو جهات أجنبية. والوضع الجديد المتوقع ينطلق من مراجعة مواقف الهُويَّات الثقافية التي صار لكل واحدة منها قراءة رسمية لتاريخها ظلت غير قابلة للمراجعة أو الاختراق لفترة طويلة. وعلى المستوى الداخلي فإن تاريخ البلاد على النحو الذى كتب به في الغالب، ربما بسط سلطته المعنوية لمصلحة فئة من المجتمع دون أخريات لتستمد منه القوة والسلطة وتشكل من خلاله الحاضر. لا أود أن يأخذنا بعيدًا القول الشائع أن التاريخ يكتبه المنتصرون وفق ما يودون ولكن مساءلة التاريخ أمرُ ضروري يمليه علينا راهن الأوضاع في السودان. إن إعادة قراءة التاريخ الثقافي بكامل عصوره لا بد أن يكون مقرونًا بمشروع الأبحاث الحقلية المستمرة آنفة الذكر خاصة في تلك الأقاليم التي ليس لها تاريخ مدون. والمعلومات التي توفرها الآثار والمصادر التاريخية والتراث الشعبي هي المصدر الأساسي الذى يكشف لنا مستويات الاتصال والتأثير بين مختلف الاثنيات والأعراق في البلاد ومن ثم إبراز المشترك بينها الذى يدعم أواصر الوحدة الثقافية ويعترف بالتنوع والخصوصية في الوقت نفسه. ولتأمين هذه الأشياء لا تكفي فقط القرارات السياسية على كل حال.

 

ولكن الفهم المشترك للظروف التاريخية التي تشكلت فيها الثقافة السودانية يفتح الباب واسعاً أمام البناء الوطني والتماسك الاجتماعي. وذلك من منطلق أنها إحدى ركائز الشرعية التي تقوم عليها الدولة الوطنية كما ذكرنا. عندئذ قد يكون السودانيون في وضع أفضل لخلق علاقات إقليمية أكثر توازنّا وفائدة لهم ولشركائهم في العالمين العربي والأفريقي من جهة، ولمصلحة نمو الثقافة العربية الإسلامية وتفاعلها مع الثقافات المحلية من جهة أخرى.

 

هوامش

(1) سمي هذا المنهج في الدراسات الآثارية بالاثنواركيولوجيا وهو يقوم على تحليل العناصر المادية للمجتمعات التقليدية في سياقاتها البيئية والاجتماعية بغرض جمع معلومات تفيد في بناء فرضيات نظرية ينطلق بها الباحث من الحاضر لتأويل الماضي (يوسف مختار الأمين، 2002).

(2) اتخذته مجموعة من الأدباء والتشكيليين شعارًا لمنتدى فكري يبحث في أصول الثقافة ومنابعها الأفريقية وذلك في الستينات من القرن المنصرم.

(3) تتمثل جرأة الحوار بين السودانيين عندما تقرر أن تكون الخرطوم عاصمة للثقافة العربية عام 2005م حيث رأى البعض أن تحديد العربية قد يسبب مشكلة داخلية بالنسبة للمجموعات الأخرى غير العربية. ويرى آخرون أن الخرطوم ستقدم وجهًا سودانيًا للثقافة العربية يشتمل على عناصرها الأفريقية في الوقت نفسه. ومن اللافت أن النقاش كان حرًا ومفتوحًا في وسائط الإعلام أسهم فيه الكثيرون بمن فيهم بعض المسئولين.

 

المراجع

محمد المكي إبراهيم، 1989، الفكر السوداني، أصوله، وتطوره، الخرطوم.

يوسف مختار الأمين، 2001، تحولات الهوية السودانية. العصور الجديدة 7: 82 – 95.

محجوب الباشا، 1998، التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان. مركز الدراسات الاستراتيجية، الخرطوم.

محمد عمر بشير، 1991، السودان بين التجمعات الإقليمية وتجمع دول حوض النيل. في: علاقات السودان الخارجية (البعد العربي والإفريقي). تحرير حامد عثمان أحمد ومدني محمد أحمد، دار جامعة الخرطوم للنشر، ص ص 84-114.

أحمد محمد علي الحاكم، 1990، هوية السودان الثقافية، منظور تاريخي، دار جامعة الخرطوم للنشر.

يوسف فضل حسن، 1975، دراسات في تاريخ السودان، الجزء الأول، دار جامعة الخرطوم للنشر.

يوسف فضل حسن، 1988، مفهوم الأمة السودانية: منظور تاريخي. في: دراسات في الوحدة الوطنية في السودان، تحرير العجب محمد الطريفي، دار جامعة الخرطوم للنشر، ص 23-64.

منصور خالد 1993، النخبة السودانية وإدمان الفشل (جزءان) سجل العرب. القاهرة.

شارل بونيه 1997، كرمة مملكة النوبة. تراث أفريقي من عهد الفراعنة. ترجمة: أحمد محمد علي الحاكم، دار الخرطوم للطباعة والنشر.

عبد الهادي الصديق، 1998، السودان والأفريقانية. مركز الدراسات الاستراتيجية، الخرطوم.

عبد القادر محمود عبد الله، 1986، اللغة المروية. مطابع جامعة الملك سعود.

عبد الغفار محمد احمد، 1987، السودان والوحدة في التنوع، المكتبة العربية، برلين.

عباس سيد أحمد محمد علي ويوسف مختار الأمين 1992، مشروع البطانة الأثري (شرق السودان): النتائج والدلالات. في: دراسات في الآثار. الكتاب الأول. ص ص 65-99. قسم الآثار، جامعة الملك سعود، الرياض.

حليم اليازجي، 1985، السودان والحركة الأدبية (جزءان). منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت.

 

Adams, Y. M. 1977, Nubia: Corridor to Africa. Allen Lane, London.

Arkell, A. J. 1975, The Prehistory of the Nile Valley. Leiden.

Deng, F. 2000, ‘Race and Culture: Prejudice and Denial in Sudanese Society’. In: Sudan: Development and Culture; 5-12. Sudanese Studies Centre. Cairo.

Elamin, Yousif. M. 1999, ‘Archaeology and Modern Sudanese Cultural Identity’. The African Archaeological Review 16: 1-3.

El-Zein, Intisar. S. 2000, ‘The Archaeology of the Early Islamic Period in the Republic of Sudan’. Sudan and Nubia. No.: 32 – 36.

Haaland, R. 1992, ‘Fish, Pots and Grain’. The African Archaeological Review, 10: 43-64.

Hassan. Fekri. A. 1998, ‘Memorabilia. Archaeological Materiality and National Identity in Egypt’. In: Archaeology Under Fire. Nationalism Politics and Heritage in the Eastern Medit. And Middle East. (ed) Lynn Meskell. Routledge. London. 200-216.

Hassan, Yusuf. F. 1967, The Arabs and the Sudan. Edinburgh.

Mack, John and Robertshaw (eds) 1982, Culture History in the Southern Sudan. Archaeology, Linguistics, Ethnohistory. Memoir No. 8 of the British Institute in Eastern Africa.

MacMichael, H. A. 1967, A History of the Arabs in the Sudan, 2 vol.. London: Frank Cass and Co.

O’connor, D. 1993, Ancient Nubia; Egypt’s Rival in Africa. Philadelphia.

O’Fahey, R. S. and Spaulding J. L. 1974, Kingdoms of the Sudan. London: Methuen and Co. Ltd.

Trigger, B. G. 1975, ‘Alternative archaeologies: nationalist, colonialist, imperialist’. Man 19: 355-70.

Woodward, P. 1990, Sudan: 1898 – 1989 The Unstable State.. London: Lester Crook Academic Publishing.

 

 

 حالة الأنثروبولوجيا في السودان

د. عبدالغفار محمد أحمد

نشر هذا المقال بمجلة صادرة عن المتحف الاثنوغرافي باستكهولم، السويد، المجلد الأول الأول والثاني 1982. وأعيد نشره باللغة العربية في كتاب "في تاريخ الأنثروبولوجيا والتنمية في السودان"، ترجمة مصطفي مجدي الجمال، مركز البحوث العربية للدراسات العربية والأفريقية والتوثيق، القاهرة 2002. وتعيد أركامانى نشره بعد موافقة د. عبدالغفار محمد أحمد مشكوراً

 

المرحلة الأولى     

المرحلة الثانية       

المرحلة الثالثة    

ملاحظات      

المراجع     

 

 لا يمكن فهم حالة الأنثروبولوجيا في السودان اليوم بدون معرفة المراحل المختلفة التى مرت بها. فخلال المرحلة الأولى تركزت بؤرة اهتمام الأنثروبولوجيا على أنساق التنظيم المختلفة الملائمة لفدارة الاستعمارية الممولة للبحث، وعلى قضايا تفسير المعنى. وجاءت المرحلة الثانية بتحول في الاهتمام البحثي، فعلى الرغم من استمرار كتابة المؤلفات العامة أصبحت المشكلات الخاصة ذات الطابع العلمي أكثر خضوعاً للمناقشة والبحث. وأفضل مثال لهذا هى مسألة توطين الرحل وفرض سلطة الدولة عليهم. كما استمر الاهتمام بالتطبيق العلمي في المرحلة الثالثة، ولكن صار هناك تشديد أكبر على تحليل الواقع المحلي في علاقته بالبلد ككل. وبدأت مع نهاية المرحلة الثانية إعادة النظر في المفاهيم المستخدمة لتحليل البيانات، إلا أن هذا احتل أولوية متقدمة في المرحلة الثالثة، والتى شهدت أيضاً انشغالاً منهجياً أكبر بالتدخل بالمشاركة، والمزيد من التداخل مع النظم المعرفية الأخرى، واتصالاً أكثر مباشرة مع مخططي التنمية وصناع القرار من خلال مشروعات بحثية مختلفة ذات طابع مؤسسي كما زاد الانتباه الى اشتراك الخبراء والطلاب غير السودانيين، ومن ثم القاء الضوء عن الفروق بينهم وبين الباحثين السودانيين من حيث الالتزام والأخلاق والأيديولوجيا. وقد كان للخبراء الأجانب أثر سلبي الى حد ما على دور الأنثروبولوجيا في التنمية في السودان. ولا شك أن وعي جميع الأنثروبولوجيين السودانيين بقضايا الالتزام والأخلاق والأيديولوجيا تلك سوف يكون العامل الرئيس في تحسين الوضع.

 

في تقديمه لكتابه "النظام السياسي للأنواك في السودان الإنجليزي المصري" كتب سير إدوارد ايفانز برتشارد: " كانت الأبحاث تتم بناءً على طلب حكومة السودان الإنجليزي المصري، والتي واجهت بعض المصاعب في تعاملاتها مع سادة الأنواك، ومن ثم يمكن عدها جزءاً من "الأنثروبولوجيا التطبيقية" بالمعنى الأكثر شهرة لهذا التعبير والذي يمكن أن يدلل به على المرحلة الراهنة في العلوم الأنثروبولوجية: اكتشاف الحقائق التى تستطيع الحكومة على ضوئها تنظيم إدارتها. وآمل أن تكون هذه الاكتشافات ذات فائدة للقائمين على الإدارة، وإنني على ثقة أنهم سيدركون أن دراستي للأنواك كانت محدودة في طائفة صغيرة من المشكلات ومن ثم ضرورة زيادة معرفتنا من خلال إجراء المزيد من الاستقصاءات الأكثر اتساعاً" Evans-Pritchard,1940:5-6.

 

لقد وضعت أخيراً العلاقة بين الأنثروبولوجيا والاستعمار في موضعها السليم (قارن: Magubane,1971; Mafeje,1971; Abdel-Ghaffar,1973). وظلت المشكلة الرئيسة المستمرة لفترة هي تجاوز الاهتمامات الفكرية البورجوازية الصغيرة في هذا الفرع المعرفي، وإدراك أن إسهامه في تنمية المجتمع يجب أن يتماشى مع وضعه الاجتماعي- الاقتصادي، وليس مجرد إنتاج تأملات ذهنية فردية. وهو الدور الذى أداه بنجاح  مافيجي Mafeje,1976. بيد أن الحالة السائدة في البلدان الأفريقية بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية تجعل من الصعوبة بمكان بالنسبة للمثقف الأفريقي التخلص من إرث العلم الاستعماري في هذا العصر. إذ أن الجيل الحالي من الأنثروبولوجيين الأفريقيين هم نتاج للأنثروبولوجيا الاستعمارية، أو إذا أردنا تعميم مقولة مافيجي عن نفسه ومواططنه ماغوباني، هم "بورجوازيون أفارقة صغار، أو محاكاة شاحبة للمجتمع البورجوازي الأوربي" Mafeje,1976. ولكن ما يمكن أن يقال عن الأنثروبولوجيا ينطبق أيضاً على العلوم الاجتماعية الأخرى التى تمر بالسياق نفسه، ومن الخطأ قصر النقد على هذا الفرع المعرفي وحده. ولهذه المسألة أساسها النظري وسياقها التاريخي، ولا يمكن إلا بالبحث في تطورها.

 

وفي هذا الإطار وحده يمكن أن يكون هناك معنى للحديث عن تطور الأنثروبولوجيا في السودان وحالتها الراهنة. وقد بذلت خلال العقد الماضي محاولات لتقييم مدى تقدم الأنثروبولوجيا في هذا البلد فقد عولج تطور الأنثروبولوجيا من أداة يستخدمها الحكام للمساعدة في إدارة بلد ذي مجموعات متنوعة من السكان، إلى التعاقد على بحوث يضطلع بها علماء ربما يهتمون بإنجازهم الشخصي أكث من اهتمامهم بمصير البشر الذين يدرسونهم، والى علم أكاديمي يدرس في جامعة وطنية  Cunnison,1977.

 

وبعد استعراض المراحل الأولى لتطور الأنثروبولوجيا في السودان، سوف تتطرق هذه الورقة إلى تقييم حالة الأنثروبولوجيا في السودان اليوم، مع اهتمام خاص بمسألة الالتزام والأخلاق والأيدولوجيا.

 

انه لمن السهل تماماً- حسبما يقول كونيسون Cunnison,1977 التمييز بين ثلاث فترات مختلفة تماماً في عمر الأنثروبولوجيا الاجتماعية في السودان. بدأت المرحلة الأولى مع زيارة سيلجمان للبلاد عام 1910، واستمرت حتى الاستقلال عام 1956، وفيها كانت البحوث تجرى على أيدي باحثين أجانب وتحت إشراف حكومة أجنبية. وهى الفترة التى أنجز فيها ايفانز برتشارد، ونادل، ولينهارت، وبكستون أعمالهم.

 

وبدأت المرحلة الثانية عام 1958 مع بدء تدريس الأنثروبولوجيا- فرعاً معرفياً- في جامعة الخرطوم. ورغم أن الجامعة كانت مؤسسة وطنية فإن الباحثين الأجانب ظلوا يمثلون جّل قوة العمل في قسم الأنثروبولوجيا، أي أن الباحثين والمدرسين ظلوا من غير السودانيين، ولكنهم يعملون تحت إشراف الحكومة السودانية.

 

وشكل عام 1971 بداية المرحلة الثالثة. ففي هذا العام عاد من الخارج أول دارسي الأنثروبولوجيا الذين حازوا على شهادات عليا، ووجدوا طريقهم إلى قسم الأنثروبولوجيا والاجتماع. وبدءاً من هذه المرحلة تبدل اتجاه القسم ليضحى سودانياً، كما أصبح معظم أعضائه من السودانيين. وفي أوائل السبعينيات أنشئ مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية مما وفر حيزاً أكبر لاستيعاب الأنثروبولوجيين السودانيين، وكذلك توفرت فرص أخرى أمام الأنثروبولوجيين السودانيين المحترفين لإثبات أن دراستهم وأنشطتهم يمكن أن تكون مفيدة في التصدي لمشكلات التنمية. وشهدت نهاية عقد السبعينيات تطوراً آخر كان له أثره الملحوظ على هذا الفرع العلمي، ألا وهو إنشاء جامعتين جديدتين لكل منهما توجه تنموي خاص. وأدخلت كل من جامعتي جوبا والجزيرة الأنثروبولوجيا موضوعاً دراسياً رئيساً للدفعات الأولى من طلابهما.

 

هناك تطور آخر يجب إضافته إلى المراحل الثلاث التى ميزها كونيسون، ألا وهو الأنثروبولوجيا التطبيقية التى يتم الاضطلاع بها على أساس استشاري. ويمكن الزعم بأن البحث الأنثروبولوجي التطبيقي الذى بدأ في السودان على أساس استشاري هو مجرد وجه آخر للمرحلة الثالثة، إلا أنه جانب يستحق معالجة خاصة. وقد كان لمعظم البحوث الاستشارية أثر سلبي على تطور هذا الفرع العلمي، كما أنه أثار الشكوك حول فائدة إشراك الأنثروبولوجيين في الجهود التنموية. والممارسون في هذه الحالة هم أجانب يعملون لحساب الوكالة الدولية والشركات متعددة الجنسيات الرامية إلى السيطرة على الاقتصاد الوطني السوداني. ونظراً لالتزام هؤلاء الباحثين بمصالح الهيئات التى يعملون لحسابها فإن وضعهم في الدولة المستقلة يماثل وضع الأنثروبولوجي في العهد الاستعماري.

 

المرحلة الأولى

حكومة أجنبية وأنثروبولوجيون أجانب

مع نهاية القرن التاسع عشر كانت هناك مادة اثنوغرافية هائلة في السودان وجدت طريقها إلى عدد من دور النشر في أوربا. ومن أهم هذه الكتب وصف الشعب السوداني للرحالة جيمس بروس في كتابه المعنون "رحلات لاكتشاف منابع النيل" (1) والذي نشر عام 1805. وهناك أعمال أخرى من نوعية أعلى وتتمثل في الكتب والمقالات التى نشرها المستكشف الألماني روبرت هارتمان (2) في الفترة 1863- 1869. ومن أهم أعمال هارتمان Hartmann,1863. ويضاف إليهما عدد من المستكشفين الآخرين الذين زاروا السودان على نفقتهم الخاصة، أو تحت رعاية مؤسسات أوربية مهتمة، وكتبوا عن طرق حياة سكان السودان ومؤسساتهم. كما أسهم الرحالة العرب بوصف مفصل للمجتمع السوداني، ومن أبرزهم ابن عمر التونسي الذى كتب رسالة عن دارفور تحت عنوان "شحذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان" في عام 1850 (3).

 

هناك أيضاً علماء سودانيون كتبوا عن حياة الجماعات المختلفة القاطنة في البلاد. وجاءت أهم هذه الاسهامات من قبل عالم معروف جيداً للباحثين المعاصرين المهتمين بالسودان، ألا وهو محمد النور ودضيف الله، الذى كتب عام 1805 "كتاب الطبقات في سيرة الأولياء والشيوخ والعلماء والشعراء في السودان" (4).

 

ووجدت الحكومة التى كانت قائمة عند مطلع القرن العشرين، فيما يسمى السودان الإنجليزي المصري، فائدة كبيرة في هذه المادة التى قدمت معلومات كثيرة كانت الحكومة في أمس الحاجة إليها قبل الشروع في تنفيذ خطط أساسية لتنمية البلاد. ولكن ظلت هناك الحاجة إلى المزيد من المعرفة. وفي الوقت الذى كانت الأنثروبولوجيا تؤسس نفسها تدريجياً فرعاً علمياً مستقلاً داخل حقل العلوم الاجتماعية، كان بعض المسئولين البريطانيين في الإدارة يبحثون عن خبراء متخصصين لإمدادهم بمعلومات يمكن الوثوق بها عن التنظيم الاجتماعي للسكان "المحليين" الذين يعملون وسطهم (5). وفي الحقيقة فإن الأنثروبولوجيا لم تقدم العون فحسب للإدارة الاستعمارية المستنيرة، وإنما بالقد\ر نفسه ساعد الأنثروبولوجيون المحترفون- من خلال اتحادهم الطوعي مع الإدارة الاستعمارية- في تقوية موقف الإدارة في مستعمرات كثيرة.

 

وقد أوضح ايفانز برتشارد موقف الحكم الإنجليزي المصري من البحث الأنثروبولوجي بقوله: "شجعت حكومة ما عرف وقتذاك بالسودان الإنجليزي المصري وبشكل دائم البحث الأنثروبولوجي في جنوب السودان، سواء كان احترافياً أم على سبيل الهواية. فقام البروفسور ج.ج. سيلجمان والسيدة ز.د. سيلجمان بمسوح في الفترتين 1909-1910 و 1921-1922، ونشرت ملاحظاتهما، إلى جانب معلومات أخرى جمعها آخرون، عام 1932 في الكتاب المعنون "القبائل الوثنية في السودان النيلي". وخلال الفترة من 1926 حتى 1935 قمت بست زيارات إلى جنوب السودان. وفي الزيارة الأولى أجريت مسوحاً لمناطق لم يغطها الزوجان سيلجمان، أما الزيارات الخمس الأخرى فقد أجريت خلالها دراسات أكثر تكثيفاً للأزاندي والنوير، وللأنواك بدرجة أقل. وفي الفترة 1939- 1940 قام الدكتور س.ف. نادل بمواصلة أعمالنا، حيث أجرى بحثه وسط سكان جبال النوبا. وهو البحث الذى تم تجديده بعد انتهاء الحرب العالمية، فقام زميلي في اكسفورد الدكتور ر.ج. لينهاردت بخمس زيارات إلى جنوب السودان خلال الفترة 1948- 1954، حيث أجرى دراسات مكثفة للدينكا والأنواك. ثم تبعه العديد من طلابنا: فأجرى الدكتور ج.ف.م. ميدلتون دراسة على اللوغبارا (جماعة أوغندية يعتقد أن بعضها يعيش في السودان) وذلك خلال الفترة 1949- 1952. وأجرت الدكتورة جين بكستون دراسة للمانداري في الفترة 1951-1952. ودرست السيدة فيليب مانسفيلد (الآنسة ماكهاتون قبل ذلك) اللاتوكا خلال السنوات 1951-1954. كما أجرى الدكتور كونراد ريننغ دراسة جديدة على الأزاندي مع اهتمام خاص بمشروع الأزاندي وذلك خلال الفترة 1952-1955. وحديثاً أنجز الأنثروبولوجي الحكومي الحالي الدكتور كروننبرغ عام 1957 دراسة وسط النيمانغ، وهى جماعة في جبال النوبا يقدر تعدادها بحوالي 37 ألف نسمة، وفي الفترة من 1958 اشترك مع السيدة كروننبرغ في بحث وسط البونغو والشعوب المجاورة في مديرية بحر الغزال، واشترك معها ثانية في بحث خلال 1959- 1961 وسط الديدنغا واللونغاريم في المديرية الاستوائية" Evans-Pritchard,1962:1.

 

لقد كانت رغبة الحكومة في رعاية البحوث الأنثروبولوجية جزءاً من سياسة عامة دعمتها وزارة المستعمرات لجمع المزيد من المعلومات الموثوق بها عن التنظيم الاجتماعي للسكان ونظم معتقداتهم. وكان الشعور السائد هو أن هذه المادة المجموعة سوف تساعد الإدارة في الإرساء السلس للحفاظ على "القانون والنظام"، ووضع خطط لتنمية الجماعات "القبلية" في إطار المنظومة الاستعمارية.

 

وهكذا فإن المرحلة الأولى هي مرحلة البحوث التى يجريها باحثون أجانب لصالح حكومة أجنبية، وفيها تشترك الإدارة والأنثروبولوجي في أيديولوجيا واحدة- هي أيديولوجيا الاستعمار. وكان الهدف الرئيس للإدارة هو ضبط السكان الوطنيين وقمعهم واستغلالهم. وقد ساعد الأنثروبولوجي في تيسير هذا العمل من خلال شرح والكشف عن كيفية عمل التنظيم والمعتقدات والقيم المحلية. وعلى الرغم من أن هذ لم يتجاوز تقديم تقارير شهرية إلى مكتب السكرتير الإداري كما هو واضح في الوثائق السودانية، فإن الأنثروبولوجي كان يكتب إلى رجل سلطة يشترك معه إلى حد ما في النوع نفسه من التدريب ومن ثم يستطيع فهم الحديث الأنثروبولوجي. كما أن الرابطة المالية تمثل برهاناً إضافياً على كيفية توجيه الارتباط والالتزام. ولا تثور هنا مشكلة الأخلاق، حيث تتطابق أهداف الإدارة الاستعمارية مع الانحياز الأيديولوجي للأنثروبولوجيين. كما جاء الإسهام النظري للأنثروبولوجيا بما يتواءم مع ميول الحكام (للمزيد من التحليل النظري للأنثروبولوجيا الاستعمارية انظر أسامة النور السياسة الاستعمارية البريطانية في السودان).

 

هذا وقد زُعم في بعض الأوقات أنه باستثناء نادل كان هناك قليل من التعاون ذي المغزى بين الأنثروبولوجيين والإدارة خلال الفترة الأولى Cunnison, 1977:4. وعلى النقيض من ذلك من السهل إثبات أن هذا التعاون كان جزءاً هاماً في العلاقة بين الأنثروبولوجيين والقائمين على الإدارة في المرحلة الأولى بسبب أن معظم- إن لم يكن كل- التمويل اللازم للبحوث قد جاء من الإدارة الاستعمارية. وهناك أكثر من حالة طلبت فيها هذه الإدارة إجراء دراسات محددة (قارن: Faris,1973; Abdel-Ghaffar,1973). وأكثر من هذا، فإن واحداً من أقل أعمال ايفانز برتشارد شهرة، وهو بعنوان "النظام السياسي للأنواك" Evans-Pritchard,1940 b، يقدم في الحقيقة دليلاً على انخراط الأنثروبولوجي واستخدامه في زمن الحرب في السودان، أي قبل زمن طويل من حالة جنوب شرفي آسيا، فقد اشترك ايفانز برتشارد في تنظيم الأنواك إبان فترة إقامته وسطهم. 

 

بيد أنه إذا كان المقصود من التعاون ذي المغزى هو تقديم اخباريات مباشرة عن الجماعات المدروسة، فمن الواجب توضيح أنه في حالة السودان لم يكن ضرورياً كتابة تقارير مبسطة حتى يمكن أن يفهمها رجال الإدارة. فعلى العكس من حالات كثيرة في تاريخ المستعمرات البريطانية، كانت المواقع العليا في الخدمة المدنية بالسودان يتولاها أصحاب شهادات علمية عالية من خريجي جامعات اكسفورد وكمبردج ولندن. وفوق هذا حصل معظمهم على فرصة العودة الى جامعة لندن لدراسة الأنثروبولوجيا، بل أن بعضهم (مثل ب.ب. هاول) قد قام بدراسات أفضل بكثير جداً من الأنثروبولوجيين الذين جاءوا فيما بعد الى مناطق عملهم (6). ولما كانت هذه هى الحال، فبمقدور المرء أن يتصور وجود رغبة لدى رجال الإدارة في أن يقدم لهم الأنثروبولوجيون تقارير احترافية بنتائج بحوثهم، والتى يمكن لرجل الإدارة أن يستخلص منها الاستنتاجات التى تفيد في صنع السياسات.

 

كما مارست الإدارة سيطرة صارمة على عمل الأنثروبولوجيين المرتبطين بالعمل معها. ففي عام 1926 تم تسليم الأنثروبولوجيين قائمة بالأسئلة التى ينتظر منهم أن يضمنوا اجابات عنها في تقاريرهم. وكان المأمول من وراء هذا هو الحيلولة دون استغراق الأنثروبولوجيين في قضايا ذات أهمية أكاديمية صرفة واغفال الاحتياجات المباشرة للإدارة. ففي عام 1926 كتب سير هارولد ماكمايكل، وهو واحد من أقدر رجال الإدارة في الإمبراطورية البريطانية، "أشعر أيضاً بضرورة تحقيق نتائج في أقصر وقت، وأن نتمكن من تحاشي الخطر الذى نتعرض له دائماً من جراء التعامل مع الخبير العلمي، وبالأحرى إغراقه للعملي في متاهة التفصيلات المفرطة وغموضها" (7) (مقتطف في: Abdel-Ghaffar,1973:268).

 

وقد كلفت الحكومة السودانية ايفانز برتشارد عام 1930 بدراسة النوير بهدف جمع المعلومات التى تحتاجها الحكومة لارساء السلم وسلطة الإدارة بينهم. ولتحقيق هدف مشابه تم تكليف نادل بدراسته التى أجراها في جبال النوبا عام 1939. وفي عام 1937 أنشأت الحكومة منصب مفوض الآثار والأنثروبولوجيا الحكومي Commissioner for Archaeology and Anthropology، وهى الوظيفة التى شغلها آركل. غير أن معظم جهد الأخير قد تركز على الآثار، فيما يبدو استجابةً حرفية لنصح بعض زملائه في الحكومة السودانية آنذاك، والذين رأوا أنه من الأفضل لآركل أن يترك البحث الأنثروبولوجي لكل من ايفانز برتشارد ونادل، بينما يركز هو على أعمال الاستكشاف والتنقيب الآثاري والعمل المتحفي (8). وفي عام 1940 أنشأت الحكومة السودانية هيئة أنثروبولوجية تعمل تحت رئاسة السكرتير المدني.

 

وبعد الحرب العالمية الثانية تم فصل منصب مفوض الأنثروبولوجيا الحكومي عن مفوض الآثار. وكان لينهاردت هو أول من شغل المنصب المستحدث حيث شرع في عمله وسط الدينكا والأنواك في جنوب السودان. وتبعه ايان كونيسون الذى قام بعمل مكثف حول جماعة سودانية شمالية في الفترة 1952-1954، ثم تلاه في المنصب كروننبرغ (9). جدير بالذكر أن جميع الدراسات التى أجريت قبل فترة كونيسون قد تركزت على جنوب السودان أو القبائل الوثنية في السودان الأوسط.

 

وعلى سبيل الاجمال، فإن البحث الأنثروبولوجي قد بدأ في السودان عام 1910، واستمر من وقتها على أيدي أنثروبولوجيين محترفين وتحت رعاية الحكومة السودانية وبمساعدة وزارة المستعمرات (بخاصة في المراحل الأولى). وقد قامت هيئة الأنثروبولوجيا بدور ريادي في هذا المجال، حيث ضمت أعضاء من مكتب السكرتير الإداري ووزارة المعارف. ومما يؤسف له عدم استطاعتنا الحصول على معلومات أكثر عن هذه الهيئة إذ لم تك فيما يبدو سجلات منتظمة في انجازاتها في اطار الأرشيف الحكومي في الخرطوم.

 

وكان للتوجه المشترك لكل من الأنثروبولوجيين ورجال الإدارة أثر كبير على طريقة إدارة المناطق الريفية في السودان. ويمكن رؤية هذا الأثر من خلال تطبيق نظرية التوازن في إدارة المجتمعات المحلية، وهى النظرية المستقاة مباشرة من الأنثروبولوجيا البريطانية. ويعد التوازن خاصة مميزة لمادة ايفانز برتشارد، وهو واحد من أكثر الكتاب نفوذاً في ذلك الوقت، فقد تبنى نظرية التوازن ليس فقط في دراسته عن النوير Evans-Pritchard,1940 a ولكن أيضاً في دراسته الكلاسيكية عن الأزاندي (1937). فهو يعرض لنا نظام التفكير لدى الأزاندي ومنطقه الخاص، حيث نمثل المناقضة والشك آليتين داخل هذا النظام لحمايته من التوقف عن العمل. وبينما من الواضح أن كل هذا يحدث في مجتمع تراتبي- حيث الكلمة الأخيرة للزعيم حتى على مستوى العقيدة- فإن هذه المعرفة يتم اخمادها من أجل السماح لفكرة التوازن بالعمل. وفي حالة "العامة" يبدو الأمر وكأنهم يحددون مصيرهم بأنفسهم. مثل هذه الرؤية تسمح بالتعامل الانفرادي مع وضعية "العامة" في المجتمع، وابراز كيفية توازنها من خلال آليتها الحاكمة الخاصة.

 

وفيما يتعلق بمجمل الأنثروبولوجيا فرعاً معرفياً، كانت البحوث التى أجريت في السودان ذات أهمية كبرى لها. ويعطينا ايوان لويس تقييماً لهذه البحوث بقوله: "لقد كانت جمهورية السودان مسرحاً لبعض أهم الاكتشافات العلمية والنظرية في مجال الأنثروبولوجيا الاجتماعية. إن دراسات ايفانز برتشارد الكلاسيكية للسياسة التجزيئية وسط النوير غير المتمركزين [انظر: النظام السياسي للنوير]، ولدور السحر وسط الأزاندي، لم تضطلع فحسب بتثوير الفهم السوسيولوجي للمجتمعات القبلية، وإنما أسهمت أيضاً وبدرجة كبيرة في تعميق فهمنا للأساس المؤسسي للصراع والتماسك في المجتمع الإنساني بشكل عام" Lewis,1971.

 

وبين أكثر الأعمال انتشاراً في تلك الفترة والتى كان لها أهمية خاصة بالنسبة لتطور العلم بما في ذلك التأثير على فوع أخرى للمعرفة مثل علم السياسة والفلسفة والعقائد، كانت أعمال ايفانز برتشارد ونادل ولينهاردت.

 

المرحلة الثانية

الأنثروبولوجيا تأتي إلى الجامعة

حدثت في المرحلة الثانية تغيرات كبيرة في جميع الميادين العلمية (وليس الأنثروبولوجيا وحدها) حيث انتقل دور محرك البحوث من الإدارة الحكومية الى جامعة الخرطوم. وقد كسبت الأنثروبولوجيا أرضاً جديدة مع ادخال تدريس الأنثروبولوجيا في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية عام 1958. وفي عام 1970 كان في قسم الأنثروبولوجيا بجامعة الخرطوم عشرة مدرسين- استكمل سبعة منهم اجازاتهم العلمية في السنة نفسها- كانوا جميعاً من غير السودانيين، كما كان هناك ثلاثة مدرسين مساعدين من السودانيين. ولكن ظلت الأنثروبولوجيا تعاني من العراقيل الواضحة في معظم البلدان المستقلة حديثاً، وذلك نظراً لحقيقة الارتباط الوثيق بين هذا الفرع المعرفي وبين اتلاستعمار وتبريره. حتى يكون للأنثروبولوجيا ما يبرر وجودها داخل الجامعة، كان لا بدَّ من اقتناع عدد من علماء العلوم الاجتماعية وطلابها بإمكانية اسهام هذا العلم في تنمية بلد مثل السودان. ونتيجة لهذا أصبح كل من التعليم والبحث الأنثروبولوجي ذا توجه تنموي، وهو ما أثمر سريعاً عن زيادة القبول العام للأنثروبولوجيا. وكانت الأموال والإمكانيات الموجهة لخدمة العمل الميداني كافية. وتركز البحث خلال هذه الفترة على شمال السودان أساساً بسبب قلة ما أنجزته الأنثروبولوجيا هناك، وبسبب بدء الاقتتال في الشطر الجنوبي للبلاد.

 

ونظراً لاستخدام الأنثروبولوجيا في الماضي من جانب الإدارة الاستعمارية، فإن أعضاء قسم الأنثروبولوجيا قد حرصوا على رفض الاشتراك مباشرة في البحوث التى تجرى في المناطق التى تحتدم فيها المشكلات السياسية الوطنية. ويوضح كونيسون هذا بالقول: "رفضنا اقتراحاً من مؤسسة بريطانية بتكليف أحد أفراد القسم لتغطية الموقف في وادي حلفا. ويرجع جزء من الرفض الى أننا كنا جميعاً مرتبطين فعلاً بأعمال بحثية، ولكن السبب الرئيس كان اعتبارنا أنه من قبيل انعدام الحكمة دخول منطقة مشحونة بالصراع السياسي في مناخ أوائل الستينيات. وبدا البرنامج المعتمد هو أفضل ما يمكن بالنظر الى المهارات المتاحة والى احتياجات العصر. ونظراً لأن التخطيط شعار مطروح بقوة فإنه من الأفضل لوصف وبحوث المجتمعات المحلية أن تكون متاحة للمسئولين عن التخطيط حتى يتسنى لهم أن يمارسوا عملهم عن معرفة- وليس عن جهل- بالنظم الاجتماعية للمجتمعات المحلية المزمع التخطيط لها" Cunnison,1977:7.

 

كما تظل هناك في الوقت نفسه الحاجة الى تقديم النصح حول المشكلات الاجتماعية. فبعد أن بدأ عقد الأمم المتحدة من أجل التنمية شرعت وفود استشارية للهيئة الدولية في الاتصال بالمخططين المحليين، وقد ضم بعضها متخصصين في الأنثروبولوجيا (انظر مثلاً Barth,1967 بشأن فريق جبل مرة). ربما كان هذا ما شجع المصالح الحكومية على السعي وراء نصح الأنثروبولوجيين المقيمين والأجانب، بأمل تحسين أدائها، غير أن أسباباً قوية أعاقت اشتراك أعضاء قسم الأنثروبولوجيا في جامعة الخرطوم في هذه العملية. "قبل نهاية هذه الفترة تكررت المقاربات نفسها من جانب الحكومة للحصول على استشارات أو اجراء مسوح صغيرة، ولكن المشورة أو المساعدة المطلوبة لم تكن من النوع الذى يمكن الوفاء به في الوقت المتاح وفي ضوء الظروف العامة، وذلك باستثناء حالة أو اثنتين. فقد كان الاتصال صعباً، ولم ينجح سوى عدد قليل منا في اقامة علاقات مع المسئولين في الوزارات مثل تلك التى نحتفظ بها في الجامعة، إذ كانت لغتنا العربية على درجة من السوء لم تسمح لنا بالتعبير الصحيح والاشتراك- ولو من خلال الصحافة- في المجادلات والقضايا المثارة في المتروبول. لقد كنا موجودين ولكن لم نكن جزءاً من المجتمع" Cunnison,1977:7-8.

 

ومن الناحية النظرية، أضحى التحليل البنيوي-الوظيفي هو السمة المميزة لهذه المرحلة، بيد أنه قبيل نهايتها بدأت تظهر التفسيرات الراديكالية للمجتمعات المحلية المدروسة في الاطار الوطني. ومن أهم الأعمال التى صدرت في هذه الفترة دراسة البقارة التى نفذها كونيسون Cunnison,1973 a.

 

المرحلة الثالثة

أنثروبولوجيون وطنيون ومستشارون أجانب

يتضح مما سبق أنه على مدى أكثر من سبعين عاماً توافد على السودان الكثير من الأنثروبولوجيين المحترفين من البلدان الأخرى، بهدف اجراء البحث الاثنوغرافي والدراسات الأنثروبولوجية المتعمقة للمجتمعات المحلية. وجاء هؤلاء الانثروبولوجيون في أعقاب الرحالة الذين ظلوا على مدى قرنين يقدمون عروضاً مختلفة عن عادات وقيم وجوانب تنظيم الدولة والنظم والجماعات الصغيرة فيما كان يعرف باسم بلاد السودان (10).

 

وفي العقد الأخير، عاد الى قسم الأنثروبولوجيا بجامعة الخرطوم عدد من الأنثروبولوجيين الاجتماعيين السودانيين بعد أن أنهوا دراستهم في الغرب، لتتشكل نواة من العلماء الوطنيين في بلد معروف جيداً لكل دارسي الأنثروبولوجيا في العالم. وبلغ عدد أعضاء هيئة القسم اليوم أحد عشر عضواً، تلقى سبعة منهم إعدادهم العلمي في الأنثروبولوجيا حصراً، بينما تلقى الآخرون إعدادهم في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع. وهناك أيضاً خمسة مدرسين مساعدين يعدون للحصول على الدكتوراة في الأنثروبولوجيا بالخارج والذين ينتظر التحاقهم بهيئة التدريس بعد عودتهم. ويقدم القسم مقررات دراسية لعدد من الطلاب يتراوح بين 180 و 200 طالب، كما يمنح درجتي الماجستير والدكتوراة عن اطروحات علمية في كليهما. وتمتد المقررات الدراسية في المستوى الجامعي من مقدمة أساسية في النظرية الأنثروبولوجية الى مجالات للتخصص مثل الشرق الأوسط وأفريقيا. وهناك توجه واضح نحو قضايا التنمية، كما يعطى اهتمام خاص لمقررات مثل علم اجتماع التنمية وعلم الاجتماع الريفي.

 

كما تدرس الأنثروبولوجيا في جامعتي جوبا والجزيرة، وفي جامعة النيلين، وفي جامعة أم درمان الإسلامية. غير أن حجم المقررات المدرسة وعدد أعضاء هيئة التدريس في مجال الأنثروبولوجيا يعتبران محدودين نسبياً في هذه الجامعات.

 

ويختلف تركيز الدراسة الأنثروبولوجية في هذه المرحلة الثالثة عن المرحلتين السابقتين، فهى تشهد اهتماماً بالتحليل الأكثر تفصيلاً للعلاقة بين المحلي والقطري، بخاصة في الحقل السياسي. إلا أنها لا تزال تحمل من السمات المميزة للمرحلة الثانية الاهتمام بالمشكلات ذات الطبيعة العملية. فوق ذلك فإن خاصة "المقاربة الأكاديمية" (كما يسميها كونيسون) التى برزت في المرحلة الأولى لم يتم اهمالها كلية، ذلك لأن الأنثروبولوجيين واصلوا استخدام المقاربة البنائية التى تفضي الى رؤية ميدانية تهتم بملاحظة كل شئ. غير أن الأنثروبولوجيين في المرحلة الثالثة لا يسمحون لفنتازيا كونهم أكادميين بأن تبعدهم عن قابلية تطبيق بحثهم في الحياة اليومية.

 

وقد أسهم الأكاديميون الأجانب المشتغلون بالأنثروبولوجيا في جامعات الخرطوم ثم جوبا والجزيرة فيما بعد، أسهموا في التطور الذى حدث في هذه المرحلة. وقد كان من السهل في المرحلة الثانية ملاحظة نفوذ مدرسة اكسفورد على أعضاء هيئة التدريس حيث تلقى معظمهم تعليمه هناك. غير أنه مع نهاية المرحلة الثانية لوحظ تبلور اتجاه مختلف تمثل في اسهام فردريك بارت الذى زار السودان لمدة عام واحد (1963) واسهام فاريس الذى جاء بعده في عام 1966 ومكث فترة ثلاث سنوات. وقد تلقا الاثنان تعليمهما في كمبردج، لكنهما حاولا الانفصال عن مدرسة الأنثروبولوجيا البريطانية وكان لهما تأثير ملحوظ في هذه المرحلة حيث شكل تلاميذهما غالبية المدرسين غير السودانيين الذين التحقوا بالقسم في الفترات الأولى من المرحلة الثالثة. وقد تحققت هذه الصلة بشكل أساسي من خلال اتفاقية تبادل بادر بها بارت بين قسمي الأنثروبولوجيا في جامعتي برغن (النرويج) والخرطوم، وتضمنت الاتفاقية تبادل أعضاء هيئة التدريس واجراء بحوث في السودان. وحافظ فاريس على هذه الصلة بعد رحيله الى الولايات المتحدة الأمريكية، كما أرسل بعضاً من طلابه للالتحاق بقسم الأنثروبولوجيا في جامعة الخرطوم.

 

جاءت نتائج هذه الصلة بفائدة كبيرة بالنسبة الى المهام التى تواجه المشتغلين بالأنثروبولوجيا في المرحلة الثالثة، حيث ان جميع من التحقوا بالقسم كانوا ممن كرسوا أنفسهم لقضايا التنمية. كما تحققت صلة أخرى بين جامعة الخرطوم وجامعة "هل" وذلك بعد عودة الأساتذة من المرحلة الثانية الى هذه الجامعة في انجلترا مع استمرار اهتمامهم بأن يظل القسم الذى تركوه في جامعة الخرطوم قادراً على الاضطلاع بصورة مرضية بدوره في هذه المرحلة. ومن ثم نظموا برنامجاً للتعيين يتم بمقتضاه التعاقد مع أعضاء هيئة التدريس لمدة ثلاث سنوات شريطة أن يقضي الأستاذ سنتين منها في السودان للتدريس بجامعة الخرطوم (11). وفوق ذلك أنشأ المجلس القومي للبحوث "مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية الذى وفر الفرصة للأنثروبولوجيين المهتمين بالبحث ذى الطبيعة التطبيقية كي يمارسوا العمل الميداني ويحصلوا على التمويل الكافي وهو ما خلق فرص عمل جديدة لخريجي الأنثروبولوجيا، كما سمح لأعضاء هيئة التدريس بممارسة الانتساب أو الاشراف على هذه الأنشطة الأمر الذى ساعدهم على المضي قدماً في اشباع اهتماماتهم البحثية.

 

من الانجازات الملموسة للمرحلة الثالثة: غلبة العنصر السوداني على أعضاء هيئة التدريس بالقسم، والتعاون مع الأفسام المماثلة في جامعات خارج السودان؛ وخلق فرص جديدة للعمل في المؤسسات والمعاهد الوطنية الأخرى؛ وارساء مكانة الأنثروبولوجيا منظومة معرفية يمكنها الاضطلاع بدور هام في عملية التنمية، وهى انجازات أفسحت الطريق أمام توقع المزيد من الانجازات. فقد عانى الأنثروبولوجيون الوطنيون الذين عادوا الى السودان في هذه المرحلة من "الاستعمار العلمي" حسب تعبير غالتونغ Galtung,1967:296، إذ ان معظمهم عادوا في وقت توجب عليهم بدلاً من "إعادة التفكير" في الأنثروبولوجيا أن يركزوا على "إعادة اختراعها". وقد حدثت تجديدات قليلة في هذا الصدد. ويستلزم الأمر بعض الوقت لبناء تفكير مستقل، وهو ما يستدعى تفكيك المفاهيم المتسمة بالانحياز الغربي وأيديولوجية المركزية العرقية، ومن ثم الانطلاق نحو التقييم النقدي للأدبيات المنتجة في السودان عن البلد نفسه.

 

وبالنظر الى الاسهام الذى قدمته الأنثروبولوجيا علمياً في الحقبة الاستعمارية، فإنه من المأمول احداث تغير في توجهاتها في ظل السودان المستقل، وان يعيد كل المشتغلين في هذا الحقل التفكير في المفاهيم التى يستخدمونها في التحليل وفي نوع المشكلات التى يجب أن ينكبوا على دراستها. وهو ما يجب أن يشتمل أيضاً على إعادة نظر في الوحدة المدروسة. ولكن إعادة التنظيم هذه لم تكن بالأمر اليسير، وذلك بسبب الاتجاه السائد داخل النخبة السودانية بعد الاستقلال والمعادي للأنثروبولوجيا منظومة معرفية. فقد نظر عدد كبير من المثقفين الى الأنثروبولوجيا موضوعاً يرتبط بالحكم الاستعماري فحسب، ولا فائدة له في بلد مستقل (قارن: Abdel-Ghaffar,1973:259-70) وقد انعكس هذا الاتجاه في انخفاض عدد الطلاب المسجلين في المقررات الدراسية لتعليم الأنثروبولوجيا Cunnison,1977:6. أضف الى ذلك أن طبيعة الاعداد العلمي المثير للشك، والذى تلقاه بعض الأنثروبولوجيين الى جانب تدفق عدد كبير من الباحثين الأجانب، قد خلقا صورة سلبية لدور الأنثروبولوجيا في عملية التنمية في السودان.

 

إلا أن التشديد على الدراسات الإقليمية والقضايا الاجتماعية في عملية التنمية، قد أضاف الى الأنثروبولوجيا بؤرة تركيز جديدة يجب الاهتمام بها، وهو ما استدعى حدوث تغيرات لعل في مقدمتها التغيير المنهجي، وبالذات التحول من موقف الملاحظة بالمشاركة الى موقف تدخل المشاركين. ويعلي هذا المنهج من أهمية قضايا الالتزام والأخلاق والأيديولوجيا، والتى حازت على اهتمام متزايد من جانب الأنثروبولوجيين في العقدين الأخيرين (انظر مثلاً: Hyms,1972). واليوم بعد ما أصبح الأنثروبولوجيون "متواجدين في المجتمع وجزءاً منه في آن"، فلا ينبغي القفز الى الاستنتاج بقيام وحدة حتماً بين الأنثروبولوجيا وإدارة الحكم. فمن الحقيقي أنهما يتقاسمان اللغة (العربية، وليس الأنثروبولوجيا)، ويتشاركان الخبرة كمساهمين في بناء الأمة؛ ولا شك أن هذا يقوي فرص الاهتمام المتبادل بينهما، خاصة وان كلاً من الأنثروبولوجي والحاكم يشتركان في الهوية الوطنية. ومع ذلك فإن الفرد بوصفه مشاركاً في المنظومة السياسية الوطنية، وبحسبانه ملتزماً بهذا الخط أو ذاك فيما يتعلق بالتنمية، قد يقوده وضعه هذا الى الاختلاف مع أيديولوجية النظام الحاكم. ولقد أدت الانتقالات السريعة والمتلاحقة في السلطة السياسية الى تقليل فرص اسهام الأنثروبولوجيين في التنمية على المستوى الوطني. ويرجع هذا أساساً الى الافتقار الى أيديولوجيا سائدة يمكن أن ترشد العلماء الاجتماعيينفي فجر الاستقلال. غير أنه منذ أواسط السبعينيات أخذ بعض أعضاء قسم الأنثروبولوجيا بجامعة الخرطوم يعتمدون مقاربات راديكالية في دراسة المجتمع، ودون اهمال النظريات الأنثروبولوجية الكلاسيكية التى تشكل عنصراً مهماً في دراسة الطالب لهذا الفرع المعرفي، وهو ما يمكن رؤيته في عدد من الأعمال التى نشرها أعضاء في هذا القسم، ومنها على سبيل المثال دراسة عباس أحمد محمد عن "عرب النيل الأبيض" Mohamed,1980، ود\راسة عبدالغفار محمد أحمد "الشيوخ والشيع" (Abdel-Ghaffar,1974). ففي هذه الدراسات زرعت بذور الانقطاع عن المدرسة الوظيفية البنائية. وأخيراً بدأ الاتجاه الماركسي يستحوذ على أعضاء القسم، وهو ما تجلى في كل محتويات المقررات الدراسية والأعمال المنشورة (12).

 

وفي الوقت الراهن حقق أعضاء القسم قدراً من التقدم من خلال اشتراكهم المتزايد في بحوث السياسات، وذلك عبر اضفاء الوضع المؤسسي على البحث الاجتماعي في مشروعات التنمية، واحلال التدخل بالمشاركة في صنع السياسات وتطبيقها محل الملاحظة بالمشاركة غير ان الوقت نفسه قد شهد ظواهر جديدة، فطغى على المشهد طوفان من الباحثين والطلاب الأجانب الذين استهدفوا بالدرجة الأولى اجراء بحوث ذات طبيعة سطحية وفي أقصر وقت ممكن. وقد كان معظمهم من الخبراء "المرموقين" وطلاب الدراسات العليا في جامعات غربية مختلفة، والذين يعملون مستشارين في السودان لشركات قوية متعددة الجنسيات أو وكالات دولية.

 

حصل هؤلاء المستشارون والخبراء على خبرتهم الأولية في العمل الميداني في السودان بمساعدة قسم الأنثروبولوجيا بجامعة الخرطوم. إذ ايماناً من القسم بضرورة تشجيع التعاون مع مختلف الزملاء في الخارج، سمح بانتساب عدد من هؤلاء الدارسين الأجانب الى الجامعة، ومن ثم وفر لهم فرصة الحصول على تصاريح باجراء بحوثهم. وفيما بعد لم يعد الانتساب الى الجامعة ضرورياً حيث لم تعد هناك ضرورة للحصول على تصريح "للخبراء" و "المستشارين" و "الناصحين" التابعين للمنظمات الدولية والشركات متعددة الجنسيات.

 

انقسم معظم الأنثروبولوجيين الزائرين خلال هذه الفترة الى فئتين رئيستين: أولاهما فئة الطلاب الذين جاءوا لاجراء بحوث ميدانية "عجولة" ويقومون في الوقت نفسه بدور استشاري، والفئة الثانية هم الأنثروبولوجيون المحترفون الذين جاءوا بصفة "خبراء" حتى لو لم يكونوا قد زاروا السودان من قبل. وافتقرت الفئة الأولى الى الخبرة وبدو غير قادرين على الاحتفاظ بمعايير الالتزام والأخلاق العلمية. وعلى المدى الطويل كان هؤلاء ببساطة بمثابة امتداد للاستعمار العلمي حيث استخدموا نفوذ الوكالات التى يعملون لحسابها للوصول الى- وأحياناً الاستيلاء على- الوثائق التى لا يمكن للباحثين المحليين أن يحلموا بالاطلاع عليها، بسبب الد\واعي والترتيبات الأمنية. ومن الناحية الأخلاقية، بدا واضحاً اهتمامهم الأكبر هو جمع المادة اللازمة للحصول على الدرجة العلمية التى تمكنهم من التحول الى "خبراء" في شئون السودان وشعبه. ونادراً ما شغلهم الاهتمام بالاجابة عن التساؤلات بشأن الأثر الممكن لبحوثهم على السكان المحليين، وكيف تستفيد الهيئات الدولية من التقارير التى يعدونها.

 

أما لالمجموعة الثانيسة من الأنثروبولوجيين فقد انتزعوا لنفسهم دور "الخبراء" رغم معرفتهم المحدودة بالسودان، ومن ثم فقد اجروا بحوثهم بطريقة "أضرب وأهرب". ففي العادة لم تكن زيارتهم للبلاد تتعدى أسابيع قليلة، يقومون خلالها باستشارة متخصصين سودانيين سواء أكانوا في ا لجامعة أم خارجها. وبعد رحلة قصيرة الى الموقع المحلي أو الإقليم الذى أرسلوا خصيصاً لدراسته، يقوم الخبير بالاستيلاء على عمل المتخصص السوداني بعد إعادة تحريره بناء على الرحلة التى قام بها. وفي معظم الأحوال يخرج تقرير مبنى على دراسة متسرعة وتمت كتابته على عجل قبل مغادرة البلاد.

 

وتعد الفئة الثانية أسوأ من الفئة الأولى من حيث درجة الالتزام تجاه السكان المحليين، ذلك أن توصياتهم قد يكون لها أثر كبير على السكان الذين تظل مطامحهم في التنمية غير مكتشفة، وذلك بسبب هذه البعثات الدراسية القصيرة. ومن الواضح أن الالتزام الأساسي لهؤلاء "الخبراء" هو تجاه من يكلفونهم، وإلا فإنهم قد لا يحصلون على هذا العمل من الأصل خاصة وان الوظائف الأكاديمية المتاحة للأنثروبولوجيين في أوربا والولايات المتحد\ة الأمريكية محدودة للغاية، على العكس من الدفع السخي للخبراء أو الاستشاريين الزائرين. ويضاف الى هذا أن الكثير من الهيئات الدولية ملزمة قانوناً بأن تضم في كل فريق بحثي عالماً اجتماعياً، إلا أن تواجد الأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع غالباً ما يصبح مجرد ديكور. ويعد هذا النمط من العمل مبرراً تماماً في ضوء الاعتقاد بأن الهيئات الدولية والشركات متعددة الجنسيات تأتي بالتنمية الى العالم الثالث.

 

ولا شك أن تدخل الخبراء والطلاب الزائرين يهدد تقدم هذا الفرع المعرفي في المرحلة الحالية، وذلك لأن توصيات "الخبراء" الزائرين غالباً ما تؤخذ بجدية من جانب المسئولين الحكوميين، وباهتمام أكبر مما يعطونه للبحوث المفصلة التى يجريها أساتذة الجامعة المحليون رغم تمنعهم في البحث للوصول للمفاهيم الملائمة وهو ما يمكن رؤيته بوضوح من الدراسات التى أجريت في اطار المشروعات الزراعية بالأراضي المروية بمياه النهر وبالأمطار، وهى الدراسات التى تكشف عن وجه آخر للتبعية لن نتطرق إليه هنا بالتفصيل رغم أهميته، وهى صعوبة قد لا يتم التغلب عليها قبل مرور زمن كاف، وحينما يكتشف المسئولون الحكوميون أن "الخبراء أصدقاء السودان" هؤلاء مستعدون للحفاظ على الصداقة هذه فقط طالما استمر السودانيون في القيام بدور المحليين الجهلة، واحتكار أولئك "الأصدقاء" لحق التفكير لهم والحديث باسمهم.

 

ويجب على زملاء هؤلاء "الأصدقاء" في مختلف جامعات العالم، والمهتمين بارسال طلاب الدراسات العليا الى السود\ان، أن يعلموا أن معظم أعضاء قسم الأنثروبولوجيا في جامعة الخرطوم يتفقون مع هيمس في قوله: "ليس سبباً كافياً للتوجه نحو دراسة ثقافة أخرى مجرد كونها "أخرى". وأيضاً يجب أن تكون هناك أسباب جيدة- من الناحيتين الأخلاقية والسياسية- لارسال المزيد من الباحثين المغتربين الى جزء آخر من العالم. وبدلاً من التعامل على علاته مع ضرورة أن يقوم المرشح للدكتوراة في الأنثروبولوجيا بعمل ميداني (سطحي)، دعونا نطلب من المرشحين أن يثبتوا فعلاً أحقيتهم بهذا".

 

ومن الممكن ارجاع هيمنة النفوذ الخارجي اليوم الى استخدام اللغة الإنجليزية وسيطاً في التقارير المقدمة الى الحكومة. وهذا بالطبع برهان آخر على أن الاستعمار العلمي لا يزال مقبولاً من جانب جامعات البلاد وحكومتها. وهو أيضاً أحد عناصر التبعية والاستعمار الجديد، حيث أن جل الدول المانحة تفضل الحصول على التقارير بهذه اللغة. فرغم أن السودان قد نال استقلاله عام 1956، ورغم أن مكعظم السكان يتحدثون العربية بهذه اللعجة أو تلك، ورغم أن التعليم ما قبل الجامعي قد تم تعريبه منذ عام 1970، فإن اللغة الإنجليزية لا تزال هى الوسيط التعليمي في كل الجامعات (تغير الوضع حالياً- أركامانى). وقد اجتهد قسم الأنثروبولوجيا في استخدام اللغة العربية في كتابة النتائج البحثية. غير أن هناك الكثير الذى يجب القيام به في هذا الشأن، بخاصة إذا اتفق على وجاهة السؤال القائل: لمن نكتب؟ هل نحن بحاجة حقاً الى اقتفاء الصيغة الأكاديمية الغربية حينما نكتب تقاريرنا للحكومة أو لنشر نتائج بحوثنا؟ وهو سؤال مطروح بقوة طول الوقت، ويرتبط بمسألة إعادة النظر في المفاهيم و "إعادة اختراع" الأنثروبولوجيا كما ذكرنا آنفاً.

 

وإذا كان هناك من أثر ايجابي أحدثه الخبراء الأجانب فهو ايعزهم للأنثروبولوجيين السودانيين بأن مشكلات التنمية تتطلب منهم أن يتركوا وراء ظهورهم مقاربة المنظومة المعرفية الأُحادية، وأن يتعاونوا مع غيرهم من العلماء في الفروع الأخرى من العلوم الاجتماعية حتى يتفاعلوا مع النظم المعرفية الأخرى المعنية بالتصدى لقضايا التنمية. ومما يشجع على ضرورة الأخذ بمنهج النظم المعرفية المتداخلة أن طبيعة البحث والمشكلات المدروسة تتطلب هذا، وهو ما يمكن رؤيته مثلاً في مشروع جونقلي. بيد ان هذا ليس معناه هدم أو التقليل من شأن المعايير العلمية الخاصة التى يتمسك بها الأنثروبولوجيون. إذ ان العمل في الفرق البحثية متعددة النظم المعرفية يتطلب منهم أن يكونوا متميزين في علمهم نفسه، وان يكونوا أيضاً على دراية بالنظم المعرفية الأخرى حتى يفهموا ما يقوله زملاؤهم ويسهموا على نحو أكثر فاعلية في المهمة المشتركة المضطلع بها.

 

أما فيما يتعلق بتدريب الطلاب فإنه أمر يتطلب إعادة النظر في مقررات الأنثروبولوجيا وادخالها في مقررات الأقسام الأخرى. ومما يؤسف له ان هذا العمل يتم ببطء، ومن المأمول أن يكتمل الاقتناع سريعاً بفائدة الأنثروبولوجيا ودعمها للتنمية في السودان.

 

ملاحظات

(1) جيمس بروس (1730-1794)، رحالة اسكتلندي بدأ عام 1769 رحلته لاكتشاف منابع النيل الأزرق. وفي عام 1771 رحل عبر سنار وبربر الى أسوان في مصر والتى وصلها عام 1772 ( انظر: Hill,1967:8).

(2) روبرت هارتمان (1831-1893)، عالم طبيعي ألماني رافق عام 1859 البارون الشاب فون باروم في رحلة عبر سهل بيوضة من دنقلا الى الخرطوم ونو النيل الأزرق. أصبح فيما بعد أستاذاً للتشريح في جامعة برلين، وقد كتب عدة كتب عن سكان وادي النيل (Hill,1967:152).

(3) محمد بن عمر التونسي (1789-1857)، سليل أسرة تونسية متعلمة، التحق عام 1803 بوالده الذى كان وقتذاك في دارفور. قدم أول وصف مفصل عرفه العالم لدارفور (Hill,1967:277-8).

(4) توفي محمد النور عام 1809. ألف كتاباً ضم سير حياة مجموعة من أولياء المسلمين في السودان، وقد كتبه بالعامية السودانية ويعرف باسم "كتاب الطبقات".

(5) انظر مساهمتي : عبدالغفار وفاريس في Asad,1973

(6) تلقى رجال الإدارة البريطانية في المستعمرات مقررات في الأنثروبولوجيا التطبيقية في جامعة لندن. كما التحق بهذه المقررات بعض موظفي الخدمة المدنية في السودان ومن بينهم كان هاول. توجد اشارات الى هذه المقررات في Evans-Pritchard,1951:110

(7) يوجد مقطع مطول من هذا الخطاب في (Abdel Ghaffar,1973:267-69).

(8) جاءت هذه النصيحة أساساً من سير دوغلاس نيوبولد الذى كان وقتها حاكماً لمديرية كردفان في السودان (انظر: Hendrson,1952:79-80).

(9) في اشارة الى هذه النقطة يقول كونيسون: "ربما كان كروننبرغ هو الوحيد الذى عمل تحت هذه التسمية فقد تم اخباري أنني لست مشئولاً حكومياً، وقد يكون الشئ نفسه حدث لآخرين ممن يتلقون المنح. لقد حصلت على منحة من 1952-1954 للقيام ببحث عن المسيرية. وكلفني حاكم الإقليم بكتابة تقرير موجز في السنة الثانية من عملي، حيث قام برفعه الى الهيئة الأنثروبولوجية، كما طلب مني أن أودع التقرير النهائي لدى وزارة الداخلية. وبينما كانت المسيرية هى موضوع الدراسة، فإنه لم يحدث أي ضغط للقيام باستقصاءات في أي اتجاه خاص. لقد فعلت بالضبط ما أحببت، أي ممارسة البحث الأنثروبولوجي (1977:6).

(10) "بلاد السودان" مصطلح جغرافي يعني كل بلدان أفريقيا جنوب الصحراء من البحر الأحمر في الشرق الى المحيط الأطلنطي في الغرب. استخدمه لأول مرة الرحالة والجغرافيون العرب في القرون الوسطى كما استمر في استخدامه المؤرخون المحدثون لأفريقيا لدى مناقشتهم للحزام السوداني (O'Fahey and Spaulding,1974:vii).

(11) نتيجة لهذا المشروع كان الشخص المختار من قبل قسم الأنثروبولوجيا بجامعة هل يقضي سنتين في الخرطوم على نفقة جامعتها مع دعم من المجلس البريطاني. بعد السنتين يعود الى هل حيث يعين لمدة سنة واحدة. وقد مر هذا المشروع ببعض الصعوبات ثم ألغي.

(12) يمكن رؤية هذا في مقررات علم اجتماع التنمية، والدراسات الحضرية، وبعض المواد المقترحة في مقرر بعنوان "نصوص ومشكلات". وفيما يتعلق بالأعمال المنشورة أنظر: Abdel-Ghaffar,1979 a; El Watheg,1980.

 

المراجع

Abdel Ghaffar M. Ahmed 1973, 'Some Remarks from the Thitd World on Anthropology and Colonialism'. in: Anthropology and the Colonial Encounter, Taha Asad (ed.), London: Ithaca Press

Abdel Ghaffar M. Ahmed (ed.) 1973 b, Anthropology and the Colonial Encounter, London: Ithaca Press

Abdel Gahffar M. Ahmed 1974, 'Shaykhs and Followers: Political Struggle in the Sudan'. in: Toward a Marxist Anthropology, S.Diamond (ed.), The Hague: Mouton

Abdel Ghaffar m. Ahmed 1979, 'The Contribution of Social Sciences to Rural Developmeny'. Paper presented to Expert Meeting on the Utilization of Sociasl Sciences by Policy Makers, Surinam, December 1979

Al Tunisi 1850, tashiz al-azhan bi-sirat bliad al-arab wa al-sudan, Cairo

Barth F. 1967, Human Resources in Darfur. Institute of Social Anthropology, University of Bergen Mimeo.

Bruce J. 1805, Travels to Discover the Sources of the Nile, London

Cunnison L. 1966, The Baggara Arabs, Oxford University Press

Cunnison L 1977, 'Changing Relations of Anthropology and Administration in the Sudan', Sudan Journal of Development Studies I (1): 1:24

El Watheg K. 1980, 'Nuer Migrants in Building Industry in Khartoum', in: Urbanization and Urban Life in the Sudan, Valdo Pons (ed.), DSRC, Khartoum

Evans-Pritchard E.E. 1937, Witchcraft, Oracles and Magic among the Azande, Oxford University Press

Evans-Pritchard E.E. 1940 a, The Nuer. Oxford University Press

Evans-Pritchard E.E. 1940 b, The Political System of the Anuak of the Anglo-Egyptian Sudan. London School of Economics, Monographs on Social Anthropology No.4. London: Percy Lund, Humphries & Co

Evans-Pritchard E.E. 1962, 'Anthropology Research in the Southern Sudan', Sudan Society I: 9-14

Evans-Pritchard E.E. 1963, Essays in Social Anthropology, New York: The Free Press of Glencoe

Faris J. 1973 a, The Nuba Personal Art, London: Duckworth

Faris J. 1973 b, 'Pax Britannica and the Sudan: S.F.Nadel', in: Anthropology and Colonial Encounter, Talal Asad (ed.), London: Ithaca Press

Galtung J. 1967, 'After Camelot', in: The Rise and Fall of Project Camelot, I.L.Horowitz (ed.), Boston: M.J.T.Press

Hartmann R. 1863, Reise des Freiheerm Adalbert von Bamim durch Nord-Ost Afrika in den Jahren 1859 und 1860, Berlin

Henderson K.D.D 1952, The Making of Modern Sudan, London: Faber and Faber

Hill R. 1967, A Biographical Dictionary of the Sudan. London: Cass

Howell P.P. 1954, A Manual of Nuer Law, Oxford University Press

Hymes D. 1972 (ed.), Reinventing Anthropology, New York: Pantheon Books

Lewis I.M. 1971, 'Spirit Possession in North East- Africa', in: The Sudan in Africa, Y.F.Hassan (ed.), Khartoum University Press

Lienhardt G. 1961, Divinity and Experience. The ReligIon of the Dinka, Oxford University Press

Mafeje A. 1971, 'The Ideology of Tribalism', Journal of Modern African Studies 9 (2): 253-261

Mafeje A. 1976, 'The Problem of Anthropology in Historical Perspective: An Inquiry into Growth of Social Sciences', Canadian Journal of African Studies 10 (2): 307-333

Magubane B. 1971, 'A Critical Look at Indices used in the Study of Social Change in Colonial Africa', Current Anthropology 12: 419-431

Mohamed A.A. 1980, The White Nile Arabs, London: The Athlone Press

Nadel S.K. 1947, The Nuba: An Anthropological Study of the Hill Tribes in Kordofan. Oxford University Press

O'Fahey R.S. and J.L.Spaulding 1974, Kingdoms of the Sudan, London: Methuen

 

ثقافة أم مثاقفة : السـودان وحرب الهُويات

عاطف عبدالله قسم السيد 

سبق نشر هذا البحث في صحيفة الاتحاد وأعيد نشره في سودانايل

 

 

 تقديم
حملت مفاوضات ماشاكوس التي عُلقت من قبل والتي ستستأنف خلال الأيام القادمة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان طيه من الملفات والأوراق السودانية الساخنة إلى طاولة المفاوضات.

 

مادة هذه الأوراق هي المواجع والمظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أرهقت الوطن وقضت مضاجعة زهاء ما يناهز الخمسة عقود من الزمان هي عمر استقلال السودان. فالحرب الدائرة الآن والتي اشتعل أوارها في عام 1983 إنما تضرب بجذورها إلى عام 1955، وهو العام الذي سبق إعلان الاستقلال.

 

وإذا كانت المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتهميش الآخر وعدم الاعتراف به هي الوقود الذي ظل يشعل نار تلك الحرب، فإن الوجه الثقافي المرتبط بحقوق الهوية والاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي والاثني يمثل هو الآخر مكوناً رئيساً من مكونات تلك الحرب ووقودها ومادتها.

 

وفي رصيد الفكر السوداني تراث غني ومتصل من الكتابات والإسهامات المكرسة لتناول قضايا التعدد اللغوي والثقافي والديني والعرقي وديمقراطية الثقافة وحقوق المواطنة المرتبطة بالهوية. من بين هذه الإسهامات المتصلة تبادر الاتحاد إلى نشر هذه الدراسة الماثلة بين يدي القارئ الآن حول حرب الهُويات السودانية. وقد عمد فيها الكاتب عاطف عبد الله إلى التعريف بأهم التيارات والرؤى الثقافية المتصارعة فيما بينها. ضمن ذلك وفي سياقه يقدم الكاتب خلفية تاريخية عامة تطرح من الأسئلة أكثر مما تقدم من الإجابات عن مكونات الشخصية السودانية وفسيفساء التكوين العرقي اللغوي الثقافي المتعدد للمجتمع السوداني.

 

كما يطرح في السياق نفسه كيف تحول هذا التعدد كله من نعمة إلى نقمة، وكيف أصابت لعنة حرب الهُويات جسد المجتمع بسهام وسموم الاستعلاء العرقي والديني والثقافي. وغض النظر عن النتائج التي ستنتهي إليها (ماشاكوس) كخطوة من الخطى على طريق الحل فإن هذه القضايا ستظل مطروحة على بساط التأمل والبحث والعمل حتى تضع حرب الهُويات أوزارها ذات يوم في بلاد السودان.


تمهيد
ورد في تقرير أعد على أعتاب الاستقلال أن السودان يتكون من 570 قبيلة تنقسم إلى 56 أو 57 فئة اثنية على أساس الخصائص اللغوية والثقافية والاثنوغرافية و تتحدث 114 لغة منطوقة منها المكتوبة، 50 منها في جنوب السودان. هذه المجموعات الاثنية الـ 57 أعيد تجميعها في ثماني مجموعات رئيسة 39 % عرب أو من أصول عربية، 30 % جنوبيون أو من أصول أفريقية، 12 % بجة، 15 % نوبيين، كما أن هناك مجموعات أخرى مثل الفور والنوبا والأنقسنا  والأجانب المولدون قد تم تصنيفهم ضمن المجموعات أعلاه. 51 % يتحدثون اللغة العربية، 49 % يتحدثون لغات ولهجات أخرى و60 % مسلمون، 10 % مسيحيون، 30 % وثنيون وأصحاب ديانات أفريقية مختلفة.

وقد تم تقسيم المجموعات أعلاه إلى مجموعتين ثقافيتين رئيسيتين هما الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي ذو القيادة المسيحية. (1)
 

بعد مضي قرابة النصف قرن على هذا التقرير و الصراع ما زال متأججاً حول الهوية والانتماء الثقافي في السودان، نجد أنفسنا مازلنا نعدو وراء الوطن الحلم و نطمح بأن تكون لنا دولة قومية موحدة، و بناء وعي بهوية مشتركة، تضمن بناء وحدة وطنية حقيقية ومستدامة. تكمن الصعوبة  في هذه التعددية والتنوع اللغوي والاثني في شبه القارة السودانية وفي ذلك المحيط الخارجي المتداخل معه حدودياً وشعوبياً، الأمر الذي يصعب معه الحلم بتحقيق وحدة لهذا التنوع ووطن يلم الشمل ويجمع هذه الأضداد وتتعايش فيه هذه الثقافات المختلفة، والأصول العرقية المتنوعة، والمعتقدات الدينية والاثنية المتعددة في سلام ووئام.

 

لست بصدد تقديم دراسة منهجية للهوية الثقافية في السودان بقدر ما سأحاول تسليط الضوء على وجهات النظر الثقافية المختلفة والتعريف بها  بقدر ما توفر لي من مصادر، وفتح باب للحوار حول الهُوية الثقافية في السودان. ولكن تسليط الضوء على الرؤى الثقافية المتناحرة وتجاهل الهُوية العرقية في السودان بتشعيباتها العديدة أمر فيه استحالة .. لذا لا بدَّ أن نمر أولاً عبر الهُويَّة.

 

ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى هو العقل الذي منحنا الوعي بالتميز، حتى تكتمل إنسانيتنا لا بدَّ لنا من الانتماء إلى جماعة "الإنسان كائن اجتماعي"، وتبدأ الجماعة من الأسرة والقبيلة لتنتهي بالأمة والإنسانية جمعاء. و يعرف الأستاذ طه إبراهيم المحامي معنى الهُوية بأنها شعور الانتماء إلى جماعة محددة، ويقول في ذلك ان شعور الفرد بالانتماء إلى جماعة معينة أو مجتمع معين هو الذي يحدد وطنيته، وبمعنى ما مدى إخلاصه لذلك المجتمع. أما الوجه القانوني للهُويَّة فقد تبلور فيما يعرف بالحق في الجنسية حيث تتطابق الهُوية هنا مع معنى الجنسية(2). وأيضا تعرف الهوية بأنها ما يميز أية جماعة من حيث خصائصها المادية والوجدانية والروحية والاثنية عن سواها.

إن طرح أي سؤال حول هوية الشخصية السودانية لا يمكن أن يكتمل إلا بطرح المزيد من الأسئلة، وسيبدو الأمر وكأن لا نهاية له لأن الأسئلة لا تنفد. إلا أن مستلزمات البحث العلمي والتمسك بالموضوعية والعلمية بعيداً عن التعصب، يمكن أن يقدما رؤية وصورة نركز فيها على ما يجمع، ونقلص فيها ما يفرق؛ وسيكون المدخل  لموضوع هذه الدراسة هو طرح الأسئلة التالية:

 

ما هي مكونات الشخصية السودانية؟ ما الذي يميزها عن سواها؟ ما هي الخصائص المادية والروحية التي جمعت السودانيين ووحدتهم، أو تلك التي فرقتهم وتصالحوا وتحاربوا من أجلها لأكثر من نصف قرن؟ ما هو تأثير الإسلام والعروبة في تلك المكونات؟ وما هي المعالجات التي طرحتها وجهات النظر المتباينة في مسألة الهُوية الثقافية؟ على ماذا يا ترى استندت ثقافياً ثنائيات (الغابة والصحراء) و(الحراز والمطر) و (رجل سنار والأفريقي النبيل)؟ وما هي الحاضنة الثقافية للشخصية السودانية؟ أهي العروبية أم الإسلاموية والدعوة إلى التأصيل الثقافي كما يراها البعض؟ أم هي الأفروعربية كما نادى بها حمزة الملك طمبل ورواد مدرسة الفجر في ثلاثينيات القرن الماضي؟ أم الرعوية وزهد الصوفية كما يذكر الأستاذ محمد عبد القادر سبيل، أم الزنجية الأفريقية كما يتمنى بعض مثقفي الشمال الباحثين عن الخلاص من قيود الالتزام الاجتماعي و الديني وبعض الجنوبيين الذين يتنكرون للثقافة العربية والإسلامية في السودان، أهي خليط من كل ذلك أم هي سودانوية فقط لا غير؟

 

المكونات التاريخية
(أيثيوبيا) الاسم الذي أطلقه قدماء الإغريق على الأرض التي امتدت من الشلال الأول عند أسوان إلى أقاصي الحبشة شمالا وجنوبا ، ومن سواكن ومصوع على البحر الأحمر إلى صحراء ليبيا شرقاً وغرباً، وتعني الكلمة (أيثيوبيا) الوجه المحروق أو الأسود. وقد ذكر المؤرخ  نعوم شقير بأن أول من سكنها هم السود. أما تسمية (كوش) فقد وردت في التوراة، سفر التكوين الإصحاح الثاني
"وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا ...
وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة.
ومن هناك ينقسم ليصير أربعة رؤوس ، اسم الواحد فيشون .
وهو المحيط بجميع ارض الحويلة حيث الذهب .
وذهب تلك الأرض جيد . هناك المقل وحجر الجزع ،
واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش
واسم النهر الثالث حداقل وهو الجاري شرقي أشور والنهر الرابع الفرات "

[للمزيد من إشكاليات تسمية السودان القديم انظر في أركامانى]

مملكة كوش وعاصمتها الأولى نبتة ثم ولأسباب حياتية بعد أن توسعت في الزراعة انتقلت العاصمة لمروي  وأهرام البجراوية ستظل شاهد  على حضارة عظيمة والكوشيين أكثر ما عرف فيهم أنهم حاميي و أمناء على الحضارة المصرية القديمة ، اعتنقوا ديانة آمون وأول من وحدوا القطرين لفترة من الزمن عندما فتحوا مصر بقيادة بعانخي في 751 ق.م.

 

(بلاد بونت) والبوانيت الاسم الذي أطلقه قدماء المصريين على الأرض والسكان الذين أقاموا بين طريق بربر وسواكن وجبال الحبشة " وأرسل الملك متوفيس (من الأسرة السادسة) القائد هرخف لغزو بلاد البوانيت فعاد بغنائم البخور والأبنوس والعاج والجلود حملها على 300 حمار .. إلخ "

 

(الممالك المسيحية) نوباديا وعاصمتها فرس- المقرة وعاصمتها دنقلة العجوز- علوة وعاصمتها سوبا. (بلاد السودان) هذا الاسم الذى أطلقه العرب على المنطقة الأفريقية شبه الصحراوية التي تمتد  من المحيط الأطلنطي حتى البحر الأحمر، والتي تمت أسلمتها ، هي ليست في حقيقة الأمر موطن للزنوج ، ولكنها المنطقة المتوسطة التي تقع بين المجموعة الحامية لشمال أفريقيا، والمجموعة الزنجية لوسط أفريقيا، وهي التي تم تقسيمها فيما بعد إلى "السودان الغربي" للمنطقة التي تشمل حوض السنغال وجامبيا وفولتا العليا والنيجر و"السودان العام" الذي يضم حوض بحيرة تشاد، و "السودان الشرقي" الذي يقصد به السودان الإنجليزي المصري وهو المعني في هذه الدراسة.

السودان بلد المليون ميل مربع ، بحدوده الحالية يعد تكويناً حديثاً أو مستحدثاً في بداية القرن المنصرم، فقد ضمت دارفور عام 1916 حيث كانت مملكة مستقلة لأكثر من ثلاثة عقود، كما كانت دار مساليت هي الأخرى سلطنة مستقلة تم ضمها كإقليم يتمتع بالحكم الذاتي ثم أصبحت جزء مما صار يعرف بالسودان الإنجليزي المصري، أما بحر الغزال فقد كانت جزءاً من أملاك الملك ليوبولد ملك بلجيكا وأهداها للبريطانيين في مطلع القرن العشرين في إطار تبادل المستعمرات.  
 

جغرافية وتاريخ السودان. إن ما يميز السودان عن سواه هو هذا الواقع الجغرافي المتفرد والطبيعة المتميزة التي أحاطت به والمناخات المختلفة، من مناخ السافنا الاستوائي الممطر في الجنوب إلى مناخ البحر الأبيض المتوسط في أقصى جبل مرة في الغرب، والمناخ الصحراوي الجاف في الشمال، إلى السهل البحري وجبال البحر الأحمر في الشرق الممطر شتاءً.

 

كما أسهم أيضا المحيط الخارجي حيث يحاط السودان بتسعة أقطار من مصر في الشمال وليبيا وشاد وأفريقيا الوسطى في الغرب إلى كينيا وأوغندا وزائير وأثيوبيا في الجنوب وإرتريا والبحر الأحمر الذي يفصلها عن المملكة العربية  السعودية في الشرق، الأمر الذي يميز السودان عن أي قطر آخر. أضف لذلك الإرث التاريخي المتنوع والتفاوت الحضاري والاقتصادي والأثني بين كل منطقة وأخرى وبين كل إقليم وآخر.


تأثير الهجرات الخارجية والداخلية
كان تكوين السكان الأصليين لأرض السودان الشمالي والأوسط قبل الهجرات يتكون من النوبة وهم شعب هجين من سلالات قوقازية وزنجية تسكن على ضفاف النيل من دنقلا إلى أسوان، والنوبيين في الشمال الوسيط والبجة في شرق السودان، والفور والمساليت في غرب السودان وفي الجنوب الغربي والقبائل النيلية في الجنوب عدا قبيلة الشلك التي كانت حدودها تمتد حتى ملتقى النيلين.

 

بدأت الهجرات لأرض السودان قبل الإسلام وكانت هجرات المسيحيين الأوائل من مصر، كما كانت هناك هجرات للعرب قبل ظهور الإسلام لكنها لم تكن مقننة كالهجرات التي تلت ظهور الإسلام عندما تواترت هجرات العرب المسلمين لأرض السودان بعد القرن السابع الميلادي. لم يتوغل المهاجرون العرب جنوبا لصعوبة التضاريس، حيث السافنا الكثيفة والحيوانات المفترسة.

 

واستمرت عملية تعريب السكان الأصليين زهاء ما يربو على الألف سنة وأفرزت لنا هذا الهجين الذي يعرف بالشمال العربي المسلم. كان التعريب يتم في سلاسة وتأني وذلك بالتمازج العرقي والثقافي ، أما عمليات الأسلمة فلم تتم (للشمال المستعرب) إلا بعد ذلك بعدة قرون وقد تم ذلك على أيدي الفقهاء الصوفية بعد القرن الخامس عشر الميلادي أيام السلطنة الزرقاء.


المؤثرات العربية الإسلامية
بعد أن فتح العرب مصر في القرن السادس الميلادي عقد الفاتحون المسلمون اتفاقيتين منفصلتين الأولي مع النوبة (اتفاقية البقط أيام الخليفة عمر بن الخطاب) والثانية مع البجا (أيام الخليفة المأمون) وذلك بعد فشل الحملات العسكرية لفتح بلاد السودان أو الممالك المسيحية فيه (علوة والمقرة).

 

بالرقم من فشل الحملات العسكرية العربية الإسلامية وتكبدها خسائر فادحة إلا أن تفوق العرب في السلاح والعتاد أجبر السودانيين على طلب الهدنة والتفاوض لإقرار سلام. وكانت هاتين الاتفاقيتين اللتين نظمتا العلاقة بين الطرفين وأن كانتا مجحفتين بحق السودانيين إلا أنهما حافظتا على استقلال ممالكهم التي أعتبرها العرب دار صلح وهي منزلة بين منزلتين دار الحرب ودار السلم ، أمنت الاتفاقيتان على مصالح العرب ومددتا نفوذهم و وطدتا مراكزهم السياسية بعد أن تمكنوا من الاقتصاد كتجار ومنقبين عن الذهب والزمرد والياقوت في أرض المعادن بشرق السودان وأخيراً تميز هويتهم مكنّهم من الوصول للسلطة والحكم وذلك مع نهاية القرن الرابع عشر ومطلع القرن الخامس عشر الميلادي.

 

أما في ما يتعلق بالهجرات الداخلية فقد شهد السودان عدة هجرات خاصة للقبائل النيلية الجنوبية التي توغلت نحو العمق الأفريقي جنوبا، أما أكبرها فقد كان تهجير الشلك (من القبائل النيلية) من ضفاف النيل الأبيض حيث كانت حدودهم تتاخم الخرطوم إلى غابات الجنوب العصية هربا من الاسترقاق بعد تحولوا لأهداف سهلة للنخاسه وتجار الرقيق . ثم توج ذلك السلطان بادي أبو دقن (أحد ملوك الفونج) بطردهم من مركزهم وحاضرتهم مدينة أليس (الكوة) حالياً.

 

كما هو معروف أيضاً أن العرب الأوائل وفدوا البلاد دون نسائهم ومن المعروف أن الإسلام لا يسمح بزواج المرأة المسلمة من غير المسلم لذلك كان هذا التصاهر من اتجاه واحد.  أما وصول العرب المسلمين للسلطة فقد تم بتزاوجهم ومصاهرتهم للأسر الحاكمة مستغلين نظام الوراثة الأمومي الذي كان متبعاً حينها فوصل أحفادهم لأروقة الحكم والمراكز القيادية في الدولة على أساس تفوقهم الثقافي والمالي والحضاري.

 

هكذا تأسست مملكة الفونج (السلطنة الزرقاء) في الجنوب الأقصى على أنقاض مملكة العنج أو علوة المسيحية  في 1505 م. وانتقلت العاصمة من سوبا إلى سنار وهيمنت السلطنة على عموم الأراضي السودانية وشاركتها مملكة دارفور في الغرب. وأصول الفونج مختلف حولهم فمن يقول أ ن أصلهم من الشلك  ومن قائل أنهم من سكان دارفور الأصليين، وهناك رواية تنسبهم لبني أمية. وبالرقم من أن حكام هذه السلطنة من المسلمين إلا أن أنظمتها كانت مستمدة من عادات وأعراف ضاربة في القدم مثال رابطة النسب والمصاهرة والملك المقدس عند الفونج  (3) حيث يعد الملوك مقدسين ليس باعتبارهم آلهة وإنما باعتبارهم حارسين لقيم وتقاليد الأسلاف . وحتى بعد أن صار الإسلام دين المملكة الرسمي واللغة العربية هي لغة الرسمية إلا أن انتشار الإسلام كان أسميا في مطلع الدولة (السلطنة الزرقاء) وبالتالي غيابه عن الأصعدة القانونية والتشريعية والأيديولوجية للدولة (4)ولكن الانتشار الفعلي للإسلام وتغلغله في حياة السكان تم على أيدي الفقهاء والمتصوفة الذين وفدوا من مصر والحجاز والمغرب أمثال الشيخ إبراهيم البولاد الذي قدم من مصر ودرس في دار الشايقية والشيخ تاج الدين البهاري الذي قدم من بغداد وأدخل طريقة الصوفية في بلاد الفونج ثم التلمساني المغربي .. الخ.  كما جاء في كتاب الطبقات لود ضيف الله (5).

 

أن تعريب وأسلمة شمال السودان قد تمت بالتدريج عبر فترة طويلة من الزمن وفي إطار تلاقح ثقافي سلمي. فمنذ أن فتحت مصر كان هناك امتصاص تدريجي للعرب من قبل النوبيين في الشمال والسود في الوسط (6) ومن ذلك يتضح أن الأسلمة في السودان قد بدأت وانتشرت بالجهد الشعبي وارتكزت على قاعدة المجتمع ويعود الفضل في انتشاره للدعاة الصوفيين وللطرق الصوفية ، ثم بعد قرنين أو أكثر وجد الإسلام طريقه لمؤسسات المجتمع وقمته (7)  كما يتضح لنا بأن الأسلمة والتعريب قد تما داخل الإطار الذي كانت تهيمن فيه التقاليد حيث تمكن الصوفيون من دمج الممارسات الوثنية السائدة ضمن أسلوب معتقداتهم الإسلامية الخاصة (8).  يقدم ج. سبنسر تريمنجهام في مؤلفه الثمين الإسلام في السودان في تحليله للتحول الديني للسودانيين من المسيحية إلى الإسلام ومظهر هذا الدين الذي وصفه الدكتور منصور خالد (إسلام وشته على مستوى العادات وليست العبادات شبهة من وثنية ...) هذا التحليل .. لقد كانت عمليات الاستيعاب في السودان متقدمة مع خلوها من عيوب العملية الطبيعية التي كانت من جهة تحولاً للثقافة الإسلامية– التي فيها العوامل الدينية أقل حسما من النظام. وكانت من جهة أخرى عملية امتصاص العناصر الدينية الثقافية الأرواحية (الوثنية والديانات المحلية) المحلية وإلباسها الأشكال والصياغات الإسلامية، وتوجهها نحو الاستشراف العالمي، لذا فقد حدثت بشكل بطئ عملية استيعاب متبادلة، إذ كانت العناصر الأرواحية  تتشبث بعناد شديد خلال الامتصاص داخل النظام الإسلامي. لقد كان الإسلام نفسه يحمل في داخله شكلا من أشكال التأمل اللاعقلاني المملوء بالخرافة وسير الأولياء عندما قام "الفقرا"(9) بتدريسه لأول مرة في مملكة الفونج. لقد تدرب هؤلاء الرجال بشكل لا يمكن تصوره على المذهب المالكي الذي قصد من جهة في أن لا يكون للإسلام القويم تأثير على الحياة، ومن جهة أخرى تأثر بشكل عميق بالصوفية وطرق الدراويش، وهكذا فقد كان لهؤلاء الرجال وسط شعب ليست لديه أي خلفية ثقافية – والـحديث ما زال لسبنسر تريمنجهام - السلطة الكاملة لقيادته نحو الخرافات التي تؤمن بها الجماهير ودمجها في شخصيتهم "الفقرا"(10) ويعلل تريمنجهام أسباب البعد عن الإسلام القويم باضطراب الأحوال  السياسية لدولة الفونج ، وبعدها عن أي اتصال مع المراكز الإسلامية، التي كانت راكدة هي الأخرى، لم تؤد إلى تطور مدارس تعليمية / أو ثقافية .. وهكذا كان الإسلام الذي تطور بهذه الطريقة قد تشرب بشكل قوي بالنزعات الأفريقية التي كانت عواملها المميزة العاطفة والخرافة (11).

 

والسودان الحديث أو أفريقيا المصغرة يجمع كل ألوان الطيف اللغوي في أفريقيا، عدا لغة الخويسان في جنوب أفريقيا (توصل عالم اللسانيات جوزيف قرينبرج إلى اكتشاف أربع مجموعات لغوية في القارة الأفريقية المجموعة الأولى هي النيجيرية – الكونغولية – الكردفانية نسبة إلى نهر النيجر ونهر الكونغو وإقليم كردفان بالسودان) والمجموعة الثانية هي النيلية الصحراوية والثالثة الحامية السامية والأخيرة هي الخوسية وهي لغة الجنوب الأفريقي. وكما ذكر الدكتور منصور خالد في الجزء الأول من كتابه جنوب السودان في المخيلة العربية أن السودان هو موطن ثلاثة من هذه المجموعات اللغوية الأفريقية وهي الثلاث مجموعات الأولى ، فاللهجات الكردفانية (غير العربية) تمت بسبب إلى لغات أهل وادي النيجر والحامية السامية تنتسب إليها الكوشية والنوبية كما تنتسب إليها الأمهرية والتقرينية (12).  كل ذلك يجعل من السودان بلدا محوريا في أفريقيا ليس فقط من الناحية الجغرافية، بل من الناحية الثقافية أيضاً، وبالنسبة للغات السودانية حيث بينا في بداية هذه الدراسة وحسب تعداد 1956 وكان عدد السكان حينها حوالي العشرة ملايين نسمة 51 في المائة منهم يتحدثون اللغة العربية 17.7 في المائة يتحدثون اللغات النيلية منهم 11 في المائة يتحدثون لغة الدينكا ما يدلل على أن السودان ليس فقط منطقة تعدد لغوي بل أيضا منطقة ازدواج لغوي (13) لا شك أن هذه الخارطة اللغوية قد اعترتها تغيرات كثيفة بعد مضي قرابة نصف القرن عليها وذلك بسبب الهجرات الداخلية وسياسات التعريب للحكومات المتعاقبة الأمر الذي أدى لانحسار لغات عديدة وظهور لغات جديدة أبرزها ما يعرف محلياً بلغة (عربي جوبا) التي ازدهرت في الجنوب خاصة في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية. والسؤال الكبير هو هل يمكن أن يكون هذا التنوع والتعدد مصدر ثراء ووحدة بدلاً أن يكون أساس بلاء وفرقة وتفكك؟ سؤال يبدو سهل الإجابة نظرياً ولكن يصعب طرحه في الواقع!!

 

الإسلاموية والعروبية ودعاة التأصيل الثقافي
هناك كثير من دعاة تطبيق الأحكام والتشريعات الإسلامية والتعريب في السودان الحديث بحجة أن الإسلام دين الأغلبية، هذه الدعوات فجرت أسباب الصراع العرقي وأذكت نار الفتنة، وصيرت الدين ولأول مرة في تاريخ السودان كمشكل سياسي ومزقت نسيج الوحدة الثقافية الهش القائم في السودان.

 

فمنذ مطلع ستينيات القرن المنصرم أيام عبود (بداية سياسة تعريب الجنوب) مروراً بعهد الإمام نميري (إصدار القوانين الإسلامية أو تشريعات سبتمبر) انتهاء بهوس الإنقاذيين (إعلان الجهاد) وحتى مراحل الحكم الديمقراطي تخللته الكثير من المساومات والمزايدات السياسية باسم الدين. وقد أتت دعوات الأسلمة والتعريب القسري بأسماء وثياب مختلفة. فمن إسلام الصحوة إلى البعث الإسلامي و دعاة الدستور الإسلامي أو دعاة التأصيل والعودة إلى الجذور،  ولكن من بين كل هؤلاء نجد أن برامج الأسلمة والتعريب الذي فاقم المشكل السوداني وأجج أتون الحرب الأهلية وحولها إلى حرب جهادية، وحول جنوب الوطن إلى دار حرب، البرامج الماضي تطبيقا وتنفيذا في أرض الواقع حتى تاريخه، هو برنامج الجبهة القومية الإسلامية الذي يعد البرنامج السياسي الوحيد الذي وجد سبيلاً للتطبيق والتجريب في الحياة العامة منذ 1976 تاريخ المصالحة الوطنية التي أبرمها النميري مع الأخوان المسلمين، واستطاع الأخوان من خلاله أن يشقوا طريقهم إلى السلطة، ولم يألوا جهدا في تنفيذ مخططهم و برامجهم السياسية، لم توقفهم الانتفاضة ولا الديمقراطية الثالثة عما بدأوه، وعندما لاحت الفرصة لإيقاف نزيف الدم ووقف الحرب بادروا للاستحواذ على السلطة عنوة في يونيو 1989.

 

ولكي نصل لرأي (الجبهة القومية الإسلامية) في مسألة الهُويًّة السودانية نعود لمنظر الجماعة الدكتور حسن الترابي الذي يقول في هذا الشأن:"لا تنشأ حياة سياسية إلا بقيام جماعة توحدها أواصر الموالاة ويعينها من دون الناس بذاتية مستقلة ثم تقوم عليها سلطة مركزية ترعى شئونها وترتب علاقاتها العامة بمقتضى نظام جامع . ولكن نماء العاطفة الموحدة واستتباب النظام الحاكم تطور عسير يكلف كثيراً من الرهق والاضطراب في مرحلة بناء الأمة ، إذ تكون الوحدات الاجتماعية الأولية التي تأتلف في تكوين الأمة لا تزال مشربة بروح العصبية الاعتزالية ومقيمة على حال الحرية الساذجة التي تستعصي على الانضباط . ثم أن الأمة قد يعترها الهرم بعد تمام التكوين فتطرأ في وسطها نزعات التجزئة التي تهدد سلطانها الواحد. ولا ينفك التاريخ يشهد دورات نشوء الأمم وانحلالها وتوارثها لولاء الناس وأقاليم الأرض. إلا الإيمان فإنه يبني الأمة بأيسر وأسرع وأثبت ما يكون لأن الإيمان مفعول اختيار حر. فأيمّا طائفة من الناس اختارت الإيمان أصبحوا  لفورهم أمة واحدة تظلهم جامعة الدين ، ثم تقوى جامعتهم من بعد بفعل عوامل التوحيد التي تنشأ على التراخي في تطور الأمم الأخرى كانتشار اللغة الواحدة واختلاط الدم ونشوء المصلحة الواحدة والتاريخ المشترك" (14)

 

لقد أوردت هذا المقطع بأكمله من فكر د. الترابي حتى تتضح النظرية الإسلاموية في تكوين  هوية الأمة، وهي تتلخص في نقطتين الأولى تتركز في الدين (المعني هنا الإسلام) والإيمان بهذا الدين كمصدر أساسي للحكم والثانية انتشار اللغة الواحدة (المعنية هنا اللغة العربية) الذي يليه أخيرا عاملا اختلاط الدم وتوحد المصالح . 

 

من يتابع التطور العقائدي والثقافي في السودان من المنظور التاريخي يجد أن التعريب الأسلمة لشماله قد انطلقت بعكس هذه النظرية تماما فلقد كانت البداية الهجرات العربية قبل اتفاقية (البقط) وبعدها وكانت الأولوية تأمين المصالح التجارية (أي المصلحة المشتركة)  ثم تلاها بعد استقرار أولئك  المهاجرين المصاهرة مع السكان الأصليين (عامل اختلاط الدم) وبعد وقت كاف عمت اللغة الوافدة "اللغة العربية" تلاها انتشار الدين الجديد "الإسلام" وامتزج بالثقافات والأعراف النوبية والبيجاوية وكان الناتج إنسان سنار المسلم المستعرب.  لكن هذا التعجل في الأمور واستباق الزمن جعل الوطن والمواطن في آخر سلم الأولويات لدى السلطة الحاكمة وذلك بحثا عن انتصار آني للخيار الحضاري أو الشهادة من أجل الخيار المصيري.  يري كثير من الباحثين الإسلامويين ولا أقول الإسلاميين للفرق بينهم، بأن الخيار الإسلامي خيار حضاري (المشروع الحضاري لحكومة الإنقاذ الوطني) ويراه آخرون خياراَ مصيرياَ بعد أن أثبتت الخيارات الأخرى فشلها، الإسلامويون والعروبيون يرون أن رسالة الثورة الإسلامية (انقلاب الإنقاذ) هي إقامة دولة نموذجية يحتذى بها في أفريقيا.  ويري منظروها أن السودان هو بوابة العبور للإسلام والعروبة في أفريقيا، وهم على قناعة بأن السودان ليس سوى جسر لإيصال الرسالتين (الإسلام والعروبة) لأفريقيا. وهنا ومن منطلق هذه الرسالة التاريخية نجد أولوية العمل هي استكمال أسلمة و تعريب السودان في المقام الأول فجحا أولى بلحم ثوره، والمعني هو إلغاء الثقافة الأفريقية و تعريب الجنوبيين، ثم يمتد هذا الواجب المقدس للدول المجاورة ومن ثم إلى العالم. ولهذا نجد أن السودان هو مقر منظمة الدعوة الإسلامية ومعهد الخرطوم الدولي للغة العربية، والمركز الإسلامي الأفريقي، ومؤسسة دان فوديو  والعديد من منظمات جامعة الدول العربية والمؤتمر الشعبي الإسلامي العالمي التي تعني بهذا الشأن.

 

ولو نظرنا في خطة إقامة الدولة الدينية في السودان لوجدنا أن نظام الجبهة القومية الإسلامية  الحاكم كان يرى الجاهلية في شعب السودان قبل أن يتسيدوا السلطة فيه، لذا بدأوا بالادعاء بإنقاذ الشعب السوداني من الضلالة والخطيئة الكبرى التي كانت ستكلل بإلغاء قوانين سبتمبر، وإعمال المصالحة الوطنية بعد أن وافق البرلمان والحكومة على تفعيل اتفاق الميرغني – قرنق. لذا بدأ أهل الجبهة القومية الإسلامية عندما دانت لهم السلطة دون شريك في يونيو 89 من نفس النقطة التي انطلق منها قبل أكثر من أربعة عشر قرناً القائد الإسلامي عبد الله أبن أبي السرح وذلك بإطلاق يد العرب والمسلمين في أرض السواد (ممالك النوبة) فأطلقوا العنان لتجارهم ليتمكنوا من اقتصادها المنهك (سياسة التمكين)  وتسيدوا وسيسوا جميع الوظائف الإدارية التكنوقراطية (مزيداً من التمكين) وأذكوا أتون الحرب. وأرسلت الجبهة الإسلامية  مهووسيها ليطأوا بخيلهم بطون شعب الجنوب وحولوا  دارهم إلى دار حرب، فحرقوا الزرع والضرع وشردوا وقتلوا من الأرواح ما لم تفعله كل الحروب السابقة، وأرسلوا الشباب ليكونوا وقوداً لحربهم الجهادية فلم ينج من وبالهم أحد، دون أن يحفلوا لما جرى ويجري لأحفاد رماة الحدق، الذين ضاق بهم الحال فتنازلوا عن قيم الآباء والأجداد والدين القويم  بعد أن فسدت الذمم وضاق الحال وصاروا بالملايين يتسولون اللجوء السياسي في أي موطئ يقبل بهم بعد أن ضاقت دونهم أرض المليون ميل مربع.


الثقافات الأفريقية وهوية أبناء الجنوب
في يوليو الماضي وفي إحدى ضواحي العاصمة الكينية نيروبي وتحت مظلة دول الإيقاد، وقعت الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان على ما صار يعرف ببروتوكول السلام أو (بروتوكول مشاكوس). وقد نص البند الثالث من البروتوكول آنف الذكر على حق تقرير المصير لمواطني جنوب السودان. و جاء نص الفقرة رقم 4 فيه كما يلي : بنهاية الفترة الانتقالية التي تبلغ مدتها ست سنوات تجري الحكومة السودانية والحركة الشعبية استفتاء مراقبا دوليا، يطلب فيه من مواطني جنوب السودان أما تأكيد وحدة السودان بالتصويت لصالح نظام الحكم الذي أقر في اتفاقية السلام، أو بالتصويت بالانفصال. قبل ذلك بعدة سنوات في 1995 بالعاصمة الإرترية أسمرا وفيما يعرف بمؤتمر القضايا المصيرية أو (مقررات أسمرا) وقعت الأحزاب الشمالية والحركة الشعبية وتجمع الأحزاب الوطنية الأفريقية وبعض الشخصيات الوطنية المنضويين تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي قرارا حول قضية تقرير المصير جاء في البند العاشر ما نصه (أن شعب جنوب السودان – بحدوده القائمة في أول يناير 1956 م – سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية).

 

كل ذلك يوضح بأن كافة الأطراف السودانية من شمال وجنوب . حكومة ومعارضة، أضحت متفقة على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وبات احتمال انفصال الجنوب قائما، ليس الجنوب فحسب بل يمكن أن تنضم إليه فيما بعد منطقة أبيي (تقع إداريا في إقليم جنوب كردفان) ومناطق جبال النوبة والانقسنا (جنوب النيل الأزرق) حيث وافق التجمع في مؤتمر القضايا المصيرية  على استفتائهم حول مستقبلهم السياسي.

 

هناك عامل رئيسي ركن إليه كثير من الساسة والمحللين السياسيين العرب و الكثير من السودانيين الشماليين، راهنوا على خيار وحدة السودان بعد المرحلة الانتقالية في الاستفتاء الذي سيجري للجنوبيين  ليس بسبب قناعات الجنوبيين بضرورة الوحدة،  إنما بسبب "حسب رؤية هؤلاء الساسة والمحللين" عدم وجود المكون الأساسي للدولة الجنوبية الوليدة إلا وهو الهويَّة، حيث يرون انه لا يوجد أي أساس يوحد القبائل التي تسكن الجنوب تحت راية الدولة المستقلة ، ولدى هؤلاء كثير من الأسئلة وأيضا الإجابات الجاهزة عليها، لأنه ووفقاً للمسلمات القديمة والمعلومات المعلبة منذ عشرات السنين فإنه لا توجد عناصر مشتركة بين سكان الجنوب، وأنهم مجموعة من القبائل الوثنية تعيش حياة بدائية وجدت نفسها في منطقة جغرافية واحدة .. وهكذا استسلم هؤلاء لهذه القناعات حتى يكفوا أنفسهم عناء البحث والتقصي في الواقع الجنوبي المتغير، وعما أحدثته وتحدثه الحركة الشعبية من تغييرات جوهرية في الواقع الجنوبي أرضا وشعبا وأيضا ما أحدثته الحرب والتصعيد المستمر لها من هجرات وتداخل بين مختلف القبائل داخل معسكرات المتمردين واللاجئين.

 

من حق الجميع  أن يتساءلوا وأن يثيروا الشكوك عما هو الذي يمكن أن يجمع ويوحد سكان هذه الدولة الوليدة؟ هل هي الثقافة الأفريقية؟  وهل هناك هوية جنوبية موحدة يمكنها أن توفر الانتماء لهذه الدولة، وتوفر لها السلام والأمن وتحميها من شر التحارب والتقاتل بين قبائلها المتباينة؟ ففي حالة انفصال الجنوب وقيام دولة مستقلة في أراضيه وقد تضم هذه الدولة الوليدة جبال النوبة والانقسنا. لن أذهب بعيدا لكني سأعيد صياغة الأسئلة و طرحها ليس  بحثا عن تأكيد قناعات واهية، بل من أجل التقصي للوصول للحقائق. يقول الأستاذ والباحث الجنوبي جون قاي نوت يوه "لاشك أن مثل هذه الأسئلة قد تثير الشكوك عند بعض القبائل السودانية عن جدوى المناداة والقتال من أجل الانفصال لقيام دولة في جنوب السودان بمجرد أن القبائل القاطنة هناك وجدت نفسها في منطقة جغرافية واحدة .. الخ". (15) ويواصل مبحثه عن وحدة الهُوية السياسية والاجتماعية للدولة الجديدة، شارحا التركيبة القبلية لمجتمع جنوب السودان. التركيبة القبلية لمجتمع الجنوب مثلها مثل تركيبة بقية القبائل الأفريقية المجاورة من حيث ترابط الجذور التاريخية بين القبائل. فإذا أخذنا الجذور اللغوية للقبائل في الجنوب نجد أن القبائل النيلية تتحدث اللغة نفسها تقريباً وتشارك بعضها في الكثير من العادات والتقاليد المشتركة، وكذلك الأمر بالنسبة للقبائل النيلية الحامية، والقبائل الحامية إذ تتحدث اللغات نفسها تقريباً وتتشابه تقاليدها وطرق عيشها، والأهم من ذلك أن هذه القبائل الجنوبية فقدت الاتصال بجذورها التاريخية مع نظيراتها في شرق وجنوب غرب أفريقيا، منذ أن هاجرت إلى مناطقها الحالية في جنوب السودان منذ أكثر من ألفي سنة (16). ويواصل الأستاذ جون قاي نوت معددا العناصر التي تجعله متفائلا في إمكانية إبقاء مستوى التعايش السلمي القائم بين القبائل الجنوبية وتوظيفها في الدولة المرتقبة ومن أهم هذه العناصر التي وحدت الجنوبيين التزاوج خاصة بين الشلك والنوير والدينكا وأنوك من جهة أخري، هذا التزاوج خلال الخمسة وعشرون سنة الماضية أنتج علاقات أسرية إيجابية بين أسر كثيرة. ثم هناك عنصر آخر هو التعايش السلمي بين أفراد الثوار الجنوبيين داخل المعسكرات في الأحراش، وأيضا المدارس الداخلية في رمبيك ولوكا وعطار وملكال الثانوية، بالإضافة إلى مدرسة الشيخ لطفي الثانوية للنازحين الجنوبيين برفاعة، ومدرسة سانت أوغستين الثانوية بالخرطوم التي خرجت العديد من الطلاب والطالبات، هذه المدارس لعبت دورا مهما منذ الستينات في رفع مستوى التعليم في الجنوب ويشكل خريجوها الطبقة المتعلمة في الجنوب الآن وقد ساهم السكن الداخلي في تعارف معظم القيادات السياسية للجنوبيين مع بعضهم البعض. ثم يضيف الأستاذ جون قاي نوت عنصرا ثالثا في تحليله ويعد كأهم العناصر الموحدة للقبائل الجنوبية وهو عنصر الدين المسيحي الذي جمع صفوف الجنوبيين داخل وخارج البلاد خلال الخمسة وعشرين سنة الماضية فيما أطلق عليه اسم "النهضة الروحية" التي اجتاحت كل الكنائس السودانية بعد عام 1985 ومهدت لخلق روابط اجتماعية جديدة بين أبناء الجنوب الذين يعيشون في معسكرات ومخيمات اللاجئين في أوغندا وإثيوبيا وكينيا وإريتريا، وفي المناطق التي تقع تحت سيطرة الحركة الشعبية وفي مخيمات النازحين في ضواحي الخرطوم وفي داخلها، وفي مدن جنوبية وشمالية أخرى. أصبحت الكنيسة بالنسبة لكثيرين الملجأ الوحيد والأمل في الحياة بسبب استمرار الحرب ونتائجها المدمرة وأهم من ذلك أصبحت الكنيسة الوسيلة الوحيدة للتعليم في الجنوب، لأن الدولة أغلقت كل منافذ التعليم هناك. وبالتالي أصبح جيل (النهضة الروحية) في الجنوب نموذجا للتعايش بين القبائل الجنوبية، وقامت علاقات وصداقات حميمة بين هؤلاء الشباب وتزوجوا من بعضهم دون تميز قبلي (17)ثم يضيف عنصرا لا يقل أهمية في خلق الوحدة السياسية والاجتماعية المنشودة ألا وهو عنصر اللغة.  لغة (عربي جوبا) وهي عبارة عن لغة محلية مشتقة معظم مفرداتها من اللغة العربية مخلوطة باللغات المحلية في المحافظات الاستوائية مع بعض المفردات الإنجليزية، وهي أشبه باللغة السواحلية بشرق أفريقيا، وقد ذكر الدكتور منصور خالد بأن القائد الجنوبي الدكتور جون قرنق عندما يخاطب قواته التي تربوا على الثمانين ألفا يحدثهم بهذه اللغة أي (عربي جوبا). كما تستخدم أيضاً في تأليف الترانيم الكنسية في كل كنائس الجنوب تقريباً. وهي لغة ليست وليدة هذه الظروف، فقد سبق استخدامها في الشمال حيث كان يبث من إذاعة أمدرمان برامج (ركن الجنوب) بلغة عربي جوبا وذلك منذ الستينيات. وأيضا إذاعة صوت الحق في مرحلة الديمقراطية الثالثة التي كانت تبث من مدينة ملكال بالجنوب وأخيرا إذاعة جوبا. وقد أسهمت هذه الإذاعات في نشر لغة عربي جوبا وانتشرت كثير من الأغاني العاطفية والأناشيد الوطنية التي تخاطب الجنوبيين وتحثهم على الوحدة ونبذ الحرب مثال أغنيات الفنان يوسف فتاكي:
     ياي بليدنا.... سوداني وطننا
     وكلنا إخوان ..
     وين يا لوا  أمسك بليدي كويسيا
     أنا بقى حرية  باكر نكرجو لوبيا
     في بليدنا
(وياي هي أحدى مدن الجنوب وبليدنا أي بلادنا ووين يا لوا أي أين يا لواء وهي رتبة عسكرية والمعني بها الحاكم العسكري خلال حكم عبود ، أمسك بليدي كويسة أي أحكم بلدي بطريقة كويسة أي صحيحة، أنا أبقى حرية أنا أتتطلع لحريتي ، باكر نكرجو لوبيا أي غدا نزرع اللوبيا في بلدنا ونكرجو معناها بلغة الزاندي الزراعة).
 

وأيضا أبدع  الشعراء الشماليون  في استخدام هذه اللغة أمثال محجوب شريف الذي أجادها وعبر من خلالها قائلا :
     كل طلقة بينا نحن تبقى وفرة
     سمسما وبفره
     سكرا وشاي
     تتراسايكلين
     جاي وجاي وجاي
     مافي حاجة ساي
     كلو عنده دين
     كلو عنده راي
     بور وبورسودان
     بارا والجنينة
     عبري ولا واو *
     حاجة مش كويسة
     كل زول براو
     هي سودان بكرة
     من سودانا ناو
*(  بور وبوتسودان ... إلى واو -  كلها أسماء مدن سودانية في الجنوب والشمال والشرق والغرب )
 

ومن لغة الفن السياسي إلى لغة الخطاب السياسي المباشر في استخدامات عربي جوبا حيث درج الساسة الشماليون في استخدام عربي جوبا عند مخاطبتهم للجنوبيين والساسة الجنوبيون كذلك يستخدمون لغة عربي جوبا في خطابهم السياسي وفي اللقاءات والمقابلات الإذاعية والتلفزيونية وكنموذج أقدم مقتطفات من خطاب د. جون قرنق في لقاء جماهيري مع الجالية السودانية في القاهرة في 2 ديسمبر 1997 بقاعة المؤتمرات الدولية: "أنا بقول ، أنا بخاطبكم  زي ما أنا بخاطب ناس في الغابة هناك. أنا ببدأ نقول أنا أكب السلام ليكم ، أنا أكب السلام ، سلام كتير ليكم أنتم السودانيين جماهير بتاع السودان في كايرو ، في مصر عامة ، أنا بقول ليكم سلام عليكم أنتم كله، نساء ورجال، صغير وكبير , بلسان بتاعكم امشو كلم الناس الماجاي وقول ليهم دكتور جون قرنق بسلم عليكم .. أنا عاوز نقول ونكب الشكر الكتير لحسني مبارك رئيس بتاع البلد دي..."

 

كما أن هذا الانتشار لعربي جوبا أدى لاستخدامه في مناطق أخرى عديدة أهمها جبال النوبه كما نجدها في بعض الأغاني والأناشيد النوباوية. التي رددتها فرقة عقد الجلاد ونشرتها في كل ربوع السودان. مما يعني قدرة اللغات المحلية في التمازج مع اللغة العربية وأيضا مرونة اللغة العربية في قدرتها على التعبير والاستخدام في كل بقاع السودان المختلفة الألسن والمزاج اللغوي.
 

وهناك عامل آخر سيسهم في تثبيت دعائم الدولة الجديدة "في حالة الانفصال" ألا وهو العامل الخارجي الذي لا يقل أهمية حسب الظروف العالمية الآنية "خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر" وقد أضحى النفط عاملاً رئيسياً في توحيد الدولة الناشئة والمحافظة عليها من شر نفسها ومن شر خصومها. فلأمريكا والاتحاد الأوروبي مصالح اقتصادية وإستراتيجية في هذه المنطقة، فأرض الجنوب بها من الثروات المعدنية  خاصة النفط الذي أصبحت الحاجة له لا تخفي على أحد بعد إعلان الحرب على الإرهاب، ووجود دول بعينها مقصودة بهذا الجهاد الأمريكي كإيران والعراق كلتاهما موجودتين في مواقع احتياطي النفط الأمر الذي يستدعي البحث عن مصادر جديدة  والمحافظة على السلام والأمن في تلك المناطق حتى تتمكن الشركات الغربية من القيام بدورها. وهناك أيضا العامل الإنساني لتلك الدول والضغوط التي تتعرض لها الحكومات الغربية من مواقع الضغط الكنسية داخل مؤسسات اتخاذ القرار ومن المؤسسات الأهلية التي ملت نزيف الدم في الجنوب. وهي الآن تفعل كل ما بوسعها لوقف الحرب واستتباب الأمن في الجنوب غير عابئة بحل مشكلة الحكم في السودان أو وحدة أراضيه.
 

هناك أيضا بعض الشماليين الداعين  لتأطير الثقافة الأفريقية وذلك كرد فعل لاستغلال الدين في شئون السياسة وفشل الحكومات المتعاقبة في حل المشكل السوداني وهؤلاء الشماليين أصيبوا باليأس والقنوط من عدم  حسم مسألة فصل الدين عن الدولة وإلغاء القوانين الإسلامية التي شرعها النميري، كما فقدوا الأمل والثقة في قياداتهم السياسية الممثلة في الأحزاب الشمالية التي مزقتها حكومة الإنقاذ الوطني وشرذمتها، ووجدوا أنفسهم خارج حلبة  النضال من أجل إلغاء القوانين المقيدة للحريات سواء على المستوى الفردي والجماعي، وأيضا خارج حسبة معادلات التسويات السياسية التي تجري على الساحة،  فتعلقوا بأهداب الثقافة الأفريقية بحجة أن السودان وطن يشمل الجميع دينيين وغير دينيين، مسلمين وكنسيين، وهذه الفئة لا تخفي أملها وطموحاتها بأن يحكم السودان زعيم جنوبي مسيحي حتى يتمكن من إحداث التغيرات اللازمة ، وأصبح أملهم في المكاسب السياسية والعسكرية التي يمكن أن يحققها الوحدويين الجنوبيين في قيادة الحركة الشعبية، لذا فهم ومعظمهم يقيمون بالخارج كلاجئين سياسيين في أوروبا وكندا وأمريكا والخليج وجدوا أنفسهم ينتظرون أن تحارب الحركة الشعبية بالنيابة عنهم لتحقق لهم أجندتهم الخاصة في الدولة العلمانية والحريات.

 

كما أن هناك بعض المناطق المهمشة الأخرى (مثال جبال النوبة والإنقسنا) ملت التعالي العرقي والتخلف التنموي الذي تعيش فيه فأخذت تبحث عن جذورها الأفريقية وتشبثت بأصولها الثقافية مقابل النعرات العرقية من أصحاب الأغلبية المستعربة من دعاة التأصيل والتعريب.

 

الأفروعربية أو مدرسة الغابة والصحراء
في مطلع الستينات، وكانت حركات التحرر الوطني في أوج عنفوانها، تأسست مجموعات ثقافية عديدة أسست رؤيتها الشعرية والثقافية على الأفروعربية كمشروع حضاري يمثل التصالح بين الثقافة العربية والثقافة الأفريقية في السودان  وقد كانت "أبادماك" أحدى افرازات هذا المد الثوري مثل عديد من التنظيمات الأدبية المشابهة "رابطة سنار" و"أولوس" في كسلا وقد تبنى بعض أعضاءها الأفروعربية كحل لأزمة الهوية الثقافية في السودان.

 

كان من رواد مدرسة الغابة والصحراء الدكتور محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر (الذي أبتكر التسمية) واسحق إبراهيم اسحق، على المك والشاعر الكبير مصطفي سند، الأفروعربية أو مدرسة الغابة والصحراء هي رمزية دلالية للعنصر الأفريقي الذي تمثله الغابة والعنصر العربي الذي تمثله الصحراء وهي مماثلة للواقع الجغرافي السوداني حيث نجد الصحراء الممتدة من الشمال حتى تخوم الوسط وجنوب الوسط حيث الغالبية للعنصر العربي أو المستعرب , وكلما توغلنا جنوباً حيث تبدأ السافانا المعتدلة، ثم السافانا الغنية والغابات المدارية نجد الغلبة للعنصر الزنجي، ولقد وجدت جماعة الأفروعربية ضالتها في نموذج إنسان سنار تلك السلطنة السوداء التي قامت بتحالف العبدلاب مع العنج أي تلاقح العنصر العربي والعنصر الأفريقي الذي شكل النواة للسودان الوسط القائم إلى يومنا هذا.

 

الأفروعربية كمصطلح لغوي ردها الشاعر الدكتور محمد عبد الحي إلى دعوة سودنة الشعر التي نادى بها الناقد حمزة الملك طمبل وإلى مدرسة الفجر (مجلة أدبية أصدرها عرفات محمد عبد الله خلال ثلاثينيات القرن الماضي) وقد جاءت دعوة طمبل لتأسيس واستحداث رؤية نقدية مميزة للأدب السوداني بعيدا عن مفاهيم الأدب الغربي التقليدي وموازية له في تلك الفترة كما جاءت دعوته لتنقض المسلمات الفنية لمدرسة الإحياء الشعري في العقدين الثاني والثالث من القرن الماضي (شعر محمد سعيد العباسي وود البنا)، وقد كانت دعوته للشعراء السودانيين  ليعبروا عن البيئة السودانية والطبيعة السودانية بكل التنوع والتمايز الذي تحمله "حتى يقول قارئ شعرهم إن هذا شعر سوداني حق، فيه الحساسية والتضاريس السودانية". وقد كانت الدعوة كلها تمثل تسامي الصفوة ليعبروا عن السودان كله وكان البحث عن القاسم المشترك الأعظم بين الهجين العربي الأفريقي في السودان ليعبروا عنه.

 

وقد تم نقد هذه المدرسة بأن شعرائها وأدباءها لم يجدوا ما يشفي غليلهم من شغف التعبير سوي الهروب إلى الفردوس الأفريقي وقد عرف الباحث والمنقب في الثقافة السودانية الدكتور عبد الله على إبراهيم متعه الله بالصحة والعافية في بحثه "الأفروعربية أو تحالف الهاربين" "الأفروعربية كمدرسة فكرية لا تهدف إلى تحجيم الانتماء العربي الصريح وحسب، بل إلى إجراء تحسين جذري في المكون العربي الإسلامي من الذاتية السودانية. فاستعادة التراث الأفريقي في نظر الأفروعروبيين، ليست مجرد تصحيح لمعادلة مختلة، وإنما المقصود منها هو تهريب أجندتهم الاجتماعية والفكرية إلى الثقافة العربية الإسلامية الغبشاء المتشددة بقصد حملها على التلطف والسماحة" (18).

 

ويقول أيضاً في بحثه آنف الذكر و في إطار  نقده لجماعة الغابة والصحراء أو الأفروعروبيين في استخدامهم المكون الأفريقي في الثقافة السودانية وحقوق الجنوبيين في نصرة آرائهم في الحياة السياسية والاجتماعية وقد كان في قمة الشفافية في نقده "وعندي إجمالاً أن خلع أو تحجيم الهوية الثقافة العربية هو إما غش ثقافي أو يأس. فالطريق فيما أرى إلى اطمئنان الجنوبيين وغيرهم من حملة الثقافة الأفريقية إلى أمنهم الثقافي، يمر عبر تصدي العرب المسلمين للنعرات وأنواع التحريم التي تغص بها ثقافتهم تصدياً بالأصالة عن أنفسهم، لا نيابة عن أحد . ويستلزم ذلك وقفة مستنيرة إزاء الذات وقدرة على تحري النقد ، وتحمل تبعاته. ولا أحسب أن حملة الثقافة الأفريقية ممن يرغب في الزج بهم كلاعبين رئيسيين في أجنده تفتح وديمقراطية الثقافة العربية الإسلامية، فالأصح في نظري مثلاً أن يدعو من يزعم  أن تعاطي الخمر حرية شخصية إلى كامل حرياته الشخصية كعربي مسلم. لا أن يتخفى وراء نسبته في أفريقيا التي الخمر فيها بعض الماء أو الغذاء أو أنخاب الطقوس. والأهم من ذلك كله ألا يتأسى العربي المسلم لفقدان الجنوبي حريته في شرب الخمر، قبل أن يتأسى هو لفقدانه الحق ذاته. فحملة الثقافة الأفريقية قد يرغبون أن يرو العرب المسلمين في السودان متمتعين بحقوقهم في الاعتقاد والرأي وأنواع الشغف الأخرى أولاً ، قبل أن يصدقوا مشروع  الأفروعروبيين الحضاري". (19) ولاشك كما ذكر الدكتور في مقالته حول الأفروعربية أو تحالف الهاربين أن هذه الخطة باتت مكشوفة . وأظنها اليوم باتت مكشوفة أكثر مما مضي لكل من له علاقة بحل المشكل السوداني. وأصدق تعبير عن ذلك نجده في جنوبيات محمد المهدي المجذوب التي يقول فيها:
     وليتني في الزنوج ولي رباب تميد به خطاي وتستقيم
     وفي حقوي من خرز حزام وفي صدغي من ودع نظيم
     وأجترع المريسة في الحواني وأهذر لا أُلام ولا ألوم
     وأصرع في الطريق وفي عيوني ضباب السكر والطرب الغشوم
     طليق لاتقيدني قريش بأحساب الكرام ولا تميم

 

هذه النزعة للتحلل والتفكك من قيد الزواجر والنواهي التي تحيط بالثقافة العربية الإسلامية وجدت منذ أمد طويل في الأدب العربي وفي السودان وجدت طريقها للتعبير من بوابة الغابة والصحراء أو الأفروعربية.

وقد نحت النور عثمان أبكر في  رائعته صحو الكلمات المنسية التسمية التي أصبحت تمثل التيار الرئيسي لشعراء تلك الحقبة والتي يقول فيها :
     مولود الغابة والصحراء
     من هذا الطافر كالجبل الأسمر
     كمنارة ساحلنا الأزرق

أما رمز مدرسة الأفروعربية وعنوانها فهو ما يتجلى في  قصيدة د. محمد عبد الحي العودة إلى سنار التي يقول في بعضها:
     سأعود اليوم يا سنار حيث الرمز خيط من بريق أسود بين الذرى والسفح، والغابة والصحراء
     والثمر الناضج والجذر القديم
     لغتي أنت
     وينبوعي الذي يأوى نجومي
     وعرق الذهب المبرق في صخرتي الزرقاء
     والنار التي فيها تجاسرت على الحب العظيم
     فافتحوا ، حراس سنار
     افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة
     افتحوا الليلة أبواب المدينة
     " بدوي أنت"
     لا "من بلاد الزنج "
     لا أنا منكم. تائه عاد
     يغني بلسان ويصلي بلسان

 

الأفروعربية وطريق النار  طريق النار مفروش بالنوايا الطيبة قول ينطبق على الأفروعروبيين الذين كان عندهم حسن القصد ويحدوهم الأمل في تمازج الثقافات العربية والأفريقية وإزالة العوائق بين الشمال والجنوب والدعوة للقاء في وسط الطريق بين هذا الجنوبي ذو الثقافة الأفريقية وذلك الهجين العربي الأفريقي ذو الثقافة العربية حتى ينتج إنسان سنار جديد . وأيضا للباحثين عن التفرد بعيدا عن طغيان الأدب العربي. لكن هذه الدعوة قد لا تختلف كثيرا عن دعوة الإسلاميين والعروبيين التبشيرية فالدعوة للتمازج القومي عند الإسلاميين ستنتهي بشكل مؤكد إلى تبني الجنوبيين الثقافة العربية والإسلام مقابل الرطانات والملل الوثنية. وأن يتحول ما تبقى لهم من ثقافة إلى شئ فلكلوري يشاهد على خشبة المسرح في الاحتفالات والمناسبات الرسمية.

 

وأخيرا فقد وجدت الدعوة الرفض والمقاومة من المثقفين الجنوبيين الذين رفضوا إعادة إنتاجهم كما ذكر الدكتور عبد الله علي إبراهيم "فقد تلزم الجنوبيين ضرورات التساكن القومي إلى اكتساب اللغة العربية أو عادة عربية إسلامية . غير أنهم سيقاومون كل ميل لجعلهم يتبنون النسبة العربية المقترحة من قبل الأفروعربيين إلى جانب نسبتهم الأفريقية المؤكدة. وستبدوا لهم الدعوة إلى إعادة إنتاجهم ، عبر التمازج الثقافي كطبعة لاحقة لإنسان سنار ، نوعاً من الغش الثقافي لا حوار. فالجنوبيون محاذيرهم كثيرة ، الصادق منها والمخترع ، حيال عرب الشمال" (20).


العودة إلى المرعى مؤسسة المسيد والبيئة الرعوية
يذكر الأستاذ محمد عبد القادر سبيل في بحثه (الميل إلى المرعى) النزعات الرعوية في الثقافة السودانية (21) "أن بنية ثقافة مجتمعنا تجد مرجعيتها في مصدرين أساسيين هما مؤسسة المسيد، والأهم من ذلك بيئة المرعى، وقد نزيد على ذلك نسبياً الثقافات الأفريقية". هنا يختزل الأستاذ/ محمد سبيل الثقافة السودانية في مرجعيتها إلى مصدرين أساسيين هما المسيد والمرعى، أما الثقافة الأفريقية فهي في مرجعيتها رعوية أيضا وذلك حسب طرحه.

 

يحدد سبيل مكونات الشخصية السودانية في مصدري المسيد أي الصوفية وهي تمثل الدين الحي الذي أستشف وأتبع من خلال مناهجها كما استدللنا في مكان آخر في هذه الدراسة. والمرعى أي الرعي  الذي يمثل النشاط الاقتصادي لأكثر من ثلثي السكان.

 

قد يكون هذا الحديث التنظيري غير مقبول لدى الكثير من الباحثين في أنثربولوجيا الثقافة السودانية ومكوناتها، ولكن حتى لا نتسرع بإصدار الأحكام لنرى كيف يدلل محمد عبد القادر سبيل على نظريته:  يقول في بحثه آنف الذكر: "من المسيد انحدرت قيم وسمات شخصية محددة تعد من مميزات السلوك السوداني ومن ذلك التواضع والتسامح والزهد وتمجيد الفقر والانحياز للضعيف وعدم الاعتراف بالتمايز أو النبوغ والتشكيك في مشروعية حالات النجاح اللافتة، وكذلك بساطة الطعام والملبس وتواضع العمران وغير ذلك كثير مما كان يتلقاه الفرد من أخلاقيات وقيم تحولت مع مر الأيام إلى أعراف ومحددات سلوكية (أي ثقافة بالمعنى الانثربولوجي) توارثتها الأجيال حتى لتجد تمظهراتها عند من لا صلة له بتربية (حيران) المسيد مباشرة. أما بيئة المرعى فقد طبعت الشخصية السودانية بمعظم السمات السلوكية الأخرى، سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي، ومن ذلك اعتماد الشفهية بدلاً من التوثيق، والتشبث بالحرية، دون أن يتلازم مع المسئولية بالضرورة، وأيضاً رفض السلطة من حيث المبدأ، والضجر من الرسوخ والاستمرارية، وبالتالي عدم التكيف مع روح المؤسسية كنظام ورسوخ ودقة وثبات مبادئ".

 

يستدل الأستاذ سبيل بالأمثال والحكم الشعبية كوجه ثقافي ومناهج التعليم التي تعكس الثقافة الرعوية ويطرح العديد من الاستدلالات من الواقع السوداني المعاصر كالملبس والمسكن والمأكل. كما يحمل النشاط الزراعي وبنيته الهشة وعدم استقراره في تأسيسه إرثا ثقافيا زراعياً متواصلاً.. يقول الأستاذ سبيل : مازلت أدعو وأطلب مؤازرة المبدعين والمفكرين نحو تأسيس مدرسة (العودة إلى المرعى) بدلا من (العودة إلى سنار) التي طرحتها مدرسة الغابة والصحراء، لأن الإجابة الشافية لجذور الهوية السودانية وبنية التفكير السوداني ومرجعية الثقافة وأسباب عدم الاستقرار وعدم النمو وفشل الممارسة الديمقراطية الليبرالية نجدها جميعا تعود إلى ثقافة المرعى، وهذا الكلام يخص كل القبائل السودانية بمن فيهم الجنوبيون غير المشمولين أصلا بنموذج سنار (الخلاسي) كما يخص النوبة والبجا والأنقسنا، كل هؤلاء رعويون ويعتزون بذلك وهذا من حقهم – كما يواصل سبيل في موضع آخر من ورقته "من المهم جدا أن نذكر هنا مسألة غاية في الأهمية مفادها أن البداوة ليست صفة تخص العرب دون سواهم" وهو يرى أن هذا خطأ وقعت فيه مدرسة الغابة والصحراء في مرجعيتها الثقافية .. قصيدة محمد عبد الحي – العودة إلى سنار بدوي أنت ..إلخ  ويؤكد سبيل أن ثقافة المجتمع الرعوي تضم حتى قبائل الجنوب التي يمارس معظمها هذا النشاط الاقتصادي (...أؤكد هنا أن أهم القواسم الثقافية المشتركة التي تربط بين القبائل السودانية كافة مرجعيتها الرعوية) إنتهى.

 

إذا علمنا بأن الإنسان هو أبن الأرض التي يعيش عليها فطقسها ومناخها وتضاريسها وناتجها وعلاقات إنتاجها هو الذي يشكل ملامحه الأساسية وسلوكه، مع علمنا بعدم الاستقرار الزراعي تاريخياً وطبيعة الزراعة المطرية وبداوتها . حيث تعرضت الزراعة لكثير من المحن عبر تاريخها أكبرها ما فعله الخليفة عبد الله بالمزارعين والقبائل المستقرة حول النيل. فلا غرو بأن نتفق مع سبيل في بعض ما طرحه ولكن أيضا  نختلف  معه خاصة بعد تحليلنا لمكونات الشخصية السودانية.. لأن حصر مكونات الشخصية الثقافية السودانية في إطاري المسيد والمرعى فيه كثير من التجني على المكونات الأخرى خاصة المكونات التاريخية والتداخل الثقافي الشعوبي والمناخ وأثره في المأكل والملبس والمسكن والمعتقدات الإثنية  والأرواحية السابقة للإسلام. عموما الدراسة هامة وحيوية وفيها الجديد وأتمنى أن تستكمل خاصة تركيبة الطرق الصوفية وأثرها في المكونات والممارسات الدينية لدى المسلمين. وأتمنى أن تجد الدراسة طريقها في البحث والتمحيص من قبل أهل الاختصاص.

 

السودانوية
عرفت السودانوية  كمصطلح تعريفي للهوية السودانية عندما أصدرت الحركة الشعبية لتحرير السودان منفستو إعلان قيامها في 1983، ويعرف الدكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان "السودانوية" بأنها البوتقة التي ستأتي نتيجة انصهار التنوع التاريخي "أي التركيبات القديمة للسكان الأصليين منذ ما قبل التاريخ" والتنوع المعاصر "وهو التنوع الثقافي المعاصر بتركيبة السودان الحالية" دون أن يهمل المؤثرات الخارجية والتداخل الثقافي العالمي.  و يلخص الدكتور جون قرنق السودانوية بطريقة الرياضيات وذلك وفق المعادلة التالية (س= (أ + ب + ج) حيث أن س هي السودان أو الهوية السودانية، وهي دالة مرتبطة بالمتغيرات أ، ب، ج. أ يمثل التنوع التاريخي ب يمثل التنوع المعاصر وج يمثل تأثيرات الحضارات الأخرى علينا، أما المتغير الثابت (س) والذي يمثل الهُويَّة السودانية فهو المحصلة النهائية لهذه المتغيرات أو المكونات . وتعد السودانوية كهوية ثقافية بأنها أكبر من مجموع الأجزاء المكونة لها (22) .


كتب كثير من الباحثين في حقل الهُوية السودانية وعلى رأسهم المرحوم الدكتور أحمد الطيب زين العابدين عن السودانوية كبوتقة لصهر الثقافات السودانية المتنوعة وقد ذكر الدكتور منصور خالد في ذلك إن القاع الاجتماعي للوطنية السودانية ليس هو الاستعراب أو التزنج وإنما هو خليط من هذا وذاك ووأشار عليه بالسودانوية. و ويعرفها الدكتور منصور بأنها  نتاج عروبة تنوبت وتزنجت ونوبة تعربت، وإسلام وشته على مستوى العادات وليست العبادات شبهة من وثنية ...
(23)  ويرى الدكتور منصور خالد أن العلاج الناجز لمسألة الهُويَّة السودانية هو المواطنة ويقول في ذلك: "السودانيون ليسوا قومية واحدة بالمفهوم الأنثروبولوجي أو السلالي، وإنما هم شعب واحد – بالمفهوم السياسي– تمازجت عناصره في فضاء جغرافي محدد، وأفق تاريخي معين، وكل واحد منها مزاج. وفي القانون ترتكز المواطنة على عمدتين، حق الدم Jus Sanguinis  وحق الأرض Jus Solis. السودانيون إذن نتاج لصدف الجغرافيا والتاريخ شأن شعوب كثيرة تخلقت نتيجة لمثل هذه الصدف (أمريكا، جنوب أفريقيا، بيرو، البرازيل، كندا) هذه الشعوب المتعددة المنابت والمتنوعة الثقافات أدركت بحسها الواعي بأن الرابطة الوثقى التي توحد بين أهليها هي الإحساس بالانتماء لوطن واحد (المواطنة)، والولاء لدستور واحد يؤطر هذه المواطنة. فالخيار أمام مثل هذه المجموعات هو أما الانتماء للوطن انتماءً مباشراً عن طريق المواطنة ودستورها، أو الانتماء له انتماءً غير مباشر عن طريق هوُياتها الصغرى، دينية كانت أم عرقية أو ثقافية. الانتماء الأخير وصفة لا تنجم منها إلا الكارثة لأن التحصن بالهوُيات الصغرى يفضي، بالضرورة، إلى إقصاء الآخر الذي لا ينتمي لتلك الهُويَّة، وإقصاء الآخر يقود بالضرورة أيضاً إلى تقوقعه في هويته المحلية المحدودة، وربما إلى إنكار كل ما هو مشرق في ثقافة من أقصاه وسعى للهيمنة عليه. فالفريق المقصى لن يرى- بمنطق رد الفعل- في إبداعات الآخر أكثر من إنها وجهة من وجوه الهيمنة والإلغاء"(24). كما تنطلق السودانوية بالاعتراف بواقع الأديان السماوية والتقليدية الأفريقية السودانية وأنه يجب التعامل معها كواقع حياة وأن يتم التعامل مع معتنقيها كأقوام أصيلة في البلاد وليس كأقليات لا يعتد بها ولا بدياناتها (25).

 

ما هو مطروح من سودانوية هو شكل آخر للعولمة على نطاق قطري. ولكن هل يحمل كل مساوئ العولمة أم أن اختلاف المصالح والأهداف يبرئها من الأدران وحسن القصد والنوايا الطيبة سوف ينجيها من مساوئ العولمة التي يفسرها البعض بأنها شكل آخر للاستعمار الجديد وهل تتحول السودانوية إلى استعمار داخلي؟ وذلك بعد الاحاطة على التعددية والتنوع والاختلاف بين منطقة وأخرى داخل شبه القارة السودانية.

 

تطرح السودانوية أمام  تنافس وصراع الهويات والثقافات سماءاً مفتوحتاً للجميع ، حيث تكون الغلبة والهيمنة في نهاية المطاف للأقوى، وحيث تذوب الثقافات الضعيفة في صهريج السودانوية وقد يتحول الأمر إلى بحر يأكل فيه السمك الكبير الأسماك الصغيرة، لكن هل هذا ما تصبوا إليه السودانوية؟ وهل يتحول اللهث من أجل ثقافة سودانوية إلى لهث من أجل تنمية الرأس مال وتكديس الثروات وتغليب الثقافات؟ لا شك أن التساؤل مشروع خاصة عندما يأتي الطرح من فصيل سياسي قوي ونافذ مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان، هناك عدة عوامل لتتوافق السودانوية ومكملة لطرحها من ضمنها إعادة توزيع الثروة والتنمية المتوازية وشكل الحكم وفصل الدين عن الدولة وأخيرا الديمقراطية اللبرالية التي ارتضتها كل أطراف الصراع السياسي أو الفرقاء السودانيون كما يحلو للصحافة العربية أن تدعوهم.


خلاصة
لا أظن أنه خافيا على أي أحد ما حاق بشعب السودان جراء السياسات المتعاقبة والتي تسيره بعكس عجلة التاريخ ، فمن  بين أصحاب الخيار الإسلامي والعروبيون إلى الباحثين عن التأصيل الثقافي في أضابير الماضي العتيق،  جميعهم أدمنوا الخيارات السهلة واستطابوا العيش في ظل الاستنتاجات الجاهزة والمعلومات المعلبة حتى أصيبوا بالخمول الفكري، ولا يودون أن يرهقوا عقولهم بالبحث في رد الظواهر الفكرية إلى مرتكزاتها أو في فهم الماضي في إطاره التاريخي، يبحثون عن حلول لمشاكل الحاضر في ذلك الماضي مع كل ما يمثله من سحر وبما له من تقديس وهالة جذابة تداعب أحلام الفقراء والبسطاء بإقامة العدالة الراشدة كما كانت في زمان الفاروق عمر، وتوصلنا بأسباب السماء وتبسط النعيم والرخاء ناسين أو متناسين أن الماضي لا يعيش في دواخلنا إلا بالقدر الذي يتيحه له الحاضر، والحاضر وحده هو الذي يشكل إطار حياتنا الراهنة، لذا لا يلبثوا أن يعودوا للحاضر الواقع بأيديولوجية يمينية فاشية تغرق البلاد في حمامات الدم و متاهات الجهل والظلام.

 

إن الثقافات السودانية متعددة الأشكال والسمات، ولكن أمر القائمين عليها أشبه بصاحب متجر ضخم يملك سلعاَ متنوعة.. لكنه يعرض لزبائنه سلعة واحدة، تاركا بقية بضاعته حتى تكسد وتفسد وتموت.. فلماذا لا نعرض ونستعرض ما نملك، نبحث عن الخير والجمال في أدب الدينكا والشلك والنوير وعن البطولة والفراسة في أدب الجعليين والمتعة في حكايات وأغنيات الشايقية والحكمة في آداب وفنون البجة والبني عامر ونبحث ما عند النوبة ونتعلم مما لدى البقارة والمساليت والرزيقات والفونج  والهمج في الجنوب الشرقي...الخ. وليكن اتجاهنا هو: نحو ثقافات سودانية متمايزة ومميزة.. ديمقراطية المحتوى متعددة الأشكال والأوجه.

 

وحتى نتمكن من تحقيق الحد الأدنى من الدولة القومية الموحدة، لا بدَّ من إجراءات عديدة تتم  وقرارات كبيرة تتخذ على كافة المستويات، على سبيل المثال لا الحصر يجب تقليص عدد الأقاليم في السودان إلى خمسة أقاليم  كما نادى الأستاذ محمود محمد طه عام 1955 قبل الاستقلال، وهي الإقليم الشمالي والشرقي والغربي والأوسط والجنوبي, بحيث يتألف الإقليم  الشمالي من الرقعة الممتدة من حدود أمدرمان الشمالية حتى الحدود المصرية، والشرقي من الرقعة التي تشمل مديرية كسلا وأرض ومنطقة البحر الأحمر, والغربي من كردفان ودار فور, والأوسط من منطقة النيل الأزرق والأبيض وارض الجزيرة, والجنوبي من كل الولايات الجنوبية، أي المناطق التي كانت تتألف منها الثلاث المديريات (بحر الغزال وأعالي النيل والاستوائية) عند الاستقلال عام 1956. مع إضافة أبيي إلى الإقليم الجنوبي وذلك بعد مراجعة رغبة أهلها، وهذا التقسيم يؤدي إلى  تقليص الصرف الحكومي على مؤسسات وهياكل المديرات المتضخمة وتأكيد معاني الوحدة القومية السودانية، وبينما تصبح الخرطوم بأجنحتها الثلاث عاصمة فيدرالية للسودان. ويجب أن يكون لكل إقليم صلاحيات واسعة في اصدار التشريعات واستنباط القوانين اللازمة لتسيير عجلة الحياة فيه على أن لا تتناقض مع دستور العام الذي يجب أن يراعى في وضعه حقوق المواطنة والدولة المدنية.

 

كما يجب أن تختصر المسافة بين بورسودان في أقصى الشرق  ومدينة الفاشر في أقصى الغرب  بحيث تكون المسافة بينهم أقرب من المسافة بين مدينتي بورسودان وجدة اللتان لا يفصل بينهما سوى البحر الأحمر، وكذلك المسافة بين  وادي حلفا في أقصى الشمال ونمولي في أقصى الجنوب يجب أن تصير أقرب من حلفا إلى أسوان المصرية وذلك بتوفير سبل المواصلات الرخيصة والنقل التجاري الأقل تكلفة والاتصال، يجب أن يتكامل السودان تجاريا واقتصاديا بحيث أن السلع التي تنتج في نمولي وجوبا تباع بنفس السعر في الخرطوم وكسلا والفاشر وفي وادي حلفا وهذا الأمر لا يحتاج لسحر ساحر بل قرار حكومي بسيط بحيث أن رسوم الإنتاج المقررة على السلع يجب أن يراعى فيها تكلفة النقل مما يجعل السوق المحلية في متناول كل أصحاب العمل والإنتاج بدون أي معوقات من الناحية الاقتصادية ونكون قد حققنا بذلك إحدى ركائز وحدة الهوية أي"تبادل المصالح" وهناك سياسات أخرى يمكن أن تساهم في خلق الروابط الاجتماعية والتزاوج وتقوية ركيزة أخرى وهي "رابطة الدم" وذلك بتشجيع الزواج بين الأعراق المختلفة ويمكن أن تسن تشريعات مثال أنه في حالة زواج أي جنوبي من بنت شمالية بأن يمنح الزوجين قطعة أرض  سكنية أو مزرعة أو ورشة صغيرة أو قيام صندوق تكافلي لتشجيع مثل هذه الزيجات وأن يمنح هؤلاء الأزواج  أولية في التعيينات للوظائف الحكومية وفي الترقي الوظيفي حتى يستقر تكوينهم الأسري. كما أن هناك مسألة رعاية الثقافات المتنوعة في السودان يمكن أن يتم ذلك بتدريس اللغات المحلية في مناطقها كجزء من المقررات المدرسية وأن تدرس بشكل اختياري في بقية أرجاء الوطن بحيث من حق الطالب في حلفا أن يتعلم لغة الدينكا لو أراد ، كما أن من حق الشلكاوي أن يتعلم اللغة النوبية وهكذا حتى نثبت لغاتنا التي تعبر عنا من نمولي إلى حلفا.. ثم فوق كل هذا وذاك يجب أن ننشأ دولة المواطنة التي لا يحس فيها أي  مواطن بالاضطهاد بسبب دينه أو عرقه أو لونه أوثقافته أولغته ، يجب أن نعمل جميعا لإعادة الثقة للجنوبيين فينا ،حتى يمنحونا الفرصة الثانية وذلك  بالتصويت لصالح الوحدة.

 

أفريقيا المصغرة أو هذا الواقع السوداني المتنوع ثقافيا المتعدد عرقياً ودينياً والسناً وأعرافا ومجاورة يتطلب جهد مؤسسي فعال من قبل جميع مؤسسات المجتمع أهلي و حكومي، رسمي وشعبي، وهي مسئولية تاريخية ونحن نمر بهذا المنعطف الخطير في أن نكون أو لا نكون.  حماية ورعاية ثقافات الاقليات الضعيفة وإبرازها ونشرها وتوثيقها واجب في أيدينا اليوم وبأيدي غيرنا غدا، وأن أي استعلاء من أي مجموعة عرقية أو ثقافية، مهما بلغ شأنها في أو أي محاولة لقمع وحجب ثقافة الآخر يكون مكمن ضعف قاتل للهوية السودانية كلها.. أن ديمقراطية الثقافة هي جوهر ديمومتها وتطورها وانطلاقها نحو العالم ، أنها البوتقة والسبيل الوحيد لدمج وصهر الثقافة في السودان الواسع حتى تخرج لنا في النهاية ثقافة سودانية تحتوي كل سمات هذا المجتمع المتعدد وتعبر عن همومه ووعيه وتكون رافد إيجابي في الثقافة الإنسانية ، ثقافة ذات ملامح محددة وخاصة،وهي حتما حين تأتي لن تكون عربية نجدية ولا  أفريقية نقية التزنج بل ستكون سودانية، قد لا نعيش حتى نراها ولكن من أجل أطفالنا القادمين فلنمهد لها  الطريق بالإيمان بالتعددية و بنبذ الاستعلاء العرقي والإقرار بالتنوع الثقافي وبديمقراطية الصراع الفكري وتطوره الطبيعي ، ومعافاته من اللعب الخشن والغير قانوني فكما يقول شاعرنا محمد الحسن سالم حميد:
بى كم قتيل تقدر تدوم عمراً طويل في السلطنة
بسم الله .. ولا الشيطنة
وارد حراق نص البلد في جنح ليل
بى فدّ قتيل
بس مستحيل التجبر الأبنوس غصب يصبح نخيل
والعكس
لا تتعب تجر خيط الفجر تالا الأصيل
خلى الوطن ياخد براحه
كما الخميل
من كل لون تابع جميل
 

هوامش
(1)  إحصاء 1955.
(2) طه إبراهيم، الهوية السودانية وعلاقة الدين بالدولة، مركز الدراسات السودانية، الرباط يناير 1992
(3)  د. عبد السلام سيد أحمد، الفقهاء والسلطنة في سنار، براغ 1991 ص 40.
(4) المرجع السابق نفسه، ص 60 
(5) كتاب الطبقات ص 43.
(6) ج. سبنسر تريمنجهام، الإسلام في السودان، ترجمة فؤاد محمد عكود، القاهرة،  2001 ص. 15
(7) عبد السلام سيد أحمد، مرجع سابق، ص 60
(8) فرنسيس دينق، صراع الرؤى – نزاع الهويات في السودان، ص42.
(9) الفقرا  المعني بهم الفقهاء، وهم مشايخ الطرق الصوفية، الذين وفدوا إلى البلاد من أجل نشر الدعوة الإسلامية.
(10) ج . سبنسر تريمنجهام، مرجع سابق، ص 111.
(11) المرجع السابق نفسه.
(12) منصور خالد، جنوب السودان في المخيلة العربية، دار تراث، لندن 2000 ص 53
(13) عبد الله علي إبراهيم، الثقافة والديمقراطية في السودان، دار الأمين للطباعة، ص 144.
(14) حسن عبد الله الترابي، من كتاب الإيمان وأثره في حياة الإنسان، منشورات العصر الحديث، ص 219.
(15) جون قاي نوت يوه، جنوب السودان آفاق وتحديات، الأهلية للنشر والتوزيع، ص119.
(16) المرجع السابق نفسه، ص 119
(17) المرجع السابق نفسه، ص 122
(18) عبد الله على إبراهيم، مرجع سابق، ص18
(19) المرجع السابق نفسه، ص 25
(20) المرجع السابق نفسه، ص24
(
21) محمد عبد القادر سبيل، "محاولة لتلمس النزعات الرعوية في الثقافة السودانية"، دراسة مقدمة للمنتدى الثقافي، أبوظبي 2000
(22) جون قرنق، قضايا الوحدة والهوية، تحرير الواثق كمير، ص 39 -40
(23) منصور خالد، مرجع سابق، ص 8
(24) المرجع السابق نفسه، ص 341 - 342
(25) المرجع السابق نفسه، ص 352