سأعودُ اليومَ يا سنارُ حيث الرمزُ خيْطٌ

من بريقٍ أسودٍ بين الذُرى والسفح

والغابةِ والصحراءِ، والثمرِ النّاضجِ والجَذْرِ القديم

لغتي أنتِ، وينبوعي الذي يأوي نجومي

وعرقُ الذهب المبرقِ في صخرتي الزرقاء

والنارُ التي فيها تجاسرت على الحب العظيم

د. محمد عبد الحي

 

نحو مشروع

سودانوي لكتابة

تاريخنا الحديث

كوش الجديدة قضايا تاريخ السودان الحديث والمعاصر

"فى كل المجتمعات يعد الماضي موضوعاً للمناظرة والمجادلة والنقاش المستمر وفى أحسن أحوالها تسهم الدراسة التاريخية سواء اعتمدت على المصادر المكتوبة أو استحدثت تلك المصادر من الشواهد الشفهية فى هذا النقاش عن طريق اعطاء التاريخ معنىً وهدفاً من خلال القاء الضوء على بعض مظاهر الماضي بالقدر الذى تستطيعه".

 David Henige, Oral Historiography

 

 

 

 

 

 

 

 

نقول بأن التأريخ مصطلح محدد المعالم ويعني بكل وضوح دراسة الماضي، أي أنه يعني حرفياً "الكتابة حول الماضي". وبمعنى آخر، وفقاً لهذا المفهوم، يعني التأريخ كل نشاط يشمل أو يضم أى نوع من البحث أو التحقيق التاريخي بما فى ذلك البحوث التى تعتمد على المصادر الشفهية، ابتداءً من التفكير فى دراسة المشكلة التاريخية لغاية الوصول الى حل أو التخلي عنها.

 

بالنسبة لتاريخ السودان الحديث يمكننا أن نقول أنه الى جانب التاريخ الوثائقي، فإن التاريخ الشفهي والرواية الشفهية يحتلان مكانة مرموقة فى ما هو مدون حالياً. بالرواية الشفهية أشير تحديداً الى التحدارات الشفهية التى تمثل ثقافة تنتقل من جيل الى آخر عن طريق الكلمة المنطوقة وليس عن طريق الكلمة المكتوبة، والتحدارات أوالتراث هى عناصر الثقافة التى يتناقلها الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل، وتتميز التحدارات عن العادات والأعراف بأن الناس يشعرون نحوها بقدر كبير من التقديس ولا يرون أنه من الممكن العدول عنها.

 

لكن علينا ملاحظة حقيقة أساسية بالنسبة لتاريخ السودان الحديث المدون وهى أنه "قاصر" و "أعرج" ذلك أنه لم يستفد من كافة التحدارات الشفهية الكل سودانوية، بل اكتفى بالتحدارات الشفهية لمجموعة اثنوثقافية واحدة من فسيفساء المجموعات الاثنوثقافية السودانية فجاء مجسداً لنوع من الروايات المشحونة "بنزعة مركزة اثنية" لا مبرر لها. هذه الحقيقة ولا شك كان لها تأثيرها البعيد المدى فى بنية الذهنية السودانية المعاصرة، والتى أفضت للأسف الشديد الى الوضع الخطير الماثل الذى يهدد بزوال الأمة السودانية إن لم نتدارك الأمر.

 

لا شكً أن قول كيبلنغ "ما الذى يمكن لهم أن يعرفوه عن إنجلترا أولئك الذين لا يعرفون سواها" ينطبق على واقع حال أهلنا اليوم فى السودان؛ فما الذى يمكن لهم أن يعرفوه عن السودان أولئك الذين لا يعرفون سوى سودان وسطو نيلي مع هوامشه الصحراوية القريبة ترعرع وشرب من التحدارات الخاصة بمجموعات بعينها دون استيعاب لتحدارات المجموعات الاثنوثقافية المتنوعة التى أعطت لتاريخ السودان معناه.

 

مشروع السودان الجديد المطروح على الساحة الفكرية السياسية يجب أن يحمل فى جوهره تغيير مجمل بنية الذهنية "السودانية" وألا يكتفي فحسب بإعادة تقسيم الثروة والسلطة! إعادة تقسيم الثروة والسلطة دون الالتفات الى البنية الفكرية المسيطرة لن يقود سوى الى تفكيك الأمة السودانية.