9

فنون بحر الغزال

منحوتات البونجو والبلاندا الجنائزية

كلاوس يوخن كروجر

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

31

شكل 31

إنه من غير الطبيعي وجود منحوتات من الشطر الجنوبي للسودان في المجاميع المبكرة، سواء العامة أو الخاصة. هذه المنطقة التي تمزقها الحرب ظلت تعاني من صعوبة الوصول إليها على مدى سنوات كثيرة، حتى وقت قريب، كان جنوب السودان واحدة من المناطق القليلة غير المتضررة من نشاطات التجار الأفريقيين الباحثين عن الأعمال الفنية. أخذت المنحوتات من هذه المنطقة النائية في الظهور بأعداد أكبر في السوق، لكنه ورغم فقدانها لنسب فإنها تستحق دراسة تفصيلية. في هذه المقالة، سنصف المنحوتات الجنائزية عند قبيلتي البونجو والبلاندا. وفي مقالة ثانية، سيتم نشرها في عدد قادم من مجلة "الفنون القبلية"، سوف نتناول تقاليد فن النحت لدى مجموعات اثنية أخرى في المنطقة وكذلك الأشكال الأخرى للإنتاج الفني للبونجو.

 

رغم أن فن البونجو ظل معروفاً منذ فترة طويلة للمتخصصين، ووجدت القليل من القطع طريقها إلى المتاحف في القرن التاسع عشر، فإنه لم يظهر أي عمل أساسي من البونجو في أي مجموعة غربية عامة خلال الفترة الاستعمارية. بالتالي ليس من المدهش رؤية ندرة أو حتى انعدام أية أمثلة لمنحوتات البونجو والبلاندا في نماذج النحت الأفريقي. لم يبدأ المتحمسون للفن الأفريقي الاهتمام بتلك الأعمال الرائعة إلا بعد ظهورها في المعرض الأساسي للنحت الأفريقي الذي أقيم في متحف لودفيغ بكولون في 1990(Afrikanische Skulptur, held by the Ludwig Museum in Cologne) وفي أفريقيا: فن قارة بعد خمس سنوات في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن، والتي عرضت فيها ثلاثة منحوتات.

 

TOMBS

مدافن البونجو

في هذه الدراسة، سنحاول تقديم موجز لتاريخ هذا الفن في علاقته بالعالم الغربي ومحاولة استكشاف وظيفته ومعناه في عالم البونجو والبلاندا.

 

التوزيع الجغرافي

يعيش البونجو في الجزء الجنوبي لمديرية بحر الغزال بجنوب السودان، وهي منطقة عشبية في معظمها. يعيش البونجو في مجموعات زراعية عائلية، تتباعد إحداها عن الأخرى بمسافة معلومة، غالباً بالقرب من مصادر المياه أو الأنهار. أثناء موسم الأمطار، يكاد تحديد الاتجاه يكون مستحيلاً بسبب طول الأعشاب الذي يصل في حالات إلى ما يزيد عن المترين.

 

هجر السكان في الوقت الراهن تلك المناطق الواسعة، تاركين بضع آلاف فقط من البونجو منقسمين إلى مجموعات مختلفة ومنعزلة بعضها عن الآخر. واحدة من المجموعات الكبيرة التي تفاعل معها المؤلف تعيش في منطقة التونج، وأخرى في منطقة واو وإلى الجنوب من واو، ومجموعة ثالثة في منطقة نهر بوسيرة. مجموعات أصغر تعيش في مركز طمبرة، ومنطقة رمبيك، ومركزي مريدي ويامبيو. يوجد البلاندا في منطقة واو، أساساً في الجنوب والغرب، وكذلك في منطقة طمبرة. وتعيش مجموعة صغيرة في يامبيو. بفضل هذا التشظي، يمكن تحديد الأساليب الفنية المحلية بثقة.

 

bongo man

رجل من البونجو

التاريخ

البونجو هم ذو أصول سودانية. هاجروا في حوالي سنة 1600 من منطقة تقع في تشاد الحالية واستقروا في المديرية التي يقطنونها الآن. قادتهم هجرتهم عبر مناطق جنوبية بعمق نهر مبورنو، وهو ما قد يفسر بعد المؤثرات الأسلوبية من مناطق الكونغو الشمالية. في الغالب الأعظم أنهم جلبوا معهم من منطقة شاري في تشاد تقليد تزيين المدافن بمنحوتات خشبية 1. موثقة حقيقة أن بعض مجموعات السارا، الذين تربطهم بهم صلة قرابة، لديهم أيضاً منحوتات جنائزية، لكن لا يقوم كل البونجو وكل البلاندا بصناعة منحوتات من هذا النوع.

 

غالباً اكتسب البلاندا تقليد وضع المنحوتات على مدافنهم من جيرانهم البونجو 2. ظهرت هذه المجموعة في بواكير القرن السابع عشر عن طريق الزواج المتبادل بين الدو لوو (وهي مجموعة نيلية من الشمال الشرقي) ومجموعات سودانية أصيلة. يغطي مصطلح بلاندا في الوقع قبيلتين مختلفتين، البفيري، الذين يؤلفون في الأساس سودانيون اختلطوا بدم نيلي، والبوور، الذين يشكلون في الأساس نيليون اختلطوا بدم سوداني. ينسب البفيري للندوجو ويتحدثون لغة سودانية. ويعد البجومبا جزءاً من البفيري.

 

1

شكل 1

البوور، من جانب آخر، ذو أصول نيلية، ويرتبطون بـ اللوو، ويتحدثون لغة اللوو. ويؤلف المبريدي جزءاً من البوور. تقارب البفيري والبوور ثقافياً بفعل التزاوج المتبادل المستمر.

 

ترك احتلال الأزاندي للمنطقة على امتداد القرن التاسع عشر تقريباً تأثيره أيضاً. في أواخر ذلك القرن، أجلى سلطان الأزاندي في طمبرة الكثيرين من البلاندا عن أراضيهم مما اضطرهم لإعادة الاستقرار أبعد إلى الشمال. لم يهرب جميع البلاندا على كلٍ، واستمر بعضهم يعيشون تحت سيادة المحتلين الأزاندي ويمارسون ثقافتهم بصورة ظاهرية. وبحسبانهم عرفوا بـ أبرى-أزاندي، يمكن تصنيف فن نحتهم الجنائزي ضمن منحوتات الأزاندي (شكل 1).

 

كانت منطقة البونجو واحدة من مناطق أفريقيا التي وجدت وصفاً كاملاً في أعمال الرحالة الأوربيين في نهاية القرن التاسع عشر. في الوقت الذي كان فيه جورج شفاينفورث Georg Schweinfurth، وثيودور فون هوجلين Theodor von Heuglin، ورومولو جيسي Romolo Gessi، وجون بيثريك John Petherick، وفلهام يونكر Wilhelm Junker في مديرية بحر الغزال، كانت المنطقة تعاني مخاض ثورة ودمرت بفترات حرب واحتلال. كان البونجو بصورة خاصة ضحايا تلك الاضطرابات، وتعرضوا تقريباً للإبادة الشاملة من قبل تجار الرقيق العرب. إما أن يكونوا قد بيعوا رقيقاً أو أخذوا للزرائب عمالاً ينتجون الطعام أو يخدمون صناعاً للفخار (انظر Schweinfurth, Junker, Petherick et al.). اعتمد تنظيم الزرائب الاجتماعي على استغلال الموارد البشرية مثل الرقيق، وأيضاً على تجارة العاج. أثرت قوة العلاقات الثقافية مع المحتلين المسلمين بلا شك عل ثقافة البونجو التقليدية وتكاد تكون قد أبادت كلياً شعب البونجو. التنظيم الاجتماعي غير التراتبي للبونجو، والذي لا وجود فيه لقيادة مركزية، لم يك قادراً على الوقوف في وجه الاحتلالات العسكرية العربية عالية التنظيم، ليبقى العشر من البونجو. الشئ نفسه حدث بالنسبة للبلاندا الذين نجا بعضهم من الصراع فقط بوضع أنفسهم تحت حماية الأزاندي (عاشت مستعمرة حتى في بلاط سلطان الأزاندي جبودوي في يامبيو) أو بالهجرة باتجاه الجنوب. آخرون هربوا شمالاً مع المقاتلين الأزاندي خلفهم مباشرة، واجبروا على تحمل غزوات الأخيرين. عانى البونجو بدورهم أيضاً من قبضة الأزاندي. كان البونجو مسلحين فقط بالقسي والسهام، في حين استخدم الأخيرون الرماح، والدروع، والسيوف. ورغم سوء التنظيم والعددية الأقل فقد أثبت البونجو مع ذلك أنهم خصم قوي بفضل تكتيكاتهم المميزة لحرب العصابات.

 

كان الجزء الغربي من جنوب السودان قد أفرغ إلى حد بعيد من السكان عندما تولى الإنجليز مسئولية الإدارة السياسية للمنطقة في بداية القرن العشرين. وتظل المنطقة كذلك إلى يومنا. أبقت الكثافة السكانية المتدنية على حيوانات الصيد بكميات كبيرة، ونجحت الثقافات التي اعتمدت تقليدياً على الصيد في البقاء. حتى سبعينات القرن العشرين استمر البونجو يعيشون على الصيد، مستخدمين الرماح، والقسي والسهام، والشراك، والشباك. يكمن الصيد أيضاً وراء صروحهم الجنائزية التقليدية، والتي تزين بتماثيل منحوتة ضخمة. مثل تلك المنحوتات تصور الميت، لكن المدافن نفسها قُصد منها إظهار رتبته التي بلغها في المجتمع عن طريق البراعة في الصيد وإقامة الوليمة اللاحقة، بالتالي التأثير الذي يمكن أن يمارسه على الأحياء من عالم ما بعد الممات.

 

منحوتات البونجو في العالم الغربي

2

شكل 2

رغم أن الرحالة المبكرين كانوا مهتمين بفن نحت البونجو، فإننا ندين بالفضل في توضيحه ووصفه التفصيلي لكل من شفاينفورث ويونكر. كان بيثريك أول من جلب إلى أوربا تمثالاً للبنجو 3، وهو تمثال موجود الآن بالمتحف البريطاني في لندن (انظر شكل 2، يسار). ويختلف هذا التمثال عن بقية القطع التي وصلت إلى أوربا منذ تلك الفترة. بالمثل، فإن التمثال الذي يوضحه شفاينفورث في عمله "الفنون الأفريقية Artes Africanae" يظهر أسلوباً اختفى في الوقت الحالي (شكل 4).

الأعمال التي سجلها كل من جورج شفاينفورث وبيثريك لم تك منحوتات جنائزية. انتمت في الغالب إلى نوع النحت التشخيصي الذي يوضع في المنزل كذكرى للمتوفي الذي وصفه جورج شفاينفورث، أو أنها مشابهة لتلك المنصوبة على جانبي الطريق التي تؤدي إلى القرية التي لاحظها بيثريك.

 

5

شكل 5

يعود تاريخ أول صورة فوتوغرافية لمنحوتة بونجو إلى عام 1906 وقد صورها المبشر فرتز جيير Fritz Geyer 4. تجسد المنحوتة أسلوباً لازال موجود اليوم، وتتمركز المنطقة الفنية المرتبطة به حول طمبرة، بالقرب من نهر جوبا (انظر شكل 5).

المنحوتة في الصورة الفوتوغرافية هي واحدة من شكلين وجدا في الحديقة خلف ما كان حينها المباني الحكومية. بالتالي كان الوصول إليهما متيسراً وتم وصفهما وتصويرهما عدة مرات خلال القرن العشرين. صورة جيير تبعها وصف للمنحوتة تمت صياغته أثناء زيارة لمديرية بحر الغزال. عندما ذهب الرحالة الإنجليزي ريتشارد ويندهام Richard Wyndham إلى طمبرة في وقت ما قبل 1936، قام هو كذلك بالتقاط صور فوتوغرافية لتلك المنحوتات، التي كانت لازال قائمة في ما سيصبح حديقة المستشفى، وأعاد جوزيف مايس Joseph Maes فيما بعد طباعة صور ويندهام 5.

وحيث أن طمبرة كانت عرشاً لواحد من زعماء الأزاندي المهمين فقد أشار مارك ليو فليكس Marc Leo Felix 6 إلى صورة من صور ويندهام، واصفاً بالخطأ تلك المنحوتات بحسبانها منحوتات مدفن للأزاندي (التي هي نادرة لكنها مع ذلك موثقة). لاحظ ويندهام نفسه في رسالة بعث بها إلى ميس أن تلك المنحوتات الخشبية صنعها أزاندي بناء على طلب مبشرين أرادوا تزيين حديقتهم. ذكر جيير، من جانب ثان، أعمال صنعها نحات من البلاندا لأوربي. لا يسجل لا جريير ولا ويندهام المحتوى التقليدي المناسب لقطعتي طمبرة 7. تضمينهما لجسم المنحوتات التقليدية يمكن تحديه بالتالي. أنهما يشهدان أكثر على تأثير الصلات الثقافية المبكرة وعلى تحول في الاستخدام المبدئي لفن النحت.

 

كان شارلس سليجمان Charles Seligman، في عام 1917، الأول الذي أعاد إنتاج عمل فني تقليدي قديم مأخوذ من مدفن، احتمالاً التمثال الجنائزي الأول الذي يصل إلى متحف 8. وكان ادوارد ايفانز برتشارد Edward Evans-Pritchard، في عام 1929 9، الأول الذي يكتب وصفاً مفصلاً للمدافن في منطقة التونج، وأعاد إنتاجها في عمله. في مجلد صدر في عام 1932، أعاد سليجمان طباعة صورة لتمثالين كان قد التقطهما دكتور توكر Dr. Tucker. يوفر هذان التمثالان، الذين تمت إعادة تصويرهما فوتوغرافياً من قبل المؤلف عام 1974، بينة مصورة غير عادية لعملية فن النحت الأفريقي الطويلة (انظر شكل 11 أدناه).

 

أخيراً فإن عمل اندرياس Andreas و ولتراود Waltraud كروننبيرج Kronenberg وبحثهما هو ما جعل البونجو وثقافتهم التقليدية معروفة في عالم الاثنوغرافيا. عاشا في خمسينات القرن العشرين وسط البونجو لفترة زمنية طويلة نسبياً وجمعا أعمال وجدت في النهاية ملاذاً آمناً لها في متحف الخرطوم للاثنوغرافيا  نجحا في اقتناء تماثيل مدفن قديم مع بعض نماذج أخرى لم يتم استخدامها من قبل، كما نظما عملية نقل بعض منحوتات طمبرة إلى الخرطوم، حيث تم عرضها في حديقة متحف الاثنوغرافيا. كانت تلك لازالت موجودة هناك عندما وصل متخصصون من ساكسونيا السفلى لصيانتها في عام 1987.*. بعد انقضاء عشرون عاماً منذ الصور التوضيحية لويندهام، تمت ملاحظة أن قطعة واحدة ظلت على حالتها نفسها كما في الصورة الفوتوغرافية. عندما تم ترميمها في عام 1987، أظهرت آثار العمر (شكل 5) 10.

 

8

شكل 8

بدأ تاريخ منحوتات البونجو في الغرب في 1973، عندما طرح في السوق ستة عشر موضوعاً عبر وساطة عالم الفنون والرحالة البلجيكي كريستيان دوبونشيل Christian Duponcheel. كان دوبونشيل 11 قد اطلع في الصحافة على تقارير بخصوص مفاوضات وقف إطلاق النار بين حكومة السودان المركزية والثوار في الجنوب. استقل أول طائرة إلى السودان وتمكن من مقابلة قائد الثوار، الذي كان حينها بسبب المفاوضات متواجداً في العاصمة. بمساعدته تمكن دوبونشيل من جمع منحوتات في مديرية بحر الغزال ونقلها إلى أوربا. انتهت تلك القطع في متاحف (باريس، لندن، نيويورك)، وفي أيدي تجار التحف (هنري كامر Henri Kamer)، أو مجاميع خاصة (فروم Frum، دي جروني de Grunne، دي منيل de Menil).

 

9

شكل 9

بعد عام على رحلة دوبونشيل، ذهبت إلى جنوب السودان مع زوجتي، حيث قمنا بتصوير وجمع المنحوتات المبينة في الشكلين 6 و7. سافرنا سيراً على الأقدام، وقضينا وقتاً طويلاً نستبين من الزعماء، والمعالجين، وبخاصة الصيادين.

 

منحوتات أخرى وصلت إلى أوربا في وقت لاحق، بداية مع حامل بلجيكي (شكل 8 أعلاه) ومن ثم عن طريق مجهودات موظف أمم متحدة ألماني (شكلين 9، يسار؛ و 10، أسفل)، لكن تلك كانت مجرد تذكارات جلبت عن طريق أناس يعملون في المنطقة. ليس قبل حلول 1998 حيث بدأت عندها تلك الأعمال تظهر بأعداد كبيرة في سوق التحف الفنية.

 

أصل المنحوتات وعمرها

10

شكل 10

المنحوتات العتيقة التي لا تأتي من مدافن يحتمل أن تعكس ظواهر محلية (شكل 2 و 4). نحتت تماثيل البونجو المرتبطة بالممارسات الجنائزية من جذع شجرة، تكون قاعدتها مدفونة ستين إلى ثمانين سم في الأرض. توضع إما أمام تل المقبرة أو وسطه وتحاط بحجارة، بحيث تكون الدائرة الكلية حوالي ثلاثة أمتار في القطر. أقيمت تلك المدافن بالقرب من القرى، وتكون التماثيل معرضة بصورة كاملة للطقس. وحيث أن القرى في هذه المنطقة تحركت عندما تصبح الأرض غير صالحة للزراعة، فإن المدافن القديمة أصبحت الآن ضائعة في السافانا، بدون ممرات تقود إليها. تجعل الكثافة السكانية المتدنية للبونجو من الاستحالة بمكان تحديد موقع الكثير من تلك المدافن إلا في حالة اشتراك السكان المحليين بفاعلية في عمليات البحث. تفسر هذه الحقيقة لماذا يكون العامود في قاعدة التمثال مبتوراً بسكين: البونجو، الذين يحترمون أسلافهم ومدافنهم القديمة، لا يودون أن يفسدوا الأرض بإزالة الجزء المطمور من التمثال.

 

يجب أن نستغرب عن ماهية العناصر التي أثرت في تلك المنحوتات الجنائزية مع تقادم السنوات وما هو مداها العمري. كونها منحوتة من خشب المهوجني، فإن صلابة هذا النوع من الخشب ومقاومته الطبيعية أعطى لتلك المنحوتات عمراً طويلاً. ليس بإمكانية النمل الأبيض، وهو عدو أساسي لفن النحت الأفريقي، أن يؤذي هذا الخشب القوي، ونادراً ما ينشطر. تجعل الشمس لون الخشب الأحمر في الأصل فاتراً لكنها لا تهاجمه في الواقع. الضرر الأساسي الذي تعاني منه المنحوتات، بالتالي، تتسبب فيه الرطوبة، بخاصة خلال موسم الأمطار. تبدأ التعرية عادة في خشب القلب الصلب، وتصبح الكثير من المنحوتات أكثر تجويفاً. تشكل حرائق الأدغال كل سنة سبباً آخراً للدمار، كما توضح آثار بعض القطع، لكن طالما أن الخشب الصلب يصعب احتراقه، فإن المنحوتات تكون متفحمة ظاهرياً فقط. ليس من طريقة لحساب عمر منحوتات البونجو باستخدام الكربون المشع14، والمستخدم اليوم بصورة شائعة بالنسبة لمنحوتات أفريقية أخرى، ذلك لأننا لا نعتقد أن تلك الأعمدة يتجاوز عمرها 100 إلى 120 سنة. بالتالي فإن البينة الأساسية التي نمتلكها لتأريخها توجد في المصادر التاريخية والوثائق الفوتوغرافية، التي مكنتنا من التعرف على خمس منحوتات التي تظهر كل واحدة منها في أكثر من صورة فوتوغرافية يفصل بين التقاطها عقود. آخذين في الحسبان مدى التعرية التي حدثت بين التاريخين، يمكننا تكوين صورة عن العملية الطويلة.

 

11

شكل 11

(شكل 11) منحوتات من مدينة التونج، صورها تكر قبل 1932، ثم مجدداً في 1974. كانت لازالت واقفة في عام 1974، حتى وإن كان وجه الطفل لم يعد من الممكن التعرف عليه، وهي حقيقة ناتجة عن تخريب أكثر من كونها ناتجة عن تعرية. كانت تلك المنحوتات في حالة عامة جيدة لأكثر من اثنين وأربعين عاماً بعد تصويرها للمرة الأولى، رغم العديد من علامات التعرية. المثير هو أن القليل قد تبقى من المدافن في الصور المتأخرة. الصورة التي التقطها تكر تظهر منحوتات طليت لتوها. يمكننا بالتالي افتراض أن الأشكال عملت ليس بوقت طويل سابق للصور الملتقطة.

(انظر شكل 5 أ و ب أعلاه) منحوتة من طمبرة التقطت صورتها قبل عام 1936 من قبل ويندهام (المتوحش الدمث The gentle Savage, pl. 38) والتي أخذها كروننبيرج إلى متحف الخرطوم في عام 1958. تظهر بعض علامات التعرية فيما بين التاريخين. عرضت المنحوتة في فناء المتحف في 1958 ورممت في عام 1987 بسبب التعرية الشديدة التي تعرضت لها. كان الوجه بحالة جيدة في عام 1936، لكن بعد أكثر من واحد وخمسين عاماً في الهواء الطلق، فإنها احتاجت إلى ترميم بسبب الأضرار الناتجة عن الطقس.

12A

شكل 12 أ

(شكل 12 أ) هذا المدفن، القريب من التونج، التقطت صورة فوتغرافية له قبل عام 1936 من قبل ويندهام الذي نسب المدفن للأزاندي الذين عاشوا في المنطقة. واضح أنه مدفن للبونجو كان قد أصبح قديماً عندما التقطت صورته.

12B

شكل 12 ب

(شكل 12 ب، يمين) جمع في عام 1999، بحالة سيئة، هذه المنحوتة (التي يمكن رؤيتها في القاع الأيمن، في صورة التقطها ويندهام، المتوحش الدمث، لوحة 17) يمكن تقدير عمرها بحوالي سبعين سنة.

13

شكل 13

(شكل 13) صور هذه المنحوتة كروننبيرج قبل عام 1958، ثم صورها مجدداً في عام 1974، هذا المدفن لا يظهر اليوم تغيرات مرئية. رغم أن كروننبيرج وصفه بأنه قديم، فإن صورة عام 1974 تترك الانطباع بأن المنحوتة حديثة نسبياً.

14

شكل 14

(شكل 14) العمود الذي يعتليه طائر يعود تاريخه إلى أربعينات القرن العشرين، عندما أمرت الحكومة بمنحوتات الطيور في التونج. بدأ الناس حينها يزينون المدافن بأشكال حيوانية أيضاً. هذه المنحوتة التي تضررت كثيراً جمعت حديثاً وتبلغ من العمر قرابة الستين سنة.

 

تلك الأمثلة القليلة تبين أنه في حين أن المنحوتات لا تتآكل دائماً، فإن تغيرات أساسية يمكن ملاحظة حدوثها في فترة أربعين سنة. يمكننا أيضاً الاستنتاج بأنه وبمجرد أن تبدأ عملية التعرية فإنها تتنامى بسرعة، ذلك أنه وطالما بقي الخشب في حالته دون تغير، فإن التغيرات يصعب ملاحظتها. يمكننا أن نفترض بالتالي أنه كلما كانت المنحوتات أقدم بين خمسين ومائة سنة في وقت جمعها.

 

الدين

بفضل أبحاث كروننبيرج في الأهمية الدينية للمدافن، فإننا نمتلك المزيد من المعلومات عن تلك المنحوتات مما هو الحال بالنسبة للعديد من الأشكال الأخرى لأعمال الفن القبلي، ويمكننا رسم مخطط للمحتوى الديني الذي صنعت فيه تلك المنحوتات. هنا، قام لوما بخلق العالم والكائنات البشرية. لوما، الإله الخالق، موجود في كل عملية الخلق، الجانب الروحي موجود في كل فرد من بني الإنسان، وفي كل شئ حي وغير حي. ليس للكائنات الحية علاقة مباشرة مع لوما، لكنها بعد الموت تصل إلى قرية لوما، حيث سوف تعيش للأبد. إنها تنتمي الآن إلى عالم الأسلاف، ويمارسون تأثيراً معلوماً يستخدمونه لرفاهية وخير أحفادهم.

 

لوما-جوبو هو نقيض لوما. إنه سيد الغابة وخالق الجبال، والأنهار، والحيوانات في الأدغال. يشكل الصيادون البونجو تهديداً دائماً لـ لوما-جوبو، لأنهم عندما يمارسون الصيد يدخلون إلى مجاله ويزعجون خلقه. رغم أن البونجو يعيشون في صراع دائم مع لوما-جوبو، فإنه لا وجود لصلة لهم به بعد الموت. كل فرد من البونجو يشيد مذبحاً لإله الغابة هذا أثناء طقوس الصيد، في محاولة لاسترضائه وكسب مساعدته. هذا المذبح، الذي هو مسكن سيد الغابة، يسمى رو لوما جوبو وتشيد الشجرة التذكارية،أو فوري، أمامه. يتوجب على الصياد وزوجته إطاعة أحكام السلوك أثناء الصيد. من سلوك الحيوانات في الغابة يدرك الصياد عما إذا كانت زوجته قد أطاعت تلك الأحكام، وقد يشكل فشلها في الالتزام بذلك خطراً على حياة زوجها. يسهم السلوك المطيع والشعائر الصحيحة في ممارسة صيد ناجح وتحمي الصياد من الحوادث. 

 

الصيد واحتفالات الجدارة

7

شكل 7

عندما يقتل الصياد البونجو حيواناً كبيراً، مثل ثور وحشي، أو فيل، أو فهد أو حتى إنسان، فإنه يكون قد ارتكب مخالفة جدية في مجال سيد الغابة، والذي لن يعجز عن معاقبته. على الجاني بالتالي أن ينفذ طقس صيد إرضاءً لـ لوما-جوبو. الأدوات المستخدمة لتلفيق هذا "التطبيب بالصيد" المهدئ سيتم تمثيله لاحقاً عن طريق حلقات متنوعة تنحت في الأعمدة المشيدة على المدافن. الجماجم والنصب التذكارية تمثل رمزياً أيضاً في المدافن. في الأزمان القديمة، كان قتل عدو أمراً خطيراً ويعد مأثرة خاصة تنال التشريف عن طريق الصروح الجنائزية. بالتالي في شكل 7، يمكن رؤية عامودين على التل خلف الشكل يعتليهما رأسان لعدوين قتلا.

لاحظ بيثريك فوري معلق مع جماجم بشرية تشريفاً لسيد الغابة: "في قلب القرية يوجد ميدان كبير، حيث تعلق على شجرة النصب التذكارية- جماجم المقتولين". أهمية قتل العدو في عالم البونجو تؤكد عليها ملاحظة الأب ماجاجنوتو التى اقتبسها ستيفانو سانت اندريا: "كان من المألوف لدى شبيبة البونجو الأكل باستخدام اليد اليسرى، بحيث يكون لليد اليمنى شرف قتل رجلاً من الدجور". في تلك الأيام كان اصطياد الثور الوحشي يعد الأصعب، بالتالي يكون مدهشاً وضع قرون أو حتى جماجم الثيران ضمن الزينة الجنائزية.

 

15

شكل 15

عندما تكون أسلاب الصيد مهمة فإن هيبة الصياد تزداد في عيون رفاقه. بعد أيام قليلة من طقس الصيد يحق للصياد الاحتفال وينال أثناء احتفال الجدارة، الذي يكون هو مسئول عنه، لقباً يتوافق وعدد الحيوانات التي قتلها. على مدى أيام الاحتفال يتوجب على الصياد أن يوفر لضيوفه المريسة (الجعة) والأطعمة المختلفة. ويرقص الضيوف مع نصب الصيد ويقدمون براءة الشرف للصياد. يحتاج الاحتفال لكميات كبيرة من الطحانة. وبما أن الحبوب غير متوفرة دائماً فإن الاحتفال قد يؤجل في حالات إلى حين توفيرها. كلما ازداد عدد احتفالات الجدارة التي يقيمها الصياد كلما ارتفعت مرتبته الاجتماعية. كل أعمال الصيد البطولية التي حققها والاحتفالات التي أقامها سيتم تعليمها لاحقاً على صروحه الجنائزية، حيث تشير حلقات على شكل قدح في الأعمدة إلى تحضير تطبيب صيد وتمثل الأجسام الكروية رؤوس الحيوانات المقتولة (شكل 15). الرؤوس في قمة الأعمدة يمكن، كما بينا أعلاه، أن تشير إلى الناس الذين قتلهم الصياد. الأعمدة التي تنتهي بشوكة متشعبة تشيد حول التل لاستحضار حيوانات أقل تم قتلها.

 

الاحتفالات الجنائزية

الاحتفالات التي يتم فيها تشييد الصروح الجنائزية، هي بمعنى آخر احتفال ينظم على شرف صياد بونجو. بالتالي فإن كل من الصرح والاحتفال يؤكدان مرتبة المتوفى التي حاز عليها خلال حياته الدنيوية، ويضمنان له الاحتفاظ بتلك المرتبة في العالم الآخر. يقف المتوفى الآن أمام لوما ليدعي مكانه في قرية الإله. تشيد المدافن وتطلى بالمغرة؛ يحاط الكوم التلي بالحجارة. يعتمد عدد الصروح الجنائزية وشكلها على الأفعال التي يقوم بها المتوفى وكذلك على عدد احتفالات الجدارة التي أقامها. يقوم الأقارب والضيوف أثناء المهرجان الاحتفالي بسرد مآثر المتوفى في الصيد وسلسلة نسبه. يمكن لـ لوما بالتالي من تقييم المتوفى؛ كلما علت مرتبته كلما توجب أن يكون الاحتفال ضخماً ومهيباً. إذا أثبت الاحتفال عدم اكتماله وأنه غير مناسب لرتبة المتوفى الاجتماعية، أو إذا كانت الصروح الجنائزية لا تليق بجدارته وبألقابه، فإن المتوفى لن يكون بمقدوره استخدام نفوذه مع لوما ليوفر حماية كافية لأحفاده. فوق ذلك، فإن الأخيرين سيجلبون على أنفسهم انتقام المتوفى.

 

المدافن

رغم أنها متنوعة في بعض الجوانب، فإن مدافن البونجو تتوافق مع المرتبة التي حاز عليها المتوفى خلال حياته الدنيوية، وبالتالي يتم تشييدها وفق ضوابط محددة.

 

30

شكل 30

تشيد تماثيل أنثروبومورفية (تشبهية) ضخمة أمام مدافن الصيادين العظماء للغاية. عادة ما تمثل تلك التماثيل المتوفى، وفي حالات، الرجال الذين قتلهم. تتجه التماثيل باتجاه قرية لوما في الشرق. تُظهر أعمدة منحوتة من فوق التل عدداً من نصب تذكارية للصياد إلى جانب أدوات تستخدم للتجهيز لتطبيب الصيد. قد تعلو تلك الأعمدة رؤوس، بخاصة في منطقة التونج. عادة ما تنتهي الأعمدة حول التل بشوكة، والتي ترمز أسلوبياً للقرون. وهي بدورها أيضاً تشهد عل جدارة الصياد وقوته. في حالات تغطى المدافن بأثاث مهشم كان خاصاً بالمتوفى في السابق، أو بجماجم حيوانات، أو برايات. التماثيل محاطة بإحكام برؤوس أسهم حديدية استخدمت أثناء الاحتفال الذي يتم من خلاله طلاء التماثيل بالمغرة أو بمادة حمراء أخرى. تبقى في بعض الحالات آثار خضاب.

 

يصور المتوفى في حالات فقط بتمثال نصفي احتمالاً، كما يسجل شفاينفورث، نتيجة، على الأقل جزئياً، أسلوب مميز لنحات بعينه. تميز مدافن الصيادين الأقل مرتبة في العادة بحلقة أعمدة بسيطة.

 

عُلمت بعض المقابر بتماثيل أنثروبومورفية ضخمة لكن بدون أن يكون لها لا تل ولا أعمدة. تمثل تلك أيضاً شخصاً ميتاً، لكنها تشيد فقط إذا كان المتوفى قد قتل بفعل سحر. تلك التماثيل، المعروفة باسم مانجير، يهدف منها إلى استبعاد السحرة. تشيد في المقبرة مباشرة بعد الوفاة بدون احتفال مخصص.

 

النساء عادة لا يستحقن تمثالاً يصورهن لكونهن لا يمارسن الصيد. عندما يكون هناك عمود على مدفن امرأة، فإن ذلك يكون بسبب أن احتفال الجدارة قد أقيم على شرفها من قبل صيادين. التمثال الموضح في الشكل 13 واحد من الأمثلة، ويصور ساحرة امرأة مشهورة. عندما يرغب الصيادون في إبراز تأثير شخصية امرأة مشهورة في الآخرة، يمكنهم تحويل الاحتفال لها، وهذا هو ما يفسر وجود أعمدة منحوتة على بعض مدافن النساء.

 

مدافن البلاندا مشابهة لتلك الخاصة بالبونجو وتخدم الغرض نفسه. لكن البلاندا، على أية حال، يميلون أكثر من البونجو إلى تشريف مدافن النساء بإقامة أعمدة. مثل تلك المدافن غالباً ما تكون خاصة بأمهات عظماء الصيادين.

 

الصروح الجنائزية للمجموعات المجاورة، مثل المورو، والأفوكايا، والموروكودو، واللوري، والسوفي، والبلي، والتي سيتم تناولها في الجزء الثاني من هذه المقالة، تختلف عن مدافن البلاندا والبونجو من حيث الأسلوب والوظيفة وأيضاً من حيث المعنى. عند بعض القبائل يوجد تمثال تقريباً لكل ميت، في حين أنه عند قبائل أخرى يحتفظ بهذا الشرف فقط لقلة من الخاصة، مثل صناع المطر. القليل من الناس باقين والقليل للغاية معروف عن ماضيهم بحيث أن تصنيف تلك المدافن يظل غامضاً. ارتكب الرحالة المبكرون العديد من الأخطاء، مثل مدفن الـ "زاندي" الذي اكتشفه ويندهام والذي اتضح أنه مدفن بونجو، رغم أنه من المحتمل الأقرب مجاورة للأزاندي (شكل 12).

 

مراكز النشاط الفني

MAP

 

6

شكل 16

الخريطة في هذه المقالة تُظهر وجود عدد كبير من الأساليب الإقليمية. هذا الأمر لا يثير الدهشة آخذين في الحسبان عزلة المجموعات المختلفة للبونجو والبلاندا. ثلاثة أساليب بونجو تونج (الأشكال 3، 6، 7، 12، 16، 17، 18، 19) يمكن تمييزها، كما يمكن تمييز أسلوب بوسيرى (شكل 9)، وأسلوب واو الجنوبي (الشكلين 20 و 21) وعلى الأقل ثلاثة أساليب بلاندا-مبجومبا (الشكلين 23 و24)، ومبريدي (شكل 10)، وأسلوب اباري-أزاندي في يامبيو (شكل 1) وكذلك أسلوب طمبرة (شكل 5) وأساليب باكا (شكل 25).

نظرياً، فإن أي فرد من البونجو يرغب في أن يكون نحاتاً ويصنع تماثيل جنائزية له مطلق الحرية. يعمل معظم الوقت في مجموعته بأسلوبه الخاص. نحاتون معينون عادة يتخصصون في صناعة الأعمدة ذات الحلق، أو ذات الشوكة، أو التماثيل الضخمة.

16A

شكل 6

 

19

20

21

23

شكل 19

شكل 20

شكل 21

شكل 23

 

يعزى انعدام التبادل بين قبائل البونجو المختلفة وتطور أساليب إقليمية متمايزة إلى عزلة تلك القبائل على امتداد منطقة واسعة، وتفاقم الصراعات المسلحة فيما بينها. فوق ذلك، فإن حجم التماثيل الجنائزية ووزنها جعل من المستحيل نقلها لمسافات طويلة. تساعدنا تلك العناصر في التعرف على أسلوب عدد من النحاتين المتخصصين في التماثيل الجنائزية الأنثروبومورفية. حتى صناع الأعمدة ذات الحلقات يبدو أنهم طوروا أساليب فردية. تختتم هذه المقالة بموجز للأساليب الرئيسة لأعمدة البونجو والبلاندا ولأصولها الجغرافية.

 

3

شكل 3

أسلوب التونج 1 (الأشكال 3، 6، 7)

"أستاذ التونج" تم التعرف عليه عن طريق أعماله. يتميز هذا الأسلوب الرائع بتصوير أشكال الذكور ويتميز بحاسة الحركة. الرأس بيضاوية، ويضيف النحات في حالات ذقن. يلبسون كلهم جرابات عورة، وتبدو العيون المعمولة في الأصل من قواقع حلزون تحدق في الأبدية. في العادة تكون يد واحدة مرفوعة ورجل واحدة ممتدة قليلاً للأمام. مثبتة بانحناءة طفيفة للركبة، يعطي هذا الانطباع بالحركة. المنحوتات فيما يبدو صنعت كلها من قبل يد واحدة، واسم هذا النحات تم إخطارنا به: كوانجا جيتي، أو باندجا جيتي، طبقاً للزوجين كروننبيرج. كان حياً في خمسينات القرن العشرين عندما عاش الزوجين كروننبيرج وسط البونجو، وتمكنا من اقتناء أعماله الأخيرة لمتحف الخرطوم للاثنوغرافيا. في عام 1974، كان هو وأبناءه قد ماتوا وتم تقديمنا لنحات شاب يقوم بصناعة منحوتات جنائزية حديثة. في وقت قريب ظهرت قطع معاصرة للأسلوب نفسه. إنها عموماً قطع أصغر وتمثل صوراً للمستعمرين (الخواجات) في العادة. ومع أن بعضها يتسم بمزايا لا يجوز إنكارها، إلا أن الكثير منها يبدو جامداً. يحتمل أن تنسب تلك الأعمال لتلاميذ أستاذ التونج.

أسلوب التونج 2 (انظر الشكل 12)

هذا الأسلوب القديم يتألف من عمل نحات متخصص في التماثيل النصفية. المنحوتة نفسها يمكن رؤيتها في وضعها الأصلي في صورة فوتوغرافية التقطها ويندهام في ثلاثينات القرن العشرين. تقليد تصوير المتوفى ليس بكامل هيئته وإنما نصفياً كان أكثر شيوعاً في أزمان أقدم؛ يشير التوثيق القديم إلى تماثيل نصفية أكثر مما يمكن رؤيته اليوم. هذا الأسلوب التجريدي نسبياً يختلف عن أساليب التونج الأخرى، وغالباً ما يكون النحات منتمياً لجماعة أخرى. صور ويندهام مدفنه ونسبه للأزاندي، لكنه كان مخطئاً. هذا الصرح الجنائزي مميز للأعمال الأخرى لأسلوب بونجو التونج 2.

17

شكل 17

أسلوب التونج الحلق 1

(الأشكال 16 أ و ب، و17)

يغطي مدى هذا النحت المثمر المنطقة نفسها مثل التونج 1. عمل تحديداً على الأعمدة الجنائزية الحلق، التي يعلوها عادة رأس. فقط عمل واحد من أعمال هذا الأسلوب يظهر شكلاً كاملاً.

 

18A

شكل 18

أسلوب التونج الأعمدة الحلق 2

(شكل 18)

في المنطقة نفسها يوجد أسلوب ثان ينسب لنحات متخصص في أعمدة حلقات تعلوها رأس. أسلوبه أكثر واقعية وعادة ما تزين الرأس بغطاء مزخرف. اختلاف هذين الأسلوبين في المنطقة الجغرافية نفسها يُظهر الحرية الأسلوبية التى يتمتع بها نحاتون متجاورون.

 

أسلوب التونج الشرقي (شكل 19)

يسود أسلوب أكثر تجريدية في المنطقة بين رمبيك والتونج. الوجوه المقعرة ذات الشكل الأشبه بالقلب تستحضر المنحوتات من الكونغو الشرقي وترتبط بالتماثيل النصفية للتونج 2. يصور هذا النحات الحركة والإحساس. يبدو ذراع الشكل وكأنما يقوم بحركة حزن.

 

أسلوب بوسيرى (شكل 9)

وفقاً لآل كروننبيرج، احتفظت مجموعة بوسيرى بأكثر التقاليد أصالة. يظهران في كتابهما العديد من القطع المنحوتة بيد فنان واحد. الأشكال دائماً بلا ملابس، يميل الجسم قليلاً على خط الجذع. الفم والعينان مفتوحة، الوجه مقعر وعلى شكل قلب. الذراعان نحتا قريباً جداً من الجسم. الأسلبة القوية تختلف تماماً عن تصوير الحركة المميزة لمنطقة التونج.

 

أسلوب واو 1 (المنطقة الجنوبية) (انظر شكل 20)

هذا التمثال، مثله مثل التمثال في المتحف البريطاني، من عمل فنان عاش جنوب واو، في منطقة تتميز بأشكال تفتقد إلى أي إحساس بالحركة.

 

أسلوب واو 2 (انظر شكل 21)

يُظهر هذا الشكل خدوش مميزة للبطن، والوجه، والجبهة. الوجه المؤسلب أشبه بالقلب. العينان مطعمتان بمعدن، وهي تقنية وجدت أيضاً لدى قبيلة البلاندا الفرعية – مبجومبا- المجاورة.

22A

شكل 22 أ 

بونجو، أسلوب طمبرة (شكل 22أ وشكل 22ب)

صنع هذا النحات أعمدة منحوتة ضخمة مؤثرة، حقيقية بحقها الخاص. الوجه معبر للغاية دائماً، الرأس بارزة قليلاً إلى الأمام، العينان والأذنان مجوفة بعمق، الفم البيضاوي مفتوح دائماً. قاعدة الرأس والجزء الأعلى من آنية طبية تسندها تخلق سطحين متوازيين متطابقين (شكل 22أ). قطعة أخرى من تنفيذ الفنان نفسه مبينة في الشكل 22ب.

22B

 شكل 22 ب

بلاندا، أسلوب مبجومبا 1 (انظر شكل 23)

يحتمل أن يكون هذا التمثال هو المثال الوحيد المعروف من هذا الأسلوب. كانت هناك تأثيرات غربية في هذه المنطقة منذ ثلاثينات القرن العشرين. كتب ايفانز برتشارد عن أسلوب فن النحت هذا :" تلك التى نصبها المبجومبا هي الأروع التي رأيتها في بحر الغزال. إنها محزوزة بقطعة قماش أو حزام منسوج، ومزخرفة بقبعات، وحلي أذن، ودبابيس أنف؛ إنها مصنوعة لكلا الجنسين، الأجسام منحوتة جيداً وفي أجزاء ملونة بصباغ أحمر وأزرق. في حالات توجد ثلاثة شلوخ مستقيمة على كل خد، والتي يمكن أن تكون علامة قبلية". أزال الزمن ألوان تلك التماثيل القديمة. ألبست بعضها خوذات المستعمرين، والتي كانت تعد، فيما يبدو، رمزاً لعلو المرتبة الاجتماعية وسط البلاندا الآخرين منذ وقت مبكر، ويوجد طبيعياً على رؤوس التماثيل. لكن لم يرتبط غطاء رأس بحال من الأحوال بمقدمة رأس تمثال عن طريق مسامير معدنية كما لاحظه جرمي كووت في تعقيبه على أشكال البونجو الثلاثة في كاتلوج أفريقيا "فن قارة" (1995، ص. 137).

24

شكل 24

أسلوب مبجومبا 2 (شكل 24)

هذا الشكل، الأكثر واقعية بدون ادخالات معدنية، يدلل على أسلوب ثان للمبجومبا. إنه عمل فنان مشهور من منطقة رافيلي، أوستا أوكون. تماثيله عادة طويلة، مع أشكال رقيقة وقوية. تماثيل أخرى لهذا الفنان موجودة في متحف الخرطوم.

بلاندا، أسلوب مبريدي (انظر شكل 10)

أعمال أخرى لهذا الفنان معروفة 12، وتتطابق مع المنطقة الأبعد جنوباً. صنع الفنان أيضاً أشكال طويلة للغاية، دائماً بلا ملابس، مع أكتاف عريضة للغاية ومربعة وأفخاذ قوية. الفم مفتوح في تعبير عدائي، غطيت الرأس بتسريحة أشبه بالخوذة أو بقبعة أوربية في حالات. خلافاً لمنحوتات فنان رافيلي (شكل 24)، تنبثق من تلك الأشكال قوة وحشية. يعيش البلاندا بعيداً في الجنوب حتى طمبرة، والقليل من المجموعات استقرت في مركز يامبيو. كل البلاندا الجنوبيين يستخدمون أسلوب نحت مشابه.

 

بلاندا، أسلوب أبارى-أزاندي من يامبيو (انظر شكل 1)

كانت يامبيو في فترة ما عرشاً لسادة الأزاندي، بالتالي كانت المنطقة كلها مأهولة كلياً بالأزاندي. مع ذلك وجدت هنا تماثيل جنائزية تختلف اختلافاً بيناً من تلك التي نشاهدها في أماكن أخرى 13.الوجه عبارة عن قناع وضع أمام غطاء رأس غير معقد وله تعبير توسطي، وتشكل الأسلبة الهندسية للذراعين ابتكاراً في جسم التماثيل الجنائزية. تلك ذات درجة قرابة أكثر بالتماثيل الكبيرة لمنطقة الكونغو الشمالية منها بالأساليب الخرقاء لشرق أفريقيا. عطاء الرأس المؤسلب الأشبه بالجوهرة وجد على بعض تماثيل الزاندي من يامبيو، كما هو شأن استخدام قناع لتصوير الوجه. هذا الأسلوب قريب من التقاليد المميزة لتماثيل الأزاندي من يامبيو، مثل أجراس الأزاندي ورؤوسهم التي تزين القيثارات. يأتي هذا الشكل من أبارى- أزاندي، وهي قبيلة بلاندا كانت في أزمان ماضية تحت التأثير الثقافي للأزاندي. هذا الأسلوب والفنان الذي جسد عمله مثالاً له ستتم مناقشته مجدداً في الجزء الثاني من هذه المقالة التي سوف تنشر في عدد قادم.

 

أسلوب طمبرة (انظر شكل 5)

التماثيل التى تجسد هذا الأسلوب زينت باحة مستشفى جوبا السابق. لم تصنع بأسلوب تقليدي ويعتقد أنها تصور الأطباء العسكريين العاملين بالمستشفى. الأسلوب رقيق وزخرفي وطبيعي إلى حد ما. هناك ادعاءات بأنه كانت هناك تماثيل مشابهة في مستشفى ليرانجو بالقرب من يامبيو.

25

شكل 25

أسلوب باكا (شكل 25)

تعيش قبيلة باكا الفرعية القريبة للغاية من البونجو في منطقة مريدي وياي. فقط عمودان منحوتان تم التعرف عليهما. كانا مؤسلبان واعتلت كل واحد منهما رأس.

 

26

27

28

شكل 26

شكل 27

شكل 28

 

شكر

أود أن أعبر عن شكري الخاص لزوجتي، جابي، التي رافقتني في العديد من أسفاري، وماكس اتزيكوفتش، لمساعدته.

 

 

 

 

*

عندما كنت (المترجم) مديراً عاماً للإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية إبان الحكومة الديمقراطية الأخيرة قامت الإدارة (1987)، بدعم مادي قدمته سكسونيا السفلى مشكورة، بتنفيذ إعادة تنظيم متحف التراث وعدل اسمه ليصبح متحف السودان القومي للاثنوغرافيا وفق مفهوم الوحدة في التنوع، وهو المشروع الذى تسبب في المشكلة المشهورة التي نشبت بين الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية ووزير الثقافة والإعلام حينها المدعو عبدالله محمد أحمد الإسلاموي الأصولي المندس حينها في حزب الأمة، والذي وقف معارضاً لرؤية تيار السودانوية الذى عبرت عنه سياسات قيادات الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية حينها والقائل بأن وحدة السودان إنما تتجسد في ثقافاته المتنوعة التي تمارس عمليات أخذ وعطاء فيما بينها دون أفضلية أو سيادة أو هيمنة واحدة منها على بقية الثقافات وسعت إلى أن تستجيب أساليب العرض المتحفي إلى هذا التوجه الفكري. هذا وقد أصدر السيد رئيس الجمهورية عمر حسن البشير قراراً  بخلع المتحف القومي للاثنوغرافيا عن جسم الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية وخصخصتة لما صار يعرف بمعهد حضارة السودان (الجسم الإنقاذوي المناط به إعادة كتابة تاريخ السودان وفق مفاهيم الإنقاذ الانسدادية) والذى "يمتلكه" الإسلامويون في شخصية متخصص في اللغة العربية والدراسات الإسلامية. من حينها تحولت كل المقتنيات من صالات العرض لتقبع في مخازن فاقدة لأبسط شروط الصيانة والحماية، في حين تحولت القاعات إلى مكاتب لموظفي وموظفات المعهد المسمى. أضغط هنا لللاطلاع على المزيد بشأن تدمير متحف السودان القومي للاثنوغرافيا. بل وقد امتدت أعمال التدمير المتعمد من قبل معهد حضارة السودان للتراث القومي من المجاميع الاثنوغرافية لتطال واحداً من أهم المواقع الآثارية لا في السودان فحسب بل في مجمل القارة الأفريقية، ألا وهو موقع المصورات الصفراء.

 

 

ملاحظات
1. Chevalier, quoted by Baumann.
2. Santandrea.
3. British Museum N°. Af. 7392, illustrated in Wood's Natural History of Man, Africa, 1874, and Afrikanische Plastik, Eckart von Sydow, Berlin, 1924.
4. Geyer, p. 288, reproduced a sculpture (a part of a couple) from Tembura which was at the entrance of the garden next to the government building along the Jubu river.
5. Maes, J., Kabila - En Grafbeelden uit Kongo, Brussels, 1938, fig. 23, p. 99.
6. Felix, Marc Leo, 100 Peoples of Zaire and Their Sculpture, 1987, 203.
7. Reproduced in 1936 by Wyndham, figs. 36, 37 and 38; Kronenberg, 1960, figs. L, LI, LII; Fendel, Fischer and Maas, 1989, p. 63.
8. In "Gordon College de Khartoum," reproduced in Man, June 1917.
9. The Bongo, Sudan Notes and Records, Vol. XII, part 1.
10. Fendel, Fischer and Maas, "Grabstelen," at the Khartoum National Museum.
11. Personal communication.
12. Illustrated in Kramer/Streck, Sudanesische Marginalien, München, 1991, p. 90.
13. Gero, F., Death among the Azande of the Sudan, Museum Combonianum, 1968.
14. See Schildkrout/Keim, figs. 2.9 and 11.1, and also Fagg, N° 111.
15. Reproduced by Wyndham, pl. 17, then by Maes, fig. 24, p. 100.

 

ببليوغرافيا

BAUMANN, THURNWALD and WESTERMANN, Völkerkunde von Afrika, 1939.
BERNATZIK, H. A., Gari Gari, 1948.
FAGG, W., Tribes and Forms in African Art. Paris, 1965.
FELIX, Marc Leo, 100 Peoples of Zaire and Their Sculpture: The Handbook, Brussels, 1987.
EVANS-PRITCHARD, E. E., The Bongo, Sudan Notes and Records, Vol. 12, 1929, pp. 1-61.
FENDEL, FISCHER and MAAS, "Grabstelen," in Möller, H.-H., Berichte zur Denkmalpflege in Niedersachsen, Hamlen, 1989.
GEYER, F. X., Durch Sumpf, Wald und Feld, München, 1912.
GOHR, Afrikanische Skulptur, Museum Ludwig, Köln, 1990, p. 5.
JUNKER, W., Reisen in Afrika, Vienna and Olmütz, 1889.
KRAMER und STRECK, Hrsg, Sudanesische Marginalien, München, Trickster, 1991.
KRONENBERG, Andreas and Waltraud, "Wooden Carvings in the Southwestern Sudan," Kush, Vol. 8, Khartoum, 1960, pp. 275-281, pl. XL-LII.
---. "Die Soziale Rolle der Jagd bei den Bongo," Anthropos, Vol. 58, 3/4, 1963, pp. 507-519.
---."Verdienstfeste und Grabmonumente in der Bahr-el-Ghazal Provinz," VIe Congrès International, Paris, Vol. 2, 1964, pp. 229-232.
---. Die Bongo: Bauern und Jäger im Südsudan, Wiesbaden, Steiner, 1981.
MAES, J., Kabila - En Graafbeelden uit Kongo, Tervuren, Belgium, 1938.
Petherick, J., Travels in Central Africa and Explorations of the Western Nile Tributeries, London, 1869.
PHILLIPS, T., ed. Africa, the Art of a Continent, The Royal Academy of Arts, London, 1995, pp. 137-138.
SANTANDREA, S., many books.
SCHILDKROUT, Enid, and KEIM, Curtis A., African Reflections, University of Washington Press, Seattle and London, American Museum of Natural History, New York, 1990.
Schweinfurth, Georg A., Im Herzen von Afrika, F. A. Brockhaus, Leipzig, 1874.
---. Artes Africanae, F. A. Brockhaus, Leipzig, London, 1875.
SELIGMAN, Charles Gabriel, "A Bongo Funerary Figure." Man, Vol. 17, n° 67, 1917, pp. 97-98.
SELIGMAN, Charles G., and BRENDA, Z., Pagan Tribes of the Nilotic Sudan, Routledge & Kegan Paul Ltd., London, 1932.
SYDOW, Eckart von, Afrikanische Plastik, Berlin, 1954.
WYNDHAM, R., The Gentle Savage, Cassell and Company, Ltd., London

 

 

تقرير مفوضية ترسيم حدود أبيى 

الجزء (2)

المواقف والادعاءات

  ترجمة : الأستاذ محمد جعفر و أ.د. سليمان محمد الدبيلو

مراجعة وتدقيق أ.د. أسامة عبدالرحمن النور

لقد كتب السيد ك.د.د هندرسون في كتابه مذكرات في تاريخ بقاريي غرب كردفان سنة 1935م "لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أن موقع دينكا نوك بوصفها منطقة صديقة بين الحمر وبحر الغزال قد برهنت بأنها ذات قيمة في الحفاظ على الأحاسيس الطيبة ومنع الاحتكاك. وعلى الرغم من صعوبة تحديد حدودها يكون من الخطاء السياسي ضمهم إلى إقليم آخر (بحر الغزال) على أساس قبلي. فمثل هذا المقترح (الضم إلى بحر الغزال) يجب أن ينظر نزولاً عند رغبة دينكا نوك (وهذا غير وارد الآن) أو في حالة تغول الحمر عليهم".

يمكن تلخيص مواقف وادعاءات كل من حكومة السودان، وقبيلة المسيرية، والحركة الشعبية، ودينكا نوك فيما يلي:

1.    إفادات دينكا نوك أن : حدود منطقة دينكا نوك تمتد أصلاً حتى الاضية وعليه فإن الحدود بين المسيرية ودينكا نوك يجب أن تمتد من بحيرة كيلك وحتى المجلد.

2.    إفادات المسيرية أن : حدود المسيرية تمتد أصلاً جنوب بحر العرب حتى الحدود الحالية بين كردفان وبحر الغزال.

3.    إفادات المسيرية وموقف الحكومة أن : دينكا نوك حديثي القدوم لهذه الحدود حيث انه بعد تركهم منطقة بحر الزراف في أعالي النيل في القرن التاسع عشر تم جلبهم لاجئين بناءً على طلبهم ذلك من زعماء الحمر.

4. إفادات المسيرية وموقف الحكومة أن : إضافة منطقة ابيي إلى دار المسيرية هي تأكيد على أن حدود منطقة دينكا نوك هي جزء من حدود دار المسيرية.

5. إفادات المسيرية وموقف الحكومة أن : لقد كان دينكا نوك  يدارون بوصفهم جزءاً من المسيريه ويتمثل ذلك في دفع الضرائب ونظام المحاكم.

6. إفادات المسيرية أن : يدعي المسيرية بأن مناطق محدده شمال مدينة ابيي مثل (فولة النقار، وباول، ودمبلويا داك، وجور، وتردة أم بلايل، والشقي، ولكوجي، ولاو، وناما) تتبع لهم منذ عهد التركية وخلال 1905 وحتى الآن.

7. موقف الحكومة أن: المنطقة الوحيدة التي تأثرت بالضم إلى كردفان حسب قرار الحكم الثنائي سنة 1905 والخاص بإدارة دينكا نوك كجزء من كردفان هي المنطقة الواقعة جنوب بحر العرب وان دينكا نوك لم يسكنوا شمال بحر العرب إلى بعد سنة 1905.

8. إفادات دينكا نوك وموقف الحركة الشعبية والجيش الشعبي أن : هناك استمرارية في الحدود التي عاشت فيها واستخدمتها مشيخات دينكا نوك التسعة ولم تتغير في الفترة بين سنة 1905م حتى 1965م عندما اندلع القتال المسلح بينهم والمسيرية.

9. موقف الحركة الشعبية والجيش الشعبي أن : تعرف منطقة ابيي بالمنطقة الواقعة بين خط عرض َ35  ْ10  شمالاً وخط طول  َ32 ْ29 شرقاً والحدود الإدارية عند الاستقلال سنة 1956م لكل من أعالي النيل وبحر الغزال ودارفور.

يمكن اختبار هذه المواقف بمقارنة الإفادات الشفوية التي تم جمعها مع السجلات المعاصرة التي تحصلت عليها المفوضية كما يلي:

الادعاء (1) : أن حدود دينكا نوك تمتد حتى الأضية وان الحدود بين المسيرية ودينكا نوك يجب أن تمتد من بحيرة كيلك حتى المجلد.

لا يوجد إلا القليل من السجلات المعاصرة التي تشير للمنطقة بين الاضية وبحر العرب قبل القرن العشرين. من هذه المصادر القليلة جداً يوميات براون والتي سجلها حين كان في دارفور في عامي 1794 و1795 والتي وصف فيها المسيرية في براكا والدينكا على مسيرة خمسة أيام باتجاه الجنوب الشرقي. وقد أكد هذه المذكرات ك.دى.دى هندرسون مفتش منطقة النهود سنة 1930 إذ أفاد فيها بأن المسيرية يتواجدون في منطقة المجلد والبركه ودينكا نوك في دبة المشبك بالقرب من الرقبة الزرقاء حتى لو أثبتت الأبحاث الآثارية أن تواجد دينكا نوك امتد حتى منطقة الاضية إلا أن مذكرات براون وتأكيدات هندرسون قد أوضحت أن هذا ليس هو الحال في القرن الثامن عشر. وعليه فإن هذا الادعاء والذي لم يجمع عليه دينكا نوك يعتبر لا علاقة له بالموضوع الحالي.

جميع التقارير الإدارية في القرن العشرين تؤكد أن المجلد هي رئاسة الحمر وأن بحيرة كيلك يستخدمها الحمر الفلايتة كمنطقة رعي صيفيه (وفي بعض الأحيان يستقرون فيها طوال العام) وهذا على أقل تقدير منذ بداية هذا القرن. كتب ب. ب. هاول مفتش منطقة النهود في سنة 1948 "يعتبر المجلد عند الحمر منطقة مركزيه تنطلق منها جميع التحركات وهي نقطة تجمع للقبيلة خلال فصل الخريف". وكذلك إيان كنيسون والمتخصص في الأنثروبولوجيا والذي عاش بين الحمر في أوائل سنة 1950 كتب في سنة 1954 "تعتبر المجلد بالنسبة للحمر كالوطن وحضورهم لها من البحر يعتبر عندهم مناسبة فرح وتطلع".

من هنا فإن الادعاء بأن الحدود لدينكا نوك تمتد حتى كيلك بل حتى المجلد لا يمكن إقرارها.

الادعاء (2) : تمتد حدود المسيريه في البدايه جنوب بحر العرب حتى حدود جنوب كردفان مع بحر الغزال: 

لقد تم اختبار الادعاء الذي أثاره عدد من الشهود من المسيريه مؤكدين، أن حدود المسيريه تمتد جنوب بحر العرب وإنها أصلاً مع دينكا ريك وتوج، وقد تمت مقارنته هذا الادعاء  بإفادات أخرى.

لم تؤكد هذا الادعاء مذكرات هندرسون عام 1930 ولا مذكرات كنيسون في 1950 على الرغم من أن أحد مخبري كنيسون أفاد بأن الحمر بدأوا في الذهاب إلى قولى في الرقبه الزرقاء وأم بيورو في أواخر التركية فإن هذا لا يجعلهم جنوب بحر العرب.أما الادعاء بان لهم مع دينكا ريك وتوج فقد تم رفضه من قبل أقوك عند استفسارهم.

وهناك إفادات محدده في عام 1902 و1904 و1905 من مراقبين محليين تفيد من الجزء من بحر العرب الذي يسكنه دينكا نوك كان يعرف إما باسمه بلغة الدينكا "كير" أو بحر الجانقى (ويلكنسن 1902؛ بولنويس 1904؛ بيلدون 1905) حتى الحمر نفسهم فقد أشاروا له ببحر الدينكا (كنيسون 1954).

كان بروفسور كنيسون في محاولته لتحديد مناطق نزوح الحمر ودينكا نوك واستقرارهم وبالتالي تحديد حدودهم مهتماً بالاختلافات الايكولوجية لكل من الطرفين، فأشار إلى أن نزوح المسيرية إلى السودان قد تبع حزام السافانا (في مناخ طبيعي وبشكل عام متشابه) لا شبه صحراوي (في الشمال) ولا مستنقعات موسميه (في الجنوب). أما دينكا نوك فقد عاشوا على ضفاف الأنهار والمجارى المائية مثل تلك على ضفاف النيل الأبيض التي قدموا منها (كنيستون 1966 وإفاداته). وقد عاش الحمر والدينكا زمناً طويلاً في هذين المناخين إلى درجة أن لكل منهما نوع مختلف من الأبقار. وعليه فإن الأسباب المناخية تقف حائلاً دون فرضية أن الحمر عاشوا حول ضفاف الأنهار. إلا أن هناك دليل على توسع الرقعة الرعوية للحمر في القرن العشرين طوال فترة الحكم الثنائي. 

لقد فرضت التركية الضرائب الباهظة على المسيريه خاصة من قبل وكلاء الزبير الباشا حينما تمكن من هذه المنطقة وجعل من ديم الزبير في بحر الغزال قاعدته (الفكى النور موسي وهندرسون 1939). في فترة المهديه فقد انقسم الحمر إلى قسمين بعضهم ذهب لـ أمدرمان تلبية لنداء الخليفة، أما القسم الآخر لينجو من ممثلي الخليفة فقد لجاء إلى دينكا نوك (اروب بيونق) في الرقبة الزرقاء واستقروا هناك حتى سقوط الخليفة سنة 1898 و1899. بعدها عادوا إلى ديارهم في الشمال (ابو مستوره ولويد 1908) و (دينق 1986) وفي مطلع القرن العشرين قلت أعداد مواشي الحمر (هاول 1948) وكنتيجة لذلك انخفضت أيضاً أراضي الرعي.

لقد علق الإدارين البريطانين الأوائل على السرعة التي استغل بها الحمر ظروف الاستقرار في توسيع رقعة الرعي الموسميه جنوباً حتى داخل أراضي الدينكا (بولدون 1905). وفي موسم الجفاف سنة 1902 لقد وجد الحمر يرعون أبقارهم بمنطقة باول في رقبه الشيب وعلى طول الرقبه الزرقاء وفي أماكن مثل ابوكاريت والملم. في عام 1908 لقد رسمت حكومة الحكم الثنائي تحركات الحمر وقد سجلت أن لهم أربعة أماكن رعي خلال موسم الجفاف بجانب بحيرة كيلك حول الترده، وحول كواك، وعلى طول الرقبه دواس عند الدواس، وانتيلا وبوك، وعلى طول الرقبه الزرقاء عند قلي وابواصلا وابوعرف والديمسويه، وفكى والملم، وحسوبه وتستمر حتى فاول في رقبه الشيب (لويد 1908، الملحق 5.3 والخرطة 3) .  

وفي العشرينات من القرن التاسع عشر أوردت التقارير أن الحمر في فصل الجفاف يرعون حول بحر العرب، وفي عام 1933 بدأ الحمر في استخدام أراضي كبيرة على الضفة الشمالية لبحر العرب، أدت هذه التحركات  إلى إشكالات مع دينكا بحر الغزال جنوب بحر العرب. وفي هذه المرحلة وردت شكاوى مفادها أن الحمر قد اجتازوا حدود دينكا توج (حسب التقارير الأمنية لمديرية بحر الغزال 1923 و1924). وفي الثلاثينيات من القرن نفسه انعكست الشكاوى برفض الحمر دخول دينكا ملوال لشمال بحر العرب وقد دعم دينكا نوك اعتراض الحمر مما دفع بدينكا ملوال شمالاً.

وفي نفس الوقت وسع دينكا نوك مراعيهم جنوب بحر العرب وفي منتصف الثلاثينيات من القرن التاسع عشر توصل دينكا نوك مع دينكا توج إلى اتفاق تم بموجبه منح دينكا نوك حق الرعي جنوباً حتى خور اللول في منطقة دينكا توج ومنح دينكا توج حق الرعي حتى بحر العرب. وحسب إفادات أقوك (دينكا توج وريك) فإن دينكا نوك كان لهم دور أساسي في فتح المجال أمام الحمر جنوباً. وقد دعمت ذلك الوثائق.

إن المقارنة بين الخلافات التي وقعت بين عرب الرزيقات على طول امتداد بحر العرب في دارفور ودينكا ملوال ذات قدر من الأهمية في إلقاء الضوء على هذه القضية. ففي عام 1916 عندما كانت دارفور دولة مستقلة شجعت حكومة السودان، التي يتبع لها إقليم بحر الغزال، دينكا ملوال في هذا الإقليم على منع دخول عرب الرزيقات منطقة جنوب بحر العرب. أما بعد سنة 1916 عندما غزت حكومة السودان دارفور وتم ضمها للسودان فقد أصبح الرزيقات ودينكا ملوال مواطنين في السودان مع الفارق أن الحكومة الجديدة في دارفور كانت تسعى لكسب ود الرزيقات لصعوبة التعامل مع دينكا ملوال. وقد أصبح للطرفين حقوق الرعي في المنطقة جنوب بحر العرب. وفي عام 1918 منح مفتشو (دارفور وبحر الغزال) المنطقة التي تمتد أربعين ميلاً جنوب بحر العرب للرزيقات الأمر الذي دفع بدينكا ملوال رفض هذا القرار وأدى ذلك إلى حالة عدم استقرار في منطقة دينكا بحر الغزال وفي عام 1924 تم تعديل الخط الفاصل بين الرزيقات ودينكا بحر الغزال إلى 14 ميل جنوب بحر العرب. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة من الحكومة كانت تعد مكافأة للرزيقات على موالاتهم الحكومة فإن الحكومة وبطريقة فطنه أقرت بأن ليس للرزيقات حق الدار جنوب بحر العرب. وعلى الرغم من انه قد ينظر لهذا القرار بأنه اعتراف بحق الدينكا في هذه المنطقة فإن دينكا ملوال لم يتخلوا عن حقهم في المنطقة جنوب بحر العرب على الرغم من رفض حكومة السودان إعادة النظر في هذا القرار.

آخذين في الحسبان الأفضلية في المعاملة التي منحتها حكومات الحكم الثنائي للرزيقات فليس من المستغرب أن  ينال الحمر المعاملة نفسها إذا ما أثاروا مثل هذه القضية ولكنه لا يوجد في الوثائق ما يشير إلى ذلك. ومن هنا فإن ادعاء المسيريه بأن حدودهم التقليدية تمتد إلى جنوب بحر العرب عاري من الصحة. فالوثائق والإفادات الشفوية تشير إلى أن تمدد الرقعة الرعوية للمسيرية جنوب بحر العرب قد بدأت في القرن العشرين إبان فترة الحكم الثنائي وقد تم ذلك نتيجة لتعاونهم مع دينكا نوك.

الادعاء (3) : إن دينكا نوك قدموا حديثاً للمنطقة وذلك بعد أن تركوا أعالي النيل في القرن التاسع عشر وبناء على طلبهم من زعماء المسيرية تم احتوائهم في هذه المنطقة كلاجئين.

ما ذكره براون في مذكراته وأكده هندرسون ينطبق على الادعاء أن دينكا نوك وصلوا أثناء حياة على ابوقرون (1825-1835) أو حتى بعد ذلك إبان فترة على الجلة والتي أصبح فيها ناظراً للمسيريه سنة 1900. فإذا كان دليل براون يؤكد ان المسيريه تواجدوا حول منطقة البركة والمجلد في منتصف التسعينات من القرن السابع عشر فهو أيضاً يؤكد ان الدينكا قد استقروا في الوقت نفسه في منطقة الرقبة الزرقاء.

لا توجد أبداً أية إفادة من مخبري الحمر تؤكد هذا الادعاء حسب هندرسون وكنيسون، وبالعكس فإن هندرسون قد حدد أن الدينكا قد استقروا حول الرقبة الزرقاء قبل استقرار الحمر في منطقة المجلد (هندرسون 1935 و1939). وقد أشار أحد مصادر كنيسون إلى وجود عدد قليل من الأشخاص حول قولى في الرقبه الزرقاء وأم بيرو عندما وصل الحمر البحر في فترة الاضطرابات أواخر التركية (على رحمه - تاريخ الحمر ولا يرجح كنيسون ذلك) عندما بدأ الزبير باشا توسيع منطقة نفوذه في بحر الغزال إلى بحر العرب ودارفور (تاريخ الحمر حسب إفادة الفكى النور موسي وهندرسون 1939).

وقد أشار براون إلى أن الدينكا الذين قطنوا جزءاً من الرقبة الزرقاء وامتدوا شرقاً هم من دينكا نوك وليس دينكا روينق وذلك لربطه بزراعة الذرة والتي تعرف عند المسيريه بالماريق (وهو الاسم الذي يطلقه المسيرية على هذا النوع من الذره). وفي مذكرات هندرسون 1939 أشار إلى ان المسيريه يطلقون اسم ماريق على دينكا نوك. وفي الواقع فإن هذا الاسم قد ورد في خرائط السودان منذ عام 1902 حتى اليوم (ويلكنسن 1902، والوثيقة في سنة 1934-6 والتي تؤسس محكمة نوك، ولخص معلومات من الخريطة L-66) ولا توجد أية إفادة من دينكا نوك أو دينكا روينق تدعي سبق روينق لدينكا نوك في هذه المنطقة.

لقد ادعى المسيريه والحكومة بأن دينكا نوك قد هجروا موطنهم في جزيرة الزراف في أعالي النيل نتيجة للفيضانات وغزو النوير لهم في القرن التاسع عشر (إفادة المسيريه وموقف الحكومة) وفي ذلك خلط لحدثين مختلفين لمجموعتين من مجموعات دينكا نوك الأولى تسكن حول نهر السوباط في أعالي النيل والثانية دينكا نوك في كردفان.

وفي الواقع فإن قول ب. ب. هاوال، والذي يشار له دائما مصدر إثبات، بأن دينكا نوك قدموا لكردفان في القرن التاسع عشر يثبت عكس ذلك عندما كتب "لم يذكر دينكا نوك حادثة غزو النوير لموطنهم الأصلي لأنهم هاجروا منها قبل ذلك. وواضح أيضاً أن هناك دينكا يعيشون في المنطقة الحالية لنوك منذ فترة تسبق بكثير غزو وتوسع النوير شرقاً" (هاول 1951). وقد أفاد ميكر مانيرول بأن هناك حروب كثيرة بين النوير ونوك إلا أن ذلك حدث بعد استقرار نوك في منطقة ابيي الحالية (الملحق 4.1).

وبمراجعة معلومات الفيضانات لبحر الزراف وتواريخ حدوثها في مطلع القرن التاسع عشر تتولد بعض الشكوك في صحة الادعاء أن دينكا نوك قد دفعوا غرباً نتيجة للفيضانات في ذلك الوقت. ففي القرن الثامن عشر، التاريخ الصحيح لوصول دينكا نوك للرقبة الزرقاء، لقد كانت قياسات النيل عالية الأمر الذي قد يوحي بحدوث فترات فيضانات في أعاليه. علماً بأن أولى رحلات نزوح النوير شرقاً كانت في الربع الأول من القرن التاسع عشر وهي فترة جفاف في جزيرة الزراف بينما تأثرت منطقة النوير غرب بحر الجبل بفيضانات محليه وهي أحد أسباب نزوحهم شرقاً. وقد تأثرت المنطقة الواقعة شرق جزيرة الزراف بفيضانات في العشرينات من القرن الثامن عشر. انقسم دينكا نوك في هذا الوقت إلى قسمين أحدهما يتحرك شرقاً إلى نهر السوباط والآخر غرباً إلى كردفان وكان لا بدَ للمجموعة المتحركة غرباً من عبور النيل الأبيض مروراً بأرض الشلك قبل بلوغهم أرض دينكا روينق والرقبة الزرقاء، ولا يوجد أي سجل بحدوث مثل هذا النزوح الكبير باتجاه الغرب عبر أرض الشلك في حين أنه قد تم ذكر النزوح الشرقي للنوير في هذه الفترة.

وقول المسيرية أن دينكا نوك قدموا للمنطقة لاجئين نتيجة الحروب في منطقتهم تجافيه الوقائع المعاصرة للمسئولين البريطانين الذين قدموا للمنطقة مطلع القرن العشرين. وقد سبق ذكر كيف أن الحمر كانوا فقراء في نهايات القرن التاسع عشر (الملحق 5.3 و 5.6) وقد أكدت ذلك ملاحظات المسئولين البريطانين الأوائل الذين قدموا للمنطقة إذ اشار الكثير منهم إلى فقر الحمر مقارنة بجيرانهم من البقارة والدينكا (ويلكنسن 1902،ماهون 1902، أونيل 1906 في الملحق 6.6، وليكنسن 1902 في الملحق 5.10) وقد تميز الدينكا بثرائهم (الأبقار والحبوب) أما الحمر فقد عرفوا بفقرهم.

لقد برز الادعاء بأن المسيرية استجاروا دينكا نوك في هذه المنطقة في عام 1966 تاريخ بداية المشكلة الحالية بين الحمر ودينكا نوك (عبد الباسط سعيد 1982 بالملحق 5.9) وقد أشار الادعاء إلى أن الزعيمين على ابوقرون وعلى الجلة، والذين عاشا بفارق خمسين عاماً بينهما، بأنهما أول من استضاف دينكا نوك في المنطقة دليل إضافي إلى أن هذا التقليد حديث. إن تكرار هذا الادعاء خلال الخمسين عاماً الماضية قد أكد لدى المسيرية القناعة بصحته بل إن معظم المسيرية يعتقدون الآن أن هذا الادعاء صحيح وفي واقع الأمر ان هذا الادعاء غير صحيح وتدحضه الوثائق المعاصرة بل تثبت عكسه وعليه يجب تجاهله واستبعاده نهائياً من الآن فصاعداً.

الادعاء (4) : إن تبعية منطقة ابيي الإدارية إلى منطقة دار المسيريه تعني ان منطقة ابيي جزء من دار المسيرية (إفادات المسيريه الشفهية الملحق 4.1 وموقف حكومة السودان الملحق 3.1).

جميع الوثائق خلال الفترة الأخيرة للحكم الثنائي من سنة 1948 حتى 1952 تشير إلى عدم وضوح الرؤيا حول إضافة دينكا نوك لمجلس ريفي المسيرية أو عدمها وذلك ليس فقط لرفض دينكا نوك للضم بل أن هناك عدد من المسيرية كان يعارض ذلك. وفي النهاية فإن ضم دينكا نوك عضواً كاملاً في مجلس ريفي المسيرية كان قراراً واقعياً. وقد كان قرار تسمية المجلس بمجلس ريفي المسيريه كان فقط لطمأنة المسيرية نظراً لأن مفتش المركز المسئول عن هذه المنطقة كان يعرف دائما بمفتش مركز دار المسيرية. وقد أكد آخر مفتش لمركز ريفي المسيرية السيد مايكل تيبس تأكيداً قاطعاً في شهادته بأن الاسم لا يعني أبداً إن للمسيرية حق الدار على كافة حدود منطقة ريفي المسيرية (الملحق 5.8 ومقابلة تيبس في الملحق 4.3).

وعليه فقد وجدت المفوضية بأنه لا يمكن استخدام تبعية منطقة ابيي لريفي المسيرية دليلاً على حق المسيرية في كامل أرض منطقة ابيي.

الادعاء (5): أن : قد كانت إدارة دينكا نوك جزءاً من المسيرية في الضرائب ونظام المحاكم (إفادات المسيريه الشفهية الملحق 4.1 وموقف الحكومة الملحق 3.1).

لقد تم التأكد من ادعاءات دينكا نوك وإفادات بعض المخبرين من المسيرية التي تقول ان دينكا نوك لم يدفعوا أية ضريبة لبحر الغزال (الملحق 4.1)، ذلك لأن قرار الإدارة وقتها ان لا تجمع أية ضرائب منهم إلا بعد ضمهم لكردفان. يتطابق هذا مع ما ورد في أول سجلات ضرائب وجدتها المفوضية (عام 1908) حيث أن ضرائب المسيرية وضرائب دينكا نوك تحسب وتجمع كل على حدة حتى الاستقلال. أما عند الاستقلال فقد فرض على المسيرية ضريبتي المواشي والتعداد (الدقنية) بينما فرض على دينكا نوك ضريبة التعداد فقط (الملحق 5.7).

لقد أسست المحاكم المحلية التي تحكم بالشريعة والعرف عن طريق الشيوخ والعمد والنظار ومنحت لها سلطات محدده في القانون منذ الثلاثينيات من القرن التاسع عشر والأدلة من سجلات الحكم الثنائي تؤكد أن محاكم دينكا نوك تختلف تماماً عن محاكم المسيرية وتدار بصورة مختلفة طوال فترة الحكم الثنائي. وقد عملت محكمة الزعيم اروب بطريقة غير نظامية خلال العشرينات من القرن التاسع عشر حتى تم اعتمادها وتسميتها المحكمة رقم 12 في عام 1936 (وهي مختلفة تماماً عن محاكم المسيرية) تحت قانون المحاكم الأهلية سنة 1932. ولما كانت المحكمة محكمة دينكا وهم غير مسلمين فقد تم تعديل اعتمادها ليتماشى مع الضوابط واللوائح الرئيسة في قانون 1931 المطبقة على المحاكم في الأقاليم الجنوبية الثلاثة. وعند الاستقلال تبعت محكمة ابيي لمفتش المجلس (الملحق رقم 5.7) بينما تبعت محاكم المسيرية للقاضي المقيم بالنهود.

تؤكد سجلات الضرائب والمحاكم صحة ادعاء دينكا نوك بأنهم كانوا يحكمون حكماً ذاتياً في إقليم كردفان ومجلس ريفي دار المسيرية، وأنهم لم يكونوا جزءاً من إدارة المسيرية. أما عدم فرض أية ضرائب على دينكا نوك حتى بعد 1905 فلا علاقة لذلك بهذه القضية.

الادعاء (6): أن : إن المناطق شمال مدينة ابيي مثل قوليه، وباول، والدمبلويه داك، وجور، وتردة أم بلايل، والشقي، وليكوجي، ولاو، وناما تتبع للمسيرية منذ عهد التركية وخلال 1905 حتى الآن (إفادة المسيرية الشفهية الملحق 4.1).

إن ادعاء الطرفين لعدة مواقع بين الرقبة الزرقاء وبحر العرب مبرر والقضية بالغة التعقيد نظراً لأن معظم هذه المواقع تحمل الأسماء العربية والدينكاويه في آن معاً. وقد سجلت الأسماء الدينكاويه في خرائط هيئة  المساحة السودانية حتى عام 1918 إلا أن هذه الأسماء قد تم حذفها من الخرائط في عام 1931 لأسباب غير معروفة لنا (الملحق 6).

وعند زيارة المفوضية لهذه المناطق آنفة الذكر لم تجد أي سكن دائم فيها من أي نوع وقد وجدت فيها أسواق مؤقته وآبار لشرب الأبقار إلا أنها لم تجد أي دليل على سكن دائم للمسيرية فيها ولم تجد أي أثر للقرى القديمة التي ادعى الدينكا وجودها في هذه المناطق سابقاً والتي تم تدميرها عند نشوب الحرب.

جدير بالذكر إلى أن منطقتين من هذه المناطق تحملان أسماءً نيليةً فـ لاو بلغة الدينكا تعني لون من ألوان البقر أما باول فتعنى القرية وهو اسم شائع في لغة الدينكا والنوير والشلك، وتوجد أماكن كثيرة في أعالي النيل وبحر الغزال تحمل مثل هذا الاسم.

وكما رأينا فإن منطقة باول تُعد المركز الرئيس لرعي الحمر خلال فترة الصيف على أقل تقدير منذ مطلع القرن العشرين. أما شقي فقد أوردت مصادر دينكا نوك في 1974 (الفترة قبل نشوب النزاع المسلح) بأنها منطقة دينكا نوك يزورها بانتظام المسيرية (باقوت دينق الملحق 5.9). أما بالنسبة لمنطقة ناما وعلى الرغم من أن المفوضية لم تتمكن من زيارتها فهي منطقة طينيه داخل منطقة القوز تتوفر فيها المياه طوال العام وقد كانت توفر لدينكا نوك الأسماك خلال الفترة بعد الخريف حتى بداية فصل الجفاف (مقابلات ابيي الملحق 4.1) وهي أيضاً منطقة زراعة مطرية بالنسبة للمسيرية وتزايدت الزراعة فيها وخاصة زراعة القطن في مطلع الخمسينيات من القرن التاسع عشر. وحسب إفادة مايكل تيبس حين زار هذه المنطقة في  1954 فإنها منطقة خالية من أي وجود للاستقرار (الملحق 5.9 و 4.3) إلا أننا قد تحصلنا على ما يؤكد ان ناما منطقة استقرار للدينكا من بعض جيرانهم (مقابلات دينكا اقوق الملحق 4.1).

وتفسر حقيقة أن صيد السمك يبدأ في شهر ديسمبر وينتهي بدخول فصل الجفاف جزئياً التضارب بين ادعاء الدينكا وإفادة مفتش المنطقة إذا ما أخذنا في الحسبان ان زيارات المسئولين تبدأ عادة  في فصل الجفاف وهو الوقت الذي يغادر فيه دينكا نوك المنطقة.

وفي هذا الخصوص فإن الأدلة التي تمكنت المفوضية من جمعها تشير إلى ما يلي:

1- لقد تأكد تماماً بأن الرقبه لاو منطقة استقرار لـ دينكا نوك ولم يصلها الحمر مطلع القرن، ولم يتمكن الحمر من توسيع انتشارهم في هذه المنطقة واستخدامهم الصيفي لها إلا مؤخراً في حقبة الحكم الثنائي وذلك نتيجة لحالة الاستقرار التي أرستها حكومة الحكم الثنائي في هذه المنطقة وأيضاً للعلاقات الأسرية الطيبة التي تأسست بين دينكا نوك والحمر (الملحق 5.9).

2- وكذلك فإن الرقبة الزرقاء نجول هي أيضاً أرض استقرار دائم لـ دينكا نوك على أقل تقدير منذ أواخر القرن الثامن عشر وقد تم إقرار المسيرية بذلك في اتفاقهم مع دينكا نوك الذي تم في مارس 1965 (عبد الباسط سعيد 1982، الملحق 5.9).

3- وقد تأكد أيضاً استخدام دينكا نوك لمنطقة ناما منطقةً لصيد الأسماك في نهاية موسم الخريف. إن توسعة المنطقة الزراعية لزراعة القطن بواسطة الحمر في منطقتي ناما وسوبو يرجع تاريخها إلى أوائل الخمسينيات من القرن التاسع عشر وهي نتيجة لخطة التنمية التي وضعتها الحكومة قبل الاستقلال هدفها تلبية طموح قديم في هذه المنطقة وهو زيادة نسبة سكان هذه المنطقة من الحمر.

عليه فقد وجدت المفوضية وبدون أدنى شك أن لـ دينكا نوك الحق في مناطق شقي، والرقبه، ولاو، والرقبة الزرقاء، بينما أثبت المسيرية حقوقهم الثانوية في هذه المناطق. أما بالنسبة لمنطقة ناما فالطرفين تشاركا في الحقوق الثانوية فيها.

الادعاء (7) : ان : المنطقة الوحيدة التي تأثرت بقرار حكومة الحكم الثنائي القاضي بإدارة منطقة دينكا نوك كجزء من إقليم كردفان هي المنطقة الواقعة جنوب بحر العرب حيث أن دينكا نوك لم يسكنوا شمال بحر العرب إلا بعد عام 1905 (موقف الحكومة الملحق 3.1).

هذا هو ادعاء حكومة السودان الذي يقول أن الحدود الجنوبية لكردفان عند بداية الحكم الثنائي الإنجليزي المصرى هي بحر العرب وان جميع الذين عاشوا شمال هذه الحدود قبل 1905 هم سلفاً في كردفان. وتدعي الحكومة أيضاً بأن السلطان اروب بيونق زعيم زعماء دينكا نوك كان يعيش جنوب بحر العرب في 1905 وان حكومة الحكم الثنائي كانت تعد بحر العرب هو الحد الفاصل بينه والحمر شمالاً، وتدعي الحكومة أيضاً بأن الحدود الوحيدة التي تم ضمها لكردفان هي المنطقة التي تقع جنوب بحر العرب ويقطنها دينكا نوك وتوج وقد تم ضم منطقة دينكا توج لبحر الغزال تاركين المنطقة المعنية لدينكا نوك.

يدعم ادعاء الحكومة التقارير السنوية الصادرة قبل 1905 من المديريتين كرفان وبحر الغزال والتي أكدت تحديداً أن الحد الفاصل بين المديريتين هو بحر العرب (التقارير السنوية لبحر الغزال 1902و1904 والتقارير السنوية لكردفان 1903 الملحق 3.1).

وقدمت الحكومة أيضاًً خرائط معاصره وقريبة من المعاصرة توضح ان الحدود بين المديريتين تتبع بحر العرب (تحديداً خريطة السودان الإنجليزي والتي رسمها هـ. و. ماردون في اليوم الأول من أكتوبر ونقحت في الثالث منه وأرفقت في تقارير كاونت قلشن (السودان الإنجليزي - المصري، المجلد الأول، هـ. م. س. 1905)، والنيل الأبيض وكردفان، ومصلحة المساحة المصرية القاهرة 1907 مستنتجة من تقارير الاستخبارات 1904).

ولدعم هذه الخرائط قدمت الحكومة تقارير مسار الميجور ويلكنسن سنة 1902 والتي أعيد طبعها في تقرير قلشن سنة 1905 (السودان الإنجليزي - المصري) وقد أوضح هذا التقرير ان مكان دينكا نوك جنوب بحر العرب ومكان اروب بيونق إلى الجنوب من ذلك بل جنوب نهر كير (بحر الجانقي) وأشارت الحكومة أيضاً إلى تقرير البمباشا بيرسفال الذي أشار إلى أن بحر العرب هو الحدود الشمالية للسلطان روب (الملحق 3.1).

ولما كانت أدلة الحكومة قوية جداً فكان لا بدَّ للمفوضية من اختبارها مقارنة بالوثائق والتقارير الإدارية للفترة منذ بداية الحكم الثنائي حتى تكتشف فهم وأسلوب عمل الإدارات المحلية على أرض الواقع.

لقد اكتشفت المفوضية أن هناك تشويشاً كبيراً في الجغرافيا بين بحر العرب وبحر الغزال طوال العشرين عام الأولى من الحكم الثنائي وقد كان هذا التشويش جزءاً من التشويش العام لجغرافية السودان كله.

وفي الفترة قبل إعادة غزو السودان (1898-8) فقد اعتمدت الجيوش الإنجليزية المصرية الغازية اعتماداً كلياً على معلومات الاستكشافات في القرن التاسع عشر لمعرفة جغرافية السودان. وقد كتب الكابتن قلوشن في كتابه الأول عن السودان والذي صدر قبل معركة أمدرمان يقول "إنه من غير المتوقع أن تحدث تغيرات ذات أهمية في حدود الدول التي يتم التعامل معها"، وقد كان واثقاً من أن المعلومات الجغرافية ستكون صحيحة. إلا أنه وفي العام الأول بعد إعادة احتلال السودان اضطر لإصدار ملحق لكتابه يعترف فيه بأن هناك تشويش غير متوقع في جغرافيا المنطقة. وقد حذر قولشن في هذه الإصدارة الملحقة وقال "نظراً لعدم تطابق وصف نفس الجزء أو الأنهر في البلاد (سواء كان حسب الخرائط أو التقارير) من ناحية الأبعاد أو تهجي الأسماء وقد لوحظت عدة اختلافات في الأبعاد وقد جرت محاولات لأخذ متوسط من المراجع المختلفة إلا أن ذلك من المرجح لا يعطى نتائج مقنعه...(الملحق 6).   

وحول بحر العرب بصفة خاصة فقد كتب قولشن : "وستكون معرفة تفاصيل مسار مجرى بحر العرب، هذا النهر العظيم الذي ينحدر من أقاصي الغرب من قلب دار فرتيت، الأكثر إثارة. وقد انقضي قرن كامل تقريباً بعد أن علّمه السيد براون على الخريطة وبشكل مبهم حتى هذا التاريخ فإن معرفتنا به غير دقيقه إذ لا يوجد أي أوربي تمكن من استكشاف كامل مجرى هذا النهر وقد تم عبوره في موقعين فقط. حتى العرب ليس لديهم الكثير ليقولوه حوله حيث أنهم دائماً يفضلون في مسارهم طريق دارا أو شاكا في الشمال. ولهذا فإن المستكشفين قد تمكنوا من جمع معلومات ضعيفة ومتناقضة. ولهذه الأسباب فإن الحقيقة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من هذه الملاحظات المتناقضة هي أن بحر العرب قد تعرض لتغيرات عنيفة آخذين في الحسبان طول فصل الجفاف".

إن الخريطة التي أرفقت مع ملحق قولشن توضح ملتقى بحر العرب مع بحر الغزال شمال نهر آخر عُرف ببحر الحمر والذي يلتقي مع بحر الغزال شمال بحيرة أمبادي. وقد أصبحت معرفة حقيقة هذين النهرين ودقة تحديد موقعهما مصدر تشويش لسنين قادمة (ر. م. ساوندرز 1900، يوميات حول بحيرة نو مشرع الريك 1905، الملحق 5.12) وقد استمرت حالة عدم معرفة جغرافيا حوض العرب حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. ففي نسخة خريطة المساحة السودانية لسنة 1912 (1:250,000 65-K) والتي غطت ما عُرف لاحقاً بمنطقة ابيي، قد تمت الاشارة إلى "مجرى بحر لم يتم مسحه كليا". ولم يتم تصحيح ذلك إلا في سنة 1918 عندما أضيفت تعديلات جوهريه في مجرى بحر العرب والرقبة الزرقاء في الشمال وأضيفت للخريطة (الملحق 6).

لقد قامت المفوضية برسم طريق الميجور ويلكنسن في عام 1902 من بحيرة كيلك إلى نهر كير (الملحق 5.10) على خريطتيّ المساحة السودانية رقم 35 NCH (بحيرة كيلك) و 35 NCL (غابة العرب) (الملحق 6).

وكما يلاحظ من الخريطة رقم 2 فإن المواقع التالية يمكن التعرف عليها بوضوح: كيلك، والجرف، واليوي، والدبيكر، والأنقا، وكويك، والدبيب، وفولة حمديا، وفت، وباول. وبعد فاول بقليل انحني الطريق إلى جنوب الجنوب الشرقي على طول نهر عُرف على انه بحر العرب. وفي واقع الأمر فإن هذا النهر هو الرقبة الزرقاء (الاسم العربي) أو نهر نقول (الاسم الدينكاوي) وكما أوضحت مذكرات عودة ويلكنسن فإنه كان في رقبة الشيب والتي تصب في الرقبه الزرقاء.

يتضح من ما تقدم بأن الإداريين قد وقعوا في خطاء كبير بحسبان الرقبة الزرقاء أنها بحر العرب وعدوها الحدود بين بحر الغزال وكردفان. وقد وقع البمباشا بارسيفال عام 1904 في الخطأ نفسه عندما زار الناظر اروب بينق على نهر كير قادماً من واو عاصمة بحر الغزال، بوصفه أن النهر كير يبعد 50 ميلاً جنوب بحر العرب (الملحق 5.11).

ولم يتم تصحيح هذا الخلط إلا في عامي 1905- 1906 عندما أجري مسح لبحر الغزال حتى مصب ما كان يُعرف ببحر العرب خطأ وتم تصحيح هذا الخطأ. وقد كان بولدن أول من تعرف على أن كير هو بحر العرب في مسحه مارس 1905 (الملحق 5.12) ثم تعرف على ان الرقبة الزرقاء هي بحر الحمر المنطقة التي يأتي لها الحمر بأبقارهم فترة الجفاف (وعليه فقد كان لا بدَّ من الاشارة له ببحر الحمر في الخرائط الرسمية الخاصة بمناطق استقرار الدينكا جنوب الرقبة الزرقاء (التي عُدت خطأ بحر العرب) وشمال بحر كير (بحر الجانقي) بحر العرب الحقيقي. وعليه فإن جميع المراجع التي كانت تشير إلى حدود سلطان روب الشمالية مع العرب على أنها بحر العرب يجب أن تفهم الآن أن المقصود بذلك هو الرقبة الزرقاء.

وبالنظر إلى الظروف البيئية الخاصة بالاستقرار الدائم لدينكا نوك شمال بحر العرب (بحر كير) ورعيهم الموسمي جنوبه فقد لاحظ هاول ان القرى الدائمة ومناطق الزراعة لدينكا نوك تتواجد في المناطق العالية على ضفاف النهر وشمال بحر العرب بينما مناطق الرعي الصيفي فمعظمها في مناطق الأعشاب المنبسطة (الجرف) جنوب النهر. والجرف هي المنطقة التي تغمرها المياه موسم الفيضان ولا تصلح للسكن الدائم. (الملحق 4.2).

من الواضح انه قد تمت تحركات شمالاً وجنوباً لدينكا نوك بعد 1905. وقد فسرت الحكومة هذه التحركات بأنها تحركات إلى أراضي جديدة لا حق لدينكا نوك فيها إلا أنه لا يمكن الجزم على مثل هذا التفسير من الوثائق المعاصرة. وفي مطلع القرن العشرين فقد كان اعتقاد حكومة الحكم الثانئي بأن تعداد السودان قد انخفض بنسبة 75% خلال حكم المهدية أي من 8 مليون إلى مليوني نسمه وعليه فقد أعتبر السودان منخفض السكان بطريقة مزعجة ولهذا فقد تم تشجيع المواطنين الذين هجروا من منازلهم في فترة المهدية إلى العودة إليها. وقد كانت الاشارة إلى عودة اللاجئين لديارهم في التقارير السنوية للمديرات خلال الفترة الأولى من الحكم الثنائي شائعة جداً. فمديرية كردفان مثلاً قد ذكرت وبامتنان في 1904 عودة مواطنيها من سنار والجزيرة وهؤلاء هم المواطنين المرغوبين حيث أنهم يعودون بأسرهم ومواشيهم لبناء قراهم.

لم تستخدم حكومة الحكم الثنائي هجر الأرض أو تركها دون استخدام خلال فترة المهدية دليلاً على عدم ملكية الأرض وقد كانت سياستها العامة هي إعادة وإحياء الاستقرار القبلي كل في منطقته قدر الممكن. ففي كردفان مثلاً هناك الكثير من الأدلة تم ذكرها (الملحق 5) تشير إلى تشجيع الحكومة لكل من المسيرية والدينكا ليس فقط على العودة إلى ديارهم بل إلى التوسع في استخدام الأرض. ولهذه النقطة انعكاسات مباشره على تقييم المفوضية للدليل الخاص باستمرارية حدود دينكا نوك بين 1905 و1965.  

الادعاء (8): أن : هناك استمرارية في حدود مشيخات دينكا نوك ولم تتغير منذ 1905 حتى 1965 عندما نشبت الحرب بين نوك والمسيرية (إفادات نوك الشفوية وموقف الحركة، الملحق 3.2).

حتى نتحقق من هذا الادعاء كان لا بدَّ لنا من تقييمه والتأكد من مصداقية الإفادات الشفوية التي وردت إلينا من دينكا نوك. إن هناك مبدأ معتمداً في بحوث التاريخ يقول أن أفضل مصدر للتاريخ الخاص بالشعوب هو الشعوب نفسها. إن العادات التاريخية للشعوب المجاورة تضيف بعداً مختلفاً في تاريخ الشعوب إلا أن الجيران بصفة عامة ينقصهم الفهم التفصيلي الدقيق والإلمام بالعادات الداخلية الخاصة بجيرانهم ومعلوم أيضاً انه في حالة النزاعات الحدودية فإن أطراف النزاع تدلي باعترافات شفهية لدعم ادعائهم.

لقد جاءت إفادات دينكا نوك الشفوية للأسئلة التي سألتها المفوضية لهم حول مقر استقرارهم ورعيهم تفصيلية ومكثفة (الملحق 4.1 و 4.2). لم تتمكن المفوضية من التحقق من جميع هذه الإفادات سواء كان من خلال الزيارات الميدانية التي قامت بها أو من الإفادات الأخرى التي حصلت عليها من المصادر الكثيرة الأخرى.ورغماً عن ذلك فإن هناك ما يقال عن الإفادات نفسها.

لقد قام ممثلو مشايخ دينكا نوك التسعة عند سؤالنا لهم حول مواقع قراهم الدائمة وأمكنة رعيهم الموسمية بإجابتنا وبصفة فورية بتفاصيل وافرة ودقيقة حول حدودهم، وقد أشاروا بان جزءاً من المشايخ قد تشاركوا في القرى وفي المرعى الأمر الذي تم تأكيده سابقاً بأن الحدود بين هذه المشيخات غير مفصلة والمراعي مشتركة ومتداخلة (ويليز 1909 الملحق 5.13). ورغم قلة الأسماء الدينكاوية في خرائط هيئة المساحة السودانية إلا أن عدة أسماء أعطيت للمفوضية من قبل شهود من دينكا نوك يمكن العثور عليها في الخرائط القديمة (الملحق 6) وتشمل هذه الأسماء اكوتوك (عراديب)، براجاك (دول)، وكول اديت (رقبا ديبدي)، وإيقيل (دبة أمان)، وابين اقوي (دبة الشياب)، وكول خور (دبة فضل الله)، ونونج (النعام). هذه الأسماء الدينكاوية لم تعد تظهر في خرائط المساحة السودانية. إضافة إلى ذلك فقد أكدَّ جيران دينكا نوك من الاقوق عدة مواقع استقرار ذكرت في إفادات نوك (الملحق 4.2) تحديداً موقع دينداهول (تبلدية)، وناما، وباقي، وطوبا، وروبا، واكوتوك، ومابار امال، وماجينق الور.

أما إفادات المسيرية فقد جاءت قليلة وعمومية التفاصيل بعكس إفادات دينكا نوك (الملحق 4.1) فقد حصر المسيرية أنفسهم في مواقع متنازع عليها قليلة مثل ناما، والشقي، ولاو، وباول، إضافة إلى الإصرار على الحدود الحالية مع بحر الغزال. وعندما سؤلوا مباشرة عن مواقع قبور زعماء الدينكا المشهورين، والتي كانت معروفة تماماً للدينكا، فلم يؤكدوا موقعها ولم ينكروا وجودها. وقد رأينا سلفاً كيف ادعى المسيريه بأن ناظرهم على الجله في مطلع القرن العشرين سمح لدينكا نوك بالعيش في موقعهم الحالي ضيوفاً على المسيرية بعد طرد النوير لهم في القرن التاسع عشر من أرضهم.

إنه لمن رأي الخبراء أن التفاصيل التي أوردها دينكا نوك وبصفة خاصة تلك التي دعمها جيرانهم والتي وجدت في الخرائط القديمة هي دليل على معرفة وإلمام تام بالمنطقة بينما أبدى المسيرية معرفة محدودة بها.

لقد قدمت الحركة أيضاًً جدول لمجموعات أعمار دينكا نوك مصحوبة بخريطة توضح المواقع التي بموجبها تم تحضير مجموعات الأعمار (الملحق 3.2). لم يكن من الممكن التحقق من تواريخ مجموعات الأعمار هذه من مصادر أخرى.

وبتطبيق مجموعات الأعمار هذه على بعض الأحداث التي تم ذكرها في المقابلات (الملحق 4.2) فقد برزت لنا بعض الأنماط خاصة عند استخدام التواريخ القديمة من منتصف القرن التاسع عشر وما قبله. وحيث أنه لم يعط المدى بين هذه البدايات يكون من الصعب تحديد الأسس التي بموجبها تمت هذه الحسابات. وفي تقديرنا فإن مجموعات الأعمار من منتصف القرن التاسع عشر وبعده قد تكون أكثر دقة من تلك التي قبل هذا التاريخ. وبتحليل خريطة مجموعات التواريخ هذه حاصرين أنفسنا في التواريخ الحديثة نجد أن تركيز مجموعات الأعمار جنوب خط عرض 35َ 10ْ شمالاً تشير إلى استمرارية منطقة دينكا نوك قبل 1905 حتى أواخر القرن العشرين. إلا انه رغماً عن ذلك وبدون دليل يدعم هذا الادعاء يكون من الصعب قبوله.

هناك حجة قوية حول استمرارية تواجد دينكا نوك حول المجاري المائية لحوض بحر العرب (بحر أو كير نفسه، وامبيرو، والرقبه لاو، والرقبه الزرقاء وفروعها). وهذا لم يؤكد فقط من الإفادات السابقة وإنما من شاهدين مستقلين وملمين بالمنطقة واستخدامات الأرض فيها إلى ما قبل الاستقلال، والشاهدين هما تبس وكنيسون (الملحق 4.3).

ليس لدينا وصف تفصيلي لمناطق استقرار دينكا نوك ولا نمط استخدامهم للأرض خلال فترة الحكم الثنائي وذلك نتيجة لموسمية زيارات الإداريين لمنطقة دينكا نوك. وحيث أن الإداريين يزورون هذه المنطقة فقط في فصل الجفاف (بين ديسمبر وأبريل، تبس الملحق 5.7 و 5.13) فإن الوصف القليل الذي تحصلنا عليه هو فقط لنشاطات دينكا نوك في فصل الجفاف الفترة التي يتمركزون فيها حول الأنهار. إلا أن هناك إشارات في مطلع القرن العشرين من الإداريين بأن حدود دينكا نوك تمتد شمالاً (ماهون 1903، ويليس 1909 في الملحق 5.13) ويبدو أن هذا هو النهج الذي اتبع في سياسة إحياء الأراضي القبلية طوال فترة الحكم الثنائي.

وعلى الرغم من ذلك لا يوجد دليل مستقل يؤكد الحدود الشمالية القصوى التي استقر فيها دينكا نوك أو استخدموها موسمياً. إن عدم وجود شواهد حدود طبيعية إضافة إلى التداخل في استخدام الأرض لم يشجع إدارييي الحكم الثنائي على محاولة تحديد مثل هذه الحدود (راجع تعليق هندرسون 1935 في مطلع التقرير). هناك  دلائل تشير إلى محاولة بعض الإداريين لفصل دينكا نوك عن الحمر في بعض المناطق مثل طرد دينكا نوك ودينكا آخرين من حاسوبا في 1932 بناء على طلب الحمر وزعماء دينكا نوك (مذكرات هندرسون الملحق 5.13)، والادعاء بأن الزعيم كوال اروب كان يشجع دينكا نوك للاستقرار وسط الحمر في 1940 (المذكرات الشهرية لكردفان 1940 الملحق 5.13) إلا أن هذه الادعاءات تفتقد للمعنى والتفاصيل التي تمكننا من بلوغ قرار نهائي حولها.

لا بدَّ من التحقق من ادعاء دينكا نوك أن الحد بينهم والحمر هو القوز من خلال مسح منظم. هناك اتفاق عام من مصادر أخرى يؤكد أن حزام القوز الذي يفصل بين المناطق دائمة الاستقرار للحمر والدينكا لا يقطنه أحد، أي انه منطقة عبور وليست منطقة استقرار، وأيضاً أن القوز يستخدم موسمياً بانتظام من قبل الطرفين (كنيسون 1954 في الملحق 5.2 وكنيسون 1966 في الملحق 5.3، وكتيبس 1999 في الملحق 5.13).

وعليه فإن المفوضية قد وجدت أدلة كافية لقبول ادعاء دينكا نوك بحقهم الدائم في المنطقة التي يحدها خطا عرض 10َ 10ْ وحقهم الثانوي شمال هذا الخط.

الادعاء (9) : أن : إن منطقة ابيي تعرف على أنها هي حدود كردفان التي يحدها خط عرض 35َ 10ْ شمالاً وخط طول 32َ 29ْ  في الشرق وحدود أعالي النيل وبحر الغزال ودارفور عند الاستقلال سنة 1956 (ادعاء الحركة الملحق 3.2).

لقد قدمت الحركة خريطة وضعت فيها حدود ابيي الشمالية في خط عرض 35َ 10ْ شمالاً ويمتد على خط مستقيم من حدود دارفور الحالية حتى خط طول 15ً 32َ 29ْ شرقاً وتمتد الحدود الشرقية جنوباً على طول هذا الخط حتى تلتقي مع حدود أعالي النيل عند خط عرض 05َ 10ْ شمالاً وتتبع حدود بحر الغزال ودارفور حسب حدود الاستقلال.

وتعتمد الحركة في هذا الوصف على الأسماء الدينكاوية للمناطق وتشير إلى قرار جمهوري منذ عام 1974 يحدد الحدود الشمالية لابيي مع المسيرية والنوبا بمناطق (جيكدي، وكول جوي، ومابيور، وكول شوم (قبيش)، وديندهول (تبلاديا)، وثور، وروبا، ونين ثاو، وزوبا، وروم لوكوك، وكواك، وانياك، وميدنق، ومينق قير، وماردوك، وبانثور (هجليج). لقد ثبتت أسماء هذه المناطق في خريطة الحركة إلا أنها لا تتطابق مع إحداثيات الخريطة، معظمها مشمول في المنطقة التي يحدها خط عرض 35َ 10ْ شمالاً وخط طول 15ً 32َ 29ْ شرقاً مع وجود قليل من المواقع شمال الخط الشمالي.

وفي غياب القرار الرئاسي الذي أشارت إليه الحركة فإنه من الصعوبة بمكان قبول  صحة هذا الادعاء.

وبالنسبة للمسيرية فإنهم قد أثبتوا حقهم الثانوي للقوز والمنطقة جنوبه بينما لدينكا نوك الحق الثانوي شمال خط عرض 10َ 10ْ شمالاً. وبأخذ خط عرض 35َ 10ْ كأقصى حد شمالاً لادعاء دينكا نوك آخذين في الحسبان أن القوز مشمول بين هذه الحدود يكون من المعقول عد القوز منطقة تتساوى فيها الحقوق الثانوية. وبناءً على ذلك نضع الحدود الفاصلة بين دينكا نوك والمسيرية خط عرض 30ً 22َ 10ْ شمالاً لتقسيم المنطقة الواقعة بين 10َ 10ْ و35َ 10ْ شمالاً بالتساوي بينهما. وحيث أنه لم يتقدم دينكا نوك ولا الحركة لحقهم في الحدود شرق خط طول 15ً 32َ 29ْ شرقاً فإنه من المعقول عد هذا الخط هو الحد الشرقي للمنطقة وتبقى جميع الحدود الأخرى كما هي حسب حدود الاستقلال سنة 1956م.   


 

الدراسات الاثنوأركيولوجية في السودان

"رؤية تحليلية لبعض الدراسات الحديثة"

 نهى عبدالحافظ عبدالعزيز

م. محاضر جامعة شندي

nuhaabdelhafiz@hotmail.com

 

 

 

 

ارتبط العمل الأنثروبولوجي في السودان بالعمل الآثاري منذ تأسيس أول إدارة متخصصة بالعمل الآثاري في السودان، وهى الإدارة التى وضع لبناتها الأولي كروفوت Crowfoot عام 1904 وأعطي منصب محافظ الآثار بالإنابة "Acting Conservation of Antiquities"، وقد خصصت لها مساحة من مباني وإدارة كلية غردون التذكارية. وقد استمر هذا المنصب حتى عُين آركل في عام 1938 فأصبح المنصب هو "مفوض الآثار وعلم الإنسان Commissioner of Archaeology and Anthropology". واستمر التعامل مع المادة الأنثروبولوجية والأثرية تحت إدارة واحده حتى يومنا هذا. فالقيام بالأبحاث الاثنوغرافية وتقديم كافة المساعدات للباحثين وطلاب ودارسي التاريخ القومي ومدهم بالمعلومات الآثارية والأنثربولوجية والمتحفية هو من مهام وواجبات الهيئة القومية للآثار والمتاحف، وإن يبدو أن اهتمام الهيئة بالعمل الآثاري قد أزداد على حساب العمل الأنثروبولوجي. ففي تقرير عن أداء مصلحة الآثار والمتاحف في الفترة مابين (يونيو 1951 – 1952) الذى قدمه ب.ل شيني P.L Shinnie ورد فيه تقرير عن صيانة العينات الاثنولوجية وحفظها، وفي تقرير أعمال مصلحة الآثار والمتاحف القومية للفترة (1 يناير 1988 - 1 يناير 1990) وهو تقرير أعده أسامه عبد الرحمن النور أورد فيه تخطيطاً لمشروع المسح الاثنوغرافي والآثاري لعموم السودان كأحد مشاريع الهيئة، وذكر متحف السودان القومي الاثنوغرافي كتابع لقسم المتاحف. ] تقارير الهيئة القومية للآثار والمتاحف لعامي 1952و1990 م .[

 

ترجم هذا التكامل بالتسجيلات الاثنوغرافية التى قام بها آركل والتي نمثل لها بمقالتيه :

"The Baza Festival in Jebel Meidob " و"Darfur Pottery " اللتين نشرتا في مجلة السودان في رسائل ومدونات S.N.R العددين (21) و(22). كما رافق حملات إنقاذ النوبة إجراء مسوحات أنثروبولوجية، نُشرت نتائجها الأولية في مجلة كوش Kush العددين (12) و(13). ويسير العمل الآن بنفس النهج في حملة إنقاذ المناطق المتضررة بقيام سد مروي، وإن كان قد تطور بحيث أفرد له مجال لعمل أبحاث اثنوأركيولوجية منفصلة إلى جانب عمل مسح اثنوغرافي وفلكلوري وهو النشاط الذى قام به الفريق الإنجليزي - الألماني بقيادة بافل وولف Wolf وبمشاركة من جامعة شندي بمنطقة أمري لموسم ديسمبر 2002- فبراير 2003، الذى لم تُنشر تقاريره حتى وقت كتابة البحث.

 

كما استُخدم التناظر الاثنوغرافي لتفسير أو لمحاولة إيجاد الحلول لبعض القضايا التى قد واجهت المهتمين بالآثار السودانية، ومن الأمثلة المبكرة مجهودات شيني في رسم صورة لمباني موقع سوبا شرق الأثري، حيث قارنها بالمباني المعاصرة في محاولة لفهم العوامل التى تتداخل في تشكيل الموقع الأثري  Shinnie 1961 :79 . كما استخدمه أيضاً في محاولة لفهم عملية صناعة الفخار اليدوي في الموقع نفسه حيث ناظرها انطلاقاً من ملاحظات جمعها من حلة شريف الواقعة إلى الشمال موقع سوبا شرق Shinnie Ibid: 81 ، وأشار أيضاَ في مقاله "مذكرات شخصية" المنشور في كتاب "History of African Archaeology" إلى أنه من الذين استعانوا بالتناظر الاثنوغرافي قبل بروز علم الاثنوأركيولوجيا منهجاً منفصلاً. [ مقابلة – عبد الكريم:2004 ].

 

استخدم كروفوت أيضاً التناظر الاثنوغرافي في كتابه "Island of Meroe" في تفسير نمط الاستيطان السائد في جزيرة مروي الأثرية، وذلك قياساً علي النمط السائد في ذلك الوقت. كما استخدم آدمز التناظر الاثنوغرافي أيضاً في أكثر من مقال من أبرزها مقاله المنشور عام 1976 بعنوان "Meroitic North and South" الذى نُشر في العدد الثاني من مجلةMerotica ، حيث حاول تفسير نمط إنتاج الفخار اليدوي وذلك المصنوع بالعجلة وقام بوصف نمط إنتاج الفخار المصنوع بناءً على التناظر الذى قام به بأنه نمط إنتاج مركزي، أما اليدوي فقد وصفه بأنه إنتاج محلي يصنع بواسطة النساء.

 

كما استخدم خضر عبد الكريم التناظر في تحقيق فرضيته التى طرحها في مواجهة فرضية آدمز القائلة بأن منطقة البطانة والبطانة الغربية ذات إمكانيات زراعية محدودة وهى فرضية شيدها علي أسلوب الزراعة المكثفة وهو الأسلوب المتبع في المناطق التى تعاني من قلة الأراضي الصالحة للزراعة وهى صفة قلما توجد في أفريقيا ذات الأراضي الزراعية الواسعة، فالأسلوب المتبع فيها هو ما يعرف باسم زراعة الحريق. قام خضر عبدالكريم بعمل خرط لأنواع التربة بالبطانة وقاسها مقارنة مع الأراضي الزراعية على النيل وتوصل إلى أن حركة المزارعين من ضفاف النيل إلى منطقة البطانة واضعين في اعتبارنا عدم استقرارهم طويلاً بها يفسر لنا عدم وجود مستوطنات صغيرة في منطقة البطانة وليس شح الأراضي الزراعية كما أشار آدمز. ولتأكيد هذه الفرضية فقد نفذ إحصائيات للحبوب في منطقة البطانة والتي كانت ذات إنتاجية عالية Abdelkarim-1984

 

أما الدراسات الاثنوأركيولوجية المتخصصة في السودان فإن من أبرزها الدراسة التى قام بها آيان هودر في الفترة مابين (1978- 1979) في منطقة جبال النوبا، وهى الدراسة التى ضمنها في كتابه "Symbols in Action" عام 1982. ومن الدراسات الجديرة بالاهتمام الورقه التى قدمها كندال Kendall في المؤتمر الخامس للدراسات المروية بروما عام 1984، بعنوان "Ethnoarchaeology in Merotic Studies"، التى نشرت في العدد العاشر من مجلة Meroitica وهناك أيضاً رسالة ربيكا برادلي لنيل درجة الدكتوراة والمنشورة في العدد الثالث عشر من مجلة Meroitica، إلى جانب بعض الدراسات الأخرى مثل المسح الذى أجراه مارتين فيتزينريتر Martin Fitzenreiter  لتركيب المنازل المنشور في العدد السابع عشر من مجلة Meroitica، ودراسة نتالي توبيرتNatalie Tobert عن الزغاوة بدرافور بعنوان "The Ethnoarchaeology of the Zaghawa of Darfur"، ودراسة إلزا كليب Else Johansen Kleppe وسط مجموعة الشلك بعنوان"Religion Expressed Through Bead Use : An Ethnoarchaeological study of Shilluk Southern Sudan"، التى هدفت فيها إلى التعامل مع وحدات الثقافة المادية والنظام الثقافي الاجتماعي الذى أنتجها، وهدفها في هذا توضيح العلاقات الأساسية بين مظاهر النظام الثقافي الاجتماعي ومظاهر التفكير المادية، وركزت في دراستها هذه على القيم الرمزية والعقائدية للخرز في السياق الثقافي لمجموعة الشلك في محاولة لتفسير عدد من المعطيات الأثرية التى نقبت في مواقع أثرية بالقرب من مدينة الرنك. Kleppe 1986: 78-90. ومن الدراسات التى نشرت بواسطة باحثين سودانيين وإن لم تكن الوحيدة دراسة صلاح محمد أحمد المنشورة في مجلة كوش العدد السابع عشر بعنوان "التركين هل هو وجبة نبتيه؟".

 

2-1 دراسة هودر النساء، النجاسة والمدافن وسط النو با "Dirt, women and burial among the Nuba"

تناول هودر عملية الدفن عند كل من المورو والمساكين، وهما من فروع نوبا الجبال، ويعتمد كل منهما علي الزراعة بشكل مكثف حول معسكراتهم وتربية الخنازير والأبقار والأغنام والخراف. قام هودر وفريقه بعمل سجل اثنوغرافي ولغوي لكل من القبيلتين. امتدت الرقعة الجغرافية لدراستهم تقريباً حوالي 650 كلم وزاروا حوالي 73 تجمعاً سكانياً وجمعوا منها معلومات حول الاقتصاد، والثقافة المادية، وتداخل العلاقات الاجتماعية، وعادات الطعام، وإجتناب النفايات، وعملية الدفن، كما قاموا برسم عدد من المدافن.

 

أظهرت نتائج دراستهم أن لـ المورو والمساكين إحساس قوي بالنظافة والطهارة، وأن المصدر الرئيس للنجاسة عندهم هو دم الحيض والخنازير، وأنهم يخافون من الإصابة بالنجاسة عبر اختلاطهم بالنساء أثناء فترة الحيض وبالخنازير، لأن هذا التدنيس سوف يؤثر سلباًُ على غلالهم، كما ربط المورو الخنزير بالنساء والرجال بالماشية.

 

كما وأن شعب المورو يركز على الطهارة والنظافة بشكل أكبر بفصل الخنازير عن الرجال بينما لا نجد مثل هذا التركيز عند المساكين الذين يدعون حيواناتهم تهيم وتخرج فضلاتها وسط مجمعاتهم السكنية. ولتلافي الإصابة باللعنة جراء التدنيس فقد علق كل من المورو والمساكين عظام ماشيتهم جوار مخازن غلالهم وهى في حالة المورو تعلق داخل المخزن، وفي حالة المساكين فيعلقونها بجانبه من الخارج. فسر هودر هذه العادة بأن شعب النوبا يعبر عن اهتمامه بمنطقة أو شئ معين مثل الغلال باحاطة حدوده بشكل طقسي.

 

أما عن مدافن المجموعتين فهي تقع بالقرب من مناطق إقامتهم، وهى مقسمة إلى مجموعات اجتماعية منعزلة عن بعضها. وتعبر المدافن عن اهتمام مقدر بالتمييز ما بين، الجنس، والعمر والمكانة الاجتماعية عند كل من المورو والمساكين. وأن ملازمة المدفن للتلال المشتركة بينهما يؤكد نظاماً وراثياً طور عند القبيلتين عبر الأجيال، ويواصل هودر ليبرهن أن المدافن هي بينة توضح العلاقة بين الموت، والغلال، والخصوبة وهي أشياء معبر عنها في :

  • التشابه الواضح في شكل المدافن ومخازن الغلال.

  • استخدام الأواني لتغطية مداخل المدافن ومخازن الغلال عند المورو.

  • استخدام الرماد لتغطية المعزين واستخدامه أيضاً في طقوس أخرى مرتبطة بعملية دفن الموتى، خاصة إذا عرفنا أن كوم الرماد مرتبط عند النوباوي بالخصوبة ورمز للقوة والاستمرارية.

  • تقرير قديم يتحدث عن تغطية جثث موتى مجموعات نوباوية أخرى بجلد الخنازير. المصدر Hodder 1980: 125-184

 

2-2 دراسة كندال " الاثنوأركيولوجيا في الدراسات المروية" Ethnoarchaeology in Merotic studies

قسم كندال ورقته إلى قسمين رئيسين إلى جانب المقدمة والخلاصة. تناول في الجزء الأول منها تعريف مصطلح الاثنوأركيولوجيا وأهدافه ومناهجه التقليدية، أما في الجزء الثاني فقد تناول ما أسماه الاثنوأركيولوجيا غير المادي"Ethnoarchaeology : non materialist" حيث قام بتطبيق عدد من البيانات الاثنوغرافية في الدراسات المرَّوية وخصص لها ثلاثة مواضيع وهى الأعمال الفنية والاثنوأركيولوجية, الاثنوغرافيا – وتفسير الفن القديم، إلى جانب استخدام الاثنوغرافيا في تفسير النصوص القديمة.

 

كرس كندال ورقته للإشارة أولاً إلى إمكانية تطبيق الدراسات الاثنوأركيولوجية لخدمة الآثار السودانية والكثير الذى قد تقدمه بوصفها مفاتيح لحل قضايا البيئة القديمة ونفاذ بصيرة داخل الأوضاع الاقتصادية والسياسية.

 

قدم كندال عدداً من التطبيقات نختار منها تحليله لآنية كارانوج وهى القطعة الموجودة بمتحف القاهرة تحت الرقم (JE 41017)، وهى عبارة عن آنية نحاسية وجدت في ضريح نائب الملك المرَّوي المعروف باسم مالوتون Maloton بموقع كارانوج الأثري، بها صور تعرض النمط الرعوي في بلاد النوبة المرَّوية، حيث احتوى المشهد على قطية (كوخ) من شجر السنط، وقد تمركز المشهد أمام القطية وتظهر فتاة عارية أمام مدخل القطية وأمامها طبل ومن أمامها جلست سيدة عارية الصدر والتي تبدو محور المشهد، وقد ثنيت قدما السيدة تحتها وأمامها صف من خمس سلطانيات شراب نصف دائرية ويدها ممدودة لترحب بالراعي الذى وصل مع أوعية تحوي لبن، ومن خلف السيدة عارية الصدر يقف رجل آخر يبدو أنه زوجها وقد أومأ للراعي الثاني أن يصب المزيد من اللبن ومن خلفهم تظهر ثمانية أبقار وثوران وعجل يرضع من إحدى الأبقار.

 

ولتحليل هذا المشهد فقد لاحظ كندال عدة عناصر فيه، أولها شكل القطية المدببة، والتي تعرف باسم "التُكل" والشكل البيضاوي الذى يعلوها، وهو شيء يمكن أن نعرف معناه بواسطة الملاحظة المباشرة، أو الاستعانة بالمصادر الاثنوغرافية بأنه عبارة عن بيضة نعام فقد سُجل من قبل، أنه يوجد في قمة سقف "التُكل" شكل سلة تستخدم عشاً لطائر "اللقلاق الأسود" الذى يعود إليه سنوياً في شهري مايو ويونيو، وفي حالة عدم بناء الطائر لعش فوق "التُكل" توضع ثلاث أو أربع بيضات إلى جانب حلية من ريش النعام في شكل منتصب في قمة رأس السقف.

 

أضيف أيضاً أن التونسي أورد في وصفه لمنازل أهل دارفور نمطاً يعرف باسم "السكتاية"، وهى كما وصفها كقبة الخيمة إلا أنها طويلة ورفيعة من أعلى، وأن أهل المنطقة يأتون ببيض النعام ويثقبون في كل بيضة ثقبين عند محورها، ويدخلون من خلالها عوداً، حتى إذا أصبح في العود ثلاث بيضات أو أربع من بينها كرة من الفخار الأحمر ثبتت من أسفل على إبريق من صناعة الكيرا، وينصبونه على قمة القبة. ومن نمط المنازل أيضاً وصف "التكلتي" وهى من الأعلى تبدو كنصف كرة وقائمة على قوائم من الخشب، أما الكرنك فهو مثله إلا أنه قائم على أربعة قوائم خشبية ويضع السلطان  بيض النعام على "السكاتية" و"التكلية" و"الكرانكة"، ويكسو أعلاها بثياب حمراء تتميز بها عن غيرها. (التونسي، 1965: 202 – 203 ).

 

وصف التونسي للتكل

أورد كندال أيضاً وصفاً عن قبائل الشلك بأنها تبني برج بيض النعام لمعاني مقدسة، حيث نجد أنهم يضعون بيضة نعام واحدة مع رأس رمح أو حربة بحيث تثبت البيضة بطعنها برأس الحربة فوق قمة القطية وهى توضع في العادة في القمة الناتئة من مزار أو مقام الإله ملك الشلك "نيكانج Nyakang" وبشكل مشابه لهذا في القطية المبنية بدون أبواب فوق قبور ملوك الأنواكKendall 1984:30

 

استخلص كندال من هذه الشواهد الاثنوغرافية أن وضع البيضة فوق القطية هو مؤشر تقليدي إلى أن صاحب المنزل ذو منزلة اجتماعية عالية أو ملكية أو حتى إلهية كما عند الشلك والأنواك، حيث جرت العادة على أن توضع بيضة النعام فوق قمة أكواخ الأشخاص المهمين. وأورد كندال إمكانية أن تكون أهمية هذه الأكواخ قد جاءت من مدى غناهم مثل المك والعجوز عند الشلك، حيث أن مظهر غناهم وامتيازهم لا يكون في حجم وطريقة بناء الكوخ بل بكم الماشية التى يملكونها.

 

العنصر الثاني الذى لاحظه كندال في المشهد هو آنية اللبن التى أمام السيدة، والتي ناظرها بشكل آنية اللبن المستخدمة في منطقة جنوب كردفان، فهي على شكل سلة من السعف المجدول بشكل جيد ومكثف بحيث لا تسمح بتسرب السوائل منها وهى مشابهة للإناء أو الدلو الذى رسم في وعاء كارانوج، وهذا النوع من الآنية ما يزال يستخدم حتى الآن عند قبائل مختلفة مثل الكبابيش والبجة والشلك. يعمل أهالي منطقة جنوب كردفان على سد ثقوب هذه السلة بأن تنقع في ماء يغلي مباشرة بعد أن تجدل لقفل ثقوبها، أما الشلك فإنهم يسدون ثقوبها بواسطة تغطيتها من الخارج بعد أن تبلل بالماء بواسطة دقيق الذرة ولا تغسل هذه السلال أبداً ولهذا فإن اللبن لا يحفظ بها طويلاً. أما الآنيات الخمس التى رصت أمام السيدة فقد رجح كندال أنها عبارة عن قرع جاف وهى شائعة الاستخدام في السودان.

 

بهذا توصل كندال إلى تحليل مفاده أن القطية المزينة ببيضة النعام وسلة اللبن وقرعة الشراب هي عناصر تقليدية من عناصر الثقافة المادية التى من المحتمل عدم بقائها مما لا يمكن من تتبعها داخل السجل الآثاري، إلا أنها تظهر للعيان من خلال هذا العمل الفني القديم، وهى لا تزال موجودة الآن في شكل مماثل يمكن التحقق منه عن طريق الملاحظة الاثنوغرافية وبالاستعانة بالمدخل الاثنوأركيولوجي الذى يحاول أن يربط ما بين البقايا المادية المنقب عنها والسلوك الإنساني المرتبط بها. وكمحاولة منه لتفسير السلوك الإنساني المقدم في هذا المشهد الفني فقد قام كندال برصد ملاحظات عن مظهر النساء البدينات الموجودات في المشاهد النوبية القديمة والكتابات التى تصور ملكة بلاد بونت Punt، وملكات مروي، فإن الملاحظ أن البدانة كانت سمة تقليدية تدل على الجمال والمنزلة الاجتماعية والغنى. وقد استمرت بقايا هذه المعايير القديمة حتى فترة سنار، فقد ذكر أن آغا أسوان لديه زوجتان إلا أن أحبهما لديه هي الأولى، فهي الأجمل بالمقاييس التقليدية لأنها مفرطة البدانة. ومن التقاليد الحالية في السودان تجتهد النساء لزيادة وزنهن قبل الزواج، وفي الجزء الشرقي لبحر الغزال نساء قبيلة البنقوBongo  كلهن يجتهدن في زيادة وزنهن لكي يصبحن بشكل ملكات بونت.

 

لهذا فقد اقترح كندال أن ما تفعله السيدة في إناء كارانوج هو أنها تعمل على زيادة وزنها عن طريق شرب الحليب تحت رعاية زوجها ذي المكانة الاجتماعية الرفيعة خاصة وأن حجم الزوجة عند المجتمعات الرعوية الأفريقية لا بدَّ وأن يتناسب ويدل على مدى كبر القطيع الذى يملكه زوجها Kendall-Ibid: 28 - 34

 

حاول كندال أيضاً وباستخدامه للدراسات الاثنوأركيولوجية توليد نظرية أثرية من تحليله وتفسيره للفن القديم ومقارنته مع الحالات المشابهة في البيانات الاثنوغرافية كما طبق في تحليله لمشهد هرم الملكة أماني شخيتو الهرم (البجراوية 6)Kendall – Ibid:34-41

 

وفي دراسته للشلوخ والوسمات القبلية لاحظ أن من المعتاد عند شعوب السودان، كما في أغلب أفريقيا الاستوائية، شلخ الوجه بصورة مميزة لإحداث سلسلة من الندوب المميزة، وتختلف هيئة هذه الندوب من مجموعة قبلية إلى أخرى وتعتبر علامةً تزين المظهر و/أو لها خاصة تحمي من أمراض العيون، والصداع وبعض أمراض الرأس الأخرى. كما لاحظ أيضاً أن أنواعاً متعددة من هذه العلامات والشلوخ هي من زمن بعيد جداً لأن نفس هذه العلامات يمكن أن ترى على وجه الأفارقة الممثلين في الفن المصري القديم منذ القرن الرابع عشر قبل الميلادي، وأن استمرارها موثق في الفن المرَّوي والفن التقليدي اللاحق. اقترح كندال أن المسح الاثنوغرافي والفني والتاريخي والمعملي المفصل لهذه الشلوخ قد يمدنا بوسيلة للتعرف على السلالات العرقية في بقايا الهياكل العظمية المكتشفة أثرياً. كما يمكن أيضاً أن تساعد على معرفة المناطق التى سُكنت في العصور القديمة من جانب مجموعات قبلية هم أسلاف المجموعات الحالية.

وجد كندال خلال رصده للندوب القبلية الأثرية، أن من أكثر الرسوم غرابة للأفارقة في كل الفن المصري هى تلك الموجودة في مقبرة حور محب في سقارة، وهى تمثل أسرى ذوي ملامح زنجية يوجد بينهم صفوف من الزنوج طوال الساقين بعضهم واقف والآخر يجلس القرفصاء في مجموعات على الأرض، ويظهر بعض الزنوج وقد صفف رأسه في شكل ضفائر من الشعر المجدول وهو نمط تقليدي للشعوب الحديثة في شمال غرب كينيا وجنوبها، وآخرون لهم شعر غزير. هذا ما جعل كندال يقترح أنهم أقرب إلى الشلك والنوير أو الدينكا. ومن الملاحظات أيضاً أن الزنوج الواقفين هم أطول بكثير من الحراس المصريين وهى إحدى سمات القبائل النيلية الحديثة التى تتميز بالطول غير العادي. ومن الملاحظ أيضاً في هذه الرسوم العناية التى أولاها النحات المصري للإشارة إلى ندوب الوجه، والتى نجدها لدى أغلبية الأسرى، وتبدو ندوب غالبيتهم في شكل أربعة أو خمسة خطوط أفقية على جباههم كما عند قبائل النوير والدينكا الحديثين، وتبدو بعض هذه الخطوط ممتدة من وسط الجبهة كالوتر وهو يشبه نتوء دينكا بور الحديثين. والأكثر غرابة أنه في كل رسوم الوجه هناك خطوط على الأنف والشفاه توضع في شكل ثنيتين أو ثلاث، وقد تبدو هذه الخطوط في شكل شلوخ أكثر منه طيات للخد، وهى في هذا الشكل تشبه شلوخ نوبة الشمال الحاليين، حيث نجد أن هناك اثنين من الأسرى لديهم عدة خطوط قصيرة على خدودهم.

إن عادة دمج الشلوخ على الجبهة والخدود في وجه واحد ليست معروفة في الوقت الحالي، ولكنها ظهرت في هذه الرسوم وهو شيء لا يمكن تفسيره على أنه خلط أو اشتباه وقع فيه الفنانين المصريين، فقد ظهر مثل هذا الدمج أيضاً في منحوتات نادرة تعود إلى الفترة المرَّوية. ظهرت الشلوخ على الجبهة مثل شلوخ القبائل النيلية في رسوم في بيت في الأقصر وفي وسط المصارعين في مدينة حام. كما وضحت منحوته لرأس نيلي من مدينة هابو ستة شلوخ بالجبهة مطابقة لشلوخ النوير. كما ظهرت أيضاً أخاديد مزدوجة في نحت لرجل كوشي بقاعدة تمثال رمسيس الثاني في الأقصر، حيث ظهر في أحد خديه أخدودان واسعان بصورة لافتة للنظر.

هناك ندرة للرسوم التى تحمل ندوباً في فترة نبتة وأوائل العهد المرَّوي وبالمثل لم يوجد رسم يعود للفترة الرومانية في مصر لوجه يحمل ندوب وقد أرجع كندال ذلك إلى عدة أسباب هي :

·   قد تكون الشلوخ نادرة في الفترة من عصر المملكة الحديثة حتى العهد المرَّوي، ولو بشكل نسبي في النوبه وقد تكون محصورة في المناطق الجنوبية البعيدة.

·   قد يكون التشليخ شائعاً في النوبه ولكن في العصر المرَّوي كان مستهجناً من قبل أفراد النخبة الذين يتبعون العادات الفرعونية.

·   قد يكون التشليخ في العصور القديمة علاجياً فقط مثل ما هو شائع الآن ولهذا فهو أقل شيوعاً وندرته تنعكس في غيابه عن الفن التصويري.

·     قد يكون شائعاً جداً ولكنه ولأسباب غير معلومة يندر توضيحه في الفن أو.

·     قد تكون خطوط التشليخ وصفت بالألوان التى لم تدم طويلاً.

وبسبب واحد من هذه الأسباب السابقة فإن شلوخ الوجه لم تظهر مرة أخرى في الفن التصويري حتى أواسط القرن الأول قبل الميلاد عندما ظهرت في واحدة من رسوم الملكة أماني شخيتو المنحوتة في المعبد الجنائزي لهرمها وهى تأخذ شكل ثلاثة خطوط على خد الملكة الأيسر وهى تبدو أشبه بالنمط الحديث، ومن الغريب أنه لا تظهر مثل هذه الندوب على الخد الأيمن للملكة على الجدار المقابل. ونسبة لهذا فقد اقترح كندال أن الملكة المرَّوية التى وصفت من قبل سترابو بأنها نوع مسترجل من النساء عوراء هي أماني شخيتو وليست أماني ريناس، وبهذا يفسر كندال وجود الشلوخ على خدها الأيسر فقط بأنه أضيف إليها علاجاً لمرض عينها كما هو شائع الآن الشلخ الصدغي لمريض العيون.

ونسبة لعدم وجود شلوخ أخرى في رسوم ملكية معروفة فقد اقترح كندال أسباباً لهذا وهى :

·     قد يكون هذا الاختفاء بسبب أن الشلوخ لا تستخدم في العادة للملوك والأسرة المالكة.

·     أو أنها تستخدم عادة ولكن لا تمثل في الرسوم.

·     أو أنها ترسم في العادة وتلون بخطوط من الألوان على الجص الأبيض الذى اختفى بمرور الزمن.


 

3-3 التركين هل هو وجبة نبتة ؟

قام بنشر هذه الدراسة صلاح محمد أحمد في مجلة كوش العدد السابع عشر 1998م، وهى دراسة أقيمت لحل معضلة أثرية واجهت البعثة العاملة في منطقة كرمة، حيث تم العثور خلال فترة الثمانينات على بقايا عدد من المنازل بمدينة كرمة البلد التى تعود إلى فترة نبتة وتم العثور بداخلها على العديد من الأواني الفخارية التى تحتوي على كميات من عظام الأسماك التى تم وضعها على طول حيطان غرفة من الواضح أنها مخصصة للتخزين، حيث لا يوجد لديها مدخل إلا من الطابق الأول عن طريق سلم. كانت معظم هذه الجرار قد وضعت مكسورة القاعدة في وضع مقلوب داخل آنية أخرى وضعت مسبقاً داخل الأرض، وأبعادها هي حوالي 40 سم في الارتفاع ومحيط فوهتها حوالي 14 سم. كما وجدت جرة من النوع نفسه وبقاعدة مكسورة في غرفة مركزية في منزل صانع الفخار في فترة نبتة تم حفره في كرمة البلد، واحتوت أيضاً على كميات من عظام الأسماك.

 

عند دراسة العظام التى وجدت في منطقة كرمة بواسطة المختص في علم الحيوان التابع للبعثة السويسرية بكرمة إلى جانب تحليل الأسماك المملحة وفي محاولة لفهم أدق لحقيقة هذه الجرار، تم إجراء استبيان اثنوأركيولوجي في الموسم (1987 – 1988). قسم الاستبيان إلى أربعة أجزاء، يحتوي الجزء الأول على أسئلة متعلقة بالشخص المسئول، والجزء الثاني يختص بوسائل الحصول على السمك وفترة الصيد والجزء الثالث يختص بصناعة "الفسيخ" و"التركين" وأنواع الأواني المستخدمة في صناعة كل منهما ومكان وفترة الحفظ، وتعامل الجزء الرابع مع الوجبات والاستهلاك وقد استهدف الاستبيان المجموعات النوبية الرئيسة الثلاث : المحس والسكوت والدناقلة، ووزع على ست مناطق في بلاد النوبة (كرمة، و واوة، وصلب، وصادنقا، ودنقلا وجبل البركل).

 

جاءت نتيجة الاستبيان أن معظم هؤلاء يستخدمون قطع القماش القديمة لصيد السمك وهى عادة ما تكون ثوباً نسائياً سودانياً قديماً، ويشارك في عملية الصيد جميع أفراد الأسرة. وتتم عملية صناعة الفسيخ من الأسماك متوسطة الحجم التى تحفظ بكاملها بعد فتحها ونظافتها وملئها بالملح وتترك في إناء من الفخار لمدة 3 – 6 شهور، وفي الفترة الأخيرة استخدمت الآنية المعدنية والبلاستيكية في عملية الحفظ وعادة ما تؤكل الأسماك كما هي أو يتم طهيها مع البصل وصلصة الطماطم. ومعظم الذين تم سؤالهم لا يعرفون صناعة الفسيخ بل يشترى جاهزاً. أما التركين فهو عبارة عن منتج من حفظ السمك في شكل عجين كثيف الحجم، وقد تم ملاحظة ثلاث طرق لإعداده وهى :

نظافة السمك وخلطه بالملح داخل إناء فخاري ويخلط بجريدة نخل حتى يتحول السمك إلى شكل عجينة ثم يحفظ المنتج تحت الشمس.

تنظيف الأسماك الصغيرة من الخارج وتفتح الأسماك الكبيرة، وبعد أن تترك تجف تحت الشمس لعدة ساعات توضع مع الملح في شكل طبقات وتخلط بجريد النخل حتى تصبح عجينة والتي توضع داخل جرة وتحفظ في الظل.

نفس الطريقة الأولى ولكن بعد الحصول على العجينة يتم تصفية المادة وتغلى عظام الأسماك حتى تستخلص مادة بيضاء (الكالسيوم) يضاف المستخلص إلى التركين ويتم حفظ الجرار عادة في فناء المنزل ولا يحفظ التركين في الشمس إلا في حالات نادرة.

 

الأواني التقليدية المستخدمة هي جرار فخار ذات أفواه ضيقة يتراوح ارتفاعها ما بين 40 – 60 سم. أما في مناطق الإنتاج الكبرى مثل جبل أولياء فإن التركين يحفظ في آنية معدنية. وتستمر عملية الحفظ فترة  6 – 12 شهراً حسب كمية الملح المضاف إلى السمك.

 

وبناءً على نتائج هذا الاستبيان فقد أُسُتنتج أن البقايا التى وجدت بالجرار الأثرية هي بقايا "تركين" وليست بقايا "فسيخ" لعدة أسباب وهى أنه في حالة الفسيخ فإن السمك يحفظ بكامله ويؤخذ بكامله دون ترك بقايا داخل الآنية، إلى جانب أن الفسيخ يصنع من الأسماك متوسطة الحجم أما التركين فهو يصنع من الأسماك الصغيرة وهى مشابهة للبقايا الأثرية. إلى جانب عدم معرفة النوبة بصناعة الفسيخ حتى الذين يأكلونه على عكس التركين مما يدل على أن صناعة الفسيخ تمثل عادة وافدة على منطقة النوبة، وقد أُستنتج أيضاً أن الطريقة القديمة لصناعة التركين تتم بواسطة وضع الأسماك داخل جرة من الفخار ووضع هذه الجرة بشكل مقلوب داخل جرة قديمة مثبتة أصلاً في الأرض بعد كسر مؤخرة الجرة الأولى. صلاح، 1998: 18 – 22

 

2- 4 دراسة ربيكا برادلي "البدو داخل السجل الأثري" Nomads in the Archaeological record

أجرت برادلي هذه الدراسة خلال شتاء عام 1979. كانت البداية بأن قامت بعمل مسح آثاري لمنطقة البطانة اشتركت فيه مع خضر عبد الكريم بهدف عمل مسح لمواقع البطانة، لاستخدام هذه المادة في رسالة كل منهما، حيث يدور موضوع دراستيهما حول إيجاد تفسير لنمط توزيع المواقع المرَّوية في منطقة البطانة. قامت برادلي بتفسير هذا التنميط من خلال الاستعانة بعمل مقارنات اثنوأركيولوجية، اختارت أن تكون منطقة جمع بياناتها الاثنوغرافية في إقليم كردفان وتحديداً في منطقة الكبابيش، وقد اختارت العمل في غرب النيل تحديداً وسط الكبابيش دون الإقليم الشمالي أو إحدى المناطق القريبة من النيل بسبب أن هذه المواقع قد تأثرت بالثقافة الحديثة مما غير كثيراً في أنماط ثقافتها المحلية، هذا إلى جانب أن منطقة دار الكبابيش تقع في نفس خط العرض الذى يمر بمنطقة جزيرة مروي، ولأنها ذات ظروف مناخية مشابهة لتلك الموجودة في منطقة جزيرة مروي، وذلك بسبب أن كل منهما متأثرة بظاهرة مناخية معروفة باسم "ITCZ" وهى اختصار لمصطلح "Intertropical Convergence Zone" ، وهو الحزام الذى تلتقي فيه الجبهات الهوائية القارية الشمالية الجافة بالجبهات الهوائية الجنوبية الرطبة، وفي فصل الشتاء في السودان يكون هذا الحزام المناخي في المناطق الجنوبية البعيدة فتسوده الرياح الجنوبية الجافة وعندما يتحرك هذا الحزام شمالاً يجلب معه الهواء الحار الرطب الذى يسبب فصل الخريف في أواسط السودان ويقف هناك حتى تدفعه الرياح الشمالية إلى الجنوب مرة أخرى، وهكذا جيئة وذهاباً يؤثر ذلك على أواسط السودان بجلب فصل الأمطار؛ أما في أقصى شمال السودان فلا تتأثر بنفس المقدار ولهذا لا تهطل أمطار في شماله بشكل يذكر حيث يتلاشى تأثير الرياح الجنوبية الرطبة شمال عطبرة.

 

تستمر ظاهرة ITCZ لفترة طويلة وقد اهتمت ربيكا بدراسة منطقة دار الكبابيش في فترة الجفاف هذه وقد قدمت لها منطقة دار الكبابيش الأنموذج الذى كانت تبحث عنه وهو أنموذج التمازج ما بين البدو الرعاة والمزارعين الحضر الموزعين في نمط لم يتغير كثيراً عن ذلك المذكور في السجلات الاثنوغرافية القديمة، مع تفاعل بسيط لها مع المناطق النيلية الذى حدث في الفترة المهدية والمشكلة الوحيدة التى واجهتها هي : أي منطقة من دار الكبابيش تذهب إليها؟ وقد حلت هذه المشكلة بأن وجدت طالباً جامعياً من منطقة الكبابيش هو أحمد صالح أحمد الذى استأجرته لكي يكون دليلها ومساعدها في البحث خلال فترة إجازته، فرافقته إلى قريته التى تدعى جيروب 43 – 31: 92 – Bradley

 

أما الهدف من إجراء مثل هذه الدراسة هو أن لديها تشككات حول بعض الافتراضات حول توزيع المواقع في جزيرة مروي، ودور الرعاة في المملكة المرَّوية، وتوزيع مواقعها. فآدمز وغيره من الآثاريين قد قللوا من إسهام الرعاة في الاقتصاد المرَّوي ما عدا اللاحقين مثل حاكم وهيكوك Haycock الذين تحدثوا قليلاً عن إسهام الرعي. فكانت ملاحظتهم أن الاقتصاد المرَّوي هو اقتصاد حضري زراعي، يعتمد بصورة رئيسة على النيل، مع نسبة قروية متناثرة من المزارعين الذين احتفظوا ببعض الحيوانات في بعض المواقع البعيدة عن النيل مثل البعصة، وأم أسودة، والنقعة، والمصورات، ومرابه، وجبل سورات، والتي كانت في الوقت نفسه مناطق لمراقبة الأودية الخصبة التى تستخدم في الزراعة، وتوفر حدوداً محصنة لحماية المناطق الزراعية من هجوم البدو. هناك من تبني هذا الموقف وأضاف إليه أن منطقة البطانة الشرقية لم تعكس آثارياً وجوداً مروياً بها. بل وقد ذهبوا للدعوة بمراجعة الرأي القائل بأن الحفائر التى وجدت بالبطانة دليل على الوجود المرَّوي بها.

 

وبعبارة أخرى ربما لا يكون الحفير من السمات المرَّوية المؤكدة، لأنه وإن وجد في شرق البطانة فإن المعلوم أن المرويين لم يسكنوا البطانة حيث لم تسجل أي مواقع إقامة لهم هناك. ومن الواضح أنهم كانوا يتبعون أدلة سلبية من نوعها وهى إذا كانت البطانة الشرقية تحت السيطرة المرَّوية يكون من المتوقع وجود مواقع سكنية بنفس مواصفات مواقع الإقامة المرَّوية المكتشفة على طول النيل. وسؤال ربيكا الذى تطرحه هنا هل كانوا يتوقعون النمط الصحيح من المواقع، ولأن الأدلة السلبية هي مستهجنة وسيئة السمعة وصعبة الاختيار، وفي حالات غياب الدليل فهل من المقنع أن نقبل بالدليل السلبي في هذه الحالة بالذات، فمن الصعب العثور على أدلة لوجود البدو بداخل السجل الآثاري، بالإضافة إلى حقيقة أن البدو الرعاة لا يهيمون بدون هدف في الخلاء لأن هذا يتضمن مخاطر عديدة، فالرعاة في الحزام المناخي كما في وسط السودان يتبعون استراتيجية منتظمة ومحددة، ففي موسم الجفاف يتمركزون في نقاط تمركز صغيرة تسمى "الدمر" بقرب مصدر مائي دائم كالآبار والخزانات الطبيعية والأنهار وتظل منازلهم في مكان واحد لمدة 4 – 6 شهور، في شكل مخيمات تسمى الدار وهى عبارة عن منازل مجتمعة تحوم القطعان في المراعي بالقرب منها مصادر للمياه، ومن الملاحظ أن "الدمر" مشاركة ما بين الحضر المزارعين الذين يسكنون بصورة دائمة وهو ما تسميه ربيكا بحزام تداخل البدو والحضر "N/S interaction zone".

 

عندما تسقط الأمطار تبدأ الصحراء في إخراج الحشائش وتمتلئ مجاري المياه المؤقتة والخزانات الطبيعية، ومن ثم يصبح البدو بدواً مرة أخرى تاركين الحفير خلفهم في "الدمر"، فالكبابيش على سبيل المثال يدورون غرباً آلاف الأميال بعائلاتهم وقطعانهم ورعاتهم ليستفيدوا من الأرض الخضراء ويتركون موارد "الدمر" لموسم الجفاف لكي لا تستنفذ مواردهم وفي نهاية موسم الأمطار يبدأون في العودة والتمركز مرة أخرى في ملجأ "الدمر" وهكذا تستمر الدورةBradley –Ibid: 15 – 30

 

برز هنا تساؤل لربيكا وهو ما هو نمط البدو الرحل "Transhumance" الذى من الممكن أن يكون في منطقة جزيرة مروي في العهد المرَّوي. فمن الواضح من المصادر التاريخية والحديثة أن إقليمي السافانا الغنية والفقيرة في الكربة والإقليم شبه الصحراوي في البطانة كانا متحدين بصورة وثيقة الصلة ومرتبطين ومتكاملين بنفس نمط البدو الرحل الملاحظ في المساحات الموجودة بالغرب في إقليم كردفان، وموقع الكربة هو عبارة عن طبقة صخرية شكلت خزاناً دائماً للمياه، بها كمية محددة من المراعي، وأن البطانة لم تكن تستخدم إلا في موسم الأمطار. أما في موسم الجفاف فتتراجع القطعان التى كانت في البطانة إلى الكربة وإلى الأراضي التى غمرها فيضان نهر النيل أو عطبرة ويتداخلون في عدة صور مع السكان المستقرين هناك. وقد تساءلت ربيكا مرة أخرى عن الكيفية التى يبدو بها هذا النمط في السجل الآثاري، وقد بدا لها أن هناك تمركزاً من المواقع في الكربة وأراضي الفيضان وقلة نادرة في البطانة. ولكي تختبر هذا ولكي تطور أنموذجاً منطقياً فقد لجأت إلى الاستعانة بعلم الآثار السلوكي "Behavioral Archaeology" الذى وفر لها العديد من الأدوات التى كانت تحتاج إليها مثل:

هل للحركة الموسمية للبدو أثرٌ داخل السجل الآثاري، وهل كانت هناك أوقات في السنة يترك فيها نشاطهم أثراً أكبر من الأوقات الأخرى؟

إذا كان هناك حضر موجودون أيضاً، إلى أي مدى تختلف أنماطهم الآثارية عن أنماط البدو الرعاة في المنطقة نفسها وكيف تبدو أنماطهم المجتمعية والمشتركة؟

إلى أي مدى يستطيع السجل الآثاري للمجموعة البدوية أن يعكس توزيع الثروة داخل المجموعة؟ فبيوتهم وقبورهم فقيرة جداً لدرجة أنها لم تلفت انتباه الآثاريين، ولكن قد يكون قطاع كامل من السكان يستثمر كل ثروته في الحيوانات وليس في صناعة الخزف الملون أو الملابس والحلي المزركشة، فكيف تكون هذه الأخيرة واضحة الملامح بعد ألفي عام؟

 ما مدى مطابقة الأنماط الأثرية المستقرأة للمجموعات الحضرية/البدوية للأنماط الأثرية الحقيقية في جزيرة مروي، هل كان الفراغ الكبير الذى رسمه هنتزا في البطانة حالة حقيقية للأدلة السلبية، أم ما كانت تتوقعه ربيكا؟ وماذا عن الطبيعة الغريبة للمواقع في الكربة، تلك المعابد والحظائر المشتتة دون نسق معين ؟ Bradley –Ibid: 31 – 43

 

بدأت برادلي عملها الميداني في دار الكبابيش باثني عشر فرضية متعلقة بالاختلافات المستنبطة بين التجمعات البدوية والحضرية، فحاولت جمع بيانات اثنوغرافية لها مثل هل التجمعات المادية أكبر عند الحضر من تلك الخاصة بالبدو، وهل توفر التجمعات الحضرية فهرساً يعتمد عليه بطريقة أكبر، وتوفر وضعاً اقتصادياً منزلياً يعتمد عليه البدو بطريقة أكبر. هذا إلى جانب فرضيات أكثر تعقيداً مثل ما هي أسباب الاختلاف في مساحات المواقع، وماهى العوامل المحددة لتوزيع المواقع، ما هي العوامل التى تحدد محتويات كل موقع. وهدفها من كل ذلك هو توفير أداة لمعرفة كيف تختلف عمليات التكوين "Formation Processes" بين نظامي البدو والحضر. وقد أخذت عينة لدراستها وهى خمسة منازل حضرية وخمسة منازل بدوية وقد تضمنت دراستها قائمة طويلة وهذا ملخصها :

(أ) مورفولوجيا الموقع

* خرائط تقريبية للمنزل ووصف وصور لكل المنازل متضمنة سمات بناء حظائر الحيوانات.

* وهى بيانات عن مجاري مياه الأمطار متضمنة مياه الآبار والتخلص من الفضلات المنزلية والمزارع والمراعي والأسواق ومصادر الطحين.

 مواقع وهيئة المداخل.

 

(ب) التقديرات المنزلية

 البيانات الديموغرافية : العمر النوع العلاقة برب الأسرة المسؤوليات اليومية.

 الاقتصاد : موارد المنزل بلغة النقود مساحة الأراضي الزراعية حجم القطيع بالنوع وأشياء أخرى.

والأثاثات المنزلية : بكل أنواعها الجلدية الخشبية الفخارية وقد اهتمت بالوظيفة أكثر من غيرها وقد حاولت معرفة الفخار ووظيفته الحالية والسابقة ومكان استخدامه ومكان تخزينه والأشياء التى حلت مكانه من حيث الوظيفةBradley –Ibid: 74 – 105

 

3-3-1 النتائج

جاءت أولى نتائج عملها الميداني عن كيفية توزيع مجموعات الكبابيش لأنفسهم خلال السنة بين فصلي الجفاف والمطر. فالدار تعتبر مركزاً للحياة في فصل الجفاف ويكون فيها النساء والأطفال وقليل من الحيوانات خاصة الماعز، وتكون المنازل في شكل مجموعة من الخيام المرتبطة بصلة القربى بالقرب من بئر، وفي العادة تذهب عدة نساء لجلب الماء بالقربه "وهى أداة مصنوعة من جلد الماعز تحفظ بها مياه الشرب" من البئر. أما أثاثهم وأدواتهم في فصل الجفاف، فإننا نجد أن الدار ليست النوع الوحيد من مواقع "الدمر" عند الكبابيش فأغلب منازلهم لها (أو تشارك في) مخزن عبارة عن قطية مبنية من مواد هشة قابلة للتلف، حيث تخزن الأشياء الثقيلة من الشمال المنسوجة للخيام والأواني التى لا تستعمل في أثناء ترحالهم وتترك فيه خلال فصل الأمطار، ولا يُخشى عليها من السرقة. ولهذا ليست كل ممتلكات المنزل مكتملة في الدار، فبعضها يكون في المنزل وقد يصبح لقي أثرية في حالة عدم العودة إليها. ولكن من الملاحظ أنها توجد في فترة الدمر في منطقة حزام التداخل البدوي الحضري.

 

توجد أيضاً مخيمات الرعاة الذين يسعون بالمجموعات الرئيسة للحيوانات والتي تكون بعيدة عن الدار. بالإضافة إلى المساحات الرعوية الرئيسة وهى بعيدة قليلاً من الآبار للحفاظ على المراعي القريبة للحيوانات وهى في طريقها للسقيا في كل بضعة أيام. أما الرجال فحركتهم أوسع من النساء وخيامهم مؤقتة للحد البعيد فهم يأتون إلى الدار لأخذ مخزون الغذاء، ويذهبون للتسوق لحاجات المنزل.

 

أما الإيحاءات الآثارية التي خرجت بها ربيكا من هذا، فهي أن الدار والمخزن سوف يبدوان في السجل الآثاري قليلاً، أما خيام الرعاة ومواقع الآبار فلن تبدو في السجل الآثاري وأن أغلب السلوك المنتظم لمجموعات البدو لن يظهر خاصة الذى يدور في الدمر، وهو المكان الذى تستقر فيه المنازل أطول فترة في السنة. وهو المستقر الذى يبقى فيه الناس بصورة دائمة حتى الرحل.

 

وفي فترة الأمطار لا يتحرك المنزل مع المجموعة الرئيسة للقطعان التى تجول وتسافر بعيداً بحرية أكثر، ويبدو بوضوح أنه هو وقت المرح للبدو في العام حيث تتوفر المياه والمراعي فيتجمعون ويتصرفون بصورة اجتماعية بالقرب من مجاري المياه المؤقتة وخزانات المياه الطبيعية في الصحراء، ولكنهم يصبحون أقل إمكانية للكشف عنهم أثرياً، فحتى المنازل تتحرك بكثرة كل بضعة أيام ولهذا تكون معسكراتهم سريعة الزوال.

 

3-3-2 عمليات تكوين السجل الأثري عند البدو Formation processes

في أنموذج شيفر العام عن S.C و S.A نجد أن البدو مفقودين حيث لا نجد ما يتلاءم معهم وهذا يعود عند ربيكا إلى سببين بصورة عامة، أولاً لأن للبدو نماذج مادية فوق الآخرين لأنهم يعيدون تدوير أدواتهم "recycle" ويجددونها "renovate"، إلا أن لديهم سلسلة منتظمة لإعادة التدوير اللاحقة في شكل واسع أكثر من الحضر، وبعبارة أخرى إن القدر عند البدو لديه فترة استخدام أكثر غنىً وتنوعاً من حياة القدر عند الحضر. ثانياً أن هناك أثنين من عمليات S.C التى هي مهمة جداً في حياة البدو من الصعب جداً أن تشاهد في كل حالات الحضر هي التخزين الذى ذكر سابقاً إلى جانب نطاق ترحالهم"Translocation" وبوضع هذه الحقائق معاً نجد أنفسنا في وضع معقد.

 

3-3-3 الأنموذج الأثري

ولتطبق ربيكا محصلة عملها الميداني على مشكلتها الرئيسة وهى توزيع المواقع بجزيرة مروي، فقد عملت على استخراج مراتب متسلسلة لموقع نظامي موجود في نمط مؤسس على نتائج الكبابيش، وبعد ذلك استخرجت منه كيف تتكون وتبدو المواقع الآثارية، وكيف تتوزع مع مواقع الحضر الواسعة عند مصادر المياه الرئيسة مع كل المباني العامة والخاصة المتينة والمباني الخاصة والعامة غير المتينة، وقد رسمت جميع خطوط طرق البدو ومواقع معسكراتهم في موسم الأمطار مع النقاط المؤقتة للمياه ومع عدم وجود آثار للمباني. وقد استعملت كل هذا في الظروف الموجودة في جزيرة مروي. Bradley –Ibid: 198 – 213

 

أما النمط الذى تتنبأ به من حيث بيانات المواقع المتوفرة بصورة حقيقية، التى اختبرتها، هو ان هناك نظاماً من مواقع الإقامة الرئيسة على طول نهر النيل مع مباني من الطوب اللبن ومعابد من الحجر، وأيضاً لدينا في موقع الكربة وادٍ مع معابد حجرية، وفي شرق البطانة حفائر مع عدم إمكانية وجود مبان خاصة متينة ما عدا في موقعي النقعة والمصورات، وبالبطانة نجد مصادر مياه مؤقتة مثل المويات (وهي مناطق واسعة ومنخفضة كما وصفتها ربيكا) إلى جانب الحفائر التى ذكرها هنتزا التى لا ترافقها بقايا أثرية.

 

كل هذا أوحى لربيكا أن تنميط المواقع في جزيرة مروي هي بكل معنى الكلمة متماسكة مع عنصر أساسي من البدو، الذين هم عنصر متكامل وجزء هام من السكان الكوشيين، وان موقع الكربة هو موقع تداخل ما بين البدو والحضر وهو ما أسمته "N/S interaction zone"، وان الحفير والمعبد هما عنصران عامان مُستخدمان على أقل تقدير من قبل الرعاة البدو، وفي فترة الأمطار يستخدمون الوادي في الرعي، وأن البطانة هي المراعي الهامة في فترة الأمطار بالنسبة للرعاة الكوشيين. والحفائر التى تحدث عنها هنتزا هي مواقع إقامة الكوشيين في فترة الأمطار. Bradley –Ibid: 214-215

 

الخلاصة

إن مسيرة علم الاثنوأركيولوجيا في السودان لا تختلف عن نظيرتها في العالم، فقد تطور أيضاً عن استخدام التناظر الاثنوغرافي وتشكل حسب نظريات علم الآثار حتى أصبح منهجاً منفصلاً وقائماً بذاته. من هنا نؤكد أن الهدف من هذا العرض هو تقديم نماذج للدراسات الاثنوأركيولوجية التى تمت لتفسير الآثار السودانية، والإشارة إلى النتائج الواعدة التى يمكن أن نخرج بها من استخدام هذا النوع من الدراسات.

 

 

الهوامش

صلاح محمد أحمد 1997 ، "التركين هل هو وجبة نبتية ؟"- كوش العدد (17) -الخرطوم.

محمد بن عمر التونسي 1965، تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان – المؤسسة العامة للتأليف والنشر – القاهرة.    

 

AbdelKarim Khidir 1984, Merotic Settlement in the Central Sudan – BAR International series – Oxford.

Bradley Rebecca 1992, Nomads in the archaeological record – Merotica No '13' University of Humboldt Press – Berlin.

Hodder I. 1980, Symbols in action: Ethnoarchaeological studies of material culture – Cambridge University press – New York.

Kendall T. 1984, Ethnoarchaeology in Merotic studies – 5th international conferences for Merotic studies – Rome

Kleppe Else J 1986, "Religion Expressed Though Bead Use: Ethnoarchaeological study of Shilluk Southern Sudan " – Words and Objects –Edited by Gro Steinsland – Norwegian University Press.

Shinnie P.L. 1961, Excavation in Soba- Sudan antiquaties service No '3' – Khartoum.

 

 

 

 


 

تقرير مفوضية ترسيم حدود أبيي 

الجـزء (1)

14/ يوليو/ 2005م

  ترجمة : الأستاذ محمد جعفر وأ.د. سليمان محمد الدبيلو

مراجعة وتدقيق أ.د. أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

المقدمة

الإهداء

قائمة بأعضاء الوفود لمفوضية ترسيم حدود أبيي

خلاصة تقرير الخبراء وقرارهم

1 مهام خبراء مفوضية ترسيم حدود أبيي

2فحص السجلات التاريخية

3- سوء الفهم الشعبي حول ترسيم حد أو تخم

4- الشهادات

5- موقف المسيرية

6- موقف دينكا نوك

7- مواقف الحكومة السودانية / الحركة الشعبية/الجيش الشعبي

8- فحص السجلات التاريخية

9- مواقف أطراف النزاع

الخاتمة

القرار النهائي والملزم

الجزء (2) المواقف والادعاءات

الخرائط

         الخريطة رقم (1) حدود منطقة أبيي

الخريطة رقم (2) خط رحلة ويلكينسـون عام 1902م

الخريطة رقم (3) مناطق رعى الحمر المتقيد بها في 1902 و1908م

الخريطة رقم (4) مناطق رعى الحمر ودينكا نوك في 1933م

ملحوظة : تعتذر أركامانى عن عدم إلحاق الخرائط المشار إليها بهذا التقرير المنشور على صفحاتها. 

 

المقدمة  

ينص البروتوكول الموقع في نايفاشا بكينيا في السادس والعشرين من مايو 2004م بين حكومة السودان (الحكومة) والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان (الحركة/الجيش) حول تسوية نزاع أبيي على قيام الرئاسة بإنشاء "مفوضية ترسيم حدود أبيي" لتعيين وتحديد و ترسيم منطقة عُمُوديات الدينكا التسع التى تم ضمها إلى كردفان في 1905م. ينص البروتوكول على أن "تشمل المفوضية، بين أشياء أخرى، خبراء وممثلين للجماعات المحلية والإدارة المحلية".

 

يقرر النص النهائي للملحق الخاص بأبيي : "التفاهم حول مفوضية ترسيم حدود أبيي" الذي تبناه الطرفان في السابع عشر من ديسمبر 2004م على أن يشمل تشكيل مفوضية ترسيم حدود أبيي خمسة أعضاء يمثلون الحكومة السودانية، وخمسة أعضاء يمثلون الحركة الشعبية/الجيش الشعبي، وخمسة خبراء محايدين يتم تعيينهم من كل من الولايات المتحدة الأمريكية (1)، وبريطانيا (1)، ومنظمة الإيقاد (3). تستمع مفوضية ترسيم حدود أبيي إلى ممثلي أهل منطقة أبيي والجيران، كما تستمع أيضاً إلى ما يقدمه الطرفان".

 

وبالإضافة إلى ذلك يرجع الخبراء في المفوضية "إلى الأرشيف البريطاني والمصادر الأخرى عن السودان أينما كانت متاحة بغرض التوصل إلى قرار يكون مستنداً على التحليل العلمي والبحث".

 

ينص الملحق كذلك على قيام الخبراء بتحديد القواعد الإجرائية لمفوضية ترسيم حـدود أبيي وأن "تقرير الخبراء الذي يتم التوصل إليه حسبما هو محدد وفقاً للإجراءات المذكورة، يكون نهائياً وملزماً للأطراف".

 

تمشياً مع هذا الشرط، فإن قواعد الإجراءات لمفوضية ترسيم حدود أبيي التى قدمها الخبراء بتاريخ 11 أبريل 2005م والتى تم قبولها من الطرفين، تنص على ما يلي : "تسعى المفوضية سعياً حثيثاً للوصول إلى قرار اتفاقي جماعي في الرأي. فإذا لم يتحقق موقف متفق عليه من الطرفين فيكون للخبراء الكلمة الأخيرة".

 

إن هذه القاعدة تتمشى مع لغة الملحق الخاص بأبيي ومؤداها أن تقرير الخبراء نهائي وملزم للطرفين.

 

بتاريخ 12 أبريل 2005م قدم أعضاء الحكومة والحركة/الجيش الشعبي في مفوضية ترسيم حدود أبيي إلى الخبراء طروحاتهم الأولية. وفي اليوم التالي غادرت مفوضية ترسيم حدود أبيي إلى الخرطوم جواً ومنها إلى مدينة أبيي والتى وصلتها صباح الرابع عشر من أبريل. طوال الستة أيام التالية استمعت مفوضية ترسيم حدود أبيي إلى شهادات من السودانيين في مدينة أبيي والمناطق الواقعة إلى الشمال الشرقي والشمال الغربي منها : أقوك والمجلد. عادت مفوضية ترسيم حدود أبيي إلى الخرطوم في 26 أبريل 2005م وغادرها الخبراء جواً إلى نيروبي حيث شرعوا في تنقيح مذكراتهم حول الشهادات التى استمعوا لها في جنوب السودان وتشاوروا مع منظمة الإيقاد.

 

عاد الخبراء إلى الخرطوم في السابع والعشرين من أبريل، وخلال فترة الأسبوعين التاليين قاموا بتدقيق المستندات التاريخية في دار الوثائق السودانية القومية والخرائط الموجودة في هيئة المساحة القومية السودانية والوثائق الإضافية الموجودة في مكتبة جامعة الخرطوم. كذلك استمعوا إلى شهادة مجموعة من دينكا نوك الذين يعيشون في الخرطوم ومجموعة من دينكا توج المقيمين هناك.

 

لا توجد خريطة تبين المنطقة التى كان يقطنها دينكا نوك في 1905 كما لم تقم السلطات الحكومية لدولتي الحكم الثنائي البريطاني ـ المصري بإعداد وثائق كافية في تلك السنة تحدد بطريقة وافية الوضع الإداري الذي كان قائماً في تلك المنطقة في ذلك الوقت. وعليه، فقد كان من الضروري للخبراء الاستفادة من المادة التاريخية ذات الصلة التى أصدرت قبل 1905 وبعدها على حد سواء، فضلاً عن تلك التى صدرت في تلك السنة ليحددوا بأقصى قدر ممكن من الدقة منطقة العموديات التسع لدينكا نوك كما كانت عليه في عام 1905م. وعند قيامهم بهذا فإن الخبراء يقظين ومدركين لأن من قاموا بصياغة الاقتراح الأمريكي الذي تم تضمينه في البروتوكول الخاص بأبيي قد قالوا : "كان رأينا بوضوح عندما قدمنا مقترحنا أن المنطقة التى تم ضمها في عام 1905م كانت تقريباً مساوية لمساحة أبيي التى تم ترسيم حدودها في السنوات اللاحقة".

 

تم إبلاغ هذا الموقف إلى الطرفين في محادثات نايفاشا وفقاً للمشاركين الأمريكيين.

 

اجتمع الخبراء عند عودتهم إلى نيروبي في 11 مايو بالمبعوث الخاص لمنظمة الإيقاد، الجنرال لازارو سومبيويا، ليبلغوه بالتقدم الذي تم إحرازه والعمل الذي لم يتم اكماله بعد؛ كما أعلموه بالحاجة إلى الخدمات المهنية لرسام خرائط.

 

بتاريخ 16 مايو التقى الخبراء مرة ثانية في مكاتب منظمة الإيقاد للاجتماع بالبروفيسور شادراك قوتو، الخبير الخامس وتقديم تلخيص له. وفي اليوم التالي وعقب اجتماع آخر مع البروفيسور قوتو سافر رئيس مفوضية ترسيم حدود أبيي السيد/ بترسون، وممثل المملكة المتحدة جونسون، ومندوب منظمة الإيقاد موريوكي إلى إنجلترا. وإبان فترة وجودهم في إنجلترا من السابع عشر إلى السابع والعشرين من مايو توجه الخبراء الثلاثة إلى جامعة أوكسفورد أولاً حيث قاموا بفحص الوثائق في مكتبة رودس هاوس، والمستندات، والخرائط في مكتبة بودليان؛ واجتمعوا لاحقاً بالمدير الإداري الأسبق السيد/ مايكل تيبس في سسكس، وبالسيد/ إيان كنيسون، عالم الأنثروبولوجيا ومؤلف كتاب عرب البقارة، في مدينة هّل. كذلك سافروا إلى درهام حيث راجعوا الوثائق والخرائط في أرشيف السودان بجامعة درهام. وخلال الفترة نفسها اضطلع الأستاذين الدكتورين بيرهانو وقوتو بمزيد من الأبحاث في أديس أبابا وبريتوريا على التوالي.

 

اجتمع الخبراء الخمسة كلهم مرة ثانية في نيروبي في الرابع عشر والخامس عشر من يونيو، وفي اليومين السادس عشر والسابع عشر قدمت كل من الحكومة والحركة الشعبية/الجيش الشعبي طروحاتهما النهائية.

 

استمر الخبراء من ثمّ في مداولاتهم التى اختتموها في العشرين من يونيو. وفي ذات اليوم اجتمعوا مرة أخرى مع الجنرال سومبيويا والذي وافقهم الرأي بشأن تعهدهم بعدم إطلاع أي شخص أو مؤسسة بخلاصة قرارهم قبل تقديمه إلى الرئاسة السودانية.

 

تم استخدام طريقة مبسطة لكتابة الأسماء العربية والدينكاوية حسبما تنطق لفظاً.

 

الإهداء

قامت منظمات عدة بمعاونة خبراء مفوضية ترسيم حدود أبيي في عملهم وكذلك عدد من الأشخاص. ونود أن نعرب عن عظيم امتناننا وتقديرنا للأعمال التى تمت بالنيابة عنا والخدمات التى تم تقديمها لنا من الآتية أسماؤهم :

 سكرتارية منظمة الإيقاد، نيروبي.

 حكومة جمهورية السودان مع شكر خاص للسفير/ الدرديري محمد أحمد.

 الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان مع شكر خاص للقائد/ دينق ألور كول.

السفير الدرديري والقائد دينق ألور أكول ونائب الوالي/ أحمد الصالح للنصح والمشورة الحكيمة التى قدموها للمواطنين الذين حضروا اجتماعاتنا في مدينة أبيي والمناطق المحيطة بها : أقوك والمجلد.

 السلطات في مدينة أبيي والمجلد التى وفرت لنا المأوى والطعام والمواصلات وأماكن لاجتماعاتنا.

* السلطات في أقوك التى قدمت لنا الطعام ووفرت أماكن لاجتماعنا.

* القيادة العسكرية المشتركة التى قدمت لنا المروحية لتنقلاتنا في الميدان.

* عمليات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذين قدموا لنا المأوى ووفروا لنا المواصلات.

* على كرار، مدير دار الوثائق القومية وموظفيها في الخرطوم.

* محمد خير محمد علي، المدير العام لهيئة المساحة القومية وموظفيها.

* منسوبي مكتبة السودان بجامعة الخرطوم.

* سيف الإسلام محمد من وزارة الخارجية السودانية.

* جون بينفولد، أمين مكتبة رودس هاوس، أوكسفورد وموظفيها.

* منسوبي قسم الخراط الجغرافية بمكتبة بودليان بأوكسفورد.

* جين هوغان وموظفيها في المقتنيات الخاصة، مكتبة بالاس قرين بجامعة درهام.

* ريشارد هنتينجتون، وديفيد كول، وماريام نيامير ـ فولر لتقديمهم المادة من مشروع التطوير الريفي المتكامل لأبيي بجامعة هارفارد.

* مايكل تيبس، وآن تيبس، والأستاذ الدكتور/ إيان كنيسون والذين قدموا لنا بسخاء إجابات عن أسئلتنا ومنحونا من وقتهم الثمين عندما نقبنا في ذاكرتهم عن المنطقة عندما كانت عليه قبل أكثر من خمسين عاماً.

* روبرت موانجي قيتاو من الخرائط السياحية المحدودة والرئيس الأسبق لقسم الخرائط لدى إدارة المساحة في كينيا لقيامه برسم الخرائط المصاحبة لهذا التقرير.

* وأخيراً لأفراد الشعب السوداني الذين أدلوا بشهادتهم إلى مفوضية ترسيم حدود أبيي، وللجميع الذين قدموا مساعدتهم المباشرة وغير المباشرة للخبراء.

 

قائمة بأسماء أعضاء الوفود إلى مفوضية ترسيم حدود أبيي

 

وفد حكومة السودان

 السفير/ الدرديري محمد أحمد، رئيس الوفد.

 السيد/ أحمد الصالح صلوحة، عضواً.

 السيد/ عبد الرسول النور، عضواً.

 السيد/ زكريا أتيم، عضواً.

 السيد/ أحمد عبد الله آدم، عضوا".

 

وفد الحركة الشعبية

 القائد/ دينق ألور كول، رئيس الوفد.

 السيد/ جيمس لوال دينق، عضواً.

 السيد/ فيكتور أكوك، عضواً.

 السيد/ جيمس أجينق باث، عضواً.

 السيد/ دينق آروب كول، عضواً.

 

الخبراء

 السفير/ دونالد بترسون، رئيساً ـ ممثل الولايات المتحدة الأمريكية.

 البروفيسور/ جودفرى موريوكي، ممثل منظمة الإيقاد.

 البروفيسور/ كاساهون بيرهانو، ممثل منظمة الإيقاد.

 الدكتور/ دوجلاس ات هـ. ونسون، ممثل المملكة المتحدة.

 البروفيسور/ شادراك ب. قوتو، ممثل منظمة الإيقاد.

 

سكرتارية منظمة الإيقاد

 السيدة/ فليشينا دبليو كيرو.

 السيد/ بونيفاس مواكا.

 السيدة/ فرجينيا قيتاو.

 آنسة/ سويلا كاسين.

 

 

 

خلاصة تقرير الخبراء وقرارهم

مهام خبراء مفوضية ترسيم حدود أبيي

كما تبين مقدمة هذا التقرير، ينص الملحق الخاص ببروتوكول أبيي وقواعد الإجراءات التى أقرتها مفوضية ترسيم حدود أبيي، فى جوهره، على أنه إذا لم تتمكن مفوضية ترسيم حدود أبيي المؤلفة من (15) شخصاً من التوصل إلى قرار اتفاقي بإجماع الرأي حول ما يجب أن تكون عليه حدود منطقة أبيي، فإن قرار خبراء مفوضية ترسيم حدود أبيي يكون نهائياً وملزماً للطرفين. كذلك، وحسبما هو وارد في المقدمة، فقد تم تحديد منطقة أبيي على أنها منطقة العموديات التسع لدينكا نوك التى تـم تحـويلها من بحر الغزال وضمها إلى كردفان في 1905 ( المرفق "1" ).

 

وكما حدث، فإن الطرفين، وهما حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان، لم يتمكنا من تسوية خلافاتهما حول نزاع أبيي. وبالتالي فإن القرار الذي تم التوصل إليه من قبل الخبراء الخمسة في مفوضية ترسيم حدود أبيي هو الحاسم لأمر الحدود موضوع النزاع.

 

ينبغي التأكيد هنا ان الخبراء في توصلهم لقرارهم لم يقبلوا أو يرفضوا المواقف النهائية لكل من حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان. بل على العكس من ذلك، قاموا باستخدام مواقف كلا الطرفين كنقاط انطلاق لاستقصاءاتهم وتحرياتهم والتى أدت إضافياً إلى وثائق الحكومة الثنائية البريطانية - المصرية. وكذلك استخدم الخبراء الشهادات التى استمعوا إليها في السودان والملاحظات التى قدمتها لهم المصادر البريطانية الملمة بمنطقة أبيي قبل الاستقلال والمصادر الثانوية ذات الصلة.

 

سوء الفهم الشعبي حول ترسيم حد أو تخم

وجد الخبراء أثناء اجتماعاتهم مع الناس في منطقة أبيي سوء فهم كبير حول الأثر الذي سيحدثه ترسيم حدود للمنطقة. وعليه، يود الخبراء أن يؤكدوا هنا أن الحد الذي سيتم تعيينه وترسيمه لن يكون عائقاً أو حائلاً دون التعايش بين مجتمعات المسيرية ودينكا نوك. ويجب ألا يكون للقرار تأثير فعلي على أنماط الرعي التقليدية للمجتمعين إذ أن تلك الأنماط كانت متبعة لسنوات عدة إلى أن عطلها ومزقها النزاع المسلح. إن الخبراء على ثقة من أن الرئاسة ستتخذ الخطوات التى تضمن إنتشار هذا المعنى وعلى الأخص بين مجتمعي المسيرية ودينكا نوك.

 

الشهادات

عقدت مفوضية ترسيم حدود أبيي أربعة عشر اجتماعاً في منطقة أبيي، واستمعت إلى شهادات رسمية من (104) شخصاً [47 من الدينكا و57 من المسيرية] في الفترة ما بين الرابع عشر والعشرين من أبريل. أخذت جميع الشهادات في اجتماعات عامة وأدلى الشهود بشهاداتهم علانية بعد أدائهم القسم وكانوا يسمعون شهادات الآخرين ويسمعهم جميع الحاضرين. تم سماع الشهادات في : مدينة أبيي، وقلى/لانقر، وباول، والدمبلويا/داك جور، ولاو، وأم بلايل/ترداخ، والشقى/ثيجى، ولوكجي/كول يث، وأقوك (في منطقة الحركة/الجيش الشعبي)، ومدينة المجلد.

 

خصص وقت للأسئلة الموجهة من مفوضية ترسيم حدود أبيي في سبعة اجتماعات فقط من اجتماعاتها في مدينة أبيي، وأقوك، والمجلد. وتم عمل زيارة إضافية إلى ماثيانج في منطقة الحركة الشعبية/الجيش الشعبي إلا أنه لم يعقد اجتماع هناك. وتم الاستماع إلى مزيد من الشهادات من ممثلي دينكا نوك ودينكا توج في الخرطوم. وككل تم عمل مقابلات مع (125) شخصاً [المرفق "4"].

 

عند افتتاح كل جلسة يقوم رئيس مفوضية ترسيم حدود أبيي بشرح أهداف المفوضية. بعدها يتحدث الناطقون الرسميون لوفدي الحكومة والحركة الشعبية/الجيش الشعبي في مفوضية ترسيم حدود أبيي مؤكدين على أن حصيلة مداولات المفوضية لن تؤثر على التحرك بحرية لأي مجموعة من الأشخاص أو طريقتهم التقليدية في الوصول إلى الأراضي. عقب ذلك يقوم الطرفان بتقديم مواقفهما الخاصة فيما يتعلق بالتفويض الصادر لمفوضية ترسيم حدود أبيي والاختلافات في ترسيم حدود المنطقة. نتيجة لذلك، لم يكن هنالك أي شخص في الاجتماعات يساوره أدنى شك أين يقف كل طرف من الطرفين. وضح هذا جلياً في الإفادات اللاحقة التى أدلى بها عدد من الشهود والتى بينت بجلاء أنهم لا يتحدثون دعماً لموقف الحكومة أو الحركة الشعبية/الجيش الشعبي فقط بل حاولوا أحياناً دحض المطالبات التى قدمت في الاجتماعات الأولى التى لم يكونوا حاضرين لها.

 

لقد قدمت روايات لأحداث قبل عام 1905م بكثير، وأخرى قبلها مباشرة، إلا أن تفاصيل الأحداث الفعلية في عام 1905 كانت شحيحة. قام الكثير من الشهود من دينكا نوك والمسيرية ومن الدينكا الآخرين بعمل إشارة إلى الفترات اللاحقة والأحداث اللاحقة (حتى بعد الاستقلال) وخلصوا إلى استنتاجات من تلك الفترات عن الوضع الذي كان قائماً في 1905م.

 

معظم الإفادات الشفوية من دينكا نوك والمسيرية التى تم الإدلاء بها أظهرت لمفوضية ترسيم حدود أبيي الاختلاف الكبير بين الطرفين حول حدود منطقة أبيي. لا أحد ينكر أن كل من المسيرية ودينكا نوك يتشاركان معاً في استخدام المنطقة نفسها في الآونة الحديثة. إلا أن الاختلاف كان حول ما إذا كان هذا الاستخدام يشكل "ملكية" للمنطقة كما هو الحال في الاطروحات النهائية لحكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي (المرفق "3") فان الشهادات الشفوية وحدها سوف لن تؤسس تأييد أي من الموقفين.

 

موقف المسيرية

ادعى المسيرية بأن الأراضي الواقعة إلى الشمال من مناطق استيطانهم الدائمة في جنوب بحر العرب كانت ملكهم لعدة قرون، وأن دينكا نوك قادمون جدد إليها وكانوا معدمين، وبناء على طلبهم تم السماح لهم بالسكن في المنطقة الجنوبية للبحر في العصور الحديثة ضيوفاً، وأنه لا توجد حدود بين المجموعتين، وأن كامل المنطقة كانت تحت الاختصاص الإداري لمديرية كردفان ولم تك على الإطلاق من ضمن اختصاص مديرية بحر الغزال. تأييداً لمطالبهم هذه ذكر بعض الشهود أن دينكا نوك لم يدفعوا أية ضرائب على الإطلاق إلى مديرية بحر الغزال، وأن دينكا نوك كانوا يعاملون إدارياً على أنهم جزء من المسيرية، وأن كبير نظارهم كان أدنى مرتبة من ناظر المسيرية، وأن للمسيرية زراعات قطن في أماكن مثل ناما (أقصى شمال المنطقة التى يطالب بها دينكا نوك).

 

موقف دينكا نوك

قدم دينكا نوك ادعائهم وتم دعم ذلك من قبل دينكا توج وريك بأنهم قد احتلوا منطقة النهر وشغلوها (بحر العرب / كير/ الرقبة الزرقاء / قول) قبل وصول المسيرية إلى منطقة المجلد، وبالتالي فإنهم ليسوا ضيوفاً، وأن مناطق استيطانهم الدائمة قبل 1905م وأثناءها وبعدها كانت تقع شمال وجنوب بحر العرب / كير على حد سواء، وأنه لم تحدث تغيرات رئيسة في مناطق استيطانهم الدائمة أو مناطق رعيهم من 1905 إلى 1965. قدم دينكا نوك روايات تفصيلية بأسماء أماكن مناطق استيطانهم الدائمة وأراضى الرعي بالنسبة لكل واحدة من عموديات دينكا نوك.

 

مواقف الحكومة السودانية / الحركة الشعبية/الجيش الشعبي

إن موقف الحكومة السودانية هو أن المنطقة الوحيدة التى تم تحويلها من بحر الغزال وضمها إلى كردفان في 1905م كانت شريحة من الأرض تقع جنوب بحر العرب / كير؛ وأن دينكا نوك عاشوا جنوب بحر العرب / كير قبل 1905م، ونزحوا فقط إلى المنطقة شمال النهر بعد ضمهم إدارياً مباشرة لكردفان. وعليه، فإن منطقة أبيي يجب تحديدها بأنها تقع جنوب بحر العرب / كير واستثناء جميع المناطق الواقعة شمال النهر بما في ذلك مدينة أبيي نفسها.

 

هذا الموقف عارضه وقابله موقف الحركة الشعبية/الجيش الشعبي المتمثل في أن دينكا نوك قد أثبتوا مطالب تاريخية في منطقة تمتد من حدود كردفان / بحر الغزال الحالية إلى الشمال من الرقبة الزرقاء / نقول، وأن الحد يجب أن يمر في خط مستقيم على طول خط العرض 10 درجات و35 دقيقة شمالاً (المرفق "3").

 

فحص السجلات التاريخية

بسبب التناقض الكبير في الاطروحات المبدئية لكل من الحكومة السودانية والحركة الشعبية/الجيش الشعبي، والشهادات الشفوية لأهالي المنطقة من الجانبين، والتي لم تثبت بنحو قاطع وحاسم موقف أي من الطرفين، شرع الخبراء في مفوضية ترسيم حدود أبيي في الحصول على أكبر قدر من الأدلة والأسانيد تمكنوا من الحصول عليها من دور الوثائق والمصادر الأخرى في السودان، والمملكة المتحدة، وجنوب أفريقيا، وإثيوبيا. وقد حصر الخبراء أنفسهم إلى حد كبير في الوثائق المعاصرة لفترة الحكم الثنائي البريطاني ـ المصري (1899 – 1956) أو تشير إليها. وقد لاحظوا أنه لا توجد خريطة في 1905م توضح منطقة دينكا نوك، كما أن الوثائق التاريخية للحكومة التى كانت قائمة آنذاك لا تؤكد بصورة قاطعة حدود دينكا نوك في ذلك الوقت. عند تحليلهم للمادة التى تم جمعها، قام الخبراء باستخدام وتطبيق الطريقة التاريخية المقبولة والمتعارف عليها لمقارنة المادة الشفوية مع تلك المكتوبة؛ كما أنهم استرشدوا بالمبادئ القانونية الراسخة في تحديد الحقوق المتعلقة بالأراضي في المناطق الأفريقية السابقة التى كانت تديرها الحكومة البريطانية بما في ذلك السودان (المرفق "2 ").

 

مواقف أطراف النزاع

نشأت ثمة ادعاءات معينة من أطروحات حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي ومن الشهادات الشفوية. ولاختبار هذه الادعاءات، أخضع الخبراء كل منها للتحليل استناداً إلى الأسانيد التاريخية ذات الصلة. وقد ضمن قسم خاص بالتقرير الكامل عرض للأدلة والتحليل الذي تم تطبيقه على كل افتراض (المرفقات 4 و5 و6). نوجز هنا ملخصاً للافتراضات والأسانيد وحيثيات الخبراء.

 

الادعاء (1) : تمتد منطقـة دينكـا نوك في الأصل إلى الاضية وأن الحد بين دينكا نوك والمسيرية يجب أن يمتد من بحيرة كيلاك إلى المجلد (شهادة دينكا نوك الشفوية).

 

الوثائق المعاصرة أياً كان نوعها التى تشير إلى الإقليم الواقع بين الاضية وبحر العرب قبل بداية القرن العشرين قليلة جداً. أحد هذه المصادر القليلة هو خط الرحلة الذي سجله و.ج. براون والذي سجله في مذكراته عندما كان مقيماً في دار فور في 1794 – 1795 والذي حدد موقع المسيرية في البركة (بالقرب من المجلد) وأشار إلى أن الدينكا على مسيرة خمسة أيام إلى الجنوب الشرقي منها. وقد أكد ك.د. هندرسون الذي كان مأموراً للنهود في أوائل 1930 ما ذهبت إليه هذه المذكرات و يُرجح هندرسون وصول العرب البقارة إلى المجلد إلى العقد 1765 – 1775.

 

بلا أدنى شك فإن المجلد كانت وستظل قلب دار المسيرية. وقد وصف هندرسون المجلد بأنها "المفتاح لدار الحمر". كما أفاد مفتشو مراكز كردفان الذين كانوا يسافرون في جنوب كردفان في 1901 و1902 في تقاريرهم وأفادوا أيضاً بأن كيلك هي جزء من منطقة الحمر. في عام 1954 كتب إيان كنيسون، عالم الأنثروبولوجيا الذي عاش وسط الحمر في أوائل عام 1950، قائلاً : "يعتبر الحمر المجلد موطنهم وقد كان وصولهم إليها من البحر (بحر العرب) مناسبة فرح وابتهاج عظيم لهم".

 

من الواضح أن المطالبة بأن الحدود بين دينكا نوك والمسيرية تقع بين المجلد وكيلك لا أساس لها من الصحة. وهذا بالطبع يستبعد أي احتمال أن الحد كان حتى الاضية.  

 

الادعاء (2) : امتدت منطقة المسيرية في الأصل جنوب بحر العرب إلى الحدود الحالية لكردفان وبحر الغزال. ( شهادة المسيرية الشفوية).

 

كانت مناطق الرعي المعروفة للحمر في موسم الجفاف في أوائل القرن العشرين تتمركز بالقرب من نهر نجول وليس بحر العرب، وبدرجة أقل كثيراً إلى الجنوب من بحر العرب. ففي يناير 1908 ومرة أخرى في أكتوبر من العام نفسه قدم مدير مديرية كردفان واتكيس لويد تقريراً بأن الحمر أخذوا قطعانهم إلى بحر الحمر (نجول) في موسم الجفاف. كرر هذه الملاحظة مأمور المنطقة آنذاك ر.ب. بينس بمبروك في تقرير كتبه في 1916 : "حالما يشح العشب وتسمح الذبابة يتوارى الحمر العجايرة إلى موارد المياه البعيدة في بحر الحمر". لم يتوغل الحمر جنوباً إلا في سنوات لاحقة بتوسيع مناطق رعيهم خلال موسم الجفاف حتى بحر العرب. وقد تم توضيح هذا في تقرير عام 1923 قدمه مسئول حكومي من بحر الغزال ـ الرائد تيثرينجتون يشتكي فيه من دخول العرب مع قطعانهم بحر الغزال.

 

أشار كنيسون إلى أن هجرة المسيرية إلى السودان تبعت حزام السافانا الذي يعتبر البيئة الطبيعية لهم إذ أنه يقع بين المنطقة شبه الصحراوية شمالاً والمستنقعات الموسمية جنوباً. من جانبهم استوطن دينكا نوك على طول الأنهار والمجاري المائية. استوطن الحمر ودينكا نوك بيئتيهما المختلفتين لفترة كافية ظهرت في السلالات المختلفة للماشية. إن الأسانيد البيئية تدحض أي احتلال لفترة طويلة من قبل الحمر لحوض النهر (البحر).

 

انه لشيء بناء أن ننظر إلى الكيفية التى تم بها حل قضية مماثلة. ففي أوائل القرن العشرين كان هناك نزاع بين دينكا ملوال من مديرية بحر الغزال وعرب الرزيقات من دار فور شكل هاجساً مستمراً من التوتر. وبموجب قرار من حكومة دولتي الحكم الثنائي في 1924 اعترف القرار بمطالبة الرزيقات وأعطاهم حداً جنوبياً يقع 12 ميلاً جنوب بحر العرب. لم يصدر مثل هذا القرار على الإطلاق بالنسبة للنوك والمسيرية حيث لم يطالب المسيرية رسمياً أثناء فترة الحكم الثنائي بأية منطقة جنوب بحر العرب. 

 

الادعاء (3) : إن دينكا نوك قادمون جدد إلى المنطقـة حيث غادروا جزيرة الزراف في أعالي النيل في القرن التاسع عشر وتم إيوائهم لاجئين معدمين بناءً على طلبهم إلى قادة (نظار) الحمر. (شهادة المسيرية الشفوية وطرح حكومة السودان).

 

إذا أثبتت أسانيد و.ج. براون (المنوه عنها في الادعاء "1" أعلاه) أن المسيرية كانوا في منطقة المجلد ـ البركة، فإنها تثبت كذلك بالقوة نفسها أن الدينكا كانوا مستوطنين في الرقبة الزرقاء في التاريخ ذاته. ففي دراسته عن نزوح المسيرية كتب هندرسون : "لقد تحرك نوك غرباً على طول نجول تحت إمرة كوال ديت زعيم فرع ابيور. وقد حدث هذا قبل جيل كامل من مجيء البقارة جنوباً إلى التردة". وقد سجل هندرسون وصول كوال ديت إلى نجول على أنه كان في 1745 – 1755.

 

توضح الأبحاث التاريخية التى أجريت في أعالي النيل بأنه لا يوجد رابط بين نزوح دينكا نوك إلى كردفان والأحداث المحيطة بتوسع النوير شرقاً في القرن التاسع عشر إلى جزيرة الزراف.

 

الأسانيد التى تشير إلى أن دينكا نوك لم يكونوا بأية حال قادمين جدد في أوائل القرن العشرين قويه. ولا يوجد دليل على أن دينكا نوك طلبوا اللجوء من "أبو قرون" أو "علي جلة". وكان الأخير في حقيقة الأمر يقوم بغارات ضد دينكا نوك والدينكا توج في السنوات الأولى للقرن العشرين وبالتالي يصعب أن يكون هو الشخص الذي يمكن أن يطلب منه دينكا نوك اللجوء. وفى الواقع فإنه قبل سنوات قليلة فقط كان دينكا نوك هم الذين قاموا بمساعدة المسيرية. وكما لاحظ هندرسون في دراسته حول نزوح المسيرية فإن الحمر الذين لم يكونوا موالين للمهدية قد طردوا من موطنهم وتم تعقبهم من قبل المهدويين خارج ديارهم وتمكن الأحياء منهم من اللجوء (حتى 1898) إلى الناظر أروب بيونج في مستنقعات باراليل.

 

إن الزعم بأن دينكا نوك كانوا معدمين مشكوك فيه استناداً إلى المشاهدات المعاصرة من قبل الموظفين البريطانيين في السنوات الأولى من 1900. فعلى سبيل المثال في رحلة من الأُبيض إلى "دار السلطان روب" في 1902، لاحظ الحاكم ماهون أن دينكا نوك "أغنياء ويملكون أعداداً ضخمة من رؤوس الأبقار". وهذا بالمقابل مع الملاحظات الأخرى التى أشارت إلى الفقر النسبي للحمر.

 

الادعاء (4) : إن إدارج منطقة أبيي في منطقة "دار المسيرية" اعتراف بأن منطقة دينكا نوك تعود لدار المسيرية (الشهادة الشفوية للمسيرية و أطروحات حكومة السودان).

 

مرة أخرى لم يطلب دينكا نوك اللجوء من الحمر ولم يتلقوه منهم ولم يتحركوا جسدياً (فيزيقياً) من منطقة إلى أخرى. إن ما حدث في 1905 هو أنه بسبب شكاوى الدينكا من غارات الحمر، قررت السلطات البريطانية ضم دينكا نوك وجزء من دينكا توج إلى مديرية كردفان وإلغاء الإشراف الإداري لمديرية بحر الغزال عليهم. وهذا الإجراء وضع دينكا نوك والحمر تحت سلطة نفس الحاكم (وهى واقعة أوردت في أطروحات كل من حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي).

 

على الرغم من اتخاذ بعض دينكا نوك للزي العربي واستيعابهم لسمات ثقافية شمالية معينة، فإن دينكا نوك حافظوا على استقلالهم وذاتيتهم. ذكر مايكل تيبس، آخر مأمور منطقة بريطاني لدار المسيرية، أنه في 1952 عندما أصبح دينكا نوك جزءاً من مجلس المنطقة وانضموا إليه مع المسيرية لم يكونوا أعضاءً في قبيلة المسيرية ولم يكونوا تحت اختصاص نظارة المسيرية وكانت لهم محكمتهم الخاصة.

 

الادعاء (5) : كان دينكا نوك إدارياً جزءاً من المسيرية في الضرائب ونظام المحاكم (شهادة المسيرية الشفوية وطرح حكومة السودان).

 

توضح السجلات أن منطقة دينكا نوك كانت تدار بشكل منفصل. فعلى سبيل المثال في عام 1908 قد أدرج الدينكا منفصلين عن العرب في قائمة الجزية المدفوعة إلى مديرية كردفان. كانت هناك قيود مستقلة للنوك في ميزانية كردفان لعام 1932 والتي أوضحت كذلك أن دينكا نوك يدفعون الضرائب مباشرة إلى حكومة كردفان وليس من خلال ناظر الحمر. كما لم تشمل قوائم الضرائب الخاصة بالمسيرية منذ أواخر عام 1940 دينكا نوك.

 

إن الدليل من سجلات الحكم الثنائي قاطع وحاسم بأن محاكم الدينكا 'دينكا نوك' كانت مستقلة عن محاكم المسيرية وكانت تدار بصفة غير رسمية طوال فترة العشرينات من القرن العشرين إلى أن تم تسميتها في 1936 المحكمة رقم (12) (منفصلة عن محاكم المسيرية). في تلك السنة وصف مدير المنطقة، الذي تم نقله منها، ج.و. روبرتسون نظامين منفصلين لمحاكم الحمر ودينكا نوك. وبالنسبة للنوك، كتب يقول :"إن محكمة الدينكا عمل ناجح ومزدهر". في نهاية فترة الحكم الثنائي في 1954 سجل مايكل تيبس أن دينكا نوك استمروا في أن تكون لهم محكمتهم الخاصة (انظر الادعاء 4 أعلاه).

 

الادعاء (6) : يزعم المسيرية أن مواقع معينة شمال مدينة أبيي (على سبيل المثال قولي / لنجار، وباول، والدمبلويا / داك جر، وأم بلايل / تردخ، والشيقى / ثيقى، ولوكجي / كول يبث، ولاو، وناما) مملوكة لهم منذ زمن التركية وطوال 1905 حتى الوقت الراهن. (شهادة المسيرية الشفوية).

 

عند تناول هذا الادعاء كان من الضروري إثبات وجود حقوق (سيطرة) (دائمة) و(ثانوية) (موسمية) في استيطان الأراضي أو المنطقة واستعمالها (المرفق "2").

 

على الرغم من أن هذه المطالبة قد تم ذكرها للخبراء في كل من الأماكن أعلاه، فإنه لم يكن هناك دليل مادي لدعم هذه المطالبة بحقوق استيطان أو استعمال. لا توجد أية إنشاءات مستديمة في أي منها كما لا توجد دلالات أخرى جوهرية على أنها حالياً أو كانت في أي وقت على الاطلاق أماكن استيطان دائمة للمسيرية.

 

يوجد سبب جيد للاعتقاد بأن المسيرية الرحل كانت لهم أماكن استيطان دائمة خارج رئاستهم في المجلد. في عام 1902 أبدى الرائد ويلكينسون ملاحظة عن بعض الأكواخ الخاصة بالفلايتة الحمر في كيلك (المشيدة بطريقة رديئة) التى ينزح إليها الفلايتة مع أبقارهم في موسم الجفاف. لم يلحظ أية أدلة على أماكن استيطان دائمة للمسيرية أقصى الجنوب في رحلته من الأُبيض إلى (دار جانقى ـ الدينكا). عند كتابته في 1948 وصف عالم الأنثروبولوجيا الإداري البريطاني، بول هاول، منازل المسيرية وأغراضهم المنزلية ذات الطبيعة المتنقلة. لم يورد أية إشارة إلى أماكن استيطان مستديمة. أيضاً يذكر إيان كنيسون في كتابه عن البقارة أن الحمر "دائمو التحرك والتنقل ولا توجد لهم منازل دائمة في أي مكان". في مقابلة له مع ثلاثة من الخبراء في 22 مايو 2005م ذكر "أن الحمر لم تكن لهم مطالب حول الأراضي ولا أماكن استيطان دائمة ولا منازل على عكس الدينكا وأضاف أن المسيرية لديهم مناطق دائمة في المجلد حيث يزرعون.

 

إن الحقوق الثانوية للمسيرية في جميع تلك الأماكن التى زارتها المفوضية قد تم إثباتها ورغماً عن كل ذلك لم ينازع فيها دينكا نوك.

 

إن ناما والتى لم تتمكن المفوضية من زيارتها مكان ذو أهمية كبرى بالنسبة للأهالي من المسيرية ودينكا نوك فهي موقع ذو تربة طينية ـ داخل القوز ـ حيث يوجد الماء عادة طوال السنة. كانت مصدراً غنياً بالأسماك للنوك في نهاية موسم الأمطار حتى بداية فصل الجفاف. بدأ المسيرية بزراعة القطن هناك جزءاً من المشاريع المدعومة من الحكومة في أوائل 1950. لم يستطع أي طرف إثبات مطالبته بحقوق سيطرة على ناما إلا أن كليهما قد استطاع تبيان حقوق ثانوية (موسمية).

 

الادعاء (7) : إن المساحة الوحيدة التى تأثرت بالقرار الصادر في 1905 من سلطات الحكم الثنائي لإدارة دينكا نوك كجزء من كردفان كانت مساحة تقع جنوب بحر العرب، وان دينكا نوك استقروا في المنطقة الواقعة شمال النهر فقط بعد عام 1905 (طرح حكومة السودان).

 

تتمسك حكومة السودان بأنه عند صدور القرار بضم منطقة دينكا نوك إدارياً لمديرية كردفان، فإن أروب بيونج، ناظر عموم دينكا نوك المرموق ومواطنيه كانوا يعيشون جنوب بحر العرب وأن بحر العرب كان معترفاً به من حكومة الحكم الثنائي على أنه الحد الشمالي لـ أروب بيونج مع الحمر وأن المنطقة الوحيدة التى تم ضمها لمديرية كردفان كانت المنطقة الواقعة جنوب بحر العرب التى يقطنها دينكا نوك ودينكا تويش. للوهلة الأولى فإن الأسانيد التى قدمتها الحكومة في تفسيرها لحدود 1905 تبدو مقنعة إذ أنها تستند على وثائق معاصرة مضمنة في التقارير السنوية لمديريتي كردفان وبحر الغزال والتي تشمل على إقرارات صريحة تشير إلى أن بحر العرب هو الحد الفاصل بين المديريتين وأن الخرائط المعاصرة وشبه المعاصرة توضح أن الحد بين المديريتين يمر على طول بحر العرب.

 

إن السند الأساسي المنطقي الذي يعضد تفسير حكومة السودان هذا، هي خريطة لإدارة الاستخبارات السودانية تاريخها 1904، والتقرير الذي قدمه الرائد ويلكينسون أثناء رحلته عام 1902 من الأبيض إلى (دار جانقى).

 

عند قراءة هذا التقرير والذي أعده ويكلينسون فإنه من المنطقي أن يستخلص المرء، كما فعلت حكومة السودان، أن العرب الحمر كانوا يعيشون بجوار بحر العرب وأن ويكلينسون لم يبلغ أي قرى لدينكا نوك إلى أن أصبح على بعد 15 ميلاً جنوب النهر. ومع ذلك، إذا قام المرء بعمل رسم بياني في خريطة حديثة للأميال التى أوردها ويلكينسون بعناية لكل مرحلة من الرحلة، فيصبح من الواضح أن النهر الذي أسماه بحر العرب كان في واقع الأمر الرقبة الزرقاء / نجول. فعلى سبيل المثال، سجل ويلكينسون في الميل 2/1 261 من نقطة بدايته أنه وصل إلى كويك حيث شاهد مناطق استيطان خاصة بالعرب لموسم الجفاف وقطعان كثيرة من الأبقار. وبعد عشرة أميال وصل إلى فولة حمدي وبعد خمسة عشر ميلاً أخرى بلغ فاول (باول). وبعد ذلك وحوالي أربعة عشر ميلاً إلى الجنوب الشرقي من فاول وصل ويكلينسون إلى ما أسماه بحر العرب. لقد كان مخطئاً لأنه على بعد 14 ميلاً أو نحوها جنوب شرق فاول حيث تقع نجول. لقد كتب ويلكينسون يقول أنه على نحو 28 ميلاً إلى الجنوب من ذلك النهر (نهر كير أو بحر الجانقى) تفاجأ بوصوله إلى مناطق استيطان السلطان روب (أروب بيونج). وقد كان نهر الكير هو ما عُرف لاحقاً ببحر العرب.

 

لم يكن ويكلينسون هو الوحيد المخطئ في تعيين وتحديد المعالم الجغرافية في السودان. فعلى سبيل المثال، عندما سافر الرائد بيرسيفال من واو إلى منطقة اروب بيونج في 1904 وصف كير على أنه يبعد 50 ميلاً جنوب بحر العرب. وقد أوضحت تقارير أخرى أن الموظفين الإداريين أخطأوا في الرقبة الزرقاء/نجول معتقدين أنها بحر العرب واعتقدوا أن كير هو نهر آخر.

 

لقد ظهر للخبراء من خلال بحثهم أن هناك خلط جغرافي كبير حول إقليميّ بحر العرب وبحر الغزال خلال فترة العقدين الأولين من الحكم الثنائي وقد كان هذا جزءاً من نطاق عريض لأخطاء وعدم دقة جغرافية فيما يتعلق بمعظم السودان في ذلك الوقت.

 

حددت أعمال المسح التى تمت في 1905 ـ 1906 تحديداً صحيحاً لنهر كير على أنه بحر العرب وأسمت الرقبة الزرقاء / نجول كما هي بـ بحر الحمر. ومع ذلك لم يقم الإداريون المحليون في كردفان بوصف الرقبة الزرقاء على أنها "بحر الحمر" في سجلاتهم الرسمية إلا في 1908. وبالرجوع إلى الخرائط التى قدمتها حكومة السودان لدعم موقفها نجد أنها لا تُظهر هذه التعديلات. وعلى الرغم من أن تأكيد الحكومة وجزمها بأن منطقة دينكا نوك هي المنطقة الواقعة جنوب بحر العرب وانه قد تم ضمها إلى كردفان في عام 1905 مفهوم لدينا فإنه غير صحيح.

 

تسجل الوثائق المعاصرة قبل 1905 بأن دينكا نوك سكنوا مساحة امتدت من بحر العرب / كير شمالاً إلى الرقبة الزرقاء / نجول على الأقل. وفي أعقاب النتائج المباشرة لأحداث المهدية استفاد كل من الحمر ودينكا نوك من السياسة العامة للإدارة البريطانية في السودان التى شجعت الأهالي على العودة إلى أوطانهم الأصلية بغرض إحياء المناطق الريفية المهجورة، لذلك لا يمكن التعويل على الوثائق التى تشير إلى التحركات الداخلية في منطقة دينكا نوك بعد 1905 على أنها دليل على هجرة جماعية للأهالي من منطقة إلى منطقة جديدة.

 

الادعاء (8) : كان هناك استمرارية في المنطقة التى شغلتها واستعملتها عموديات دينكا نوك والتي لم تتغير بين 1905 و1965 عندما نشب النزاع المسلح بين دينكا نوك والمسيرية (الشهادة الشفوية للنوك وطرح الحركة الشعبية/الجيش الشعبي).

 

عند تقييم هذه المطالبة يجب أن نقر بأن الوثائق المعاصرة غير مكتملة إذ لم يقم أي من الموظفين البريطانيين على الإطلاق بزيارة دينكا نوك في موسم الأمطار؛ وبالتالي فإنهم لم يلاحظوا استعمال دينكا نوك لمناطق استيطانهم في أقصى الشمال والتى هي محل النزاع حالياً. وعلى أية حال، تمشياً مع السياسة العامة لإدارة الحكم الثنائي بتشجيع الاستعمال الكامل للمناطق القبلية من قبل قاطنيها الأصليين، فمن الواضح أنه على مدى فترة سنوات قبل الإداريون المتعاقبون استمرارية الاستيطان والاستعمال حتى لو لم يلاحظوه بأنفسهم.

 

تثبت السجلات الإدارية لفترة الحكم الثنائي مضافاً إليها شهادة الأشخاص الملمين بهذه المنطقة في نهاية الحكم الثنائي أنه كانت هنالك استمرارية لمستوطنات دينكا نوك في منطقة بحر العرب / كير، وأم بيرو، ورقبة اللاو، والرقبة الزرقاء / نجول. مثلاً في 1909 كتب مسئول حكومي في كردفان س.أ. ويليس ن مستوطنات دينكا نوك وجدت على طول جرف بحر العرب"... وان "نفوذ الدينكا امتد إلى مسافة كبيرة شمالاً في وقت من الأوقات". يذكر مايكل تيبس على نحو قاطع بأنه كانت هناك استمرارية لمستوطنات دينكا نوك حتى نهاية فترة الحكم الثنائي. كذلك كان إيان كنيسون دقيقاً عندما ذكر "أن المنطقة العامة التى حافظ فيها دينكا نوك على مستوطناتهم الدائمة بقيت كما هي على مر السنوات".

 

في اتفاقية الصلح المبرمة بين المسيرية الحمر ودينكا نوك في مارس 1965 اتفق كلا الطرفين بأن دينكا نوك يمكنهم العودة إلى مساكنهم وما حولها في الرقبة (الرقبة الزرقاء والأماكن الأخرى التى اعتادوا العيش فيها) وأن للعرب حرية الوصول غير المقيد إلى كافة الرقبات التى كانوا يترددون عليها قبل نشوء العداوات.

 

من البينة أعلاه انه لمنطقي أن نقول أن دينكا نوك قد أثبتوا حقوق استقرار دائم على طول الرقبة الزرقاء والمنطقة التى إلى الشمال منها بينما استمتع المسيرية بحقوق ثانوية ثابتة للاستعمال في ذات الإقليم. وإلى الشمال، على أية حال، فإن المجموعتين قد مارستا حقوقاً ثانوية متساوية في استعمال الأراضي على أساس موسمي.

 

الادعاء (9) : تم تحديد منطقة أبيي على أنها منطقة من كردفان يطوقها خط العرض 10 درجات و35 دقيقة شمالاً في الشمال إلى خط الطول 29 درجة و32 دقيقة شرقاً في الشرق والحدود الإقليمية لأعالي النيل وبحر الغزال ودار فور حسبما كانت عليه في تاريخ الاستقلال في 1956. (طرح الحركة الشعبية/الجيش الشعبي).

 

يمثل خط العرض 10 درجات و35 دقيقة شمالاً أقصى حد شمالاً طالبت به الحركة الشعبية/الجيش الشعبي مدعية حقوق سيطرة لـ دينكا نوك عليه. إن الخبراء، عقب قيامهم بفحص وتدقيق البينة المقدمة في الادعاءات السابقة، على ثقة بأن المنطقة الواقعة جنوب خط عرض 10 درجات و10 دقائق شمالاً هي المنطقة التى لـ دينكا نوك فيها حقوق سيطرة وذلك استناداً إلى المستوطنات الدائمة واستعمال الأراضي.

 

أما المنطقة الواقعة بين خطي عرض 10 درجات و10 دقائق شمالاً و10 درجات و35 دقيقة شمالاً فتكون منطقة حقوق ثانوية مشتركة بين دينكا نوك والمسيرية. وتتوافق هذه المنطقة إلى حد بعيد مع شريط القوز والذي تشير إليه عدة مصادر بأنها المنطقة الحدودية بين دينكا نوك والمسيرية.

 

تأسيساً على القاعدة القانونية التى تقضي بتوزيع الحقوق الثانوية بالإنصاف، عليه، فإن الحد الشمالي يجب أن يكون في المنطقة الواقعة بين خطي عرض 10 درجات و10 دقائق شمالاً، و10 درجات و35 دقيقة شمالاً. وبما أنه لم يقدم دينكا نوك ولا الحركة الشعبية/الجيش الشعبي أية مطالبات بشأن المنطقة شرق خط الطول 15 32 29 شرقاً فمن المعقول اتخاذ هذا الخط على أنه الحد الشرقي.

 

الخاتمة

بعد دراسة دقيقة لكل اقتراح قدمه المسيرية ودينكا نوك وحكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي وفحص وتدقيق كاملين للبينة المتاحة، قام الخبراء في مفوضية ترسيم حدود أبيي باتخاذ القرارات التالية :

 

* في عام 1905 لم تكن هناك حدود واضحة للمنطقة التى تم ضمها من بحر الغزال إلى كردفان.

* إن اعتقاد حكومة السودان بأن منطقة عموديات دينكا نوك التى تم وضعها تحت إدارة كردفان في 1905 تقع بكاملها جنوب بحر العرب اعتقاد خاطئ حيث أسست الحكومة اعتقادها هذا إلى حد كبير على تقرير من موظف بريطاني خلص بطريقة غير صحيحة إلى أنه وصل إلى بحر العرب بينما في واقع الأمر فإنه وصل إلى الرقبة الزرقاء/نجول. ولعدد من السنوات ظلت الخرائط الصادرة بعد ذلك والتى استشهدت حكومة السودان ببعضها في طرحها للخبراء، تظهر هذا الخطأ.

* إن مطالبة دينكا نوك بأن حدهم مع المسيرية ينبغي أن يمر من بحيرة كيلك إلى المجلد لا أساس له من الصحة.

* تدحض السجلات التاريخية والعوامل البيئية ادعاء المسيرية بأن منطقتهم امتدت بكثير إلى جنوب بحر العرب وهى منطقة لم يقدموا بصددها مطالبة رسمية خلال فترة الحكم الثنائي.

* على الرغم من أن للمسيرية حقوق رعي (ثانوية) (موسمية) في مناطق بعينها شمال وجنوب مدينة أبيي فإن زعمهم بأن لهم حقوق "سيطرة" (دائمة) على تلك المناطق لا يدعمه سند وثائقي أو بينة جوهرية.

* توجد بينة كافية لدعم مطالب دينكا نوك في حقوق سيطرة على مناطق على طول بحر العرب والرقبة الزرقاء وأن هذه المطالبات ظلت قائمة لمدة طويلة وسبقت في تاريخها لعام 1905.

* لا يوجد أساس لمطالبة المسيرية بأنه بسبب تضمين منطقة أبيي في منطقة "دار المسيرية" فإنها تعود إلى مواطني المسيرية. تم وضع دينكا نوك والحمر تحت السلطة الإدارية لنفس الحاكم فقط لأسباب الملاءمة الإدارية في 1905. بعد ذلك الإجراء، احتفظ دينكا نوك بذاتيتهم وسيطرتهم على شؤونهم المحلية وحافظوا على نظام محاكم منفصل وهرمية نظار مستقلة.

* توثق السجلات الإدارية لفترة الحكم الثنائي وشهادة أشخاص ملمين بالمنطقة لاستمرارية مستوطنات دينكا نوك في أماكن شمال بحر العرب واستعمالهم لها في الفترة ما بين 1905 و1965 وفقاً لما طالب به دينكا نوك والحركة الشعبية/الجيش الشعبي.

* قام الخبراء بدراسة الطرح المقدم من الحركة الشعبية/الجيش الشعبي بأن مطالبتهم بالسيطرة تقع في خط عرض 10 درجات و35 دقيقة شمالاً إلا أنهم وجدوا أن الأدلة التى تدعم هذا غير كافية.

* إن الحد بين دينكا نوك والمسيرية يقع في منتصف القوز بين خطى عرض 10 درجات و10 دقائق شمالاً و10 درجات و35 دقيقة شمالاً بالتقريب.

 

القرار النهائي والملزم

 

عقب قيامهم بدراسة وتقييم ووزن البينة المقدمة لهم فإن الخبراء توصلوا إلى القرار التالي :

  1. 1) إن للنوك مطالبة مشروعة بالسيطرة على المنطقة من حدود كردفان ـ بحر العرب شمالاً إلى خط عرض 10 درجات و10 دقائق شمالاً الممتدة من الحدود مع دار فور إلى الحدود مع أعالي النيل كما كانت عليه تلك الحدود في 1956.

 

  1. 2) يشترك دينكا نوك والمسيرية فى المنطقة الواقعة شمال خط العرض 10 درجات و10 دقائق شمالاً على طول القوز حتى تبلدية (شمال خط عرض 10 درجات و35 دقيقة شمالاً) وتشملها على حقوق استقرار منعزلة واستخدام للأرض منذ فترة الحكم الثنائي الأمر الذي أعطى للطرفين حقوق ثانوية مشتركة في هذه المنطقة.
  1. 3) إن الطرفين يعرضان مطالبات متساوية للمناطق المشتركة وتبعاً لذلك فمن المعقول والمنصف تقسيم القوز بينهما ووضع الحد الشمالي في خط مستقيم عند خط العرض 10 درجات و22 دقيقة و30 ثانية شمالاً بالتقريب. على أن يكون الحد الغربي هو حد كردفان ـ دار فور حسبما تم ترسيمه وتعيينه في الأول من يناير 1956 . يكون الحد الجنوبي هو حد كردفان ـ بحر الغزال ـ أعالي النيل حسبما تم ترسيمه وتعيينه في الأول من يناير 1956 . يمتد الحد الشرقي من خط حد كردفان ـ أعالي النيل عند خط الطول 29 درجة و32 دقيقة و15 ثانية تقريباً شرقاً ويتجه شمالاً حتى يلتقي مع خط العرض 10 درجات و22 دقيقة و30 ثانية شمالاً.
  1. 4) يتم تعيين الحدود الشمالية والشرقية وترسيمها بمعرفة فريق مساحة يتألف من ثلاثة مساحين مهنيين يتم تسمية أحدهم بمعرفة حكومة السودان الوطنية والآخر بمعرفة حكومة جنوب السودان والمساح الثالث يكون مساحاً عالمياً تسميه منظمة الإيقاد. تتم معاونة فريق المساحين بممثل لدينكا نوك وآخر للمسيرية وممثلين للرئاسة. تقوم الرئاسة بإرسال أسماء من تختارهم لهذا الفريق إلى منظمة الإيقاد كي تتم الموافقة النهائية عليهم من قبل الخبراء.

 

  1. 5) يحتفظ دينكا نوك والمسيرية بحقوقهم الثانوية المثبتة في استعمال الأراضي شمال وجنوب هذا الحد.

 



تم توقيعه من قبل الخبراء الدوليين في مفوضية ترسيم حدود أبيي.

 

التوقيع :                                                        التوقيع :

دونالد بترسون                                              كاساهون برهانو

رئيس مفوضية ترسيم حدود أبيي                      عضو مفوضية ترسيم حدود أبيي

 

التوقيع :                                                         التوقيع :

شاردرآك بي أو فوتو                                       دوجلاس آتشى جونسون

عضو مفوضية ترسيم حدود أبيي                        عضو مفوضية ترسيم حدود أبيي

 

التوقيع :

جووفري موريوكي

عضو مفوضية ترسيم حدود أبيي