السلوك الهستيري في طقوس الزار

 

د. آمال النور حامد

 

 

 

ينعكس السلوك الهستيري في طقوس الزار في الخوف من الأرواح، الذى يعتري المريضة التى تصاب بحالة من الهياج والانفعال، يصل بها إلى درجة الغيبوبة. يمكن تفسير اللجوء للسلوك الهستيري ميكانيزماً دفاعياً، وهو ما يرى فيه جيلفورد (جيلفورد،672:1975) نتاجاً لوجود عدة استجابات تنزع إلى تعويض، أو نتاجاً لصراع، ويتم استخدام الميكانيزم الدفاعي لأجل التوافق والتكيف. من المعروف أن الهستيريا تمارس تأثيراً على الحواس والحساسية الحشوية وعلى الجهاز الحركي، وتؤدي أحياناً إلى تفكك في نظام الشخصية ويذهب بعض العلماء إلى تفسير الأرواح تفسيراً علمياً، حيث يرجعونه إلى انشطارات ذهنية جزئية (تعدد شخصيات، وخيالات، وأوهام، وتصورات ذهنية مصاحبة) تسيطر على ذهن المريض المرهق جسدياً بفعل الطقوس، وتؤدي به إلى نوع من الهلوسة. فالمريض المنهك الغارق في الصخب الطقوسي تعتريه أوهام من صنع العقل ذاته، تمثل مخرجاً لمحتويات اللا شعور. تصور الهلوسة حاجات المريض النفسية ودوافعه ورغباته، وتحدث في اللحظات التى يضعف فيها الانتباه. وقد صور "سادلر" الهلوسة والتوهم بأنها مرحلة متصلة بالخيال (وإن كانت مستقلة بذاتها) وتعد وسيلة للعقل البشري! ولا شك أن هناك مجموعة من الناس لديهم ملكة فياضة من التوهم؛ حتى أصبحت شخصياتهم منفصلة عن الواقع، وهذا موجود بالفعل بين مختلي الأعصاب والهستيريين وغيرهم من الذين يمارسون الطقوس الروحية (سادلر، 33:1964).

 

يمكننا تفسير السلوك الصادر في هذه الممارسات بأنه نابع عن دوافع وحاجات نفسية واجتماعية، أو تفسيره وفقاً لمدرسة التحليل النفسي بـ"مبدأ اللذة والألم"، بينما نرى الجشطالتيون يقولون بأن الكائن الحي يميل إلى الاحتفاظ بحالة من التوازن في علاقته بالبيئة المادية والاجتماعية، فإذا اختل التوازن بحالة من التوتر سارع الفرد بنوع من السلوك الظاهر لاستعادة التوازن (مثال السلوك الهستيري واستدرار العطف).

 

ومن النتائج التى توصلت إليها في أطروحة سبق أن تقدمت بها لنيل الماجستير عد الرقص والانفعال في الحركات التعبيرية وسيلتبن دفاعيتين (أو توافق هروبي). ويتم ذلك من خلال عملية التفريغ عبر الحركات والانفعال، اللذين يمكن عدهما بمثابة تطهير لنفسية المريضة. إن الانفعال الناتج عن ممارسة الطقوس يشتمل على جانب معرفي، ذلك أن التغيرات الفسيولوجية لا تتسبب وحدها في الانفعال فإنه يحتاج إلى تقييم معرفي لوضعية المثير. تبدأ المعرفة بالإدراك والتقييم ونتيجة هذا التقييم يحدث الانفعال، ويكون التعبير في أنماط الانفعال عبر استجابات فسيولوجية، تتبع الميل الذى تشعر به المريضة الممارسة للطقوس، ويمثل هذا الجانب الإدراكى والمعرفي والقييمى لدى المريضة الممارسة؛ لاعتقادها في إمكانية استدراج الروح التى تلبستها سعياً لإرضائها وعقد أواصر السلام والوئام معها. ومن ثم فإن هذه الطقوس تمثل بالنسبة للمريضة استراتيجية رئيسة لتأمين ذاتها، ودرءاً للخطر الذى يتهددها وإبعاداً لخوفها الدائم.

 

وتحتوي الممارسات التعبيرية أيضاً على علائم النقلة والطرح بمعاناة المريضة التى تتقبلها الشيخة المعالجة، ونعلم أن هذا المصطلح يعني "العملية التى تتجسد بواسطتها الرغبات اللا واعية من خلال انصبابها على بعض الموضوعات، فمن إطار نمط من العلاقة التى تقوم مع هذه الموضوعات وأبرزها العلاقة التحليلية" (جان لابلانش وبونتاليس،574:1979). وقد دعمت هذه الفرضية اليزابيث موسون بقولها: "أما الطقوس الممارسة في المس الشيطاني، مثلاً الزار، فنلاحظ أن لهذه العلاجات مفعولاً تطهيرياً وكذلك نلاحظ علائم النقلة التى يمكن مشاهدتها تحدث في أشرطة الفيديو" (اليزابيث موسون،80-79:1992). خلاصة القول فإن المريضة قد تستعيد توازنها، وذلك من خلال إسقاطها للتشنجات أثناء رقصها الهستيري الطابع في الأجواء الاحتفالية ذات السياق الرمزي.

 

السياق الرمزي للممارسة الطقوسية

الممارسة الاحتفالية الراقصة بوصفها فناً نجدها مفعمة بالرمزية التعبيرية المتنوعة، بكل ما تحويه من فنون سواء في اختلاف المادة المستخدمة أو أسلوب التعبير والموضوعات التى تعبر عنها تلك الطقوس أو في هدفها. ولعل هذا يرجع للتأثير الأفريقي في معظم الطقوس، عبر عن ذلك ني يارتلى بقوله: "تشكل الفنون التقليدية جزءاً من الحياة اليومية للأفريقي فهو يغني ويرقص ويمسرح أفراحه وأحزانه، ويعبر عن مشاعره الدفينة بمهابة في أزيائه وألوانها وأنماطها المختلفة وبكثير من الرمزية. (وبجانب هذا إشباع الحاجة الاجتماعية للدعم الجماعي)" (Nii-Yartley,1989: 57- 58). أو قول فينا شارما: "تكمن روح المرح في الاحتفال الذى يمثل مظهراً خارجياً للعادات أو العبادات، وهو المصدر الأول لحرية الإنسان ومناعته في المجتمع. وفي الاحتفال والوليمة هما انعكاس لتناغم أساسي وجوهري مع العالم، إنهما جزأن ضروريان وأساسيان لوجود الإنسان... في قلب الاحتفال تكمن المعرفة والقبول والغرابة.. فالمجتمعات التقليدية خصصت مساحة معينة للأداء الطقوسي للتضحية والوليمة" ( (Veena Sharma,1988: 67- 74

 

إن الأداء الطقوسي مفعم بالرمزية، ذلك من حيث الزمان والمكان، والملابس والحلي، والإيقاع، والبخور، والحركة، والضحية وشخوص خيوط الزار. ووفقاً لما جاء في الموسوعة الفلسفية العربية أنه "يمكن للسلوك التعبيري أن يكون رمزياً، وهذا ما نجده عند البدائيين، وإلا كيف نفهم مضمون صلواتهم وخرافاتهم وتصرفاتهم وممارساتهم الدينية والاجتماعية إذا لم نر فيها التعبير الرمزي. الرمز هو مشاركة لما هو مقدس وأداة وصل بما يحمل من أبعاد دينية واثنولوجية وله ارتباط بالثقافة البدائية من خلال الارتباط بين الخرافة والأسطورة، وله وظيفة محددة لفهم العوالم ويوصف، بأنه أداة يمارس بها السحر الذى هدفه قهر القوة الكونية" (الموسوعة الفلسفية العربية،م. 1، 1980: 460-461 ). ولا يختلف تعريف الموسوعة البريطانية الجديدة عن التعريف السابق، إذ نجد أنها تؤكد على أن نقل المفاهيم يتم عبر التصورات المرئية السمعية والحركية، ويتم استخدامها من قبل جميع الأديان، كما أنها تتميز بجدلية في إخفاء المعرفة وإظهارها ... وأن التعبيرات الدينية والارتباطات التفسيرية في مختلف أشكال العلامات والإيماءات والأصوات تقوم بدور مهم في عملية الإدراك الانعكاسي الرمزي. أما عن منبع العملية الترميزية فتحددها الموسوعة بأنها توجد في عالم الوعي واللا وعى للتجربة والفكر، وفي الادراكين الحسي والحدسي وفي الخيال. فالإحساس والعمليات الفسيولوجية تشارك في تشكيل البنية الرمزية (New Encyclopedia Britanica,1973-74:900-905).

 

وفي اعتقادي أن الرمزية في الممارسة الطقوسية لا تبتعد كثيراً عن التعرفين المذكورين أعلاه. فإن أشكال العلامات والإيماءات والأصوات والألوان والمواد المستخدمة قد يكون لها دور فاعل في عملية الإدراك الانعكاسي الرمزي في طقوس الزار، وتعد وسيلة غير ناطقة للتعبير كما أن لها علاقة بعالم المقدس وبالفنون، كما لها وظيفة سيكولوجية.

 

أما عن الرمز نوعاً من النشاط الإنساني فإنه يمثل اتجاهاً يجد تجلياً له في فلسفة ارنست كاسيرير وتلميذته سوزان لانجر، حيث يركز الأول تعريفه للإنسان بوصفه حيواناً خالقاً للرموز عاداً النطق اصطلاحاً ناقصاً لا نستطيع من خلاله تفهم أشكال تعقد الحضارة الإنسانية قائلاً بأنه: "علينا تعريف الإنسان حيواناً رمزياً، ولا نستطيع عن طريق العقل إدراك العالم الأسطوري ... فبين الجهاز المستقبل وجهاز التأثير نجد عند الإنسان حلقة ثالثة نسميها الانعكاس الرمزي" (كاسيرير، مقال في الإنسان: أنظر الموسوعة الفلسفية العربية،627-626:1988) من ثم يجوز القول بأنه وفقاً لـ كاسيرير يعيش الإنسان في البعد الرمزي متجاوزاً عالمه المادي، وما الممارسة الطقوسية سوى جزء من عالم ذلك البعد الرمزي. والإنسان يغرق نفسه في خيوط متشابكة من الرمزية يتجاوزها الرمز، رغم بنيته المادية الحسية، مشيراً إلى معانٍ أخرى. في هذا الخصوص تشير سوزان لانجر إلى أن عالم المعنى أكثر اتساعاً من عالم اللغة، أي، أنه توجد مجالات لا يمكن قياسها على أساس المنطق اللغوي مثل: الفنون والأساطير والأحلام، عادة إياها رموزاً حافلة بشتى المعاني. فالرمز، على حد تعبيرها، له معنى خاص يستمد من تأمل الرمز والانفعال به. هكذا تخلص للقول "بأن معرفة الذات والقدرة على استبصار شتى مراحل الحياة ومظاهر العقل إنما ينطلقان من الخيال الفني" (Langer 1963: 10).

 

ويعترف عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا ليفي شتراوس بأن العلاقات الثقافية الإنسانية تقوم على أنظمة رمزية حيث يشير إلى أنه يعد أية ثقافة هي "مجموعة أنظمة رمزية، يحتل فيها الصدارة كل من اللغة وقواعد القرابة والعلاقات الاقتصادية والفن والعلم والدين" (الموسوعة العربية الفلسفية، المرجع السابق، الصفحة نفسها).

 

أنماط الرمزية التعبيرية

يمكن التفرقة بين ثلاثة أشكال تمثل أنماطاً رمزية حددتها الموسوعة البريطانية: رموز مرئية، والفعل الرمزي الممسرح في العبادة، والرموز اللغوية. تتمثل الرموز المرئية لدى العديد من الجماعات في الألوان التى تحمل معاني مختلفة، حيث يعبر اللون الأبيض، مثلاً، عن الفرح أو الحزن أو الموت وهى أحاسيس متناقضة. وللأحمر أيضاً معان رمزية متعددة فهو يرمز للطقوس والقساوسة وللحياة والموت. وترتبط الألوان في الديانة المسيحية بالمقدس، في حين أنها ارتبطت في ديانة المايا بالاتجاهات الجغرافية، حيث رمزوا للشرق باللون الأحمر وللغرب بالأسود وللشمال بالأبيض والجنوب بالأصفر New Encyclopedia Britanica,1973. أما لدى قدماء المصريين فقد ارتبطت الألوان بالسلالات البشرية، حيث صوروا أنفسهم باللون الأحمر، وصوروا الشعوب التى تعيش إلى الشرق منهم باللون الأصفر، وصوروا أهل المناطق الواقعة إلى الشمال منهم باللون الأبيض، وأبقوا على اللون الأسود لتصوير الشعوب المجاورة لهم من الجنوب (Gossett Thomas,F.,1964: 4).     

 

يتميز الزار عموماً بكثرة أنماط الرمزية التعبيرية، المعبر عنها في الألوان والحركة والأزياء والحلي والأغاني والإيقاع والأضحية وأنواع الطعام. يحتل اللون في طقوس الزار مساحة واسعة: حيث نجد أن اللون الأحمر هو لون رداء روح "لولية الحبشية" ولون دم الأضحية حتى أن الزار نفسه تطلق عليه تسمية "الريح الأحمر" وينعكس في الطبول المزخرفة بالحناء. واللون الأزرق الغامق هو لون ملابس الأسياد "الزرق"، واللون الأزرق هو لون رداء "الدراويش" الخ. فاللون هنا كأنما يجسد لغة اجتماعية يفهمها الممارسون للطقوس، لغة تتشابك وتتفاعل في بنيتهم النفسية ولها رمزيتها. وقد يكون من المحتمل أن هذا الارتباط المحدد بين لون الأزياء والأسياد يجد تفسيراً في ارتباط الأزياء لدى الشامان، حيث ترتبط بمنظور العلاقة مع المقدس. فلكل خيط في الزار رداء يناسبه، ومن ثم ترتدي الممارسة أشكالاً مختلفة من الأزياء والألوان طبقاً للخيط. وحركياً يتجلى الفعل الرمزي في الممارسة الحركية التعبيرية الراقصة؛ الذى يمثل نشاطاً وانفعالاً جماعياً لا شعورياً وله لغته الرمزية. يقول صفوت كمال (1979) في ذلك أن أشكال الممارسات الطقوسية هي التى تعطينا التصور والتجسيد المادي والقدرة الشاعرة للإنسان البدائي؛ في إدراك وجوده وإبداعاته في تخيل أشكال القوى التى تحيط به. ففي المجتمعات التقليدية لا يميز الإنسان بين شخصه وجسده فبين الإنسان والعالم والآخرين يسود النسيج نفسه بألوان مختلفة، لا تغير في شيء من اللحمة المشتركة. وقد عبر عن ذلك ديفيد روبرتون قائلاً: "الجسد بناء رمزي وليس حقيقة في ذاتها من هنا منشأ عدد لا يحصى من التصورات التي تسعى إعطائه معنى وسبباً لها طابعها الغريب والمتناقض من مجتمع لآخر" (ديفيد روبرتون، 1997: 5). وقد أشارت الموسوعة البريطانية إلى أن الإشارات والحركات تقوم بدور مهم في الطقوس الدينية والسلوك الديني وتشتق معناها من منظور علاقتها بالمقدس، فالرقص المقدس يؤدى في خطوط مستقيمة أو دوائر، وقد يحتوي على الحجل والقفز وحركات الأيدي (فالرقص بالأيدي والأصابع على سيبل المثال له معنى رمزي محدد في الهند وبعض الدول الآسيوية الأخرى، وله تنظيم صارم). ويشيع استخدام الأيادي في كثير من الشعائر والممارسات الطقوسية، فلمس المقدس والتحلي به وفقاً لقانون صارم ينفذ بدقة، والإشارات المصاحبة في الصلوات والتضرعات نجد نماذج لها في الديانة الهندوسية، وممارسة اليوغا البوذية فالخبط والضرب والضغط والتلويح يمكن عدها إشارات رمزية، فالمصلي حين يرفع يديه باتجاه عالم المقدس ويسجد فإنه يتصل بالعالم السفلي وهذا هو أول معنى للسجود، والانحناء يمثل الاحترام، والجلوس يمثل الاستقبال والقبول للمقدس، هذه الأوضاع جميعها توجد في التأمل البوذي. هنا يمكننا القول أن الحركات التى تحتوي عليها الممارسة الطقوسية هى بقايا ممارسات قديمة في ديانات وشعائر. ففي خيوط الزار نلاحظ كثيراً من هذه الحركات، فالدوران والتحرك في خطوط، والتمايل مع العنف في الحركة، وحرارة الإيقاع، كلها لها دلالتها الرمزية لاسترضاء الأسياد في مختلف الخيوط. فالممارسة الطقوسية يمكن تشبيهها بالأحلام من حيث أن كليهما يمثل لحظات التحرر الإنساني، التى تختفي فيها قوانين الزمان والمكان ويعبر الإنسان عن نفسه بشكل تلقائي. إنها ربما تمثل نوعاً من اللغة الرمزية التى تعبر عن التجربة الإنسانية بشكل عام، إنها هروب يوتوبي من واقع تقبع فيه سلطة تحول دون تحقيق الرغبات، وتحول الدوافع إلى أهداف رمزية، أو ربما، هي تفريغ للطاقة. إنه توافق انهزامي أو، ربما هو رقص كما عرفه لويس الفيلد وآخرون (Lois Ellfeldt and Eleanor Mctheny,1958: 246) على أنه نوع من الفنون غير اللفظية التى تعمد إلى ترميز المفاهيم في حركات. فالرقص في الممارسة الحركية هو تعبير حركي هادف يمثل، على حد تعبير ايكمان عدة ظواهر إذ هو سلوك غير لغوي ووسيلة اتصال غير لغوية باستخدام لغة الجسد ( Paul Ekman,1977) . وقد اعتمدت جودث حنا فكرة ايكمان باعتبار الرقص تعبيراً حركياً كوسيلة اتصال، بالتالي فإنه يمثل ميكانيزماً يبيح حدوداً مشتركة بين الفرد والجماعة، ومن ثم فهو لغة طبيعية إدراكية ذات معان داخلية وخارجية، إنه تنظيم للحركات الفيزيقية إلى جانب القواعد المترابطة التى تواجه الأداء في مواقع اجتماعية مختلفة. ويشير عبد الحميد يونس إلى أن الرقص يعد سلوكاً اجتماعياً أو لغة جسدية ورمزاً للشعور ووسيلة أكثر فاعلية مقارنة باللغة في الكشف عن الحاجات أو الرغبات. فالحركات الراقصة تصبح رموزاً نمطية مقننة، كما أن بعض أعضاء المجتمع الواحد قد يفهمون أن هذه الرموز مقصود بها تمثيل للخبرات في العالم الخارجي. ويضيف أن الحركة والإيقاع اللذين يستهدفان غايات دينية أو سحرية ونفعية هما أسبق تاريخياً من اللغة، وأنه يمكن من خلال الدراما التى تتوسل بالإيماء والإشارة والحركة والإيقاع والكلمة إلى جانب تشكيل المادة - تتبع أشكال متنوعة للفنون التى تحتوي في داخلها على وسائل للتعبير متعددة، فالدراما هي من أعرق الفنون وأكثرها ارتباطاً بنفسية الجماعات (عبدالحميد يونس،1972). التعبير الدرامي المصحوب بالانفعالات هو جوهر الممارسة الطقوسية في الزار، وهذه الاستجابة الانفعالية الغامرة المدعومة بالاعتقاد وصفها مالينوفسكي بأنها تمثل استجابات الإنسان الطبيعية في مثل هذا الموقف وتقوم على آلية نفسية فسيولوجية عادة لأنها تُحدث ما يمكن تسميته، في اعتقاده، بالتعبيرات الانفعالية الممتدة في الفعل والكلمة (مالينوفسكي، 1995).

 

وهناك جانب آخر في الممارسة الطقوسية يتمثل في الرمزية اللغوية التى تحتوى على الإيقاع والصوت والكلمة، والتي يمكن أن يكون لها معنى في البنية الأساسية للعملية الترميزية، فهناك إيقاعات محددة وأغنيات معينة لكل خيط من خيوط الزار تتناغم مع الرقص الطقوسي. وقد لاحظت من خلال دراسة ميدانية أجريتها بمحافظة الخرطوم أن حوالي 78% من عينة البحث يزداد حماسهن لممارسة الرقص الطقوسي بمجرد سماعهن للإيقاع، مما يقود للاستنتاج بأن تلك الإيقاعات والأغاني تحمل دلالة رمزية ترتبط في ذهنية الممارسات بالرقص والتفاعل النفسي ليس في طقوس الزار فحسب وإنما في حفلات الأعراس أيضاً. كما لاحظت وجود علاقة جوهرية بين اللحن وتركيبه وبين الأغنية ودورها الرئيس في مناجاة أرواح الأسياد من خلال الخيوط المختلفة المتلاحقة تباعاً، على سبيل المثال "خيط الدراويش" الذى يغلب عليه الطابع الديني وذكر الأولياء والصالحين في عبارات قصيرة متكررة أقرب إلى الذكر الصوفي:

"الله الله ياشيخ محمد

وحد الله ياشيخ محمد"

أو مثل

"يالله يابيومي داوي العيان

يابيومى ليلك برهان"

 

وتتشابه بعض خيوط البنات مع خيط الدراويش من حيث التكرار:

"ياعيشة المغربية

وحاة أبوكي حنيّ عليَّ

ياعيشة المغربية

وحاة أبوكى زيلى العليَّ"

 

ولاحظت أن تلك الخيوط تحمل قدراً من الطرب والمتعة، وتمنح الممارسات فرصة التماهي واستعراض مفاتنهن، بينما نجد أن إيقاع خيط "لولي الحبشية" يتسم بسرعة الإيقاعات التى تتيح للممارسة إطلاق العنان لحركات جسمها بصورة فيها شيء من الخلاعة واستعراض مفاتن الجسم؛ بينما نجد في خيوط الزرق التى تتميز بعنف الإيقاعات التعبيرية المعتمدة أساساً على الطبول، وتعبر عن المعاناة أكثر من كونها تعبيراً عن النشوة والابتهاج، دافعة بالممارسة إلى إفراغ انفعالاتها بقدر فيه شيء من العنف والوحشية والعدوانية. إن فهم موسيقى الزار وإيقاعاته وأغانيه يكون ممكناً من خلال العلاقة الوثيقة بين الثقافة والحالة النفسية المضطربة، التى يرى التيجاني الماحي وجود ارتباط لها بالتجارب الأولى لتكوين الشخصية، وهى المراحل الهامة لتكوين الأجزاء الوظيفية للشخصية، حيث فيها أثر للأنماط التقليدية وغيرها أساساً من أسس الدفاع الرئيسة للشخصية (التيجاني الماحي،1949). وقد أسهم فيلا سواندى ( Fela Swande,1970) في دراسة دور الموسيقى في المجتمعات التقليدية مشيراً إلى ارتباطها بطقوس وعادات اجتماعية، وتنتظم المادة الخام للأصوات فيها في شكل بنية لها معنى ومقبولة عموماً في مجتمعها، وترتبط تلك الأنماط بنظرة المجتمع المعني بالعالم وبتجاربه. فالموسيقى التقليدية، في اعتقاده، يمكن تحليلها سيكولوجياً فقط عبر دلالاتها الرمزية.

 

ويمكن أن يكون للأصوات تأثير روحي ووجداني ومن ثم استخدامها وسيلة للاتصال بعالم المقدس. فنغمة محددة يمكنها مخاطبة وعي المقدس، ويتم ذلك عبر الطبول والإيقاعات الأخرى. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن أدوات الإيقاع يمكن أن يكون لها معنى رمزي من خلال أشكالها وخاماتها، ودللت على ذلك بذكرها مثالاً من جماعة "اويتوتو" في كولومبيا الذين يعتقدون بأن أرواح أسلافهم موجودة في الطبول. فالعلاقة بين الأفكار الدينية أو الاعتقادية والموسيقى لها أهمية خاصة، حين تتخلل كلمات الإيقاع الموسيقي؛ وذلك بتدعيمها للمقدس. وقد شاع استخدام ذلك في المسيحية في القرون الوسطى والحديثة، وكذلك لدى أصحاب الطرق الصوفية من المسلمين. فالكلمة تقوى وتكتسب قيمة ومعنى حينما يصحبها إيقاع وهو ما سبق أن أكد عليه كل من اتلسون وكانتريل في استعراضهما مؤخراً للدراسات المتعلقة بطبيعة الإدراك الحسي، وأشارا إلى أن المدركات الحسية يمكن أن تتحول إلى رموز (Ittleson,W.H. & Hadley Cantril,1954).

 

والكلمة المنظومة أو الصيغ السحرية نجد لها وجوداً في طقوس الزار، ولها فاعليتها ورمزيتها. وكان مالينوفسكي قد ذكر أن الكلمة المنظومة هي دائماً قلب الممارسة الطقوسية وحددها بثلاث عناصر ترتبط بالفاعلية السحرية وهى : 1- المؤثرات الصوتية، 2- استخدام الكلمات التى تناشد أو تصف أو تأمر بالهدف المرغوب، 3- هناك عنصر في كل تعويذة (ويقصد بها الإشارات الميثولوجية) (مالينوفسكي، مرجع سابق). الكلمة المنظومة مثل (دستور يا سيادي، والعفو والرضا) هي مناداة للأسياد ممزوجة بالإيقاع، وما تحويه من إشارات ميثولوجية لمناداة تلك الأرواح حتى تنال عفوها ورضاها. والفكرة في هذه المناداة ربما تعبر عن الكلمة الملزمة أو الرابطة بين البشر والقوى الخفية، وتعبر عن الهيمنة التى تدفع بالممارسة لأداء رقصاتها لخوفها من المستور, ميثاق يتضمن قواعد سلوكية معينة لإرضاء الأسياد. وكان أحمد رشدي صالح قد قام بتفسيرها وفقاً للمفهوم الشعبي عبر ثلاثة تناولات: أولاً، مجتمع الأولياء أو الجان كما تصورها المأثورات الشعبية وتداخل العلاقة بينهم وبين المجتمع البشري؛ ثانياً، مسألة اجتياز الهوة بين هذين المجتمعين؛ ثالثاً، تسخير تلك القوة الخفية بواسطة الكلمة الأدبية (أحمد رشدي، 1971)

 

هكذا نجد أن المعتقد الشعبي يرسم شخوص هذا المجتمع الخفي، شخوص لهم صفات البشر عامة ولهم النوازع البشرية من تسامح وغضب يحبون ويكرهون، كائنات خلقها تصورهم، لذا فإنهم يتوسلون إليها بالكلمة والايقاع والرقص تعبيراً عن فكرة الميثاق بين البشر والقوة الخفية والخوف من  المستور .. إنها وفقاً لجوليان روتر .. "دوافع لا شعورية لها قدرة على الهروب من خلال الرمزية في الأحلام وفي الأعراض المرضية، وفي الخيالات وفي أساليب أخرى" (جوليان روتر،104:1989)؛ أو وفقاً لتعبير يونج البدائي يخاف من الانفعالات التى تخرج عن نطاق سيطرته؛ لأنها تحطم الوعي، وبالتالي، يتعرض لحالات الامتلاك، وكل نضال الإنسان ليس سوى محاولة لتماسك وعيه، وهذا هو غرض الطقس أو العقيدة اللذان يمثلان سدوداً وجدراناً للحماية من مخاطر اللا وعي" (Jung et al.1978: 22).

 

وتوجد انطباعات حسية تمارس تأثيراً على وجدان الممارسة، ويفعم بالرمزية مثل بخور الزار، فالبخور يترك انطباعاً ذهنياً وله ارتباطه الشرطي مما يحفزها على الممارسة والتجاوب الوجداني، مستندة على اعتقادها في استرضاء الأسياد بهذه الروائح، فاستخدام الروائح النفاذة قد شاع منذ القدم لمواجهة التأثيرات الشيطانية السحرية. ويقول كراب في هذا الصدد إن استخدام الروائح النفاذة القوية هي ذرائع وقائية جيدة. وقد يكون هذا الأمر في اعتقاده هو ما قد يفسر لنا الدور الذى ينهض به نبات التوم في معارك جنوبي أوروبا. و"يعد البخور في مصر القديمة عتبات توصل للآلهة" (الموسوعة الفلسفية العربية،م.,460-462:1980،1) ولازلنا نجد استخدام البخور في الطقوس الدينية، وفي السودان على وجه الخصوص نجد أنواعاً مختلفة للبخور منها بخور الزار، وبخور العين، وبخور العروس، وبخور الطلح...الخ.

 

وقد لاحظت في دراستي الميدانية أن 84% من عينة البحث أكدنَّ بأنهن يشعرن بالراحة النفسية باستنشاق رائحة البخور، ويلجأ 74% منهن لاستخدامه كلما شعرن بالضيق أو المرض. وتتفق هذه النتائج مع ما أشار إليه أحمد عكاشة من أن الشم من الحواس التى تمكن الإنسان أن يستبدل الأشياء بما يشير إليها من إمارات وعلامات، وضمن ثنايا هذه الحاسة تنبثق تباشير السلوك التكيفي، سلوك الاستعداد، والتوقع، والرؤيا. ومن اتجاهات الرقي السيكولوجي الانتقال من استخدام الأشياء لاستخدام رموزها (أحمد عكاشة، 1980: 78). ويمكن القول بأن للبخور انطباع حسي ودلالة رمزية؛ فالشيخة تبدأ معالجتها بتشخيص نوعية الأسياد عن طريق حرق أنواع عدة من البخور، وهو ما يرمز إلى قوة الشيخة في استدعائها لأرواح الأسياد، و يمثل وسيلة اتصال. فبإحراقها للبخور تستنفر ظهور روح "السيد" كما يبدأ طقس الزار بإحراق البخور وبه ينتهي في آخر الطقوس المعروف بقفل العلب. وجه آخر للرمزية نشاهده في طقوس الزار، ألا وهو الضحية ومائدة الزار، أو ما يسمى بلغة الزار "الميز" وما تحويه من أطعمة لها رمزيتها ومأكولات وافدة على المائدة السودانية التقليدية مثل الديك الرومي، والزيتون، والجبن الرومي، وبعض المشروبات الكحولية. فسر البعض بأن الضحية تتوحد بالآلهة ومن ثم الاعتقاد في قدسية لحمها. ويرى آخرون فيها هدية أو رشوة للآلهة أو الأرواح، بينما يرى بعض آخر أنها بديل أو فداء لمن يقدم الضحية. ويذهب البعض في تفسيرها على أنها تمثيل رمزي للاثم. كل هذه التفسيرات المتعددة قد تصدق جزئياً أو كلياً ولكنها قد لا تصل إلى لب المشكلة (Encyclopedia Americana,1966,vol.26, “ritual”: 528). في هذا السياق يقول مالينوفسكي بأن جذور طقوس قرابين التضحية يمكن اكتشافها في سيكولوجية الهدية التى تعد مشاركة في الوفرة والخير، وهى تعبير آخر عن النزعة العقلية نفسها، أي، الاحتفاظ بالفعل لحفظ الحياة وتجديدها (مالينوفسكي، مرجع سابق:45).

 

وقد ترتكز القوة المعنوية لمثل تلك الاحتفالات إلى تصورات سحيقة في القدم، بصدد دلالة الأكل والشرب والوسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية؛ ففي الممارسة الطقوسية تقتل العشيرة حيوانها الطوطمي وتأكله ويحاكونه، فإذا ما تم العمل يعقبه الاحتفال الصاخب. يقول فرويد إن هذا الحداد لا يلبث أن يعقبه احتفال صاخب مرح، ترفع فيه كل قواعد التحظيرات الطوطمية، أي، تطلق الحرية لكافة الرغبات المكبوتة من أجل إشباعها، فالعيد هو انتهاك احتفالي لأمر من النواهي، والميل للابتهاج إنما ينشأ عن إباحة ما هو محظور في الأيام العادية (فيصل عباس، 26:1991).

 

نجمل القول بأن الممارسة الطقوسية يتم تأديتها في أجواء مفعمة بالرمزية، سواء في الملبس أو الأداء الحركي والألوان والكلمة والإيقاع، ولهذا السياق الرمزي للممارسة أهميته في تفهم أغوار الرمزية الطقوسية رغم صعوبة إخضاع ذلك للدراسة التجريبية، ذلك أن هذه الأغوار قد تمدنا بوقائع تساعد في تفهم جذور الكثير من الأمراض النفسية، فلقد ذكرت الموسوعة الأمريكية بأن المعرفة الطبية مطالبة بأن تمد يد العون لإظهار الجوهر الحقيقي لبعض أنواع العصاب والهستريا رغم صعوبة ذلك ولعل هذا ما حدا بـ يونج للإشارة إلى أن دراسة الفرد واللا وعي هو عمل شاق وضخم، لم يتم التحكم والسيطرة عليه. ولكنه يشير إلى أن هناك بدايات وأن النتائج الأولية مشجعة، ويبدو أنها ستكون مؤشراً لإجابات على العديد من الأسئلة التى تواجه الجنس البشري (Jung, 90:1978 ).

 

المراجع

 

جيلفورد ج.ب،1975 ، مبادئ علم النفس، ترجمة مجموعة بإشراف يوسف مراد، دار المعارف، القاهرة.

سادلر،1964 ، العقل الباطن وعلاقته بالأمراض النفسية، ترجمة حافظ عباس، شركة فن، القاهرة.

جان لابلانش وج.ب. بونتاليس،1997 ، معجم مصطلحات التحليل النفسي، ط 3، ترجمة مصطفي حجازي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت.

اليزابيث موسون،1992 ، "تاريخ الطب النفسي عبر الحضاري"، مجلة الثقافة النفسية، مجلد 3، عدد 10، بيروت.

الموسوعة الفلسفية العربية،1986 : م.1 "الاصطلاحات والمفاهيم"، تحرير معن زياد، المجلد الثاني، معهد الإنماء العربي، بيروت.

صفوت كمال،1979 ، "الرمز والأسطورة والشعائر في المجتمعات البدائية"، عالم الفكر، المجلد 9 العدد 4 يناير/فبراير/مارس، الكويت، ص. 181-185.

ديفيد روبرتون،1997 ، الجسد والحداثة، ترجمة محمد صلصيلة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت.

عبد الحميد يونس،1972 ، "الفولكلور والميثولوجيا"، مجلة عالم الفكر، مجلد ثالث، العدد الأول أبريل/ مايو/ يونيو، الكويت.

مالينوفسكى برونوسلاف،1995 ، السحر والعلم والدين، ترجمة فيليب عطية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة.

التيجانى الماحى،1949 ، "الرائد لا يكذب أهله: الزار في السودان" مجلة السودان الجديد عدد يونيو، الخرطوم.

أحمد رشدي،1971 ، الأدب الشعبي، مكتبة النهضة العربية، القاهرة.

جوليان روتر،1989 ، علم النفس الإكلينيكي، ترجمة عطية هنّا، مراجعة محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، القاهرة.

احمد عكاشة،1980 ، علم النفس الفسيولوجي، ط 5، دار المعارف، القاهرة.

فيصل عباس،1991 ، التحليل النفسي وقضايا الإنسان والحضارة، دار الفكر اللبناني، بيروت.

 

 

Nii-Yartley F. 1989, ‘Creation and Presentation of Traditional African Dances: A Reviw of basic Ghanian attitudes’, Africa Quarterly, vol. 29, No. 1-2, New Delhi.

Veena Sharma 1988, ‘Leisure in a traditional West African Society as seen through a work of fiction’, African Quarterly, vol. XXVIII, No. 1-2, New Delhi.

Langer S.K. 1963, Feeling and Form, London: Routledge.

Gossett Thomas F. 1964, Race: the History of an an Idea in America. Dalas: Southern Methodist University Press.

Lois Ellfeldt and Eleanor Mctheny, 1958, ‘Movement and Learning: Development of a general theory’, Research Quarterly 29 October.

Paul Ekman 1977, ‘Biological and Cultural Contribution to Facial Movement’, in: Blacking (ed.), The Anthropology of the Body, New York: Academic Press.

Fela Swande 1970, ‘The Role of Music in Traditional African Society’, Paper Presented to Scientific Meeting in Cameroon.

Ittleson W.H. and Hadley Cantril 1954, Perception: a transactional approach, New York: Doubleday & Company (Doubleday Papers in Psychology D.pp 7).

Jung C.G., M-L von Franz, L. Joseph Henderson, Jolande Jacobi and Aniela Jaffé (eds.) 1978, Man and his Symbols, 17th Ed., U.S.A.: Dell Publishing Co. Inc.

 


 

 

 

عرض بعض الدراسات التى تناولت

 الزار والممارسات الشبيهة

 

 

 الخلفية الاجتماعية - الثقافية والسياق الرمزي لطقوس الزار والممارسات المشابهة

تقوم العديد من الدراسات عن الزار على السرد الوصفي لطقوس تقمص الأرواح، مع إضافة محاولات لتحليل الظاهرة علي ضوء العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. أمكن من خلال تلك الدراسات جمع بيانات امبيريقية مهمة تدعم عدداً من الفروض مثل فرضية الحرمان والتعويض التى تقوم علي مبدأ أن التمييز الجنسي ضد النساء يولد الحاجة والقابلية للتعويض في هذه الانفعالات والتقمص، وأن تمتع الرجال بالأدوار الاجتماعية الحيوية، خارج نطاق البيت لابدَّ وان يواكبه التعويض في الأدوار الطقوسية عند النساء، وأن الحرمان من الأدوار الاجتماعية الحيوية يقود إلى ابتداع آليات القوة لدى النساء عن طريق استغلال الرجال مادياً من خلال الطلبات المادية الخاصة بالشعائر الطقوسية للزار (Berger,1976 ; Samia,1975 ; Cloudsley,1983 ;Lewis,1966 ; Hall and Ismail, 1981  ; Ismail,1991).

 

فرضية ثانية تتصل بقضية القهر الاجتماعي وتستند علي المبدأ القائل بأن القهر يولد المجموعات الضاغطة في شكل آليات للتخلص من الإثارة المترتبة على القهر الاجتماعي، ويمثل النساء الفئة المقهورة اجتماعياً، ومن ثم فإن الممارسات الطقوسية ليست سوى رموز لتلك العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة، وحيث أن المريض والمعالج في أغلب الأحيان من فئة النساء فإن ذلك يؤكد دوام عملية الصراع من أجل البقاء والتخلص من قيود القهر الاجتماعي بأشكالها المختلفة (انظر على سبيل المثال: Mohammed,1993 ; Ben-Amos,1944 ; Constantinides,1991).

 

دراسة جاكلين نكولاس

Nicolas Jacqueline, 1970, ‘Culpabitité, somatisation et Catharsis au se d’un culte de possession : «le bori Hausa»’, Psychopatologie Africaine 2:147-80. 

دعمت الكثير من الدراسات فرضية السياق الرمزي الذى تمارس فيه احتفالات طقوس الزار والطقوس المشابهة لها مثل البوري في نيجريا والزار في مصر. ففي دراسة عن طقوس البوري في نيجريا أخضعت جاكلين نكولاس في دراستها هذه الظاهرة للدراسة التى برزت من خلالها فكرة اقترانها بالذنب عند قبيلة الهوسا، مما يعنى أن الممارسة ذات طابع رمزي الهدف منها التطهر من الخطيئة والذنوب.

 

دراسة نيلسون

Nelson C. 1971, ‘Self, Spirit Possession and World View: an illustration from Egypt’, International Journal of Psychiatry XVII, 3: 194-209.

أجرى نيلسون دراسة في مصر أيضاً ناقش من خلالها فكرة الرمزية من منظور وظيفي وعد الفعل الرمزي تعبيراً عن المفاهيم الأساسية عن الذات والعالم، والعلاقة بين الرجل والمرأة. بعد أن قدم نيلسون وصفاً للسياق الاجتماعي والثقافي حدد أهم مظاهر الاحتفالات في الزار وقام بدراسة لبعض الحالات للممتلكات بأرواح توصل من خلالها إلى أن المرأة تعبر عن نفسها بطرق تتقبلها البيئة الاجتماعية ويتم فيها تعزيز الذات، كما تعكس الطقوس رمزياً التفرقة بين الجنسين، وعدم استقرار الحياة الزوجية. الفكرة المركزية لدراسة نيلسون إظهار رمزية المناورة بالسلطة وبمفاهيم الخير والشر.

 

دراسة سامية الهادي النقر

Samia el Hadi el Nagar, 1975, ‘Spirit possession and social change in Omdurman’, Unpublished Msc. Thesis, University of Khartoum.

من بين الدراسات التى أجريت في السودان عن الرمزية في طقوس الزار دراسة سامية الهادي، وهى دراسة ميدانية وهدفت إلى تقديم تفسير للممارسة الطقوسية للزار ولفحص المظاهر ولفحص المظاهر الأيديولوجية والنشاطات فيها، وعلاقتهما بالمظهر الثقافي والاجتماعي بالإضافة إلى التحليل الرمزي لمحتويات الزار والرموز المستخدمة فيه. حيث ناقشت فكرة الرمزية في طقوس الزار، وركزت على ازدواجية المعاني الرمزية التى يحملها اللون في الواقع الثقافي الاجتماعي السوداني وانعكاساته في هذه الطقوس، فاللون الأحمر هو لون الحنة وهو اللون المفضل للأرواح الحبشية، ولون دم الضحية؛ واللون الأزرق هو لون البشرة السوداء (الزرق) ولون الكحل، وحنة العروس ليلة زفافها؛ واللون الأبيض هو لون الحداد، ولون ملابس الأولياء الصالحين وقدح البياض، وملاح الروب. رمزية ليس في الألوان فحسب، بل في الطعام ما بين المحلي والوافد، البليلة والزيتون والديك الحبشي [الرومي]، ورمزية العدد.

 

ورأت سامية أن طقوس الزار تحمل رموز تواصلية ومعلومات عن المجتمع وعلاقات أعضائه، وقيمهم وعاداته وتشتق معانيها من السياق الاجتماعي والديني. ويتم تفسير الكثير من الرموز بمصطلح الدلالة الدينية واللا دينية.

 

دراسة باميلا كوستانتنيدس

Constantinides, P.M. 1977, ' Ill at Ease and Sick at Heart' :Symbolic behaviorin a Sudanese healing cult'. In: Ioan Lewis (ed.) ,Symbols and Sentiments.Cross-cultural studies in symbolism, London, Academic Press: 61-84

أجرت باميلا كوستانتنيدس دراسة تحليلية عن السلوك الرمزي في طقوس الزار، سيتم تناولها بشيء من التفصيل لكونها تتمحور حول السياق الرمزي لهذه الطقوس. ورأت فيه طقساً علاجياً يمارس في مجموعة نسوية ذات تمركز ذاتي وغنى بدلالات شخصية، ودرامية، وتاريخية، كما أن لها دلالة رمزية لكل من يشارك فيها. وأكدت على احتوائها على رمزية الصراع والتنافس والدعم من بنات جنسها، والعداء مع الجنس الآخر الذى يدفع لتحمل نفقات الطقوس وتلبية طلبات المريضات. وأوضحت الباحثة أن نقطة البداية لتحليل وتفهم طقوس الامتلاك والطقوس العلاجية المرتبطة به تتطلب تناول الحدود المشتركة بين الرموز الخاصة والعامة والوجدانات، مع التركيز على تفهم طبيعتهم والعلاقة بينهم. واقترحت الباحثة أن النساء في طقوس الزار ولأسباب داخلية وخارجيةوجسمانية وعاطفية لاتتقارب بمعيار مناسب مع القوة الثقافية الكامنة. وبالتالي يعبرن عن مشاكلهن من خلال السلوك الرمزي ونشاطات الأداء الطقوسي. وتعتقد الباحثة أن الطقوس تحقق أكثر من ذلك فهي منفذ تعبيري وآلية تدرك بها أخطاء هذا الواقع مع التزود بآمال بتحسن الأحول والحصول على حل لمشاكلها. وذكرت الباحثة أن طقوس الاعتقاد تتطلب المشاركة الجماعية من كل أفراد النسيج الاجتماعي. تكون المشاركة من خلال أداء قياسي لكنه درامي تتم فيه مسرحة مشاكل المريضة ومشاكل الأخريات من قلق وعدم مواءمة. كل ذلك في مناخ داعم مشترك والتأكيد الرمزي بالمآل الجيد للحياة القادمة. كما أن الكرم الذي تتميز به الطقوس يعطى تعريفاً عن حالة المريضة.

 

وأشارت كونستاتينيديس إلى أنه في مجتمع فيه تفرقة بين الجنسين في الريف والحضر، ومع وجود مجتمع نسوى صرف، ترى النساء أن وضعهن يكتسب أهمية ويعطيهن الأمان، وذلك بسبب مقدرتهن على الإنجابوالتكاثر. لذا فالطقوس تقام لحماية تلك القوة، فالفكرة المحورية للرمزية هى الحماية والدعم لهده القوة والتحكم فيها. فطقوس الزواج، والختان، والولادة،جميعها مهن خاضعة لسيطرة النساء، فهن المنظمات، والمتحكمات والمزخزفات لها. لذا تعتقد الباحثة أن الأفكار الأساسية الممثلة في الرمزية لها حضور في كل مناسبات دورات الحياة (زواج، ختان، ولادة، موت) من ضحية واغتسال في النيل، وأغصان نخيل، وتعطر وتزين، وموائد الطعام. وأكدت على أن الطقوس تعكس رمزية الزواج marital symbolism وتتشابه معه من حيث الدوام والتكلفة، والاستعارة لبعض المصطلحات (عروس الزار) ،كما تتشابه مع احتفالات الطقوس الدينية، التى تعزل فيها النساء، من حيث التوقيت الزماني (احتفالات رجبيه و15 شعبان). وتعرضت الباحثة لرمزية اللون وللفكرة المركزية للدم في الطقوس. فاللون الأحمر يرمز للحرارة التى تتصف بها الأرواح الحبشية، ولون الدورة الشهرية، فوجودها يعنى الخصوبة، وغيابه أو النزف يعنى العقم. وخلصت في بحثها إلى القول بأن الاتجاهات والعواطف والاحتياجات تتشكل وفقاً للثقافة التى نشأ فيها المريض. وبالتالي، فإن التفاعل مع الضغوط النفسية، مع أنه فردي، لكن له ارتباط بوجدانات الثقافة التى نشأ فيها. وهكذا فإن تلك الاتجاهات الفردية والاحتياجات والعواطف وتفاعلات الإجهاد النفسي تجد منافذ تعبيرية في رموز ثقافية مناسبة من خلال جماعة الزار. وتسمح أيضاً تلك الطقوس بالتغير التكيفي لتعزيز مكانة الممارسات "المريضات" من خلال علاقة مع أدوات الضغط الاجتماعي.

 

دراسة ناتفيك ريتشارد

Natvig, Richard 1988, 'Liminal rites and female symbolism in the Egyptian Zar possession cult'. Numen 35,1: 56-68.

وفي مصر ركز بحث ناتفيك ريتشارد على احتفال الضحية في طقوس الزار ووصفها بأنها تعد بنيوياً طقساً للانتقال، أي، بمعنى أنها على عتبة فاصلة بين المرض والصحة وهى، كمرحلة فاصلة، غنية بالرمزية والاستطالة. تبدأ استطالة عتبة الشعور بوضع دم الأضحية على جسم المريضة، وهو ما عدته نكولاس مرحلة انتقالية مشبعة بالرمزية تفصل ما بين حالة المرض والموت والانتقال منها إلى الصحة والعافية والحياة والخصوبة.

 

الدراسات النفسية والتأثيرات العلاجية

اهتم هذا النوع من الدراسات بجانبين، تمثل الأول في أثر المكونات الثقافية من عادات وتقاليد ومعتقدات على تكوين شخصية الممارسين للزار، ويتم على أساس هذه الدراسات تفسير الأعراض النفسية المرضية للممارسين من خلال المحتوى الثقافي الذى يتعايشون فيه. أما الجانب الثاني فيتمثل في الاهتمام بمتابعة الظاهرة من خلال التشخيص لأمراض الزار ومحاولة وضع تفسيرات تنطوي على المفاهيم المرتبطة بالتحليل النفسي لهذه الأمراض.

 

دراسات التيجاني الماحي

التيجاني الماحي،1949، "الرائد لا يكذب أهله: الزار في السودان" مجلة السودان الجديد عدد يونيو، الخرطوم.

Al Tigani Al Mahi 1960, ‘Concept of Mental Health’. The East African Medical Journal, June 1960: 472- 476.

لأهمية هذا النوع من الدراسات رأيت التعرض لها بقدر من التفصيل، ولا شك أن دراسات التيجاني الماحي، وهو رائد هذا النوع من الدراسات النفسية في أفريقيا جنوبي الصحراء وفي السودان على وجه الخصوص، تأتي في المقدمة. أشار التيجاني الماحي في كتاباته عن الزار إلى أن الصراع بين أنماط الشخصية وبين التوقعات الثقافية يؤدي إلى تطور الأمراض العقلية بخاصة في حالات التغير الاجتماعي الشيء الذى يدل على العلاقة المتبادلة بين العوامل الاجتماعية والثقافة والتكوين النفسي، وتتحدد العلاقة الوثيقة بين الثقافة والحالة النفسية المضطربة، في اعتقاد التيجاني، بصورة خاصة بالتجارب في المراحل الأولي لتكوين الشخصية وهى المراحل المهمة لتكوين الأجزاء الوظيفية للشخص حيث يظهر فيها أثر الأنماط الثقافية التقليدية وغيرها أساساً من أسس الدفاع الرئيسة للشخصية. ويشير التيجاني في دراساته إلى أن حالات الحرمان وعدم توافر إمكانيات العلاج الطبي، أو عدم الاستفادة مما هو متاح منها في السودان يجعل أفراد المجتمع أكثر قابلية للأمراض العقلية والنفسية، حيث يصعب التفريق بين أعراض الأمراض العقلية الناجمة عن أمراض عضوية ونفسية وبين تلك الناتجة عن اختلافات ثقافية. ويرى التيجاني أن الكثير من الطقوس الدينية التقليدية والسحرية، وفي مقدمتها الزار، تشتمل على التنوع والتعقيد في الطرق والوسائل المستخدمة للتحليل النفسي التى يعتمد اختيارها على عوامل ثقافية للتحليل بالتنوع في الطرق التقليدية للتحليل النفسي. وعدّ أنه ولضمان تأثير العلاج لا بدَ من توافر حالة من حالات "توقع الشفاء" Expectant Faith لدى الشخص المريض. ويؤكد التيجاني أنه بالرغم من أن طرق العلاج تظهر مختلفة فإن الهدف الأساسي منها هو تأكيد التوازن وجعل الحياة أكثر سهولة للمريض وللمجتمع مشيراً إلى "أنه في حالة التحليل النفسي تحدث عادة مواجهة للأنماط الثقافية وليست الموازنة بينها، وان ما يتم علاجه ليس الأعراض الواضحة بل القوى التي من خلفها"، ومن ثم يستنتج التيجاني بأنه يصعب قياس نتائج التحليل النفسي إلا عن طريق تقييم هذه القوى والعوامل على ضوء بدائيتها أو تحضرها والتي لها تأثير مباشر على درجة نجاح العلاج أو فشله. ويحقق الزار بوصفه طريقة تقليدية لعلاج الاضطرابات العاطفية والنفسية، وفق التيجاني، نسبةعالية من النجاح تضاهي الوسائل المتقدمة والحديثة (1944:9). ويشير التيجاني إلى أن طرق العلاج تكون محكومة ببعض النظم التى تربط المعالج والمريض والمجموعة التى ينتمي إليها وتمثل هذه النظم عادات تحدد الحالة النفسية التى تستجيب لها المجموعة طواعية لسلطة المعالج وقوته؛ ومن ثم يعتقد التيجاني أن العلاج بالزار يتضمن بالإضافة إلى المعرفة النظرية والتجربة جزءاً لا يستند إلى المنطق، وهو نظام المعتقدات والطقوس والرموز ... الخ.، من هنا جاءت دعوة التيجاني إلى التعرف على أطروحات الطب النفسي التقليدي لكونها قد تسهم في إضافة مضامين جديدة لنظم التحليل النفسي القائمة.

 

توصل التيجاني في دراساته المستفيضة لظاهرة الزار في السودان إلى استخلاصات تتعلق بتشخيص أمراض الزار ووضع تفسيرات تنطوي على المفاهيم المرتبطة بالتحليل النفسي لهذه الأمراض يمكن إجمالها في الآتي :

1- إن تقمص الأرواح في الزار والطمبورة هو عبارة عن وسائل علاج نفسية شعبية لحالات مرضية تستغل في ذلك الطقوس والشعائر؛

2- إن التفاعل الاجتماعي فيه يمثل أساساً مهماً للعلاج النفسي الشعبي لبعض الأمراض؛

3- إن المشاكل النفسية والاجتماعية في الواقع الشعبي قد لا يمكن معالجتها بالطريقة المألوفة لذلك لا بدّ من اللجوء للفنتازيا الموسيقية مثلاً من أجل العلاج؛

4- إن أغلب طقوس الزار لها أهمية رمزية واضحة وتعد معرفة الرموز وما ترمي إليه من الأركان الأساسية في وسائل العلاج النفسي، حيث ترتبط الرمزية بالتكوين النفسي في شخصيات المجتمع؛

5- إن التعبير عن إشباع الدوافع المقهورة يكتمل بالتحرر من قيود العادات والتقاليد في شكل حرية الحركة في الرقص والتدخين والانعتاق من الكثير من الضوابط الاجتماعية دون عقاب أو تجريم؛

6- إن الظواهر المرضية النفسية مثل الهستيريا وأمراض القلق ...الخ. تنشأ عن عدم التوفيق بين إلحاح الرغبات والميول الفطرية، وبين ما يتطلبه المجتمع من تضحية في سبيل وحدته وسلامته. ومرد ذلك منشأ الصراع النفسي الذى هو الخطوة الأولي في تكوين النفس المريضة في حالات لا شعورية من القلق والوسواس، والزار هو التعبير المرضي لهذه الحالات؛

7- إن الحياة النفسية للمرأة السودانية ترتبط بأمراض نفسية متأصلة ومتعددة منها مركب النقص، والشعور بالخطيئة، والجوع الوجداني، والكبت ...الخ. يعد الزار نوعاً من الهستيريا التى تكشف عن الأمراض النفسية وتساعد على التخلص منها، وهو ما يفسر انتشار ظاهرة الزار في السودان بين فئة النساء عموماً؛

8- إن الأشخاص اللذين يميلون إلى العنف والغضب السريع هم أكثر الناس قابلية للإصابة بالزار، وبالرغم من أن اللوم يقع على هذه الأرواح كمسبب للمرض فإن الارتباط وثيق بين التكوين النفسي للشخصية وبين الإصابة؛

9- إن الأيديولوجيا والطقوس المرتبطة بها تؤمن للمريض النفسي خطة العمل الفعلية التى توجهه للتخلص من صراعاته الداخلية وتؤمن له الإحساس بالأهمية، تأتي بعد ذلك الخطوة التى تتبع العلاج وهى استعاده التوازن الاجتماعي؛

10- ترتبط الكثير من الأمراض النفسية بالمكونات الثقافية للمجتمع السوداني، من أهمها المفاهيم المرتبطة بالأولياء والصالحين وبعلوم الغيب والسحر، ومن هنا تأتي أهمية الأفراد اللذين لهم ارتباطات بعوالم ما وراء الطبيعة والجن من شيخات الزار وشيوخه والمعالجين الشعبيين في علاج هذه الأمراض.

 

دراسات لوين برونو

Lewin Buno 1958, ‘Der Zar, ein ägyptischer Tanz zur Austreibung böser Geister bei Geisteskrankheiten, und seine Beziehungen zu Heiltanz-zeremonien anderer Volker und Tanzwut des Mittelalters’. Confinia Psychiatrica 1: 177-200. (Abstract extracted from: Lewis, I.M., Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.) 1991, Women’s Medecine: The Zar-Bori in Africa and Beyond, Edinburgh University Press).

أيضاً هناك دراسة للزار من منظور علاجي أجراها في مصر منذ أمد بعيد لوين برونووصف فيها الزار بوصفه طقساً علاجياً يمارس في احتفالات خاصة تهدف إلى معالجة بعض الاضطرابات العقلية. وتتبع في دراسته تاريخ المعالجة بالرقص العلاجي منذ أقدم العصور مشيراً إلى أنها تتفرع، في اعتقاده، عن الطقوس الدينية. وافترض أن الرقص الطقوسي في الزار تؤسس فكرة المعالجة فيه على الاعتقاد بتملك أرواح شريرة للفرد يكون من الممكن استخراجها عن طريق هذه الطقوس التى تتسم بالعنف وتحتوي على رقصات قروسطية أصبحت مرضية. وقدم برونو تفاصيل عن الأداء في طقوس الزار في مصر وتوصل إلى أن 90% من النساء المريضات بالزار هن في الواقع مصابات بحالات نفسية عصابية عزاها للإحباط الجنسي والوضع الاجتماعي والثقافي المتدني للمرأة المصرية. ونصح برونو باستخدام بعض عناصر الرقص الايجابية بعد استبعاد النزعة السحرية علاجاً لبعض حالات الأمراض العصابية.

 

دراسات طه بعشر

Baasher, A.T. 1961, ‘Survey of mental illness in Wadi Halfa’, World mental Health 13, no.4, November. id.,1962, ‘Some aspects of the history of the treatment of mental disorder in the Sudan’, Sudan Medical Journal 1, 44. id.,1963, ‘The Influence of Culture on Psychiatric Manifestations’. Trancultural Psychology Review and Newsletter 15 (51), October. id., 1975, ‘The Arab Countries’, in: J.G.Howells (ed.), World History of Psychiatry, New York: Brunner Mazel Inc.: 547-577. id., 1988, ‘Historical and Socio-Cultural Background of Zar, Paper Presented to the Workshop on the Contribution of the Zar Cult in African Traditional Medicine, Khartoum 11-13 Jan. 1988.

عبر طه بعشر في دراساته حول الزار عن أراء لا تبتعد كثيراً عن استخلاصات التيجاني الماحي، فالعناصر الاجتماعية الثقافية الأساسية للتقنيات العلاجية في الزار، وفق بعشر، من الممكن تلخيصها في الآتي :

1- التحضيرات الأولية الجيدة من خلال التقاليد الثقافية والمعتقد الشعبي فيما يتعلق بفاعلية العلاج بالزار؛

2- الثقة الكاملة والاعتقاد القويبطريقة المعالجة؛

3- خبرة الشيخة المعالجة وخبرتها في التعامل مع المرضى؛

4- الارتباط المستمر بالجماعة واستخدام دينامية الجماعة في عملية إثارة الانفعال وتقوية التنفيس الانفعالي Abreaction؛

5- الاستخدام الكلي لمجمل نماذج الإحساس بخاصة الإثارة السمعية من خلال الإيقاع التقليدي بالطبول لدرجة الانشطار الذهني بل حتى درجة الانهيار؛

6- تقمص الأسياد وغيرهم من شخصيات المعتقدات الاجتماعية الثقافية؛

7- استخدام التلميح السحري وسيلة للإيحاء والإقناع؛

8- تطوير نظام يسمح للمرضي بالتعبير عن صراعاتهم النفسية الاجتماعية وإفراغها بصورة مسرحية؛

9- إفراغ الأحاسيس العاطفية؛

10- التعبيرات ذات المعني خلالمرحلة الانشطار الذهني والتي تشير إلى صراعات المريض الكامنة والتي يجب ملاحظاتها بدقة بحيث تتم الاستجابة لرغبات المريض وطلباته.

 

وقد توصل بعشر من خلال تجارية المتراكمة في معالجة المرضي النفسيين في السودان إلى عدد من الاستخلاصات يأتي في مقدمتها أن الزار في السودان يمثل ممارسة نسائية في الأساس. ولاحظ بعشر أن أعمار النساء ممن لهن تاريخ علاج بالزار تتراوح ما بين 15-55 سنة، ومعظمهن من المتزوجات الأميات، أو ممن أكملن تعليمهن الابتدائي وغالبيتهن من ربات البيوت، ويقول بعشر إن الأنماط الشخصية للمريضات تظهر سمات هستيرية مع قابلية نسبية للاستمالة، والإيحاء، وتقلب المزاج، والتعبير عن مشاكلهن النفسية الاجتماعية بصورة مسرحية، كما أن بعض الأنماط الشخصية من النوع الذى يتميز بالقلق، والتهيج، والإلحاح في الطلبات.

 

ويلاحظ بعشر أن مثل أولئك المريضات عندما يحضرن إليه لتلقي علاج نفسي فإن الأعراض التى تظهر عليهن تكون عبارة عن اضطرابات نفسية، في الأساس ردود فعل هستيرية، ومشاكل فسيولوجية وسايكوسوماتية شاذة مثل اهتزاز الرأس والأطراف وعدم الاتزان عند المشي، والتشويش البصري، والتغير في الصوت، وألم غير محدد في البطن، وعدم انتظام الدورة الشهرية وما إلى ذلك، كما أن بعضهن يعانين من القلق وحالات الإكتئاب وفي حالات نادرة من تفاعلات استحواذية قهرية (Obsessive compulsive reactions) (Baasher,1988). وفي اعتقاد بعشر أن المحددات التي تدفع بأولئك النساء إلى اللجوء للعلاج بالزار قد تكمن في حقيقة أن احتفال الزار يمثل بالنسبة لهن ممارسة اجتماعية محفزه ومدفوعة تحدث فيها المتعة والاستمتاع.

 

ويشير بعشر إلى أن أعراض المريضات بالزار أشبه بالأعراض المعروفة باسم التفاعلات العصابية Neurotic Reactionsوالتي كونت حوالي 40% من بين جميع الحالات التي شوهدت في عيادة الاضطرابات العصبية في مستشفي الأمراض النفسية بالخرطوم بحري عام 1975.

 

فرضية أخرى تدعمها البيانات الأمبيريقية ترتبط بقضية العلاج الجماعي. تقوم الفرضية على أن جماعة الزار تتعامل مع الواحدة منهن من خلال تقمصها للدور الاجتماعي المرتبط بعلاقتها بالأسياد، وأن الشيخة المعالجة والمريضة وبقية الممارسات يمثلون مجتمعاً متفرداً بذاته من حيث إنهن جميعهن مصابات بالزار، ومن حيث معرفتهن بالمبادئ التي يقوم عليها العلاج والتزامهن باحتياجات العلاج، كذلك يعد تقمص الأرواح عملية خاصة أثناء ممارسة طقوس العلاج، فكل من لها خيط أو سيد أصابها لديها القابلية في التفاعل أثناء عملية الاتصال مع هذه الخيوط، كذلك فإن عملية العلاج لا تكتمل إلا بعد معرفة الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي للمريضة حيث تسهم الشيخة المعالجة في خلق العلاقة بين المكانة الاجتماعية لأسياد الزار وبين الفئة الاجتماعية والاقتصادية للمريضة نفسها، كما أن فرضية العلاج الجماعي تقوم على مبدأ أن العلاج يتم من خلال المحتوى الثقافي الذى يوجد فيه ويمثل فيه الزار جانباً من جوانب البناء الاجتماعي الكلي مثل مكانة المرأة، والنظام الطبقيالخ. وكذلك الأمر بالنسبة للهروب من القيود الاجتماعية المرتبطة بالفئة الاجتماعية والاقتصادية التى تنتمي لها المريضة (الرقيق علي سبيل المثال) ويمثل نموذجاً من الحراك الاجتماعي نحو الفئات العليا، وعلية فإن العلاج يعد جماعياً من حيث الانتماء للمجموعة المريضة (تريمنجهام،2001؛ فاطمة المصري،1966؛ مصطفي عبدالصمد،1988؛ حسبو سليمان،1957 Zenkovsky,1950 ; Cloudsley,1983 ; Sharafeldin,1991 ; Baasher,1962 ; Rahim,1991 ; Hureiz,1988 ; Boddy,1989 ; Kenyon,1991).

 

دراسة أحمد عكاشة

Okasha, A. 1966, ‘A Cultural Psychiatric Study of El- Zar Cult in U.A.R.’, British Journal of Psychiatry 112: 1217-21.

في عام 1966 نشرت دراسة للطبيب النفسي أحمد عكاشة عن نتائج المسح السيكاتري الذى أجراه في مصر لمائة ممارسة للزار تبين أن أغلبهن من طبقة فقيرة وغير متعلمات، ومتزوجات غير سعيدات في حياتهن الزوجية، ومصابات بالهستريا، أو لديهن رغبة في أن يصبحن في دائرة الاهتمام. ويرى أحمد عكاشة أن الزار يعد شكلاً من أشكال العلاج النفسي والذي يخفض عن طريق الإيحاء والتفريغ وطرق علاجية فردية وجماعية، من حالة التوتر ويشفي من الأعراض السيكوسوماتية معطياً أملاً في المستقبل.

 

دراسة فاطمة المصري

فاطمة المصري، 1966، الزار دراسة نفسية اجتماعية، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الدراسات النفسية والاجتماعية، كلية الآداب، جامعة عين شمس.

 

تناول الباحثون المصريين ظاهرة الزار بالدراسة من حيث جوانبها الاجتماعية والأنثروبولوجية، والنفسية، والمسرحية، والموسيقية مثل دراسة فاطمة المصري- وهي دراسة اجتماعية نفسية وتوصلت فيها الباحثة إلى الاستنتاجات التالية :

1- كل الأمراض الوظيفية الخالصة تشفي بالاعتقاد في الأسياد، تطلب الشفاء وقتاً أطول مما لو كان المرض في بدايته. واستشهدت بحاله فتاة أصيبت بخرس بعد فسخ خطوبتها، وحين مارست تلك الفتاة الزار عدة مرات تم شفاؤها نتيجة لاعتقادها فيه.

2- في حالة الأمراض العضوية لا تشعر المريضة بالآم المرض أثناء ممارستها لطقوس الزار لأنها تكون في غيبوبة، ويكون عقلها الباطن في حالة تخدير وقد يستمر هذا الحال بعد زوال الإغماء اعتماداً على قوة الإيحاء.

3- ارتباطاً بالحركية العنيفة المميزة لطقوس الزار فإنه يجب الحذر من ممارستها بالنسبة لمرضى القلب وبقية الأمراض الأخرى التى تحتاج إلى راحة ومتابعة طبية منتظمة.

 

لقد اتبعت فاطمة المصري في دراستها المنهج الوصفي التحليلي، معتمدة في دراستها الميدانية على الملاحظات والمقابلات الحرة. لكنها لم تلجأ إلى استخدام أدوات قياس أو اختبارات، مما يمثل نوعاً من القصور الذى جعل النتائج المتوصل إليها تتسم بنوع من الذاتية، فعلى سبيل المثال يلاحظ أن استنتاجها بأن " كل الأمراض الوظيفية تشفي بالاعتقاد في الأسياد ...الخ "، أنه استنتاج ذاتي طالماً أن الباحثة لم تشر إلى إجراء كشف طبي للممارسين قبل الممارسة وبعدها.

 

دراسة كيندي

Kennedy, J.G. 1967, ‘Nubian Zar as Psychotherapy’, Human Organization a Scientific Quarterly for the Study of Developmental Change, vol.26, no.7, The Society for Applied Anthropology:185-195. 

تبحث هذه الدراسة التى أجريت في النوبة المصرية في التأثيرات العلاجية لطقوس الزار. وفي جزء منها تم تناول الجانب الرمزي، وتوصلت إلى أن تكاثف العناصر الانفعالية والرمزية وتمازجها في طقوس درامية مطولة لها تأثيرات.

 

وتعتمد الإثارة الانفعالية لدرجة بعيدة على التأثيرات الرمزية الموظفة لتأجيجها وحفزها. تحمل الرمزية في الأجواء الطقوسية للزار دلالات الفرح، والصلاح، والطهارة، والحماية من الشر. وهناك محاولة لجعل المناسبة سعيدة بقدر ما كان ذلك ممكناً للأرواح والمريضات، لذا يتم استخدام كل أنماط نشاطات الأفراح كالزواج، من موسيقى ورقص وإيقاع، وتتزين المريضة مثل العروسة وتتعطر وتتبخر وتستخدم مواد لها دلالة رمزية أكثر من المواد المستخدمة في مناسبات الأفراح والطقوس الأخرى. تحمل الرمزية في طقوس الزار معاني تستدعى وتستنفر انفعالات قوية وارتباطات أخرى، كالحنة التى تستخدم لزيادة الجمال وإظهار الأنوثة، وللحماية من الشر، كما أن لها استخداماً طبياً. ويخلص كيندي إلى أن الفكرة المركزية التى تسيطر على كل الممارسة الطقوسية تنحصر في التطهير والحماية. فالبخور لطرد الأرواح الشريرة، أو لاستنفارها واستدعائها، والشرب والاغتسال من النيل للتطهير، بالإضافة إلى رمزية اللون، والعدد، والذهب، والفضة، كل ذلك للحماية من غضب الأسياد.

 

سنحاول تناول هذه الدراسة بقدر من التفصيل لأهمية فرضياتها عن التأثيرات العلاجية لطقوس الزار. يرى كيندي في طقوس الزار استخداماً لتقنيات الانفعال أكثر من التقنيات العقلانية، وافترض أن قوة الإيحاء والأجواء الطقوسية تبيح عملية التفكك أو الانشطار الذهنيوالتفريغ الانفعالي وتيسره مؤدية إلى حالات الغيبوبة. كذلك يرى أنها تحرر الفرد من الكوابح وتحيد القيود الاجتماعية.. "فالعالم الحقيقي يغمر بينما يبرز عالم خيالي من الفنتازيا. فاللاوعي والهو هما المسيطران في الممارسة". وشبه الطقوس بالأحلام من حيث إبعاد سلطة الذات العليا وإطلاق العنان للتعبير. ويعتقد أن بها الكثير من مميزات العلاج الجماعي (فالمريضة محاطة بالصحبة ولا تعزل) كما يحدث في بعض المجتمعات، وتعطى الطعام الجيد، وتلبى مطالبها في بيئة آمنة. هذا بالإضافة إلى تأثير الاعتقاد والعون والتفهم لمعاناتها.

 

ويضيف كيندي بأن الزار يخدم احتياجات اجتماعية ونفسية إلى جانب العلاج النفسي الذى تقام من أجله الطقوس. ووصف الطقوس بأنها صمام أمان للممارسات (المريضات)، كما وأنها قوة داعمة بما تحمله من رمزية وتطهيرية. وما يلفت الانتباه هو اعتقاده بأن الرمزية والتطهيرية تمثل دعماً أعمق وأقوى من الدعم الجماعي والاعتقاد. وأشار إلى أن طقوس الزار تتيح وضعاً مثالياً باستبعاد الكوابح الدينية والاجتماعية وتحييدها سانحة لسيطرة قوة الشر، وتبعد الكبت مبطلة، بالتالي، عوامل القلق البيئي المتزايد.

 

أما عن الأمراض التى تتم معالجتها بالزار فقد أشار كيندي إلى الهستريا، مشيراً إلى أن تقنيات العلاج الغربي دائماً ما تستخدم الإيحاء والتفريغ لعلاج الهستريا. وأكد أن معالجة الزار فاعلة أيضاً مع تفاعلات القلق، ومع الإكتئاب العصابي (depressive neurosis)، بل حتى مع الحالات الذهانية (psychotic conditions)، والأعراض السيكوسوماتية. ويقول كيندي بأن الكثيرين من المخبرين أفادوه بأنهم شاهدوا حالات تم فيها الشفاء من الشلل بعد الممارسة. وتوصل من كل ذلك إلى أن تقنيات الزار يمكن أن تكون ذات فاعلية أكبر من غيرها لأنها تدمج في داخلها تقنيات متنوعة عديدة. فهي تحتوي على الإيحاء التنويمي، والتفريغ، والجماعة الداعمة، إلى جانب التركيز على دمج العناصر الانفعالية والرمزية التى تأخذ حيزاً من الزمن. وتعطي التقنيات السحرية المريض بنية أو هيكلاً لتنظيم الأسى المبهم، وتزيد من إحساسه بنفسه.. كل تلك عناصر لها وجود في العلاج الغربي. ونادى كيندي بإجراء المزيد من الدراسات التجريبية بهدف إمكانية الاستفادة منها وتطبيق بعض تقنياتها في العلاج الغربي رغم غياب النهج الاستبصاري فيها والعقلاني.

 

دراسة ألفت محمد حقي

ألفت محمد حقي،1970، "دراسة تجريبية مقارنة: الضغط الانفعالي وتأثيره على الأداء العقلي لدى الأسوياء والعصابيين"، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية بكلية الآداب، جامعة الإسكندرية.

أجرت الباحثة ألفت محمد حقي دراسة ميدانية بهدف مقارنة الضغط الانفعالي وأثرة على الأداء العقلي عند الأسوياء والعصابيين. ولا شك أن المقارنة بين الأسوياء والعصابيين من حيث دقة الأداء العقلي بعد التعرض للضغط الانفعالي تمثل نقطة ذات أهمية للدراما الحالية بخاصة وأن ألفت حقي أجرت مقارنة بين نتائج تجربتها وبين النظريات الفسيولوجية والسيكولوجية المتصلة بالإرهاق، وقد اعتمدت ألفت حقي في تجربتها على منهجين: الأول تجريبي يتعرض فيه المفحوصون لنوعين مختلفين من الحالات النفسية ليتم اختبارهم في كل حالة من الحالتين؛ والمنهج الثاني تمثل في التشخيص وتصنيف طريقة كل مفحوص تبعاً لدرجة انعصابه. واختارت ألفت حقي عينة عشوائية مؤلفة من مائة حالة مزدوجة إناثاً وذكوراً قسمت إلى مجموعتين تجريبية وضابطة، كما استخدمت اختبار الذكاء العالي للدكتور السيد خيري أداةً لقياس مختلف الوظائف العقلية.

 

وقد قارنت ألفت حقي نتائج الأداء العقلي بعد الانفعال في العينة التجريبية بنتائجهم تحت الظروف الطبيعية واستخلصت بذلك متوسطات التغير للمجموعة الكلية وأقسامها المختلفة. كانت المكونات الرئيسة الثلاثة للقدرات العقلية المختبرة في هذه التجربة هي : (1) التركيز (ويمثل في إتباع عدد من الإرشادات دفعة واحدة)؛ و (2) الاستدلال الحسابي (ويجمع بين الاستدلال والتفكير الحسابي وإدراك العلاقة بين الأشكال الهندسية)؛ (3) الاستدلال اللفظي (التعامل بالألفاظ في التعبير والمترادفات والأحكام).

 

وقد استخدمت ألفت حقي الفرض الصفري لاختبار صحة الفروض المتصلة بالأداء العقلي تحت ضغط الانفعال التى صممت بحثها على أساسها، وقد أثبتت النتائج الإحصائية بمختلف أنواعها أن الضغط الانفعالي يتسبب في انخفاض جوهري للأداء العقلي لدى الجنسين على السواء، وأن أكثر العمليات العقلية تأثراً هي الاستدلال الحسابي، وتليه قوة التركيز، أما هبوط مستوى الاستدلال اللفظي فلم يك ذا دلالة، وكانت معامل الارتباط بين درجة الانعصاب وبين تغير مستوى الأداء بعد الانفعال ذا دلالة إحصائية عالية. وقد دفعها ذلك إلى الاستنتاج بأن الأداء العقلي ينخفض عموماً كلما زادت درجة الميل العصابي للفرد، أي، أن العلاقة بينهما طرديه.

 

دراسة سنديوني

Sendiony M.F. 1974, ‘The Problem of Cultural Specificity of Mental Illness: The Egyptian Mental Disease in Zar Ceremony’, Australian and New Zealand Journal of Psychiatry 8: 103-112.

كذلك قام سينديوني بدراسة فحص خلالها العلاقة بين الاضطرابات النفسية والثقافة. اعتماداً على ملاحظات شخصية في مستشفيات الأمراض العصبية بالقاهرة، وبالاعتماد على الدراسات الأنثروبولوجية الوصفية، وتاريخ الحالات، ودراسات نفسية خلص إلى أن الأمراض العقلية هي نفسها في الثقافة الغربية أو المصرية، بالرغم من أن الأعراض تتشكل وفقاً لعوامل ثقافية خاصة وبالتالي تمنح الأعراض لوناً خاصاً.

 

دراسة عبدالصمد مصطفي عبد الصمد

عبدالصمد مصطفي عبدالصمد،1988، "العلاقة بين الشامانية ومعتقدات الزار"، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الأنثروبولوجيا بكلية الآداب/ جامعة الإسكندرية.

 

دراسة أخرى قام بها الباحث مصطفي عبد الصمد وهى دراسة أنثروبولوجية نفسية توصل فيها الباحث لعدد من النتائج من بينها : (1) ممارسة الشامانية والزار تجسد نموذجاً فعالاً في العلاج النفسي، إذ إن هذه الطقوس "تكون كالبيت الأمين الذى يلجأ إليه الفرد المصاب"؛ و (2) شخصية الشيخة (المعالجة) بوصفها شخصية ذات فائدة لممارس الزار؛ و (3) تقوم هذه الطقوس بدور في تحديد العلاج وتقرير الصيغ العلاجية المناسبة للممارس؛ وأخيراً أكد الباحث على النتائج التى توصلت إليها دراسة فاطمة المصري.

 

اعتمدت دراسة مصطفي عبد الصمد على المنهج الوصفي التحليلي منطلقاً من دراسة ميدانية قامت على استخدام أداة الملاحظة بالمشاركة والمقابلات الحرة مع كل المرضي والمعالجين.

 

دراسة سيد حامد حريز

Hurreiz, S.H. 1988, Zar as Ritual Psychodrama’, Paper Presented to the Workshop on the Contribution of the Zar Cult in African Traditional Medicine, University of Khartoum 11-13 Jan.

من بين الدراسات الرائدة لظاهرة الزار في السودان لا بدّ من الإشارة إلى دراسة سيد حامد حريز المشار إليها عن الزار بوصفه طقساً سيكودرامياً. ركزت الدراسة على خصائص الزار الطقوسية العلاجية النفسية، وقدم حريز لدراسته بتناول الاحتفالات الطقوسية ذات المحتوى السيكولوجي والعلاجي النفسي في بعض المجتمعات التقليدية في أفريقيا. واعتمدت الدراسة على ملاحظات الباحث الشخصية والاستقصاء، بالإضافة إلى الاستفادة من التسجيلات التى نفذها معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم لبعض احتفالات الزار في العاصمة القومية الخرطوم.

 

ويشير حريز إلى أن الارتباط الذى لحظه العديد من الدارسين للمجتمعات التقليدية بين الاحتفالات الغنائية والدراما الشعبية يمكن الكشف عنه سواء بسواء في احتفالات الزار الغنائية ومن ثم تناولت دراسته الزار بوصفه شكلاً من أشكال الدراما الشعبية ذلك أن الزار، مثله مثل الاحتفالات الغنائية وغيرها من أشكال الدراما الشعبية، يتميز بالدمج بين أساليب مختلفة مثل الغناء والطبول والرقص. كما أنه يحتوي على تعبيرات فنية، وطرق يستخدمها مثل الملابس الشعبية، ووسائل مسرحية تقليدية، ومكياج وبخور .. الخ. هذا إلى جانب كون الممارسة تتم في جو احتفالي مدعوم بالذبائح والكرامات. ويؤكد حريز أن حفل الزار الغنائي يكشف عن الصراع وحل الصراع والذي يمثل ظاهرة ضرورية في كل دراما، مشيراً إلى وجود ممثلين في احتفال الزار الغنائي ومشاهدين يكونون كذلك على الأقل في بداية الاحتفال لكنه مع تصاعد الإيقاع يأخذ الجميع تقريباً في المشاركة الكاملة غناء رقصاً لينعدم الخيط الفاصل بين الممثلين والمشاهدين، أو ليصبح رفيعاً لدرجة يصعب معها ملاحظته. ويقول حريز أنه وفي الظروف التقليدية المثالية في احتفالات الزار فإن الممثلين هم المشاهدون، والمشاهدين هم الممثلون، ويشير حريز إلى وجود المخرج المسرحي في احتفالات الزار، فشيخة الزار هي المخرج في الواقع وسيدة الحفل، فهي تنظم كافة خطوات الحفل الغنائي وتديرها يساعدها في ذلك، في حالات، الملقن الذي ينشط الحفل يدفع قارعي الطبول والراقصات ويحثهم على إظهار المزيد من الحيوية في الأداء.

 

وبعد أن سلط حريز الضوء على الجوانب التقنية والفنية للدراما (بخاصة الدراما الشعبية) التى توجد في طقوس احتفال الزار، ينتقل لإلقاء نظرة على الزار كحفل غنائي درامي. هنا يلاحظ أنه إلى جانب تلك العوامل التقنية فإن الأغاني المستخدمة هي أغاني شعبية، وأن الموسيقي والطبول تصدح بأنغام وإيقاعات تقليدية، كذلك فهو يلاحظ أن معظم المواد الصنعية للثقافة المادية المرتبطة بالزار موجودة في الحياة الشعبية السودانية.

 

ثم أن حريز يؤكد على أن الأجواء الدينية التى يتم فيها احتفال الزار الغنائي مشتقة من الديانة الشعبية المتميزة بنكهة خاصة تعبر عن الخلط بين الإسلام الشعبي والمعتقدات الأفريقية التقليدية. ويشير حريز إلى أن تحليلاً عميقاً لاحتفال الزار الغنائي لن يكتمل بدون دراسة العناصر والقوى الدافعة وراء شعائر الزار والتقمص، والتي تنحصر من وجهة نظره، في الصراعات الاجتماعية والانفعالات العاطفية فحريز يرى بأن المضطهدين والمأزومين نفسياً هم الأكثر انجذاباً لحضور حفلات الزار الغنائية ليصبحوا عرضة للامتلاك من قبل الأرواح، ومن ثم يعرّف حريز الزار على أساس عناصر اجتماعية ونفسية ودرامية محدداً أهم مظاهره في: (1) حقيقة السلوك الرمزي القائم على مبادئ وقواعد تقليدية؛ و (2) ارتباطه بالديانة التقليدية؛ و (3) ارتباطة بالاحتياجات الفردية والتوازن الاجتماعي، أي بوصفه استجابة تكيفية تعويضية؛ و (4) ارتباطه بالذبائح والكرامات؛ و (5) تدخل وساطة الأرواح والدخول في الغيبوبة.

 

ويورد حريز تعريفاً للدراما النفسية، سبق أن قدمه دريدر (Drever,1952)، بوصفها "طريقة لتشخيص مشاكل الفرد وعلاجها، فإنها ذات علاقة وثيقة بطرق الإسقاط بل وأنها تظهر ارتباطاً أكثر بقياس العلاقات الاجتماعية القائم على دفع الفرد للاستجابة العفوية على المسرح وأمام جمهور في حالات. ويشترك آخرون في التمثيل على المسرح ويمكن أن يوجد جمهور مختار وفقاً لطبيعة المشكلة، وجميعهم يكونون تحت إشراف مخرج عادة ما يكون عالماً نفسياً مسئولاً عن المعالجة".

 

اعتماداً على هذا التعريف للدراما النفسية يرى حريز أن احتفال الزار الغنائي يكاد يكون مطابقاً للدراما النفسية، ويحدد مظاهر الشبه في: (1) الاستجابة العفوية، و (2) التشخيص والمعالجة بتمثيل الوضع الملائم للمشكلة، و (3) حقيقة اشتراك المشاهدين في الإحساس نفسه الذى يتملك الفرد (المريض) الذى هو مركز الاهتمام، و (4) الأداء من فوق المسرح تحت إشراف مخرج مسئول عن المعالجة.

 

دراسة بربارة سيلار

Barbara Seller, 1991, ‘The Zar: Womens’ Theatre in the Southern Sudan, in: I.M.Lewis, Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.), Women’s Medicine: The Zar-Bori Cult in Africa and Beyond. Edinburgh University Press: 156-163.

 

بينما تناول حريز ظاهرة الزار من منظور سيكودرامي عموماً، أجرت بربارة سيلار دراسة ميدانية عن الزار في جنوب السودان (مدينة يامبيو) ناقشت فيها مختلف العناصر المسرحية المميزة للطقوس فيها. أشارت الدراسة إلى الاختلافات في الخلفية الثقافية والاجتماعية التى ينتج عنها تباين في استخدام الحركة وشخوص الزار بالرغم من الاتفاق في الأطر التقنية للمعالجة وأهدافها. وعدّت سيلار الزار وسيلة للترفيه وطقساً للامتلاك الروحي. شدد تحليل سيلار على الإطار الاجتماعي الدرامي الذى دعا له فيكتور تيرنر (1986) والذي يقول بتطور النهج المسرحي عبر أربع مراحل: (1) نقض العهد، (2) الأزمة، (3) الإصلاح، (4) إعادة التكامل. ومن ثم تعتقد سيلار بأن طقوس الزار تمر بالمراحل نفسها، وتوصلت إلى أن الزار يستخدم وسيلتين تساعدان في فصل تجربته عن الواقع العادي: الأولى - المسرح الخاص بالممارسة الطقوسية الراقصة - والثانية - الانتقاء لشخصيات تتقمص بالحركة والشخصية واللبس والزينة وهو ما يعكس، في رأي سيلار، فرضية التأرجح الاجتماعي.

 

أما التقنيات المسرحية المستخدمة في طقوس الزار فإنها تتألف من المخرج (الشيخة المعالجة)، والجمهور، وعنصر الخيال، والموسيقى، والرقص. فوق ذلك فإن طقوس الزار تحتوي على مظاهر هي أكثر عمومية مما نجده في المسرح مثل، على سبيل المثال، الفكرة الرمزية، والطهارة، والوليمة المشتركة، بالإضافة إلى عنصر الغيبوبة. وركزت الباحثة على فكرة التمثيل بحركات جسدية والاجتماع الجسمانى من خلال الغيبوبة.. ممارسة يشترك ويختلط فيها الجمهور المشارك والمريضات، وبها حبكة مسرحية. ووصفت سيلار تطور الحركات والشخصيات بالإبهام وظهور الطابع الرمزي عليها، والتكرار والارتجال، وعدت طقوس الزار بمثابة دراما محلية تعكس الوضع الاجتماعي للجماعة.

 

أما عن الاختلاف مع الدراما الغربية فهو وجود شخصية واحدة مركزية تعتلي المسرح في طقوس الزار، وهناك قمة واحدة يأتي بعدها الحل. فالشخصيات لا تتزامن في الظهور بل تتعاقب، بينما في الدراما الغربية هناك قمة واحدة يعقبها الحل.

 

جانب آخر يحتل أهمية بالنسبة للدراسة الحالية هو المقارنة لأنماط الشخصية، ونوعية الحركة في طقوس الزار في جنوب السودان. لاحظت سيلار التباين وعزته للمرجعية الثقافية والاجتماعية، وللاختلاف في المعتقدات الدينية وفي اللغة. وتعتقد سيلار بأن شخصيات زار الشمال أشد تجانساً بينما في يامبيو تبرز سيادة مجموعات عرقية (الأزاندي) والقليل من العرب. فالشخصيات المتقمصة في زار الشمال كثيرة ومتنوعة بينما في زار الجنوب توجد شخصيات مركزية (مثل الرجل الأبيض جوني، والمرأة العجوز، والرجل المقدس، والإثيوبيون).

 

هناك أيضاً اختلاف في شكل الحركة (الحركة المتأرجحة للأمام والخلف مع انتقال الجسم من القدم الأمامية للخلفية بالنسبة للرجل المقدس، والحجل بالقفز بالنسبة للعرب، والتأرجح من جهة إلى أخرى بالنسبة للإثيوبيين، بينما تمثل الخطوة الزاحفة المرأة العجوز، وتمثل خطوة المشي العادي للأمام والخلف الرجل الأبيض). هذا الاختلاف في نوعية الحركة وطبيعتها وفي الشخوص تدعم فرضية التأثير البيئي والاجتماعي.

 

رأت سيلار في ممارسة الزار حدثاً مسرحياً تتلاقى فيه جماعات عرقية مختلفة للتخفيف من حدة التوتر والمعاناة، حدثاً تتألف بنيته من تعبير سلوكي صريح ومكشوف من خلال تقمص شخوص في الحركة والأداء واللبس والزينة.

 

دراسة شيخ إدريس عبد الرحيم

Rahim, S.A. 1991, ‘Zar among middle-age female psychiatric patients in the Sudan in: I.M.Lewis, Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.),Women’s Medicine: The Zar-Bori Cult in Africa and Beyond. Edinburgh University Press: 137-145.

دراسة شيخ إدريس عبد الرحيم وهى ذات أهمية قصوى لهذه الدراسة حيث إنها دراسة عيادية مسحية هدفت إلى استكشاف نوعية الأمراض النفسية والعقلية، والتأثيرات العلاجية للممارسة الطقوسية في الزار. من خلال عينة عشوائية تم اختيارها من المترددات على العيادة الخارجية لمستشفي الأمراض العصبية بالخرطوم بحري، في مدى زمني استمر عشر سنوات (1983-1973) لفئة عمرية (55-40) التى تكثر وسطها ممارسة الزار، كانت نسبة اللائي خضعن للمعالجة بطقوس الزار 35% من العدد الإجمالي البالغ 819. ورغم أن العينة لا تمثل المجتمع الأصلي في السودان المترامي الأطراف والمتعدد الأعراق والديانات، فإنها ألقت مع ذلك بأضواء كثيفة على هذه الظاهرة من المنظور العيادي.

 

المتغير التابع في فرضية الدراسة هو تجربة المعالجة بطقوس الزار في الوقت الحالي، أو في الماضي وطبيعة التجربة العلاجية ومدتها وتأثيرها. أما المتغيرات المستقلة فتشمل سلسلة من المعطيات الشخصية والخصائص الديموغرافية (العمر، والإقامة "ريف-حضر"، والتعليم، والعمل، والحالة الاجتماعية، والمستوى التعليمي للزوج، وتاريخ العائلة في ممارسة الزار). وتأسس التقييم العلاجي على التقييم الشخصي للمريضة، وعلى المعلومات المستقاة من أهلها ومرافقيها.

 

وقد وضعت معايير التقييم بحيث يشير التقييم "جيد" إلى أن المريضة تعافت من الأعراض التى تعاني منها بعد الممارسة، وكانت النسبة 25.8%. أما التأثير المتوسط ويعني تسكين الأعراض مع نقص المعاناة فقد كانت نسبته 19.8%. وقد كانت الإجابة بالشك في مدى نجاح المعالجة أو فشلها قد سجلت نسبة 10.4%، في حين سجلت الاجابة بعدم تأثير إيجابي للمعالجة نسبة أقل من النصف بلغت 43.9%.

 

يلاحظ أن الاستجابة الجيدة انعكست على المريضات بالتفاعلات الهستيرية hysterical reaction 72.7%، وحالات القلق anxiety states 46.3%. أما عدم الاستجابة للعلاج فقد انعكست لدى المريضات المصابات بمتلازمات الدماغ العضوية organic brain syndromes 100%، والمريضات بمرض الصرع epilepsy 96%، والفصام shizophrenia والاضطرابات الوجدانية affective disorders 89%.

 

أما النتائج العامة للدراسة، فقد أكد الباحث فيها على أن استخدام نسبة 35% من أفراد العينة لطقوس الزار بوصفه علاجاً تمثل نسبة ذات دلالة ومعنى لا بدَّ من أخذها في الحسبان. كما أكدت على أن اللجوء للمعالجة بالزار أكثر شيوعاً في الأرياف منها في التجمعات الحضرية، ووسط الأقل تعليماً ونشاطاً اقتصادياً، بالإضافة إلى تفشيها في الأسر التى يتميز ربها بمستوى تعليمي متدني.

 

وأظهرت نتائج الدراسة بأن الغالبية من المرضى الذين يلجأون للمعالجة من الزار هم من مرضى التفاعلات العصابية المنشأ، وهى فرضية سبق أن أكد عليها طه بعشر، (Baasher,1962 ; id.1975) وهاردنج وآخرون، (Harding et al.,1980) ورحيم وسدربلاد (Rahim and Cederblad,1986).

 

كما أكدت الدراسة على دور العوامل الاجتماعية والثقافية في رفع معدل الممارسة (فقر، وتصحر، وحرب أهلية، وهجرة، وتغيرات ثقافية اجتماعية، بالإضافة إلى الهوة التى تفصل الشباب ومتوسطي الأعمار) مما يؤدي إلى زيادة الضغوط النفسية. كما وأن من بين النتائج المهمة أن ممارسة الزار تساعد في إزالة الأعراض لدى مجموعة خاصة من مرضى التفاعلات الهستيرية 95%، وحالات القلق 87.2% وفقاً للتشخيص العيادي (السيكاتري).

 

ويشير شيخ إدريس عبد الرحيم إلى أن الكيفية التي تمت بها المعالجة باستخدام تلك التقنية لا تهم بقدر ما تهم الفائدة الناجمة عنها لكونها مقبولة اجتماعياً، ولأن فيها انطلاق لانفعالات مكبوتة وممارسات سلوكية محظورة. فوق ذلك فإن هذه المعالجة احتوت على نواحي علاجية نفسية مثل التوحد والإسقاط،بالإضافة إلى الدعم الاجتماعي والعلاج السيكودرامي والجماعي. مع ذلك فإن شيخ إدريس يشير إلى بعض الجوانب السلبية لممارسة الزار والتى تتمثل في: (1) التكاليف الباهظة التى ترهق الأسر من أجل إشباع مؤقت؛ و(2) لا ينتج عنها، من وجهة نظر منطقية، فائدة علاجية عالية (تبلغ نسبة زوال الأعراض 54%، ونسبة المعافاة التامة فقط 1.5% بينما تلهث البقية وراء ادمان الممارسة لمدة قد تصل إلى ساعتين 46.6%، أو اللجوء للممارسة كلما شعرن بارتفاع الضغط النفسي 43.3%، أو لتعويذة أو بخور 8.4%. ويعتقد شيخ إدريس بأن ممارسة الزار هي هروب من مواجهة الواقع ومجرد تسكين للمعاناة لا أكثر؛ (3) تؤسس ممارسة الزار على مقدمات خرافية تتعارض مع الدين.

 

دراسة موري لاست

Murray Last 1991, ‘Spirit Possession as Therapy: Bori among non-Muslims in Nigeria, in: Lewis,I.M., Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.), Women’s Medicine: The Zar-Bori in Africa and Beyond, Edinburgh University Press.

وفي دراسة عن العلاج بالبوري في نيجيريا ناقش موري لاست التغير الذى خضعت له ظاهرة البوري (وهى ممارسة مشابهة للزار) في الوقت الراهن في نيجيريا. وتوصل لاست إلى أن استخدام البوري انحصر في الوقت الراهن بوصفه علاجاً للمرضى الممتلكين بالأرواح والتسكين، ويرى أنه قد تكتب للبوري الاستمرارية في هذا السياق بالتبصر في كيفية إسهامه في العلاج النفسي الوقائي في زمان تنخفض فيه ميزانية الصحة وتعطى الأولوية للوقاية. ورأى أن ممارسة البوري تحتوي على جوانب من نظائر حديثة في العلاج النفسي، مثال العلاج السيكودرامي، واستخدام التنويم الايحائي. ودعا إلى ضرورة إجراء دراسات ميدانية على مثل تلك الممارسات يراعى فيها الثقافة والفلسفة الأفريقية والتى يمكن أن تشتق منها طرق إبداعية في المعالجة النفسية الحديثة.

 

دراسة عادل العليمي

عادل العليمي،1993، الزار ومسرح الطقوس، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة.

اتبع الباحث عادل العليمي أسلوب الوصف التحليلي لظاهرة الزار من خلال المشاهدات الميدانية. وتركز دراسة عادل العليمي على الزار كظاهرة فلكلورية درامية شعبية تعتمد على فنون الفرجة والعرض والتصوير البصري، وتحتوي من حيث النتائج التى توصل إليها إلى عامةوخاصة، تمثلت العامة في : (1) الزار ظاهرة وافدة على المجتمع المصري موطنه الأصلي إثيوبيا، للسودان؛ و (2) القرآن الكريم يشكل الخلفية الأساسية للزار في مصر لما ورد فيه من ذكر للجن، كما أن هناك وقائع في حياة الرسول صلي الله علية وسلم تتعلق بالسحر والعمل ورؤيته للجن؛ و (3) الزار ظاهرة فلكلورية عاشت وما زالت تعيش بحكم الوظائف التى تقدمها لقطاع من الطبقات الشعبية؛ و (4) المترددون على الزار أغلبهم من النساء وهن من أصل ريفي وغير متعلمات أو أنصاف متعلمات وجميعهن من أصل شعبي -حتى المتعلمات - ويغلب عليهن طابع المرض النفسي؛ و (5) أغلب مشايخ الزار من النساء - خصوصاً في القاهرة - أما في الأقاليم فيزداد عدد المشايخ الرجال. وأخيراً أن الزار علاج نفسي شعبي يعالج الوهم بالوهم ويعتمد على الإيحاء الذاتي في ظل معتقدات شعبية وفي ظل جو من الإثارة النفسية والانفعالية لتحقيق التوازن النفسي.

 

أما النتائج الخاصة فتمثلت في : (1) محاولة الدراسة إثبات ما ذهب إليه عبد الحميد يونس من أن الزار دراما شعبية وذلك بتقديم المعطيات التي تؤدي إلى هذه النتيجة؛ و (2) تقديمالزار بوصفة دراما شعبية طقوسية تتجسد في المحاكاة التمثيلية الراقصة للجن متوسلة في هذا بوسائل عرض قائمة على الفرجة من مكان عرض وحركة وموسيقي وملابس وملحقات (إكسسوارات) وصيغ أدبية وشعبية في الأغاني والرقى والفتوحات.

 

دراسات في العلاج بالحركة والرقص

إن أدبيات العلاج بالحركة والرقص ليست بالكثيرة ذلك أن هذا النوع من المعالجات مازال في بداياته. الدراسات المتوافرة في هذا المجال في غالبتها دراسات لحالات أو تقارير اعتمدت على التغير في الحالة الصحية للمريض والتحسن في الأعراض، أو دراسات وصفية تحليلية. ستحاول هذه الدراسة التعرض لبعض من تلك الأدبيات وذلك بغرض إبراز تقنيات المعالجة والمفاهيم التى قد نجد صدى لها في طقوس الزار رغم أن هذا الأخير مؤسس على جانب اعتقادي وخرافي مرتبط بالخلفيات الثقافية الاجتماعية.

 

دراسة كيفن كافانو

Kavanaugh, Kevin 1995, ‘Dance and Drama therapies stimulate creativity, enhance patient well-being’. Brown University long-term Care Letter, Vol.7 Issue 14 : 5,(2P.).

 

وفي ورقة دراسية ناقش كافانو كيفين فكرة العلاجات البديلة من خلال دراسته عن العلاج بالرقص والحركة والدراما. وقد لخص إيجابياتهما بأنهما تحفزان النشاط الإبداعي، وتؤديان إلى التجديد من خلال التعبير عن الذات - بخاصة بالنسبة للمرضى الطاعنين في السن - وفي كلا نهجي المعالجة (الدراما والعلاج بالحركة والرقص) يقود المعالجون الحركة المرتجلة بدون برنامج روتيني. ووفقاً لكافانو فإن المعالجة بالحركة والرقص أثبتت فاعلية في تدعيم مفهوم الذات، مع شعور بالتحسن والراحة إضافة إلى اكتساب قدرة تواصلية مع الآخر. ويرى أن في هذه المعالجة تنشيط للأجسام واستخدام للخيال وتفريغ للتوتر. وبالنسبة لكبار السن فإنها تكسبهم حيوية واسترخاءً. ويقول كافانو أنه بالرغم من حداثة هذه التقنية ذات المدى الطويل، فإنها قد أثبتت فاعلية في تحقيق أهداف علاجية متنوعة. فالمعالج يوجه المجموعة في كيفية التنفس أثناء أداء الحركات، ويعيد الحيوية لدافعية الممارسة. كما وأن الحركة يتم استخدامها وسيلة لاستعادة ذكريات الماضي مما يتيح فرصة لإعادة التنظيم المعرفي. وفوق كل ذلك فإنها تزيل التشويش وتقوي التفاعل الاجتماعي والاحتكاك مع الآخر.

 

أما فيما يتعلق باستخدام العلاج الدرامي فإن كافانو يعده تقنية متقدمة صممت لزيادة الوعي بالذات والتعبير عنه وتقويته. كما أنها تحسن العلاقات الاجتماعية من خلال مهارات المواجهة، وتقلل من القلق، وتساعد في التلقائية ونسيان الألم والمشاكل. هذا فوق أنها تجعل الممارس يحس بالانتماء إلى مجموعة يتم في وسطها الاسترخاء عبر المشاركة في أدوار إبداعية. وكان ديفيد جونسون قد لخص فوائد هذا الشكل للمعالجة بأنه "الاستخدام القصدي للدراما الإبداعية بغرض الوصول للأهداف العلاجية وذلك عن طريق إزالة الأعراض، وتؤدي للتكامل الجسمي والعاطفي ونمو التوافق".

 

دراسة دونفان وبستر

Donovan Webster, 1995, ‘Alternative Medicine’, Men’s Health, vol.10 Issue 3: 80-82.

سعى بعض الباحثين للتعامل مع الممارسة الحركية والرقص من منظور الطب البديل. من بين أولئك دونفان وبستر الذى ناقش معالجات حديثة تضمنت نهج يونج في العلاج، والعلاج الجشطالتي، والعلاج بالرسم، والعلاج بالحركة والرائحة، وهى كلها تتمحور حول الأنا. وارتأيت التركيز على مناقشة دونفان للعلاج بالرائحة والعلاج بالحركة لارتباطهما بطقوس الزار.

 

يتمركز العلاج بالحركة، في رأيه، على الاحتواء والارتباط والإنهاك الجسمانى، بالإضافة إلى الوقت الذى تستغرقه المعالجة. ويبيح هذا النوع من العلاج للمريض فرصة لينهي مشاكله عن طريق الرقص بإشراف معالج ومعلم في الرقص من خلال الحركة والضرب على الأرض، والتعبيرات التى تتسم أحياناً بالهدوء وفي حالات بالصراخ. إنها ممارسة تساعد، في تقدير دونوفان، في التخلص من المشاكل والقلق في مساحة آمنة. من ثم يجوز القول بأنه لم يختلف في تحليله هذا عن من سبقوه.

 

ويصف دونوفان العلاج بالرائحة Aroma therapy بأنه تقنية تستخدم الرائحة لاستدعاء ما يجلب الراحة للمريضة. فالرائحة تقوي وتنشط الألم وتحاصره. فمسح الزيت الخزامي في المكان يؤدي إلى زيادة النشاط، وهو ما يؤدي إليه أيضاً خلاصة شجر الاوكالينوس الطبي. ويعتقد دونوفان أن الجزء الأهم في المعالجة هو ممرات فتحات الأنف. العلاج لا يصحبه كلام، فقط الشم just sniffing مع وضع فكرة الصحة والعافية في الذهن والتي تساعد في الوصول إلى الراحة النفسية.

 

دراسة ويمان ماكجنتي

Wyman McGinty, Wendy Santa Monica, C.A. 1998, ‘Authentic movement and witnessing in analytic practice’, Journal of AnalyticalPsychology , Apr., vol.43Issue 2: 239- 61.

تناول ويمان ماكجنتي وصفاً تحليلياً مدهشاً لشكل من الخيال النشط سماه بـ "الحركة الأصيلة authentic movement" في الممارسة التحليلية التى تهتم بـ "اللا وعي الجسمانى somatic unconscious". لذا رأيت عرض هذه الدراسة بقدر من التفصيل ذلك أن الدراسة المعنية أخضعت الأداء الجسمانىلتحليل دقيق أفرز الكثير من المفاهيم الخاصة بتلك المعالجة. تتمحور "الحركة الأصيلة"، التى يبرز فيها العنصر الخيالي النشط، في مجموعة حركات يقوم بها المريض، وهى نابعة من الأعماق خلافاً للحركة الموجهة والمخططلها من قبل من الأنا. أي، أن هذه "الحركة الأصيلة" هي حركة صادرة بإيعاز داخلي من أغوار اللا وعي، وهو ما وصفته ماري هوايت بمصطلح "حركة من الأعماق" (Mary White,1979). ويقوم المريض بهذه الحركات وهو في حالة جلوس أو رقود أو وقوف في مساحة آمنة تيسر له حرية الأداء. ويمكن تطبيق هذه المعالجة على فرد أو جماعة علاجية وتستغرق حيزاً زمنياً لاستكمالها يتراوح من 10 إلى 45 دقيقة. يعقب ممارسة الحركة محادثة بين المريض والمحلل لتقييم تجربة الممارسة التى سماها ويمان "حركات تداعي حرkinaesthetic free association" ويمكن التعامل معها من هذا المنظور. كما وأنها، في رأيه، ليست حركات تفريغية بل هي أكثر من ذلك لكونها أشد تماسكاً وتبرز القلق والتوتر المتولد نتيجة تصورات المريض، وما يرتبط بهما من عواطف وأحاسيس. ووصف ويمان الحركة الأصيلة شكلاً من الخيال النشط يوجه فيها الاهتمامبـ اللا وعي الجسمانى. في الحركة الأصيلة يُشجع المرضى للتركيز في دواخلهم والتنبه إلى أحاسيسهم الجسمية وشعورهم وتصوراتهم التى قد تبرز أثناء عملية التركيز الداخلي في التجربة المدركة جسمياً، تصبح التصورات، والذاكرة الجسدية somatic memory وما يرافق ذلك من مشاعر، قابلة للاستكشاف بوصفها وسيلة تواصل مع لا وعي المريض. الحركة الأصيلة تساعد الفرد على الربط بين الصورة والعاطفة من حيث كون الفرد يعيد تجربة المظهر الجسمانى للرمزية. ما تم تخزينه على المستوى الجسمانى -"كتجربة غير مدركة بالعقل unmentalized experience" - يمكن أن يصبح بالتالي في متناول العقل الذى سيفكر فيه ويجعله قابلاً للتحليل. في الحركة الأصيلة يعمل المحلل شاهداً صامتاً على استكشافات المريض. فالمشاهدة المركزة والاهتمام والوجود تساعد في خلق بيئة احتوائية آمنة يستطيع المريض أن يتحرك فيها بأريحية، وتعطيه الإحساس بأنه مشاهد ومحمي ويعيش تجربة الإحساس والتعبير التلقائي الحر. وظيفة المحلل هي اقتناء تجربة المريض واحتوائها في عقله والتعرف عليها، بخاصة الأجزاء المبهمة في تلك التجربة. ويستخدم المحلل (المشاهد) تحويله الجسمانى المضادsomatic counter transference الذى يحتوي على تصوراته ومشاعره واستجاباته الجسدية، المتولدة بفعل تواصله عبر اللغة الجسدية غير الناطقة، يستخدمها وسيلة للفهم والتجاوب مع المادة التى قدمها المريض. ودور المحلل أن يحافظ على مساحة من حلم اليقظة أو الفكرة الخيالية التى تبدأ في الوجود والظهور لتتكامل وتترابط في الوقت المناسب.

 

ويعتقد ويمان أن هذا النهج العلاجي يمكن أن يسهم في العملية التحليلية بطرق مختلفة: (1) الخيال النشط في الحركة الأصيلة هو وسيلة أساسية لتناول المادة اللا واعية وإيجاد علاقات لها؛ (2) تشكل الحركة الأصيلة اختراقاً لبنيات اللا وعي البدائية؛ (3) يبدو أن الحركة الأصيلة تدعم إعادة ربط التصور مع العاطفة من حيث إن الفرد يعيد حرفياً تجربة المظهر الجسمانى لعملية خلق الرمز؛ (4) تسمح الحركة الأصيلة فرصة للمحلل أن يعمل شاهداً صامتاً ووعاء يتلقى استكشافات المريض؛ (5) وأخيراً فإن الحركة الأصيلة، بوصفها شكلاً من أشكال التدريب العيادي، يمكن أن تكون لها قيمة بالنسبة لتطور علاقات الفرد (المحلل) بـ "اللا وعي الجسمانى" كما تتجلى في المحلل نفسه ومريضه.

 

دراسة هوبان ساندرا

Hoban , Sandra 2000, ‘Motion & Emotion-The Dance/Movement Therapy Experience’. Nursing Homes Long-term Care Management, Vol.49, Issue 11: 33 (2P.).

كان هوبان ساندرا قد وصف تجربة علاجية بالحركة والرقص تركت تأثيراً ايجابياً ضمن معالجة تكاملية وليست بديلة (مثل المساج والعلاج باللمس، إلى جانب العلاج بالحركة والعلاج التقليدي الغربي). أجريت التجربة في مصحة للتمريض في نيوهامشير New Hampshire بالولايات المتحدة الأمريكية. تكون فريق الدراسة من اختصاصي نفسي متخصص في العلاج بالحركة والرقص، إلى جانب طلاب دراسات عليا في مرحلة الماجستير، وخبير في الرقص. تكونت المجموعة التى أجريت عليها تجربة العلاج من 6-10 مرضى، ودامت فترة العلاج بالرقص لست سنوات.

 

استهل ساندرا بحثه بعبارة لخص فيها أهداف المعالجة كالآتي "وظيفة التقنية العلاجية هي أنها ذات طبيعة تواصلية تأتي من أعماق اللا وعي حيث مكمن الذكريات. يبدأ الرقص منذ الطفولة مروراً بالمراهقة ليستمر مدى الحياة، وهو أساس التعبير الانفعالي". وتتلخص بداية البرنامج العلاجي بنشاط حر (لعب بالبالون في مجموعة ارتجالية لتشجيع روح المخالطة الاجتماعية. بعدها تبدأ عملية الإحماء من وضع الجلوس للمشاركين لتنشيط أجزاء الجسم، ولزيادة الوعي مع نشاط هوائي aerobic activity. وينبه المعالج المرضى بأن من لا يستطيع منهم الرقص بجسمه فعليه أن يفعل ذلك بقلبه. ويؤسس هذا العلاج على الحركة والرقص مصحوبين بالموسيقى. ترتكز الحركة على الخيال وليست تقليدية بحال من الأحوال بل هي حركة تلقائية لها معنى من منظور التعبير عن الذات. ويقوم هذا العلاج على أساس المنهج الذى اختطه مؤسس العلاج بالحركة ماريان شيزوالذي يلجأ إلى استخدام المرآة لتكبير الحركات وانعكاساتها لجعلها أكثر تكاملاً وسط مشاركة أهل المريض وأصدقائه تشجيعاً له. فالمعالجة ليست فصلاً دراسياً بالمعنى العرفي، لكنها تجربة تلقائية يتم فيها قياس مميزات الحركات ونوعيتها وفقاً لتقييم غير رسمي في لحظة الممارسة، كما ويمكن إلحاقها بقياسات نفسية عن المريض. وظيفتها توسيع الارتباط بين العقل والجسم للمرضى المعاقين جسدياً أو من ذوي العاهات الجسدية والعقلية. من نتائجها استعادة المريض التوازن الرزمي بين انفعالاته وجسده. أظهرت إيجابيات لها مع مرضى الإكتئاب المعتدل والضياع النفسي والسلبية. كذلك ساعدت في خلق تفاعل سعيد في وسط اجتماعي. وقد وصف هيرفي، رئيس الفريق المعالج، بأن المعالجة مثلت وسيلة للتواصل وأنها ذات فائدة مع مرضى محدودي التواصل الإدراكى وللكثير من حالات شديدي الاختلال العقلي، وتدعم مفهوم الذات.

 

إصدارة جامعة هارفارد للصحة العقلية

Harvard Mental Health Letter 3, vol.17, September 2000

أوردت "مطبوعة هارفارد للصحة العقلية" نتائج عدد من الدراسات التى استخدمت التمارين علاجاً بالحركة من منظور تأثيراتها العلاجية في الاضطرابات العقلية. وخلصت إلى أن المداومة على المعالجة بالتمرينات، والتي تمت في دراسات عدة، توصلت إلى نتائج ايجابية فيما يتعلق بالمرضى الذين يعانون من اضطرابات رعب أو خوف من المرتفعات. كما أثبتت المعالجة بالتمرينات الهوائية فاعليتها بالنسبة للأشخاص معاقي النمو. وبمراجعة الدراسات للمعالجة بالتمارين توصلت إلى نتائج يمكن إجمالها في: (1) أنها ذات قيمة صحية؛ (2) غير مكلفة؛ (3) أنها لازالت تقنية لم يتم استخدامها بالقدر الكافي لأنواع متعددة من الاضطرابات العقلية.

 

وتشير مطبوعة هارفارد للصحة العقلية إلى أن 14 دراسة مضبوطة عن مرضى إكتئاب يتدرج من خفيف mild إلى معتدل moderate أظهرت أن فاعلية المعالجة بالتمرين أكثر مردوداً من عدم المعالجة أو اللجوء لاستخدام العلاج المسكن. تمت مقارنة ذلك مع عدة علاجات نفسية فردية وجماعية.

 

وتورد مطبوعة هارفارد للصحة النفسية أيضاً بعضاً من الدراسات غير المضبوطة التى تشير إلى حدوث تحسن في أعراض اضطرابات القلق بفعل استخدام أنشطة الجري والتمرينات الهوائية، وحدوث تحسن في أداء الأوعية الدموية لدى المرضى معاقي النمو. كما تحسن الأداء عموماً، وتقلل من السلوك النمطي إلا أن تأثيرها يتوقف بانتهاء التمرين الخاضع للإشراف.

 

أما التقارير التى أوردتها عن دراسة الحالات في تجارب غير مضبوطة فقد أشارت إلى أن التمرين يخفض الإكتئاب والإثارة والهلوسة لدى مرضى الفصام. وتوصلت إحدى الدراسات إلى أن التمرين ثلاث مرات أسبوعياً لمرضى الهستريا التحولية أدى إلى تقليل استخدامهم للكرسي المتحرك. وأثبتت دراسة أخرى أن العلاج بالتمرين لمدة ستة أسابيع يعادل من حيث الفاعلية العلاج السلوكي المعرفي، كما وأنه أثبت فاعليته بالنسبة لمرضى الألم المزمن وإدمان الكحول والمخدرات.

 

دراسات عن العلاج بالاسترخاء

 

تقنية شولتز وجاكبسون للعلاج بالاسترخاء

Schultz, J.H. 1959, Autogenic Training: A Psycho-physiological Approach in Psychotherapy. Translated by W.Luther, New York and London: Grune & Stratton.

Jacobson, E. 1938,Progressive relaxation, Chicago: University of Chicago Press

وكان شولتز في عام 1920 قد طرح تقنية أطلق عليها اسم "الاسترخاء ذاتي التوليدautogenic training (AT)". وتعد هذه التقنية رائدة اشتقت أغلب الطرق النفسية الفسيولوجية عنها، وهى تمثل تقنية ذات أهمية للدراسة الحالية، حيث إنها تنطلق من مفهوم تكاملي للشخصية. تقنية ثانية، ترتبط هي الأخرى بتأسيس العلاج الاسترخائي انبثقت عن دراسات ادمون جاكبسون (Jacobson,1938) لطريقة "الاسترخاء التصاعدي progressive relaxation" التى تنبني على منظور فسيولوجي. بفحص التقنيتين المذكورتين لحظت الباحثة التشابه مع بعض التقنيات الموجودة في طقوس الزار وإن كان استخدامهما يتم بصورة عفوية.

 

يمكن النظر لتقنية شولتز بوصفها طريقة رائدة في التغذية الحيوية الراجعة لتقنيات الاسترخاء، وتم استخدامها في المجال الطبي. شدد شولتز في تقنيته على عنصرين سبق أن أشار إليهما أوسكار فوجت حيث قال بأنه للوصول إلى حالة التنويم بالإيحاء الذاتي autosuggestion يتم استخدام عنصرين هما الإحساس بالثقل والحرارة. المقصود بالثقل هو الارتخاء العضلي، في حين أن المقصود بالحرارة التوسع في الأوعية المحيطية، ويمثل العنصران، في رأي أوسكار، ركيزتا العملية التنويمية. استخدم شولتز، إذن، فكرة العنصرين الأوسكاريين وأضاف إليهما عنصراً أسماه "التركيز السلبي negative concentration" متوصلاً إلى توليفة جديدة تتلخص في خلق حالة من الانتباه السلبي والراحة.

 

ويقصد شولتز بالتركيز السلبي خلق مساحة لتلقائية اللا شعور بحيث يتاح للخيال مجال للتحرك. يتم الوصول إلى ذلك عن طريق تمرينات عقلية لها تأثيرات على وظائف الجسم. وتشمل تلك التمرينات جملاً لفظية ذات تأثير علاجي لخلق حالة من الدفء، وتمارين تعقبها للتأمل في الألوان والأشياء أو المفاهيم لخلق حالة من الانتباه السلبي الذى سيفضي بدوره إلى إرخاء السيطرة على الجسم، وإطلاق العنان للخيال والانفعال والذكريات. إنه استرخاء يتم الحصول عليه بإيعاز ذاتي التوليد. يكمن العنصر العلاجي في هذه التقنية في حدوث تغيير ذاتي وظيفي للعلاقات المتبادلة للقشرة الدماغيةوهو ما ينتج عنه زيادة للقدرات التنظيمية للجسم سواء كانت الإصابة للقدرات بالوهن بسبب عمليات عصبية أو نفس بدنية (سيكوسوماتية).

 

في حالة المقاربة بين عناصر تقنية شولتز وأحداث طقوس الزار يمكن ملاحظة الكثير من التناظر. فطقوس الزار تتميز بالإجهاد النفسي والبدني عبر التكامل والتواتر النمطي في الإيقاع، وكلمات الأغاني، ودعوات الشيخة "دستور يا أسيادي .. العفو والرضا يا أسيادي"، والألوان، وكل السياق الطقوسي ذي الطابع الرمزي. كل ذلك يؤدى إلى حالة من الانتباه السلبي أو هجرة من العالم الخارجي إلى عوالم داخلية تعقبها حالة من الوعي والغيبوبة التى قد توصل في النهاية إلى حالة استرخائية.

 

أما جاكبسون فإنه ينطلق من القناعة بأن الكثير من الأمراض المصحوبة بتوتر إنما تنتج من مشاكل اجتماعية - بالتالي - فإن التخلص من التوتر العضلي قد يقود، في رأيه، إلى المعالجة. ولذلك استهدفت تقنيته البعد الفسيولوجي للاسترخاء، مشددة على المركب العضلي العصبي، أي، بمعنى استرخاء الجهاز العصبي العضلي اللاإرادي. ويتم الاسترخاء من خلال تدريب للحس العضلي العصبي عن طريق تمرينات معينة. انطلاقاً من إدراك جاكبسون للعمل العضلي من خلال ثنائية انقباض - ارتخاء المتلازم مع توتر - ارتخاء، هدفت معالجته بالاسترخاء المتصاعد إلى حدوث استرخاء تتبعه راحة لقشرة الدماغ. ولتحقيق المعالجة لهدفها شدد جاكبسون على "قوة الخيال" وتأثيره على وظائف الجسم، وقام بالكثير من التجارب لاختبار قوة الخيال تلك تجريبياً. إذن، فجوهر تقنية جاكبسون تتمركز حول وعي المريض بتوتر عضلاته وسعيه لاسترخائها عبر تمرينات مصحوبة باستخدام الخيال مما يؤدي إلى استرخاء عضلي قد يشمل حتى العضلات الملساء (اللاإرادية).

 

هناك العديد من الدراسات التي قدمت بينات تدعم تقنية جاكبسون العلاجية. نذكر من بينها دراسة سانسبري وجيبسون (Sansbury and Gibson,1954)، ودراسة نديفير (Nidever,1959) والتي تمت فيهما الإشارة إلى أن أخذ عينة من العضلات (عضلة واحدة أو اثنتين) بعد الراحة التى تعقب الجهد المبذول، قد يمدنا ببينة عن درجة الراحة التى يحس بها الفرد. تم إظهار علاقة ذات دلالة بعد قياس نشاط عضلات معينة عن طريق التخطيط الكهربائي في حالات عيادية مثل الصداع، وآلام الظهر، والنشاط العقلي، والحالات الانفعالية.

 

أوضح جاكبسون من خلال تجربة أخرى أن الاسترخاء التصاعدي لعضلات الجسم قد يقلل إلى درجة كبيرة الضغطين الانبساطي والانقباضي. أجريت التجربة على مرضى مصابين بارتفاع ضغط الدم الأساسي وأظهرت انخفاضاً ملحوظاً في مستوى ضغط الدم عقب الاسترخاء التصاعدي، وبرهن على أنه وبزيادة شد العضلات وتوترها فإن ضغط الدم يميل إلى الارتفاع والتوتر برغم غياب التهيج العاطفي، وباسترخاء هذا الشد والتوتر فإن انخفاضاً يحدث في مستوى ضغط الدم (أي، انخفاض الانبساطي والانقباضي). وأشار ولبى (Wolpe,1985) إلى بحث لـ جاكبسون أشار فيه إلى وجود تناقص في مستوى ضغط الدم بلغ نسبة 66.66%، من عدد عينة تألفت من 90 فرد، وذلك بفعل التدريب على الاسترخاء.

 

دراستا هربرت بنسون

هربرت بنسون،1989، العقل والجسم، ترجمة محمد جابر، دار المامون، بغداد.

Benson H. 1975, The Relaxation Response, New York: William Morrou.

 

هناك أبحاث ذات أهمية معلومة بالنسبة لموضوعنا تمثلها أبحاث هربرت بنسون. هدفت دراساتبنسون إلى الربط بين علوم الطب والفسيولوجية وعلم النفس والطب النفسي؛ بهدف الكشف عن إمكانية تحوير الكثير من الممارسات الطبية لتعطي رعاية صحية أفضل، ومن أهم ما يشير إليه بنسون هو محاولة إيجاد مدخل للرعاية أكثر فاعلية بتبني بعد تاريخي. يعتقد بنسون بضرورة الموازنة المعقولة بين الممارسة الطبية التقليدية والحديثة لكي يبقي الناس أصحاء لأطول فترة ممكنة، ويحصلوا على أفضل علاج في حالة تعرضهم للمرض. ويرى بنسون أنه ولاستيعاب العناصر غير المحددة للعلاج الطبي ينبغي الأخذ في الحسبان الممارسات العلاجية خلال العصور وقبل ظهور الطب العلمي. فقد اعتمد المعالجون الدينيون في الثقافات التقليدية غير المعقدة بصورة مركزة على عوامل علاجية غير محددة. ويشير بنسون إلى أنه برغم الاختلافات الثقافية التاريخية الكبيرة فإن هناك تشابه كبير على ما يبدو بين الأدوار المعطاة للمعالجين المختلفين.

 

ويأخذ بنسون على الطب الحديث استبعاده بشكل واسع للعوامل العلاجية غير المحددة للطب التقليدي ... "تناسي الطب الحديث الممارسات غير المحددة التقليدية. فمن الصعب إثبات قيمة هذه الممارسات غير المحددة باستخدام طرائق حديثة مقبولة علمياً. وعلى كل حال فليس من الحكمة إهمال هذه العناصر العلاجية المفيدة لمجرد صعوبة بحثها". وعليه يرى بنسون انه ينبغي تشجيع الأبحاث التى تؤلف بين المفاهيم القديمة والحديثة كما ينبغي أن يكون هناك بحث مركز حول ممارسات العلاج والشفاء في الثقافات المختلفة. لكن بنسون يؤكد على أهمية اعتماد البحث على المبادئ العلمية الحديثة التى أثبتت نجاحها وأنه يتوجب بحث المشكلات الطبيعية كما تؤثر على الإنسان ككل لكي يصبح ممكناً فهم كيفية تفاعل الجسم والعقل.

 

ويشير بنسون إلى دراساته المختبريه التى قادت إلى استجابات نفسية هي استجابة الاسترخاء، ويرى أن هذا البحث متعدد المناهج يشمل دراسات للتفاعل بين الدماغ (علم النفس والعلاج النفسي) والجسم (الفسيولوجيا والطب) مشيراً إلى ان استجابة الاسترخاء قد تم استنباطها من خلال ممارسات وتقنيات سلوكية محددة ظهرت منذ قرون، وتشمل هذه الممارسات أربعة مضامين أساسية ضرورية لاستخراج الاستجابة والاسترخاء : وضع مريح، ومحيط هادي، وإعادة لعبارة دعاء أو لعبارة صوت، وتبني اتجاه مستسلم حينما تأتي الأفكار إلى الشعور، ويرى بنسون أن الاستجابة الاسترخائية التى تستثار بهذه السلوكيات المحددة هي نظير لاستجابة "قاتل أو أهرب" التى هي استجابة فسيولوجية لحاله الضغط. "وقد أظهرت استثارتها المتكررة أمراضاً مرتبطة بالضغط النفسي كارتفاع ضغط الدم. فاستجابة القتال أو الهرب تتصف بارتفاع فاعلية الجهاز العصبي السمبتاوي، أي، ارتفاع إفراز الأدرينالين والنورادرينالين. وفي الجانب الآخر فإن استجابة الاسترخاء مرتبطة بانخفاض فاعلية هذا الجهاز. وبتقليل فاعليات الجهاز العصبي السمبتاوي فإن استجابة الاسترخاء تعد مفيدة علاجياً في الأمراض المرتبطة بالشد النفسي، وقد تكون مفيدة كذلك في الحد منها. إن المداخل السلوكية، كاستخراج الاستجابة الاسترخائية وحين تزامنها مع الممارسات الطبية التقليدية يمكن أن تكون دوائر أكثر فاعلية للأمراض المرتبطة بالضغط النفسي".

 

وقد شكلت استجابة الاسترخاء النقطة الأساسية في أبحاث هربرت بنسون وممارساته الطبية على مدى ثلاثين سنة، ويقول بأن استجابة الاسترخاء تشير إلى قدرة الجسد على الدخول في حالة يمكن تحديدها علمياً بتخفيف إجمالي لسرعة الأيض في الجسم، وتخفيف ضغط الدم، وإنقاص معدل التنفس، وتخفيف سرعة النبض، وإبطاء موجات الدماغ. ويؤكد بنسون على حقيقة تهمنا بصورة مباشرة وهي ..." الوقع الأعظم لاستجابة الاسترخاء هي عندما تمتزج بالعامل الإيماني، وهو ما ينطوي على إظهار الاستجابة في سياق مجموعة من الالتزامات العميقة بالمعتقدات الشخصية أو الدينية أو الفلسفية".

 

دراسة محمد أيمن خير

"أثر الاسترخاء والرقية الدينية في علاج ارتفاع ضغط الدم الأساسي"، رسالة دكتوراة غير منشورة، قسم علم النفس، جامعة الخرطوم 1992.

 

في السودان قام محمد أيمن محمد خير بدراسة تناول فيها ايجابيات العلاج بالاسترخاء هدفت إلى اختبار تأثير الاسترخاء المصحوب بالرقية الدينية على مرضى ارتفاع ضغط الدم الأساسي. تكونت عينة الدراسة من 75 مريض شخصهم أطباء باطنيون. أجريت على 6 منهم تجربة الاسترخاء العضلي. كما تم تعليم المرضى طريقة استخدام الاسترخاء النفسي لممارسته في المنازل. وأجريت 53 جلسة علاجية لمجموعة الستة. أما المجموعة الثانية 69 طبقت عليهم طريقة الاسترخاء العضلي وذلك عن طريق جعلهم يستمعون تجيل أدعية مأثورة وآيات قرآنية، ودربوا على طريقة الاسترخاء النفسي المصحوب بالرقية (551 تجربة).

 

أظهرت نتائج اختبار (ت – T) لدلالة الفروق بين المتوسطات في المجموعات المرتبطة أن الفرق بين مستوى الضغط لحظة الوصول (للمستشفي)، وبين مستواه بعد إجراء الاسترخاء دال إحصائياً، ويسير في اتجاه متوسط الضغط في العاصمة المثلثة.

 

وكذلك أثبتت الدراسة وجود الفروق الدالة إحصائية بين مستويات الضغط لحظة، وبين مستويات الضغط بعد استخدام تقنية الاسترخاء والرقية معاً.

 

أظهرت الدراسة وجود فروق دالة إحصائية بين لحظة الوصول في الجلسة الأولى لحظة الوصول في الجلسة الأخيرة. وأظهرت المتابعة عدم وجود فروق دالة إحصائية.

 

وخلصت هذه الدراسة إلى وجود تحسن طويل المدى. وطالبت الدراسة بأهمية استخدام هذه الطريقة التى من شانها تطوير علاج ارتفاع ضغط الدم الأساسي، والتخفيف من الأعباء الاقتصادية على المريض والدولة معاً. بالإضافة إلى تجنب المريض الأعراض الجانبية نتيجة لاستخدام الأدوية الكيميائية المخصصة لعلاج ارتفاع ضغط الدم.

 

أشارت نتائج هذه الدراسة إلى أن 60% من أفراد العينة أحسوا بتحسن، وأن النسبة ارتفعت إلى 87.11 عند إضافة الرقية (الأدعية والآيات القرآنية).

 

تعقيب عام على نتائج تلك الدراسات

تمحورت تلك الدراسات التى تم تناولها على الكثير من المضامين التى تجد صدى لها في الممارسة الطقوسية للزار، بجانب الكثير من الفوائد العلاجية والسياق الرمزي والخلفية الثقافية الاجتماعية التى تؤدى فيها الممارسات، كما تعرضت الدراسات لنوعية الأمراض النفسية التى تصيب الممارسات والفوائد التى يتم الحصول عليها بتلك التقنية، ذات المقدمات الخرافية والسحرية .. ويمكن تلخيص أهم النتائج التي توصلت إليها تلك الدراسات فيما يلي:

 

أولاً: تؤسس الممارسة الطقوسية على دعامة ذات طابع اعتقادي وخرافي، وترتبط بخلفيات ثقافية واجتماعية؛ وتؤمن الأيديولوجيا المرتبطة بالممارسة للمريض النفسي، خطة عمل تدفعه للتخلص من الصراعات الداخلية لاستعادة توازنه الاجتماعي؛ كما أن الأجواء الطقوسية للزار تشتمل على نوع من التحييد للقيود الاجتماعية.

 

ثانياً: تعاني غالبية الممارسات للزار عموماً من أعراض شبيهة بالتفاعلات العصابية: هستيرية، واضطربات نفسية، وقلق، وأمراض سيكوسوماتية، وحالات نادرة من التفاعلات الاستحواذية القهرية.

 

ثالثاً: تدعم تلك الدراسات والأبحاث فرضية أن طقوس الزار تمثل شكلاً من أشكال العلاج الجماعي والسيكودرامي الذى يتم فيه الدمج بين أساليب مختلفة مثل الغناء، والطبول ، والإيقاع ، والرقص ، كما انه يحتوى على تعبيرات فنية يستخدمها مثل الملابس الشعبية ووسائل مسرحية تقليدية.كما أن حفل الزار الغنائي يكشف عن الصرع وحل الصراع والذي يمثل عنصر هام في كل دراما. وتحتوى هذه الطقوس على ممثلين (ممارسات) ومشاهدين، والشيخة هي بمنزلة المخرج المسرحي الذى ينظم كافة خطوات الحفل.ويتم في هذه الطقوس الاستخدام لكثير من العناصر المسرحية مثل الجمهور، عنصر الخيال، والتمثيل بحركات جسدية.وتحتوى طقوس الزار على مظاهر أكثر عمومية كفكرة الرمزية والطهارة، والوليمة المشتركة، بالإضافة إلى عنصر الغيبوبة، وبها أيضاً حبكة مسرحية. والحركات في هذه الطقوس تتميز بالإبهام وبطابع رمزي، وفيها كثير من الارتجال، ويمكن عده وفقا لفرضية سيلار دراما محلية تعكس الوضع الاجتماعي. فالحفل الطقوسي يمكن عده حدث مسرحي تتلاقى فيه جماعات عرقية مختلفة للتخفيف من حدة التوتر، وتتألف بنيته من تعبير سلوكي صريح، ومكشوف من خلال تقمص شخوص في الحركة والأداء واللبس والزينة. الممارسة الطقوسية فيها انطلاق للانفعالات المكبوتة، والممارسة لسلوكيات محظورة بالإضافة إلى الدعم الاجتماعي، كما يتم فيها الاستخدام لتقنيات ذات فائدة علاجية مثل استخدام التنويم الإيحائي، والتوحد، والإسقاط، والتماهي. وقد دللت معظم الدراسات والأبحاث على أن الممارسة الطقوسية يمكن عدها نوعاً من المعالجة ذات الفاعلية بالنسبة لأعراض تفاعلات القلق، والإكتئاب العصابي، بل حتى بعض الحالات الذهانية، والأمراض السيكوسوماتية؛ كما يلاحظ فيها الدمج لتقنيات علاجية نفسية مختلفة، واستخدام تقنيات الإثارة الانفعالية أكثر من التقنيات العقلانية. وأبانت تلك الدراسات والأبحاث أن الأجواء الطقوسية تتيح عملية التفكك أو الانشطار الذهني والتفريغ الانفعالي، وتحرر الفرد من الكوابح.

 

رابعاً: السياق الرمزي الذى تمارس فيه هذه الطقوس له أهمية واضحة ويرتبط بالتكوين النفسي للممارسات، وفيه تتجسد فكرة اجتياز العتبة الفاصلة بين المرض والعافية والصحة.كما أن الطقوس تعكس رمزية التفرقة بين الجنسين وعدم استقرار الحياة الزوجية والمناورة بالسلطة. وبمفاهيم الخير - الشر. المواد المستخدمة في هذه الطقوس من لبس وألوان وإيقاع وكلمات .. الخ. لها دلالة رمزية، تحفل بدلالات الفرح، والصلاح، الطهارة، والحماية، لذا يتم فيها استخدام كل أنماط نشاطات الأفراح، وتحمل رموز تواصلية ومعلومات عن المجتمع وعلاقات أعضائه وقيمهم وعاداتهم، إلى جانب الكثير من الدلالات الرمزية الدينية أو الغير دينية، وتحتوي على رمزية الصراع والتنافس والدعم بين النساء الممارسات، والعداء مع الجنس الآخر.

 

خامساً: أما من منظور العلاج بالحركة والرقص رغم أنه لا يحتوي على عامل حفز اعتقادي (مقدمات خرافية واعتقادية) فإن الدراسات والأبحاث دللت على أن فيه الكثير من الفوائد. أظهرت الدراسات بالعلاج بالحركة والرقص وجود الكثير من الايجابيات بالنسبة لعلاج مرض الإكتئاب، والضياع النفسي والسلبية، وبالنسبة للمرضى محدودي التواصل. فوق ذلك فقد تم التدليل على أنها ذات فاعلية في تدعيم مفهوم الذات، وتكسب الجسم حيوية واسترخاء لاستعادة ذكريات الماضي، وتساعد على الاحتكاك بالآخر، وتتميز بالتلقائية والحرية في الحركة والممارسة، وتساعد على إزالة الأعراض أو تسكينها، وفيها خيال نشط وحركات نابعة من أعماق اللا وعي (حركات تداعي حر). ويمكن عدها أكثر من مجرد حركات تفريغية لأنها أشد تماسكاً، وتبرز القلق والتوتر وذلك لاقترانها بتصورات، وفيها تركيز على الدواخل. يعكس العلاج بالحركة والرقص تجربة غير مدركة بالعقل، ويمكن أن تصبح هذه التجربة في متناول العقل الواعي، وتعطي الإحساس للممارس بأنه مشاهد ومحمي (held & seen)، كما يتم فيها التخلص من القلق في مساحات آمنة. الأمر كذلك فإن نتائج هذه الدراسات والأبحاث في مجال العلاج بالحركة والرقص تقدم معطيات ذات فائدة ملموسة بالنسبة لتقنية العلاج بالزار.

 

سادساً: أكدت تلك الدراسات والأبحاث على أن المعالجة بالمجهود البدني سواء من منظور رياضي أو بواسطة تمرينات اتسمت نتائجه بالإيجابية خاصة مع إضطرابات الرعب، ومعاقي النمو، كما أنها ذات قيمة صحية وغير مكلفة في وقت تنخفض فيه ميزانية الصحة النفسية (خاصة في البلدان النامية) وأثبتت أن لها فاعلية مع مرض الإكتئاب من خفيف إلى معتدل؛ كما أن الإجهاد البدني يخفف من الإثارة والهلوسة وله فوائد مع مرضى الهستيريا التحولية.

 

سابعاً: العلاج الاسترخائي له فوائد حيث أنه وفقاً لفرضية هربرت بنسون، يمكن أن تكون استجابة الاسترخاء، وتزامنها مع الممارسة الطبية التقليدية ذات فاعلية للأمراض المرتبطة بالضغط النفسي- بخاصة في حالة اقترانها بعامل اعتقادي.

 

وفي حالة المقارنة بين عناصر تقنية شولتز وجاكبسون للعلاج الاسترخائي وأحداث طقوس الزار تمت ملاحظة الكثير من التناظرات الشكلية والارتباطية .. فطقوس الزار تتميز بالإجهاد النفسي والبدني، وبشحذ للخيال والإثارة الانفعالية، والتواتر النمطي في الإيقاع، وكلمات الأغاني، ودعوات الشيخة (دستور يا سيادي .. العفو والرضا.. يا سيادي)، والألوان وكل السياق المفعم بالرمزية .. ذلك قد يؤدي إلى حالة من "الانتباه السلبي" و"شحذ للخيال"، وهجرة من العالم الخارجي إلى عوالم داخلية، قد تعقبها حالة من اللا وعي والغيبوبة التى قد توصل إلى حالة استرخائية يتم فيها التخلص من التوتر.

 

ثامناً: الجدير بالملاحظة أن معظم الدراسات التى أجريت في السودان للزار أشارت إلى أن أغلب الممارسات (المريضات) لهذه الطقوس هن من فئات عمرية متوسطة وشابة، ومن مناطق حضرية وريفية، وتعتبر نسبة المتعلمات منهن عالية في قطر ترتفع فيه نسبة الأمية.

 

المراجع

تريمنجهام، سبنسر، 2001، الإسلام في السودان، ترجمة فؤاد عكود، سلسلة المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

حسبو سليمان،1957، مقابلة صحفية مع جريدة الصحافة اليومية، الخرطوم 5/7/1957.

Ben Amos P.G. 1944, ‘The promise of greatness: Women and power in an Edo spirit possession cult’, in: T.D. Blakely, F.A. Van Beek and D.L. Thomason (eds.), Religion in Africa: Experience and Expression, Portmouth, New Hampshire: Heinemann

Berger Iris 1976, ‘Rebels or status-seekers? Women as spirit Mediums in East Africa’, in: Nancy Hopkin and Enda Bay (eds.), Women in Africa: Studies in Social and Economic Change, Stanford: Stanford University Press

Cloudsley A. 1983, Women of Omdurman: Life, Love and Cult of Virginity, London: Ethnographica

Lewis I.M. (ed.) 1966, Islam in Tropical Africa, London: Oxford University Press

Hall M. and Ismail B.A. 1981, Sisters Under the Sun: The story of Sudanese Women, London: Longman

Ismail A. 1991, ‘Neither friend nor foe: the Malam practioner-yan Bori relationships in Hausaland’. In: I.M. Lewis, A. Alsafi and S.M. Hurreiz (eds.), Women’s Medecine: The Zar-Bori in Africa and Beyond, Edinburgh University Press: 37-48

Samia el Hadi el Nagar 1975, ‘Spirit possession and social change in Omdurman’, Unpublished Msc. Thesis, University of Khartoum

Constantinides P.M. 1991, ‘The History of Zar in the Sudan: Theories of Origin, Recorded Observation and Oral Tradition’, in: I.M. Lewis, Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.), Women’s Medicine: The Zar-Bori Cult in Africa and Beyond . Edinburgh University Press: 83-99

Mohammed B.B. 1993, ‘The Sudanese concept of beauty, spirit possession and power’, Folklore Forum, vol.26: 66 ff

Zenkowski S. 1950, Zar and Tambura as practiced by the women of Omdurman, Sudan Notes and Records, vol. 31 (1)

Sharafeldin E.A. 1991, ‘The Zar: an African cult of healing in an Islamic context’, Paper presented to International Congress of African Studies, 11-14 Dec., Khartoum

Baasher A.T. 1962, ‘Some aspects of the history of the treatment of mental disorder in the Sudan’, Sudan Medical Journal 1, 44

Rahim S.A. 1991, ‘Zar among middle-age female psychiatric patients in the Sudan’ in: I.M. Lewis, Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.), Women’s Medicine: The Zar-Bori Cult in Africa and Beyond. Edinburgh University Press: 137-145

Hurreiz S.H. 1988, ‘Zar as Ritual Psychodrama’, Paper Presented to the Workshop on the Contribution of the Zar Cult in African Traditional Medicine, University of Khartoum 11-13 Jan

Boddy Janice 1988, ‘Spirit and Selves in Northern Sudan: The Cultural Therapeutics of Possession and Trans’, American Ethnologist 15 (1): 4-27

Kenyon Susan M. 1995, ‘Zar as Modernization in Contemporary’. Anthropological Quarterly, Vol. 68, Issue 2. p.107, 14P

Sansbury P. and Gibson J.G. 1954, ‘Symptoms of anxiety and tension and the accompanying physiological changes in the muscular system’, Journal of Neurology, Neurosurgery and Psychiatry 17: 216-224

Nidever J.E. 1959, ‘A factor analytic study of general muscular tension’. Doctoral dissertation (Psychology), UCLA.

 


 

 

الجهد المبذول ذو الطبيعة الراقصة

والانفعالات المصاحبة له في طقوس الزار

د. آمال النور حامد

 

 

 الجهد المبذول ذو الطبيعة الراقصة

 

"إن طبيعة الجسد لا يمكن أن تكون مفهومة ما لم ننظر للجسد ككل. وهذا هو الخطأ الكبير لأطباء عصرنا. إذ أنهم يفصلون النفس عن الجسد لدى معالجتهم للجنس البشري"

أفلاطون*

مقدمة

إن ثنائية العقل والجسدdualism قام بتدريسها أرسطو وأفلاطون، وتواصل البحث في كنه العلاقة بين الأحداث النفسية والفسيولوجية إلى أن جاء ديكارت في القرن السابع عشر ليقول بأن العقل يوجد خارج كيان الجسد. ويرى عالم النفس دونالد هيب بأن العقل هو نشاط الدماغ، في حين أنفيشباخ (1)، وهو من المنادين بضرورة تكملةالتقصي الفلسفي بالتجريب العلمي، كتب قائلاً بأن ديكارت "لم يكن في ظروف مواتية لدىتصدية لهذا الموضوع، ولم يكن يعلم أن مكنة الدماغ وبنيتة الأكثر تعقيداً والتي تقوم بصيانتها وبنائها الجينات والخبرة جنباً إلى جنب، وأن النسخة الحالية للدماغ هي نتاج ملايين السنين من التطور. وإذاعددنا العقل بمثابة مجموعة من العمليات الفكرية (وليس مادة أو روحاً) فانه سيكون يسيراً علينا مواصلة الدراسات التجريبية" (فيشباخ،5-4:2000). ولازال الجدل مستعراً حول تفهم حقيقة العلاقة بين العقل والجسد.

 

ولتعليل هذه الاختلافات ظهرت حقول في العلم مثل الطب النفسو- بدني psychosomatic حيث يسهم فيإعطاء خلفية ذهنية يرتبط بها العقل والجسد. وأهم فوائد الطب النفسو- بدني أنه وضح أن التفكير في ما قد يثير القلق والتوتر يؤدي إلى أمراض معينة، فقدتترجم المشاعر التى لم تجد منافذ للتعبير إلى إختلالات مختلفة مثل ارتفاع ضغط الدم أو عدم انتظام ضربات القلب..الخ. ولعدم تمكنالطب النفسي من تقديم إفادات أكيدة لتلك الاختلالات ظلت السيادة لدعاة انفصال الجسد عن العقل؛ إلا أن العلاقة التبادلية الوثيقة بينهما لا يمكن إنكارها بنظر المعرفة العلمية الحديثة. التفاعل بين العقل والجسد يظهر من خلال جملة فعاليات مثل العضلات التى مرجعها الإرادة؛ وهو ما عبر عنه جيللهورن ولووفبورو (Gellhorn and Loofbourrow, 1963:142-145) فالإرادة وفقا لرأيهم لا ترتكز على عمليات نفسية غير مادية لكنها تعتمد أكثر على فعل فسيولوجي حقيقي ملموس. وأعطوا مثالاً أنه في حالة خلو اليد من الأعصاب يسبب الشلل الحركي، على الرغم من أن الجهاز الحركي سليم، ستتطلب عودة العضو إلى سابق حركته جهداً جهيد من الإرادة، وبالتالي يتماثل العضو للشفاء. فالإرادة لا يمكن فصلها عنالعمليات الحسية الحركية والتي ترتكز عليها الحركات الإرادية؛ ويفسر هذا كيفية تحريك المعاق لعضو اصطناعي.

 

الاستجابة الانفعالية المتطرفة لها تأثيرات أيضاً على مجمل العضوية كما يحدث في بعض الطقوس الشعائرية التى قد تؤدي إلى الموت؛ فقد ناقش والتر كانون (Canon,1942:169-181) ظاهرة الموت الودونى(2) التى تأسست على دراسته التى أجراها للسكان الأصليين Aborigines "الموري Moari" في نيوزيلندا وعلاقتهم القائمة على اعتقاد روحي بزعمائهم، موضحاً أن الخرق لتلك القواعد الاعتقادية قد يؤدي إلى موت المنتهك متى ما أصبح واعياً بما اقترف (إنها قوة خيال هائلة من خلال رعب مركز). وعزا كانون ما حدث إلى هزة انفعالية عنيفة تقود إلى رعب مكبوت، ملاحظاً أن هذهالظاهرة تتجلى لدى الأشخاص الممسوسين إلى درجة يصبحون "غرباء مذهولين في عالم متوحش" على حد تعبيره. فالبيئة الاجتماعية لها أثرها على القيم الاجتماعية في عالم مبهم، فيه حرمان من الدعم الاجتماعي فيصبح الإنسان هدفاً لرعب يفوق الخيال "وفي عزلته فالأرواح التى يؤمن بها محيطة به من كل جانب تستطيع أن تسبب له أذىً فادحاً قديؤدي إلى فنائه". وهكذا فإن العلاقة بين الأحداث النفسية والعضوية شائكة ومعقدة ويهتم العلماء النفسيون المحدثون التجريبيون أكثر بدراسة العوامل التى تؤثر على السلوك أكثر من الاهتمام بالمعايير التى تحدد العلاقة بين الأحداث النفسية والفسيولوجية.

 

تقوم معظم المعالجات النفسية على قاعدة المحادثة بين المعالج والعميل، وعلى جلسات المقاعد المقيدة مع غياب الاهتمام بالجسم في العملية التحليلية في العلاج النفسي التقليدي. أما المعالجات التى تقوم على التعبير غير اللغوي فإنها تؤسس على قاعدة استخدام اللغة الفنية وسيلة للتعبير. وكان الفيلسوف التربوي جوي ديوي (182-179:1963) قد وصف هذه الأخيرة بأنها بمثابة تحرير للطاقة وتركيز وتهدئة لها في أشكال بناءة، وتحولها إلى خيال. ويضيف ديوي بأن الرغبات العاجزة تبني لنفسها عالماً يسمح بإثارة مؤقتة... وأن كل خيال هو دليل على أن الرغبات قد عُوقت وانه يتلمس طريقه للتعبير.

 

وكان كل من فرويد ويونج قد أدركا أهمية الجسم في التعبير عن خبايا اللا وعي، وحاولا تفهم هذه الخبايا عبر الأعراض والاضطرابات الجسمية. واعتقد فرويد أن بدايات اللا وعي تكمن جذورها في الجسم، ورأى في صورة الجسمنواة للأنا(Freud,1923). أما يونج (Jung,1960:124-125) فقد لاحظ في بداية ممارسته المهنية أنه قادر على التواصل والتفاهم مع مريضة مصابة بالانفصام schizophrenia عن طريق تقليد والانعكاس لإيماءاتها. وهى طريقة تم تطويرها لاحقاً من جانب المعالجين بالرقص أثناء معالجتهم لمرضى فصام مزمنين (Bernstein,1979). ورغم أن يونج لم يطور أفكاراً للمعالجة بالحركة بحسبانها شكلاً من أشكال الخيال النشط كما فعل المعالجون بالحركة لاحقاً، فإنه أبدى ملاحظة تشير إلى أن بعض المرضى يستخدمون الرقص التلقائي وسيلة تعبيرية عن اللا وعي.

 

أما في أدبيات المعالجة بالحركة والرقص فنجد أبعاداً جديدة ركز عليها المعالجون. فإلى جانب استخدام الخيال نجد التركيز على التعبير غير اللفظي من خلال الجسد وحركاته. ويرى برنشتاين (Brenstien,1986) أن هناك مفاهيم أساسية عامة في أغلب طرق العلاج بالحركة والرقص تقوم على أساس افتراض وجود ذكريات لا واعية وأحاسيس ودوافع تحتاج للتواجد والتكامل في الحيز الشعوري للفرد، كما وأن مكونات الرقص العلاجي يمكن أن تحتوي على رقص إيقاعي وحركة خلاقةأو إبداعية وتلقائية. كما يتم تحسين حركة رئيسة للاستفادة من تكررها بالإضافة إلى حركات جسمية لا واعية ورمزية مصحوبة بتمرينات استرخائية. ويشير برنشتاين إلى أن العلاج بالرقص والحركة فردياً كان أم جماعياً يهدف في معناه الواسع إلى التكامل الجسمي والعقلي والانفعالي وييسر النمو الانفعالي.

 

ويؤكد ليفي (Levy,1988) على رأى برنشتاين مشيراً إلى أن الذكريات اللا واعية والتي تكونت في مرحلة النمو السابقة لتعلم اللغة من صدمات جسمية يتم تخزينها في الجسم وتصبح في المتناول من خلال التعبير الحركي. من منظور المفهوم الشمولي للإنسان (عقلاً وجسداً) توجد صلة وثيقة تربط الانفعالات واللا وعي والجسم بالتجربة الجسدية، ويعتقد أن لها تأثير ايجابي على الانفعال والنمو المعرفي والأداء (Brenstein,1986 ; Espeank,1981). وأضاف باين (Payne,1992) بأن المعالجة بالرقص تظهر تعريفاً للذات بصورة أكثر وضوحاً.

 

ويتفق العديد من رواد المعالجة بالرقص على أن تاريخية كل إنسان تكون محفورة أو مرسومة في جسمه. كما وأن انعكاسات ذلك تظهر في تنفس الفرد، وفي خطوط جسمه، وفي عيونه، بل حتى في مشيته (Brenstein,1986 ; Levy,1988 ; Siegel,1995).

 

أما ميللر فيشير إلى أهمية اقتران التجارب الصدمية في الطفولة بثنايا الجسدوقالا بأن "الحقيقة عن طفولتنا مخزونة في أجسامنا، ورغم أنه من الممكن كبتها فإننا لا نملك القدرة على تغييرها. معرفتنا يمكن أن تخدع، وأحاسيسنا قد تضلل بالتطبيب، إلا أن الجسم سيدفع يوماً ما فاتورته" (Miller,1984). وقد أيد هذا الاتجاه فيجر قائلاً بأن "هناك صوت داخل اللحم..انه حديث الجسد، حديث يصعب تفسيره، وهو مكان الحديث الغامض الصامت" (Vigier,1994).

 

وناقش كل من سبيناك وبرنشتين فاعلية الحيوية واللعب في المعالجة بالرقص مشيران إلى أن هذين العاملين يمثلان نقتطين مركزيتين في تلك المعالجة ويمكن عدهما عاملين يساعدان في التوازن بين المظاهر المؤلمة والصعبة في العملية العلاجية (Espenak,1981 ; Brenstein,1986). ويرى سبيناك (ibid.) وآخرون (Levy,1988 ; Simonds,1994) أن تلك المعالجة تحتوي على جوانب فيها استرخاء لدفاعات الأنا من خلال التعبير التلقائي الذى يبيح لمعالم اللا وعي أن تصبح قيد التناول.وتم إطلاق مصطلح "التفريغ الجسمانى" على الحركة التلقائية في المعالجة بالرقص (Payne,1992 ; Schmais,1985 ; Simond,1994).

 

نحاول القاء المزيد من الضوء على الجهد المبذول ذو الطبيعة الراقصة في احتفالات الزار من خلال اختبار هذه الفرضيات القائلة بأن المعالجة بالرقص والحركة، من خلال وسيط جسماني مشحون بالانفعال والذكريات المحزنة، والأنماط الحركية، والاستخدام للخيال والتعبير التلقائي، تشتمل على تعبير عن وقائع حياتية.

 

 

تأثير الجهد المبذول على جسم الممارسة

ممارسة الزار الطقوسية يمكن عدها نوعاً من الممارسات الشعائرية إلى حد معلوم التى تتميز بالرقص الجماعي وبأنماط محددة من الحركات الإرادية واللاإرادية التى تنفذ بطرق محددة متنوعة تتسم بالتكرار والنمطية، وهى حركات لها مضمونها الرمزي في لغة الزار بوصفها لغة تواصل بين جماعة الزار، لغة يعتقد في طابعها السحري ووظيفتها استرضاء الأسياد ونيل العفو منهم والرضاء. فهي بهذا المفهوم ممارسة مدعومة بعوامل اعتقاد في فاعلية النهج العلاجي، وبعوامل حفز تزيد من الإثارة ومن الجهد المبذول من جانب كافة المشاركين الذين يبددون من خلالها قدر من الطاقة عبر أوضاع مختلفة ثابتة ومتحركة.

 

من بين الثوابت المتفق بشأنها أن كل جهد بدني يكون مصحوباً بإنفاق للطاقة على ثلاثة أوجه: طاقة حركية (ديناميكية) ينتج عنها حركة مرئية أو قابلة للملاحظة؛ وطاقة ثابتة (ستاتيكية) تنعكس في انقباض العضلات دونما حركة ظاهرة (3)؛ وطاقة ذهنية مرتبطة بالظواهر النفسية والوجدانية التى ينطوي عليها الجهد. من هنا يصبح جلياً أن العوامل التى تتسبب في الإجهاد هي، بصورة عامة، ذات طبيعة عصبية وكيمائية. فالطاقة الكيمائية في عملية التمثيل الغذائي metabolism تتحول إلى طاقة ميكانيكية (الطاقة الكيمائية المخزونة في روابط الطاقة)، أي، أنها تتحول إلى عمل ميكانيكي من خلال توسط نظام أنزيمي.

 

هناك، إذن، عدة عوامل يتأسس عليها الأداء الجسمانى. وكان أستراند وآخرون (Astrand and Kaare,197:6) قد حددوا تلك العوامل بناتج الطاقة energy outputللفرد والذي يحتوي على العمليات الهوائية aerobic processes واللا هوائية anerobic processes والوظيفة العضلية العصبية، أي، قوة العضلة وتكتيكاتها، وعوامل نفسية مثل الدافعية ووسائلهاmotivation factors and tactics.

 

انطلاقاً من هذه المحددات يتضح أن الأداء الجسمانى في طقوس الزار له شقان من حيث التأثير: فمن جانب هناك تأثير على الناحية النفسية والإدراك الحسي والمعرفي، وإثارة وحفز؛ ومن جانب ثانٍ تأثير على البيئة الداخلية، أي، الكيان العضوي. وكنت قد توصلت في دراسة سابقة إلى أن تأثير التغيرات الحيوية التى قد تحدث داخل الجسم تؤثر على الحساسية الباطنية للممارسة، وتؤثر الدورانات والأرجحة والتمايل واهتزازات الرأس يمنة ويسرة أثناء الرقص على حاستي الحركة والتوازن. كما وان الممارسة الطقوسية تفضي إلى إجهاد جسماني قد ينتهي إلى غيبوبة وفقدان للوعي. ثم تأتي من بعد ذلك مرحلة استعادة الراحة التى يسترخي فيها الجسم بما يسمح للآليات التعويضية استعادة ما فقده الجسم وإحداث التوازن مجدداً.

 

تتسبب الممارسة البدنية المصحوبة بالانفعالات المتباينة في طقوس الزار في تسارع وتيرة عمل الوظائف الكبرى في الكيان العضوي وذلك من خلال العضلات - أداة الحركة الرئيسة - والأعضاء المرتبطة بها والتى لها القدرة على زيادة معدل سرعتها إلى درجة أكثر من أي نسيج آخر. فالعضلات الفاعلة تتمكن من زيادة عمليات الأكسدة بمضاعفة قدرها خمسون مرة أكثر من العضلة في حالة الراحة (غير الفاعلة). يتم التزود بالأكسجين اللازم عبر زيادة سرعة التنفس الذى سيضاعف بدوره الإنتاج الحراري خمسين مرة أكثر من حالة الراحة 1 Kcal/min à 50 Kcal/min (انظر:Astrand and Kaare,197 :5 ). هذه الزيادة في الإنتاج الحراري تتطلب تدخل آليات تنظيم الحرارة في العضلات وذلك عن طريق إفراز العرق من الغدد العرقية عبر الجلد والجهاز التنفسي من خلال آليات التبخر والإشعاع والتوصيل (عبر الهيبوثلاموس ودوره في تنظيم الحرارة بتوسيع الأوعية الدموية).

 

ومعلوم أن هناك تناسب طردي بين زيادة وتيرة التنفس وسرعة الدورة الدموية. فزيادة وتيرة التنفس لتغطية الاحتياج للأوكسجين تتجلى في سرعة التنفس وسطحيته، وتتزامن مع سرعة الدورة الدموية التى ربما تكون أكثر من ثلاثين مرة من الكمية التى تمر خلال العضلة غير الفاعلة في أثناء المجهود الجسمانى(بيرون ودورثي،1987: 538).

 

هناك نوع آخر من التكامل الكيمائي تحققه الدورة الدموية التى تنشر أوعيتها في جميع أجزاء الجسم حاملة إليه المواد الكيمائية للتنقية والتنشيط (تتضمن افرازات الغدد الصماء) والتي تصب في الدم مباشرة فتذهب للعضلات والغدد وتستجيب في أنماط متكاملة من السلوك، كما تزداد وتيرة ضربات القلب دلالة على العبء الذى تتحمله مضخة القلب، وتقدم مؤشراً لمستوى التنشيط والإثارة العامة للكائن. ومعلوم أن توزيع الدم إلى أعضاء الكائن يتم عن طريق نوعين من الآليات هما نشاط القلب بوصفه مضخة، وانقباض الأوعية الدموية وانبساطها. من ثم فإن العمل المعتدل أو الإجهاد يؤثران على ضغط الدم الشرياني، وهو ما أكدت عليه تجربة أجراها بيرون ودورثي(مرجع سابق 540) بركوب دراجة المجهاد لمدة دقيقة. فقد توصلا إلى أن العمل الميكانيكي يتسبب في زيادة ملحوظة في الضغط الانقباضي في حين لا يتأثر الضغط الانبساطي بشدة. لكنهما أشارا إلى أن العمل الديناميكي الشاق ربما يؤدي إلى تغير في الضغط الانبساطي.

 

ويشير أستراند وكاري(Astrand and Kaare,197 :167) إلى أن الضغط الشرياني المتحصل عليه في شريان محيطي peripheral arteryفي حالة الراحة

mm120  Hg Systole

80mm  Hg diastole

والذي يمكن زيادته في أثناء المجهود البدني إلى

175mm  Hg Systole

110mm  Hg diastole

 

تأثير الجهد المبذول على نفسية الممارسة

تقوم الممارسة الطقوسية للزار على مبدأين، أولهما الاعتقاد في فاعلية المعالجة على يد شيخة الزار، وثانيهما الحركة الراقصة ركناً أساسياً فيها. فالحركة تقوم بها العضلات والهيكل العظمي والأربطة والأوتار والمفاصل والأعصاب المرتبطة بالعضلات. وهى من المكونات الأساسية في كتلة الجسم. من هنا يمكن القول بأنها تحرك كتلة ضخمة بكل تعقيدات عضويتها وتدخلها في حلبة الممارسة وصولاً بها إلى حالة إجهاد. الحركة هنا هي حسية جسمية تكمن فيها معاني خبروية، ومكونة من حركات مركبة متعددة قد يصعب وصفها بالتفصيل لكونها ذات طبيعة ديناميكية تتألف من تغيرات مستمرة في التوتر في كل نسيج عضلي للجسم ولها دلالة (على سبيل المثال الاهتزازات، والدورانات، والأرجحة، ورفع اليدين، والسجود، والضرب على الأرض). فقط يمكننا وصف الطبيعة الكلية للحركة والتغيرات التى تحدث في التوتر الحركي أثناء الممارسة وهو ما يتم وفق استجابة كلية من المريضة (الممارسة) في تلك الطقوس وفيها الكثير من الرمزية. من المعلوم أن استقبال الرسائل الرمزية يعد من أكثر الوظائف أهمية بالنسبة للإنسان. ويحمل الرمز معاني حسية عديدة ومدركات تم تحويلها إلى رموز ذات دلالة تفهمها جماعة الزار ولها أهدافها المحددة.

 

إن العضلات الإرادية واللاإرادية هي أساس الحركة الطقوسية، وتعمل في تفاعل ونظام معقد مع الجوانب العصبية وبقية العضوية. فالعضلات لها خلايا مميزة تحمل خاصة التمدد والانكماش وهى عبارة عن ألياف عضلية يمكن لأطراف الأخيرة الاتحاد مباشرة أو عن طريق تكوينات ليفية (أوتار) مع روافع عظمية تقوم بتحريكها. كما وأنها تشترك في تكوين الأنابيب والتجاويف (الأوعية الدموية والقلبية..الخ.) وتزيد أو تنقص في أبعادها وفقاً للاثارة (الحالة الارتخائية والانقباضية).

 

وتتميز العضلات بخواص هي: التهيج، أي الاستجابة للمثيرات (حرارية كهربائية عصبية أو ميكانيكية) وذلك بحدوث تغير في حالتها؛ والنقل والتوصيل للإثارة؛ وقابلية الانقباض؛ والمرونة. وتعمل العضلات الهيكلية أو الإرادية في الأحوال العادية بمنبهات تصدر من الجهاز العصبي المركزي. أما العضلات اللاإرادية (الملساء) فيمكنها أن تمارس نشاطها من إثارة عصبية خارجية واردة من الغدد الليمفاوية والمراكز العصبية، وكثيراً ما تمتلك القدرة على النشاط المتولد ذاتياً والمستقل نسبياً عن الجهاز العصبي المركزي (عضلة القلب). أما العضلات الإرادية ذات القدرة على الانقباض سريعاً ما تصاب بالتعب والإنهاك حين تعجز عن توفير الأكسجين اللازم أو حين تراكم الدين الأكسوجيني (انظر حكمت فرحات،11:1990). من ناحية أخرى فإن العضلات تتلقى تنبيهات عضيية تجعلها تحافظ على درجة من الانقباض تسمى بـ "التوتر العضلي السوي" (4).

 

إن الحركات التعبيرية في طقوس الزار هي في الغالب من نوع الحركات الإرادية ذات الطابع التكراري المستمر لعضلات هيكلية لمدى زمني يتزايد تبعاً لحرارة الإيقاع. ولعل دافعية الممارسات واعتقادهن تمنحهن حفزاً للاستمرار في بذل الجهد لفترات أطول. ويحدد عمر التومي الشيباني (1994) خصائص السلوك المدفوع بأنه غرضي وهادف وتلقائي ومستمر ومتواصل، كما أنه متغير ومتنوع ويتطلب تكيفاً كلياً، ويختلف باختلاف الأدوار والتنشئة الاجتماعية والجنس والمكانة الاجتماعية والثقافة.

 

معلوم أن طبيعة الفعل الإرادي تتحدد بثلاث شروط: نفسية واجتماعية وفسيولوجية. وكان عطوف ياسين قد أشار إلى أن الفعل الإرادي من الناحية الفسيولوجية يرتبط بالمراكز النفسية الحركية، والفص الشبيه بالمركزي، والتلفيف الجبهي الصاعد. ومن الناحية النفسية فإنه يرتبط بعوامل عاطفية وعقلية، مؤكداً بعدم وجود إرادة في حالة انعدام الرغبة والميل حيث انهما المحركان الرئيسان للإرادة مع وجود اعتبارات اجتماعية لا يجوز إغفالها (عطوف ياسين 27:1981).

 

ويرى ادواردز أن التعب العضلي "هو فشل وقتي في توليد الطاقة الدافعة ويمكن حدوثه لأسباب متنوعة تتفاوت من فشل الحافز العصبي neural drive إلى إعاقة نشاط الوصل الوظيفي للأكتوميوسين" (Edwards,1978). لكنه وبرغم الاختلاف في الأسباب الكامنة وراء التعب فإن سيمونسن يرى أن هناك وظيفة أساسية يشتمل عليها الاجهاد العضلي وتتمثل في :

(1) تراكم المواد الناتجة عن العمل مثل حمض اللاكتيك وحمض البيروفيك؛

(2) استنفاذ المواد اللازمة للطاقة من أدينوزين ثلاثي الفوسفات (ATP)AdeuosineTriphosphate، والفوسفوكرياتين C.P.:Creatinphosphate، والجيلاكوجين Glycogen؛

(3) حدوث تغيرات في الحالة الفيزيائية في العضلة مثل تغيرات كهربائية وتغير خاصة النفاذية في الخلية العضلية؛

(4) اختلال التنظيم والتوافق في مستوى الخلية حتى تنظيمات الأجهزة الحيوية سواء أكانت طرفياً أو مركزياً.

 

هناك عمليات أخرى يمكن أن تعد نوعاً خامساً وهى خاصة بانتقال الإشارة العصبية من النهاية العصبية إلى سطح الليفة العضلية (أي، عند منطقة اتصال الليف العصبي بالليف العضلي) ويتم هذا الانتقال عن طريق مادة تسمى أسيتيل كولين Acetylcholine ويؤدي استنفاذ هذه المادة أو تراكمها إلى حدوث التعب" (عمار عبدالرحمن قبع،79:1989).

 

وكان ميللر وآخرون قد أجروا دراسة لإشكالية التعب في حركات سريعة متكررة لعضلات ارادية، وأشارت تلك الدراسة إلى أنه وخلال القيام بتقلصات أو حركات إرادية سريعة ومتكررة للعضلات برز خلال الدقيقة الأولى لمثل هذا التمرين منخفض الشدة أن قلت سرعة الشد مصحوبة بطول فترة استطالة جهاز التخطيط الكهربائي للعضلة (EMG)electromyograph. وخلافاً لذلك فإن التقلصات المسببة كهربائياً إما أن تصبح أكثر سرعة (كاختلاجات أو تشنجات twitch) أو قد لا يحدث تغيير (كزازية tetanus) ويشير كل هذا إلى تعب مركزي الأصل. كما وأن هذه الدراسة أظهرت أن قياسات (5) 3IP NMRلأملاح الفوسفات عالية الطاقة تشير إلى أن العلاقة بين الهبوط في القوة القصوى والتغيرات في الفوسفات والأس الهيدروجيني (PH) (6) مع ذلك الناتج عن نظام التمارين العنيفة. ولهذا فإن الحركات السريعة تسبب التعب عبر آليتين أساسيتين: الأول يحدث انخفاضاً في زيادة الشد ينعكس كصورة ثانوية للتعب المركزي الأساسي؛ والثاني أن انخفاض قوة العضل يرجع أساساً إلى التغيرات في الأس الهيدروجيني أو إلى التغيرات في الفوسفات اللا عضوي، والتي تحدث عادة فقط بعد التمارين العنيفة غير السريعة (Miller et al.,1993).

 

في عام 1992 أجرى بيغ لاند رتشي وآخرون دراسة على درجة حرارة العضلة وسرعة التقلص ومعدلات انطلاق الخلية العصبية الحركية للإنسان أثناء الانقباض الإرادي. وأجريت الدراسة بمعدلات انطلاق الخلية العصبية الحركية ومؤثرات الانقباض الميكانيكي أثناء الانقباض الأقصى الإرادي لعضلات يد الإنسان. وبالمقارنة بين العضلات التى أرهقت بعد ستين ثانية من الانقباض العضلي الإرادي والعضلات التى تم تبريدها في حوالي 05 درجات مئوية، اتضح أن الخصائص الانقباضية، وعلى وجه الخصوص، معدلات الانقباض والاسترخاء قد تأثرت بصورة متشابهة في الحالتين. وعلى النقيض من ذلك نجد أن معدل انطلاق الخلية العصبية الحركية قد تأثرت بصورة مخالفة في كلتا الحالتين. ففي حالة التعب العضلي انخفض انطلاق الخلية العصبية الحركية بـ 36% كما هو متوقع من الدراسات السابقة ولم يحدث تغير يذكر في معدل الانطلاق عند تبريد العضلات لذا تم التوصل إلى نتيجة أن الانخفاض الانعكاسي الخاص بمعدل انطلاق الخلية لعصبية الحركية لم يتم بصفة مباشرة بفعل التغيرات في الخصائص الميكانيكية للعضل (Bigland et al.,1992). يستنتج مما سبق أنه في حالة التعب تنخفض معدلات انطلاق الخلية العصبية بينما لا يحدث تغير في الخصائص الميكانيكية للعضلة.

 

بالنسبة لمرحلة استعادة الراحة التى يسترخي فيها الجسم مما يسمح للميكانيزمات التعويضية بأداء وظيفتها لاستعادة ما فقده الجسم من طاقة، فقد أشارت دراسة أجراها مانزر لمنحنى التعويض بعد القيام بنشاط عضلي إلى أن متوسط التعويض بلغ حوالي 82% بعد مضي خمس دقائق من الراحة والاستجمام ليصل إلى 90% بعد مضي عشر دقائق، ثم إلى 95% بعد مضي عشرين دقيقة (براون،667:1961) ومن ثم فإن القدر الأكبر من التعويض (الكسب الأكبر) يتم خلال الخمس دقائق الأولى مباشرة وفق دراسة مانزر التى كانت قد أجريت على عضلات ارادية في المعمل.

 

إن الدراسات الثلاث السابقة ذات أهمية لموضوع الدراسة الحالية حيث أن طقوس الزار تتميز بالحركات السريعة والمتكررة المرتبطة بمفاهيم معتقدية وعوامل حفز وتنشيطمن خلال الموسيقى والطبول والبخور. هذه الجوانب الأخيرة ظلت خارج إطار الدراسات المعملية التى أجراها ميللر وزملاؤه، وكذلك التى قام بها بيغ لاند وزملاؤه، وتلك التى قام بها منزر والذين كانت الجوانب النفسية والاجتماعية للفعل الإرادي خارج دائرة اهتمامهم.

 

يحتوي السياق الذى يمارس فيه الأداء الجسمانى في طقوس الزار على منبهات حسية عديدة يتم إدراكها حسياً ووجدانياً. وتعد لندا دافيدوف (246:1988) الإدراك عملية تنظيم للمعطيات الحسية وتفسيرها والتي تصل إلينا عن طريق الأحاسيس لزيادة وعينا بما يحيط بنا وبذواتنا. فالإدراك يشمل التفسير وهو ما لا يتضمنه الإحساس. ويتطور الإدراك من شخص لآخر حسب الميول والقيم والثقافة والبيئة. ويؤثر الوعي في الإدراك ويختلف الناس في إدراكاتهم وأحاسيسهم تبعاً لتغيرات الجسم وحالاته في الإرهاق والمرض .. الخ. يتآزر في عملية الإدراك الحسي أكثر من جهاز فيزيقي وفسيولوجي، وساعد في ذلك قوى عقلية يمكن ملاحظة ظواهرها في حين تظل العديد من عملياتها مجهولة. ويصف على ماضي الإدراك بأنه "عمل تكون العوامل المكونة له متعددة، فهو يكون تارة مستقلاً عن الوعي أو يؤلفتارة أخرى حالة من حالاته النوعية والذاتية. ويتم تفسيره بطرق متعددة، وهو ظاهرة نفسية فسيولوجية" (1991:139). وقد تعمل التغيرات الفيزيائية والنفسية في الأداء البدني الممارس في طقوس الزار على استمالة الجسم. بالتالي، يحدث المثير أو المنبه تغيراً فيزيائياً أو كيمائياً قادراً على إحداث تبدلات فسيولوجية في العضد الحاس،

أولاً، من الوجهة الفيزيقية (الموجات الصوتية التى تحدثها كلمات الشيخة وكلمات الأغاني وضجيج الجمهور المشارك، إلى جانب الإيقاعات والبخور وما إلى ذلك)؛

وثانياً، وجه فسيولوجي في التغيرات التى تحدث في العضو الملتقط؛

وثالثاً، وجه سيكولوجي يشمل الظاهرة الفكرية التى تنجم عن الإثارة؛

وأخيراً، وجه ذاتي، أي، الترجمة الذاتية من قبل الممارسات لكل السياق الذى تتم فيه الممارسة، والتي قد تختلف من فرد لآخر حسب استجاباته، وقد تتحول الأحاسيس إلى ظواهر عقلية أو حالات نفسية ووجدانية.

 

قسم أحمد عكاشة (94-65:1980) الوظائف الحسية إلى حساسية باطنية، وحساسية باطنية خاصة، وحساسية مستقبلة للمنبهات الخارجية. ويرى بأن الحساسية الأولى الباطنية تتوقف على الحاجات العضوية (أي، على مشاعر من امتلاء وإفراغ، وزيادة ونقصان في بعض المواد الكيمائية في الدم أو السوائل العضوية) ومن مظاهر هذا النوع من الحساسية التعب وما يعتري النفس من ضيق وتقلبات مزاجية..الخ. والحساسية الثانية الباطنية الخاصة فهى أكثر تميزاً من الحساسية الحشوية إذ أن لها أعضاء خاصة لاستقبال التنبيهات، وتوجد في العضلات والأوتار والمفاصل بالإضافة إلى وجودها في الجزء التنبهي أو التوازني في الأذن الداخلية. وتنقسم هذه الحساسية إلى حاسة الحركة التى تتأثر بالضغط والجهد والمقاومة والتعب، وبالأطراف وحركاتها من حيث المدى والاتجاه والسرعة بالنسبة لوضع الجسم ومع بعضها البعض؛ وإلى حاسة توازن تعتمد على أحاسيس متعددة تصدر من الجلد والعضلات والعيون ومن جزء من الأذن الداخلية يسمى القنوات الهلالية التى تمتلئ بالسوائل وتتأثر بحركة الرأس.

 

أما الحساسية المستقلة للتنبهات الخارجية فتمثلها الحواس الخمس، والتي يمكن أن تتفاعل حسياً مع الأجواء الطقوسية من ملابس وألوان وإيقاعات وحركة وبخور.. الخ. ويتميز هذا الإحساس بشروط مسبقة لا بدَّ من توفرها حتى يصبح منبهاً وذلك في اختلاف أوجه التنبيه باختلاف حالة الفرد من صحووتعب أو اتجاه فكري. كما يختلف هذا الإحساس باختلاف الأحاسيس السابقة أو المصاحبة. ويؤدي تكرار التنبيه، غض النظر عن التغير في الشدة أو الوتيرة، إلى فقدان القدرة على التنبه.

 

وبما أن هذه العوامل في مجملها تجد حضوراً لها في ممارسة الزار الطقوسية، فإنه يجوز القول بأن هنالك عوامل عديدة تؤثر على الممارسة من الناحية الحسية الإدراكية. وقد تتشعب تأثيرات تلك العوامل الحسية الادراكية إلى درجة قد تؤدي معها إلى حدوث حالات من فقدان الوعي أو انشطار بنيته.

 

الأمر كذلك قد يكون منطقياً طرح فرضية أن الممارسة الطقوسية للزار تؤثر على المريضة (الممارسة) جسمانياً ونفسياً. معلوم أن الكيان العضوي يخضع لهيمنة الجهاز العصبي بكل فروعه. فقد أنشأ بافلوف مبدأ سيطرة الجهاز العصبي (المركزي والطرفي المستقل) على كل الجسم. ومبدأ الـ nervism هو الذى يقول بأن الجهاز العصبي، سيما أقسامه العليا، يؤلف الأداة التى تربط أجزاء الجسم ببعضها الآخر من جهة، والجسم بأسره بوصفه كياناً متماسكاً بالبيئة الاجتماعية والطبيعة المحيطة، وهو الأساس الفسلجي لجميع مظاهر السلوك. ويعتبر بافلوف الجهاز العصبي بأكمله مرتبطاً بنشاط نصفي الكرة المخي (النصفين الكرويين) بجانبيه الاثاري والكفي بصورة خاصة بقانونين هما : (1) قانون الانتشار وتجمع الاثارة والكف؛ (2) وقانون استثارتهما المتبادلة. ومن ثم تحدث عملية الكف بفعل العمل المتواصل الذى تمارسه الخلايا المخية أثناء اليقظة، ونتيجة لاستجابتها العالية ورقة تركيبها وسهولة تعرضها للاجهاد. كما أن عمليةالكف ترتبط ارتباطاً جدلياً بالإثارة مما يشكل حماية للخلايا من الإعياء. والأمر كذلك فإن السلوك يعتمد على عمليتي الكف والإثارة من جهة، وعلى تكيف كل منهما مع مختلف العمليات البيئية من جهة ثانية، ويرى جعفر نوري بأن الإثارة والكف تتصفان بثلاث مزايا : القوة، والتوازن، والديناميكية (جعفر نوري،1978).

 

طالما أن السلوك يخضع في مجمله لارتباطية جدلية من الإثارة والكف سواء لإشباع، أو تحقيقاً لأهداف، فربما يحدث هذا عن طريق ممارسة الزار التى تزخر بأنواع الإثارة وتتميز بالإجهاد والتفاعل البيوكيمائي المستمر بين الأجزاء العضلية والعصبية من خلال الحركة والانفعال، والذي قد يعمل نظاماً معقداً للتغذية الحيوية الراجعة مما يؤدى إلى حالة اخمادية أو إلى فترة تعويضية لإحداث نوع من التوازن النفسي والجسمي. من الناحية العضوية، وفقاً لأدلة كانون وآخرون، فإن الإخلال بتوازن البيئة الداخلية إنما يرجع لأحد العوامل التالية: ارتفاع درجة الحرارة في الجسم؛ أو الهبوط في نسبة السكر؛ أو التغير في توازن القاعدة الحمضية للدم صعوداً أو هبوطاً؛ أو تغير في مستوى الكالسيوم، الشئ الذى يعني أن أقل قدر من التغير في الحالة الفسيولوجية والكيمائية قد ينال من قدرات الكائن الاستقبالية أو الارجاعية مما يؤثر على سلوكه (براون،955-964:1961).

 

إمكانية حدوث تغير في نسب الكالسيوم الذى له تأثير على آلية ارتخاء العضلات وانقباضها، حقيقة أكد عليها أستراند وآخرون مشيرين إلى أنه "في حالة استرخاء العضلات لا يتم تحرر ايونات الكالسيوم، وفي حالة إضافة تلك الايونات فإن العضلة تنقبض لأن ايونات الكالسيوم ضرورية لتكوين جزيئ الاكتوميوسين"(Astrand and Kaare,197 :32) (5).

 

حالة أخرى تستوجب التوقف عندها فمن الناحية العصبية العضلية فإن الفترة التى تعقب الممارسة العنيفة ربما تؤدي إلى حدوث استرخاء للتوتر العضلي بعد الإجهاد والتوتر الذى تعرضت له المريضة (الممارسة) على الصعيدين البدني والنفسي. هذه هي الفكرة التى تمحورت حولها طرق العلاج بالاسترخاء باستخدام مفاهيم الراحة والاسترخاء المستندة على المفاهيم المرتبطة بالتوتر العضلي سواء تقنية الطرق الكلية من منطلق العلاج النفسي مثل طريقة شولتز بشأن "التدريب الذاتي" (Schultz,1959) حيث يقدم تمارين فسيولوجية وعقلانية مدروسة بعناية ومصحوبة باستخدام الخيال بغرض إحداث تفكيك عام للجسم واسترخاء. وأيضاً أعمال ادمون جاكبسون التى تنطلق من التعرف على العلاقة بين الجهاز العضلي العصبي والاسترخاء بعد أداء تمرينات يلجأ فيها لاستخدام الخيال مع قياس النشاط الكهربائي للعضلات الهيكلية، وسميت تلك بالاسترخاء المتدرج. هذا وقد وفرت دراسات لاحقة دعماً لهذه الطريقة (سيتم تناول هذه الدراسات الحديثة في ورقة لاحقة). وأشار جللهورن ولووفبورو (Gellhorn and Loofbourrow,1963:272) إلى أن ارتخاء العضلات الإرادية، غض النظر عن التقنية المستخدمة فسيولوجية كانت أم صيدلانية، يؤدي إلى تضاءل الأعراض العصابية.

 

هوامش

* نقلاً عن عبدالفتاح محمد دويدار، 9:2000

(1) Gerald D.Fischbach رئيس قسمالبيولوجياالعصبيةفيكليةهارفارد الطبية. وعضو في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم. وعضو في أكاديمية العلوم في المعهد الوطني للطب.

(2) الودونية Voodoo,or Vodu، وهى تشكيلة من الممارسات الدينية يعتقد أنها تأصلت في أفريقيا مثل أسلوب تقديس القدماء. وغالبا ما دعيت بالسحر الأسود ويعتمدون وسائل الغثيان والإغفاءات للاتصال بالآلهة. وعلى العموم فإن هذه العبادات تصور وكأن أرواحا تمارستأثيرات سلبية أو أن أرواحا تمارس تأثيرات سلبية أو ايجابية على الفرد المعتقد فيها. وتمارس بصورة رئيسة في أفريقيا وفي هايتيوأمريكا الجنوبية وجزر الكاريبي. ووجدت أنماط مشابهة في أستراليا وجزر مختلفة في المحيط الهادي.

(3) يطلق مصطلح "الطاقة الثابتة" على النشاط العضلي الذى يحدث بدون حركة ظاهرة، ويقوم على أساس تثبيت الجسم في أكثر حالاته ملاءمة لتنفيذ الحركات الفاعلة (جلوساً أو رقوداً أو سجوداً أو جلوساً قرفصائياً) ويتم فيه إنفاق طاقة من خلال المحافظة على هذا الوضع وهو ما يؤدي إلى استهلاك للطاقة مع ما يصحبه من تعب.

(4) التوتر العضلي السوي : هو انقباض فسيولوجي خفيف في العضلات، وتتم المحافظة المحافظة على التوتر السوي عن طريق سوائل عصبية يتم تنظيمها بطريقة غاية في التعقيد.

(5) 3IP NMRطريقة معملية لقياس تغير أملاح الفوسفات المتبوعة بتغير في معدلات الطاقة.

(6) PH مصطلح يدل في حالة إذا ما تلاه عدد، على تركيز شاردة الهيدروجين السائل hydrogen ion concentration وبتحديد أكثر فإن 7.0 PHيعني تركيز متساو لكل من شوارد الهيدروجين hydrogen ion بشوارد الهيدروكسيل (OH) ولذا فإن 7.0 PH تعني أيضاً أن السائل متعادل في التفاعل، أي، لا هو بالحمضي ولا بالقلوي.

 

المراجع

فيشباخ، د. ج.،1994، العقل و الدماغ، الترجمة العربية لمجلة العلوم الأمريكية، المجلد 15، العدد 5، مايو 1994، ص 4-15.

جون ديوى،1963، الطبيعة البشرية والسلوك الإنساني، ترجمه وتقديم محمد لبيب النحيحى، مؤسسة الخانجى، القاهرة.

بيرون شوتيليوس ودورثي شوتيليوس،1987، علم الفسلجة، ترجمة محيسن حسن عداي وفؤاد شمعون حنا، ج 1، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة الموصل.

حكمت عبدالكريم فرحات،1990، فيزيولوجية  جسم  الإنسان، مكتبة  دار الثقافة  للنشر والتوزيع، الأردن، عمان.

عمر التومى الشيبانى،1994، مناهج البحث الاجتماعي، المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس.

عطوف محمود ياسين،1981، دراسات سيكولوجية معاصرة، مؤسسة نوفل، بيروت.

عمار عبدالرحمن قبع،1989، الطب الرياضي، جامعة الموصل، بغداد ، ص 79.

براون، أ.و،1961، مناهج البحث في علم النفس، ج 2، دار المعارف، القاهرة، ص667.

ليندا دافيدوف،1988، مدخل إلى علم النفس، مطابع دار الهندسة، القاهرة.

على ماضى،1990، النفس البشرية : تكوينها  واضطراباتها و علاجها، دار النهضة العربية، بيروت، ص 78.

احمد عكاشة،1980، علم النفس الفسيولوجي، ط 5، دار المعارف، القاهرة.

جعفر نوري،1978، طبيعة الإنسان في ضوء فسلجة بافلوف، مكتبة التحرير، بغداد.

Gellhorn E. and Loofbourrow G.N. 1963, Emotions & Emotional Disorders: A Neurophysiological Study, New York: Harper & Row Publishers.

Canon W.B. 1942, 'Voodoo Death', American Anthropologist 44:169-181.

Freud S. 1923, The Ego and The Id, New-York: Random-House.

Jung C.G. 1961, Memories, Dreams and Reflections, New-York Random House.

Bernstein P.L. 1979, Theoretical Approaches In Dance Movement Therapy, vol.I, Dubuque: Kendall / Hunt.

Bernstein P.L. 1986, Theoretical approaches in Dance-Movement Therapy, vol.I, Dubuque,IA Kendall/Hunt.

Levy F.J. 1988, ‘Dance movement therapy: A healing art’. In: V.A. Reston, The American Alliance for Health, Physical Education , Recreation and Dance.

Espenak L. 1981, Dance therapy: theory and applications, Springfield: IL: Thomas.

Payne 1992, Dance movement therapy: Theory and practice, London: Routledge.

Siegal E.V. 1995, ‘Psychoanalytic dance therapy : the bridge between psyche and some’. American Journal of Dance Therapy 17: 115-128.

Miller A. 1984, Thou shalt not be awrw: Society’s betrayal of the child (Translated by H.Hannum & H. Hannum). New York: Farrar, Straus Giroux.

Vigier R. 1994, Gestures of genius: women, dance and the body, Stratfordm Ontario: Mercury Press.

Simonds S.L. 1994, Bridging  the silence : Nonverbal modalities in the treatment of adult survivors of childhood  sexual abuse. New York: Norton.

Schmais C. 1985, ‘Healing processes in group dance therapy’, American Journal of Dance Therapy 8.

Edwards R.H.T. 1978, ‘Physiological Analysis of Skeletal Muscle Weakness and Fatigue’, Clinical Science and Molecular Medicine 55: 1-8 .

Miller. R.G., R.S. Missives A.T. Green and P.J. Weiner 1993, The Fatigue of Rapid Repetitive Movements. Department of Neurology. California. Pacific Medical Center. San Francisco.

Bigland, R.C.K., Thomas. C.L., Rice. J.V. and J.J. Woods 1992, Muscle Temperature. Contractile Speed, and Motoneuron Library Firing Rates During Human Voluntary Contradictions. John B. Bierce Laboratory New Haven.

Schultz J.H. 1959, Autogenic Training: A Psychophysiological Approach in Psychotherapy. Translated by W.Luther, New York and London: Grune & Stratton.

Gellhorn E. and Loofbourrow G.N. 1963, Emotions & Emotional Disorders: A Neurophysiological Study, New York: Harper & Row Publishers.

 

 


 

 

الانفعالات المصاحبة في طقوس الزار

د. آمال النور حامد

 

"ليس الذى ينفعل هو النفس أو الجسم بل الإنسان"

                                            أرسطو *

  مقدمة

هناك عوامل شتى تؤثر على الممارسة السلوكية في طقوس الزار من بينها الجهد الجسمانى المبذول ذو الطبيعة الراقصة، إلى جانب المنبهات الحسية التى تغمر أجواء الطقوس في سياق رمزي، ممارسة تدثرها كثافة عالية من انفعالات شتى سلبية وايجابية، يمكن وصفها بأنها تنبع من دافعية انفعالية مكتسبة لها جانبها الإدراكي والاجتماعي، ومصحوبة بعوامل حفز متنوعة، واعتقاد راسخ بجدوى الممارسة؛ انفعالات مستخدمة لغة الجسد باحثة عن الإثابة وذلك برضا الأسياد، وهروباً من غصبهم؛ ممارسة قد تقود بعنفها المميز إلى درجة فقدان الوعي والدخول في عيبوبة. سبق أن أشرت في دراسة سابقة إلى أن الانفعالات في طقوس الزار هي نوع من الانفعالات التى تذود الممارسة بدوافع إرادية تدفعها إلى مواصلة الرقص، وذات قيمة تعبيرية. ومن جانبٍ آخر قد تضعف من إرادة الممارسة وقوتها النقدية وتساعد على تشتت ذهنها مما يجعلها عرضة للخضوع للإيحاءات الذاتية وإيحاءات الشيخة.

 

تتميز الطقوس بوجود منبهات حسية عديدة لها  تأثير إدراكي من جانب، و وجداني من  جانب آخر كما أن التكرار والنمطية والرتابة في الإيقاع والأغاني وصخب جماعة الزار يمكن أن تؤدى إلى تكيف حسي مما يؤدي إلى تحويل وعي الممارسة من البيئة الخارجية الواقعية إلى بيئتها الداخلية مما يجعلها عرضة للحرمان الحسي والوقوع في حبائل الإيحاء. فالانفعال والجهد المبذول متغيران لهما أهميتهما في طقوس الزار. التعبير الإنفعالي يستخدم لغة الجسد وسيلة للتعبير وهى لغة غير ناطقة وأكثر عمومية، شعورية ولا شعورية، والأكثر صعوبة للفهم كونها "لغة تستخدم  بشكل لا شعوري وتعبر عن الجوانب الأكثر حقيقة من ذواتنا... مشاعرنا انفعالاتنا وحاجاتنا واتجاهاتنا .. وهى الأكثر أهمية في العلاقات الشخصية" (جلين ويلسن،167:2000)

 

الانفعالات: تعريفاتها  والتغيرات  الفسيولوجية

تعددت التعريفات للانفعالات مع انعدام الاتفاق على تعريف أساسي لطبيعة المفهوم. نعلم أن الانفعالات تستثار عن طريق طائفة متنوعة من أنماط المثيرات فطرية ومتعلمة  ومواقف اجتماعية مختلفة. ذهب البعض لتعريفها من وجهة ذاتية، أي، وفقاً لإحساس الفرد بينما رأى البعض الآخر التركيز على التغيرات البدنية (خارجية وباطنية)، في حيت تؤكد غالبية الباحثين على الاستجابة بوصفها العنصر الرئيس في الانفعال. اهتم آخرون بإدراك الموقف الذى يستثير الانفعال وآثاره على السلوك. وعرفتها ليندا دافيدوف (480:1988) بأنها حالات داخلية تتصل بجوانب معرفية خاصة وإحساسات، وردود أفعال فسيولوجية، وسلوك تعبيري معين، وتنزع للظهور فجأة ويصعب التحكم فيها. وبعد أن فحصت ليندا دافيدوف طبيعتها صنفتها في ثلاث حالات : القلق، والغضب -العدوانية، والابتهاج. أما هنرى مورى فقد عرفها بأنها عبارة عن استجابات فسيولوجية وسيكولوجية تؤثر في الإدراك والتعلم والأداء، ويعدها صنفاً من الدوافع ويقول بأن الانفعال هو عبارة عن دافع تمت استثارته من الخارج وتصاحبه تغيرات بدنية هامة. ويركز جورج ميللر (انظر: عبدالرحمن عيسوي،61:1974) على الخبرة والتغيرات الجسدية والسلوك (خبرة ذات شعور قوى، غالباً ما تصاحبها تغيرات جسدية مثل تغير الدورة الدموية، والتنفس، والعرق، وفي الغالب ما تصطحب أعمال قهرية عنيفة ويعدها مقابلة للهدوء والاسترخاء. ويركز سانفورد (انظر:عبدالرحمن عيسوى، مرجع سابق: 62) على تعقد الاستجابة الانفعالية وتداخلها مع السلوك.. "الانفعال هو استجابة معقدة يتضمن خبرة شعورية واستجابات داخلية وخارجية، ويمكن أن يسهل أو يعرقل السلوك المدفوع". هكذا يتضح تعقد العملية الانفعالية التى تصاحبها الخبرة ويستجيب الفرد لها بكليتة. ويتفق العلماء النفسيون من الناحية الجسدية على حدوث تغيرات في الكيان العضوى، ومن الناحية النفسية هناك حالات من الإثارة تمتاز بقوة الشعور والرغبة في عمل سلوك معين.

 

أما عن النظريات التى تناولت مسارات الانفعالات فقد بدأت تبلور بعض الملامح التى قد تؤدي إلى معرفة تامة لما تحدثه الانفعالات ومساراتها. فالتراكم في أدبيات دراسة الانفعالات القائمة على ملاحظة النمو الانفعالي في الأطفال، ومن الدراسات التجريبية على الحيوانات، والإصابات التى تصيب بعض أجزاء الدماغ تكونت الكثير من النظريات. أدناه يتم التعرض لبعض النظريات التى شكلت الأساس النظري للانفعالات ومساراتها.

 

سادت في الفكر الفلسفي حتى القرن التاسع عشر فكرة أن خبرة المرء للانفعال هى خبرة شعورية تتبعها التغيرات البدنية. شكك وليم جيمس في نهاية القرن التاسع عشر (انظر: ادوارد موراى102:1988) في هذا الرأي مشيراً إلى أن الخبرة الشعورية تعقب الاستجابة البدنية، بمعنى أن الانفعال هو  في الحقيقة إدراك للتغيرات في النشاطات الحشوية والعضلات الهيكلية، بمعنى آخر، الانفعالات هي نتيجة أكثر من مسبب للاستجابة الحشوية (1). تعرضت تلك النظرية لانتقادات ومن كبار نقادها والتر كانون (Cannon,1927) الذى قدم تلخيصاً للأدلة التى تبين أن الحيوانات التجربية والمرضى الذين تعرضوا لبتر الاتصالات العصبية بين الأحشاء والدماغ ظلوا يظهرون الغضب والخوف وغير ذلك من الاستجابات الانفعالية واقترح تفسيراً بديلاً للانفعال والتغيرات الجسدية وتلك هي النظرية الثلاموثية التى اقترحها بارد، وأصبحت تعرف بنظرية "كانون - بارد" في الانفعالات وتذهب إلى أن العمليات العقلية والمخ لا بدَّ أن يسهما في الانفعال. حينما يواجه الإنسان موقفاً مثيراً للانفعال فإن الشحنة العصبية تسرى في المهاد Thalamus والبعض منها يذهب إلى القشرة الدماغية cerebral cortex، حيث ينشأ الشعور بالخوف أو الغضب أو السعادة. بينما يذهب البعض الآخر إلى ما تحت المهاد hypothalamus وتكوينات المخ الأوسط، حيث مركز التغيرات الفسيولوجية، فالانفعال هنا والاستجابات الفسيولوجية يتمان في الوقت نفسه. وبهذه الطريقة تحدث حالات التحفز المتشابهة استجابة لمختلف أنواع الاتصالات. لكن العمليات التى تحدث في القشرة الدماغية هي التى تمكننا من تحديد لماذا نشعر بتلك التغيرات الفسيولوجية. هذه النظرية وصفت  بالبساطة المفرطة لكن رغم ذلك فقد تأسست عليها أغلب النظريات اللاحقة.

 

وطرح بابيز Papez,1937)) مسألة مشاركة الجهاز الحوفي limbic system في التحكم في الانفعالات. ووصف بابيز دوائر عصبية ارتدادية بحسبانها الأساس العصبي للانفعال. وتشمل مكونات المخ الوسيط (أو الأوسط) في دائرة بابيز circuit of  Papez تحت المهاد، ونويات المهاد thalamic nuclei، والتلفيف الحزمى cingulate gyrus، وفرس البحر  hypocampus، والروابط  بينها. وقد وصف بابيز هذه المكونات بأنها تشكل ميكانيزماً متجانساً من شأنه أن يحسن أداء الانفعالات المركزية وأن يشارك  كذلك في التعبير الانفعالي. واعتبر أن نظريته تتوافق مع نظرية  كانون - بارد.

 

وطور ماكلين (MacLean,1958) نظرية بابيز بافتراضه بأن الجهاز الحوفي يستخدم كدماغ حشوى visceral brain ويعنى به أن وظائف الجهاز الحوفي  ليست  مقصورة على الأعضاء الداخلية ولكنه هو عضو يقوم بتفسير التجربة على أساس  الإحساس feeling  أكثر من تفسيرها على أساس لغة رموز معرفية Intellectualized symbols والتجربة التى يفسرها في شكل معلومات تم تلقيها من أحشاء البدن، والتي يبدو أنه يقصد بها كل بنيات الجسد البدنية والحشوية somatic visceral، وأشار إلى أن الدماغ الحشوى له موقع استراتيجي في الربط بين كل أشكال الإدراك الخارجى والداخلى. لذا سميت النظرية الفسيولوجية الشاملة لبابيز Papez theory of emotion and visceral brain وتبرز أهميتها في كونها توضح مسارات الانفعالات كما ترى أن الشعور والسلوك تم تفسيرهما على أساس دوائر وألياف عصبية في بعض المراكز العليا في المخ.

 

وافق العالم  ليندسلى ( (Lindsley,1951على نظرية كانون وبارد ووسعها بافتراضه أن الهيبوثلامس هو المصدر الأول في تنظيم السلوك الانفعالي، لكنه أكد أنه لكي يقوم الهيبوثلامس بوظيفته يجب أن يكون تحت تأثير النشاط المتواصل للجهاز  الشبكي reticular formationفي جذع المخ الذى يستقبل المعلومات الحسية ويعمل مصفاةً لمرور أو عدم مرور المعلومات الجديدة أو غير المتسقة. وتوجد في داخله المنطقة الزرقاء locus coeruleusالتى  تفرز "النورادرينالين" الذى يمارس فعله على القشرة الدماغية، والمهاد، وتحت المهاد، كما أن له مفعول على المخيخ والحبل الشوكى. 

 

وكتبت كرستين تمبل (194:2002) حول طرح البعض فكرة أن "النورادرينالين" يمكن أن يقوم بدور في الاضطرابات النفسية حيث يؤدي نقصه إلى الإكتئاب بينما تؤدي زيادته إلى إجهاد شديد واضطرابات عصابية وقد تكون لـ "النورأدرينالين" أيضا علاقة الشعور بالسرور. وبجوار المنطقة الزرقاء توجد المادة السوداء substantia nigra التى تفرز "الدوبامين" وهو مادة تشارك في السيطرة على الحركة. كما يقوم "الدوبامين" بدور أيضاً  في إحداث بعض الأحاسيس السارة ويمكن أن يعمل وسيطاً لإحداث حالة من النشوة في الذين يتعاطون بعض أنواع العقاقير مثل "الكوكايين" و"الأمفيتامين".

 

وذكر موراى (Murray 1987:124) أن أبحاث حديثة أظهرت وجود نوعين من هورمونات الغدة  الكظرية وهما "الأدرينلين" و"النورأدرينالين" لهما ثأثيرات مختلفة على الجسد، كما يبدو  أنهما مرتبطان بانفعالات مختلفة. "الأدرينالين" أكثر ارتباطاً بالخوف بينما "النورأدرينالين" أشد  ارتباطاً بالغضب.

 

وقد طرح اولدذ وميلنر Olds and Milner, 1954 في ورقة عن دراستهم على الفئران فكرة وجود مركز لذة pleasure centre في المخ ويوجد تحت المهاد. وافترض  جراى (Gray,1987) إمكانية مشاركة نظام فرس البحر الحاجزي septal hippocampus  system وهو قسم من الجهاز الحوفي، في إحداث اضطرابات سلوكية معينة وذلك في أثناء تجاربه على الفئران وذلك حين لاحظ انه في حالة حدوث تلف في نظام فرس البحر الحاجزى فإن التأثير والسلوك الذى يحدث يشبه ذلك الذى يحدث عند إعطاء مضادات القلق.

 

وركز جللهورن وآخرون (Gellhorn and Loofbourrow,1963:39) على هيمنة الهيبوثلامس (تحت المهاد) ويعتقد في أنه مركز الانفعال لعلاقته مع بقية الجهاز العصبي رغم صغر بنيتة ووصلاته وتفاعلاته بالأجزاء الأخرى بالجهاز العصبي الأوتونمى (المستقل) autonomic nervous system الذى يرتكز على الانفعال، كما يشير إلى حقيقة أن نشاط القشرة  الجديدة neocortical activity يخضع  لتسهيلات واسعة من الهيبوثلامس أكد على ذلك مورفي وجللهورن (Murphy and Gellhorn,1945).

 

مما سبق يتضح أن هناك تغيرات فسيولوجية يحدثها الانفعال وكل نظرية قدمت إضافة رغم أن الحلقة لم تكتمل بعد، فان هذا يوضح مدى تواصل العلاقة بين الانفعال والمسارات العصبية والجسد عموماً. ونجمل القول بأن الانفعالات يمكن الإحساس بها وتشتق من نشاطات الجهاز العصبي وذلك من خلال التغيرات في النشاط الغدي والعضلي، والعضوية بمجملها مخلوقة للمشاركة في الظاهرة الانفعالية وقد يحق القول أن مصفوفة الانفعال هو الجهاز العصبي.

 

طبيعة الانفعالات في الممارسة الطقوسية

طرق العديد من العلماء أبواب إشكالية التعبير الانفعالي، ومنذ قبل أكثر من مائة عام رأى داروين (Darwin,1872) أن التعبير الانفعالي عند الإنسان والحيوان يمكن استنتاجهما منطقياً من  الميول والنزعات السلوكية. فالغضب يتم من تكشير الوجه، والخوف والصدمة من خلال تجمد الحركة، وتوتر العضلات من خلال تسارع التنفس والبحث عن التلامس مع الآخر، والهم والقلق بالحركات العصبية، والحركة غير المستقرة تمثل صراعاً، كل تلك ملاحظات تنبثق من أنماط سلوكية ظاهرة أو، بمعنى آخر، تتم عن طريق ملاحظة خارجية.

 

ووسع  والتر  كانون (Cannon,1932) فكرة داروين بأن التعبير الانفعالي هو عادة  نافعة لها فوائدها، وجعلها تشمل الاستجابات الداخلية من خلال دراسته على الحيوانات، والتي تمثل معلماً بارزاً في مجال التغيرات الجسمانية الناتجة عن الألم والخوف والجوع، ورأى أنها تمثل "استجابات طوارئ" من  شأنها أن تعد الجسم "للهرب أو القتال fight or flight. أي أن كانون أضاف فكرة التغيرات في البيئة الداخلية.

 

وركز العالم النفساني هارولد شلوسبيرج (انظر: ليندا دافيدوف، 1988: 481) على تعبيرات الوجه قائلاً بأنه يمكن وصفها وفقاً لثلاثة أبعاد : السرور- الكدر pleasantness-unpleasantness؛ والرفض-الانتباه rejection-attention، والشدة (مستوى التنشيط intensity). بينما قسمها فوندت إلى نظام ذي ثلاث أبعاد : 1. سار- غير سار؛ 2. إثارة- إكتئاب؛ 3. توتر-استرخاء. ورغم  أن هذه الأبعاد لاقت قبولاً، فإن تتشنر اعترض عليها حيث رأى أن الشعور يختلف تبعاً لبعد واحد هو السرور- عدم السرور، ويرى أن بعدي التوتر والاسترخاء والإثارة والهبوط عبارة عن اتجاهات عضلية وليست عمليات عقلية بسيطة، بل أن التوتر والاسترخاء ليسا ضدين بالمعنى الحقيقي، فالاسترخاء عبارة عن نقطة الصفر الخاصة بالتوتر واعتبر الشعور عنصراً من عناصر العملية الانفعالية، معتبراً ردود الفعل العضوية (الجسدية) سمة أساسية من  سمات الانفعال (انظر: عبدالرحمن عيسوي، مرجع سابق: 70-73).

 

أما الحالات الانفعالية السارة فلها مصادر عديدة. يتجه البعض إلى تفسيرها وفق منطلقات نظرية مختلفة. فالبعض يحاول تفسيرها من منطلق نظرية إشباع الرغبات؛ والبعض الآخر من منطلق نظرية المواءمة الوظيفية؛ في حين يسعى البعض الآخر إلى تفسيرها من منطلق نظرية الطاقة النفسية (الليبدو)؛ وهناك من يحاول التفسير من منطلقات النظرية الحيوية (2).

 

الانفعالات في طقوس الزار يجوز وصفها انفعالات مدفوعة ذاتياً ومتعلمة ومشروطة، وتخضع لإرادة الممارسة وفيها الشعوري واللاشعوري. فالانفعالات تجسد سلوكاً تم تعلمه بفعل برمجة مسبقة، سلوكاً يرنو للإثابة تجنباً للتهديد من غضب الأسياد، وتنتمي الانفعالات إلى عالم السلوك التعبيري المدفوع الذى يتصف بجوانب إدراكية وبردود أفعال جسمية (فسيولوجية). ونجد هذا السلوك معبراً عنه في بعض الخيوط مفعماً بالأحاسيس الايجابية التى تتسم بالتحرر من القيود (خيوط البنات، ولوليه)، وبالنشوة (خيوط الدراويش). يوجد كذلك نوع من الانفعالات الأخرى التى تتميز بالتوتر والقلق والخوف والعنف الذى يتجلى في إيذاء الذات (خيط الزرق)، وإيذاء الغير (خيط نمر الكندو). فوق ذلك تحتوى ممارسة الزار على نوع من الانفعالات المرتبطة بالشعور بالخيلاء والعنجهية وحب السلطة (الخيوط التى تمثل الشخصيات السلطوية مثل الحكيم باشا، والخواجة، وملك الأحباش). مجمل هذه الانفعالات يتم التعبير فيها باللجوء إلى حركات بدنية شاملة لكل أجزاء الجسم، وإلى تعبيرات في الوجه، وإلى الإيماءات والإشارات الرمزية. كل تلك الحركات قد تشير إلى وجود نمطية محددة في طقوس الزار لا بدَّ للممارسة من تعلمها واكتسابها عن طريق مداومتها ومشاركتها في مجتمع الزار.

 

للانفعالات في طقوس الزار شقين أولهما خارجي قابل للملاحظة وثانيهما داخلي قد يصعب قياسه. نتفق مع فرضية دونالد هيب (Hebb,1958) بأن السلوك عموماً يعتمد على نشاط قابل للملاحظة، وبأن الجهود المبذولة لفهم الآليات السلوكية تتطلب دراسة التغيرات الداخلية عن طريق الأدوات المتاحة ذلك أن السلوك القابل للملاحظة يحتوي على النشاط الإرادي والانعكاسي ويستبعد التغيرات في البيئة الداخلية أو في الجهاز العصبي الذى يسبق السلوك ويستدعيه. بالتالي فإن قياس الانفعالات في ممارسة الزار يتطلب تطوير قياس للتغيرات الجسمانية التى تحدث بفعل الممارسة. معلوم أن الجهود التى بذلت لقياس التغيرات الجسمانية المصاحبة للانفعال تمركزت إلى حد بعيد حول التغيرات الجسمانية الفرعية مثل حرارة الجسم، والتغير في سرعة التنفس، والتغيرات في الإفرازات الجسمية (العرق والبول) وفي الدم، وضغط الدم، وسرعة النبض، والتغيرات في الذبذبات الدماغية، هذا مع العلم بأن الانفعالات تختلف وتتباين باختلاف الأفراد وتباينهم من حيث شدتها وطبيعتها واستغراقها، وفي عتبات الإحساس.

 

كان البعض من الباحثين قد أبدى اعتراضه على هذه القياسات منهم على سبيل المثال برادي (Brady,1960)الذى يرى بأن اختيار معيار موثوق به للتعرف على النشاطات الانفعالية لازالت تعترضه معوقات حيث أن أغلب التغيرات المصاحبة للانفعال يمكن أن تحدث، في رأيه، في مواقف غير انفعالية.

 

معروف أن السلوك تتحكم فيه العمليات المعرفية كالإحساس والإدراك والتخيل وما إلى ذلك، كما وتتحكم فيه من جانب آخر العمليات غير المعرفية كالدافعية التى تقوم بتحفيز السلوك واستثارته. عموماً يوجد اتفاق عام بكون أن الدافع هو بمثابة عامل داخلي يستثير سلوك الإنسان ويحدد وجهة ذلك السلوك. وتسهم الإثارة الخارجية في الدافعية غض النظر عن اتجاه السلوك المدفوع، وتحتاج لنشاط الأنسجة الدماغية. كما وأن هنالك عوامل كثيرة تؤثر في السلوك المدفوع مثل الخبرات السابقة، والقدرات الجسمية، والموقفين البيئي والإدراكي. وكان جللهورن لووفبوبرو (Gellhorn and Loofbourrow,1963) قد أشارا إلى أن العمليات التى ترتكز عليها الدافعية قد أفضت إلى بحث تحليلي على يد مجموعة من المتخصصين الذين اعتمدوا على دراسات اولدز (Olds,1960) أظهروا من خلاله أن نظام الإثابة والعقاب يعتمد على الدماغ المتوسط die encephalon والجهاز الحوفي (الليمبي) limbic brain. وبرز استنتاج من الدراسات في مجال الإدراك والاشتراط بأن هذه العمليات هي نتاج للتفاعل بين البنيات القشرية cortical والفرعية للقشرة sub cortical والتي يقوم فيها الهيبوثلاموس بدور مهيمن. يوضح هذا مدى تأثير الانفعال على الفكر والفعل. فالإدراك ليس بالعملية السلبية، لكنه يحتوي على انتقاء يرتكز على تجارب قديمة معدلة عن طريق الانفعالات. يؤيد بارسونس هذا الرأي قائلاً بأنه "يمكن التشكك فيما إذا كان الإدراك منفصلاً كلياً عن النغمة الشعورية" (Parsons,1950)؛ وكذلك هوايت هيد الذى يقول بأن "قاعدة التجربة هي الانفعالات" (Whithead,1933).

 

اتفق العلماء المحدثون على أهمية الإدراك والخبرة في العملية الانفعالية، وأن التغيرات الفسيولوجية وحدها غير كافية لإثارة الانفعال بل يحتاج الأخير إلى تقييم معرفي لوضعية المثير. تبدأ المعرفة بالإدراك الذى له شقان في ممارسة الزار: أحاسيس وجدانية تتفاعل مع إيقاعات وأجواء احتفالية من جانب، وشق اعتقادي في نجاح تلك التقنية العلاجية التى تؤمن رضاء الأسياد وتمنح المريضة العافية والأمان النفسي من جانب ثانٍ. وتتفق الدراسة الحالية مع فرضية آرنولد (1971) وهى من الذين يعرفون الانفعال بمعنى الدافعية وترى أن مشكلة العلاقة بين الخبرة الانفعالية والتعبير الجسمي لا ينبغي أن ينصب التركيز فيها على التسلل (الانفعال التعبير الفعل) ذلك أن ليس كل انفعال يؤدي إلى خبرة انفعالية، وترى ضرورة وجود ميكانيزم لتقدير الموقف قبل وقوع الاستجابة، ومن ثم تقترح التسلسل التالي: (1) الإدراك، بمعنى الاستقبال المحايد للمثيرات الخارجية؛ (2) التقدير، أي، بمعنى الحكم على المثير من حيث الفائدة والنفع؛ (3) الانفعال؛ (4) التعبير عبر نمط من التغيرات الفسيولوجية المنظمة (الاقتراب أو الانسحاب) ويختلف باختلاف الانفعالات؛ (5) الفعل، فالانفعال يعقب التقييم المعرفي.

 

إن العلاقة بين الحالة النفسية والدماغ تدعمها الكثير من البينات التى وفرتها الدراسات الفسيولوجية والسلوكية والعيادية. مثال لتلك الدراسات التجربة التى أجراها بنفيلد (Penfield,1958) عندما استخرج حالات متشابهة من التجارب في الماضي وذلك عن طريق إثارة مرضى غير مخدرين بإثارة كهربائية في الفص الصدغي الدماغي  temporal lobe of the brainووجد أن هذا التأثير لا يمكن حدوثه في أية منطقة أخرى في باحات القشرة cortical areas. من ثم يجوز القول بأن ممارسة الزار ربما تؤدي، بانفعالاتها وصخبها، إلى إثارة أحداث قديمة في حياة المريضة وتبرزها إلى السطح بحيث تصبح قابلة للمعاينة والفحص.

 

وكان ديمنت وكلايتمان (Dement and Kleitman,1957) قد توصلوا إلى أن أكثر الحالات النفسية سريعة الزوال لا تحدث بدون تغيرات في نشاط الدماغ. ولاحظوا أن ظهور الأحلام مصحوب بتغيرات في الجهد الكهربائي للقشرة cortical electrical potentials الذى تم تسجيله في جهاز التخطيط الكهربائي (electro-encephalogram- EEG). في هذا إشارة إلى إمكانية طرح الافتراض بأن ممارسة الزار بعنفها قد تحدث، مثلها مثل الأحلام، تأثيرات على النشاط الدماغي وذبذباته.

 

جانب آخر تجدر الإشارة إليه هو أن الحفز والإثارة يتمتعان بحضور مشهود في الأجواء الاحتفالية، كما أن لهما دور في زيادة التفاعل وفي التأثير على دافعية الممارسة وفي توجيه حالتها المزاجية. وكان دونالد هيب (Hebb,1958) قد تحدث عن الآليات أو المنشطات التى تثير الدافع، وهما وظيفة البواعث ووظيفة الإثارة أو الإيعاز. ويعتقد بأن الآلية الفسيولوجية لهاتين الوظيفتين، إلى جانب التغيرات في الحالة المزاجية، لهما تأثيرهما على الجهاز العصبي الذى يحدد السلوك. ومن المعلوم أن المزاج هو مجموعة من الرغبات أو الميول المصحوب باستعداد مسبق. وقد أشار محمد بن يونس (176-173:2002) إلى أن الدراسات أظهرت أن مستويات مادة كيمائية تعرف بـ "السيروتونين serotonin" هي من المواد الدماغية المسئولة عن الإحساس بالراحة والاسترخاء (لذا أطلقت عليها تسمية "مادة المزاج"). ورأى ابن يونس أن هناك عوامل كثيرة تؤثر على مستويات تلك المادة كحالة الطقس، ونوعية الغذاء، وتقدم السن، والروائح. كما أنه أشار إلى أن الباحثين توصلوا إلى أن روائح بعينها يمكن أن تؤدي إلى حدوث تغير في سلوك الفرد وتعتمد هذه العملية على نقل جزئيات الرائحة عبر الهواء لإحداث رد فعل دماغي. وبما أن أجواء الزار الطقوسية مشحونة بروائح "بخور الزار"، الذى يستخدم في مرحلتي التشخيص والمعالجة، بالإضافة إلى مثيرات أخرى، فإن طرح فرضية أن يؤدى ذلك إلى إفراز تلك المادة وما يصحبها من تأثير على الحالة المزاجية، يكون أمراً يحمل قدراً من الموضوعية.

 

ناحية أخرى يتوجب الالتفات إليها تتمثل في الدوافع الانفعالية في طقوس الزار يجوز عدها آليات لإحداث التوازن عبر التحقيق الذهني الصوري في مخيلة الممارسة، فهي مثل الأحلام تشبع بها حاجاتها أو تفرغ عن طريقها الشحنات النفسية .. ويقال بأن توترات الحياة يتم التخلص منها عن طريق الأحلام. ويحتمل أن يكون لممارسة طقوس الزار وظيفة هيوميوستازية homeostasis لاستباب الأمن الحيوي الذى يقلقه عنف الأداء وما يصحبه من انفعالات. تتسم طقوس الزار بالنمطية والتكرار سواء في الحركة والإيقاع أو في طول الفترة الزمنية مع وجود الإثارة الانفعالية التى يمكن أن تقود إلى ترهل الحواس مما قد ينتج عنه قلة التركيز وربما حرمان حسي. وكنت قد لاحظت، خلال دراسة ميدانية أن بعض المريضات كن يحملن جمراً في أكفهن، وأن أخريات كن يتحملن الضرب بالسياط دون أن تبدو عليهن أية آثار دالة على الألم. وكان الطبيب النفسي ريكان إبراهيم (93-92:2001) قد فسر مثل تلك الظواهر بأنها لحظات تسامي معتمداً في تفسيره على دراسة هواة الفلسفة الشرقية في معهد ستانفورد لظاهرة التخشب الجسمي الذى يمارسه العديد من كهنة المعابد في الهند، أو ظاهرة التصوف وإيذاء الذات بدون الإصابة بخدوش أو جروح. وافترض ريكان أنه في حالة إجراء تخطيط كهربائي دماغي لمتصوف في لحظة تساميه لأعطى رسم الدماغ إشارات موجية سريعة ذات فولتية عالية في مناطق الحركة في الدماغ، وانخفاض كبير ،من جانب آخر، في الفولتية وتباطوء في الموجات في مناطق الحس فيه. كما وأشار ريكان (المرجع السابق: 21-23) إلى أن عملية الاسترخاء تحدث أسرع مع شخص يعرض لحرمان حسي أكثر من لو كانت حواسه طليقة. فتأثيرات الحرمان الحسي متشعبة ومتعددة. ويقول ريكان في هذا الصدد بأنه قد ثبت أن الاستجابة الجلدية لتيار كهربائي "الفعل المنعكس السيكوجلفاني" تقل تدريجياً كلما زادت فترة الحرمان الحسي، كما وتزيد كمية الأدرينالين والنورأدرينالين في البول، وترتفع نسبة الهورمونات المغذية للغدة الدرقية. ويقول سيريل بيرت (26:1985) عن حالة هذه التغيرات الانفعالية الغريبة أنها يمكن أن تلج باب ذخيرة كبيرة من النشاط العقلي، وهى حالة لا نستطيع الوصول إليها في الأحوال العادية.

 

عامل آخر له أهمية بالنسبة للدراسة الحالية هو علاقة الانفعال بالضغوط النفسية والإجهاد التى هي من السمات المميزة لطقوس الزار. فالضغط النفسي وفقاً لهانز سيلي (Selye,1947) يمثل استجابة غير محدودة من جانب الفرد كرد فعل لأي مطلب يواجهه. ورأى أن الاستجابة الجسمية تحصل في ثلاث مراحل: مرحلة الإنذار (أو الاستنفار) للشدائد العصبية أو الضغوط النفسية التى يتعرض لها الجسم محدثة فيه تغيرات، وفي حال استمرارها تؤدي إلى مرحلة تالية، وهى ما يعرف بمرحلة المقاومة التى يحاول فيها الجسم التعويض وتوطين نفسه على التعايش معها؛ في حالة الفشل فإنه يصل إلى المرحلة الثالثة وهى مرحلة الإنهاك. لعل هذا ما يحدث في ممارسة الزار. وقد أظهرت دراسات لاحقة مستندة على أعمال سيلي تأثير الاجهاد علىالحيوانات التجريبية والإنسان (مثل الحروق، والجروح في الجسم، والتعرض للبرد أو الحرارة، وإثارات مؤلمة وما إلى ذلك)، ودللت نتائجها على وجود تأثيرات متشابهة وصفت بأنها تغيرات تشريحية فادحة وفجة بخاصة في جهاز الغدد الصماء endocrine system  والقشرة الأدرينالية adrenal cortex التى حدث فيها تضخم، في حين أظهرت الغدة الصحترية thymus gland والغدد الليمفاوية نقصان في الحجم (للمزيد انظر: Gellhorn and Loofbourrow,1963:211-221).

 

عليه ومن كل ما سبق نخلص إلى أن الممارسة الاحتفالية في طقوس الزار تزلزل كل أركان العضوية وتدفع بالمريضة للمشاركة في تجربة جسمانية تعبيرية رمزية غير واعية، ونابعة من أغوار قد يتم اختراقها في اللا وعي مع ترافقها بخيال نشط يتجسد في التقمص لشخوص الزار والتعامل معهم ذواتاً يتوجب إرضاؤها بالحركة الراقصة والانفعال والتفاعل، حركة صادرة عن حافز داخلي، وهى أشبه بالحركة التى وصفتها ماري هوايت (3) بأنها حركة من الأعماق (Whitehaure,1979)، في بيئة احتوائية آمنة مع وجود معالجة (الشيخة) التى لها دور مساند وداعم ومحفز للمزيد من التفاعل. كما وأن الممارسة الاحتفالية في طقوس الزار يمكن وصفها بحلم يقظة فيه هجرة من العالم الخارجي إلى عوالم داخلية تتميز بالترابط الصوري والعاطفي.

 

هوامش

(1) كان  العالم  الدنماركى  كارل لانج   قد  قدم  نظرية  مشابهة  في  نفس  الوقت  لذا  عرفت  النظرية   بأنها نظرية جيمس لانج.  

(2) ترى نظرية إشباع الرغبات أنه عندما تثار رغبة ما فإن إنتاجها يؤدي إلى توليد السرور. أما النظرية الوظيفية فتقول بأن النشاط المؤدي إلى تحقيق الرغبات يقود في حد ذاته إلى السرور إذا ما أتقن القيام به غض النظر عن التحقيق الفعلي لأهداف الرغبة المعينة. نظرية الطاقة النفسية (الليبدو) وهى الدافع وراء القيام بأنواع النشاط النفسي المختلفة، وتبعاً لهذه النظرية فإن السرور يتولد بفعل استعمالها ويحدث الكدر في حالة عدم استخدامها. أما النظرية الحيوية فإنها تقترح بأن السرور هو نوع من الإغراء تقدمه الطبيعة لتجعلنا نحقق أغراضها الحيوية من حيث بقاء النوع والفرد (أحمد عكاشة 1980؛ عبدالرحمن عيسوي 1974).

(3) متخصصة في المعالجة بالرقص أسست عملها على تحليل يونج للخيال النشط.

 

المراجع

جلين د. ويلسون،2000، سيكولوجية  فنون  الأداء، ترجمة شاكر عبدالحميد، مراجعة  محمد عنانى، سلسلة عالم المعرفة، عدد 258 يونيو2000.

ليندال دافيدوف،1988، مدخل إلى علم النفس، مطابع دار الهندسة، القاهرة.

عبدالرحمن عيسوي،1974، علم النفس الفسيولوجي، دار النهضة العربية، بيروت.

ادوارد  ج. موراى،1988، الدافعية والانفعال، ترجمة احمد عبدالعزيز سلامة، مراجعة د. محمد عثمان نجاتى، دار الشروق، بيروت، القاهرة.

كريستين  تمبل،2002،  المخ البشرى، ترجمة  عاطف احمد، سلسلة عالم المعرفة، عدد287،  مطابع السياسة، الكويت.

أرنولد ف. ويتيج،1971، مقدمة في علم النفس، ترجمة عادل عزالدين الأشول وآخرون، دار ماكجرو هيل للنشر، القاهرة.

محمد محمود بنى يونس،2002، علم  النفس الفسيولوجى، وائل للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

ريكان ابرا هيم،2 001، مقدمة في الباراسيكولوجى: علم القوى الخارقة، دار الكندى للنشر والتوزيع، اربد، الأردن.

سيريل بيرت،1985، علم النفس الديني، ترجمة سمير عبدة ، منشورات دار الآفاق الحديثة.

Cannon W.B. 1927, 'The James – Lange Theory of Emotions: A critical Examination and an alternative theory', American Journal of Psychology 39:106-124.

Papez J.W. 1937, ‘A proposed mechanism of emotion’, Archives of  Neurology and Psychiatry, 38: 725-744.

Maclean P.D. 1958, ‘Contrasting Functions of Limbic and neocortical systems of the brain and their relevance to psycho-physiological aspects of medicine’, American Journal of Medicine 25: 611-626.

Lindsley D. B. 1951, ‘Emotion’, in: S.S. Stevens (ed.), Handbook of Experimental  Psychology, New York: Wiley.

Murray Last 1991, ‘Spirit Possession as Therapy: Bori among non-Muslims in Nigeria’, in: I.M. Lewis, Ahmed Al-Safi and Sayyid Hurreiz (eds.) 1991, Women’s Medecine: The Zar-Bori in Africa and Beyond, Edinburgh University Press.

Olds J. and Milner P. 1954, ‘Positive reinforcement produced by electrical stimulation of septal area and other regions of the rat brain’. Journal of Comparative and Physiological  Psychology  47: 419-427.

Gray J. 1987, The Psychology of Fear & Stress, Cambridge: Cambridge University Press.

Gellhorn E. and Loofbourrow G.N. 1963, Emotions & Emotional Disorders: A Neurophysiological Study, New York: Harper & Row Publishers.

Murphy J.P. and Gellhorn 1946, ‘Influence of Hypothalamic Stimulation on Cortically Induced Movements and Action Potentials of the Cortex’, Journal of Neurophysiology  8: 341-364.

Darwin C.R. 1872, The Expression of the Emotions in Man& Animals. London, John Murry.

Cannon W.B. 1932, The Wisdom Of The Body,  New-York: Norton.

Hebb D.O. 1958, A textbook of Psychology, Philadelphia: Saunders.

Brady J.V. 1960, 'Emotional Behavior in Handbook of Physiology', sec.1, Neurophysiology. 3:1529-1552, Washington, American Physiological Society.

Olds J. 1960, ‘Differentiation Of Reward Systems In The Brain By Self–Stimulation Technics’. in: E.R. Romey, and D.S. O'Doherty (eds), Electrical Studies On The Anaesthetized Brain, New-York: Hoeber.

Parsons J. 1950, The Springs of Conduct, London: Churchill.

Whitehead A.N. 1933, Adventures Of Idea, Cambridge: Harvard University Press.

Penfield W. 1958, ‘The role of the temporal cortex in recall of past experience and interpretation of the present’, in: G.E. Wolstenholme and C.M. O’Connor (eds.), Neurological Basis of Behavior, London: Churchill: 140-174.

Dement W. and Kleitman N. 1957, 'Cyclic variations in EEG during sleep and their relation to eye movements, body mobility, and dreaming'. EEG Clinical Neurophysiology 9: 673-690.

Selye H. 1947, Textbook of Endocrinology. Montreal: W.T. Franks.

 

 

 

 

الرمزية من منظور التحليل النفسي

د. آمال النور حامد

 

 

إن الرمزية من منظور التحليل النفسي بمعناها الواسع "هي أسلوب من التصوير غير المباشر والمجازى لفكرة أو صراع أو رغبة لا واعية، بهذا المعنى يمكننا عد كل تكوين بديل رمزي" Encyclopedia Americana 1966:161-162. ووفقاً لهذا التعريف يجوز عد ممارسة الزار تعبيراً رمزياً لرغبات أو مأزم معين، يرتبط في ذهن المريضة الممارسة بذكريات كامنة في اللا وعى لديها، كما قد تكون نتاج حتمية ترابطية تجسد حدثاً يرتبط بمسببات المرض. فالرمز هنا رغم تجليه عنصراً أبكماً لا واعياً. لا يستطيع المرء صياغة تداعياته ويحيله إلى حقل المرمز "حقل الهوامات" بتعبير فرويد، أو "حقل النماذج الأثرية لـ اللا وعى الجماعي" بتعبير يونج.

 

يرى فرويد في الرمز تمثيلاً لمواد مكبوتة لا شعورية في العادة، فالحلم ليس سوى تعبير أو نزعة لم يتم الإفصاح عنها. وعد بعض أنماط السلوك (زلة اللسان، والتماهى، والتسامي) رموزاً لامور يريد المريض التستر عليها. فلعل الممارسة الطقوسية تمثل من هذا المنطلق أموراً مكبوتة يتم التعبير عنها في التماهى والتسامي من خلال الهروب والرقص التعبيري والحركات الوجدانية، التى ربما تشير إلى حالات نفسية فاعلة. 

 

ويؤيد يونج من جانبه فرويد في كون للأحلام رموز ولكنه يعطى من جانبه للأحلام مضامين ليست بالضرورة أن تكون جنسية. فالأحلام في رأي يونج تمثل الحياة الاجتماعية للجماعة، ويرجعها من ثم إلى اللا وعى الجماعي معرفاً الرمز بوصفه "مصطلحاً أو اسماً أو صورةً يمكن أن تكون مألوفة في الحياة اليومية، وتتميز بمعنى ضمني إلى جانب معناها الواضح المباشر، وينطوي على أشياء مبهمة غير معروفة أو مخفية. فالمعنى الضمني يعنى أن للصورة أو الكلمة مظهراً لا واعياً يصعب تعريفه أو شرحه بدقة ... وحينما يحاول العقل استكشافه يقوده ذلك إلى أفكار خارج حدود العقل" (Jung,C.G.et al. 1978: 3-4). ويؤكد يونج أن هناك إدراكا واعياً ولا واعياً للواقع. فالتعامل مع ظاهرة حقيقية (أصوات، منظر الخ.) يمكننا من ترجمة الظاهرة من عالم الواقع إلى عالم العقل، وتتحول في العقل إلى أحداث نفسية، طبيعتها النهائية غير معروفة طالما أن النفس لا تدرك مادتها النفسانية. بالتالي فإن كل تجربة تحتوى على عدد غير محدد من العوامل غير المعروفة.

 

ويقسم يونج (Jung,C.G.et al.Ibid.: 82- 83) الرموز إلى نوعين: طبيعية وثقافية، الطبيعية منها هي التى تستمد من مشتقات اللا وعي، وتمثل عدداً من الأنماط البدائية وتصوراتها؛ والثقافية منها هي التى تستخدم لتعبر عن الحقائق الأزلية، وهى التى لازالت تستخدم في معظم الديانات، والتي تم إخضاعها لتحولات كثيرة لتغدو خيالات جماعية تتقبلها المجتمعات المتحضرة، وتثير عاطفة عميقة لدى بعض الأفراد وتعد عاملاً نفسانياً. هذا ويعد يونج النوع الأخير هذا مهماً للبناء العقلي ويؤدي كبتها أو إهمالها إلى اختفاء طاقتها في اللا وعي حيث تنشط وتزدهر وتتكثف بشدة لتجد تجلياً لها في الرغبات أو في الميول اللا واعية، التى قد تجد فرصة للتعبير عن نفسها أو الخمود. إن هذه الميول هي التى تشكل وجوداً دائماً وكامناً ومدمراً (الظل) للعقل الواعي. وهذه الأخيرة يمكن في حالة كبتها وعدم إتاحة الفرصة لها لممارسة تأثير ايجابي أن تتحول إلى شياطين. ولعل الممارسة الطقوسية للزار تمثل شكلاً من أشكال إتاحة الفرصة لتفريغ تلك الميول، وهو ما اصطلح يونج على تسميته "القنوات الانسيابية للطاقة energy canalisation". وفي هذا الصدد يرى كالفن وآخرون أن الرمز بالنسبة لـ يونج هو أكثر من مجرد إخفاء أو خداع للرمز، فالرموز هي تحولات لدوافع بدائية، إنها قنوات انسيابية لتفريغ الغرائز اللبيدية بقيم روحية وثقافية. فالرقص، مثلاً، ليس بديلاً لنشاط جنسي بل يعنى شيئاً أكثر من ذلك (. (Calvin et al., 1973: 115

 

فرق ارنست جونز بين الرمزية بمعناها الواسع والذي يمكن أن يعنى، في تصوره، كل التطور الثقافي؛ وبين الرمزية الحقيقية التى تنهض على أساس صراع نفسي تبادلي بين النوازع الكامنة والنوازع المكبوتة. ما يتم كبته هو ما يتخذ لنفسه شكلاً رمزياً، وهو الذى يحتاج إلى ترميز. والترميز عملية لا شعورية تشير إلى أن ما تم كبته يظل خارج إطار التسامي. فالبدائل الباقية في الحلم والأعراض المرضية هي أمثلة لكيفية صياغة الرمز. ولا تفهم الرمزية الحقيقية بالرجوع إلى النواميس والتقاليد الاجتماعية بل في ضوء تجربة الشخص نفسه (عبدالمنعم حنفي، 1994: 864). 

 

ويحاول هليجارد (Hilgard et al., 1971: 270-271) تبيان الفرق بين الإثارة الرمزية والإثارة العادية. فالإثارة الرمزية ينتج عنها، في اعتقاده، استجابات ملائمة لإثارات أخرى لا تنتمي إليها بصلة (مثل كلمة السم التى ترمز للخطر الذى نفهمه بالمعنى ولا يوجد في الكلمة). وقد قسم هليجارد المعنى الرمزي إلى فئتين: معنى ذو دلالة وهو الذى يحدد شيئاً ما يمكن الإشارة إليه؛ ومعان تحتوى على مضمون إضافي وهى التى ترافق المعنى الدلالي لكثير من الكلمات التى تتضمن معان عاطفية تستخدم عموماً للتعبير عن نوع من التقييم أو الأفضلية وتختلف من فرد إلى آخر. واستخدم هليجارد قياس التفاضل السيمانطيقى (1)، ووجد أن المعنى الإضافي يستخدم وفقاً لأبعاد ثلاثة: بعد تقييمي، وبعد نشاطي، وبعد للقوة. هكذا يمكن للرمز، وفقاً لهليجارد، أن يحمل معاني إضافية خلافاً لمعناه المباشر، وهو معنى له أبعاده التى يمكن تفسيره على ضوئها من حيث القيمة والنشاط والقوة.

 

ويرى بعض العلماء النفسيين أن هناك إمكانية للترميز من خلال حركة الجسم التى يتم تخزينها في سنوات الطفولة الأولى، تجريةً قد تطفو إلى السطح من غياهب اللا وعي وتشاهد في حركة الجسد، وهى ترمز لما عرف فقط جسدياً، رغم صعوبة إخضاعها للتحليل. من أهم هؤلاء العلماء كان كلاين، وويني كوت، وميلنر والذين قاموا بوصف المظهر الجسمي لعملية خلق الرمز الذى يسهم بدوره في نمو الأنا وتكامله (Klein,1930 ; Winnicott,1951 ; Milner,1952). فقد أشار كلاين إلى أن السعة التواصلية للترميز تبدأ في التكون من خلال الاحتكاكات وعلاقة الطفل بأمه وبجسمه. فالخيالات التى يحسها البدن في تلك الفترة هي تمثيلات للغرائز الطبيعية. وأبان اولانوف (Ulanov,1985) أن يونج وأيضاً كلاين قد أكدا على القوة الكامنة في الخيال الطفلي التى تصاحب الطفل منذ مولده، ويعتقدان بأن جذور الحياة النفسية تغرس في التجربة الجسمية.

 

أما ويني كوت (Winnicott,1975) فقد افترض أن الواقع الداخلي للطفل ينمو من خلال تعقدات الخيال غير المعقدة وذلك من خلال العلاقة بالجسم وأحاسيسه ووظائفه (الذات الجسمية). ورأى أن التدعيم المستمر للذات الجسمية يتم من خلال علاقة الطفل بأمه مما يساعد في خلق صورة جسمية آمنة لنمو إحساس بالهُويَّة، كما وأشار ويني كوت (Winnicott,1971) إلى أن هنالك عوامل كثيرة يبدو أنها تسهم في اكتساب القدرة على استخدام التعبير الرمزي والإحساس بالاحتواء والحماية مما يبيح الفرصة لتشكيل العالم الرمزي الذى تترابط فيه الصورة والإحساس والعواطف. ويقترح كوت (Winnicott,1986) في ذات السياق بأن الخوف من التمزق الذى يعاني منه الفرد البالغ هو خوف من النكوص لحالة التمزق وعدم التكامل التى مر بتجربتها لكونها تجربة تم حملها جسدياً في الذاكرة البدنية.

 

ركز سيجال (Segal,1991) على أن الرموز لا تمارس سيطرة على السعة التواصلية فحسب بل على التواصل مع الآخرين أيضاً، وتشكل أساس التفكير اللغوي سواء للسلوك الظاهر أو للتحويل أو لنتاجات اللا وعي مثل الأحلام والخيال النشط. فالتحليل في هذه الحالة يسعى لفهم المعنى الرمزي وتماثله مع البعد العاطفي للعقدة التى يراد تحليلها.

 

وافترض كل من نيوتن وردفيران (Newton and Redferan,1977) بأن العلاقة بين الأنا والأنت التى تنمو بين الأم وابنها والاحتكاك بينهما هي بمثابة مرحلة تحضيرية لنمو العلاقة بين الأنا واللا وعي، بالتالي تمهد الأرضية لبروز النشاط الرمزي. بالنسبة للطفل الناشئ فإن السلوك والتجربة يتأثران ويتحددان بأفكار الأنماط البدائية.

 

تتميز طقوس الزار بالغموض والضبابية إذ أنها تنبني على الاتصال الرمزي والسلوك المستتر للتعبير عن الصراع مع الأرواح (الأسياد). وكان وليام هاولز، عند دراسته للطقوس الشامانية، قد وصف ممارسات فيها قدر من التشابه بالممارسات المميزة للزار وذكر أن "السلوك الرمزي في ممارسات الشامانية يعد نوعاً من إكمال نسق الأفكار والرموز للموقف ذاته وهو ما يعنى سد الفجوة أو الثغرة في حياة هؤلاء الممارسين بما يمكن من القضاء على الوهم والهم والقلق الذى ينتاب حياة الممارسين" (وليام هاولز،330:1965).

تبدأ الرمزية في طقوس الزار بقدسية الزمان حيث يتم طقس "قفل العلب" (2) في 27 رجب من خلال احتفال يعرف بـ "الرجبية"(اشتقاقاً من شهر رجب) ويستمر التوقف عن ممارسة الزار إلى ما بعد عيد رمضان، ويجري طقس "قفل العلب" عادة بمنزل شيخة الزار مع دعوة كافة مرضاها. أما قدسية المكان فتتجلى في التقليد السائد الخاص بإقامة احتفالات الزار في أماكن محددة مثل منزل الشيخة أو منزل المريضة أو منزل إحدى صديقات المريضة شريطة أن تكون الصديقة من الممارسات للزار. هذا ويتم تزيين المكان بالكثير من الرموز الخاصة بالزار (نقوش آيات من القرآن، وبعض الرسوم المتنوعة الخ.).

 

الممارسة الطقوسية سلوك تعبيري رمزي

التعبيرية الرمزية في اللغة الشائعة عملية ترجمة جوهر معين بجوهر آخر، يكون طابعه قابلاً للملاحظة. ويهمنا في هذه الورقة تعريف التعبير من منظور علم العادات والأخلاق. تشير موسوعة علم النفس إلى أن النشاطات التعبيرية إيماءات، وطقوس، وأوضاع جسمية تسمى بالحركات التفريغية التى، وفق رولان دوران، "تمارس وظيفة الإشارة في إطار النشاطات الاجتماعية لجنس معين، وقد تُنظم هذه السلوكيات في أنظمة حقيقية تحمل دلالات متميزة، ويمكن بالتالي تحليلها رموزاً للاتصال ... من ثم يمكن عد السلوكيات التعبيرية وقائع اتصال غير كلامي، ويحلل الدور الذى تقوم به في مختلف أشكال تفاعل جماعة ما" (رولان دوران وفرنسوا يارد،451-453:1997).

 

وتحمل الممارسة التعبيرية في طياتها أنماطاً مختلفة من الرمزية، كما يجوز عدها رموز اتصال غير ناطقة، فهناك اللون، واللحن، والإيقاع، واللبس، والحركة، والأضحية، والمائدة (الميز في لغة الزار)، والحلي، وفرقة الزار بقيادة الشيخة المعالجة. وفي المنظور السيكولوجي العام فإن معظم المدارس تطلق، على حد تعبير رولان دوران وفرنسوا يارد، مصطلح التعبيرية الرمزية على "المظاهر القابلة للإدراك في الانفعالات أو الحالات الداخلية الأخرى (إيماءات، واستعدادات جسمية، وبكاء، وصراخ، وارتجاف..الخ). وتوصف هذه التصرفات بحسبانها مؤشرات تعكس حالة إما عاطفية كامنة (توتر، إحباط)، وإما سمة معينة للشخصية. هذا في حين أن علم النفس الترابطي يرى في التعبير الرمزي استجابة ناتجة عن إثارة نتيجة التقلصات العضلية المأمورة من قبل إثارات الجهاز العصبي، فحدة الانفعال قد تترجم بإثارة ذات حدة نسبية تنتج التقلص العضلي وبالتالي السلوك التعبيري" (رولان دوران وفرنسوا يارد، المرجع السابق).

 

يهمنا هنا تحديداً التعبير الذى يتجلى عبر الحركات والانفعالات التى تتخذ من الجسد مسرحاً لها، وذلك من خلال ممارسة الرقص المصحوب بالإيقاعات. ويقصد بالتعبير الجسدي "مجموعة تقنيات الجسد التى تكون بشكل عام جماعية وتستند إلى فكرة. ومن المهم تحرير القوى والتصرفات المقموعة بفعل الضغط الاجتماعي، بخاصة الدين، والتي يفترض بأنها مخبأة في الجسد وهذه التقنيات نجد لها انتشاراً في الأوساط النفسية والعلاجية والتربوية" (رولان دوران وفرنسوا يارد،  المرجع السابق).

 

أكدت أبحاث كثيرة على أن أشكال التعبير عن الانفعالات هى ذات طبيعة شمولية، وأن الذى يتغير مع الثقافة هو فقط قواعد إطلاقها وإدارتها (رولان دوران وفرنسوا يارد، المرجع السابق). ولقد برهن مورغان وآخرون على أن الفعل الخلاق الذى يحرك التعبير المطاوع للمرضى الفعليين يمكن أن يبلغ أحياناً مستوىً فنياً يثري التحقيقات في علم النفس المرضي، ويحث الاتجاه نحو الشفاء. كما أن أفكار الظواهريين والمحللين النفسانيين حول علاقة الفن بالحالة النفسية قد قادت الأطباء النفسيين وعلماء النفس إلى تخصيص أماكن يستطيع فيها مرضاهم الاهتمام بالفنون (رولان دوران وفرنسوا يارد، المرجع نفسه). واستناداً على ما سبق يمكننا القول بأن الممارسة الحركية في الأجواء الاحتفالية لطقوس الزار هي تلك السلوكيات التى تحمل دلالة رمزية متميزة، ويمكن التعامل معها كوقائع اتصال غير كلامي، وتعكس حالة نفسية سواء من منظور علم العادات أو علم النفس الترابطي؛ أي، أن لها ارتباطات شرطية في ذهنية المريضة الممارسة، كما أنها قد تحمل معاني ضمنية ... إنها ليست صيحات انفعال أو حركات عشوائية صادرة فقط عن موجودات، بل هي هوامات حافلة بنسق رمزي ابتدعه كائن في مجال أوسع من مجال اللغة. ولعل عباس العقاد كان محقاً في قوله بأن "الفن تعبير نلحظ فيه البواعث قبل أن نلحظ فيه الغايات".. ويستطرد قائلاً "للحياة مظهران لا ينفصلان: تأثير من الخارج إلى الداخل هو الحس، ورد من الداخل إلى الخارج هو التعبير" (زكريا إبراهيم، 1966: 313). فالممارسة التعبيرية الراقصة الرمزية والإحساس بكل ما تحويه الأجواء الطقوسية المادية المدعومة بالاعتقاد في هذه الممارسة وفاعليتها ويمكن عدها علائق نفس تحيل العوائق إلى وسائط تحرر، وإطلاق مخيلة إلى حدود لانهائية.

 

أما إذا سلطنا المزيد من الأضواء على هذه التعبيرات وتنوعاتها فنجد بوتقة من التنوع الثقافي الاجتماعي، فهناك خيوط بنات الحبش، والأولياء الصالحين، والعرب، والنوبا، والتكاريير، والنصارى، والخواجة ... الخ. فالممارسة لها أشكالها التعبيرية المختلفة حيث نجد نماذج للتماهي والاحتماء بالأولياء الصالحين والتوحد مع شخوصهم والتدثر بملابسهم وتقمص أدوارهم ... أي على حد تعبير جان لابلانش وبونتاليس، "التماهي هو عملية نفسية يمثل بواسطتها مظاهر أو خصائص أو صفات شخص آخر، ويتحول كلياً تبعاً لنموذجه" (جان لابلانش وبونتاليس،1997). هكذا نجد المريضة الممارسة للزار تتماهى مع "لولية الحبشية" التى تجسد روح العاهرة في استباحتها للمحرم في تصرفاتها ... وتؤسس الممارسة في هذا الخيط قاعدة انتهاك المحرم والتحرر من الغرائز المكبوتة ... ممارسة يطفح بها الجسد في توسعه إلى الخارج. ولعل ذلك يمثل الإفلات من محتويات اللا وعى وسيطرة الأنا "عودة المكبوت". فالحركات في هذا الخيط تتسم بنوع من التعري والمجون والخلاعة، وتتميز موسيقاه وإيقاعاته بالخفة التى تمنح المريضة الممارسة الفرصة للتعبير عن الكبت والحرمان الجنسي بإفراغها لانفعالاتها من خلال الأجواء الأخاذة في مجتمع نسائى صرف، يساعد على تعطيل الضوابط الخلقية ويستبعد الإحساس بالإثم ... تتعطل "الأنا الأعلى" للمريضة الممارسة للزار لتحل محلها شخصية الشيخة المتسامحة، التى تبيح لها التخلص من القيود الاجتماعية والتزمت، حاثة لها باستعراض مفاتن جسدها وافراغ انفعالاتها بحرية كاملة، هكذا تندفع الممارسة في تدعيم إحساسها بجسدها والتفكير فيه، محاولة التخلص من التسلط المفروض على هذا الجسد، أي، كما يقول عباس مكي: "كان جسد المرأة ولازال مادة غنية للتشريع وتحديد الممنوع والمسموح من تحركات الجسم وتعبيراته ومتطلباته، تبعاً لأنماط مقبولة اجتماعياً، أي، تبعاً لأنماط مصلحة المتسلط الذى يمتلك هذا الجسد" (عباس مكي،1949: 117). والحقيقة أن خيط "لولية الحبشية" يقارب وصف مصطفي حجازي في قوله "عندما يفلت الجسد ويعبر عن طاقاته ورغباته بحرية يفلت الإنسان من التسلط والقهر" (مصطفي حجازي، 1989: 225).

 

كذلك نرى في طقوس الزار شكلاً من أشكال التماهي مع المعتدي وهو ما ينعكس في تقمص المريضة الممارسة للأدوار السلطوية (الحكيمباشا، والباشا، ومنليك ملك الحبشة، والخواجة .. الخ.) ففي هذا النوع من الخيوط تتسم الحركات الراقصة بتعبيرات تعكس السلوكيات العنجهية لأمثال تلك الشخصيات السلطوية، ويتجاوب الجمهور مع المريضة بالوقوف محيياً لها وهى تتحرك راقصة في استعلاء وخيلاء. لا شك أن ممارسة هذا النوع من خيوط الزار ترتبط بفرضية الحرمان والتعويض، التى تقوم على مبدأ أن التمييز الجنسي ضد النساء يولد الحاجة والقابلية للتعويض في هذه الانفعالات والتقمص. وأن تمتع الرجال بالأدوار الاجتماعية الحياتية خارج نطاق البيت - لا بدَّ أن يواكبه التعويض في الأدوار الطقوسية عند النساء برفضهن دورهن الأنثوي. إن التماهي بالمعتدي يتميز "بمحاكاة شخصية المعتدى وتبنى خصائصه، وبمحاكاة عدوانه يحيل نفسه من الشخص موضع التهديد إلى الشخص مصدر التهديد" (آنا فرويد،119:1972). وتقارب خيوط الزار هذه طقوس الزولو، التى وصفها ماكس كلوكمان، حيث تقوم المرأة بعكس أدوارها وتقوم بأعمال الرجال. ويفسر كلوكمان ذلك بأنه تمرد مسموح به ومستباح، ويعبر عن التمرد والصراع والاحتجاج كما سبقت الإشارة إليه (Max Gluckman: 1973: 112). ويمكن النظر إلى ممارسة الزار سلوكاً دفاعياً لا شعورياً، يصبح شعورياً في لحظة الممارسة التى تخدرها قوة الإلحاح الإيحائية، سلوكاً صادراً عن مكبوتات. ويعرف لابلانش الكبت بأنه عمليةً يرمي الشخص من خلالها دفع التصورات (أفكار، وصور، وذكريات) المرتبطة بالنزوة إلى اللا وعى وأن يبقيها فيه (جان لابلانش وبونتاليس، مرجع سابق: 416). وللكبت أضرار منها انشطار الشخصية أو اللجوء لأساليب ملتوية لتخفيف التوتر، وهو عملية غير اقتصادية فيها تبديد للطاقة .. إنه أحداث مكبوتة مشحونة بانفعالات قوية تقسر الفرد على ضروب شاذة من السلوك الظاهر الصادر بفعل عقد ومكبوتات. من خصائص السلوك المكبوت السلوك القهري (3) والاستحواذي وهما وجهان لعملة واحدة، أي، سلوك يحدث رغم إرادة الفرد، وهو سلوك شاذ ورمزي ينجم عن كبت الدوافع والمنع من التعبير الصريح؛ مما يجعل الفرد يلجأ للتعبير بصورة رمزية "لأن عملية الترميز تتيح للمكبوت أن يتملص من الرقابة" (جان لابلانش وبونتاليس، مرجع سابق:271).

 

ويلاحظ في الممارسة التعبيرية أنماطاً من السلوك العدواني بنوعيه: ايذاء الذات (المازوشية) وايذاء الآخرين (السادية)، وكان كرافت ايبنغ قد عرَّف السادية بأنها تطلق على الإحساس بلذة الحواس حتى الشبق، وهو إحساس ناجم عن عمليات التحقير والإذلال والعقاب والقسوة التى تمارس على شخص آخر، كما تطلق هذه التسمية على القيام بأفعال تلائم هذه الرغبة. أما المازوشية فقد رأى فيها الوجه المعاكس، ففي حين تبقى السادية إحداث الألم والعنف فإن المازوشية تهدف إلى تحمل الألم، وتصبو لأن تكون ضحية أعمال عنف، فالمازوشي تتسلط عليه فكرة أن يكون خاضعاً كلياً لإرادة كائن آخر، فكرة أن يُحسب فرداً حقيراً مهاناً. وفي حالة السادية والمازوشية تترافق هذه الصور بشعور النشوة، ويتغذى المصاب بأحد هذين المرضين بأحلامه هذه، وغالباً ما يسعى لتحقيقها، وقد يحدث أن يجتمع هذان الانحرافان لدى الشخص نفسه لدرجة يصعب معها تصنيف الحالة (فاوستو أنطونيني، 71:1989). في خيوط الزار نلاحظ نموذجاً لكل من السادية والمازوشية، ففي خيط الزرق، على سبيل المثال، نجد تجلياً للسلوك المازوشي، حيث تتسم حركات هذا الخيط بالعنف والقسوة وايذاء النفس، وتصاحبه أدوات تعبر عن طابعه المرتبط بالعنف (سكاكين، وفؤوس، وحراب، ونار .. الخ). ومن أكثر رقصات هذا الخيط عنفاً رقصة "الغرزة"، حيث تجلس المريضة أثناء الممارسة أرضاً جاثية على ركبتيها في وضع أشبه بالركوع، وتتمايل بعنف إلى الأمام وإلى الوراء ويمنة ويسرة ضاربة كوعها الأيمن تارة والأيسر تارة أخرى بصخرة مطروحة أمامها حتى يسيل الدم من الكوعين. كذلك من رقصات هذا الخيط رقصة تقوم فيها المريضة بضرب نفسها بسوط من الجلد، أو بحمل جمرات متقدة تقلبها في كفيها. وتعكس هذه الحركات في خيط الزرق معاناة المريضة الحادة، التى تبلغ بها درجة إلحاق الأذى بنفسها بصورة مازوشية. أما في خيط نمر الكندو فنجد تجلياً للسلوك السادي حيث تتدثر المريضة بجلد النمر المتوحش، وتقوم بملاحقة الصغار الموجودين بالحفل وتعضهم. إن العدوان سواء على الذات أو على الآخرين هو استجابة، يرد بها المرء على الخيبة، والحرمان بمهاجمة مصدر الخيبة أو لعله عدوان يمثل إسقاطا لغريزة الموت (وفقاً لمدرسة التحليل النفسى)، أوعدواناً تتجلى من خلاله "إرادة القوة والسيطرة على الغير" (آدلر). كما يجوز تفسيره بوصفه طاقة تنشد التفريغ الكامل للفيض الإثاري إحداثاً للتوازن (الجشطالتيون).

 

ويُلاحظ في طقوس الزار شكلاً من أشكال التعبير عن النرجسية ينعكس في الخيط المسمى بـ"خيط البنات" الذى تتميز بعض رقصاته بطابع الرقصات الشعبية، التى تتسم حركاتها بالنظرة النرجسية من خلال معايشة الممارسة، وهى ترقص لجسدها وذاتها، فالزار يبيح لها استعراض جمالها ورشاقتها وملابسها وزينتها.. "إن أفكار الراقصة تتعدى التفكير في الجنس؛ إذ تحتاج إلى فضاء أكبر عند الرقص منه عند المشي، وبالتالي فإن إسقاط الذات في الفضاء يصبح أكثر صعوبة، بحيث يؤدي الرقص إلى تغيير صورة الجسم .. هذا التغيير يمثل في حد ذاته هدفاً علاجياً" (آني ريشكو، 1999: 44-43). وهناك في طقوس الزار من الممارسات ما يعكس الخوف من المرض أو الموت، وهو ما يجد انعكاساً له في الخيط المسمى بخيط التربي (4)، فالمريضة التى تشكو من رؤية الأموات في أحلامها قد ينتابها الخوف من الموت ... "فالخوف المرضي هو الخوف الذى يعتري المرء، ويتبدى على صورة الخشية من الموت ورهبة الفناء" (أسعد رزق، 1993: 119).

 

إن الممارسة التعبيرية للزار تحتوى على عدد من الخيوط المرتبط كل منها بمرض بعينه، من ثم فقد لاحظت أن بعض المريضات الممارسات يتوهمن المرض ارتباطاً بالأعراض التى يصيب بها الخيط المحدد. قد يكون هذا، في اعتقادي، نوع من توهم المرض الهجاسي hypochondria الذى هو ضرب من الوسواس الذى يستحوذ على الإنسان، ويولد عنده قلقاً بالغاً على صحته بحيث يعتقد واهماً معاناة ألم أو مرض معين، ويصل به الوهم درجة المبالغة في خطورة الألم أو المرض الوهمي، فهو موسوس بالمرض (أسعد رزق، مرجع سابق:89).

 

هوامش

(1) قياس التفاضل السيمانطيقي semantic differential طوره سنيدر واسكود Snider and  Osgood وسمي سيمانطيقي لكونه يختص بالمعنى ولأنه يحمل أبعاداً مختلفة من حيث دلالة المعنى، مثال كلمتي good and nice واللتين تستخدمان لدى الطلاب الأمريكيين بشكل مختلف إذ يشار بـ good  إلى الذكر، في حين تشير الثانية nice  إلى الأنثى (Hilgard et al., 1971: 273).

(2) قفل العلب: مصطلح تستخدمه جماعة الزار ويعنى توقف احتفالات الزار في فترة محددة من العام. وتشير العلب إلى أنواع البخور الخاصة بكل سيد من أسياد الزار.

(3) يتكون السلوك القهري عندما يكتشف الفرد أن سلوكاً معيناً يخفف القلق المتبط بالفكر الوسواسى، ويعزز تخفيف القلق هذا النوع من السلوك ويثبته ليصبح نمطاً سلوكياً متعلماً (أنظر: حامد زهران، ص. 425).

(4) تسقط الراقصة في هذا الخيط أرضاً في حالة غيبوبة وتنتفخ بطنها وتلف بملاءة بيضاء أشبه بالكفن، ومع حرارة الإيقاع وكلمات الشيخة يتلاشى الانتفاخ وترجع المريضة إلى حالتها الطبيعية. وكانت الباحثة خلال دراستها الميدانية المشار إليها في غير هذا المكان قد لاحظت أن مريضة ممارسة لهذا الخيط كانت تشكو من مرض القلب ومارست الرقص وهى تضع حبة تحت لسانها وفق إرشاد الطبيب وأقرت للباحثة لدى استجوابها أنها تحلم بأرواح الأموات في منامها.

 

المراجع

عبدالمنعم حنفي،1994، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، ط4، مكتبة مدبولي، القاهرة.

وليام هاولز،1965، ما وراء التاريخ، ترجمة أحمد أبوزيد، دار نهضة مصر، القاهرة.

رولان دوران وفرنسوا يارد،1997، موسوعة علم النفس، م. أول، دار عويدات للنشر والطباعة، بيروت.

زكريا إبراهيم،1966، فلسفة الفن المعاصر، دار نصر للطباعة، القاهرة.

جان لابلانش وج.ب. بونتاليس،1997، معجم مصطلحات التحليل النفسي، ط 3، ترجمة مصطفي حجازي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت.

عباس مكي،1974، "الجسم: حرمانه، وتشريعاته، وتعبيراته الانفجارية"، مجلة دراسات نفسية، كلية الآداب، الجامعة.

مصطفي حجازي،1989، التخلف الاجتماعي: سيكولوجية الإنسان المقهور، ط5، معهد الإنماء العربي، بيروت.

آنا فرويد،1983، الأنا وميكانيزمات الدفاع، ترجمة صلاح مخيمر وعبده ميخائيل رزق مراجعة مصطفي زيور، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة.

فاوستو أنطونينى،1989، عنف الإنسان أو العدوانية الجماعية، ترجمة نخلة فريفر، سلسلة الكتب العلمية 10، معهد الإنماء العربى، بيروت.

آنى ريشكو،1990، "العلاج بالرقص والموسيقى"، الثقافة النفسية، مجلد أول، عدد 4، تشرين أول:43-47.

أسعد رزق، 1993، (إعداد)، عبدالله عبدالدايم (مراجعة)، موسوعة علم النفس، ط 4، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.

Jung C.G., M-L von Franz, L. Joseph Henderson, Jolande Jacobi and Aniela Jaffé (eds.) 1978, Man and his Symbols, 17th Ed., U.S.A.: Dell Publishing Co. Inc.

Calvin S.Hall, Vernon, J. and Nord, Y. 1973, Aprimer of Jungian Psychology, New York: New American Library.

Hilgard E.R., Richard A. and Rital A. 1971, Introduction to Psychology, New York:Harcourt Brace Jovanovich Inc.

Klein M. 1930, ‘The Importance Of Symbol Formation In The Development Of The Ego’ International journal of psycho-Analysis, 11, 236-50.

Max Gluckman 1973, Custom and Conflict in Africa, Oxford: Basil Blackwell.

Milner M. 1952, ‘The Role of Illusion in Simple Formation’. in: New  Directions in Psycho-analysis. New York: basic Books: 82-109.

Newton K. and Redfearn J.W.T. 1977, ‘The real mother, ego-self  relations and personal identity’. Journal of Analytical Psychology  24: 295-315.

Segal H. 1957, ‘Notes on Simple Formation’, International Journal of Psycho-analysis,38,391-7.

Ulanov A. 1985, ‘A shared space’, Quadrant 18, 1: 65-80.

Winnicott D.W. 1951, ‘Transitional objects and transitional phenomena’, in: Playing and Reality. New-York: Basic Books 1971: 1-25 .

Winnicott D.W. 1971, ‘Mirror-role of mother and family in child development’, in: Playing and Reality. New York: Basic Books: 111-118.

Winnicott D.W. 1975, ‘Mind and its relation to psyche-soma’ in: Through Pediatrics to Psycho-Analysis. New York: Basic Books: 243-254.

Winnicott D.W. 1986, ‘Fear of breaking’, in: G. Kohon (ed.), British School of Psychoanalysis, New Haven: Yale University Press: 173-82.