بروتوكولات نايفاشا


سبتمبر/ 2004

 

 

 

الفصل العاشر

 

أمتفائل أنت؟ لا، أنا متشائل!

 

 

 

 

 

 

 

 

في الفصول التسعة الماضية حاولنا إلقاء اضاءات كاشفة على بروتوكولات نايفاشا الستة وبروتوكول ماشاكوس، الإطار الجامع لها، لنُجلي للقارئ ما توصلت إليه من حلول للمشاكل التى أغرقت السودان في الدماء منذ نصف قرن. وعبر تلك الفصول أبرزنا بقدر ما سمح المجال التراكم التاريخي لتلك المشاكل ليس فقط لتبيان عمقها، وإنما أيضاً لنوازن بين مناهج الإقبال على علاجها في الماضي وفي هذا الاتفاق. من تلك الموازنة خلصنا إلى أن هذه الاتفاقيات في مجملها تخاطب جذور تلك المشاكل التاريخية، أي جذور الأزمة السودانية، للمرة الأولى منذ الاستقلال. وهذا ما أعلن التجمع الوطني الديمقراطي في اجتماعه الأخير باسمرا (بيان هيئة القيادة يوليو 2004)، وكان في ذلك ناضجاً وأميناً. هل يعني هذا أن السودان على موعد مع مستقبل زاهي؟ هذا ما يقوله المتفائلون بعد أن رأوا للمرة الأولى تحديداً واضحاً لتضاريس الأزمة في هذه الاتفاقيات، وتحديد أبعاد الأزمة هو نصف الحل. رأوا أيضاً حكماً شمالياً مهيمناً على المركز يفعل ما لم يسبقه إليه حاكم مركزي: امتلاك الشجاعة لدفع استحقاقات السلام بالنسبة للجنوب واستحقاقات اللامركزية بالنسبة للأطراف، ولا سلام أو استقرار دون دفع كليهما. وفي ذلك أيضاً نضج وحكمة. أما المتشائمون فسيقولون "هذا أروع مما يصدق" (it is too good to be true). لِمَ التشاؤم يا تُرى؟ اغلب الظن أن الذى لا يريد أن يستبشر بنعمة من الله وفضل آتاهما الله علينا، مازال أسير تجربة خمسة عشر عاماً من الكرب والضيق لم تنمح آثارها بعد، ولسان الآثار بليغ. أنا في حيرة من الأمر بين هذين القطبين، رغم أن التفاؤل ديدني. ما أقبلت على الحياة إلا وكلي ثقة، بعد استقدار الله خيراً، في تيسر الصعاب. وفي النهاية، لا يُسر، إلا فيما يسر الله. أعجز لهذا تماماً عن إدراك أي دافع ـ مهما كان ـ يجعل أي سوداني لا يستبشر باليُسر القادم لبلاد ابتلاها الزمان بكروب بأكثر مما يستأهل أهلها، لا سيما وقد تطاولت العُسرى وتمدد ضيق الحال. هل يبعث هذا على التشاؤم ؟ تفاؤلي المَرَضي يجعلني أقول لا، ولكنه قطعاً يرمى بي في منزلة بين المنزلتين كما يقول أهل الاعتزال. تلك هي الحالة التى وصفها الكاتب الفلسطيني الراحل اميل حبيبي "التشاؤل". وموجبات التشاؤل عديدة وسأوضحها.

 

لكي ما أوضح ما أعنيه، ولإجلاء قضايا أخرى في هذا المقال، أبدأ من حيث لا يحتسب القارئ. في العام الماضي سمح الكونقرس الأمريكي لوزير الخارجية بتكوين فريق يقوم ببلورة سياسة أمريكية جديدة تجاه أفريقيا بهدف تطوير العلاقات الأمريكية- الأفريقية في كل المجالات، ومن الواضح أن الكونقرس شهد تخبطاً في سياسات الإدارة الأمريكية نحو القارة. على ذلك الفريق أُطلق اسم المجموعة الاستشارية لوزير الخارجية حول السياسات الأفريقية (Africa Policy Advisory Panel). وفي نهاية العام كلف وزير الخارجية الأمريكي، بالتعاون مع حكومة النرويج، مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية بجامعة جون هوبكنز، بما له من خبرة بالسودان، بإعداد تقرير للحكومتين يُقَدم أولاً للمجموعة الاستشارية حول ما ينبغي عمله لتمتين السلام في السودان. كان ذلك بعد الاتفاق الذى توصل له الطرفان بشأن الترتيبات الأمنية التى اعتبرت وقتها إيذاناً بان الاتفاق على الأبواب بعد تجاوز الطرفين عقبة صعبة المرتقي. الحرص على ذلك التقرير يكشف، بلا شك، عن رغبة الدولتين الراعيتين للمفاوضات وللاتفاق على المضي لآخر الشوط مع السودانيين من أجل ترسيخ السلام ودفع التنمية. هذا مبعث تفاؤل مهما ظن المصابون برُهاب التدويل.

 

فور تكليفه ابتعث المركز اثنين من خبرائه إلى السودان زارا الخرطوم والجنوب وجبال النوبا ثم عادا إلى واشنطن ليكملا التقرير، والذي رفع لوزير الخارجية في يناير 2004. وصدر التقرير تحت عنوان : "كيف يُضمن السلام، استراتيجية للعمل في سودان ما بعد الحرب." المركز، لمن لا يعرف أو يتذكر، هو صاحب التقرير الذى أوصي في عام 2001 بقيام دولة واحدة بنظامين، وهو تقرير قابله التجمع بامتعاض لأنه دعا لتركيز كل جهود الولايات المتحدة على إنهاء الحرب ووضع القضايا الأخرى (مثل التحول الديموقراطي) في المضرم الخلفي (back- burner) من الموقد. الحركة أيضاً قابلت ذلك التقرير برد فعل غاضب لأنه اغفل كليةً حق تقرير المصير، في حين استقبلته الحكومة برضى خفي، ربما بسبب دعوته إلى تطبيع العلاقة مع الخرطوم ورفع درجة التمثيل الأمريكي فيها. فما الذى جاء به التقرير الجديد؟ وما هي علاقة ذلك ببواعث التفاؤل والتشاؤم؟

 

في بدايتهقال التقرير أن أكبر تحدٍ يجابه السودان هو بناء مؤسسات قادرة على صيانة وحدة القطر وحماية حق الجنوب في الإدارة الذاتية، من ناحية، وعلى إنهاء الاختلال في الكفاءات المؤسسية والمهنية بين الشمال والجنوب، من الناحية الأخرى. وكنموذج لهذا الاختلال أشار التقرير إلى انه في الوقت الذى يمثل فيه الجنوب ثلث القطر (أرضا وسكاناً) لا يتجاوز عدد الأطباء فيه الست وثمانين طبيباً، وعدد الممرضين والممرضات الستمائة، كما لا يزيد عدد القضاة عن ثلاث وعشرين قاضياً في درجات القضاء المختلفة. هذه أمور لم تَخفَ على الطرفين، وقد أولياها اهتماماً ملحوظاً في الاتفاقيات التى وقعت بعد صدور التقرير، واستعرضنا جوانب منها في هذه المقالات.

 

أقرب لموضوعنا ما أسماه التقرير المخاطر التى تتهدد الاتفاق، وتلك أحصاها في : التخريب من الداخل ، والديون الخارجية ، وضعف الأداء الحكومي، وسوء استغلال الموارد، وتدخل الجيران. وعند مخاطبة هذه المخاطر أورد التقرير توصيات لعل المراد منها أن تكون أساساً لسياسات الإدارة والدول الراعية للاتفاق تجاه السودان. من ذلك: حث المجتمع الدولي على التعاون مع السودان لضمان عدم العودة إلى العدائيات (توطيد الإجراءات الأمنية)، وحث الأمم المتحدة والدول الكبرى على توسيع مبادراتها الاقتصادية والدبلوماسية لدعم عملية البناء ويشتمل هذا على اقتراحات لحل مشكلة الديون، والضغط على الطرفين لتوسيع نطاق المشاركة السياسية في الشمال والجنوب مع اقتراحات محددة حول متطلبات التحول الديموقراطي، وتوجيه جهود التعمير والتنمية نحو تكامل حقيقي بين المجموعات السودانية، وبناء علاقات أفضل بين الجنوب والشمال وبين الجنوبيين والشماليين لهدف ترسيخ وحدة القطر. لست بذي ولع بتقارير ذلك المعهد أولاً لدعواه الكبيرة بأنه سيد العارفين في الشأن السوداني، وثانياً لاختلافي مع النتائج التى توصل إليها في تقريره في عام 2001، والتي أثبتت الأحداث ما شابها من سوء تقدير. ولكني أعترف أن كلا الحكمين انطباعيين وواحداً منهما ذا دوافع ذاتية. إلا أنني هذه المرة لا املك إلا الاعتراف بحسن تقويم المركز للأوضاع، ولقراءاته الصائبة للمشهد السوداني، ومن ذلك توصيفه للمخاطر الداخلية التى تتهدد الاتفاق.

 

في تناوله للمخاطر الداخلية، أو احتمالات التخريب من الداخل، لم يخلُ التقرير من طرافة، خاصة عندما ذهب إلى تسمية من هم أكثر الأطراف انتفاعاً من الاتفاق، وبالتالي أكثر حرصاً على حمايته، ومن الذين سيتضررون من الاتفاق، وبالتالي هم أقل رغبة في حمايته. وضع التقرير على قائمة المنتفعين الرئيس البشير والدكتور جون قرنق، ومن بعدهما عامة الناس، فالشباب، ثم رجال الأعمال. البشير في رأي التقرير لن يضمن فقط دورة حكم كاملة في ظل سلام شامل يُحظى فيها بتأييد الشمال والجنوب، بل سيدخل التاريخ كأول حاكم يعيد للسودان الأمن والاستقرار. هذا تقويم صحيح، ولعل هذا ما عناه الرئيس البشير نفسه عندما قال، بعد أن حمد الله في خطابه في الذكرى الخامسة عشر للإنقاذ : إن السلام مكرمة غالية ادخرها الله لثورة الإنقاذ "ليتحقق على يدها أكبر حدث بعد الاستقلال". أما قرنق، فيقول التقرير انه سيحقق بالاتفاق عدة أماني: السلام، وحكم الجنوب لنفسه بنفسه، وحل قضايا المناطق المهمشة التى ظل يكافح من أجلها، ولعب دور رئيس على الساحة القومية، والعمل على نشر أفكاره حول السودان الجديد بأسلوب سلمي. عامة الناس لا خلاف في أنهم أصحاب مصلحة مباشرة في إنهاء الحرب، بل هم أصحاب المصلحة الأولى فيها بسبب ما عانوه من ويلاتها، وكذلك الشباب من الجانبين فقد كانوا دوماً وقود الحرب. أحسنهم حالاً من فر من أخيه وأمه وأبيه بحثاً عن ملجأ آمن. ولا تسألن عن المصلحة التى يترجاها رجال الأعمال في ظل السلام. للحروب تجارها، أما السلام فهو الذى يجعل من السودان بلداً مَتجْرَاً (تروج فيه التجارة) تتاح فيه لرجل الأعمال المستقيم فرص الكسب الوافر بسبب تعدد وتنوع برامج التعمير، وتوجيه عائدات النفط للإنتاج من بعد أن كان جلها يذهب للمجهود الحربي، وتحسن العلاقات مع الجيران، ورفع الحظر والعقوبات عن السودان. في كل هذا صدق التقرير، في إشارته. ما لم يشِر إليه التقرير عند رصده للمنتفعين من السلام هو الجيش في الجانبين. وقد علمتني التجارب، منذ اتفاق أديس أبابا، أن العسكريين دوماً هم الأكثر استجابة لدواعي السلام متى ما توفرت أسبابه. هذا إحساس لم يفارقني أثناء مفاوضات السلام الراهنة.

 

إلى جانب المنتفعين بالسلام رصد التقرير العناصر التى يحتمل أن تخرب السلام في الشمال والجنوب. فمن جانب الحكومة، أشار التقرير لغلاة الإسلاميين، والمستمسكين بالسلطة، بعضهم حباً فيها، والبعض الأخر للاحتماء بها من أية محاسبة مرتقبة. كما ذكر من جانب معارضي النظام الطامعين في السلطة من السياسيين القدامى الذين فاتهم "قطار المكاسب" (GRAVEY TRAIN). أما في الجنوب فقد رصد التقرير الانفصاليين الذين لا تروق لهم فكرة الانصهار الوطني الذى قد ينجم عن التطبيق الجاد للاتفاق، والمثقفين والسياسيين الطامعين في السلطة.إلى جانب هؤلاء، أضاف التقرير أن اكبر المخاطر، في حالتي الجنوب والشمال، ستجئ من الميليشيات العسكرية إما بسبب التفلت أو التحريض. هذه أيضاً قراءة صحيحة للمشهد، ولعل المرء يرى ملامحها والاتفاق لما يكتمل بعد. ومبلغ الظن أن احتمالات التخريب السياسي في الجنوب (إن استثنينا ما قد ينجم من المليشيات العسكرية) لن تستعصي على التحييد لأنها تتعلق بطموحات سياسية لأفراد أو جماعات يمكن احتواؤها مهما كانت درجة مشروعية الطموح. أما في الشمال فيُعَوص الأمر اختلاط السياسة بالأيديولوجيا من ناحية، "وبالحق التاريخي" في الحكم عند البعض، من ناحية أخرى.

 

دعنا ننظر في الشمال إلى الشق الحاكم حيث يستشف المرء من الحملات المستترة دوماً والجهيرة في بعض الأحيان ضد الذين جنحوا للسلم من قيادات النظام وثبتوا عند ما تعاهدوا عليه، ما هو أخطر من الرغبة في تقويض الاتفاق. فأخطر من الرغبة في التقويض الرغبة عن السلام نفسه. ليس كل هؤلاء ممن عناهم الأمين العام للمؤتمر الوطني الدكتور إبراهيم احمد عمر بالشموليين في التنظيم ، فالمخربون الافتراضيون فِرَق. فريق يعرف جيداً أن الصلح خير وأن للسلام ثمناً مستحقاً إلا أنه يطمع في أن لا يكون هذا الثمن على حسابه. يقول الرواة، مثلاً، أن أحد مفاوضي الحكومة قال لوفد حزب الأمة في جيبوتي (25 نوفمبر 1999) عندما أثير موضوع المحاسبة: "أتريدون منا أن نعطيكم حبلاً تشنقوننا به؟" نتيجة لذلك انتهى اتفاق جيبوتي إلى النص على ما يلي : "النظر في كافة المظالم وإنصاف المظلومين". موقف ذلك المفاوض يعكس رد فعل طبيعي وبشري، فقلما يُقبِل إنسان على الانتحار في سبيل آخر إرضاءً له إلا إن كان عاشقاً له، وبه مستهاماً. ومفاوضات السلام لا تدور بين عنتر وعبلة. هذه قضية لم تشغل بال المتفاوضين طويلاً في نايفاشا إلا في إطار الحديث عن لجنة الحقيقة والمصالحة من أجل تطهير النفوس والأجواء لأن مفاوضي الحركة كانوا يعرفون جيداً أن المفاوض الذى يجلس قبالتهم لم يجلس للتوقيع على وثيقة الاستسلام. ولكن بين النظام ومعارضيه في الشمال ثارات كليب، وفي الساحة ألف مهلهل يطلب ثأره، لا في ساحة الوغى ولكن ساحة الصلح. رغم خداع النفس هذا أمر يستلزم العلاج، وأحسب أن الرئيس البشير في خطابه في العيد الخامس عشر قد أوجد للناس مخرجاً عندما قال : "أوجه جميع أجهزة الدولة لتراجع الإجراءات الاستثنائية القائمةالتى اقتضتها الضرورة، ولما لم يكن الظلم مقصداً للدولة أو نهجاً لها فإننا نعلن براءتنا من كل ظلم أو تجاوز وقع في حق أحد ونعلن التزامنا بدفع الظلم ورد الحقوق إلى أهلها متى ما ثبت الحق لهم". فلتكن هذه نقطة البداية للحوار فيما أسماه بروتوكول اقتسام السلطة "عملية المصالحة الوطنية الشاملة". وفي ظل المصالحة لا تهدف المحاسبة لإغاظة قلوب، أو شفاء أخرى، وإنما لإحقاق الحق ورفع الظلم حتى ينصرف الناس، جميع الناس، لما ينفع البلاد والعباد.

 

الفريق الثاني هو فريق "الكنكشة" في السلطة من حيث هي سلطة. هؤلاء أمرهم عسير لأن الذين لا يهطعون إلا لداعي السلطان لن يدركوا أن رد المظالم الذى تتحدث عنه ماشاكوس، واقتسام السلطة الذى أقرته نايفاشا، سيترجمان في نهاية الأمر إلى مراكز ومواقع، ووزارات (نعم وزارات). ما يتوجب إقحامه في رؤوس هؤلاء هو أن اتفاق السلام، على المستوى الوطني، اتفاق لا خاسر فيه، ولكن للوصول إلى ذلك لا بدَّ من أن يكون على المستوى الشخصي خاسرون. الخيار، إذن، خيار بين الخسارة الشخصية والخسارة الوطنية، بين خيرات السياسة واحتياجات الوطن. هذا امتحان لوطنية الرجال، وامتحان أيضاً لحديث مجته الإسماع عن أن المواقع تكليف لا تشريف.

 

الفريق الثالث هو الأهم، أصحاب الأيديولوجيات والذين مقصدهم فيما يعتقدون هو الله. لقضية هؤلاء جانبان، جانب رؤيوي، والثاني سياسي بحت. فمن الجانب الرؤيوي نحسب أنه لم يعد في عالم اليوم من يؤمن أنه من حق أي بشر، أو في مقدوره، احتكار الحقيقة، أو قسر الآخرين على الامتثال لرؤية أحادية لها، أو التظني أن يقينيات فرد أو مجموعة يمكن أن تكون هي ثوابت الأمة كلها. ولكن يبدو أن في السودان قوماً لم يسمعوا بعد بما أصاب أهل الحتميات التاريخية الميكانيكية. من أولئك دولة هي دولة لينين كانت تملك عند سقوطها ترسانة من الأسلحة النووية تكفي لتدمير العالم ست مرات. ما من عاقل أيضا يملك أن يرتهن الوطن كله لفكرة تلبسته، ثم يُدخِل الوطن بسبب من ذلك في صراع مفتعل مع الدين. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً إن لم يكن أهل هذا الوطن ملةً واحدة، أو إن كان أهل الملة الواحدة فيه شيعاً وطوائف. في مثل هذه الحالة لا تصبح الحتميات فكراً انغلاقياً بل تتحول إلى يقينيات عدوانية. فإن كانت هناك لازمة واحدة من لوازم ممارسة الحرية الفكرية، فتلك هي حق الاختلاف. للأستاذ الراحل خالد محمد خالد مقالة في خلافه مع الشيخ حسن الهضيبي يفيد أن نستذكرها. قال: "وُجد الوطن في التاريخ قبل أن يوجد الدين، وكل ولاء للدين لا يسبقه ولاء للوطن هو ولاء زائف وليس من روح الله ، فالوطن وعاء الدين وسناده". هل نقول من هنا نبدأ؟ نعم من حق الإنسان أن يضحي بروحه من أجل فكرته، ونعرف أن من أنصار النظام كما من مناصري خصومه من ضحوا بأرواحهم في سبيل ما يعتقدون. نعرف أيضاً في التاريخ من أقدم على التضحيه بابنه في سبيل الله (إبراهيم واسحق) وهو قرير العين. ولكن الوطن ليس ملكاً لأحد حتى يضحي به في سبيل ما يعتقد. الوطن لكل أهله، وينبغي أن يتسع لهم جميعاً. يتسع للمسلم وللمسيحي ولأهل المعتقدات التقليدية. وليس الدين وحده هو الذى يجمع بين المواطنين، فبين أهل السودان من يختزل الوطن كله في الهلال والمريخ، ولا يشغله سواهما. هذا أيضاً من حقه أن يستمتع بوطنه على الوجه الذى يراه. يتمنى المرء أن تكون الرسالة التى بعث بها النائب الأول في خطابه أمام مجلس التعايش الديني (3/8/2004) قد وصلت إلى الجميع. قال: "إن محتوى الاتفاقيات يخلق واقعاً تسقط فيه الحواجز وتنفتح المسلمات ليتقارب الناس وليكتشفوا بعضهم وليؤسسوا على ما يجمع بينهم على أساس التعايش والاحترام المتبادل. إن التسامح هو خصيصة في قلب كل السودانيين، مسلمين أو مسيحيين أو أصحاب معتقدات عرفية أو على ديانة أخرى". لو وصلت الرسالة ووعيها كل من وجهت إليهم ، قلت درجة التشاؤم.

 

من الجانب السياسي، يظن المرء أن التحولات البارزة التى طرأت على العالم بعد زلزال 11 سبتمبر قد تركت أثراً على المفاهيم، سيما وتوابع الزلزال ما زالت تتردد، وغمامتهاما فتئت تُكدر السموات. وان كان هناك خطاً فضياً واحداً تحت تلك الغمامة فهو أنها جعلت الكثيرين يعيدون حساباتهم، ولم يكن السودان بعيداً عن هؤلاء. ولئن واتت النظام الفرصة، بسبب من هذا، ليخرج من عزلته الخانقة، ثم واتت الحركة الإسلامية الفرصة لتسترد مكانها كعنصر فاعل في السياسة الوطنية على قدم المساواة مع الآخرين أولاً بسبب الاتفاق مع أكثر معارضيها لدداً، وثانياً برضى كل أهل السودان بمن فيهم من اقتلعت منهم السلطة، أو لا يرى المعاندون في هذا مكسباً للتوجه الإسلامي؟ ثم أو لم يفطنوا بعد إلى أن الاستئثار بالسلطة، أو إن شئت التمكين المطلق فيها، قد حول السلطة إلى طيلسان مسموم؟ لقد أجاد د. الطيب زين العابدين عند ما دعي لتشكيل "كتلة إسلامية مؤثرة واعية من قلب النظام تنبذ الأوهام وتعقل الحقائق الكبرى المحدقة بالوطن وتدرك أن الجبهة الداخلية لا تبني بلا استحقاقات غالية ينبغي أن تدفع". إن تفكيك الإنقاذ لا يعني نهاية الدين في السودان بل، حسب رأيه، "يصح القول أن استمرار الإنقاذ بحالتها الراهنة فيه إضعاف للدين في السودان". (الصحافة 15/8/2004). هذا رأي جدير بالاستماع، وقد خاطر من استغنى برأيه. ومقال د. الطيب فيه استلهام لأدب أهل التصوف، قال الجنيد: "اتخذ لنفسك مرآتين، أنظر في أحدهما عيب نفسك، وفي الثانية محاسن الناس".

 

نجئ على مخربي السلام من الجانب الآخر أي على الذين مَعَضتهم ثنائية الاتفاق. الامتعاض من الاتفاق الثنائي شعور طبيعي، سيما وقد ذهب الاتفاق بعيداً، ولربما أبعد بكثير مما ظن الطرفان عندما جلسا للتفاوض. فالاتفاق يمثل إعادة صياغة كاملة للسودان: سياسياً وإدارياً واقتصادياً، وبهذا هو عودة بالقطر لمنصة التأسيس (back to the drawing-board). ورغم أن في ذلك العود خير لأنه خاطب المشاكل التى ظلت تؤرق البلاد منذ الاستقلال، إلا أن اتفاقاً كهذا لن تكتب له الديمومة إن لم تشارك في صوغه كل القوى السودانية، السياسية والاجتماعية. في هذا لا خلاف بين طرفي الاتفاق كما أكدا بعد توقيعه، وها هو الحوار سيبدأ بين التجمع والحكومة غداً، وبمشاركة من الحركة الشعبية، باعتبارها عضواً أصيلا في التجمع. وبدهي أن يكون الحوار بُناءً على ما تم، لا نقضاً له، كما ينبغي أن يتسع ليشمل أطرافاً أخرى غابت عنه مثل حزب الأمة. هذا هو الطريق الأوفق، وليس الدعوة لقيام منابر جديدة للحوار، أو السعي لإغراق اتفاقيات السلام في قضايا أخرى، إلا إن كانت الغاية هي إرضاء الخيلاء الشخصية. وعلى وجه التحديد لن يكون هناك تراجع في أساسيات الاتفاق: وضع الجنوب، ووضع المناطق المهمشة، واللامركزية وسلطة الولايات، وأسس اقتسام الثروة وضرورة ضبط توزيعها، وإعلان الحقوق واستغلال القضاء وسيادة حكم القانون، والعاصمة، والدستور والقوانين إلا فيما ستتوافق عليه الأطراف في المؤتمر القومي الدستوري. ولئن قال قائل أن في هذا إجحاف بحق الآخرين يكون مخطئاً، فما إشادة التجمع بالاتفاق لأنه خاطب جذور الأزمة إلا لأنه تناول هذه القضايا بالذات وتوصل إلى حلول بشأنها. وقد بقيت تلك المشاكل إما لأنها استعصت على الحل، أو لأنها لم تكن تحتل المكان اللائق بها في هرم الأولويات، أو لأي سبب آخر. وكما يقول هيقل حتى الأحداث اللاعقلانية في التاريخ هى عقلانية، لأنها تصدر عن سبب موضوعي. ولكن إن ظن البعض، بعد كل الذى تحقق في ساحة السلام، أن لليلى المريضة بالعراق طبيباً مداوياً واحداً لا بدَّ من إخضاعها لتطبيبه حتى وان أبلت الفتاة من دائها، فذلك أمر يتعسر عقله. ولعله تعبير عن الظاهرة التى أسلفت الإشارة إليها: ظاهرة الطبيب الذى أصبح عند فئة من السودانيين أهم من المريض.

 

ما الذى ينبغي، إذن، أن يكون محط الاهتمام من جانب الذين لم يشاركوا في صوغ اتفاقيات السلام؟ الاتفاقيات، في جوهرها، هي خارطة طريق لتحول ديمقراطي يبدأ ببداية الفترة قبل الانتقالية، وينتهي بإجراء الانتخابات في بداية النصف الثاني من تلك الفترة. ومنذ ماشاكوس أقر الطرفان تكوين لجنة قومية لمراجعة الدستور خلال الفترة الانتقالية وأجبها الأساس وضع إطار دستوري وقانوني. هذا النص طور في بروتوكول اقتسام السلطة ليتحدث عن إنشاء لجنة قومية لمراجعة الدستور تتكون من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية وممثلين للقوى السياسية الأخرى ومنظمات المجتمع المدني حسبما يتفق عليه الطرفان، وعلى هذه اللجنة أن تكمل واجبها في خلال ستة أسابيع من إنشائها. لهذا، يصبح من أولى المهام التى يتوجب حسمها بين طرفي الاتفاق والقوى السياسية الأخرى في الحوار المرتقب مع التجمع التواطؤ على كيفية تشكيل هذه اللجنة. ويوجه البروتوكول أن تعتمد اللجنة في إعدادها للإطار الدستوري الجديد على اتفاقية السلام والدستور القائم مع الاستفادة من أي تجارب ووثائق متلازمة يطرحها الطرفان".

 

اعتماد الاتفاق والدستور القائم كوثيقتين أساسيين لعمل اللجنة صحبه تمحك من جانب البعض في الشمال، ربما لما فيه من مظنة الاعتراف بذلك الدستور، رغم ما يتيحه الاتفاق للجنة من فرص للاستفادة من أي وثائق أخرى. هذا محك لا معنى له ، بل هو مغالطة. فالنظام الذى يفاوض التجمع يحكم بهذا الدستور ويحتكم إليه. واتفاق السلام عندما يكتمل سيقره المجلس الوطني وهو مجلس قائم على هذا الدستور، بل أن الدستور التى ستضعه اللجنة لن يصبح دستوراً للسودان إلا بعد إقراره من جانب المجلس الوطني، والمجلس الوطني للحركة. هذا النوع من المحك يدعو للتشاؤم لما فيه من عجز عن التمييز بين الشجيرات والأكمة. أنا من الناقدين لهذا الدستور وقد أوسعته نقداً في ما كتبت، ومنه هذه الفصول. بيد أنا جميعاً، حكومة ومعارضة، نسعى للعبور لمرحلة جديدة، فبماذا يفيد شق الشعيرات.

 

التحول الديموقراطي يتطلب في البدء إجراءات لتهيئة المناخ، وللتجمع آراء في هذا الشأن سبقت التحضير للمفاوضات تحت ظل المبادرة المشتركة (المصرية- الليبية). وبلا شك ستكون تلك الآراء، وما سيلحق بها من تعديلات اقتضتها التطورات، على رأس أوراق عمل المنتدى التفاوضي. ومما يجدر ذكره أن تقرير معهد الدراسات أولى هذا الموضوع اهتماماً خاصاً إذ وردت فيه توصيات محددة بشأن تهيئة المناخ هي : إلغاء حالة الطوارئ، ووضع جدول محدد للانتخابات، وتوفير الحريات المدنية مثل حرية العقيدة، والتنظيم، والاجتماع، والتحرك، والشفافية في أداء الأجهزة العامة وضبط آليات الرقابة، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات بما فيها قانون الأمن القومي وقانون الإجراءات الجنائية 1991 وبخاصة المواد المتعلقة بالتحقيق والاعتقال والحجز التحفظي، وإعادة تنظيم أجهزة الأمن والتي أسماها التقرير الثعبان الأسطوري ذا الرؤوس المتعددة (multi-headed hydra). جميع هذه الموضوعات تناولها بروتوكول اقتسام السلطة إما بالتفصيل، أو بإقرار مبادئ موجهة للجنة مراجعة الدستور أو الحكومة الانتقالية. مع هذا تظل هي من بين القضايا الهامة التى ستعني بها الأطراف الأخرى في المفاوضات المرتقبة لأنها تدخل في صميم عملية التحول الديمقراطي.

 

توفير المناخ ليس هدفاً في حد ذاته وإنما هو ضروري لكي ما تستطيع القوى السياسية والاجتماعية أن تقوم بدورها بفعالية بحسبانها الحاضنة الاجتماعية للديموقراطية، فلا ديموقراطية بلا أوعية سياسية واجتماعية تحضنها. وبعد عقد ونصف عقد من الزمان كانت فيه الأحزاب في حالة بيات شتوي لا تستطيع الأحزاب أو المنظمات المُعارِضة أن تقول "جاهزين، جاهزين" لحماية أي شئ. الحرية والمناخ الصحي مطلوبان أولاً لتمكين الأحزاب من ترتيب بيوتها الداخلية. إن الانطباع الذى يعطيه بعض السياسيين الحزبيين في تصريحاتهم بأن القضية الأولى هي السلطة، والسلطة المركزية على وجه التحديد، مؤشر لا ينبئ بخير ويضعف من التفاؤل. لماذا؟ أولاً لأنه يكشف عن عدم استيعاب، أو انعدام الرغبة في استيعاب، دلالات التحول الذى فرضته اتفاقيات السلام. ثانياً لان الاشتهاء العارم للسلطة دون أن يصحبه سعي ملحوظ لتحديد رؤى وبرامج حول ما ستفرضه الاتفاقيات على كل السودان يوحي بأن السلطة في حد ذاتها هي الهدف، وهذا عود لما هو غير حميد في تجاربنا السابقة. فالاتفاق قد منح الولايات سلطات لم تملكها من قبل، ووفر لها موارد فوق ما كانت تطمح فيه بسبب تجاربها مع هيمنة المركز في الماضي. أو ليس من واجب الأحزاب التى درجت على اعتبار أن تلك الولايات / الأقاليم طوع بنانها أو رهن إشارتها أن يكون لها تصور حول تطوير هذه المناطق وتنميتها على المدى القريب وللمستقبل. ثالثاً ترتكب الأحزاب جناية كبرى في حق نفسها إن سلكت هذا المسلك لأن التحول الذى سيطرأ على موازين القوى بين المركز والأقاليم قد يقود إلى بروز تنظيمات سياسية إقليمية أكثر قربي بمصالح أهلها. وبالرغم من أن هذه الظاهرة معروفة في بلاد أخرى كالهند مثلاً أو حتى بريطانيا (الحزب القومي الاسكتلندي، والحزب البروتستانتي الايرلندي) إلا أن الأحزاب القومية في هذه الدول ظلت هي صمام الأمان للوحدة الوطنية، ولهذا يظل دور هذه الأحزاب في السودان هاماً وضرورياً. هذا هو الدور الذى ينبغي أن تستمر الأحزاب القومية في أدائه، ولكن فعاليتها ستضعف كثيراً إن استمرت في الظن أن دور ممثليها في الأطراف هو دور متعهد توريد للناخبين في فترات الانتخابات.

 

يقودني هذا إلى الحديث عن تشويش لا يفيد فيما يتعلق بموضوعي السلطة والثروة، وأشير إلى تعليقات لخصت الأول منهما في النسب التى حُظي بها كل من الطرفين المتفاوضين وضازا بها حق الآخرين، واختزلت الثاني في نسب توزيع البترول بين الشمال والجنوب. الأمر الأول لا مُشاحة فيه، فتلك قسمة ضيزى فرضها توازن القوى كما قلنا في أكثر من موقع، كما فرضها حرص الطرفين على الإمساك بدفة الأمور في المرحلة الأولى من الفترة الانتقالية. تلك هي فترة البناء أو الانهيار (make or break). على أن هذه الأرقام لم تُسبك من حديد ولهذا فمن حق القوى السياسية الشمالية، كما من حق القوى السياسية الجنوبية بالنسبة لحكومة الجنوب، أن تتفاوض مع الطرف المعني للوصول إلى معادلة مناسبة تمكنها من أن يكون لها وجود فاعل، كان ذلك على مستوى الحكم المركزي أو الولايات. وفي هذا الشأن، لن يفيد كثيراً الارتكان إلى معادلات ستاتيكية مثل النسب في الانتخابات السابقة كمعيار لموازين القوى، فالسياسة فعل متحرك. ولو صحت مقولة العودة إلى نسب الانتخابات الأخيرة ـ والتي كثيراً ما رددها رئيس الوزراء السابق ـ أو أمكن الارتكان إليها كمسطرة للقياس لَسُهل الحل. الحل يصبح بسيطاً: تخلي الرئيس البشير عن موقعه لرئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء السابقين. إن لم يحدث هذا، فلان هناك معطيات موضوعية يجب أن يتعامل معها الناس برشد.

 

أياً كان الأمر، الذى نتمناه هو أن لا تُحمل الأطراف على اللجوء إلى سياسات الترضية بخلق مواقع تشريفية وزارية لاستيعاب من فاتهم قطار المكاسب، كما أسماهم مركز الدراسات، لأن في هذا إجهاض للاتفاق نفسه. فالاتفاق أولاً آلية لخلق لامركزية حقيقية تتطلب، ضرورة، إنهاء هيمنة المركز على الأطراف بتقليص سلطاته وتوسيع سلطاتها. ثانياً يهدف الاتفاق إلى توزيع عادل للموارد وتوجيه رشيد لها للارتقاء بالوطن: رفع مستوى المناطق الأقل نمواً إلى أعلى متوسط نمو في بقية أنحاء القطر، وإعادة تشييد البني التحتية المادية والاجتماعية، وإزالة آثار الحرب. هذا امتحان لجدية الذين وقعوا الاتفاق في الانتقال بالسودان من دولة الرعاية للنخب إلى دولة الرعاية للمواطن. وعلى المستوى الشخصي، سأكون من أكثر الناس شقاءً لو شهدتُ في الخرطوم حكومة مركزية يتجاوز وزراؤها ورؤساؤها العشرين بالكاد. بل يكون من الخير أن لا تنشأ، بعد الاستقرار على العدد من الوزارات المركزية التى تقتضيها الحاجة، أي وزارات جديدة إلا بقانون تجيزه السلطة التشريعية.

 

فيما قرأت حول هذه النسب، من جهة أخرى، ما يوحي بخلط للأوراق، فالنسب التى أشار إليها الاتفاق تتناول البرلمان والحكومة ولا شأن لها بالخدمة العامة، أو اللجان القومية، أو الأجهزة العامة. وحيثما وردت إشارة لمثل هذه النسب في الحديث عن الخدمة العامة أو أجهزة الأمن كان ذلك بالنسبة للجنوبيين (وليس للحركة الشعبية) بهدف إعادة التوازن في هذه الأجهزة التى حُرم منها الجنوبيون زماناً. هذا جزء من رد المظالم الذى نتحدث عنه دوماً ونكاد نرفض تنزيله على أرض الواقع. أما اللجان مثل لجنة الانتخابات أو لجنة حقوق الإنسان، أو المؤسسات مثل القضاء وأجهزة الأمن فهذه، بطبيعتها، أجهزة يفترض فيها الحيدة، ولهذا يكون الاختيار لشاغلي المناصب فيها قائماً على الكفاءة والأمانة والقدارة المهنية مع مراعاة التعدد والتنوع في السودان.

 

نفس خلط الأوراق حدث في بعض الإشارات لاقتسام الثروة (بروتوكول اقتسام الثروة) والذي صُور وكأنه توزيع إهتبالي. هذه قراءة مجحفة للبروتوكول حتى فيما يتعلق بتوزيع عوائد البترول. فنحن، مثلاً، لا نستطيع الحديث عن إعادة بناء ما خربته الحرب في الجنوب دون أن نفترض أن لذلك ثمناً. ولا يمكن أن نتحدث عن الخراب الذى أوقعه إنتاج البترول بذلك الإقليم (اجتماعياً وبيئياً) دون أن نحسب أن لذلك ثمناً. ولا يمكن أن نتحدث عن الارتقاء بإقليم بحجم يوغندا ورواندا وكينيا وليس به كيلومتراً واحداً من الطرق المرصوفة ولا نحسب أن لذلك تكلفة. ينص الاتفاق أيضاً على أن يكون لأي منطقة ينتج فيها النفط نسبة محددة من عائداته وهذا ينطبق على كل إقليم ينتج نفطاً، في الشمال أو الجنوب. الذى يمكن المطالبة به، مثلاً، هو أن تتخذ حكومة الوحدة الوطنية من تلك الصيغة نموذجاً لتوزيع الموارد الأخرى غير المتجددة في مناطق إنتاجها (الذهب في شرق السودان مثلاً)، أو أن تقرر نسباً لكل ولاية من عائد النفط لأهداف التنمية حسب حاجتها. وفي المقال حول الاقتصاد أشرت للتجربة الكندية حول التكافؤ بين الولايات، وهي نموذج جدير بالاحتذاء.

 

رغم كل هذه المخاطر توفرت لاتفاق السلام هذه المرة ضمانات لم تتوفر لاتفاق أديس أبابا. فالاتفاق أولاً يتمتع بضمانات عضوية (organic guarantees) على رأسها حكم ذاتي قوي في الجنوب، وموارد مستقرة ومضمونة (أي لا تخضع لتقدير ـ إن لم نقل لأهواء ـ طرف آخر)، وقوة عسكرية للحماية الذاتية. جميع هذه الضمانات لم تتوفر لاتفاق أديس أبابا إذ كان الحكم الذاتي هشاً واعتمدت استمراريته على حسن نوايا نظام شمولي انتهى إلى نظام فرد نزوي، والموارد المالية (بما في ذلك ما حدده الاتفاق) شحت وعسرت، أما الجيش والذي تم الاتفاق على تكوينه في الجنوب بانصهار عناصر الانانيا فيه شريطة أن يقوم على معادلة محسوبة: جندي جنوبي مقابل كل جندي شمالي فقد انتهي إلى جيش يهيمن عليه الشماليون مما أدى في النهاية إلى الانفجار. الاختلاف الآخر هو أن هذا الاتفاق يتم في ظل تحول ديمقراطي تتوفر فيه وسائل الكبح والتوازن في الأجهزة (مجلس الولايات)، والصحافة الحرة، ومنظمات المجتمع المدني، وكل ذلك يجعل الخروج عن الاتفاق أمراً عسيراً على أية حكومة في الخرطوم، سيما إن كانت نتيجة الخروج هي العودة للحرب، أو كان ثمنه هو تمزق القطر وانفراط عقد وحدته. ولمجلس الولايات أهمية خاصة إذ أنه لا يُعين فقط على تقليص الهيمنة المركزية على الأطراف، وإنما أيضاً يستبدل الاستقطاب التقليدي (الشمال / الجنوب) بعلاقة متعددة الأقطاب حيث يصبح المركز في جانب، والولايات (شمالية / جنوبية) في جانب آخر. هذه العلاقة المحورية الجديدة تدعم الوحدة إلا عند الذين لا يريدونها إلا وحدة يهيمن عليها المركز.

 

توفرت للاتفاق أيضاً ضمانات خارجية لم تكن موجودة في اتفاق أديس أبابا، والذي كان الاهتمام الدولي به جد محدود. ذلك الاهتمام كان نتيجة لجهد دبلوماسي مكثف بعد توقيع الاتفاق، أولاً على المستوى الأفريقي والعربي ثم الدولي، عندما سعينا لاستصدار قرارات من مؤتمر القمة الأفريقي، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، ثم الجمعية العامة تشيد بالاتفاق وتوجه الدول بتقديم يد العون للسودان لإنفاذ برامجه التنموية في الجنوب. أما في حالة هذا الاتفاق فقد استقر الرأي منذ البروتوكول الإطاري على تكوين آلية للمراقبة والتقويم على أساس التمثيل المتساوي للطرفين إضافة إلى ممثلين لا يزيد عددهم على اثنين لكل جهة للدول الآتية: دول الإيقاد (إثيوبيا، وإرتريا، وجيبوتي، وكينيا، ويوغندا)، والرقباء (إيطاليا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، والنرويج) وأي دول أخرى أو هيئات إقليمية أو دولية يتفق عليها الطرفان. والنص الأخير قصد منه إتاحة الفرصة لبعض دول الجوار المؤثرة والمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية للمشاركة في رعاية السلام.

 

أهم المخاطر التى نبه إليها التقرير تلك التى قد تنجم عن انفراط عقد الأمن وسط المليشيات أما بسبب التفلت، أو الخطأ العفوي، أو التحريض. وهذه قضية تناولها، من بين موضوعات أخرى، بروتوكول الترتيبات الأمنية الذى وقع في نايفاشا (25 سبتمبر 2003). ذلك البروتوكول الذى سيكون أساساً لوقف إطلاق النار الشامل والمراقب دولياً فور التوقيع على اتفاق السلام الشامل تضمن إجراءات غير مسبوقة مثل وجود قوتين نظاميتين يكَوِّنان معاً جيش السودان هذا واحد من أهم الضمانات العضوية بالنسبة للحركة، وقد أقره الطرف الآخر كواحد من إجراءات بناء الثقة، بل كأهم إجراء فيها. ينص الاتفاق في مبادئه على:

  في إطار السودان الموحد، وحتى تكون الوحدة خياراً جاذباً عند الاستفتاء وتقرير المصير، يتفق الطرفان على تشكيل الجيش السوداني الذى سيتكون من القوات المسلحة والجيش الشعبي لتحرير السودان؛

  كجزء من اتفاقية السلام، ومن أجل إنهاء الحرب تبقى القوات السودانية والجيش الشعبي منفصلين خلال الفترة الانتقالية ويتفقان على أن يتلقيا، وعلى قدم المساواة، نفس الاعتبار باعتبارهما مُقَوِّمين للقوات المسلحة القومية، آخذين في الاعتبار ضرورة التخفيض النسبي في القوات من جانب الطرفين إثر انتهاء ترتيبات وقف إطلاق النار؛

  تنشأ تحت مؤسسة الرئاسة لجنة دفاع مشترك تتكون من رئيسي الأركان للقوتين ونائبيهما وعدد من الضباط يتفق عليه للتنسيق بين القوتين وتكون قراراتها بالتراضي.

 

وتأكيداً للوحدة اتفق الطرفان على تكوين قوات خاصة من الجيشين اقترحت الحركة أن تسمى قوات موحدة (integrated) وفضلت الحكومة أن تكون مشتركة (joint) ولهذا أطلق عليها اسم القوات المشتركة / الموحدة. هذه القوات تتكون من عدد متساو من الجيشين خلال الفترة الانتقالية وتكون نواة لجيش السودان بعد الاستفتاء (إن كان الخيار هو الوحدة) توزع على الوجه التالي: 24 ألفاً في الجنوب (اتفاق أديس أبابا نص على وجود 12 ألفاً في الجنوب نصفهم من الجنوب والنصف الآخر من الشمال)، 6 آلاف في جبال النوبا، 6 آلاف جنوب النيل الأزرق، 3 آلاف في الخرطوم. وحددت لهذه القوات الواجبات التالية: أن تكون رمزاً للوحدة الوطنية خلال الفترة الانتقالية، أن تكون رمزاً للسيادة، المساهمة في الدفاع عن الوطن، المشاركة في البناء والتعمير. ومن بين أهم الأشياء التى اتفق عليها تطوير عقيدة عسكرية مشتركة لهذه القوات تصبح هي عقيدة الجيش السوداني الجديد.

 

نص الاتفاق، إلى جانب ذلك، على أن تستوعب الحركة الشعبية الجنود الجنوبيين المسرحين من القوات المسلحة في العمل في المؤسسات المختلفة لحكومة جنوب السودان جنباً إلى جنب مع المسرحين من الجيش الشعبي، وتعهد الطرفان، بمساعدة المجتمع الدولي، على إعداد برنامج مشترك لنزع السلاح والتسريح وإعادة الاستيعاب في الحياة العامة سُمي اختصاراً DDR(Demobilization, Disarmament and Reintegration).

 

كل هذه الإجراءات ضرورية لخلق قوات نظامية مؤهلة ومنضبطة وقادرة على حماية الوطن، ولكنها لا تكفي بمفردها لمعالجة موضوع الميليشيات. لهذه قرر الطرفان أيضاً أن لا يسمح لأي مجموعة مسلحة بالعمل خارج القوتين المتفق عليهما وعلى الطرفين أن يعملا على ما يلي:

أ‌.  استيعاب المؤهلين من الجماعات المسلحة في القوات النظامية لأي من الطرفين (الجيش والبوليس، والسجون)، بجانب الخدمة المدنية والمؤسسات العامة الأخرى. وهذه بلا ريب يعني إشارة للمليشيات.

ب‌.  معالجة وضع المجموعات المسلحة الأخرى في القطر بهدف تحقيق سلام واستقرار شاملين. هذه الإشارة قد تستوعب العمل المسلح في دارفور وشرق السودان وهو عمل عسكري سياسي لا ينطبق على الميليشيات، ولهذا لا بدَّ أن تنفذ معالجته إلى الجذور السياسية للمشاكل التى دفعت أهل المنطقتين لحمل السلاح ابتداءً، ولعل هذا هو الذى يدور الآن في أبوجا (دارفور) وفي منتجع مصري (قوات التجمع في الشرق).

 

قضية الميليشيات، هي الأخرى، لها جذور لا بدَّ من أن تؤخذ في الاعتبار مما يستوجب اتفاق الطرفين على مشروع متكامل لا يقتصر فقط على نزع السلاح والتسريح واستيعاب المسرحين في أنشطة مدنية، بل يتناول أيضاً شبكات العلاقات الجديدة التى خلقتها ظروف الحرب: جماعات المهربين، وسرقة الصيد (poaching)، والاعتداء على المراعي والمواشي، وثمة ارتباط بين دور الميليشيات في الحرب وفي تأجيج الصراع حول الموارد. ويجب أن لا ننسى أن تدفق السلاح، والسلاح المدمر، للقبائل الرعوية (خاصة في دارفور) قد بدأ منذ نهاية السبعينيات خلال ما كان يسمى الغزو الليبي ثم تزايد، تحت سمع وبصر النظام، خلال الحرب الليبية ـ التشادية. أما في الجنوب فيعود "الفضل" في قيام الميليشيات، من جهة، إلى انشقاق الدكتور رياك ماشار عن الحركة وما فجره من حرب قبلية بين الدينكا والنوير، ومن جهة أخرى، إلى دور المرحلين الذى أشرنا إليه في الفصل السابق.

 

المشكلة إذن ليست بالبساطة التى يوحي بها البعض، ولا أخال الطرفين يظنونها كذلك. ولعل إجراءات تثبيت السلام فرصة نادرة لعلاج ذلك المشكل المعقد علاجاً جذرياً، في الشمال كان ذلك أو الجنوب. وفي هذا للحكومة دور، وللأمم المتحدة دور، ولآليات التوسط التقليدي الدور الأهم. فمثلاً قامت الأمم المتحدة بدور رئيس في نزع الأسلحة من المحاربين في البوسنة، وانقولا، وموزمبيق، وقواتيمالا، والسلفادور، ليس فقط عبر استخدام القوة، وإنما أيضاً بالترغيب مثل استبدال السلاح بالمال أو بأدوات الإنتاج. ومن الضروري أن تهتبل الحكومة الانتقالية هذه الفرصة المواتية لسحب جميع الأسلحة الثقيلة التى ما كان ينبغي أن تكون في يد المدنيين وأي سلاح آخر باستثناء الأسلحة الشخصية المرخصة والمسجلة رسمياً. وفيما يتعلق بآليات التوسط التقليدية (زعماء القبائل ورجال الدين) فمن الضروري أن تُمَكَن، بدعم الحكومة، من ممارسة السلطات التى كانت تمارسها من قبل في الشمال والجنوب. وقد أثبتت بعض التجارب القريبة نجاعة هذه المؤسسات في الجنوب مثل نجاحها في فض النزاع بين الدينكا والنوير في مؤتمر وانليت في مارس 1999.

 

القراءة المتأنية لهذا الاتفاق، والذي أبدى العسكريون من الطرفين إدراكاً واضحاً لضروراته، تُبين أنه كان السبيل الوحيد للوصول إلى صيغة توفق بين احترام القواعد المرعية في تنظيم وقيادة الجيوش، وبين ضرورة إزالة مخاوف كل الأطراف بما في ذلك الميليشيات. كما أن البروتوكول يمهد تدريجياً لبناء جيش وطني جديد بعد تقليص القوات الحالية مع مراعاة حقوق المسرحين، على أن يدرب ويسلح ويجهز ذلك الجيش على منوال واحد وتحت إشراف قيادة مشتركة. وسيكون التدريب على أساس عقيدة عسكرية مشتركة غايتها حماية الوطن وفق المفاهيم الجديدة التى أكدها الاتفاق حول المواطنة وماهيتها. وأحسب أن النائب الأول كان واضحاً في حديثه المطول لتلفزيون السودان في 26/7/2004 عندما ذكر إن تلك العقيدة القتالية هي حماية الوطن ولا شأن لها بنوايا المقاتل الداخلية أو تدينه، وعلى ذلك بين الطرفين وفاق.

 

نجئ هنا إلى الجانب الأكثر تعقيداً، خاصة إزاء التجربة الراهنة في دارفور. ففي تقرير المركز توصيات يفيد أن نتوقف عندها. من هذه التوصيات دعوة دول الترويكا + 1 (الولايات المتحدة، وبريطانيا، والنرويج، وإيطاليا) بالتعاون مع الأمم المتحدة على تبني برنامج للـ DDR يجئ تحت الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ذلك الباب من الميثاق يتناول الاعتداءات ومهددات وانتهاكات السلام الدولي ويمنح مجلس الأمن سلطات واسعة (المواد 39- 42) تتيح له التدخل إما عسكرياً أو بإجراءات غير عسكرية مثل قطع العلاقات الدبلوماسية، والحظر، ومنع الاتصالات، والعقوبات الاقتصادية. ولحسن الحظ اتفق الطرفان على أن يكون إسهام الأمم المتحدة في حفظ السلام بموجب الباب السادس والذي يتناول الحل السلمي للنزاعات، ويشير في المادة 36 (2) منه إلى أن مجلس الأمن يمكن أن يأخذ في الاعتبار إجراءات التسوية التى اتفق عليها الطرفان. وتحت هذا الباب لا يسمح للقوات الدولية باستخدام السلاح إلا في حالات الدفاع عن النفس.

 

وعلى أي، اقترح التقرير تكوين قوة احتياطية من 500 إلى 600 تُستدعي عند الضرورة وتوفر لها وسائل النقل السريع (براً وجواً) وتستخدم ريثما تقوم بتدريب القوات السودانية المشتركة على عمليات مقاومة التمرد (counter insurgency). وفي هذا المجال هناك قائمة من الدول الأكثر استعداداً للإسهام في هذه القوات مثل أسبانيا، وفرنسا، والأرجنتين، والهند، والأردن، ونيجيريا. ولا ضير في ما اقترحه تقرير المركز على أن لا يقتصر دور الأمم المتحدة على إجراءات المراقبة والحيلولة دون تجدد الصراع بل يجب أن يشمل تدريب/ إعادة تدريب الجيش على ضوء العقيدة العسكرية الجديدة، وتقوية هياكله بالصورة التى تحقق الانصهار بين القوات وتوفر لها القدرة على التحرك السريع مع توحيد اللبس والتسليح. وكان التقرير بارعاً في إشارته إلى أن السودان بحسبانه أكبر دولة أفريقية، وقطراً تحده ثمانية دول، في حاجة إلى الدفاع عن حدوده إلا أن خط الدفاع الأول بالنسبة له ينبغي أن يكون تحسين علاقاته مع جيرانه.

 

التدخل الخارجي دالة على ظاهرة داخلية، وليس سبباً لها، إلا في حالات تدخل الدول الكبرى ذات الأطماع التوسعية. أما التدخل غير الحميد من جانب الجيران هو دوماً إما رد بالمثل، أي رد فعل على تدخل، أو حماية للنفس من تداعيات مشكل تسرب من دول الجوار، أو استجابة لإيعاز داخلي. ومتى ما تصالحت الدول في داخلها مع نفسها، والتزمت مبادئ حسن الجوار، واعتمدت التعايش السلمي والعمل المشترك منهجاً للتعامل مع جيرانها، كان وئام. فالدول التى تغرق في مستنقع الصراعات الداخلية تفتح الباب واسعاً للتدخل، خاصة إن هددت تلك الصراعات، بشكل مباشر أو غير مباشر، دول الجوار. هذه سنة الحياة منذ حروب المدن الإغريقية. كما أن الدول التى تفترض لنفسها رسالة في الحياة تتجاوز حدودها، أو تسعى لتصدير نماذجها في الحكم، أو تعمل، بطريق مباشر أو غير مباشر، على إملائه على الآخرين، عليها أن لا تدهش من ردود فعل الآخرين. من جهة أخرى، يعرف الحاكم والمعارض في السودان أنه متى ما ملأ نظام حاكم حياة مواطنيه ضيقاً حتى استحاروا في أمرهم، أضطر هؤلاء إما للاستنجاد بالآخر الأجنبي بحثاً عن المساندة أو الملجأ الآمن، ولنا في هذا تاريخ يعود للقرن التاسع عشر. العلاج لكل هذه الأدواء هو التصالح مع النفس والعيش في وئام مع بعضنا البعض، ومتى ما تحقق ذلك سددنا باب ذرائع التدخل. هذه هي الروح التى أملت على الطرفين في نايفاشا الاتفاق على مناهج للعمل الخارجي منها عدم التدخل في شئون الدول الأخرى، ورعاية علاقات حسن الجوار، والتعاون المتبادل مع كل الجيران، ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب الدولي، وتحقيق التكامل الأفريقي والعربي في إطار الخطط القائمة.

 

منذ بداية الحديث عن إرسال قوات دولية للسودان (تصريح كولن باول بإرسال ثلاثين ألف جندياً)، انبرى الكثيرون ـ كل من منطلقه ـ لإثارة المخاوف. لهذا فإن اتفاق الطرفين على طبيعة الدور الأممي أمر مشجع. فدور الأمم المتحدة في الإطار الذى سيرسمه الطرفان دور ضروري ليس فقط في المراقبة (كما هو الحال في جبال النوبا والجنوب الآن) إنما أيضاً في تقديم الخبرات في نزع السلاح، ونزع الألغام، وحشد الدعم الدولي للتدريب والتأهيل للقوات المسلحة والبوليس.

 

العناية بالبوليس لا تقل أهمية إذ أن حفظ الأمن الداخلي والطمأنينة العامة هي في النهاية مسئولية البوليس وليس الجيش. وستضاعف لامركزية الحكم من ضرورة الاعتناء بأمر البوليس لأن المطلوب ليس فقط هو تدريب/ إعادة تدريب البوليس الوطني وتأهيله، وإنما أيضاً تأهيل الشرطة في كل ولاية. فرغم الاستقلال الولائي في الإشراف على الشرطة، إلا أنها ستكون خاضعة في تدريبها وإعدادها وتقويمها لمعيار واحد ضابط. إعادة التدريب هذه، بالنسبة للجيش أو البوليس، لا بد أن تتضمن إدراج مناهج للدرس حول المفاهيم الدولية لحقوق الإنسان، واتفاق السلام وتبعاته، والقواعد الدولية المرعية من جانب أجهزة تطبيق القانون، والانعكاسات القانونية والإجرائية لمبدأ سيادة حكم القانون. وفي هذا الشأن يفيد أن نُذَكِّر أن بروتوكول اقتسام السلطة قد قصر واجبات أجهزة الأمن على جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالأمن القومي والنصح للأجهزة السياسية في كل ما يتعلق به. هذا يعني بأن المسئولية عن تنفيذ القانون (law-enforcement) ستكون مقصورة على الجهاز الوحيد المؤهل لهذا ألا وهو الشرطة. وأياً كان الأمر، فإن ثقة الناس في رجال أمنهم ستزداد كلما كانت عمليات الأمن شفافة وواضحة ومراعية لسيادة حكم القانون.

 

للأمم المتحدة تاريخ طويل في حفظ السلام بدأ في عامي 1948 و 1949 (الحالة الأولى هي مراقبة بعد الحرب العربية الإسرائيلية والثانية لمراقبة الحدود الهندية ـ الباكستانية عقب اندلاع أزمة كشمير). ومنذ ذلك التاريخ شملت جهود الأمم المتحدة لحفظ السلام كل المعمورة، فما من قارة إلا وكان لها فيها نشاط. هذا أمر تفيد الإشارة إليه لأن بعض ما يتردد حول دور المنظمة الدولية يوحي أن في السودان نفراً يفترض أن بلادنا ليست جزءاً من الكون، رغم تعرضها مرتين خلال العشر سنوات الماضية لعقوبات مجلس الأمن. وبتلخيص مفيد شملت قرارات حفظ الأمن، أو المراقبة، أو بعثات التحقيق في الوطن العربي وأفريقيا وحدهما: مصر (لجنة المراقبة 1982)، لبنان (يونيفيل منذ 1978)، الصحراء الغربية (منذ 1991)، سيراليون (1999)، إثيوبيا ـ إرتريا (منذ 1999)، ساحل العاج (2003)، الكنغو (2003)، ليبريا (2003)، اليمن (1963 - 1964)، إيران ـ العراق (1988 - 1991)، أنقولا (1989 ـ 1997)، موزمبيق (1994 ـ 1994)، رواندا (1993 ـ 1996)، تشاد ـ ليبيا (1994)، وكان عدد القوات في هذه العمليات يتراوح بين العشرات في حالة المراقبة، إلى الآلاف في حالة التدخل العسكري لحفظ السلام. وعلم الله لم أسمع عن سياسي واحد في كل هذه الدول أطل بوجهه على الناس في التلفاز كان ذلك، أو على صفحات الصحف، ليتحدث عن التدخل الأجنبي.

 

لقد حسم السودانيون أمرهم حول طبيعة التدخل الأممي، وهذا بدوره سيحسم موضوع حجم القوات المطلوبة ويضع حداً للجدل الفارغ حول التدخل الأجنبي والتدويل. فتدخل الأمم المتحدة ليس تدخلاً أجنبياً، والتدويل قد بدأ في السودان منذ اليوم الذى اضطررنا فيه للسماح لثلاثين مؤسسة أجنبية بتقديم الغذاء للجوعى في بلادنا تحت راية الأمم المتحدة. بدأ ذلك في العام 1986، ومازال مستمراً (برنامج شريان الحياة). وعلى أي، فإن حجم الوجود العسكري للأمم المتحدة أمر سيحدده الطرفان بالتشاور مع المنظمة ولن يقرر هذا فقط بحسب طبيعة الواجبات، ومساحة الرقعة من الأرض التى ستكلف البعثة بمراقبتها، إنما أيضاً حجم الأصول (Assets) التى ستسخرها المنظمة لمهمتها لأنها تحتاج، هي الأخرى، إلى فرق حماية، إلى جانب الفرق الخدمية مثل البوليس الحربي والخدمات الطبية للقوات الدولية.

 

بعيداً عن هواجس أهل الثارات، والهلع المرضي من التدويل، ويقينيات من يعيشون خارج التاريخ، بل بعيداً عن خطرات المتفائلين والمتشائمين نقول إن الفشل دوماً يحفز العقلاء على تصحيح المسار. ولئن وفق الله قوماً إلى مخرج صدق بعد أن تواتر فشلهم فاستدبروا المخرج أو لا يعد هذا ضرباً من الجنون؟

 

بروتوكولات نايفاشا


 

سبتمبر/ 2004

 

الفصل التاسع

 

أبيي ... من الذى قطع الخيط؟ 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يقول قائل بعد توقيع الحركة الشعبية والحكومة في السادس والعشرين من مايو 2004 على البروتوكول المتعلق بمنطقة أبيي فلتطوي الصفحة إذ "قُضي الأمر الذى فيه تستفيان". ولكن ثمة أسباباً ذاتية وموضوعية تحملني على القول أن لا تطوى الصفحة قبل استعلان الحقائق المقموعة. أقول هذا لأن أُذني لم تتعرض لتلويث سمعي بقدر ذلك الذى تعرضت له مما كان يردد حول هذه القضية خلال مفاوضات نايفاشا. ولئن تجاوز المرء الغلواء التى شابت مواقف عامة الناس من طرفي النزاع فلربما يفعل ذلك لأن القضية بالنسبة لكليهما قضية وجود. الذى لا يغتفر هو اندفاع بعض المعلقين في أجهزة الإعلام، وبعض السياسيين لإصدار أحكام فاصلة حول القضية اعتماداً على المعرفة السماعية، أو البينات الحكائية (anecdotal evidence). لا تغتفر أيضاً ولا تجوز الانفعالات الجامحة التى صدرت ممن كان للناس فيهم رَجية، وبخاصة محص الأمور واستداد الأحكام. ولا عذر في الحالتين للخطئ، إذ ليس من بين كل القضايا التى دار حولها النقاش في نايفاشا قضية توفرت حولها الدراسات الأكاديمية، والبحوث العلمية، والوثائق الرسمية مثل قضية أبيي، وكلها في متناول اليد في مراكز التوثيق وعلى رأسها جامعة الخرطوم ودار الوثائق المركزية. لقد صورت الروايات المحكية القضية وكأنها واحدة من تاكتيكات الحركة لإعاقة السلام، أو أحبوله من أحابيلها لمد سلطانها للشمال، أو هي طماعية واشتهاء لبترول المنطقة الذى أخذ يتدفق. ولتأكيد تلك الدعاوى استنجد المعلقون ببروتوكول ماشاكوس الذي حسم في ظنهم قضية الجنوب وأقر حدوده فيما كانت عليه حدود المديريات الجنوبية في 1/1/1956، وتلك، في ظنهم أيضاً، لا تشمل أبيي. فما هي حقيقة أبيي؟

 

أبيي منطقة يختلف الطرفان في مساحتها، وتحدها شمالاً المناطق التى يسكنها المسيرية والنوبا، وجنوباً بحر العرب الذى يطلق عليه الدينكا اسم كيير. وتقع المنطقة، فيما يقول أهلها على بعد مائة ميل من مناطق استقرار المسيرية، وتفصل بين المنطقتين أرض جرداء. عدد السكان أيضاً فيه خلاف كبير، إذ يرفض الطرفان التقديرات التى بنيت على إحصاء 1955/1956 والذي حدد عدد السكان في ذلك التاريخ على الوجه التالي: 63.000 مسيرية حُمًر، 59.000 مسيرية رزق، 30.000 دينكا. ذلك الإحصاء بُني على عينات عشوائية وإن أخذناه معياراً فمن السهل تقدير عدد السكان الحالي على اعتبار أن معدل نمو السكان هو 2.8%. وعلى أي، لا يعني إحصاء السكان كثيراً اليوم بالنسبة للدينكا إذ أن الغالبية العظمى منهم تعيش بسبب الحرب خارج المنطقة (في الشمال والمناطق المجاورة في بحر الغزال كما في بقية الجنوب والملاجئ). وحسب تقديرات يونيسيف (حملات التطعيم ضد شلل الأطفال) لا يزيد الذين بقيوا منهم في المناطق التى تسيطر عليها الحركة عن الخمسين ألفاً. الإحصائيات ليست بذات بال بالنسبة لهذا البحث حيث أن الإحصاء القومي المرتقب والذي سيُجرى بعد عودة أغلب النازحين إلى مناطقهم قد يحسم الأمر.

 

بيد أن الأمر الذى أقلقني حقاً إبان التفاوض بشأن أبيي كان هو الجدل الساخن الذى التهب بين الطرفين حول آيالة المنطقة وملكيتها، وما كان أي منهما هَزَالاً في ذلك الجدل. يبعث على الاستهزاء في هذا النوع من المماحكة أن كلا الجماعتين (الدينكا والمسيرية) حديثو عهد نسبياً في المنطقة، فإلى حين حلول هاتين المجوعتين ـ أياً كان التاريخ الذى حلوا فيه ـ كان أهل المنطقة الأصليون هم النويا والداجو ومجموعة ثالثة تسمى الشات يقال أن لها نسباً بالنوبا في الجبال وبالجور في بحر الغزال. والداجو أنفسهم وافدون إلى المنطقة هربواإليها من دارفور بعد أن أجلاهم عنها سلاطين الكيرا، من بعد أن كانوا أهل سلطان في دارفور حتى القرن الخامس عشر. وللإداري البريطاني الباحث ك. د. د هندرسون بحث مستفيض حول تاريخ المسيرية وقصة نزوحهم إلى المنطقة التى يقطنون فيها الآن (السودان مذكرات ومدونات، العدد 23، 1939)، كما للأنثروبولوجي المعروف بول هاول بحث آخر مستفيض عن الدينكا والمسيرية نشره في المصدر نفسه (العدد 32، 1951)، ولهاول خبرة مباشرة بالمنطقة إذ عمل فيها كمفتش مركز.

 

على أي، يتكون دينكا أبيي من سبع شياخات من قبيلة الدينكا (يطلق على مجموعها دينكا انقوك Ngok) نزحوا إلى المنطقة من الجزء الشمالي في بحر الزراف بعد أن أجلاهم عنها النوير في صراعاتهم العديدة مع الدينكا حول الماشية والمراعي في تاريخ يختلف عليه المؤرخون. فحين يرجعه بعض إلى القرن الثامن عشر (1740) يرده آخرون إلى القرن التاسع عشر (1830). والانقوك فرع من قبيلة الدينكا الكبرى التى تمثل في مجموعها قرابة خمسة وثلاثين بالمائه من سكان الجنوب وتنشطر إلى بطون وأفخاذ مثل الاقار في رمبيك، والمالوال في اويل، والعالياب غرب النيل في بور، والتويج والرييق في بور بأعالي النيل وقوقريال ببحر الغزال. في الجانب الآخر، ينتمي المسيرية إلى جماعة أكبر هي البقارة وينقسمون، هم الآخرون، إلى فرعي الحُمر والزُرق، وينقسم هؤلاء، بدورهم إلى عموديات (الحُمر 7 والزُرق 6). وتقول المصادر التاريخية، بل وروياتهم أنفسهم، أنهم وفدوا إلى المنطقة من وداي عند بحيرة تشاد التى انتقلوا إليها عبر فزان بعد هجرتهم الطويلة من الجزيرة العربية عبر البحر. ولكنهم سرعان ما تركوا المنطقة هرباً من الإتاوات الباهظة التى كان يفرضها سلاطين وداي وانتهوا إلى دارفور في عهد ملوك التُنجر وما زالت منهم مجموعات تعيش في تشاد ودارفور مثل عرب السلامات. مسيرة العرب النازحين غرباً لم توقفها إلا الجبال التى استنجد النوبا بقممها، كما انتهى الداجو إلى سفوح الجبالكرقيق أرض. والداجو ليسوا محاربين كالنوبا، أو رعاة كالعرب ولهذا لازموا الزراعة حتى أصبحوا القوة العاملة الأولى في مزارع القطن.

 

هذا هو التاريخ الذى لا يختلف كثيراً عن تاريخ نزوح أغلب القبائل العربية للسودان واستقرارها حيث استقرت. ولكن الذى كان يقلق في الأمر هو تمادي الطرفين في اللجاجة حول أيهما سبق الآخر إلى المنطقة، حتى يصلا عبر الرد على ذلك السؤال إلى استنتاج يؤكد به كل واحد منهما حقه في الأرض أكثر من الآخر. ولو كانت مصائر الشعوب تقرر بمثل هذا التبسيط للأمور لتغيرت خريطة العالم، بل لو طبقنا نفس المعيار على القضية موضع البحث، وأدخلنا القبائل الأخرى في المعادلة، لاجلى النوبا والداجو كلا الجماعتين عن تلك الأرض. فالشعوب ـ في السودان وغيره ـ تهاجر من مكان إلى مكان وحيثما بقعة من بقاع الله ألقت فيها عصا التسيار ثم استقرت وعَمَرت وتناسلت في رحابها أصبحت تلك البقعة وطناً لها. فالذي وفد في القرن السابع عشر إلى سفوح جبال النوبا، كالذي جاء إليها في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر ليستقر فيها ويقيم يصبح بالتقادم وطول الأمد صاحب حق فيها.

 

لم تكن العلاقة بين المجموعتين في بداهة الأمر، خاصة في فترة الحكم التركي، علاقة مريحة، إذ كان العرب يَستَرِّقون الدينكا إما لحسابهم (كرقيق أرض)، أو لحساب سلاطين الفور الذين كانوا يؤدون للحكم التركي ما عليهم من ضرائب وجبايات باهظة بالعبيد بدلاً عن المال. وكانت مناطق استقرار القبائل العربية في مبدئها نقاط الارتكاز لغزوات الرقيق. ولكن، لما يَمضِ زمان حتى أدرك الطرفان حاجتهما لبعضهما البعض، وبفضل ذلك الإدراك وحكمة قيادتيهما نمت بينهما علائق جديدة أساسها المصالح المشتركة. تلك العلاقة أنشأها في البدء الناظر اروب بيونق، كبير الدينكا مع كبير المسيرية، الناظر عزوزه حيث قررا التساند لإيقاف الحملات ضد بعضهما البعض. ويروي فرانسيس دينق كيف أدمى عزوزه واروب بيونق يديهما ومزجا دمهما تأكيداً للعلاقة التى أضحت، في تقديرهما، علاقة دم. وبعد عزل الإدارة البريطانية لعزوزه وايلاء السلطة لأحد ملازمي الخليفة، الشيخ علي الجلة، استمرت العلاقة. هذا أيضاً جزء من التاريخ.

 

بارتحال المسيرية، وهم رعاة إبل، إلى تلك المنطقة تأقلموا على طبيعتها واستجابوا لظروفها فاستبدلوا الإبل بالأبقار لتصبح عماد الثراء ورمز القوة والجاهة. وكان لطبيعة الأرض أثر في تنسيل قطعان الماشية التى اقتنوها، وحسب ما روى ايان كينيسون العالم الاجتماعي وواحد من أهم الباحثين في شأن البقارة تتميز أبقار المسيرية بالقوة والقدرة على السير في أراضي القوز ولكنها لا تتحمل الأراضي الطينية مثل أبقار الدينكا (السودان مذكرات ومدونات فبراير 1954). لهذا أصبحت المنطقة التى تلتقي فيها الأراضي الطينية بالرملية هي المنطقة الطبيعية الفاصلة بين المجموعتين وهي أرض منبسطة رتيبة لا تحد من رتابتها إلا أشجار من الفصيلة السنطية. وكانت الإدارة البريطانية، بسبب ذلك التقسيم الطبيعي تلزم المسيرية بتعبيد الطريق عبر القوز شمالاً حتى مناطق إقامتهم الدائمة، في حين تلزم الدينكا بالعناية بالطريق إلى نهاية الأرض الطينية عند البحر أو الجرف كما يسميه المسيرية.

 

في سعيهم وراء المرعى يرتحل المسيرية جنوباً في بداية فترة الجفاف (أكتوبر / نوفمبر) بعد قضاء فترة الخريف في بابنوسة ليلتقوا مع جموع الدينكا في بحر العرب (الكير). وبذلك يتنقل المسيرية في العام الواحد في أربع مناطق مختلفة المناخ والتربة والنبات: بابنوسة، والمجلد، والقوز. والبحر (بحر العرب). من جانبهم يرتحل الدينكا شمالاً بعد موسم الحصاد في يناير ثم يقفلون راجعين جنوباً لينتهوا في مناطق الدينكا تويج وريك في (منطقة قوقريال) حتى شهر مايو. ورغم تنوع ضروب الترحال وتعددها كانت مسارات الرعي معروفة، كما كانت المداخل والمخارج إلى المنطقتين محددة ومتفق عليها. ولم يكن التحرك الموسمي في تلك المسارات طولياً بل دائرياً لا يشارك فيه كل السكان، فالنساء والأطفال والمسنون من الرجال يمكثون في تجمعات شبه مستقره في حين يرتحل الشباب والرجال القادرون مع قطعان الماشية. وفي نهاية كل رحلة كان الزعماء وكبار القبيلتين يعقدون الندوات لمعالجة المشاكل التى تقع خلال الترحال، ما تعلق منها بأذى للحيوان أو اعتداء على البشر. في تلك الندوات تتم مجالس الصلح لتسوية الخلافات وفق أعراف سائدة مثل الدية في القتل، والتعويض عن الخسائر، ورد المسروق.

 

من الجلي، إذن، أن المجموعتين ظلتا تتعايشان في وئام لم تكدره التجارب الأليمة في عهود غزوات الرق، وهي غزوات تعرضت لها كل القبائل غير العربية من القبائل المحادة لها في الشمال، فمن أين إذن جاء المشكل؟ أجاد الأكاديمي محمد عبد الرحيم محمد صالح، وهو أحد أبناء المنطقة، عندما كتب يقول "الصراعات بين دينكا انقوك والمسيرية ليست حالة منعزلة لصراع اثني ولكنها ذات علاقة أوسع بطبيعة الدولة السودانية، وهياكل السلطة القومية، والتفاوت بين الأقاليم، وهيمنة مستعربة الشمال على القوميات الأخرى غير العربية. كما أن الصراع بين الانقوك والحُمر هو جزء من صراع الجنوبيين من أجل البقاء كمواطنين ذوي حقوق متساوية. لا يمكن أيضاً عزل الصراعات عن الذكريات القبيحة لحملات الخيالة الحُمر ضد قرى الدينكا ومعسكرات ماشيتهم في عهود الاسترقاق، أو عن سياسات الاستعمار في الثلاثينيات حينما قُسِّم القطر إلى شمال وجنوب، أو فقدان الأنظمة الحاكمة في الخرطوم للحساسية" (فصل عن الصراع بين دينكا أنقوك والحُمر في كتاب الصراع والانهيار: الرعوية في القرن الأفريقي، تحرير جون ماراكاكيس). هذا تلخيص جيد للمشكل، ويعنينا منه في هذا الفصل الجانب المعاصر: الصراع بين الفريقين كرد فعل على التفاوت الإقليمي، وكنتيجة للضغوط على الموارد الطبيعية، ثم كمُحصل للسياسات القومية نحو المنطقة، بل ربما لفقدان أنظمة الحكم المتعاقبة في الخرطوم لأية حساسية سياسية تجاهها، إن لم يكن إسهامها في تعميق الأزمة. من جانب آخر نمكث قليلاً عند السياسات الاستعمارية تجاه المنطقة، خاصة تلك التى تتعلق بتبعيتها الإدارية. ومن الطريف أن المتفاوضين من الجانبين لم يجدوا مراجع يلجأون إليها أو يستدلون بها لإفحام الطرف الآخر غير تقارير الإدارة الاستعمارية.

 

تقول تقارير الإدارة الاستعمارية أن منطقة أبيي وكل منطقة بحر العرب كانتا حتى عام 1905 جزءاً من بحر الغزال رغم أن المنطقة كانت منطقة رعي مشترك بين الدينكا والقبائل العربية. والمعروف أن الحكم الاستعماري بدأ الهجوم على بحر الغزال فور استيلائه على فاشودة حين تحركت الكتيبة (الفوج) الرابع عشر بقيادة الكولونيل سباركس باشا من مشرع الرق في يوم 12/12/1900 وانتهى بالسيطرة عليها بعد أربع سنوات بإقامة مركز كافيا كنجي والتمكن من "دار فرتيت".

 

أياً كان الأمر، في عام 1905 ضُمت المنطقة التى يسكنها دينكا انقوك ومنطقة قوقريال (دينكا تويج وروينق) إلى كردفان وظل ذلك هو الحال حتى عام 1931 حين أجرى تعديل إداري أبقى أبيي (دينكا انقوك) في كردفان، وأعاد قوقريال (دينكا تويج) إلى بحر الغزال، كما ضم دينكا روينق إلى أعالي النيل. ما هي الدوافع لتلك الإجراءات؟ الأسباب إدارية بحته حسبما أوردت التقارير الرسمية، فمثلاً، جاء في واحد من التقارير إن رحلة سلاطين الدينكا في منطقة أبيي أو قوقريال لاقرب مركز في بحر الغزال للشكاة ضد جيرانهم العرب كانت تستغرق ثلاثة وعشرين يوماً ولهذا رؤى ضمهم إلى كردفان (تقرير المخابرات رقم 127، فبراير 1905). وفي تقرير آخر جاء أن السلطان اروب الذى تقع منطقته على نهر كير (سلطان الانقوك) والسلطان ريحان (سلطان التويج) اشتكيا من غزوات عرب جنوب كردفان على منطقتيهما ولذلك أصبح من الحكمة وضع المنطقتين تحت سلطة مدير المديرية نفسه الذى يمتد إشرافه على هؤلاء العرب (تقرير المخابرات 128، مارس 1905).

 

وعندما قررت الإدارة الاستعمارية إعادة دينكا قوقريال في عام 1930 إلى بحر الغزال كان من رأي مدير كردفان، المستر بروك، أن يعود معهم إخوتهم دينكا انقوك (تقرير المخابرات 1927) إلا أن شيخهم السلطان كوال اروب آثر البقاء في كردفان. نتيجة لهذا الإصرار أصدر السكرتير الإداري، السير هارولد ماكمايكل قراراً بوضع حد إداري فاصل بين القبيلتين (من الشرق إلى الغرب) يتمثل في طريق نيامليل / سفاهة. ويدعي خصوم السلطان كوال من أهله الدينكا أنه لم يؤثر البقاء في الشمال إلا ليصبح كبيراً للسلاطين (paramount chief) في منطقة يسيطر عليها بمفرده بدلاً من أن يذوب في مجموعات الدينكا الأخرى فيذوي سلطانه. خلال هذه الفترة منح ناظر الدينكا سلطة واسعة ولم يكن يخضع لكبير نظار المنطقة (ناظر عموم المسيرية عندما أنشئ ذلك المنصب). كما كانت المنطقة كلها تدار بواسطة مفتش غرب كردفان (النهود) وكان له مساعدان في دار مسيرية أحدهما في لقاوة والثاني في رجل الفوله في حين ظل ناظر الدينكا خاضعاً للإشراف المباشر لمفتش المركز، لا لهذين المساعدين. استمرت تلك الترتيبات حتى قبيل خروج الاستعمار حين تقرر إنشاء مجلس ريفي للمنطقة (باعتبارها منطقة قبائل رحل تدار عن طريق مجلس ريفي لا مفتش مركز مثل المراكز الحضرية). أول مجلس ريفي للمنطقة أنشئ في مطلع عام 1954، وافتتحه الحاكم العام، السير روبرت هاو في يوم 14/1/1954. خطاب الحاكم العام الافتتاحي احتشد بالرموز إذ جاء فيه: "أن هذا المجلس، في وجه ما، يشبه السودان بأعراقه المختلفة التى تتعايش جنباً إلى جنب: العرب، والدينكا، والنوبا، والداجو. حتى عهد قريب كان كل جزء يسير على طريقته أما الآن فعلى اختلاف أصواتكم وأعراقكم وأديانكم وتقاليدكم يضمكم مجلس واحد يعمل لأجل خيركم المشترك". "إن التسامح والصبر واحترام وجهة نظر الآخرين صفات هامه وأنني لكبير الثقة إنكم ستحرصون على هذه الصفات".

 

قبل افتتاح المجلس توفي السلطان كوال اروب وتولى الحكم بعده ابنه دينق ماجوك (والد فرانسيس دينق)، وكان له فضل كبير في تطوير المنطقة خاصة في ميدان التعليم وإدخال المنطقة في الاقتصادي النقدي. وقبيل الاستقلال (1952) عرض عليه مدير كردفان إعادة منطقته إلى بحر الغزال فرفض الرجل ظاناً أن بقاءه في الشمال سيوفر فرصاً أفضل لأبناء المنطقة من أجل التعليم والترقي الاجتماعي. ولكنه قبل اتخاذ القرار قام بجولة في بحر الغزال للتشاور مع إخوته السلاطين، وحسبما روى فرانسيس دينق كان هناك شبه إجماع من سلاطين بحر الغزال على أن يعود أهل أبيي إلى إخوتهم في بحر الغزال، بل أن بعضهم حذر من الاطمئنان المفرط في "الجلابة". رغم ذلك عقد الرجل العزم على البقاء في الشمال، ولعل للعلاقات الحميمة التى نشأت بينه وبين الناظر بابو نمر أثر في ذلك. وكان البابو رجلاً عميق الغور، كثيف الحضور، حاضر البديهة. قرار الناظر لم يقابل بالرضا من شباب أبيي فأرسلوا وفداً منهم يضم اثنين من المتعلمين هما جستن دينق بيونق وعثمان كوج لينقلا نيابة عنهم عريضة إلى مركز رجل الفوله تطالب بعودة ابيي لبحر الغزال فالقي القبض على الشابين. قضية الشابين أصبحت مثار اهتمام الرأي العام الكردفاني لدرجة أنها شغلت جريدة كردفان لبضع أيام إذ حسبوا العريضة بداية لـ "تمرد انفصالي". ولم يتم الإفراج عن الشابين إلا بعد توسط الناظر دينق ماجوك.

 

ترى ما الذى صنعناه بعد الاستقلال لنولي الرعاية لهذه المنطقة التى كان من الممكن أن تصبح نموذجاً بديعاً للتفاعل بين الشمال والجنوب. فأبيي هي المنطقة الوحيدة في الشمال التى قررت مجموعة مقدرة من أهل الجنوب، بل ومن أكبر قبائله، البقاء فيها طوعاً والانصهار وسط أهلها. هي أيضاً منطقة حبى الله قياداتها الطبيعية بقدر كبير من الحكمة وظفتها للحد من التناشز وتكثيف التعاون. نعم، ما الذى فعلناه بعد الاستقلال في تطوير ما أسماه السير روبرت هاو عند افتتاح مجلس ريفي المسيرية "العمل من أجل الخير المشترك" بين العرب والدينكا والنوبا والداجو؟ هنا كانت بدايات المأساة والتي لا أجد وصفاً لها أدق مما قاله، مرة أخرى، الدكتور محمد عبد الرحيم. قال في الكتاب الذى سلفت الإشارة إليه: "لو كان مسلك الأحزاب السياسية مسلكاً مسئولاً ووجد دينكا انقوك طريقهم إلى مسرح السياسة القومية لهلل الناس للناظر دينق ماجوك باعتباره أب التكامل القومي بين الشمال والجنوب. فبفلسفته السياسية كزعيم جنوبي آثر البقاء في الشمال كان أبعد نظراً من كل قيادات الشمال والجنوب في ذلك الوقت". كان الناظر دينق يقول: "أبيي هي الخيط الذى يربط بين الشمال والجنوب". هل انقطع الخيط؟ وإن حدث هذا فمن الذى قطعه؟

 

منذ الاستقلال توالت الأخطاء، فبالرغم من أن دينكا أبيي كانوا يمثلون مجموعة متجانسة وكان من الممكن أن يصبحوا دائرة انتخابية واحدة وزعت جموعهم على دائرتين بالشكل الذى حرمهم من التمثيل في البرلمان. ومنذ أول برلمان (مثل فيه الدائرة المشتركة السيد الفاضل محمود) حتى آخر انتخابات عام 1986 لم يمثل المنطقة أي واحد من أبنائها، علماً أن أغلب الرعيل الأول من مثقفي الدينكا كانوا إما من بور أو أبيي. هذا الإقصاء (حتى وإن جاء بصورة غير مقصودة) كان له أثره النفسي على أبناء المنطقة، خاصة بعد أن رأوا من هم دونهم تعليماً من دينكا الجنوب يشقون طريقهم إلى مسرح السياسة القومية. المرة الأولى التى أصبح فيها للمنطقة نائب من أبنائها كانت في عام 1968 عندما استقال احمد دينق ماجوك، ابن الناظر، من وظيفته كضابط مجلس ليترشح في الدائرة نائباً عن حزب الأمة.

 

وفي عهد عبود بدأت الأمور تأخذ منحنى آخر، خاصة بعد أن بدأ ذلك العهد حملات الإكراه الديني في الجنوب. فمن بين القرارات التى أصدرها النظام قراره بإغلاق مركز التبشير المسيحي (مركز مادينق) وإغلاق الكنيسة الوحيدة في المنطقة. ومن الغريب أن الدين لم يكن يشكل أي عقبة في التعامل بين العرب المسلمين والدينكا، ولا حتى بين الدينكا أنفسهم إذ كانت جموعهم تضم المسلم وغير المسلم، ويشمل هذا حتى أبناء الناظر دينق ماجوك إذ كان فيهم المسلم، وفيهم المسيحي، وفيهم من بقى على دياناته التقليدية. ومن المفارقات أن احمد دينق ماجوك، ابن الناظر لم يجد بين التنظيمات الشبابية تنظيماً يتجه طوعاً إليه غير الأخوان المسلمين. أو ترى ما تقود إليه رعونات السياسة؟ فما الذى كسبه الإسلام من إغلاق كنيسة في أبيي في الوقت الذى ما انفكت فيه نواقيس الكنائس تدق في العاصمة؟ منذ تلك اللحظة لم تعد النظرة لدينكا أبيي هي نظرة لمواطنين سودانيين ذوي أصل جنوبي وديانات مختلفة أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي لمنطقة سودانية تقع في الشمال، وإنما كجنوبيين غير مسلمين ينبغي أن يتمسلموا، ومن لم يقبل الإكراه منهم ينظر إليه بعين الشك في "دولة الشمال المسلمة"، ثم امتدت الريب حتى للمسلم منهم.

 

الأمر تجاوز الريب إلى الاستحقار عند ما رفضت حكومة عبود اعتماد ناظر الدينكا كعضو في مجلس المديرية ممثلاً عن المنطقة. جاء هذا بعد واقعة غريبة هي انتخاب دينق ماجوك رئيساً لمجلس ريفي المسيرية، ربما لأسباب تتعلق بصراعات المسيرية الداخلية التى دفعت بعض شيوخها لاختيار ناظر الدينكا رئيساً للمجلس بدلاً من ناظر عموم المسيرية، الشيخ بابو. ورغم أن موقعه كرئيس للمجلس يؤهله لعضوية مجلس المديرية إلا أن الحاكم العسكري في الأبيض رفض اعتماد دينق ماجوك وأصر على أن لا يمثل المنطقة غير الشيخ بابو. موقف الحاكم العسكري دفع دينق ماجوك للانتقال بشكاته إلى الخرطوم يطالب بالنصفة. تلك الأزمة لم يعالجها إلا إداري قديم عمل دينق ماجوك تحت إمرته هو المرحوم احمد حسن الضو الذى أفلح، من موقعه كرئيس لديوان الرئاسة، في إقناع عبود باعتماد دينق ماجوك ممثلاً للمنطقة، وتعيين بابو نمر عضواً في المجلس بموجب السلطات التى تخول له ذلك التعيين.

 

اتفاقية أديس أبابا 1972 كانت إيذاناً ببداية مرحلة جديدة لأبيي، وإن كان هناك من يظن أن الاتفاق على حدود جنوب السودان في ذلك الاتفاق قد أنهى المشكلة فعليه أن يعيد قراءة الاتفاق. وكما ذكرنا في فصل سابق فإن النص على حدود الإقليم الجنوبي يشير إلى الحدود التى كانت عليها المديريات الثلاث (أعالي النيل، وبحر الغزال، والاستوائية) في يناير 1956 ويضيف إلى ذلك "وأي مناطق أخرى تُعتبر ثقافياً أو جغرافياً جزءاً من الجنوب بموجب استفتاء عام. وإن كانت هناك مناطق ينطبق عليها ذلك الوصف فأبيي على رأسها. ولكن، دون إخلال بما جاء به الاتفاق، حرصنا منذ الوهلة الأولى على أن نجعل من أبيي مثالاً للتمازج بين الشمال والجنوب، وليس فقط منطقة تماس كما درجنا على القول. وهنا يجئ ما أسميته الدوافع الذاتية للاهتمام بقضية أبيي.

 

لتحقيق الهدف الذى كنا نرمي إليه ابتدع الدكتور جعفر بخيت صيغاً ومؤسسات لتطوير المنطقة فكَوَن في البدء لجنة لإعداد برنامج لتطوير المنطقة ضمت كل الوزراء ذوي الشأن وانتدب لعضويتها الدكتور فرانسيس دينق، وكان وقتها سفيراً للسودان بالسويد. وكان من بين القرارات الأولى التى أصدرها تعيين تسعة إداريين تم انتدابهم من الجنوب للعمل في منطقة أبيي بموافقة ابيل الير، كما قام بتسمية أحد أبناء المنطقة، جستن دينق، نائباً للمحافظ، تلك القرارات لم تُرضِ الإداريين الشماليين فأطلقوا عليها وصف جنوبة أبيي، كما أثار الاهتمام الكبير بالمنطقة غيرة القبائل العربية، خاصة وقد تزامن ذلك الاهتمام مع برنامج تحديث مشروعات زراعة القطن في جبال النوبا والذي تمثل في إنشاء جمعيات زراعية تعاونية، وتوفير البذور المجانية للمزارعين، وإعادة تأهيل المحالج، وكان النوبا والداجو هم وحدهم المنتفعون.

 

وفي إطار تحديث منطقة أبيي تبنى الدكتور فرانسيس دينق عقب اتفاق أديس أبابا مشروعاً للتنمية الشاملة للمنطقة بالتعاون مع معهد هارفارد للتنمية الدولية بدأ بإرسال بعثة استكشافية تضم مدير المعهد بروفسور ليستر قوردون، ورئيس قسم الصحة بالمعهد، الدكتور ستيفن جوزيف. الخبيران الزائران قاما برحلة للمنطقة تبعها إرسال فريق متكامل ضم خبراء في الصحة العامة، والتعليم، والزراعة، والأنثروبولوجيا، كما تأسست لجنة وزارية لمتابعة المشروع تحت إشراف وزير الدولة للزراعة، الدكتور حسين إدريس. ذلك المشروع الرائد لم يُكتب له النجاح بصورة رئيسة للأسباب السياسية التى سنورد. ولكن ثمة أسباباً أخرى أعاقت المشروع مثل غياب المعلومات، وصعوبة الاتصالات، واختناقات النقل، وتضارب الاختصاصات في نظام للسلطة المركزية فيه رأي، وللحكم الشعبي المحلي رأي، وللاتحاد الاشتراكي آراء، وقلما تتطابق تلك الآراء مع ما يريده أهل المنطقة. ثم هناك أهل المنطقة أنفسهم (العنصر الثقافي)، فقد كان من أكبر المصاعب التى قاسى منها فريق هارفارد إقناع الدينكا باستخدام الأبقار في جر المحاريث، فما لمثل هذا خلق الله البقر في عُرف الدينكا. وحول تضارب الاختصاصات أذكر اتفاقي مع د. فرانسيس دينق (وكنت وقتها برئاسة الجمهورية) على إضافة فقرة إلى خطاب الرئيس نميري في عيد الاستقلال بمدينة كادقلي يوجه فيها الأجهزة بالتنسيق فيما بينها في تنفيذ مشروعات التنمية بجنوب كردفان حتى تصبح التنمية في تلك المنطقة نموذجاً للتكامل القطاعي والإداري والإنساني والثقافي. وما يجعلني استعيد تلك الفقرة الإشارة الخاصة فيها لأبيي على هذا النحو: "أبيي للسودان كالسودان لأفريقيا" هذه العبارة تلخص نظرتنا للموضوع كله. أياً كان الأمر، انهار المشروع وصار أثراً بعد عين لهذا لم يجانف رتشارد كول مدير معهد هارفارد، وزميله رتشارد هنتنقتون الحقيقة عندما قالا إن مشكلة أبيي "ليست مشكلة محلية ذات تداعيات قومية بل مشكلة قومية تُركت لتتقيح على المستوى المحلي". وقد ألف الأستاذان كتاباً ضخماً حول تلك التجربة أصدره معهد هارفارد للتنمية الدولية في عام 1985 بالعنوان التالي:(AfricanRural Development: Lessons from Abyei, 1985).

 

من بين المشاكل ذات الطابع الإداري والتي لم يكن يستحيل علاجها لو توفرت الإرادة السياسية الصادقة، تلك المتعلقة بإدارة النزاعات حول الموارد. هذه الصراعات زادت حدة في أواخر السبعينيات لأسباب عدة منها تقلص المراعي بسبب الجفاف، مضاعفة قطعان الماشية نتيجة لتحسن الخدمات البيطرية إذ ارتفع عدد الماشية من مليون في نهاية الخمسينيات إلى اثنين مليون ونصف المليون في نهاية السبعينيات، زحف الزراعة الآلية مما أدى إلى انتزاع بعض المراعي لتصبح مناطق زراعة، خاصة في المناطق شمال أبيي (لقاوة مثلاً). وكما أبنا في أكثر من موقع فإن الدولة، لا القبائل وزعاماتها، تتحمل النصيب الأكبر من المسئولية عن النزاعات لأنها إما شجعت التوسع الزراعي بأسلوب غير مخطط، أو عجزت عن إدارة ألازمة عند وقوعها لضعف آليات الإدارة التى استحدثتها كبديل لآليات التوسط التقليدية(traditional mediation mechanisms). الآليات التقليدية هي الحكم الأهلي والذي ألغى بصدور قانون الحكم المحلي 1971 واستبدل بمجالس الحكم الشعبي المحلي. وفي الوقت الذى انتهت فيه الإدارة المحلية في الشمال بما في ذلك جنوب كردفان، ظلت باقية في جنوب السودان مما خلق حالة من عدم التوازي الإداري ليس فقط في المؤسسات، بل أيضاً في لغة التخاطب. وإن كان بين كل أقاليم السودان إقليماً واحداً لعبت فيه الإدارة المحلية الدور المركزي في الحفاظ على النسيج الاجتماعي والوئام بين القبائل لكان هو إقليم كردفان. صحيح أن الاستعمار جَهِد في الحفاظ على الهُويَّات القبلية في ذلك الإقليم كأداة للتحكم الإداري فيها وذهب في ذلك مذهباً بعيداً (احمد إبراهيم أبو شوك: كردفان من القبائل للنظارات في كتاب Kordofan Invaded, Brill, 1990). إلا أن ذلك الإقليم بتنوع قبائله، وتضارب مصالح أهلها، واختلاف تضاريسه الجغرافية ما كان ليبقى متماسكاً لولا دور قياداته الطبيعية. وفي بحث الدكتور أبو شوك المشار إليه أعلاه تفصيل دقيق لما لحق بأداء الدولة نتيجة لإلغاء النخب الحاكمة في الخرطوم للإدارة الأهلية منذ أول قرار اتخذته حكومة أكتوبر بإلغاء الإدارة الأهلية، ثم تردد حكومة الديمقراطية الثانية في هذا الموضوع حيث كانت بين الكفر والإيمان، هي مع الإدارة الأهلية في الاجتماعات المغلقة مع زعماء القبائل، وضدها في الليالي السياسية، ثم جاءت قوانين نظام مايو التى أجهزت على المؤسسة تماماً. ففي كردفان، مثلاً، أبان كيف انخفض حجم الضرائب المُحَصلة (العشور والقطعان) عن طريق الإدارة الأهلية من 240.000 و 338.000 جنيهاً في سنتي 1963، 1964 على التوالي إلى 104.251 في عام 1965 بعد إلغائها. ولا يقل أهميةً عن التدهور الذى لحق بتحصيل الضرائب موضوعُ إدارة النزاعات، ففي تقرير لحاكم كردفان، الفاتح بشارة (1984) زادت تلك النزاعات بعشرة أضعاف في الفترة 19711981 عما كانت عليه في الفترة التى سبقت منذ الاستقلال، مما حمل الحاكم على المطالبة بإعادة الإدارة الأهلية.

 

الإدارة الأهلية كانت توفر آليه ناجعة لحل النزاعات ولكنها، بالطبع، لا تغني عن الحل الجذري للمشاكل وهو الحل السياسي / الاقتصادي. وقد أوضحنا كيف عمق نظام عبود من الأزمة باضافة بُعد ديني لها، وكيف ضاعفت الأنظمة المتعاقبة منها إما بتجاهلها أن هناك مشكلاً جديراً بالاهتمام، أو لقلة وعيها بأن منطقة أبيي تمثل تجربة تكاملية فريدة قمينة بالرعاية. خطأنا في مايو كان بالغ الشُنعة، أولاً لأننا أدركنا منذ البداية بما لا يدع مجالاً لأي شك معقول أن هناك مشكلة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية الجنوب (إثارة الموضوع في محادثات أديس أبابا) وتَعَهدنا بعلاجها. ثانياً لأن رأينا استقر على أن علاج المشكلة يكمن في واحد من شيئين: إما تطوير المنطقة برضا أهلها حتى تصبح منطقة تمازج حقيقي بين الشمال والجنوب، أو ـ إن عجزنا عن ذلك ـ منحهم حق تقرير مصيرهم بأنفسهم، كما يقول اتفاق أديس أبابا. لم تفلح مايو في الأولى، ولا في الثانية ثم منذ نهاية السبعينيات اتجه نميري بالنظام كله اتجاهاً آخر.

 

حتى عام 1977 كان نميري مدركاً لما يلزم فعله بموجب اتفاق أديس أبابا. ففي عام 1974 أعلن أبيي منطقة ذات طبيعة خاصة تتبع في إدارتها لرئاسة الجمهورية، وكانت تلك خطوة طيبة في سبيل تحقيق النموذج الذى توهمناه، وبقى وهماً لأن الإعلان لم يلحق به عمل. وفي خطاب له في المجلد في عام 1977 أعلن أن لأهل المنطقة الخيار بين أن يبقوا في كردفان أو ينضموا إلى بحر الغزال، وكان نميري قد تسلم قبيل ذلك عريضة من أبناء المنطقة يطالبون فيها بضم منطقتهم إلى بحر الغزال. هذا الإعلان لم َيُرق لبعض المسئولين فسعوا إلى وضع العصى في دولاب الإدارة حتى يحولوا دون تطبيقه. وبخروج أو رحيل جميع الوزراء الشماليين الذين شاركوا في اتفاق أديس أبابا، أو أسهموا في تطوير السياسات حول أبيي، وكانوا بذلك أكثر إدراكاً من غيرهم للنتائج التى قد تترتب على أي نكوص عن الاتفاق أو السياسات، خلا الجو لواضعي العصي. نذكر من هؤلاء محمد الباقر أحمد، وجعفر بخيت، وعبد الرحمن عبد الله، وفرانسيس دينق.

 

مهما كان من أمر، لما يمضِ زمن طويل حتى بدأ نميري انزلاقه الذى انتهى به إلى إلغاء اتفاقية أديس أبابا نفسها، في حين بدأت القوى السياسية الجنوبية، من الجانب الآخر، تأخذ زمام المبادرة. ففي عام 1978 أصدر مجلس الشعب الإقليمي بجوبا قراراً يطالب فيه بتنفيذ النص حول منطقة أبيي كما ورد في اتفاقية أديس أبابا (إجراء استفتاء). هذا القرار أكده مجلس الشعب الإقليمي الذى انتخب في عام 1981. ولكن نميري لم يكن في عجلة من أمره، ففي محاولة منه للتنصل مما ألزمه به اتفاق أديس أبابا، أو للالتفاف عليه أقدم على أمرين، وفي الحالتين جاءت الريح بما لا يشتهي سفينه. كون نميري لجنة موسعة برئاسة الإداري الشيخ بشير الشيخ وكان وقتها وزيراً للحكم المحلي لتتقدم له بتوصيات حول أبيي. وضمت اللجنة نائب رئيس القضاء دفع الله الرضي وبعض زعماء القبائل وعلى رأسهم الناظر بابو نمر والناظر سرور محمد رملي. اقترحت اللجنة بدائل منها أن تدار المنطقة على الوجه الذى كانت تدار به يوم ذاك، أو تصبح مجلساً محلياً مستقلاً، أو تعلن كولاية، أو يمنح أهلها الحق في اختيار ما يريدون، والخيار الأخير ابتنى على ما نص عليه اتفاق أديس أبابا وأصر عليه العضو الجنوبي في اللجنة، مارتن ماجير. وحرصت اللجنة على توضيح الايجابيات والسلبيات بالنسبة لكل مقترح، ويبدو أن جميع الخيارات لم تصادف هوى في نفس نميري.

 

محاولة الالتفاف الثانية كانت هي تكوين لجنة لتقصي الحقائق برئاسة قاضٍ. تلك كانت هي اللجنة التى ترأسها القاضي خلف الله الرشيد، وأصدرت في 7/1/1981 قراراً حاسماً. يقول القرار:

 

(أ) "تَبَني حدود المديريات الجنوبية كما كانت في اليوم الأول من يناير 1956 وهذا يعني إعادة منطقة حفرة النحاس وكافيا كنجي إلى مديرية بحر الغزال وهى المنطقة التى سبق أن أضيفت إلى مديرية دارفور وفقاً لوصف الحدود المعدلة المنشور في غازيته جمهورية السودان رقم (947) بتاريخ 15 يوليو 1960. وهذا يتفق تماماً واتفاقية أديس أبابا وقانون الحكم الذاتي الإقليمي 1972".

(ب) "تخضع منطقة بحر العرب لترتيبات إدارية تأخذ في الاعتبار التكوين الاجتماعي بما في ذلك الحقوق التقليدية للمرعى والصيد وصيد الأسماك والتى نظمت بترتيبات إدارية قبل وبعد 1956". (ج) إجراء استفتاء في عموديات الدينكا نقوك منطقة أبيي التى تدار الآن من مديرية جنوب كردفان وتلاحظ اللجنة الحاجة لتحديد هذه المنطقة قبل إجراء الاستفتاء. هذا الترتيب هو تطبيق للمادة 32 من قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لعام 1972 واستجابة لرغبة سكان المنطقة".

(د) "بالرغم من أن المادة 32 من قانون الحكم الذاتي الإقليمي تنسحب على منطقة شال الفيل التابعة لمديرية النيل الأزرق إلا أن هذه المنطقة لا تمثل مشكلة في حد ذاتها وأن حدودها معروفة وأن سكانها لم يطالبوا بإجراء استفتاء".

 

خلف الله أمسك الوعل من قرنيه وفجر قضايا لم تكن مطروحة، فجميع المناطق التى أشار إليها، وهى مناطق شاسعة، كانت جزءً من الجنوب في 1/1/1956 ونقلت للشمال في عهد عبود. مع ذلك لم يثر الجنوبيون لا في عهد الحكم الذاتي الإقليمي، ولا في مفاوضات الإيقاد أمر هذه المناطق الشاسعة في حين ثابروا على إثارة قضية منطقة أبيي الصغيرة نسبياً مما يعني أن هناك مشكلة حقيقية في هذه المنطقة.

 

أراد مثقفو الجنوب تأكيداً لموقفهم حول أبيي أن يبعثوا برسالة واضحة للحكومة بعد رفضها التجاوب مع قرارات المجلس الإقليمي. وكانت الرسالة اختيار أحد أبناء أبيي (الدكتور زكريا بول دينق) نائباً في المجلس الإقليمي عن دوائر الخريجين، مع أن أبيي ليست رسمياً جزءاً من الجنوب. وبتوجه نميري نهائياً لإلغاء الاتفاقية، وتجدد الحرب في الجنوب لم يكن غريباً أن ينحاز أبناء أبيي إلى "التمرد" الجديد. ولكن قبل أن يقع هذا قام نميري باعتقال ابن أبيي الذى انتخبه الخريجون وأغلب متعلمي أبيي، كما اغتيل الناظر عبد الله مونياق الذى خلف أباه دينق ماجوك حتى تؤول النظارة إلى أخيه آدم الأكثر طواعية، فيما تردد. أصابع الاتهام حول ذلك الحدث امتدت لمسئولين في بعض الأجهزة الأمنية في المنطقة. مع ذلك أدى ارتفاع حدة التوتر وانفجار الحرب في الجنوب بنميري للقيام بواحد من انقلاباته البهلوانية (somersault)، وفي هذا الانقلاب تفوق على نفسه. الانقلاب هو الموافقة على فتوى خلف الله الرشيد وإعلان أبيي منطقة خاصة. ولكن فات الأوان إذ لم يصدقه أحد بعد أن أعلن الشيء نفسه في عام 1974 ثم نكص عنه.

 

تلك هي المرحلة التى بدأت فيها الحكومة الاستعانة برجال القبائل لرد هجمات انانيا الثانية، وبوجه خاص الاستعانة بما يعرف بالمرحلين. المرحلون عند المسيرية (ويطلق عليهم الفرسان عند البقارة في دارفور) ليسوا أكثر من مجموعات استطلاعية تسبق الرعاة في مسيرتهم لأجل حمايتهم من الاعتداءات من جانب قاطعي الطرق أو الحيوانات غير الأليفة. وعند نشوب الحرب من جديد في عام 1982 أخذت أنظمة الحكم المتعاقبة تستعين بهذه الجماعات، إما كمجموعات استكشافية أو كفرق مقدمة للاشتباك مع "المتمردين" بهدف تحييدهم أو بث الرعب في مناطق عملياتهم. فعل هذا نميري، وفعله المجلس العسكري الانتقالي بعد الانتفاضة، واستمرت عليه حكومة الصادق المهدي إلى حين تولى الفريق عبد الماجد حامد خليل وزارة الدفاع ومطالبته بإيقاف أي نشاط للمليشيات. وعلى نهج عبد الماجد سار القائد العام الفريق فتحي أحمد علي، وكما هو معروف تضمنت المذكرة التى رفعتها قيادات الجيش في عهده لرئيس الوزراء الصادق المهدي بنداً يطالب بحل المليشيات. ذلك لم يحدث إلى حين استيلاء الجبهة القومية على الحكم والتى لم تقرر دعم المرحلين فحسب، بل أكسبتهم شرعية بدمجهم في القوات النظامية وإيكال مهام جديدة لهم في دعم المجهود الحربي مثل حماية القطارات التى تنقل الجند والعتاد من بابنوسة إلى واو. ولعل الذى أطلع على تقارير مندوبي لجنة حقوق الإنسان والفريق الدولي للتحقيق حول الرق يجد الكثير حول الأذى الذىألحقته هذه المجموعات بالدينكا. هذا هو السبب الذى دفع الدكتور توبي مادوت في 1/2/1995 باسم حزب جنوبي مسجل بالخرطوم (سانو) إلى دق نواقيس الخطر والتنبيه إلى الأضرار التى ألحقها المرحلون، ليس فقط بالدينكا، وإنما أيضاً بالسلام الاجتماعي في المنطقة كلها.

 

طوال المفاوضات بين الحكومة والحركة في إطار مبادرة الإيقاد ظل موضوع أبيي مطروحاً. وفي المرة الأولى التى اتفق فيها الطرفان على تحديد ما يعنيان بجنوب السودان (قبول صيغة اتفاقية أديس أبابا 1972) ثبتت الحركة عند موقفها باعتبار ابيي جزءاً من الجنوب، وكان ذلك في دورة انعقاد المفاوضات في أديس أبابا (أغسطس 1998). بسبب هذا الموقف المبدئي من قضية ابيي كان من الطبيعي أن تثيرها الحركة في لقاءات التجمع إلى أن استقر التجمع على رأي محدد حولها ضَمنه قراراته بشأن القضايا المصيرية. يقول القرار: "إن التعرف على آراء أهل منطقة ابيي فيما يتعلق برغباتهم أما بالبقاء داخل الحدود الإدارية لإقليم جنوب كردفان، أو بالانضمام إلى إقليم بحر الغزال سيتم عبر استفتاء ينظم خلال الفترة الانتقالية ولكن قبل ممارسة الجنوب لحق تقرير المصير. وإذا ما أظهرت نتيجة الاستفتاء رغبة أكثرية أهل المنطقة في الانضمام إلى إقليم بحر الغزال فإنهم سيمارسون حق تقرير المصير كجزء من شعب جنوب السودان".

 

هذا التاريخ المأساوي يؤكد بضع حقائق: أولاً أن موضوع أبيي ليس موضوعاً مفتعلاً من جانب الحركة الشعبية بل هو قضية ذات جذور عميقة تعود في جانب منها لما قبل الاستقلال، وفي جوانب أخرى للفترات التى أعقبته. ثانياً إن عدة عوامل طبيعية وإدارية وسياسية تضافرت على تعميق المشكل إزاء عجز كامل، أو استهانة مفرطة، من جانب السلطة المركزية. ثالثاً أن المشكل ليس هو مشكل محلي ذو تداعيات قومية بل نموذج لمشاكل محلية عديدة تفاقمت بسبب السياسات القومية الخاطئة. رابعاً بالرغم من جهود الحكماء المحليين للتقليل من حدة المشاكل المحلية ودرء مخاطرها سعت الحكومات المركزية لإقحام الجماعات المحلية في الحرب الأهلية بصورة لا تمزق نسيج المجتمعات فحسب بل كادت تقضي على الوئام الوطني. خامساً كغيره من القضايا ذات الصلة بعلاقات الشمال والجنوب، بل أكثر من أي منها، ما حدث في أبيي نموذج صارخ للإخلال بالعهود، وإهدار الفرص لتحقيق الوحدة الطوعية. بسبب من كل هذا فإن تبني المواقف المتشددة التى لا يسندها منطق، أو إطلاق الشعارات الاستفزازية التى تضر بأكثر مما تفيد ـ كما حدث أخيراً ـ لا يقود إلا إلى تمزيق القطر، وربما قاد لنتائج تعسر منها نجاة المتشددين أنفسهم.

 

ففي خلال المفاوضات حول أبيي تبين أن هناك موقفين لأبناء المنطقة، موقف لا ينازع في حقوق الجماعات المتساكنة ويقول أن الدينكا والمسيرية تساكنوا في المنطقة بحدود معروفة وفي مناطق معروفة، ولكنه في ذات الوقت يؤكد حقوق المسيرية المشروعة في المرعى التى لا يمكن الإخلال لها بصرف النظر عن التابعية الإدارية للدينكا. ويسعد المرء كثيراً أن يكون أمير المسيرية مختار بابو نمر في هذا الجانب الراشد مما يثبت أنه صاحب عِزوة يلجأ له الناس عند الملمات. رأيه ذلك أدلى به في الندوة التى عقدت بضاحية كارين في العام الماضي للتشاور حول أبيي. موقف آخر عبرت عنه مذكرة وزعت على العالمين ونسبت إلى مجلس شورى المسيرية. لست من الذين يقولون أن المذكرة جاءت بإيعاز من الحكومة رغم أنها اختتمت بالقول: "نشكر للحكومة عدم استجابتها لضغوط بعض الفئات ذات الأغراض الخاصة ونحن من جانبنا سوف ندعمها في عدم الاستجابة لمثل هذه الضغوط". المذكرة تحدثت بالأسلوب الذى وصفناه في بدايات هذا الفصل بالاندفاع وعدم التروي، خاصة عند إشارتنا للجدل العقيم حول من سبق الآخر إلى تلك الأرض. انتهت المذكرة إلى أن "دار المسيرية جزء من السودان الموحد منذ أن نشأ السودان الحديث وهي تاريخياً وإدارياً وبيئياً تابعة لكردفان الكبرى. وقد تعايشت القبائل والأعراق فيها بهذا المفهوم، المسيرية والدينكا والنوير والبرقو والفلاتة والنوبا. وتمازجت ثقافياً وعرقياً مما جعل إمكانية تقسيمها أمراً مستحيلاً. ولكن من أراد أن يهاجر من أبناء هذه المنطقة أو ينزح لبقعة أخرى فليفعل ويرحل بماله وأسرته". الجزء الأول من الفقرة يعبر عن قراءة وتفسير للتاريخ ومن حق أي شخص طالما ملك الأسانيد أن يعبر عن رؤاه ويقدم أسانيده مقطوعة كانت أم موصولة. ولكن ما الذى يعنيه: من شاء فليرحل بماله وأسرته. أضافت المذكرة الغاضبة "لقد وقفت قبيلة المسيرية بجميع فروعها سداً منيعاً أغلق على التمرد العبور شمالاً وفقد المسيرية في الدفاع عن السودان آلاف الشهداء منذ عام 1964 حتى اليوم، وما وهنوا ولا استكانوا وهذا ديدنهم منذ المهدية". ما شأن الحرب والشهداء ودحر التمرد بحقوق الرعي والتى نفترض أنها قضية المسيرية، كما هي قضية غيرهم من الرعاة. ثم خُتمت المذكرة بالاتي:

 

(أ) نؤمن أن قضيتي أبيي وجبال النوبا لا علاقة لها بقضية جنوب السودان ونرى أنهما قضيتان محليتان لا سبيل إلى تدويلهما ونتمسك بحدود 1956؛

(ب) لا نقر ولا نرضى أن يجري استفتاء حول تقرير المصير في هاتين المنطقتين، سواء كان ذلك لكل السودان أم لفئة.

 

ما كنت لأعير البيان اهتماماً لولا أنه تضمن على رأس الموقعين أسماء حريكة عز الدين، وفريق مهدي بابو نمر، واللواء فضل الله برمه ناصر، وعبد الرسول النور إسماعيل. أثارت اهتمامي هذه الأسماء بوجه خاص، وللحد الذى ظننت معه أن الوثيقة دست عليهم رغم وجود توقيعات عليها منسوبة إليهم. ولكن ظني تبدد عندما التقي ثلاثة من تلك المجموعة الكريمة في نايفاشا زعيم الحركة في اجتماع كانوا حريصين عليه، وكان هو أشد حرصاً منهم على الاجتماع. بدأ الاجتماع بكلمات للفريق مهدي بابو تنذر بذات الصهيل ألا وهي الحرب. قال: "موقف الحركة في أبيي إشهار للحرب ضد المسيرية". كان من الممكن أن تنتهي تلك الكلمات بالنقاش إلى طريق مسدود لولا أن زعيم الحركة صب ماءً بارداً على الموقف. قال كل هذا الصراع الدائر لا شأن له بمصالح الدينكا أو المسيرية، فالقبيلتان حكمت عليهما الطبيعة، كما قضت الجغرافيا والتاريخ، أن يعيشا مع بعضهما البعض شأن قبائل عديدة تعيش في خطوط التماس بين الجنوب والشمال. قال أيضاً أن الحرب بالوكالة (proxy war) التى تدور اليوم هي حرب مفروضة على الطرفين ولهذا فمن الخير للطرفين أن يجلسا مع بعضهما البعض للبحث عن أفضل السبل لحماية الحقوق المشروعة لأهليهما في الموارد المشتركة، والبحث عن وسائل للتعايش السلمي بينهما ومع غيرهما من القبائل المجاورة كما فعل دينكا مالوال مع البقارة. والطرفان اللذان عناهما زعيم الحركة هما دينكا أبيي والمسيرية وليس الحركة والحكومة.

 

الذى أومأ إليه زعيم الحركة، وكان ينبغي أن يكون هو غاية أصحاب المذكرة الغاضبة، هو الحيلولة دون خروج القضية من حدودها حتى تصبح ذريعة لصراع أشمل. فلا معنى، مثلاً، لإقحام قضية جبال النوبا في موضوع ابيي، أو الحديث عن حق أهل الجبال في تقرير مصيرهم لأن أبناء الجبال لم يجعلوا ذلك مطلباً في المفاوضات. كما لا معنى للتجاهل الغريب في المذكرة لتاريخ قضية هي قطعاً ليست بنت اليوم، وما نايفاشا إلا محطتها الأخيرة. قد نقول أن أصحاب المذكرة ليسوا على دراية باتفاق أديس أبابا، رغم أن هذا شئ مؤسف إن حدث. وقد نقول أنهم ليسوا على دراية بقرارات مجلس الشعب الإقليمي بشأن أبيي، أو باعتبار نميري لها منطقة ذات وضع خاص في عام 1974 ثم في عام 1983، أو بإعلانه حق أهل أبيي في تقرير مصيرهم بأنفسهم في المجلد وليس في أي مكان آخر في عام 1977، أو بقرار لجنة خلف الله الرشيد في عام 1981، أو بمقررات لجنة الشيخ بشير الشيخ والتي كان الناظر بابو نمر عضواً فيها في مطلع الثمانينيات. ولكن يصعب علينا كثيراً أن نصدق أن قياديين هامين في حزب الأمة لم يطلعوا على قرارات التجمع بشأن أبيي والتي كان لحزب الأمة (المرحوم عمر نور الدائم ومبارك المهدي) دور كبير في صياغتها. ولا أظن حزب الأمة من "ذوي المصالح الخاصة" في عرف مجلس الشورى، حتى وإن افترضنا أن كل فصائل التجمع الأخرى كانت من ذلك الصنف الردئ.

 

أشد وعورة من ذلك التغافل أمران، الأول هو الدعوة لأن تقوم بين الشمال والجنوب حدوداً قاطعة مبنية على الملكية التاريخية للأرض. تلك سابقة خطيرة لأن رسم هذه الحدود القاطعة لن يقف عند المنطقة المجاورة لبحر العرب حتى وإن تنازل عنها الدينكا وارتحلوا جنوباً بأسرهم كما طالبهم مجلس الشورى. فالحدود تمتد من أفريقيا الوسطي إلى إثيوبيا، ويوم أن يقام ذلك الخط الفاصل نتيجة لمواقف غاضبة أو استفزاز غير مبرر فسيلحق الأذى كل القبائل الرعوية التى ظلت تنتقل جنوباً وراء حدود 1956 بحثا عن المرعى في وئام تام مع القبائل الجنوبية المتاخمة، وهو وئام لا تكدره إلا المشاكل التى تنجم من حين لآخر بين القبائل وتحل عبر آليات التوسط التقليدية. مثال ذلك ترحال البقارة بين دارفور وبحر الغزال (مناطق دينكا مالوال)، وترحال أولاد حميد ورفاعة الهوى في منطقة يابوس بأعالي النيل، وترحال عرب سليم والشينخاب ودار محارب في مناطق الدينكا والشلك والنوير بأعالي النيل، وترحال الحوازمة في مناطق الدينكا باريانق.

 

الأمر الثاني هو لماذا يريد أي واحد منا ـ أياً كان موقعه ـ أن يثقل كاهل أهله بصخور مرمرية، مثل تحميلهم المسئولية عن حروب السودان الأهلية، حتى وإن استدرجوا إليها وخاضوها بالوكالة. عامة الناس في السودان لا يطربون أبداً للفتنة، فالفتن يؤججها، عن علم أو جهل، من لا يتدبر عاقبة الأمور. لهذا يعجب المرء أن ينسب هؤلاء الكبار لأهلهم ما أسموه "دحر التمرد". أي تمرد هذا بعد اتفاق ماشاكوس الذى أبان جذور المشكلة وكان في جوهره اعتذاراً متبادلاً عن الحرب. وأي نظام ذلك الذى حموه في الشمال؟ أهو نظام عبود الذى استنكر أهل الشمال سياسته في الجنوب ولهذا، مع أسباب أخريات، انقضوا عليه في أكتوبر 1964؟ أم هو نظام نميري الأول الذى اعترف بحق ابيي الذى ينكرون؟ أو نميري الثاني الذى أجج نيران الحرب من جديد في 1983 وكان أول مسعى له لإيقافها هو الاعتراف بحق أبيي؟ أم هو نظام الجهاد ضد الشرك في الجنوب بعون من الله تعالى ومن "المرحلين" من بعد؟ أو لعله مع نفس النظام الذى وفقه الله لسلام مع المشركين؟ لماذا يريد أي شخص عاقل أن يُحَمِّل أهله المسئولية عن سياسات حكومات الخرطوم التى تتأرجح سياساتها كما يتأرجح بندول الساعة وتلحق الأذى بالناس أني اتجهت عقارب الساعة. ليت أهل الشورى اصطحبوا معهم عند وفودهم إلى نايفاشا نصيحة غالية من رجل من ديارهم عركته التجارب، الفريق شرطة عوض سلاطين دارفور (ألوان مارس 2004). كان الرجل نصيحاً في مقاله.

 

البروتوكول الذى وقع بين الحركة والحكومة في السادس والعشرين من مايو 2004 حول أبيي قام على أساس مبادئ تقرب بين وجهتي النظر اقترحتها الولايات المتحدة (قدمها السناتور جون دانفورث) واستُهل بالنص على مبادئ هادية، وقواعد ضابطة هي:

 

  أبيي جسر بين الشمال والجنوب يربط شعب السودان؛

  إقليم أبيي هو المنطقة التى تقطنها مشيخات دينكا انقوك التسع التى ضمت لكردفان في عام 1905

  يحتفظ المسيرية والجماعات الرعوية الأخرى بحقوقهم التقليدية في الرعي والتحرك عبر أراضي أبيي.

 

قررت الاتفاقية منح منطقة أبيي وضعاً إدارياً خاصاً بحيث يصبح أهلها مواطنين في كل من غرب كردفان وبحر الغزال ويكون لهم ممثلوهم في المجالس التشريعية في الولايتين، وهذه عودة للوضع الذى كان يجب أن تكون عليه في عام 1974 عندما أعلن نميري ذلك القرار، مع فارق هام هذه المرة. الفارق هو التحديد الواضح لمعالم ذلك الوضع الخاص: أن يدير المنطقة مجلس تنفيذي ينتخبه مواطنو أبيي، والى حين إجراء الانتخابات (بعد ثلاث سنوات) تُعين رئاسة الجمهورية أعضاء المجلس على أن يكون مجلساً واسع القاعدة (أي لا تقتصر عضويته على مجموعة معينة من أبناء المنطقة). ويكون للمجلس رئيس ونائب رئيس تعينهم رئاسة الجمهورية بناء على توصيات المجلس. ويشرف المجلس على أمن المنطقة وتنميتها وتقديم الخدمات الأساسية لها. وستقرر رئاسة الجمهورية، آخذه في الاعتبار طبيعة الوضع الخاص للمنطقة، الاختصاصات التنفيذية والتشريعية والمالية والقضائية لسلطات أبيي. كما سيكون للمنطقة مجلس تشريعي يضم ما لا يزيد عن العشرين عضواً تعينهم الرئاسة في فترة الثلاث سنوات الأولى، ويتم انتخابهم مباشرة من جانب أهل المنطقة في الفترة التالية. ويباشر ذلك المجلس سلطة إقرار الميزانية وخطط التنمية والتعمير وسن التشريعات المحلية والمساهمة في جهود المصالحة بالمنطقة والاقتراح لرئاسة الجمهورية بإعفاء الرئيس التنفيذي.

 

وكما حدث بالنسبة للجنوب ولكل ولايات السودان أبان الاتفاق مصادر التمويل لحكومة المنطقة حتى لا يترك أمرها للظروف أو لتقدير ـ سؤ تقدير ـ سلطة أخرى. وبما أن أبيي واحدة من مناطق إنتاج البترول فقد نص الاتفاق على أن يوزع صافي عوائد إنتاج النفط فيها على الوجه التالي: 50% للحكومة القومية، 42% لحكومة جنوب السودان، 2% لإقليم بحر الغزال، 2% لإقليم غرب كردفان، 2% لدينكا انقوك، 2% لباقي قبائل المديرية. كما ستحصل المنطقة على: (1) نصيبها المقرر من الدخل القومي حسب بروتوكول اقتسام الثروة؛ (2) العائدات من الضرائب المحلية، التى يقررها مجلسها؛ (3) حصتها من الصندوق القومي للتعمير والتنمية وصندوق تعمير وتنمية الجنوب؛ (4) المخصصات القومية لإنشاء الإدارة الجديدة وتسييرها. جميع هذه المبالغ ستودع في حسابات خاصة بموافقة الرئاسة. على أن النص على تخصيص أنصبة من عائد النفط لقبائل بعينها فيه إجحاف بغيرهم ولربما كان الأوفق أن تذهب الأنصبة للإقليم لا لجماعة في الإقليم.

 

تقرر أيضاً أن تنشئ رئاسة الجمهورية لجنة للحدود لتتولى رسم حدود أبيي (المنطقة التى تحولت إلى كردفان في عام 1905) على أن تفرغ اللجنة من أداء واجبها في العامين الأولين من الفترة الانتقالية، كما سيحدد الإحصاء القومي العدد الفعلي لسكان المنطقة. هاتان العمليتان ستنهيان الجدل حول حدود المنطقة وعدد سكانها. وفي نهاية الفترة الانتقالية يجري استفتاء منفصل عن، ومتزامن مع، استفتاء جنوب السودان. وبصرف النظر عن نتائج استفتاء جنوب السودان يُطرح على أهل أبيي الخيارين التاليين: الاحتفاظ بوضعهم الإداري الخاص في الشمال، أو أن يكونوا جزءاً من بحر الغزال.

 

أياً كان الخيار تبقى قائمة قضية حقوق الرعي، ليس فقط في هذه المنطقة بل على طول الشريط الحدودي بين الشمال والجنوب. وإن كان البروتوكول في ديباجته قد قضى في هذا الموضوع فيما يتعلق بالدينكا والمسيرية.

 

يفيد أيضاً أن تتجه الحكومة الانتقالية إلى خلق الآليات المناسبة، ووضع الضوابط اللازمة لمعالجة مشاكل المرعى في كل السودان، بين الشمال والجنوب وفي داخل الشمال وداخل الجنوب أيضاً. وقبل بضع أشهر من توقيع البروتوكول استضافت إثيوبيا (18/2/2004)، بالتشاور مع حكومة السودان والحركة الشعبية، وبدعم مالي وتجهيزي من برنامج الأمم المتحدة للتنمية ووكالة المعونة الأمريكية، منتدى شارك فيه ممثلون لقبائل الدينكا والمسيرية والرزيقات ولذلك أطلق عليه اسم DMR، الأحرف الأولى بالإنجليزية من أسماء القبائل الثلاث. الاجتماع الذى شارك فيه بعض أعضاء مجلس الشورى دون أن يحسبوه "تدويلاً" كان تجربة موفقة لكيف يمكن للناس أن يعالجوا مشاكلهم بالحكمة إن تركوا لأنفسهم وركزوا اهتمامهم في وسائل حماية المصالح الحيوية لأهلهم. وسبق الندوة إعداد فني جيد تمثل في عديد المذكرات حول قضايا الوجود، لا خزعبلات السياسة: البني التحتية، والمراعي ومصادر المياه، ومراكز تجمع الماشية، والأسواق، ومسارات الرعي، وآليات التوسط التقليدية بما فيها الزعامات القبلية والقيادات الدينية. ولعل درجة الحرية التى توفرت لأعضاء المنتدى مكنت المشاركين من النقاش الصريح حتى في الأمور ذات الحساسية مثل دور الأحزاب في تأجيج الصراع، ودور المثقفين في تلويث القضايا الوجودية بإقحام خلافاتهم المذهبية أو طموحاتهم الشخصية. هذه تجربة جيدة وجديرة بالاحتذاء في المناطق الأخرى، كما أن مثل هذا المسار أنبه وأجدى في علاج المشاكل من تبني الثوابت العدوانية، أو الاندفاع في الاستفزازات الإستعدائية.

 

 

بروتوكولات نايفاشا


سبتمبر/ 2004

 

 

الفصل السابع

 

 

الدين والسياسة ...  زراعة الإحَن وحصاد المحن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

احتل موضوع الدين والسياسة، أو الدين والدولة، حيزاً كبيراً في الجدل السياسي منذ الستينيات. وفي جانب منه، كان امتداداً لجدل أوسع على نطاق الأمة الإسلامية كلها حول الحفاظ على الهوية في سياق عالم تعددي. إلا أن دعاوى الحفاظ على الهوية تحولت عند البعض إلى ذريعة للالتفاف على قيم ومعايير تراضت عليها الإنسانية لضبط سلوك الأنظمة والمجموعات البشرية. ونفصل في السودان بين ثلاث حقب اختلفت فيها طبيعة الجدل ومحتواه ومناهجه التى تراوحت بين الخطاب التهييجي والقمع. الحقبة الأولى هي تلك التى شملت كل الفترة من الستينيات حتى السبعينيات، والثانية هي فترة الحكم المايوي، أما الثالثة فهي التى أعقبت ذلك الحكم وإلى نهاية القرن. هذا التحقيب لا يُسقِط دور المفاعل الخارجي في تغذية الجدل والصراع على امتداد تلك الحقب، إذ تداخلت الصراعات المحلية مع الصراع الإقليمي (فترة النهوض القومي)، والأممي (فترة الحرب الباردة) وتقاطعت المصالح للحد التى لم يعد واضحاً فيه مَن يستغل مَن. وعلنا في هذا المقال نتناول سبل الإقبال على قضية الدين والدولة في السودان طوال هذا الحقب، وما قادت إليه من ضغائن وإحن انتهت إلى كروب ومحن. وهذا حصاد مر لا تستريح له نفس ولا يستطيبه ذوق.

 

ولكن قبل تفصيل الحقب نبسط بضع حقائق قد تعين القارئ على إدراك الأسباب التى أحالت الجدل بشأن الدين والسياسة من خلاف فكري إلى فتن. أولاً كانت صراعات الستينيات جزءاً من الصراعات النخبوية (طلاب الجامعات، والنقابات المهنية) في إطار الأيديولوجيات السائدة: الأممية (الشيوعية)، والقومية (بمدارسها العروبية المختلفة)، والإسلامية. وكان الجدل حول الدين والسياسة وسط تلك الجماعات يدور بمعزل عن ذلك الذى يدور في مدارس الإسلام الشعبي، المُسَيسَّ منه (الأحزاب ذات القاعدة الدينية)، وغير المُسَيسَّ (الطرق الصوفية). بل ربما اتخذت تلك النخب موقفاً غير ودي من تلك المدارس، وإن تصالحت معها لم تكُ تفعل ذلك إلا اغتناماً لفرصة دنت. لهذا يقال أن الإسلام السياسي في السودان لم يتسم بتسامح إسلام أهل السودان.

 

هذه الأيديولوجيات المتصارعة ـ شأن كل الأفكار الجزمية ـ كانت تعاني من خصيصتين عاطبتين. الأولى هي قصورها الذاتي عن التشكك في صدقية دعاواها، بل ظنها الواثق أن دعاواها هي الحق المحض. والثانية هي جنوح أرباب العقائد، على المستوى العملياتي، إلى اختزال الحل لكل المشاكل الإنسانية في فكرة واحدة، وفي أغلب الأحيان في مصطلح واحد يسهل الارتكان إليه مثل "الإسلام هو الحل" أو "وحدة الأمة هي الحل" أو "انتصار الطبقة العاملة" هو الحل. هذه النظرة أدت إلى ترخص كبير في الإقبال على معالجة أخطر القضايا. ثانياً، ولربما بسبب من اليقين الكامل بصدق أطروحاتها إن لم يكن تنزيه ألاطروحات عن كل نقص، أصبحت هذه الجماعات النخبوية شمولية التوجه، وأخذت، على تباين توجهاتها، تستسلف من بعضها التجارب، خاصة فيما يتعلق بالتنظيم. وبسبب من نظرتها الشمولية أيضاً صار إيمانها بالديمقراطية ملتبساً، هي مع الديمقراطية متى ما وفرت لها مساحة للتنفس والحركة، وهى ضدها متى ما تمكنت من السلطان المطلق. وحينذاك "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، "ولا حرية لأعداء الحرية"، و "من تحزب خان"، ولا حزب إلا حزب الله "، "ألا أن حزب الله هم المفلحون".

 

في كل هذه الصراعات غاب أمران: الغائب الأول هو السودان: مشاكله الوجودية، وتركيبته التعددية، وقضاياه المعقدة بتعقيد تركيبته. الغياب هنا معنوي، فلا شك في أن أهل العقائد هؤلاء كانوا من أكثر أبناء جيلهم اهتماماً بقضايا وطنهم، وانهماكاً فيها، وتضحية من أجلها، كما كانوا على ثقة تامة بقدرتهم التامة على المعالجة الناجعة لها. ولكن، من طبائع الأشياء أن الطبيب الذى يَدوي من نزل به الداء، ظاهراً أو باطناً، يبدأ بتشخيص الداء ليميزه مما سواه. بهذا وحده يمكن للطبيب أن يتعهد المريض بما يشفيه. أرباب العقائد السياسية بما فيها الدين المُسَيَّس كان لهم دواء واحد لا يعرفون غيره، وليس في اعتقادهم غيره في الوجود دواء. ولتعارض الأدوية وتضاربها ـ رغم أن الداء واحد ـ تحول المريض الذى هو السودان خنزيراً غينياً لاغُرم على ما لحق به من جراح. وكما يقول الفقهاء "جُرح العجماء جُبار"، أي هَدَر.

 

الغائب الثاني هو التواضع المعرفي، والذي هو سمة المجتهد الذى يحترم مرجعيات المعرفة، لا سيما إن كان المجتهد ينتمي إلى دين يقول فقهاؤه: "من قال لا أعلم فقد أفتى". المجتهد الصادق تَحَتكُ الأمور في صدره لهذا يظل وقافاً عند الشك، أما أرباب العقائد في السودان، وعلى اختلاف مدارسهم، فلم يكن عندهم موقع للآخر المخالف لهم إلا بين قطبين: الخيانة في حالة، والكفر في الحالة الثانية، تهم الانتهازية والعمالة في حالة، والأبلسة في الحالة الأخرى. الغائب الثالث هو انسداد الأفق الإنساني نتيجة التعامل غير المعافى مع الآخر المخالف، مرة بالعنف ومرة بالإكراه، وأخرى بالاغتيال المعنوي. هذه ممارسات تلغي الحرية، وإلغاء الحرية إلغاء للإنسانية. كما هي ممارسات تفقد الأديان والنظريات البشرية الطامحة للرقي بالإنسان من أي مضمون قيمي. هذه مقدمة إدراكها ضروري حتى لا تختلط الأمور، حتى ننأى بالدين عن الخطايا التى اجترحت باسمه، كما ننأى بالأفكار الطامحة عن الجنايات التى لحقت بها.

 

أبنا في الفصول السابقة كيف أخذت الطبقة السياسية السودانية تستظل دوماً (يوم لا ظل إلا ظله) بدستور ستانلي بيكر "الاستعماري"، وكيف أن ذلك الدستور كان محايداً في موضوع الدين، لكي ما لا نقول علمانياً. المرة الأولى التى احتل فيه الدين (ونقصد الإسلام) موقعاً في الدستور كان في مشروع دستور 1968. ومن الواضح أن الذين ذهبوا إلى التنصيص على الإسلام والشريعة في ذلك المشروع كانوا ينطلقون من نظرية سيادة ثقافة أو دين الأغلبية. فما التى جاء به مشروع الدستور؟ أورد في مادته الأولى: "السودان جمهورية ديمقراطية اشتراكية تقوم على هدى الإسلام". وأورد في المادة (113): "الشريعة هي المصدر الأساسي لقوانين الدولة". كما جاء في المادة (114): "يعتبر باطلاً كل نص في أي قانون يصدر بعد إجازة هذا الدستور ويكون مخالفاً لأي حكم من أحكام الكتاب والسنة إلا إذا كانت تلك المخالفة قائمة في جوهرها قبل إجازة الدستور".

 

هذه النصوص الدستورية أوقدت نائرة سجال سياسي / ديني أثبتت التجارب اللاحقة عبثيته، خاصة بعد صدور دستور 1998 "الإسلامي" ونصوص بروتوكول ماشاكوس حول الدين والسياسة. ولعل أجواء التوجس والتحرش والتربص التى كانت سائدة عند إعداد مشروع دستور 1968(تهم الإلحاد) أضفت على الصراع بشأنه أبعاداً افتقدت أدنى حدود العقلانية. فأولاً لم يكن هناك أي وعي، أو رغبة في الوعي، بأن التعدد الديني في السودان يقتضي أن يعالج موضوع الدين والسياسة بصورة تأخذ في الاعتبار ذلك التعدد. هذا الأمر لم يكن في الحسبان إذ ذهب المشرع على التو لنقل تجارب الدول العربية ـ الإسلامية المجاورة، والتي ليس من بينها واحدة بها ما بالسودان من تعدد ديني، بل من تعددات متقاطعة. وتكاد كل دساتير الدول العربية الإسلامية تتضمن نصوصاً حول دين الدولة، وذهب بعضها إلى ما هو أبعد من ذلك. فالدستور المغربي، مثلاً، ينص في المادة 19 "الملك أمير المؤمنين والممثل الأعلى للأمة ويكفل تطبيق الإسلام". حتى الدستور التونسي (وتونس دولة كان رئيسها المؤسس، الحبيب بورقيبة يجاهر بعلمانيته) يقول في مادته الأولى: "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها". كما تنص المادة 38 من الدستور نفسه: "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ودينه الإسلام". مع ذلك، لو جاءت نصوص مشروع دستور 1968 في إطار نظام للحكم ضمن لغير المسلمين حقوقهم المدنية كما أقر دستور 1998، أو اتفاق ماشاكوس، فلربما لم تكن لهؤلاء ردة فعل عنيفة ضد تلك النصوص، بل ربما لما جاز لهم ذلك. لهذا لم يكن غريباً إن ارتفعت أصوات الجنوبيين عالية، تماماً كأصوات بعض الشماليين، ضد ذلك الدستور. عن الجنوبيين عبر ابيل الير باسمهم جميعاً بكلمات منذرات ليتنا وعيناها يوم ذاك، فلو فعلنا لما استفحل الأمر. قال أن مشكلة الجنوب لم تتخذ حتى الآن طابعاً دينياً ولكن الإشارات للدين في مشروع الدستور ستنحو بها إلى ذلك الاتجاه. أما الشماليون فقد لخص رأيهم عبد الخالق محجوب بقوله أن اعتراضه على الإشارة للدين في الدستور يقوم على اعتبارين أولهما تهديدها لوحدة البلاد، والثاني الخوف من الفتن التى قد يقود إليها اختلاف المذاهب في تفسير الدين.

 

ثم جاء نظام مايو وكان إقباله على قضية الدين والسياسة عند وضع دستور 1973 إقبالاً وسطياً. ويفيد أن نذكر أنه تماماً كما كانت قرارات لجنة الاثني عشر أساساً لاتفاق الحكم الذاتي الإقليمي لعام 1972، كان مشروع دستور 1968 هو الأساس لدستور 1973. من ذلك الدستور أُزيلت أية إشارة لدين الدولة، رغم أن البعض كان يرغب في إدخالها. ولم يكن الدافع على رفضها جحوداً بالدين وإنما للاقتناع بأن الإشارة لدين الدولة في الدستور إعلان بلا جوهر. ففي رده على المطالبين بإدراج النص قال الراحل جعفر بخيت "نحن لسنا بملحدين، ولسنا حرباً على الإسلام ولا على دعوته. إن الاقتراح المقدم مظهري إعلامي ليس في جوهره أية دلالات فعلية، فالدولة كائن معنوي يفقد صفة الانتماء الديني القائم أساساً على وجود ضمير فردي يتعبد ويتعامل". في ذات الوقت أبقى دستور 1973 النص على مصادر التشريع وجاء على النحو التالي: "الشريعة والعرف مصدران من مصادر التشريع". هذا النص أقرب إلى الواقع من ذلك التى اعتبر "الشريعة" مصدراً أساسياً "للتشريع"، إذ لو بقى ذلك النص لحق لأي قانوني مبتدئ يُلم بقوانين السودان القول أن الجزء الغالب من تلك القوانين غير دستوري لأنه لم يُستمد من المصدر الأساس.

 

وأذكر، خلال مناقشة دستور 1973، أن نائباً جنوبياً اعترض على تضمين الدستور النص التى يشير للشريعة كمصدر للتشريع، وكان الرد عليه أن تلك الإشارة تؤكد حقيقة قائمة إذ أن في السودان قوانين عديدة مستمدة من الشريعة، كما أن المحاكم السودانية استلهمت الكثير من أحكامها من الشريعة. وعلى أي، قلنا أن الذى يشرع هو البرلمان، وما الإشارة للشريعة كمصدر، محددة كانت الإشارة أو مطلقة، إلا توجيه للمشرع باستلهام مبادئ الشريعة عند وضع القوانين، وليست أمراً للمحاكم لكي ما تطبقها وفق اجتهاد القاضي. لهذا الرأي ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر (1985) التى يعتبر دستورها (المادة الثانية من دستور 1980) "مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً أساسياً"للتشريع". قررت المحكمة في دعوى رفعت لها أن النص "يستهدف توجيه الشارع إلى استلهام قواعد التشريع من مبادئ الشريعة الغراء بصفة رئيسة لكنه لا يطلب من المحاكم أن تطبق مباشرة مبادئ الشريعة وتغفل ما لا يتفق معها من نصوص تشريعية قائمة".

 

على أن أهم نص أورده دستور 1973 هو المادة 16 والتي أرست، للمرة أولى في دساتير السودان بوجه لا لُبس فيه، مبادئ هامة: الأول الاعتراف بالتعدد الديني في السودان، والثاني تعهد الدولة باحترام كل الأديان وحماية معتنقيها، والثالث تحريم استغلال الدين لإشعالالفتن. تقول المادة:

أ‌.  في جمهورية السودان الديمقراطية الدينُ الإسلام ويهتدي المجتمع بهدي الإسلام دين الغالبية وتسعى الدولة للتعبير عن قيمه؛

ب‌.  والدين المسيحية في جمهورية السودان الديمقراطية لعدد كبير من المواطنين ويهتدون بهديها وتسعى الدولة للتعبير عن قيمها؛

ج‌.  الأديان السماوية وكريم المعتقدات الروحية (noble spiritual beliefs) لا يجوز الإساءة إليها أو تحقيرها؛

د‌.  تعامل الدولة معتنقي الديانات وأصحاب كريم المعتقدات الروحية دونما تمييز بينهم فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة لهم في الدستور كمواطنين، ولا يحق للدولة فرض أية موانع على المواطنين أو على مجموعات منهم على أساس العقيدة الدينية؛

هـ.  يحرم الاستخدام المسئ للأديان وكريم المعتقدات الروحية بقصد الاستغلال السياسي وكل فعل يقصد به أو يحتمل أن يؤدي إلى تنمية مشاعر الكراهية أو العداوة أو الشقاق بين المجموعات الدينية يعتبر مخالفاً لهذا الدستور ويعاقب قانوناً.

 

أخطر ما وقع بعد ذلك أمران، الأول هو الإلغاء الفعلي لدستور 1973 في العاشر من يوليو 1984 عندما استذرع الدكتور الترابي بالمادة التاسعة من دستور 1973 (الشريعة مصدرالتشريع) لإجراء تعديلات عن ذلك الدستور. تلك كانت حيلة قانونية غير بارعة لجأ لها الدكتور، وكان يومها مساعداً لرئيس الجمهورية لأنها أغفلت المواد المتعلقة بكيفية تعديل الدستور وحددت الإجراءات اللازم إتباعها، وما وضعت مثل تلك الإجراءات إلا لحماية الدستور من التغول. والثاني هو إصدار قوانين سبتمبر 1983. الموضوعان تناولناهما بإفاضة في كتاب كامل (الفجر الكاذب: نميري وتحريف الشريعة) لهذا لنا عن العود إليهما فسحة. رغم هذا، ستكون لنا لُبثة عند أمرين مما وقع يوم ذاك لتعلقهما بهذا الفصل. الأمر الأول هو أثر التعديلات الجذرية للدستور على الأوضاع السياسية بوجه عام، وعلى الجنوب بوجه خاص. كان على رأس التعديلات، مثلاً، إلغاء المادة 8 التى تضمنت حماية اتفاقية الحكم الذاتي الإقليمي، واستبدال المادة التاسعة حول الشريعة والعرف كمصدرين رئيسين للتشريع بنص جعل الشريعة مصدراً أوحداً، وإضافة نص في المادة 14 (المسئوليات العامة للدولة) يجعل للدولة دوراً في رعاية حقوق الأقليات، وكانت تلك هي المرة الأولى التى يطلق فيها على مجموعة من المواطنين الأصليين وصف الأقليات، كما حُذفت المادة 16 حول الأديان حذفاً تاماً رغم أنها واحدة من أبرع ما ابتدعه الفقه السوداني الدستوري. تلك لم تكن ضربة قاضية على اتفاقية أديس أبابا فحسب، بل وعلى مقومات التعايش السلمي بين المسلمين وغير المسلمين في السودان.

 

الموضوع الثاني هو التأييد المطلق التى حظيت به قرارات نميري في سبتمبر 1983 من تأييد من جانب الأخوان المسلمين. نميري، فيما نُقَدر، لم يكن يبتغي من إصدار تلك القوانين غير سحب البساط من تحت أقدام كل من كان يدعو لتطبيق الشريعة، أو إقامة شرع الله، أو للصحوة الإسلامية. ولو كان الدين بغيته لما قال في لقاءه بالجالية السودانية في أبي ظبي منذ بضع سنوات: "الشريعة دي خازوق أنا غزيته وأنا براي البقدر أقلعه". تأييد الأخوان المسلمين يوم ذاك لنميري وقوانينه مفهوم من ناحية النفعية السياسية (political expediency) البحتة، ولكن الأخوان لم يكونوا يقدمون أنفسهم كسياسيين فحسب، بل قدموها أيضاً كأصحاب رسالة تتجاوز حدود الأوطان، وكمجتهدة يمتلكون أدوات المعرفة الحديثة التى تمكنهم من الخروج بالدين من المدار المغلق الذى حشره فيه تحجر الفقه. وبهاتين الصفتين كان يعنيهم أن يكون النموذج الإسلامي العملي الذى يطرحون أسمى وأرفع مما عداه حتى يُغري من لهم الخيرة في اتخاذ الإسلام ديناً، وأجدر من يكونون بالإغراء المواطنون السودانيون من غير المسلمين. ذلك أمر فطن له الدكتور الترابي جيداً قبل قوانين سبتمبر، وقبل تعديلاته للدستور التى ضيقت واسعاً في الدين.

 

فقبيل إصدار نميري لقراراته قام الترابي بوصفه نائباً عاماً بمراجعة شاملة لقوانين السودان (المجلدات التسع والتي تضمنت آنذاك 286 قانوناً) انتهى منها إلى أن ثمان وثلاثين قانوناً فقط من تلك القوانين تخالف الشريعة. وللوصول إلى ذلك الحكم استعان بلجنة ضمت نخبة من القانونيين وأهل الفكر: حسن عمر، وعون الشريف، وعلي شمو، وسيد أمين، وميرغني النصري، وعلى محمد العوض، وصديق الضرير، وعلى عبد الرحمن الأمين الضرير، ومحمد الجزولي، واميل قرنفلي، وجمال بسيوني (مصري)، ومحمد الفاتح حامد. واقترح الأخير ضم جنوبيين للجنة فاستجاب نميري للاقتراح وأصدر قراراً بإضافة فرانسيس دينق، وامبروز ريني، واكولدا امانتير، ودفع الله الحاج يوسف إلى اللجنة. وحول الحدود على وجه التدقيق كان للترابي اجتهاد أحسب أنه وفق فيه، ومن ذلك التدرج في تطبيق الحدود مثل حد الشرب (والذي ألحقه الترابي بالتعزيرات وليس الحدود) حيث ترك لحكام الولايات حرية تطبيقه بعد أمد محدد، وأباح الشرب للأجانب والبعثات الدبلوماسية (أو بالأصح قضى بعدم تجريمه)، كما وجه أن لا يطبق الجلد إلا على الشارب. ولكن ما أن أصدر نميري قراراته حتى انتهى الشيخ المجتهد إلى رأي نقيض حول تطبيق الحدود بما فيها تلك التى لم يدرجها في منظومة الحدود. مثلاً، أقر تطبيق القطع في السرقة فوراً لأنه، كما قال، "قطع لكل الارتياب والانهزام الثقافي" (الأيام 19/1/1984)، كما أيد تطبيق "حد الشرب" على غير المسلمين وعلى الأجانب الذين استثناهم في حكمه الأول مبرراً ذلك، هذه المرة، بالقول "لا استثناء للأجانب وغير المسلمين من حدود الله وخاصة الشرب فالاستثناءات تقود للتلاعب" (الأيام 3/10/1983).

 

قضيتنا ليست مع التأييد السياسي لقرارات نميري، فللسياسة أحكام. وليست حول الاتفاق أو الاختلاف معه إن كان الذى طبقه يمت بسبب إلى شرع الله أولا يمت. القضايا التى نوليها اهتماماً في هذا الفصل هي أولاً اختزال شرع الله كله في العقوبات المقدرة، خاصة وقد بقيت من هذه النظرة ظلال خلال المفاوضات الأخيرة حول تطبيق الحدود في العاصمة. ثانياً حق المجتهد الذى ينقض في الصباح ما أبرمه في العشية في أن يُضفي، أو تُضفي، أية قدسية على اجتهاداته بحيث يصبح الدين والاجتهاد البشري بشأن الدين سيان، ويصبح الاختلاف مع الاجتهاد البشري كفر وارتداد عن الدين. ثالثاً الإساءة البالغة التى لحقت بالدين ليس فقط باختزاله في الحدود بمعنى العقوبات المقدرة، وإنما أيضاً على وجهين آخرين. الوجه الأول هو الإيحاء أن تلك العقوبات هي جوهر الدين، علماً أن حدود الله ليست وحدها العقوبات التى وردت خمساً، كل واحدة منها في آية واحدة: السرقة (المائدة 38)، والقذف (النور 4)، والحرابة (المائدة 33)، والقصاص (البقرة 178)، والزنا (النور 2)، وليس من بينها ما يعرف بحد الردة أو حد الشرب. هذه الحدود هي جزء صغير من باب أكبر هو العقوبات، في حين تستوعب حدود الله ما هو أشد خطراً من العقوبات. ففي العبادات حدود (البقرة 187)، وفي الفروض حدود (النساء 13)، وفي الزواج والطلاق حدود (البقرة 229)، وفي الأخلاق حدود (التوبة 97)، وفي الوفاء بالعهود حدود (التوبة 112)، وكل ذلك يدخل في مجال تهذيب النفوس وضبط العادات والمعاملات. لا نقول هذا تقليلاً من أهميتها، وإنما تبياناً لخطل الرأي الذى يختزل حدود الله كلها في خمس آيات. الوجه الثاني هو أن الحدود لم تفرض لكي ما تصبح سلاحاً لابتزاز الخصوم. ولربما كان نميري أصدق مع النفس إن ظن هذا، بعد أن أطلق على "الشريعة" وصفاً خرج به عن الجادة، وجاوز به حدود الأدب: أسماها "القانون البطال". قال في خطابه بمناسبة الذكرى السنوية لمايو: "كل بيت ندخله ونفتشه .. من يشرب في الخفاء .. من يزني نفتشه لأن الإسلام أمرنا بذلك. أيوه سنحاكمهم بالقانون البطال ده" (الصحافة 25/5/1984). تلك زلة فرويدية أبانت ما يدور في أعماق الرجل، ولكن ما بال أهل الحجى ذوي الحِجر يَلبَسون الدين، كما قال الإمام علي، كما يُلبس الفروُ مقلوباً. لقد فرض الدين قيوداً صارمة في تطبيق الحدود (بمعنى العقوبات المقدرة) أهونها قيد الإثبات والبينة. فالحدود تدرأ، وفي قول عائشة عن رسول الله صلعم "إدرأوا الحدود عن المسلم ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فلئن يخطئ الأمام في العفو خيراً من أن يخطئ في العقوبة" (رواه الترمذي والحاكم البيهقي بسند صحيح). والحدود فيها الستر، روى مالك عن سعيد بن المسيب أن رجلاً جاء لأبي بكر وقال أن فلاناً قد زنى. قال أبو بكر "هل ذكرت هذا لأحد غيري". قال لا: قال له" "تب إلى الله واستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة من عباده". والحدود ـ وهذا هو أكثر ما يعنينا في هذا المقام ـ لا تقام بشهادة الإمام، ويروي أن عمر الفاروق شهد رجلاً يزني فشاور علياً: "ما قولك في أمير المؤمنين شهد رجلاً يزني" قال علي "عليه أن يأت بأربعة شهود أو يقام عليه الحد"، أي، يقام حد القذف على أمير المؤمنين. كما أن علم القاضي ليس بحجة فيها، أما في السودان فقد أصبحت الحدود في عهد نميري هي "القانون البطال" الذى يبث به الحاكم الرعب، وانتهت في العهود التى تلته إلى أداة الحاكم الفاعلة للابتزاز والإذلال والإساءة للخصوم.

 

على صعيد الجنوب لم يكن لقوانين سبتمبر صله مباشرة باندلاع الحرب، أولاً لأن القرارات السياسية المدمرة (الإلغاء الفعلي لقانون الحكم الذاتي الإقليمي)، والإجراءات الإدارية والعسكرية الخاطئة (نقل القوات الجنوبية للشمال) التى أشعلت الفتيل سبقت قوانين سبتمبر. ثانياً لأن تلك القوانين لم تمس الجنوب رغم انطباقها عليه نظرياً، بحسبان أن القانون لم يَعفِ أحداً من أهل السودان في الشمال والجنوب. على أن الهوس الذى صَحِب اندلاع الحرب من جديد (تصوير البيانات الرسمية للحرب بوصفها حرباً ضد الكافرين، واتخاذ الجهاد في سبيل الله شعاراً للجيش، وإضفاء طابع ديني على الجيش) أكسب الصراع، بالضرورة، بُعداً دينياً. لهذا لم يكن غريباً أن تطالب الحركة بإلغاء تلك القوانين وتجعل إلغاءها شرطاً من شروط إنهاء الحرب والمشاركة في الحكم، خاصة ولم يكن خيار الانفصال أو حتى حق تقرير المصير مطروحاً يوم ذاك بالنسبة للجنوب.

 

وعقب سقوط نظام مايو أخذت المواقف تميل للتشدد لأسباب لا علاقة لها بالدين. فمن جانب اتخذ التجمع النقابي موقفاً معادياً للأخوان المسلمين (قبل أن يصبحوا جبهة قومية إسلامية) لا بسبب تأييدهم لقوانين سبتمبر وإنما لتأييدهم لنظام مايو في مرحلته الأخيرة ومن ثَمَ تحميلهم كل أوزار النظام. هذا الموقف دفع الأخوان للاستمساك بتلك القوانين تماكراً وكيداً "إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً". لهذا أصبح من العسير على السياسة الشمالية أن تتخذ موقفاً سياسياً راشداً في قضية الدين والسياسة يأخذ في الحسبان هموم غير المسلمين، كما يكفل المطامح المشروعة للمسلمين، على أن يكون ذلك عبر القنوات الديمقراطية بحيث يكون القرار في النهاية معبراً عن إرادة الشعب تعبيراً حقيقياً.

 

وعند توسد الإسلاميين السلطة ومباشرتهم الحوار مع الحركة الشعبية تقدموا باقتراح لا يخلو من الجرأة ألا وهو استفتاء الشعب حول الشريعة، وكان ذلك رداً على قول الحركة أن تلك القوانين لم تصدر بإرادة شعبية بل أصدرها حاكم فرد. الحوار في هذا الشأن لم يقطع شوطاً بعيداً لعدم وصول الطرفين في المفاوضات الأولى التى دارت بينهما (خاصة في أديس أبابا ونيروبي في عام 1989) لاتفاق حول القضايا الأخرى المطروحة: الديمقراطية، وحكومة الوحدة الوطنية.. الخ. وبانتقال الحوار إلى منابر أخرى (أبوجا ثم الإيقاد) وطرح موضوع الانفصال خياراً (انشقاق رياك مشار وإنشائه لحركة استقلال جنوب السودان)، ثم التقاء الجنوبيين جميعاً على حق تقرير المصير حداً أدنى لأي وفاق، أصبحت قضية قوانين سبتمبر أمراً غير ذي موضوع في رأي دعاة الانفصال، إلا أنها ظلت تؤرق بال الوحدويين في الحركة. تلك هي المرحلة التى ارتفعت فيها النبرة في الحديث عن علمانية الدولة إن كان للسودان أن يبقى موحداً بصفة دائمة، أو حتى خلال الفترة الانتقالية. ومنذ المفاوضات الأولى، اتضح أن ذلك أمر دونه خرط القتاد بالنسبة لمفاوضي الحكومة، خاصة وقد أصبح تعبير العلمانية تعبيراً رجيماً.

 

الجدل حول العلمانية في السودان نموذج بليغ لغباء الحوار عندما لا يتفق المتحاورون على المصطلحات، علماً أن الناس تعلموا منذ سقراط أن الحكمة تبدأ بتحديد معاني الكلمات. فحين لم ير البعض في العلمانية غير نفي الدين عن الحياة مما لا يرضاه من يقول الإسلام دين ودولة، أو دين وحياة، كان كل ما يعنيه التعبير للبعض الآخر هو أن تبقى الدولة محايدة تجاه أصحاب الديانات المختلفة في ممارستهم لواجباتهم، واستمتاعهم بحقوقهم، وأدائهم لمسئولياتهم المدنية. فلم يكن من خطة دعاة العلمانية السودانية، فيما نعلم، أن يَهجِر المسلم نفسه وينخلع عن ثقافته، أو في وهمها أن تُلغى الأديان، الكتابي منها والتقليدي، حتى في المناطق التى يسيطر عليها "علمانيو" الجنوب. العلمانية، كالديمقراطية، ظاهرة طارئة أصبحت تمثل في المجتمع المعاصر، مجتمع أنسنة الحقوق الأساسية المدني منها والسياسي، تَحدٍ لا يمكن الهروب منه. ولعل فكرة الهروب نفسها لا تساور إلا الذين أرادوا وضع الإسلام في مجابهة مع الآخر علماً أن الإسلام دين، كما هو حضارة تاريخية. وكحضارة، أسهم الإسلام إسهاماً مشهوداً في تطور الإنسانية إلى المستويات التى بلغتها، ولهذا فإن أي رهان إسلامي استراتيجي سيكون رهاناً خاسراً إن قام على رفض مكاسب العقل الحديث ومنها العقلانية والموضوعية والإنسانية. تلك المجابهة موقف تفتعله جماعات، لم تستنفد بعد إمكانياتها للتخريب والتدمير، ولا ترى الهوية الإسلامية إلا هوية منغلقة وممتلئة بالكراهية للآخر، وكأن تلك الهوية لم تتغذَ بحكمة الهند وعرفانية الفرس وفلسفة اليونان. نقول مفتعلاً لأن ليس في العالم كله مجتمع إسلامي واحد يُحكَم بوجه مطلق اعتماداً على الدين، لا في أنظمة الحكم، ولا في السياقات القانونية، ولا في العلاقات مع الأمم، ولا في الاقتصاد والتجارة، ناهيك عن العلوم والفنون والصناعات.

 

حديثنا هذا عن الانغلاق، وقبل هنيهة تحدثنا عن التواضع المعرفي يستدعي للذاكرة كلمات للرئيس محمد خاتمي. خاتمي مفكر إسلامي مستنير قضت السياسة أن ترمي به إلى حيث ما كان يجب أن يكون فتقل سماحته. قال في مقدمة لمحاضرة له عن الدين والدولة بتواضع العَالِم والحس التاريخي للمفكر: "أرجو أن لا تنتظروا مني أطروحة ما، فأنا أعترف بعجزي الفكري والعلمي عن مثل ذلك. ناهيك أن حياة الإنسان لا يتم إصلاحها بأطروحة. فمثلاً، كانت أطروحات ماركس وانجلز هي الأكثر فاعلية ذات حين، ولكنكم وقفتم على النتيجة رغم مما للرجلين من مزايا تحمد. فماركس، للإنصاف، كان رجلاً فطناً وأحد أبرز الخبراء في اكتشاف معايب الرأسمالية. ولكن نتيجة ما فعله بارزة للعيان. فلنعترف بكل صدق أن الحياة إن هي إلا جهود ومساع عامة ومتواضعة، ولا نتقدم إلا بالتعاون وتضافر الجهود وتبادل الآراء وتلاقح الأفكار والتذكير دوماً بمحدودية ما يطرحه الإنسان من آراء وأفكار ووجهات نظر" (الدين والدولة، الدار العلمية للكتب والنشر 1998).

 

مهما يكن من أمر، فإن وجوه التعبير عن العلمانية تختلف من مكان لآخر. ففي الهند مثلاً ارتكزت العلمانية على مبادئ ثلاثة: المساواة في احترام الأديان، واعتبار سلطة الدولة في كل القضايا المدنية سلطة نهائية، واقتصار دور الدولة في واجب أساس هو تحقيق رفاهية المواطن وخيره المعنوي. ولو لم تفعل الهند هذا وتجعل من المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، أو لو طبقت مبدأ سيطرة دين الأغلبية على الأقليات الدينية لأصبح مسلموها في وضع لا يُرضي مسلم. ففي الهند 690 مليون هندوسي مقابل 120 مليون مسلم (مما يجعل الهند ثاني دولة إسلامية في العالم بعد اندونيسيا من ناحية عدد السكان). كما أنه رغم التعديل الأول للدستور الأمريكي الذى صدر في عام 1791 والذي ينص على الفصل بين الدولة والكنيسة لم يقتلع ذلك التعديل الثقافة الأمريكية الغالبة من جذورها الدينية البروتستانتية. هذه الحقيقة تصدق على كل الدول التى ذهبت إلى الفصل الدستوري بين الدين والدولة، فالمادة الثانية من الدستور الفرنسي لم تَقضِ على الكاثوليكية أو البروتستانتية في فرنسا، كما لم تُضعف المادة الثانية في الدستور التشيكي (دستور هافل) والتي تنص على "تأسيس الدولة على القيم الديمقراطية ولا يجوز ربطها بأيدلوجية خاصة أو بدين معين" (والنص كما هو جلي ردة فعل على الهيمنة الماركسية) أي أثر على الكاثوليكية في المجتمع التشيكي.

 

دستور 1998 يمثل، بلا شك، ثورة حقيقية في نظرة الإسلام السياسي لقضية الدين والسياسة. ولولا غلبة الهيجان على الخطاب السياسي، والاستمرار في استخدام العنف العاري ضد الخصوم، لصدق الناس أن ذلك الدستور يعني ما يقول. كانوا سيصدقون ما جاء به الدستور أيضاً إن لم تصبح برامج الإعلام في الراديو والتلفزيون الرسميين، وتصبح مناهج التعليم في مدارس الدولة، برامج تبشيرية لا يري المواطن غير المسلم وجهه فيها، ولا يرى وجه فيها أيضاً المواطن المسلم صاحب الرؤية المغايرة للدين. هذه هي الأسباب التى جعلت أغلب خصوم النظام يقرأون الأحرف الدقيقة (fine prints) لا النصوص الواضحة في الدستور، ويتمهلون في الإطلاع على ما بين السطور، في الوقت الذى لا يلقون فيه إلا النظرة العجلى على السطور. وعلنا لا نتوقف عند النصوص التهيمة في ذلك الدستور مثل تلك بشان الحريات، والتي ما وردت إلا وتبعها تعبير كابح. وبالقطع لا نتوقف كثيراً عند المادة 26 (1) حرية التوالي والتنظيم لأن الحرية تتألق فيها بغيابها. بخلاف ذلك، نشير إلى المادة الأولى حول طبيعة الدولة: "السودان وطن جامع تتآلف فيه الأعراق والثقافات وتتسامح الديانات. والإسلام دين غالب السكان وللمسيحية والمعتقدات العرفية أتباع كثيرون". هذا نص سليم وهو ذو قربى بالمادة 16 من دستور 1973 التى أزاحها الترابي عند تعديل ذلك الدستور في العام 1984. كما يبتعد النص عن الإشارات التقليدية في الدساتير العربية لدين الدولة. وحَسَن أن يشير الدستور إلى التسامح لأنه مقوم أساس للاستقرار في الدول متعددة الديانات، ولكن كيف يكون هناك تسامح في وجود أحكام مثل حكم الردة هي ظنينة أصل حتى في الفقه الذى يستند عليه الدستور. ذلك النص تسرب إلى قوانين السودان في قوانين سبتمبر 1983، والردة مصادرة لحق الاختلاف والمغايرة في الاجتهاد، إذ حيثما طبقت لم تطبق ضد مجاهر بالكفر، بل دوماً ضد مناقض لاجتهاد، أو مستنكر لحكم. وعندما يكون هذا الاستنكار أو المناقضة في بلد تترجرج فيه الأحكام بحيث ينقض مجتهدوه، كما قلنا، في الصباح حكماً ابرموه في المساء، لا تتقلقل الثوابت فحسب، بل يصبح الزعم بقدسية الاجتهادات جناية في حق دين أبى حتى على الرسول الكريم قهر البشر وإكراههم على رأي بعينه بمن فيهم من أعرض عنه ونأي بجانبه "وإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ". من جانب آخر فإن التسامح في فقه الحقوق الإنسانية لا يعني عدم المبالاة بالآخر، لا تعبأ به ولا تكترث، وإنما هو قبول الآخر لحد المعاناة. وأصل كلمة تسامح (tolerance) في الإنجليزية هو كلمة (tolere) اللاتينية وتعني "يَشِق على أو يُعاني".

 

وفي الباب الرابع (سلطة التشريع) حددت المادة 65 مصادر التشريع على الوجه التالي: "الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً ودستوراً وعرفاً هي مصادر التشريع، ولا يجوز التشريع تجاوزاً لتلك الأصول، ولكنه يهتدي برأي الأمة العام وباجتهاد علمائها ومفكريها ثم بقرار ولاة أمرها". الجانب الإيجابي في النص هو أنه تطور لما جاء في مشروع دستور 1968 الذى جعل الشريعة المصدر الأساس للتشريع، وهي نظرة أثبتنا بطلانها، كما هو تطور كبير للنص الذى اقترحه الترابي تعديلاً للمادة 9 من دستور 1973، في معرض تعديلاته لذلك الدستور في العام 1984. وعلى أي فإن فكرة النص على مصادر التشريع في دساتير الدول العربية بدعة لا تعرفها دساتير العالم، أدخلها الدكتور عبد الرازق السنهوري والذي أشرف على صياغة أكثرها. دساتير العالم أجمع تفترض أن الأمة هي مصدر السلطات ولهذا يصبح حكم الأمة، إما مباشرة في استفتاء أو عبر ممثليها، هو مصدر التشريع.وجميع الأمم لا تصدر أحكامها من فراغ، بل تصدرها ابتناءً على أصول تستلهمها من الأديان والعادات والتقاليد وشرائع من قبلها، كما من التجارب الإنسانية التى عَبَرت بها، أو تنامت إليها. ليس أدل على ذلك من أن المائتين وينيف من قوانين السودان السارية حتى اليوم مستمدة من التجارب الإنسانية، فلا مصدرها الدين ولا العرف.

 

ثم جاءت ماشاكوس، وتناولت بروتوكولها قضية الدين والسياسة بصورة خلقت كثيراً من الالتباس بقدر ما أرضت طرفي النزاع إلى حد. ففي البدء ظل موضوع الحقوق التى تكفلها المواطنة محل شك عند غير المسلمين رغم ما أشار إليه دستور 1998، خاصة في المادة 21 حول الحرية والحق في التساوي. قالت المادة: "جميع الناس متساوون أمام القضاء، والسودانيون متساوون في الحقوق والواجبات في وظائف الحياة العامة، ولا يجوز التمييز بينهم فقط بسبب العنصر أو الجنس أو الملة الدينية، وهم متساوون في الأهلية للوظيفة والولاية العامة ولا يتمايزون بالمال". هذا نص واضح وصريح، ولكن عندما نرى أن بعض هذه الحقوق التى كفلها الدستور بموجب هذه المادة لكل إنسان سوداني دون تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو الملة تُصادر، مثلاً، بالنسبة للنساء (حق المرأة في الشهادة) اعتماداً على نص آخر في الدستور (المادة 65 مصادر التشريع) يصبح الخوف مشروعاً. وطالما كانت المصادر التى تستنفج منها هذه الأحكام هي موروثات الفقه القديم، فلماذا لا يتخوف البعض من أن ينبري فقيه قروسطي اعتماداً على تلك الموروثات ويطالب بحرمان "الكافر"، مثلاً، من الولاية على المسلمين بموجب قوله تعالى "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا". أو ليس ذلك هو النص الذى ارتكز عليه جميع الفقهاء لحرمان الكافر من ولاية القضاء على المسلم إلا الحنفية الذين أجازوها على أهله؟ أو أسوأ من ذلك ما الذى يمنع فقيها آخر من الدعوة لحرمان العبد من الولاية انطلاقاً من أحكام الفقه العتيق مثل قولهم: "إن كان الرق مانعاً من ولاية العبد على نفسه فأحرى من ولايته على غيره"، فالعبد في عرفهم مشغول بحق سيده ولهذا لا يولي (الماوردي). في مكان غير السودان مثل هذه الحكايات قد تكون أساطير، ولكن طالما أثبتت التجارب منذ أن أصدر نميري قوانينه، وانبرى بعض الفقهاء لتسويغها فأي شيء محتمل في السودان، خاصة إن ظللنا نبتني الأحكام الراهنة على اجتهادات صيغت في قرون سحيقة، وعجزنا، بالغوص الجريء في الأصول، عن إيجاد حلول عملية لمشاكلنا المعاصرة التى لم يعرفها فقهاء الماضي. فبصرف النظر عن استغلال الدين لأغراض السياسة، ما زال هناك فقهاء يرفضون إعادة قراءة الأصول، بل يلحون على النظر إلى الأصول من حيث انتهى القدامى إلى قراءتها.

 

لهذا جاء التنصيص في الفقرة المتعلقة بالدين والدولة في اتفاق ماشاكوس واضحاً وجلياً في أمرين: الأول هو إيضاح معنى احترام التعدد الديني بما يمنع اللبس، والثاني إبانة ما نعنيه بإنشاء الحقوق على المواطنة وبصورة واضحة. وقدم البروتوكول لتلك الفقرة بالاعتراف أن السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق والاثنيات والأديان واللغات، وحض على عدم استخدام الدين كعامل للتفرقة. وتضمنت الفقرة المبادئ التالية:

 

  الاعتراف بكل الأديان والأعراف والمعتقدات كمصدر قوة روحية والهام للشعب السوداني (وهذا تأكيد لعدم نفي الدين عن الحياة)؛

  إقرار حرية المعتقد والعبادة والوجدان لأتباع كل الأديان والمعتقدات والأعراف ولا يجوز التمييز ضد أي إنسان على هذه الأسس؛

 الحق في تولي جميع المناصب بما فيها رئاسة الدولة، ووظائف الخدمة العامة والتمتع بجميع الحقوق والواجبات على أساس المواطنة وليس على أساس الدين أو المعتقدات أو الأعراف؛

  تنظيم الأحوال الشخصية ومن ضمنها الزواج والطلاق والميراث وفق القوانين السائدة بما فيها الشريعة أو القوانين الدينية الأخرى أو الأعراف الخاصة بمن يعنيهم الأمر؛

  احترم الحقوق التالية: حرية العبادة والتجمع من أجل أداء الممارسات الدينية أو تلك المتعلقة بالمعتقدات وتأسيس وحماية الأماكن التى تؤدى فيها هذه الشعائر، وإنشاء المؤسسات الخيرية والإنسانية حسب الحاجة، وصناعة وحيازة كل المواد والأدوات المتعلقة بأداء الشعائر أو العادات بصور تحقق أداء الغرض المطلوب منها، وتأليف وإصدار وتوزيع المطبوعات الخاصة بالشعائر المختلفة، وتدريس الديانات والمعتقدات في الأماكن المناسبة لهذه الأهداف، والسعي للحصول على المساهمات النقدية وغيرها من الأفراد والمؤسسات وتسلم هذه المساهمات، وتدريب وتعيين وانتخاب القيادات التى يتطلبها الدين أو المعتقد المعين، والتمتع بالعطلات والاحتفالات الدينية وفق التعاليم والمبادئ التى ينص عليها الدين الذى يدين به الشخص المعين، وإقامة العلاقات والاتصالات مع الأفراد والجماعات فيما يتعلق بالشئون المعتقدية على المستويين الداخلي والخارجي

 

وكأن كل ذلك لا يكفي أضيف نص يقول: "لإزالة أي شك حول القضية لا يسمح بالتمييز من قبل الحكومة أو الدولة أو المؤسسات القومية ضد أي فرد أو مجموعة على أساس الدين أو المعتقد".

وقد يرى البعض أن هناك مبالغة في التفصيلات وتأكيد الضمانات، ولكن أية قراءة أمينة للحدود التى وصل إليها الاستقطاب الديني في السودان يدرك دواعي ذلك التفصيل.

 

تضمن بروتوكول ماشاكوس نصوصاً أخرى تتعلق بالقوانين التى ستسود خلال الفترة الانتقالية، خاصة في الشمال، أثارت ثائرة بعض القوى الشمالية، وكان لنا تعليق على ذلك إبان صدورها. يقول البروتوكول في الفقرة حول الحكومة القومية:

 

  يتفق الطرفان على تكوين حكومة قومية تمارس السلطة وتجيز القوانين التى تجاز من قِبل سلطة عليا ذات سيادة على المستوى القومي. وستأخذ الحكومة في الاعتبار عند إجازتها للقوانين الطبيعة التعددية للشعب السوداني ديناً وثقافة؛

  التشريعات التى تُسَن على المستوي القومي وتطبق على الولايات خارج جنوب السودان يكون مصدرها التشريعي الشريعة وإجماع الشعب؛

  التشريعات التى تُسَن على المستوى القومي وتُطبق على الولايات الجنوبية (أو الإقليم الجنوبي) يكون مصدرها التشريعي الإجماع الشعبي وقيم وعادات الشعب السوداني ومن بينها تقاليده ومعتقداته الدينية مع أخذ التعددية السودانية في الاعتبار؛

  في حالة ما إذا كانت التشريعات القومية المعمول بها الآن أو المطبقة وكان مصدرها الدين أو العرف وكانت أغلبية سكان الولاية أو الإقليم لا يمارسون شعائر ذلك الدين أو يلتزمون بالأعراف المعنية يكون هناك خياران: الأول هو استبدال القوانين أو المؤسسات بما يتماشى مع الدين والأعراف المعنية أو عرض القانون على مجلس الولايات لإقراره بأغلبية الثلثين.

 

وبقدر ما ابتهج المناصرون للنظام والمعارضون له بالاختراق الذى وقع في مفاوضات السلام، بقدر ما غُم بعضُ المعارضين لتنازل الحركة الشعبية عن إصرارها على أن يكون دستور السودان كله علمانياً، بل قبولها (غير المشروع) استمرار تطبيق الشريعة على الشماليين. حقيقة الأمر، لم تك تلك هي المرة الأولى التى قبلت فيها الحركة التنازل عن الطرح العلماني من أجل الوفاق مع القوى الشمالية، فقد فعلت ذلك في اتفاق الميرغني ـ قرنق (16/11/1988) عندما قبلت مبدأ تجميد قوانين سبتمبر لحين البت في علاقة الدين بالدولة في مؤتمر قومي دستوري، وفعلته عندما اتفقت مع فصائل التجمع الشمالية في نيروبي (17/4/1993) على صيغة حول علاقة الدين بالسياسة أصبحت أساساً لقرارات التجمع في اسمرا (يونيو 1995) حول ذلك الموضوع. وتنص الصيغة على: كفالة المساواة تأسيساً على حق المواطنة، وتحريم إنشاء الأحزاب على أساس ديني، والاعتراف بتعدد الأديان وكريم المعتقدات والعمل على تحقيق التعايش والتفاعل السلمي بينهما، ومنع الإكراه، وتأسيس البرامج الإعلامية والثقافية القومية على الالتزام بمواثيق وعهود حقوق الإنسان. تلك الصيغة لا تشير بحال إلى إلغاء القوانين القائمة ذات الأصل الديني، أو تعترض على النص الذى جعل الشريعة مصدراً للتشريع. ليس هذا فقط، بل أن التنصيص على مصادر التشريع، وبخاصة النص على أن تكون الشريعة مصدراً للتشريع، والذي لم يرد مطلقاً في دستور 1956 أو دستور 1956 تعديل 1964 أضيف للمرة الأولى لذلك الدستور في دستور انتفاضة أبريل. وتقول المادة (4) من ذلك الدستور "الشريعة والعرف مصدران أساسيان للتشريع والأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم".

 

الاتهام الثاني والقائل أن الحركة لا تملك تفويضاً من الشمال لتقرر نيابة عنه القانون الذى يحتكم إليه قد يكون صحيحاً من الناحية الشكلية. نقول شكلية لأن هذه القوانين، وافقت الحركة أم لم توافق، هي القوانين التى كانت سارية عند التوقيع، وقبل التوقيع، وبعد التوقيع على بروتوكول ماشاكوس. كانت القوانين قائمة أيضاً حتى في ظل الديمقراطية والتي كان للتجمع الحزبي فيها أغلبية صريحة (حكومة الديمقراطية الثالثة)، وكان للتجمع النقابي فيها حكومة لها مطلق الحرية في النقض والإبرام (حكومة الانتفاضة 1985-1986). ثمة خيارات محلية كانت مطروحة أمام الحركة، وثمة ضغوط خارجية كانت عليها. من بين الخيارات الاستمرار في الحرب حتى تُقام الدولة العلمانية في السودان كله، ولربما كان هذا هو الخيار الذى طمع البعض أن تتخذه الحركة. الخيار الثاني هو أن تترك الحركة "ما لا يعنيها" إلى أن يصل طرفا النزاع الشماليان (الحكومة والتجمع) إلى اتفاق بشأنه، أي أن يُجمد الاتفاق إلى حينٍ لا يعرف إلا الله مداه. أما الثالث فهو أن تكون اليد العليا للتيار الانفصالي في الحركة، بل وتيار الوطنية الصغرى في الجنوب كله، والذي يقول يكفي ما حققناه لأهلنا ولنذهب مباشرة إلى ممارسة حق تقرير المصير تاركين الشمال ليسوى أموره بنفسه متى ما تيسر له ذلك. تلك كلها كانت خيارات مستحيلة، فأولاً، لا تستطيع قيادة الحركة، حتى وإن رغبت في ذلك، أن تحمل الجنوب كله على حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. ولربما كان في مقدورها أن تغامر بخيار كهذا لو كانت قوات التجمع تتأهب للانقضاض على الخرطوم، أو كانت قوى الانتفاضة تحيط بالنظام احاطة السوار بالمعصم. الخيار الثاني محكوم بقدرة المعارضة الشمالية على أن تقتسر أي شيء من النظام في الأفق المنظور، ففي النهاية كلنا ميتون. ولم يكن في الأفق المنظور ما يشير إلى أن النظام أوشك أن ينهار ويولي الأدبار، أو أن مبادرات السلام الأخرى (المبادرة المشتركة) كانت معنية بقضية الدين والسياسة لحد أكثر مما جاء في قرارات نيروبي 1993. أما الخيار الثالث فلا ينبغي أن يُسعد أي شمالي، كما أنه لم يكن بالخيار الذى تفضله الحركة.

 

من جانب آخر قامت الضغوط الخارجية بدور هام بدد أوهاماً كثيرة غلبت على عقول كل الأطراف: الحكومة، والحركة، والفصائل الشمالية المعارضة. من تلك الأوهام أن الوسطاء والرقباء ورعاة التفاوض ـ وكلهم منسوب للمسيحية أو العلمانية ـ سيمضون إلى النهاية في دعم التوجه العلماني للحركة، أو سيفعلون كلما في وسعهم ، كما تظنى بعض أهل التجمع، لإزاحة "الدولة الدينية" في الخرطوم. كما ساد عقول أغلب مناصري النظام وَهم قارب اليقين بأن ليس لأمريكا وبريطانيا من غرض تطلبه وتحتال عليه غير تدمير المشروع الحضاري وتحطيم دولته. نِذارة الوسطاء والرقباء والرعاة جميعهم للحركة كانت: "لقد حصلتم على كل ما تريدون للجنوب: السلطة والثروة والحفاظ على خصائصكم الثقافية، فما شأنكم بالشمال إن كان أهله يريدون أن يحكموا عبر الدين؟ أما للقوى السياسية الشمالية فكان قولهم عبر مبعوثيهم الكثر: "هذه القوانين ظلت معكم منذ أن كان لكم حكم ديمقراطي وبرلمان حر عجز عن إلغائها، ولم نَرَ حتى الآن ـ حتى بعد ماشاكوس ـ تظاهرة واحدة في الخرطوم تطالب بإلغائها، فما الذى نستنتج من ذلك؟ ولعل الرقباء والرعاة انتهوا إلى أن مناهضي القوانين الدينية في الشمال كانوا يتمنون اجتثاثها بسيف مستعار، فسعوا للحيلولة دون ذلك.

 

قضية الدين والدولة عادت إلى السطح مرة أخرى عند تداول موضوع العاصمة القومية والقوانين التى تحكمها. الحوار حول العاصمة لم يبدأ في نايفاشا كما يزعم البعض، بل ظل مطروحاً منذ مفاوضات ماشاكوس حيث أُطلق عدد من بالونات الاختبار للالتفاف حول الموضوع. من ذلك أن تكون للسودان عاصمتان (جوبا والخرطوم)، أو أن تنشأ عاصمة جديدة في منطقة محايدة، أو أن يُقتطع جزء من الخرطوم ليصبح عاصمة لا تسري عليها القوانين الدينية. كل تلك الخيارات سقطت لعدم معقوليتها. مع ذلك شاء البعض أن يصور القضية وكأنها أمر افتعلته الحركة، كما ذهب آخرون إلى تلقيح فتنة دينية واستثارة من تسهل استثارتهم لكي يقفوا إلباً واحداً ضد الاقتراح لما ليس فيه: الدعوة للفجور والرذيلة وإباحة الخمر والميسر في عاصمة الدولة الإسلامية. ومرة أخرى أختزل الدين من أصله ليختصر في الحدود. ومن المدهش أن الذين أثاروا ذلك النقع من الإرجاف لم يتدبروا أن الدستور الذى تحكم به الدولة "الإسلامية"  (دستور 1998) يبيح للناس ما هو أكثر من هذا، إن كانت نصوصه تعني ما تقول. ذلك الدستور يبيح (ربما نظرياً) حتى للمسلم إنكار الشعائر مع العلم بها. فالمادة 24 من الدستور حول حرية العقيدة والعبادة تنص: "لكل إنسان الحق في حرية الوجدان والعقيدة الدينية وله حق إظهار دينه أو معتقده ونشره عن طريق التعبد أو التعليم أو الممارسة أو أداء الشعائر أو الطقوس، ولا يُكره أحد على عقيدة لا يؤمن بها أو شعائر أو عبادات لا يرضاها طوعاً، وذلك دون إضرار بحرية الاختيار للدين أو إيذاء لمشاعر الآخرين أو للنظام العام، وذلك كما يفصله القانون" هذا النص، بلا مرية، لا يلزم المسلم بأداء شعائر دينه إلا طوعاً، علماً أن في الفقه الذى يستمسكون بتطبيقه انتقاءً أحكاماً صريحة حول تخلي المسلم عن أداء شعائر دينه لا فجوة فيها للتحفظ. فأداء الشعائر لا يخضع للرضي الطوعي عندهم، فمثلاً، يستتاب تارك الصلاة عمداً فإن استكبر وأنكر وجوبها قُتل ولا يدفن في مقابر المسلمين.

 

الفقرة حول العاصمة القومية في بروتوكول ماشاكوس غطت إلى حد كبير أربع قضايا: الأولى هي احترام التنوع السوداني والتأكيد على أن تكون العاصمة رمزاً للوحدة الوطنية وعاكسة لكل وجوه ذلك التنوع. والثانية احترام حقوق الإنسان والحريات كما هي موضحة في بروتوكول ماشاكوس (الحريات الدينية) وبروتوكول نايفاشا (جميع الحريات الأساسية). والثالثة هي حماية غير المسلمين من تطبيق القوانين السارية ذات الأصل الديني ووضع ضمانات كافية لتحقيق ذلك الغرض. أما الرابعة فهي عدم الإخلال بحق الأمة في إعادة النظر في التشريعات القائمة (الفقرة 2-4-5).

 

قضية الدين والسياسة، كمثيلاتها الأُخر: نظام الحكم، والحقوق الأساسية، والتمكين السياسي، وقعت ضحية تزيد تجاوزنا فيه ما ينبغي فانتهينا إلى حروب وقيدها الناس والحجارة. وإن كانت هناك دروس نتعلمها من تلك التجارب فهي، أولاً ضرورة الكف عن التزيد في الأمور أو الظن أن للحقيقة وجهاً واحداً، خاصة في شأن الدين. فما أكثر الأحكام التى أصدرنا منذ الستينيات في قضايا الدين ثم ارتددنا عنها، وكثيراً ما كان ذلك بلا حجة شافية أو بلاغ مبين في الحالتين. الأمر الثاني هو الاعتراف أن الله خلق الناس على فِطر مختلفة، ولو شاء أن يجعل منهم أمة واحدة لفعل. فالحياة كلها قائمة على الاختلاف كما أراد الله لها "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم". من يقول غير هذا يلج بالجهل. الأمر الثالث هو أنه لا يستطيع بشر أن يحمل أهل أية ملة خطم أنوفهم ليهجروا أنفسهم، أو يخالفوا عقيدتهم فإن رأي المسلمون تطبيق القوانين الدينية عليهم فذلك حقهم، شريطة أن يكون القرار بإرادتهم الحرة ، لا بالإكراه أو ادعاء الوصاية عليهم. الأمر الرابع هو ترقية أدب الخلاف بعد أن بلغ الاختلاف في أمور الدين حداً لا أناة فيه ولا تواضع. أو هل هذا حقاً هو الدين الذى أوصى الله نبيه بالحلم حتى مع المُعرضين "وإن كان كَبُر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدي فلا تكونن من الجاهلين" (الأنعام 35)، والمراد بالجهل هنا ما يضاد الحلم لا ما يضاد العلم. والأمر الخامس والأخير هو أن نخفض قليلاً من سقف مطامحنا، أي أن نسخر الدين والسياسة لإصلاح حال السودان بدلاً من أن نجعل لنا دوراً أممياً نجمع به أهل الأرض كلهم على الهدى، فهذا هو الحمق بعينه.

 

 

بروتوكولات نايفاشا

سبتمبر/ 2004

 

الفصل الثامن

 

 

الاقتصاد السوداني ... فرضيات الواقع ووهوم الأيديولوجيا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لا يقل عمق الآثار التى ستترتب على بروتوكول اقتسام الثروة عن ذلك الذى سينبني ويستقر على بروتوكول اقتسام السلطة. وإن كان أصل المشكل السوداني هو التهميش بشقيه، السياسي والاقتصادي، فإن الحل يكمن في التمكين بشقيه، السياسي والاقتصادي، ولن يستقيم سلام في السودان أو يستدام دون تحقيق كليهما. وكثيراً ما نقول ويقول غيرنا، أن الحرب قامت بدور كبير في تعميق الفقر في السودان حتى انتهى إلى حيث يجب أن لا يكون: دول القاع في منظومة الدول النامية. ولكن، لاعتبارات خارجية وداخلية تفشى الفقر في كل دول القارة الأفريقية، ولم تنج منه حتى الدول ذات الثروات الطبيعية الوفيرة مثل نيجيريا. ففي نهاية القرن (1999) أعدت اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة بأفريقيا (ECA) تقريراً لا تبعث قراءته على البهجة حول الفقر في أفريقيا أشرف على إعداده اقتصادي سوداني ذو قدارة (على عبد القادر على). يقول التقرير أن 44% من الأفارقة يعيشون تحت خط الفقر (حُدد خط الفقر بدخل لا يقل عن تسع وثلاثين دولاراً في الشهر حسب قيمة الدولار في التسعينيات). وقبل خمس سنوات من ذلك التقرير (1994) أصدر البنك الدولي تقريراً عن الفقر في القارة انتهى فيه إلى وصف عقد الثمانينيات بعقد التنمية الضائع، وعقد مقارنات مذهلة عن الأداء الاقتصادي في أفريقيا وآسيا تكشف عن التردي الكبير الذى انتهت إليه قارتنا. فمثلاً، حين ظلت معدلات الفقر تتزايد في أفريقيا انخفض عدد الفقراء في الصين خلال عشر سنوات من 33% من السكان إلى 10%(وسكان الصين يزيدون عن البليون نسمة)، وفي كوريا وماليزيا انخفضت النسبة على التوالي (خلال عشر سنوات أيضاً) من 23% و18% إلى 5% في كليهما. في أفريقيا، ومنها السودان، كانت الصراعات الداخلية على رأس العوامل التى قادت إلى تدهور الاقتصاد وعمقت من الفقر. ويقدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقريره السنوي (2003 - 2004) إنفاق السودان السنوي على الحرب بقرابة 5% من الناتج القومي الإجمالي، وهذا رقم عالٍ إن أخذنا في الحسبان أن الإنفاق عن الصحة والتعليم مجتمعين يبلغ بالكاد 2% من الناتج القومي الإجمالي. هذا القدر من الإنفاق لا يأخذ في الحسبان الخسائر البشرية، وإهدار الموارد الطبيعية، وفرص التنمية الضائعة، كما لا يتضمن ما تنفقه الأطراف الأخرى في الحرب.

 

وإن تركنا الصراعات والإنفاق الضخم عليها وذهبنا مباشرة إلى المشاكل الجذرية التى قادت للصراع (التهميش) نقول أننا فَطِنا منذ أكتوبر 1964 إلى أن جذر المشكل على المستوى الاقتصادي هو نهج التنمية اللا متكافئة وما قاد إليه من تكريس للتركيب الاجتماعي والاقتصادي الموروث من عهد الاستعمار. السمة الرئيسة لللا-تكافؤ هي التركيز الجغرافي للثروة في الشمال النيلي من جانب، والإقصاء المترتب على ذلك التركيز للأطراف من فيض تلك الثروة، من الجانب الآخر. وبدوره، كرس الإقصاء تفاوتات اجتماعية واقتصادية ترسخت جذورها. على مر العهود من أكتوبر 1964 إلى أبريل 1985 فَطِنا أيضاً إلى أن العلاج هو التنمية المتوازنة، إلا أن تلك الفطنة لم تجاوز النظرية إلى الفاعلية، لماذا؟ في زعم هذا الكاتب، كَمُنت المشكلة في أن الطبيب أصبح أهم من المريض. فثمة يقين واثق عند الأطباء المتعاقبين أن هناك بلسماً شافياً لكل داء أغناهم أجمعين عن تقصي طبيعة الداء. وبدهى، لا يفيد الجراحُ المريضَ في شيء إن أعمل مبضعه في العضو السليم وأخطأ المعطوب. ماذا نعني بهذا؟

 

طوال تلك الفترات، خاصة فترتي الستينيات والسبعينيات، كان الإقبال على علاج المشكل الاقتصادي إقبالاً أيديولوجياً. فاليسار الاكتوبري، مثلاً، لخص المشكل الاقتصادي كله في الإصلاح الزراعي ومراجعة علاقات الإنتاج، وإنهاء "سياسة التبعية للمعونة الأمريكية والاحتكارات الألمانية والإنجليزية التى جعلت التطور مستحيلاً وانتقصت من ذلك التطور بسبب الحجر على حرية التعامل مع دول المعسكر "الاشتراكي" (مجلة الكادر 1961). أما الأحزاب "التقليدية" فقد استهيم فؤادها بذلك الطِرز (الموضة) الاقتصادي فَرقَع كل واحد منها برامجه برقعة اشتراكية، وأبدع في ذلك: اشتراكية عربية، واشتراكية إسلامية، واشتراكية أفريقية. والرُقعة إن لم تكن من جنس الثوب شانته. ثم جاء نظام مايو في مرحلته الأولى ليعلن في ميثاقه التأسيسي أن رغبة الجماهير منذ ثورة أكتوبر هي "السير على طريقة التنمية غير الرأسمالية حتى تقف على آفاق الاشتراكية حيث الحرية الاجتماعية التى ننشدها بالسيطرة على وسائل الإنتاج، وتوسيع قاعدة قطاع عام قادر على قيادة التقدم الاقتصادي، وتوجيه القطاع الخاص ليشارك في خطة التنمية". لاحظ: "رغبة الجماهير"، وليس رأينا. ولم يترك الميثاق مجالاً للتخمين حول المراد بالاشتراكية التى ترغب فيها الجماهير إذ أضاف "الاشتراكية العلمية المطبقة على واقعنا السوداني، والمرتكزة على تاريخنا وتراثنا الحضاري وعلى عقائدنا وتقاليدنا التى تهدف إلى تحرير الإنسان السوداني من قيود الحاجة وتحقق له حريته كإنسان لهى المرشد الذى تهتدي به ثورتنا في نقل الجماهير من حياة البؤس إلى الحياة الرغدة". عن ذلك التوجه إرتدت مايو بعد حركة 19 يوليو 1971 ولكنها لم تبطئ في التلفع تلفعت بثوب آخر من ذات الطِرز "الاشتراكي" بعد أن نزعت عنه صفة "العلمية" وحددت له مواصفات. من تلك المواصفات: "يكون القطاع العام قائداً ورائداً للتنمية الاقتصادية والعلاقات الإنتاجية الجديدة يساعده القطاع التعاوني والقطاع المختلط والقطاع الخاص"، وكل ذلك لتحقيق "الكفاية والعدل" من أجل "أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة". أهو نزار قباني الذى نظم، أم هي ماجدة الرومي التى تتغنى: كلمات، كلمات، كلمات.

 

ذلك الهوس بالأيديولوجيات في فترتي الستينيات والسبعينيات أمر مفهوم لأن إنكار "الاشتراكية" أو "القومية العربية" في ذلك الزمان كان ضرباً من قلة الأدب. ولكن الذى حدث بعد سقوط نظام مايو يدعو حقاً للدهشة، خاصة بعد سقوط المسلمات الأيديولوجية وانهيار نماذجها من A  إلى Z، والـ A هى انقولا، والـ Z  هي زمبابوي، أو إن أردت زامبيا. في زمان سقوط النماذج هذه أطل علينا ميثاق انتفاضة أبريل ليحدد في فقرته الرابعة مهمة إستراتيجية للاقتصاد الوطني هي: "التحرر من التبعية الاقتصادية للإمبريالية العالمية وخلق بنية اقتصادية اجتماعية تحقق الكفاية والعدل وذلك بالتصدي الجاد والحاسم للازمة الاقتصادية عن طريق تنمية الثروات والموارد الوطنية وتعبئة الموارد القومية لمواجهة الجفاف والمجاعات والغلاء وشح المواد "التموينية". لا شك في أن الذين وضعوا ذلك النص كانوا موقنين تمام اليقين أن الإطاحة بنميري هي نهاية التاريخ، فبسقوطه تُحلُ مشكلة السودان السياسية ولا يبقى غير أمرين: الأول هو الاتفاق مع "الجنوب" بإعادة الحياة إلى اتفاقية أديس أبابا، والثاني عقد مؤتمر اقتصادي لوضع السياسة الاقتصادية التى تحرر السودان من التبعية للإمبريالية فتتحقق بذلك الكفاية والعدل. لن نتلبث كثيراً أو قليلاً عند ذلك الشعار، شعار التحرر من التبعية للإمبريالية المحتشد بالدلالات الأيديولوجية، لأنه لا صلة له كما لا صلة لمن صاغه بالواقع. وليس أدل على ذلك من أن الخطوة الأولى للسيد عوض عبد المجيد، أول وزير مالية لحكومة الانتفاضة، كانت البحث عن رقم تلفون صندوق النقد الدولي للاستئناس برأيه في كيف يستنقذ البلاد اقتصادياً، لا كيف يحررها من الإمبريالية العالمية. فلو كان للإمبريالية العالمية عنوان فعنوانها في واشنطون هو St 1818 H مقر البنك والصندوق. لذلك، فإن ما نتوقف عنده هو التركيز في أولويات البرنامج الاقتصادي على مواجهة الغلاء وشح المواد التموينية. ذلك، بلا ريب، يعني السكر والشاي والأرز وزيت الطعام وحليب الأطفال، وكلها من السلع التى تعني أهل الحاضرة. هذا أمر مهم بلا شك، وواجب أساس لأي حاكم يأنس في نفسه القدرة على الحكم، ولكنها ليست وحدها القضايا التى تستلزم حلاً عاجلاً، كما ليست هي بالقطع القضايا التى كانت تهجس في رؤوس من حملوا السلاح في جبال النوبا وفي جنوب النيل الأزرق من ولايات الشمال، من قبل أن يلحق بهم أهل شرق السودان ودارفور. لهؤلاء جميعاً قضايا أُخر تتطلب علاجاً سريعاً ومباشراً لا يقل ضرورة عن حل ضائقة أهلنا في المدينة.

 

وفي فترة الإنقاذ لم ينجُ الاقتصاد من التديين الشعاراتي. فبالرغم من انتهاج النظام لسياسات براقماتية في تعامله مع العالم الخارجي، أبى إلا أن يضيف للاقتصاد في دستور 1998 أبعاداً يصعب حسابها وإحصاءها، لا سيما في غيبة البرامج التى تحقق، والموارد التى تتحقق عبرها، الأهداف التى تغيأها المشرع. فالدستور يقول في الفقرة عن الاقتصاد القومي: "تدفع الدولة نمو الاقتصاد الوطني وتهديه بالتخطيط على أساس العمل والإنتاج والسوق الحر منعاً للاحتكار والربا والغش، وسعياً للاكتفاء الوطني، وتحقيقاً للفيض والبركة، وسعياً نحو العدل بين الولايات والأقاليم". لقد تعاقب على السودان في عهد "الإنقاذ" عدد من وزراء المالية ولا أحسب أن وأحداً منهم أدرك ما الذى يعنيه تعبير "البركة" بلغة الإحصاء الاقتصادي ناهيك عن أن يجد سبيلاً لتحقيقها في الموازنات التى يعدها. وفي مادته 11 (العدالة والمكافلة الاجتماعية) يقول الدستور: "تراعي الدولة العدالة والمكافلة الاجتماعية لبناء مقومات المجتمع الأساسية توفيراً لأبلغ مستوى العيش الكريم لكل مواطن توزيعاً للدخل القومي عدلاً بما يمنع التباين الفاحش في الدخول، والفتن، والاستغلال للمستضعفين وبما يرعى المسنين والمعوقين". "الاكتفاء الوطني"، "العدل بين الولايات والأقاليم"، "توزيع الدخل القومي بما يمنع التباين الفاحش"، ثم من بعد يحمل أهل دارفور السلاح، كما يقولون لإيقاف، "التباين الفاحش". ودارفور ليست ولاية أو إقليماً عادياً يترجى العدل والفيض والبركة من الله، بل هي الإقليم الذى يضم أكبر رصيد استراتيجي للحركة الإسلامية، والذي أنجب بعضاً من خيرة أبنائها. ثمة خطأ ما، في مكان ما! أو هل هو الاختلال في فقه الاولويات.

 

إن أهم الواجبات التى تجابه الدولة والمجتمع في الفترة الانتقالية هي تحقيق العبور من التهميش إلى التمكين في أربعة محاور. ففي المحور السياسي عبور من الإقصاء إلى المشاركة، وفي المحور الاقتصادي عبور من الفقر الشامل إلى الإيفاء بالاحتياجات الأساسيةوالتأهيل للنمو والانطلاق، وفي المحور الثقافي / الاجتماعي عبور من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام، ومن غلواء التعصب إلى رحابة التسامح. ولقد تناولنا في الفصول السابقة كيف يكون التحول في المحور السياسي، فما الذى جاء به بروتوكول اقتسام الثروة لتحقيق العبور المطلوب في المحور الاقتصادي.

 

بدأ البروتوكول بإرساء مبادئ هادية للتحول الاقتصادي ستكون هي المرتكز والأساس لكل الخطط والبرامج التى ستتخذها الدولة على المستوى القومي والولائي، وتلتزم بها كل مستويات الحكم الأخرى

  اقتسام وتوزيع الثروة الناجمة من موارد السودان لضمان ترقية نوعية الحياة وكرامة المواطن وتحسين ظروف المعيشة دون تفرقة على أساس الجنس أو العرق أو الدين أو الانتماء السياسي أو اللغة أو الإقليم. وان يُنطَلق في تقسيم وتخصيص الثروة من أن التنمية حق لكل أجزاء السودان؛

  يتفق الطرفان على أن جنوب السودان يواجه احتياجات خطيرة لكي ما يكون قادراً على، أولاً أداء وظائف الحكم الملقاة على عاتقه، وثانياً تأسيس إدارة مدنية فاعلة، وثالثاً إعادة تأهيل وتعمير البنية الأساسية والاجتماعية في مرحلة ما بعد الصراع؛

  يتفق الطرفان على أن جبال النوبا وجنوب النيل الأزرق وابيي وغيرها من المناطق التى تأثرت بالحرب تواجه حاجة عاجلة أولاً للقيام بالوظائف الأساسية للحكم، وثانياً لتشييد الإدارة المدنية، وثالثاً لإعادة تأهيل وتعمير البنية الأساسية والاجتماعية في سودان ما بعد الصراع؛

  يتعهد الطرفان برفع متوسط الخدمات الاجتماعية والاقتصادية في هذه المناطق لنفس متوسط الخدمات الاجتماعية والاقتصادية في الولايات الشمالية، وبما أن هذا يتطلب وقتاً وجهداً يُؤسس صندوقان خاصان لهذا الغرض؛

  عند اقتسام وتخصيص الثروة يلتزم الطرفان باللامركزية ونقل سلطة صنع القرار فيما يتعلق بالتنمية والخدمات لمستويات الحكم المختلفة؛

  يُراعي عند توزيع الموارد أن يتم ذلك في شفافية وفي ظل إدارة مسئولة، كما يُراعي حسن استخدام الموارد واستغلال الموارد الطبيعة على وجه يضمن تجددها؛

  تتعهد الحكومة القومية بعدم حجز أية اعتمادات مخصصة لحكومة جنوب السودان، أو لحكومات الولايات، ويحق لأي مستوى من مستويات الحكم يُحرمُ من نصيبه المقدر له اللجوء للمحكمة الدستورية.

 

من بين القضايا التى تناولها البروتوكول قضية الأرض والموارد الطبيعية تحت سطحها. تلك قضايا ذات جذور عميقة منذ إلغاء الحكم الاستعماري لنظام حيازة الأراضي الموروث من الممالك السودانية الأولى (وثائق التمليك في مملكة الفونج، اقتطاع الحواكير في سلطنة دارفور). ونسبة لطبيعة السودان الجغرافية والايكولوجية فإن أهم مناطق الإنتاج الزراعي والرعي تقع في ما بين خطي العرض 715 شمالاً، وهى نفسها المنطقة التى تدور فيها الحروب والصراعات الآن: أعالي النيل، وجبال النوبا، ودارفور، وجنوب النيل الأزرق. وزاد اكتشاف البترول من تعقيد الأمور إذ أن أهم حقوله الحالية تقع أيضاً في هذه المنطقة.

 

قضية ملكية الأرض في حد ذاتها لم تُفجر المواقف، بل فجرها أمران. الأول هو كيفية استغلال هذه الأراضي منذ عهد عبود، وبصورة أكثر كثافة منذ عهد مايو بعد صدور قانون الأراضي الجديد (1970) والذي اعتبر كل الأراضي غير المسجلة في السودان ملكاً للدولة. الأمر الثاني هو انهيار البيئة الطبيعية ليس فقط بسبب عوامل طبيعية (الجفاف)، وإنما أيضاً بسبب الاستغلال السيئ من جانب البشر للموارد الطبيعية، خاصة الرعي الجائر والتطور غير المخطط في الزراعة الآلية المطرية. تعبير البشر هنا يشمل الدولة بوصفها الفاعل الأساس في عملية الإنتاج؛ فالدولة هى التى تضع السياسات، وهى التى تمنح التراخيص، وهى التى تنظم وتضبط استخدام وسائل الإنتاج، وهى التى يُفترض أن ترعى حقوق المستضعفين. ويروي الدكتور محمد سليمان في مؤلفه القيم (السودان، حروب الموارد والهوية) أن مساحة الرقعة التى تتمتع بتراخيص الزراعة الآلية المطرية بلغت أكثر من 7 مليون هكتار (أكثر من 18 مليون فدان) وبهذا تجاوزت مناطق الزراعة التقليدية البالغة مساحتها 4 مليون هكتار (9 مليون فدان)، كما ذكر أن ثمانية ألف أسرة فقط (أغلب أفرادها من أصحاب التراخيص المتغيبين) تسيطر على الزراعة الآلية في حين يعتمد على الزراعة التقليدية أربعة ملاين من فقراء المزارعين. تلك كانت هي السياسة منذ عهد عبود، كما قلنا، واستمرت بعد سقوط نظامه في الديمقراطية الثانية، كما في عهد مايو بتمويل مكثف من البنك الدولي، بهدف التوسع في الإنتاج الزراعي. ذلك هدف مشروع شريطة أن تؤخذ في الحسبان الآثار السلبية لذلك التوسع وكيف تُعالج. وفي تقرير أعدته منظمة الحقوق الأفريقية حول جبال النوبا (1995) ورد إحصاء مدهش حول توزيع مشروعات الزراعة الآلية في منطقة هبيلا. فمن بين مائتي مشروع لم يُحظ أهالي المنطقة إلا بأربع مشروعات مُنحت لتعاونيات زراعية ومشروع واحد لبعض التجار المحليين. جميع المشروعات الأخرى وزعت على مزارعين غائبين وكلهم من التجار والمتقاعدين من الموظفين وضباط الجيش الشماليين. حكومة "الإنقاذ" أكدت تلك السياسات التوسعية في استراتيجيتها الشاملة التى أُعلنت في مايو 1992 حين قررت زيادة مشروعات الزراعة الآلية ثلاثة أضعاف والمطرية عشرة أضعاف لأجل "إحياء الموات وعمارة الأرض"، هذا غرض نبيل، ولكن الدين الذى يحث على عمارة الأرض لا يُلغي حقوق العباد، بل يقول ان الأرض لا تُملِّك إلا بإرادة ظاهرة وأن والملكية حق واستخدامها رخصة. وان أدركنا أن أغلب مناطق الزراعة الآلية تقع في جبال النوبا (هبيلا)، وأعالي النيل (القيقر)، والنيل الأزرق (اقدي والقرابين)، وشرق السودان (القضارف)، وان أغلب المنتفعين من المشروعات الزراعية، كما قلنا منذ هنيهة، هم المتقاعدون من رجال الخدمة العامة والجيش والتجار وكلهم من أهل الشمال النيلي، وان عائد الاستثمار في هذه المناطق يعود دوماً للخرطوم ليستثمر في الصناعات الناشئة والعقارات والإنفاق البذخي، تبينت لنا العلاقة العضوية بين الثروة والثورة، كما تبين لنا البون الشاسع بين المشاكل الحقيقية (التشخيص العملي للمشكلة) وبين الحلول المقترحة، جاءت تلك الحلول في الدساتير أو في السياسات والبرامج.

 

ومن المؤسف أن أنظمة الحكم المتعاقبة بوصفاتها العلاجية المتنوعة بدءاً من الاشتراكية العلمية، إلى الاشتراكية العربية، فالاشتراكية المايوية "النابعة من تراثنا"، ثم سياسات التحرر من الإمبريالية العالمية في عهد أبريل، وأخيراً سياسات عمارة الأرض لم تُعنَ حتى بتوفير المسكنات اللازمة كجزء من سياسة التوسع الزراعي، كما فعل الاستعمار. فلو فعلت ما فعله الاستعمار في مشروع الجزيرة لأسهمت في ترطيب الأجواء أو تهدئة الخواطر إلى حين. الاستعمار ابتدع طريقة لتوزيع عائد المشروع إلى ثلاثة أنصبة: نصيب للحكومة، ونصيب للمزارع، ونصيب للرعاية الاجتماعية للمنطقة. لو حدث هذا لما وقع الاختلال الذى تعانيه هذه المناطق حتى الآن في الخدمات الاجتماعية. فمثلاً، تشمل خدمات الصحة العامة 58% من سكان السودان منهم 87% في المراكز الحضرية و48% فقط في الريف، كما يبلغ عدد السكان الذين تتوفر لهم مياه الشرب الصالحة للبشر 67% من السكان منهم 86% في المدن و60% في الريف (إحصائيات البنك الدولي، 2000). أما الصراع على الموارد المنهارة فلعل أصدق مثال معاصر له هو دارفور حيث تحولت الحرب حول الموارد من نزاع منخفض الوتيرة(low-intensity conflict) ـ حتى وان أسميناه نهباً مسلحاً ـ إلى تمرد عالي الوتيرة (high-intensity rebellion)، رغم كل ما قال به دستور 1998 في مادتة الحادية عشر، ورغم ما تمناه لها الدكتور غازي صلاح الدين إبان عمله بوازرة الخارجية: "ستكون دارفور في القريب العاجل من أميز ولايات السودان مما يجعل خيراتها تقيض عليها وعلى الدول المجاورة" (الإنقاذ الوطني 30/11/1992).

 

تَناولُ بروتوكول اقتسام الثروة لقضية الأرض له، إذن، دواعيه. اتفق الطرفان أولاً على أن هناك قضية تستلزم العلاج، كان ذلك فيما يتعلق بحيازة الأرض أو الثروات التى في باطنها، وعلى العمل لإيجاد حل حاسم لها. كما اتفقا على أن تُمارس ضوابط الانتفاع والاستخدام للأراضي على مستويات الحكم المختلفة. وكخطوة أولى قررا إنشاء هيئة قومية مستقلة للأراضي، وأخرى للجنوب تكون سلطاتهما متطابقة على أن يتعاونا مع بعضهما في أداء الواجبات الملقاة عليهما، وينسقا فيما بينهما. كما ستقوم في الولايات لجان للأراضي تحت إشراف الهيئة القومية مما يضمن مراعاة مصالح أهل الولايات عند تخصيص الأرض للاستغلال. وسيعمل الطرفان على إعادة النظر في كل قوانين الأراضي تدريجياً بما يضمن مراعاة الأعراف والممارسات والمواريث المحلية والتجارب الدولية. وكُلفت الهيئة بالتحكيم في قضايا الأراضي دون إخلال بسلطات القضاء، وضماناً لاستغلالها كما تقرر وضع الهيئة تحت الإشراف المباشر لرئيس الدولة. ومن بين واجبات الهيئة إسداء النصح لمستويات الحكم المختلفة حول إصلاح الأراضي، والتعويضات، وتنسيق السياسات المتعلقة باستخدام واستغلال الأراضي، وتسجيل الممارسات المتبعة في استغلال الموارد الطبيعية. ووُجهت الهيئتان لاستخدام مواردهما وخبراتهما بكفاءة، خاصة فيما يتعلق بالبحوث والمعلومات والإجراءات. وفي حالة أي نزاع بين الهيئتين يحال الأمر للمحكمة الدستورية.

 

وحول الثروات في باطن الأرض اتفق الطرفان على أن يكون استخدام الموارد غير المتجددة (أي التى ستنضب نتيجة لاستغلالها مثل المحروقات الحجرية fossil fuels) للمصلحة العامة والخير العام، ولمصلحة المنطقة التى تنتج فيها مع مراعاة حماية البيئة، وصيانة التراث، والحفاظ على التنوع البيئي (biological diversity). وبالإضافة لحماية البيئة المحلية، الطبيعية والاجتماعية، أولى الطرفان اهتماًما للبيئة الخارجية واتفقا على توفير المناخ السياسي المناسب لضمان تدفق الاستثمارات المالية المباشرة عبر تقليص المخاوف التى قد ترتبط في الأذهان بالنتائج المترتبة على ممارسة حق تقرير المصير في نهاية الفترة الانتقالية حتى يتوفر الاستقرار المرغوب في قطاع النفط. تَم الاتفاقُ أيضاً على إشراك أهل المناطق التى يُنتج فيها النفط، عبر حكوماتهم، في أي مفاوضات تتم بشأن النفط المستخرج من المنطقة، وتعويضهم على أية خسائر تلحق بهم بسبب إتاحة. تقرر أيضاً إنشاء هيئة قومية للبترول يرأسها رئيس الدولة ونائبه الأول رئاسة مشتركة وتضم كأعضاء دائمين أربعة ممثلين للحكومة القومية، وأربعة لحكومة الجنوب كما تضم كأعضاء غير دائمين ما لا يقل عن ثلاثة ممثلين للمناطق التى ينتح فيها البترول. ويضمن البروتوكول لممثلي تلك المناطق الحق في الاعتراض على أي عقد يتعلق بإنتاج النفط في مناطقهم إن لمسوا فيه إضراراً بمصالحهم. وفي حالة الاختلاف بين أهل المنطقة المعينة وهيئة البترول حول العقد المقترح يحال الأمر إلى مجلس الولايات فإن رفض المجلس اعتراض أهل المنطقة يتم توقيع العقد، وان أيده بأغلبية الثلثين يحال الأمر إلى لجنة تحكيم يكون قراراها نهائياً. وبوجه عام، أوكل البروتوكول للهيئة القومية للبترول وضع الاستراتيجيات والسياسات لتطوير وإدارة قطاع البترول، ومراقبة تنفيذ سياسات القطاع. في ذات الوقت اتفق الطرفان على إتاحة الفرصة لمجموعة صغيرة تحددها الحركة لمراجعة العقود القائمة، ودون إعادة النظر في تلك العقود، تُقرر اللجنة عما إذا كانت تلك العقود قد ألحقت أضراراً اجتماعية أو بيئية بالمجموعات المعنية، وتحدد طبيعة وحجم هذه الأضرار بهدف معالجتها من جانب طرفي العقد.

 

بيد أن من أهم ما أورده البروتوكول حول النفط بنوداً ثلاثة: الأول يتعلق بإنشاء حساب خاص لتركيز صافي عوائد البترول لحماية الدخل العام من التقلبات العالمية في أسعار النفط على أساس سعر قياسي متفق عليه يحدد سنوياً. والثاني يتعلق بإنشاء صندوق للأجيال القادمة متى ما بلغ إنتاج البترول السوداني 2 مليون برميلاً في اليوم، وقد يخفض هذا الحجم إلى مليون برميل في اليوم. الثالث هو أن تُضَمَّن جميع الحسابات المتعلقة بالبترول في الموازنة العامة، لا سيما وقد دار لغط كبير، خاصة في صفوف المعارضين، حول عدم إدراج عوائد بعض الموارد في الميزانية العامة.

 

ومن بين القضايا التى أثارت جدلاً كبيراً تخصيص 50% من صافي إيرادات النفط للجنوب. هذا النص يتعلق أولاً بالبترول المُنتج في الجنوب، وكان من رأي الحركة أن يتوصل الطرفان لاتفاق يتم بموجبه توزيع نسب معينة من صافي إيرادات البترول السوداني الذى ينتج في الشمال والجنوب معاً على كل ولايات القطر وأقاليمه حسب احتياجاتها الخدمية والتنموية، مع الإبقاء على نسبة معينة للحكومة القومية لمجابهة واجباتها الإدارية والأعباء التنموية والخدمية الموكلة لها عبر القطر. هذا الاقتراح لم يجد قبولاً من جانب الطرف الحكومي المفاوض. ثانياً بروتوكول نايفاشا ليس هو الاتفاق الأول الذى تعهدت فيه الحكومة باقتسام بترول الجنوب مع طرف جنوبي، ففي اتفاقية الخرطوم 21/4/1997 (اتفاقية السلام من الداخل) وافقت الحكومة على تخصيص 75% من عائد بترول الجنوب للجنوب. ونذكر أن تلك النسبة (75%) هي النسبة التى اقترحتها ابتداءً الحركة كنصيب للجنوب، ومن الواضح أن ذلك الرقم لم يجئ من فراغ. ثمة احتمالان، إما أن الذين يدقون الطبول اليوم من بين أنصار النظام ضد من وصفوهم بـ "المتنازلين" لا يستذكرون ما جاء في اتفاقية الخرطوم، ولهذا من حقهم علينا أن نُذَكِّرهم به، وإما أنهم يعرفون أن اتفاق السلام من الداخل كان وعداً كاذباً، أي أنه كان إعادة تدوير لكل وعود الشماليين للجنوب منذ ديسمبر 1955. وإن كان ذلك هو الحال فيجب أن لا يُدهش أحد لإصرار الحركة ـ في هذا الشأن وفي غيره ـ على أن لا تترك أي شئ للفرص. فعلى سبيل المثال تقول المبادئ الهادية لبروتوكول اقتسام السلطة أن من أهم واجبات الحكومة القومية في الفترة الانتقالية (ونكرر أن توزيع هذه الأنصبة يتعلق بالفترة الانتقالية لتحقيق أهداف معينة) الارتقاء بمستوى الجنوب للمستوى الذى عليه ولايات الشمال، وتعترف تلك المبادئ أن هذا يتطلب جهداً ومالاً، فمن أين سيجيء المال إن لم يكن من المورد الوحيد المضمون؟ وليس صحيحاً البتة ما أورد د. فاروق كدوده في منتدى الأضواء (الأضواء 27/12/2003) أن المتفاوضين استهديا في توزيع النسب بالتجربة النيجيرية لأن نيجيريا لا توزع بترولها على هذا الوجه. نيجيريا هي التى ستستهدي بتجربة السودان إذ طلب الرئيس النيجيري، بعد إطلاعه على البروتوكول، من أحد مبعوثي الحركة إليه (دينق الور) أن يسلم نسخة من البروتوكول لوزيرة ماليته ويوجه انتباهها، بوجه خاص، للنص حول ميزانية الأجيال القادمة، وحول إشراك الولايات في التفاوض حول عقود الإنتاج.

 

أمر آخر لا يقل في أهميته عن تحديد الأنصبة من عائد البترول للولايات المنتجة هو النص على التكافؤ في توزيع العائدات القومية كلها وليس البترول وحده. ذلك النص يقضي أن تودع جميع العائدات القومية (بما فيها إيرادات البترول) في صندوق خاص يسمى صندوق العائدات القومية (National Revenue Fund) تديره الخزانة ويتضمن كل الحسابات والمودعات على أن يُشهر في الميزانية العامة المعلنة. وينص البروتوكول على إنشاء لجنة مسئولة عن تحديد وتوزيع المخصصات المالية ومراقبتها، وذلك، كما يقول النص، "لضمان الشفافية والعدالة فيما يتعلق بتخصيص هذه الموارد لمستويات الحكم المختلفة". وقضية التكافؤأو الموازنة أمر ضَمَّنته بعض الدول في مواثيق الحقوق مثل ميثاق الحقوق والحريات الكندي الذى أصبح جزءاً من الدستور في العام 1982. فالباب الثالث من ذلك الميثاق يشير إلى الموازنة أو التكافؤ والتباينات الإقليمية (Equalization and Regional Disparities). في ذلك الباب يُلزم الدستور البرلمان والحكومة الكندية وحكومات الولايات بتوفير الفرص المتكافئة لكل كندي لتحقيق الرفاهية، والتنمية الاقتصادية بهدف تقليص التباينات، وتوفير الخدمات الاجتماعية بمستوى معقول لكل مواطن. كما يلزم البرلمان والحكومة الكندية بتوفير الاعتمادات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف.

 

أنشأ بروتوكول نايفاشا، إلى جانب ذلك، لجنة لمراقبة وتحديد المخصصات المالية “Fiscal and Financial Allocation and Monitoring Commission” تتكون من ثلاثة ممثلين للحكومة القومية، وثلاثة لحكومة الجنوب، وجميع وزراء مالية الولايات. قيام هذه اللجنة سينهى هيمنة الترسانات المسلحة بالخرطوم على المال وسيُمكن ولايات السودان كلها (وليس الجنوب فقط) من أن يكون لها رأي في كيف تُنفق أموال السودان والتي نعرف جميعاً أن مصدرها ليس هو شارع النيل بالخرطوم، بل ـ قبل أن يكون للجنوب بترول ـ مصدرها هو قطن الجزيرة، وسكر كنانة، وصمغ كردفان، وماشية دارفور، وسمسم القضارف الذى كثيراً ما نظمنا فيه الأغاني. أو يدخل هدم هذه الهيمنة الاقتصادية المركزية في باب ما أسماه الاقتصادي النمسوي جوزيف شومبيتر الهدم الخلاق (constructive destruction)؟

 

أما وقد وصلنا إلى الذى انتهى إليه بروتوكول نايفاشا من ثورة حقيقية في الاقتصاد السوداني، ليس فقط في وضع المؤشرات والمبادئ الموجهة للاقتصاد، وتحديد أولويات الإنفاق في الفترة الانتقالية، بل أيضاً في خلق الأُطر لإعادة توزيع الثروة ووضع القوانين التى تضبط ذلك، نعجز حقيقة عن إدراك ما ذهب إليه المحلل المدقق د. حيدر إبراهيم على عندما كتب لمجلة المصور (18/6/2004) يقول "الحركة الشعبية ذات الخلفية الماركسية كان من المتوقع أن تتقدم للمفاوضات بخريطة سلام وتنمية مستقلة عادلة لكل الوطن وليس كشف مطالب ملئ بالإحصائيات والنسب وان تتحدث عن إنتاج وتنمية وزيادة الثروة وليس عن كيفية تقسيمها فقط. وأخشى أن تكون الحركة الشعبية قد اختزلت نفسها في حركة اثنية أو جهوية أصبحت تحكمها الجغرافيا والعرق وليس السياسة والفكر في مستواها القومي". نخشى أن يكون المحلل السياسي والاجتماعي ظلم نفسه وظلم القارئ ثم ظلم الحركة. الموضوع الذى يحلله الكاتب اتفاق بين طرفين لم يجلسا لوضع خطة لتنمية السودان وإنما لتحقيق السلام في السودان بمعالجة الجذور التى قادت للحرب. واتفق الطرفان منذ ماشاكوس على تسمية الجذور السياسية والاقتصادية للحرب ومنها التهميش الاقتصادي، كما اتفقا على أن العلاج هو التمكين، ويتطلب تحقيقه شيئين، الأول تحديد أبعاد التهميش والتوافق على طرائق الخروج منه وهذا ما فعلته المبادئ. والثاني هو تحديد الموارد المتوفرة والإجراءات اللازمة للعبور من التهميش إلى التمكين وهذا ما فعله البروتوكول. وظلم الكاتب القارئ عندما صور له أن كل الذى جاء به الاتفاق هو إحصائيات، نعم الإحصائيات كانت هناك، وهى ضرورية في الشأن الاقتصادي لأن الاقتصاد علم عدد وأرقام. على أن الذى فصلناه في هذا الفصل عما جاء به البروتوكول يزيل أي لُبس حول طبيعته الإحصائية المفترضة. أما ظلم الحركة فهو في وصفها باختزال نفسها في "حركة اثنية أو جهوية تحكمها الجغرافيا والعِرق". ولعل المعنى بالاثنية هنا هو عناية الحركة، بوجه خاص، بالجنوب وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق. هذه هي المناطق التى ظلت تجري فيها الحرب الساخنة وما انعقدت المفاوضات إلا لإيقاف تلك الحرب. ثم ما الذى يعنيه تعبير "المستوى القومي" إن كان سكان هذه المناطق الذين يبلغ عددهم ما يزيد عن الاثني عشر مليوناً من البشر، أي ما يقارب نصف سكان السودان، وتبلغ مساحة الأرض التى يحتلونها مليون كيلومتراً مربعاً أي ما يزيد عن ثلث مساحة السودان هم شيء أدنى من قومي. القضية ليست قضية سيمانطيقية بل أهم من ذلك، ترى لو كان هذا الحل يتعلق بمشاكل نظيرة تدور في محافظات النيل الأبيض وسنار والجزيرة، أسنصف الحل بالحل الاثني؟ على كل، اتهام الحركة بتقاصر النظرة القومية اتهام يفتقد الإنصاف. فالحركة ظلت تلهث منذ ماشاكوس وراء تبني إعلان حقوق(Bill of Rights) لكل السودان، وتدعو لتحول ديمقراطي لا يقتصر فيضه على والاثنيات التى تعنيها، وتطالب بحق كل الولايات في السيطرة على مواردها المالية وتفلح في ذلك، وتعمل على تمكين الولايات في جميع السودان من القدرة على كبح جماح سيطرة المركز عليها (مجلس الولايات)، وتدعو لإنشاء صندوق من عوائد النفط لمصلحة الأجيال السودانية القادمة، وتوصل لاتفاق حول معالجة قضيةالأرض في السودان كله. هذا الإنجاز لم يكن نتيجة جهد رجل أو رجلين، أو وفد أو وفدين، بل أسهم فيه عدد من السودانيين العاملين في حقل الاقتصاد من أبناء هذا الوطن، جنوبيين وشماليين، ومن حقنا عليهم تقدير ما أنجزوه.

 

نظرة الحركة القومية ربما تجافت، ولا نقول تقاصرت عن السقوف التى كنا نضعها للحلول "القومية" في الزمن الغابر. تلك سقوف تقاصرت عن معالجة مشاكل الأرض، وعن التوزيع المتكافئ للموارد على الولايات وليس فقط على مجموعات "اثنية" بعينها، وعن الضمان الدستوري لحق الولايات في الحصول على، والتصرف في، تلك الموارد، وعن اعتبار قضايا الحكم الصالح (الشفافية والمحاسبة) والحفاظ على البيئة الطبيعية جزءاً لا يتجزأ من خطط التنمية وتضمينها كمبادئ دستورية.

 

أما الحديث عن الخلفية الماركسية فلا مكان له من الإعراب، وهو أمر سبق الدكتور حيدر للإشارة إليه آخرون. مثال ذلك السيد صادق المهدي عندما تحدث عن "قرنق واشتراكيته العلمية ذات الأصل الزنجي". نستذكر ذلك الحديث فقط لنستعيد رد زعيم الحركة عليه. قال قرنق: "أنا لا أعرف ما تعنيه الاشتراكية للبعض. أما الرأسمالية التى درستها لمدة تسع سنوات، ما زلت حتى الآن أجهل كنهها. وعندما نجعل من الاشتراكية اشتراكية علمية زنجية يصبح الأمر أكثر تعقيداً. ثم ما هو الأصل العربي، والأصل الزنجي؟ نحن خليط بديع. دعنا نجعل من هذا الكوكتيل بلداً قوياً. أما بالنسبة للاشتراكية أو الشيوعية أو أمثالها من الإِّيات (isms) أقول أن المرء لا يستطيع أن يكون شيوعياً أو رأسمالياً دون أن يكون موجوداً في الأصل. فعلينا إذن أن نكون سودانيين وأن نؤسس سوداناً جديداً. نقطة انطلاقنا، إذن، هي السودانوية، لا الرأسمالية، أو الاشتراكية أو أي شيء من هذا القبيل". هذا ما قاله الرجل عن نفسه وعن الحركة التى يقودها دون أي إيحاء من جانبه أن في الانتماء للماركسية ما تلزم منه سُبة. وعلى كل فإن صاحب "الخلفية الماركسية" هذا يعرف بضع حقائق لأنها في علم الكافة. يعرف، مثلاً، أن الاستعمار الكوكلي (cocacolanization) ـ نسبة إلى كوكاكولا ـ قد غزا كل الدول التى أقيمت على هدى مبادئ ماركس بما فيها الاتحاد السوفيتي. ويعرف أن ليونيد بريزنيف لم يعد هو سيد الكرملين. لهذا، فإن تذكرته "بخلفيته الماركسية" في معرض الحديث عن مشروعه الافتراضي لتنمية السودان يصبح أكثر غرابة من تذكرة بوريس يلتسن عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي، أو فيلاديمير بوتين الذى نشأ وترعرع في الكرملين (كان والده كبيراً للطهاة في عهد ستالين) بماركسيتهما التى نسياها عند وضع الخطة الاقتصادية الروسية الراهنة.

 

بروتوكولات نايفاشا لم تخترع العجلة من جديد، ولكن الجديد الذى فعلته هو أنها حققت التحول الضروري في النموذج المثال (Paradigm Shift)، كان ذلك على صعيد الإدارة والسياسة، أو الاقتصاد. وبدون ذلك التحول في الاقتصاد على وجه الخصوص يصبح الحديث عن التنمية المتوازنة حرثاً في البحر. هذا إنجاز ليس باليسير بل هو رؤية جديدة، وبدون الرؤية تصبح الخطط الاقتصادية خبط عشواء. على أن تحديد الموجهات، وخلق الأطر التنظيمية، بل وضع القوانين (باعتبار أن كل هذه الاتفاقيات ستصبح دستوراً حاكماً في الفترة الانتقالية) لا يغني عن بلورة خطة متكاملة للإصلاح الاقتصادي يتفق عليها الجميع حتى تصبح عقداً اجتماعياً أو برنامجاً وطنياً متفقاً عليه. فلئن كان الهدف الأساس للتنمية هو القضاء على الفقر، فذلك لا يتحقق بتخصيص أموال للفقراء أو للمناطق التى تعاني من الفقر أكثر من غيرها، وإنما عبر تحولات كلية تشمل التعليم والصحة وتوفير فرص العمل المنتج للفقراء بما يتناسب وقدراتهم وبما يعين على زيادة الأصول الإنتاجية المتوفرة لهم. وعلى المستوى القومي لن يتحقق الهدف المرغوب إلا بتنميةوتطوير رأس المال البشري ومضاعفة المدخرات الوطنية وتوجيه السائل منها نحو الإنتاج وتطوير المهارات العالية والبحوث العلمية. هذه كلها أمور لم تَغِب عن إدراك المتفاوضين ولهذا اتفقا على تكوين فريق مشترك لتقويم الاحتياجات للفترة الانتقالية(Joint Assessment Mission). وسيركز الفريق اهتمامه في ثمانية موضوعات هي الإصلاح المؤسسي وتأهيل الكوادر، والسياسات الاقتصادية وإدارة الاقتصاد، والقطاعات الإنتاجية، والخدمات الاجتماعية الضرورية، والحكم وسيادة حكم القانون، والمعيشة والحماية الاجتماعية (للمجموعات الأكثر تأثراً بالآثار السلبية للسياسات الاقتصادية)، والبنيات التحتية، والمعلوماتية والإحصاء. كما سيضم الفريق خبراء سودانيين لمعالجة قضايا نوعية مثل قضايا المرأة، والاحتياجات العاجلة (البرامج الاسعافية)، والأمن وصيانة القانون. وبالرغم من أن هذه الدراسات ستتم بدعم من البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية إلا أن قائدي فريق الاستطلاع سودانيان يلمان بطبيعة المشكل السوداني وبدروب المنظمات الدولية المتعرجة: الدكتور إبراهيم البدوي والدكتور يونقو بوري. نتائج هذه الدراسات ستكون هي الأساس الذى تحدد على ضوئه نوعية وحجم المعونات الخارجية لبرنامج الإصلاح السوداني، ولكن قبل أن يحدث هذا ينبغي أن يكون للاقتصاديين السودانيين وللقوى السودانية المختلفة دور في تشكيل الرؤية الوطنية ابتناءً على المعطيات الموضوعية وبعد التخفف من الأحمال الأيديولوجية.

 

في خطابه عند التوقيع على إعلان نيروبي دعا قائد الحركة إلى عقد اجتماعي قال عنه: "اقترحنا وضع عقد اجتماعي جديد ينعقد عليه وفاق شامل، ويكون ملتزماً باتفاقيات السلام، كما يوضح بجلاء محددات الحكم الصالح، وأهداف التنمية الاجتماعية والاقتصادية خلال الفترة الانتقالية. يتضمن العقد أيضاً التزاماً أخلاقياً ببعض القيم التى لا يستقيم الحكم دون الالتزام بها واقترح في سبيل هذا وضع مدونة سلوك تضبط عمل اللاعبين السياسيين". يقف المرء عند الإشارة الأخيرة في خطاب قائد الحركة لأن نجاح التحول الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي يتطلب منظومة جديدة للسلوك على مستوى القيادات، السياسي منها والمهني. ولعل ترداد تعبيرات مثل المحاسبة والشفافية في أكثر من موقع في بروتوكولي اقتسام السلطة والثروة يعني اقتناع الطرفين بالحاجة إلى قواعد ومدونات سلوك تضبط الرجل العام وتحمي من، أو تحول دون، الفساد. العجز عن إيلاء هذا الموضوع ما هو قمين به من اهتمام سيجعل كل جهودنا تذهب هدراً. بيد أن الفساد حيوان أخطبوطي يعسر اجتثاثه بالقانون وحده. فالفساد قد ينجم على المستويات الدنيا من الفقر والحاجة، وفي هذه الحالة ليس هو فقط تعبيراً عن نقص في النفس البشرية، وإنما يتحول إلى آلية لإعادة توزيع الثروة خاصة بالنسبة للموظف الذى لا يعرف كيف يوائم بين دخله وإنفاقه. هذا بالضرورة يعني أن يذهب الإصلاح الاقتصادي إلى توفير الأجر المجزي للعامل بالقدر الذى يمكنه من العيش الكريم (living wage) ويمنعه من الولوغ في الفساد. أما في المستويات العليا فالفساد نتاج طبيعي لعوامل عديدة منها المحاباة أو الرعاية السياسية (political patronage)، وعدم احترام القانون (التدخل السياسي غير المشروع في اتخاذ القرارات الإدارية). وانعدام الشفافية في اتخاذ القرارات المالية (وهذا هو الجانب الذى أولاه بروتوكول اقتسام الثروة اهتماماً خاصاً). في الجانب الآخر خلقت بعض السياسات الاقتصادية في السودان (كما في غيره من الدول) بيئة مناسبة لنمو الفساد، مثال ذلك انهماك الدولة في ميادين الإنتاج والتوزيع وتنظيم (regulation) المناشط الاقتصادية، مثل تراخيص التجارة أو تلك التى ينبغي خضوعها لأحكام السوق مثل ضبط الأسعار. هذه مغريات تقلصت بزوال أسبابها: هيمنة القطاع العام على الاقتصاد. هناك بلا شك ضرورة لوضع مدونات لسلوك الشخص العام بدءاً من الوزراء والوكلاء (إقرارات الذمة) إلى صغار الموظفين، ولمراجعة كاملة للقوانين التى تحكم استخدام الموارد العامة، والأنظمة المحاسبية، وقواعد الإمداد والتدبير (supply and procurement)، وضوابط التعيين والترقي. بل ونذهب للدعوة لخلق مركز على المستوى القومي ومستوى الولايات للإشراف على الاستقامة في العمل العام (Integrity Centre) كما ذهبت لذلك بعض الدول. ولا يكتمل أداء هذا الواجب إلا بأن تقوم منظمات للمجتمع المدني ذوات نياب، ولن تكون لها نياب إن لم تبدأ بضبط نفسها. من ذلك أن تجعل تلك المنظمات على رأس واجباتها وضع، والالتزام بقواعد تضبط أخلاقيات المهن المختلفة. كما للصحافة دور كبير متى ما حددت لنفسها، هي الأخرى، ضوابط مهنية تحول دون انحدارها إلى أدوات للتشهير أو إرضاء شهوات نوع من القراء الذين لا يستطعم غير الغوص في أسرار الناس الشخصية. هذه مقدمة ضرورية لكي ما نؤكد ليس فقط أهمية حرية الصحافة، فهذا أمر نص عليه بروتوكول اقتسام السلطة، وإنما أيضاً لندعو لحقها الكامل والمشروع في حرية الحصول على المعلومات. فالصحافة هي الأقدر، من بين كل مؤسسات المجتمع المدني، على الكشف عن مواطن الفساد.

 

في أكثر من موقع أشار البروتوكول لحماية البيئة الطبيعية وَوَجه بحسن استغلالها، تلك إشارات لابد أن تجد طريقها ليس فقط إلى القوانين، بل والى الدستور أيضاً. ومن المؤسف إغفال الدساتير السودانية، خاصة تلك التى صدرت بعد منتصف السبعينيات عند ما أصبحت حماية البيئة شرط وجوب لاستدامة التنمية، لأي نص حول حماية البيئة. ذلك أمر معيب، لاسيما وفي بعض ما قدمنا في هذا المقال ما يكشف عن الإضرار الفادحة التى لحقت بالاقتصاد الوطني وبالمواطن بسبب استباحة البيئة الطبيعية. الاستثناء الوحيد هو دستور 1998 الذى أورد في المادة 13 تحت عنوان "الصحة العامة والرياضة والبيئة" ما يلي: "تعمل الدولة على ترقية صحة المجتمع ورعاية الرياضة وعلى حماية البيئة وطُهرها وتوازنها الطبيعي تحقيقاً للسلامة والتنمية المستدامة لصالح الأجيال". بيد أن قضية البيئة تستوجب اهتماماً أكثر دقة وتحديداً بحيث تفرض واجبات معينة على الدولة ومسئوليات واضحة على المواطن. وهناك قرابة الخمسين دستوراً في عالم اليوم تلزم الدولة بواجبات محددة، كما تفرض على المواطنين مسئوليات واضحة نحو حماية البيئة الطبيعية. ومن هذه الدساتير ما ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك مثل الدستور الإيراني الذى تُحرم المادة الخمسون منه أي نشاط اقتصادي يضر بالبيئة الطبيعية. حماية البيئة أيضاً تبدأ من المدرسة، فتلك هى المرحلة التى تُغرس فيها المعاني في الوعي، ولهذا يتوجب أن يكون تطوير التعليم البيئي جزءاً لا يتجزأ من تطوير مناهج التعليم.  

 

في مطلع هذا الفصل اشرنا إلى غلبة الأيديولوجية على الخطاب الاقتصادي منذ الستينيات بل استمرارها حتى انتفاضة أبريل 1985. يتمنى المرء، بعد كل التجارب المريرة التى عبرناها، أن يستقر بنا الرأي على أن الخيار الاستراتيجي الوحيد للسودان هو التنمية الشاملة، وهذا خيار ينطلق من فرضيات الواقع ولا ينبثق من أية حتميات أيديولوجية أو يمكن مخاطبته عبر الواحديات العقائدية. هو أيضاً الخيار الوحيد الذى سيجعل الغد خيراً من اليوم. وإن كنا حقاً صادقين في إجماعنا على انتهاج طريق الاقتصاد الحر، علينا أن ندرك أن ذلك منهج له قواعده وشرائطه، كما فيه مزالق ومطبات. هو منهج لا يعرف نصف الحِمل، ولا يقبل الخنثوية الاقتصادية الكامنة في نظريات مثل "إتاحة الفرصة للرأسمالية الوطنية التى يقودها القطاع العام" (مايو السبعينيات والثمانينيات)، أو تلك التى يعبر عنها أدب انتفاضة ابريل (السوق الحر مع محاربة الإمبريالية العالمية). ولكن، مما لا شك فيه أن فتح الباب على مصراعيه لأيدي السوق الخفية ستترتب عليه أعباء قد تجهض كل سياساتنا من أجل تحقيق أهدافنا المرحلية مثل القضاء على الفقر، أو على وجه الدقة الحد من معدلاته. مثال ذلك الآثار الاجتماعية الضارة التى ستنجم عن الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد، أو تلك التى تتبع الانصهار في السوق العالمي المتوحش، وما توحشه إلا بسبب القوانين المجحفة لمنظمة التجارة العالمية، ولما أسمى اتفاق واشنطون (Washington Consensus)، ذلك الاتفاق المُقتَسر يفرض على الدول النامية تحرير السوق، وخفض الحواجز الجمركية، وتحرير سعر العملة، والتغييرات الهيكلية في الاقتصاد، والخصخصة، دون أن يوفر للشرائح الاجتماعية غير المحصنة في هذه الدول الحماية اللازمة ضد النتائج السلبية المترتبة على تلك الضوابط. هذه مشكلة حقيقية تستوجب العلاج إلا أن علاجها لن يكون بتسريب الأفكار الأيديولوجية المُعلبة. فالإصلاحات الهيكلية للاقتصاد دواء ضروري رغم مرارته، والانصهار في السوق العالمي مصير محتوم، لا سيما ونحن نعرف أن لا طريق للسودان لبلوغ الكتلة الحرجة التى تمكنه من الانطلاق الاقتصادي ما لم يعالج مشكلة ديونه الخارجية والتي تزيد في جملتها عن حجم الناتج القومي الإجمالي. كل هذا يتطلب أسلوباً للتعامل مع الخارج يختلف عن ذلك الذى لا يحقق غير إرضاء الخيلاء الفكرية لأرباب العقائد، فالعولمة وتوابعها ظواهر مركبة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية تقتضي المخاطبة لا السباب أو الإدانات الشعاراتية.

 

ولعله من حسن الطالع أن البنك الدولي (وهو مؤسسة قل أن تعتذر عن خطأ) أقر في تقريره الأخير للتنمية (2004) أن الخصخصة ليست هي السبيل الوحيد (ليت التقرير لم يضف كلمة الوحيد) لتقديم الخدمات الأساسية للفقراء مثل الصحة والتعليم. لهذا فإن كان هناك من يتظنى أن في مقدور الدولة أن ترفع يدها عن هذه المناشط آملة في أن تجد أيادي السوق الخفية علاجاً لها، فهاهو شاهد من أهلها يقول غير ذلك. فالتعليم والصحة واجبات لا تستطيع الدولة أن تستقيل عن أدائها لأنهما الأساس لتطوير قدرات الإنسان الإنتاجية والإبداعية، والإنسان هو رأس المال الحقيقي، وهو ركيزة التنمية. . نحن أيضاً لا يمكن أن نكون بمعزل عن الأسواق التجارية الخارجية، أو بمعزل عن أسواق رأس المال، أو بمعزل عن شركات الاستثمار. ولكن، من حسن الطالع أننا اليوم جزء من منظومات دولية عديدة لها منابر متعددة للدفاع عن مصالحنا. فهناك مجموعة السبعة وسبعين في الأمم المتحدة التى ما فتئت تقوم بدور هام في بلورة مواقف الدول النامية بشأن الديون والتجارة، والتكتلات الاقتصادية مثل الاتحاد الأفريقي والذي أصبح له برنامجه التنموي القاري واستراتجياته للتعاون مع الخارج مثل نيباد (New Partnership for African Development)، أو مجموعة دول عدم الانحياز بعد أن أعلت القضايا الاقتصادية على القضايا السياسية في برامجها (قمة كوالالامبور فبراير، 2003). وفي مجموعها تقود هذه التنظيمات حوار الجنوب ـ الجنوب الكوني للدفاع عن، وحماية مصالح، المستضعفين. وبصورة أشد حدة برز المنتدى الاجتماعي العالمي البديل (منتدى بورتو اليقري بالبرازيل) كمعادل موضوعي لمنتدى الأغنياء في دافوس (سويسرا)، وأفلح في تعبئة عدد كبير من التنظيمات الغربية التى تعارض الوجه القبيح للعولمة، أو الجانب المتوحش من الرأسمالية مثل منظمات حقوق الإنسان، رعاية البيئة، أو تلك المهتمة بالقضايا النوعية مثل محاربة الإيدز، واستغلال الأطفال، والدفاع عن حقوق المرأة العاملة. هذه التنظيمات قامت بتشبيك (networking) جهودها تحت مظلة تنظيم لاسمه دلالات لا تخفي على لبيب: "عالمنا ليس للبيع". هذا التحالف العالم-ثالثي لم يعد وقفاً على الدول النامية وقياداتها إذ انضم إليه أيضاً الخيرون من الدول الصناعية، ومنهم من يُدهش المرء لانحيازه إلى الساخطين على الوجه المتوحش للعولمة. مثال ذلك جوزيف ستيقليتز، أستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا والحائز على جائزة نوبل قبل بضع أعوام، فكتابه "العولمة والساخطون عليها" صار إنجيلاً لخصوم العولمة. مصدر الدهشة أن ستيقليتز عمل أولاً كمستشار اقتصادي للرئيس كلينتون، ثم كبيراً للاقتصاديين بالبنك الدولي.

 

دول الجنوب، على أية حال، ليست بالضعف الذى نتخيله، ولا يحملنا على استضعاف أنفسنا غير الهوان الذى عليه الدول العربية والأفريقية. فمن بين دول الجنوب الفاعلة ثلاثة ستخترق الحاجز الصوتي للتنمية لتتصدر قائمة أغني دول العالم حسب تقرير للمصرفيين الاستثماريين قولدمان ساكس صدر في مطلع هذا العام. يقول التقرير أن البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، (أسُميت دول BRIC اختصاراً للحرف الأول من اسم كل دولة) ستحتل مواقع متقدمة في سلم النمو الاقتصادي العالمي بحيث تصبح الصين أغنى دول العالم في عام 2050 وستليها الولايات المتحدة ثم تجئ الهند من بعد، فاليابان، والبرازيل، وروسيا، وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا. ففي حين ستسبق الصين أمريكا في حجم ناتجها القومي الإجمالي، تسبق الهند اليابان وبريطانيا وألمانيا وفرنسا كما ستسبقهم أيضاً البرازيل. صحيح أن ارتفاع الناتج القومي الإجمالي لا يعني أن مستوى دخل أو معيشة الفرد في هذه الدول سيكون بمستوى ذلك الذى ينعم به الفرد حتى في الدول التى ستسبقها. فرغم أن الهند ستتجاوز بريطانيا في حجم ناتجها القومي الإجمالي في عام 2050 إلا أن مستوى دخل وحياة الفرد الهندي لن يكون حينذاك أكثر مما عليه مستوى الفرد في البرتغال اليوم. مع ذلك فإن هذه الدول ستصبح أرقاماً يحسب حسابها ولا يمكن تجاوزها ولهذا اسماهم التقرير العمالقة الجدد. ومن حسن الطالع أن اثنين من هذه الدول، ومعهما ماليزيا التى تلعب هي الأخرى دوراً قيادياً في دول الجنوب الكوني، أصبحت شريكة للسودان في التنمية بحكم دورها في إنتاج وصناعة البترول. تلك العلائق ينبغي أن تتوثق ليس فقط دعماً للمصالح المشتركة، وإنما أيضاً لبلورة المواقف على صعيد التعاون الدولي.

 

السودان مساحة هو الدولة التاسعة في العالم (يجئ بعد، على التوالي: روسيا، وكندا، والصين، والولايات المتحدة الأمريكية، والبرازيل، واستراليا، والهند، والأرجنتين، وكزاكستان). وإن تركنا لحالها الدول العظمى في هذه المجموعة، فما الذى يحول بينا وبين أن نكون كالهند والبرازيل والأرجنتين. الهند كاد أن يحكم عليها بالإعدام الاقتصادي المعروف قونار ميردال في الستينيات فأين هي الآن؟ والأرجنتين والبرازيل عانيا من الفقر بقدر ما عانينا، ومن الدكتاتوريات بأكثر مما عانينا، كما ليس لهما من الموارد نسبياً أكثر مما نملك. وقد جاء إنقاذ الأخيرة (البرازيل) على يد رئيسها الحالي لويس إناسيو لولا داسيلفا وهو عامل نقابي بدأ حياته كماسح أحذية في سان باولو، لماذا يفلحون؟ ولماذا نفشل؟ يفلحون لأنهم معنيون بـ "صُغريات" الأمور: تشييد البني التحتية، تعليم المواطن وصحته وتطوير قدراته الإنتاجية، وتقليص الفجوة المعرفية، والأمن الغذائي. أما نحن فمهمومون بالغايات الكبرى، بل بالكلام الكبير: توحيد الأمة العربية، والقضاء على الإمبريالية، وإعادة صياغة الإنسان السوداني. "خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود". أما وقد توفرت لنا الآن رؤية جديدة لبناء السودان، وعزم على إصلاح حالنا، ورغبة من المجتمع الدولي في عوننا للعبور من الحرب للسلام ومن الصراع للتآخي، أفلا يليق بنا أن نُهَون الأمور على أنفسنا قليلاً لتحقيق ما هو أدنى من تلك الغايات الكبرى خلال الفترة الانتقالية. مثلاً أن نرتقي بالخدمات التعليمية في المناطق التى تأثرت بالحرب مباشرة أو بصورة غير مباشرة إلى مستواها الحالي في مناطق الجزيرة، وأن نوفر لهذه المناطق النسبة نفسها من الأطباء وعدد الأسرة في المستشفيات التى تتوفر الآن في المناقل، وأن نقضي خلال تلك الفترة على الأمراض الستة القاتلة للأطفال (التيفويد، والتيتانوس، والسعال الديكي، والسل، وشلل الأطفال، والحصبة) بتطعيم الأطفال دون الخامسة في كل السودان، وان نخفض مستوى الاعتماد على الوقود التقليدي في كل السودان من النسبة التى هو عليها الآن 75% إلى نصف ذلك المستوى بعد أن توفر لنا البترول والغاز وبعد أن كادت إزالة الغطاء النباتي فقدان والكتلة الحيوية تحيل شمال السودان إلى صحراء، وأن نرتفع بنسبة الإنفاق على التعليم والصحة من تلك التى هي عليها الآن (2% من الناتج القومي الإجمالي لكليهما) إلى 3% لكل واحد منهما (تبلغ نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج الإجمالي 5.5% جنوب أفريقيا، و6.2% ماليزيا، و4.1% الهند، و5.3% الجزائر)، وأن نخفض عدد المحرومين من مياه الشرب النقية أو من خدمات الصحة العامة في الريف السوداني وهم أكثر من ثلثي أهل الريف بنسبة النصف، وأن نضاعف نسبة الطرق المرصوفة لكل مليون شخص عما هي عليه الآن ونلزم كل ولاية بتعبيد الطرق الرئيسة التى تصل مناطق الإنتاج بالطرق القومية العابرة، وأن نوسع من نطاق الإنجاز المقدر في خدمة الاتصالات ليشمل القطر ليس فقط لتحسين وسائل الاتصال للمواطنين، وإنما أيضاً كمنصة لتقديم الخدمات المعلوماتية خاصة بالنسبة للتعليم. هذه مؤشرات يصدق مثلها على أشياء أخرى تقع كلها في حيز الممكن، فعدم المساواة الذى نتحدث عنه له مؤشرات اجتماعية تنعكس على وجه التحديد في خدمات مثل الصحة والتعليمي ومياه الشرب النقية والطرق ونوع الوقود المستخدم. غاية ما يتمناه المرء هو أن لا تكون الخطة القومية أو العقد الاجتماعي أو سمه ما أردت، ميثاقاً جديداً يتداعى الناس إلى صوغه حيث يتداعون دوماً ويبدأ بـ "يا جماهير شعبنا" وينتهى بـ "عاش كفاح الشعب السوداني". فلا جماهير شعبنا ولا الشعب السوداني المكافح أصبحوا أسعد حالاً بإشهار مثل تلك المواثيق.

 

 

بروتوكولات نايفاشا


سبتمبر/ 2004

 

الفصل السادس

 

 

إعداد الدستور ... أي دستور؟

 

 

 

 

 

 

 

 

أي نظام للحكم يضبطه قانون أساس هو مجموعة القوانين والقواعد والمبادئ التى تحدد تخوم المسئوليات والسلطات والواجبات والحقوق. بهذا المعنى لكل أنظمة الحكم، بما في ذلك الأنظمة الشمولية وتلك التى تنسب لنفسها حقاً إلهياً في الحكم، دساتير تنظم الحكم. في هذا الفصل نتحدث عن الدستور بالمعنى الذى ألفناه منذ الاستقلال، ثم أخذنا نستدعيه ونستظل به عقب كل انتفاضة. وبما أن مدركاتنا السياسية كلها قامت على اعتبار ذلك الدستور، أو النمط الدستوري الذى بُني عليه، هو طوق الأمان والسبيل الوحيد للحكم الصالح وللاستقرار السياسي، يفيد أن نتناول ذلك الدستور بالفحص منذ منشئه لنرى إن كان العطب السياسي الذى لحق بنا بسبب نصوص الدستور، أو عدم صلاحية التربة التى غرس فيها، أو لحاجة الدستور إلى تأصيل كما يزعم البعض، أو لأنا، ابتداءً، تعاملنا مع ذلك الدستور كشكل دون محتوى، وعَرض بلا جوهر، وإجراءات بلا معاني.

 

دستور السودان الذى ظل يحكم به منذ الاستقلال دستور ديمقراطي ليبرالي. وان كانت الديمقراطية هي نمط للحكم، فإن الليبرالية نظام سياسي يهدف لحماية حرية الإنسان، وبوجه خاص حقوقه الطبيعية والإنسانية. ذلك لا يتم إلا بالحد من سلطان الدولة على المواطنين طالما ارتضى المواطنون وامتثلوا لحاكم (دولة) يدبر شئونهم. ذلك الحد من السلطان يتحقق إما بتقليص نطاق ممارسة الدولة له، أو ضبط تلك الممارسة وكبح جماحها. وبما أن الدولة هي التى تضع القوانين يصبح مشروعاً السؤال عما هو الضمان في أن تحد الدولة سلطانها من تلقاء نفسها؟ لا ضمان مطلقاً، لهذا ابتدعت الدساتير اللبرالية مبادئ وضوابط تُعَزَّز (be entrenched) في الدستور بحيث لا يمكن التحايل عليها، أو الإخلال بمعانيها، أو تعديلها إلا وفق ضوابط صارمة. على رأس هذه المبادئ تأمين الحقوق الإنسانية الأساسية للمواطن والتي انضافت إليها في الجيل الثاني من حقوق الإنسان، حقوق الشعوب، كحقوق مقدسة لا يمكن التصرف فيها (inalienable)، ولا تنتهك حرمتها (inviolable). وعلى رأس الضوابط المُعَزَّزة سيادة حكم القانون، ولعلها أهم آليات الكبح والتوازن في الدساتير. لذلك، تمنح الكثير من الدساتير سلطة دستورية للقضاء لحماية الدستور، مثال ذلك سلطته في الفصل في دستورية القوانين، أي، التقرير في إن كانت القوانين خارجة عن، أو مطابقة لأحكام الدستور. هذه السلطة تتمتع بها، على سبيل المثال، المحكمة العليا في الولايات المتحدة وفي الهند، كما كانت تتمتع بها حتى العام 1949 اللجنة القانونية للمجلس الملكي (Privy Council) بالنسبة للدستور الكندي. هناك دساتير أخرى، مثل دستور نيوزيلندا، تمنع المحاكم صراحة من ممارسة هذه السلطة، ولربما اعتمد الدستور النيوزيلندي المكتوب المبدأ الذى سار عليه الدستور الإنجليزي غير المكتوب والقائل أن البرلمان سيد قراره. فكما يقول المثل السائر، يملك البرلمان الإنجليزي أن يقرر بشأن أي موضوع تشريعاً وتعديلاً وإلغاءً باستثناء أمر واحد هو أن يجعل الذكر أنثى والأنثى ذكراً. حتى هذا الاستثناء كاد أن يبطل في زمن العجائب الذى نحن فيه إذ يتداول بعض البرلمانيين اليوم في إباحة زواج المثلين. بنبرة أكثر جدية، نقول أن هذا الحق الذى يوفره الدستور الإنجليزي للبرلمان ليس حقاً مطلقاً إذ أن ذلك البرلمان محكوم بقيد حديد هو التقاليد البرلمانية(parliamentary conventions) والتي لم تسمح له طوال تاريخه منذ إعلان الميثاق الأعظم (ماقنا كارتا) بالخروج عن المبادئ المُعَزَّزة (entrenched) في الدستور.

 

هذه مقدمة ضرورية لمخاطبة قضية التطور الدستوري في السودان، فتاريخ الدستور في السودان، كتاريخ السياسة، تاريخ مؤس وبائس. ليس أدل على ذلك من عجز السودانيين عن الاتفاق على دستور تُحكم به البلاد منذ الحكم الذاتي. الدستوران الوحيدان اللذان خرجا عن المألوف صدرا في ظل نظامين شموليين: دستور السودان الدائم 1973 (عهد مايو)، ودستور جمهورية السودان 1998 (عهد "الإنقاذ"). في جميع فترات الحكم الأخرى حُكم السودان بموجب دستور أعده البريطانيون، في الأساس، لإدارة فترة انتقالية هي فترة الحكم الذاتي (دستور ستنالي بيكر). ومن سخريات القدر أن يكون ذلك الدستور وليداً طبيعياً لمؤسسات قالت عنها الحركة الوطنية السودانية، على لسان الزعيم إسماعيل الأزهري، "لن ندخلها وإن جاءت مبرأة من كل عيب". ذلك الدستور أصبح دستوراً للسودان المستقل في 1/1/1956، ودستوراً للديمقراطية الثانية بعد أكتوبر 1964 (دستور 1956 معدل 1964)، ودستوراً للديمقراطية الثالثة بعد مايو.

 

ما هو مصدر العجز؟ السياسيون الذين لم يُمَتعهم الله بفضيلة التواضع ومزية نقد الذات ليس لهم ما يردون به على هذا السؤال غير: "العساكر ما أدونا فرصة". هذا إرهاف بالقول دون تروى لأن أصل الأزمة يعود إلى ما قبل الاستقلال، وقبل أن يصبح للعسكر شأن في السياسة. بمفردات اليوم نلخص الأزمة في: نظام الحكم، والهُوية، وحقوق الإنسان، والتهميش السياسي والاقتصادي. وبالطبع لم تكن مظاهر الأزمة قد تبلورت على هذا النحو قبيل الحكم الذاتي، إلا أن جوهرها كان واضحاً للعيان على المستوى السياسي، كما كان ينبغي أن يكون الحل لها واضحاً على مستوى الرؤية لجيل مؤتمر الخريجين الذى كان يحسب غاندي ونهرو أنبياءً للوطنية. ولهذا السبب سأصطحب الهند معي كل ما كان ذلك ضرورياً في هذه الفصول. ولن نفلح في التحليل السليم لمشاكلنا إن أصبح الهروب من التاريخ عادة لنا ودأباً.

 

مشروع دستور الحكم الذاتي ـ الذى أصبح فيما بعد دستوراً للاستقلال ـ تضمن مادتين حول الجنوب (وكان موضوع الجنوب هو الأكثر بروزاً يوم ذاك في قضايا نظام الحكم "الفيدرالية"، والهُوية (الدين)، والتهميش السياسي (وضع الجنوبيين في حكم وإدارة الدولة الجديدة). كان ذلك هو الحال قبل أن يتفاقم المشكل وينضم لأهل الجنوب من انضم إليهم من أقوام السودان. هاتان المادتان تناولتا هذه القضايا بصورة لم يكن يكلفنا إتباعها مشقة أو عناء إذ نصتا على أمرين: الأول، هو طمأنه الجنوبيين على مستقبلهم، والثاني، إرضاء طموح نخبهم. وعلى وجه التحديد تعلقت الأولى بضرورة تعيين جنوبيين اثنين على الأقل في مجلس الوزراء، والثانية بمسئولية الحاكم العام عن ضمان أن يلقى الجنوب معاملة منصفة. هاتان المادتان أُلغيتا عقب زيارة صلاح سالم للجنوب ولقاءه مع قيادات الشمال حيث اتفق مع هذه القيادات على إزاحة النصين من مشروع الدستور، ثم أبلغ البريطانيين من بعد أن أحزاب الشمال لا تمثل الشمال وحده بل الجنوب أيضاً لأن تلك الأحزاب جميعاً تضم جنوبيين. ذلك رأي لم يعترض عليه من بين ساسة الشمال إلا رجل واحد هو إبراهيم بدري. تلك كانت هي الدرجة من الاستهانة والتسطيح الفكري التى تعامل بها صلاح سالم مع القضية، وارتضاها ساسة الشمال. ومن المذهل أن الأحزاب الشمالية التى اجتمعت في السابع من يناير 1953 مع صلاح سالم لتقرر في أمر الجنوب في غيبة أهله ضمت ممثلين لحزب ربما لا يزيد أعضاؤه عن الرجلين اللذين وقعا نيابة عن ذلك الحزب الاتفاق مع سالم، ذلكم هو الحزب الوطني والذي مثَله الأستاذ يحي عبد القادر والدكتور عبد القادر مشعال.

 

مع ذلك نحسن الظن ونقول أن ساسة الشمال كانوا يخشون من استغلال الحاكم العام لذلك النص لتعويق مسيرة السودان نحو الحكم الذاتي. ونحسن الظن أيضاً ونقول أنهم كانوا عازمين على الأخذ بيد الجنوبيين والاعتراف لهم بحقوقهم المشروعة في الوطن الواحد، خاصة وقد اتفقوا جميعاً مع صلاح سالم، واقنعوا البريطانيين بذلك، أن البرلمان المنتخب سيضع بديلاً لهذا النص يُرضي الجنوب. ولكن، ما الذى وقع فيما بعد؟ لم يضع البرلمان بأي صورة من الصور، بديلاً لتلك المادة التى ضُمنت في مشروع الدستور لحماية حقوق الجنوب وطمأنة أهله، بل لم يحترم حتى ما تعهد به للجنوبيين حول الفيدرالية كما أسلف الذكر. وهكذا أصبح ذلك الدستور بقصوره العضوى ـ على الأقل فيما يتعلق بنظام الحكم ـ عاجزاً عن تلبية حاجات كل أهل الوطن الواحد، وبالتالي ما كان ليصلح أساساً لحكم مستقر، طالما لم يكن هناك تراض عليه بين أهل السودان.

 

ولئن تقاصرنا في موضوع نظام الحكم، كَفاً أو عجزاً، عن إرساء القواعد لبيت يتفيأ أهل السودان جميعاً ظلاله عن اليمين والشمائل، فقد كنا أقل تقصيراً في التوافق على فكرة المواطنة والتبعات المترتبة عليها. والمواطنة مفهوم عابر للفوارق الدينية، والثقافية، واللغوية، إن لم ندركه على هذا الوجه فلن ندرك المغزى الحقيقي لحقوق الإنسان والمواطن. ومن الطريف أن هذا هو الاسم الذى كان يطلق على تلك الحقوق عند منشئها في الثورة الفرنسية، أول عهد الإنسانية بتلك الحقوق. وفي اللحظة التى أخذنا نقسم فيها أهل الوطن إلى أغلبية وأقلية، ضللنا الدرب وذهبنا حيارى في مفازة لا دليل فيها ولا علامة. لاشك في أن في كل بلاد الله هناك أغلبية وأقلية عددية. ولاشك في أن الحظوظ السياسية في هذه البلاد تقدر بميزان العدد. كما لاشك أيضاً في أن الأمم درجت، أو بالأحرى درج العنصر أو الجماعة الغالبة فيها، على السعي لاستيعاب الجماعات الأقل عدداً في السياق العام، كان ذلك في اللغة أو الثقافة أو الدين، ويُبرر ذلك دوماً بأنه تحقيق لإرادة الأغلبية. بيد أن هذه النظرة الآلية للأغلبية والأقلية في الأنظمة الديمقراطية تنتهك أهم مبدأين فيها، ألا وهما المساواة في الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون. ولئن نزعم أن لم يكن لنا عن ذلك الأمر حَدَد أو بُد، نكون غير صادقين. كانت أمامنا تجربة الهند التى نعرفها حق المعرفة أو بهذا ظللنا نوحي شعراً ونثراً وغناءً. يعرفها السياسيون الذين كانوا يطالعون ويتدارسون أفكار ساستها (أقرأ كفاح جيل لأحمد خير، والديمقراطية في الميزان لمحمد أحمد محجوب)، تماماً مثل الذى كانوا يُحَلون جدران منازلهم بصور زعمائها الهندوس، غاندي ونهرو لا المسلمين منهم، مثل محمد علي جناح (أقرأ مذكرات أحمد محمد يس). إضافة إلى ذلك يعرفها رجال القانون الذين أصبح لهم كتاب العلامة راتنلال انجيلاً في الفقه، وأهل الفن الذين طالما تهدج صوت حاديهم وهو يغني لوجه غاندي ولصوت طاغور وصدى الهند العميقة. نحن حقيقة لا نعاني فقط من ضعف في الذاكرة، وإنما أيضاً من فقدان تام للبؤرة التى يتركز فيها الاهتمام بأي شيء، فكل حدث مرجع لذاته.

 

أياً كان الحال، تلك الرؤى والممارسات التى ظلت سائدة حتى الستينيات فقدت معناها إن كان لها حقاً معنى، كما فقدت شرعيتها إن ظننا أبداً أن لها شرعية. فمنذ ذلك التاريخ تبدلت الأمور على وجهتين، الوجهة الأولى هي صدور الجيل الثاني من العهود الدولية لحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي أصبح الخروج عنها خروجاً عن الشرعية الدولية. أما الوجهة الثانية فهي نسف القانون الإنساني الجديد لكل المفاهيم السائدة حول الأقليات. فالقانون الآن يميز بين الجماعات الأصلية (indigenous) والأقليات (minorities) في داخل الدول (الاتفاقية الدولية بشأن الشعوب الأصلية والقَبلية 1989). فالأكراد في العراق، والأقباط في مصر، والأمازيغ في الجزائر والمغرب، لا تطلق عليهم صفة الأقلية لأنهم أصحاب حقوق تاريخية ثابتة في أوطانهم. ويُعَرِّف القانون هؤلاء بـ "المجموعات التى استقرت تاريخياً في أرض معينة ولها علاقة سلفية أو قَبلية (ancestral) بتلك الأرض، وتواصل وجودها في تلك الأرض قبل نزوح جماعات أخرى لها، أو غزوها من جانب الاستعمار". هذه الإشارة هامة لكي ما نزيح من أذهاننا المفاهيم التى تقسم المواطنين إلى أغلبية وأقلية وفق معايير محددة بطريقة ذاتية لنصل بها إلى نتائج معينة. فالذي يقول أن أغلبية أهل السودان مسلمون لا يقول إلا حقاً، ولكنه لا يصبح محقاً عندما يريد أن يبتني حكماً سياسياً على هذه المُسَلمة يترتب عليه حرمان مواطنين مهما كان عددهم من حقوقهم الأساسية مثل إعلان السودان دولة مسلمة. والذي يقول أن أغلبية أهل السودان من الرجال قد يكون صادقاً، ولكنه يفتقد الصدقية إن أراد التوسل بتلك الحقيقة لإصدار حكم يترتب عليه حرمان النساء من حقوق أساسية يستأهلنها بحكم إنسانيتهن لا بحكم الجنس أو النوع.

 

على المستوى العملي، ورغم دعاوى الأغلبية والأقلية، لم تبدأ هذه التفريقات الزائفة في إفراز أي ظواهر سلبية أو عدائية، كان ذلك بالنسبة للدين أو اللغة، إلا في الستينيات عندما تحول الدين إلى منتوج سياسي محض، وأصبحت اللغة تعبيراً عن وطنية عرقية (اثنية). وبتدافع الفعل ورد الفعل، خرجت قضيتا اللغة والدين عن حجمهما الطبيعي. فمثلاً، منذ بدايات الحكم الذاتي تقبل الجنوبيون بلا عناء الإصلاحات التى أدخلها وزير المعارف عبد الرحمن على طه على التعليم في الجنوب عام 1949. ففي خطابه أمام الجمعية التشريعية (1/11/1949) أعلن الأستاذ المعلم "بما أن السودان قطر واحد تشترك جميع أجزائه في مؤسسات سياسية واحدة فإن أول ما يجب تحقيقه هو أن تكون للبلاد لغة واحدة يفهمها ويتحدث بها جميع أبنائها ولا يمكن أن تكون هذه اللغة غير العربية". وذهب واحد من قادة الجنوب يوم ذاك (بوث ديو) إلى مطالبة الحكومة بالإسراع في تعليم الجنوبيين اللغة العربية حتى يلحقوا بإخوتهم في الشمال، ولم يكن بوث ينظر للغة إلا بحسبانها وسيطاً للمخاطبة والمعرفة والتعلم. وكان لبعض الأساتذة الأجلاء مثل سر الختم الخليفة وأحمد حسن فضل السيد ومصطفى أبو شرف دور هام في أداء هذه المهمة في الجنوب أقبلوا عليها بحنو الأب، وموضوعية المعلم. في ذات الوقت ظلت اللغة الإنجليزية لغة عمل معترف بها في البرلمان وفي دوائر الحكومة في الجنوب. الشيء نفسه يصدق على الدين حيث لم تجعل منه الدولة ولا أهل السياسة عظمة نزاع حتى قيام نظام عبود. ذلك النظام الذى لم يُعَرف بتدين أهله بادر باتخاذ إجراءات عبثية آذت السياسة ولم تَفِد الدين مثل استبدال عطلة الأحد بعطلة الجمعة في الجنوب، واستبدال الأسماء المحلية أو المسيحية بأسماء عربية أو إسلامية. وكان الجنوبي يطلق على تلك الأسماء التى فُرضت عليه "اسم بتاع حكومة". ولعلنا نترك قضية الدين لنعالجها بإفاضة في الفصل التالي ونقتصر الحديث في هذا المقال على تداعيات قضية الهوية الثقافية منذ الستينيات.

 

بدأت الأزمة عندما أخذت القضية تأخذ بعداً شوفينياً من جهة، وازدرائياً من جهة أخرى. وفي الفصول السابقة ألمحنا إلى نماذج عديدة من هذه الشوفينية والتي ُترَد في أغلب الأحوال، إما لرغبة شرائح معينة من الجماعات المستعربة لإدامة الهيمنة السياسية أو الاقتصادية، أو لغلواء بعض النخب ذات المصلحة في الإبقاء على هذه الهيمنة. والمؤسي حقاً أن هذه الجماعات تتحدث دوماً عن الحفاظ على الهُوية العربية / الإسلامية بصورة وضعت الدين حيث لا ينبغي أن يكون. فالفهم الملتبس للهوية جعل من الإسلام والعروبة آليتين متصادمتين، بحيث أصبحت الأولى (العروبة من منظور عرقي) هي آلية الإقصاء، في حين ظلت الثانية (الإسلام) هي آلية الاحتواء بامتياز لأن الإسلام لا يميز بين الناس على أساس أعراقهم وأصولهم. وحقيقة كان الإسلام هو المفاعل الأهم في توحيد أهل السودان مما يعني أن المسلمين العروبيين (بالمعنى العرقي للكلمة) لم يستبطنوا أبداً روح الدين الذى يرفعون راياته. "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم. وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شئياً إن الله غفور رحيم". غفر الله لنا ولهم. أما الازدرائية، أو إن أردت الوصائية، فقد عَبَرت عنها جميع المدارس والاتجاهات الفكرية (منذ مدرسة أبروف إلى كل مدارس القومية العربية)، والتي لم تكن ترى في الثقافات المحلية ما هو جدير بالاحتفاء.

 

أياً كان الأمر، تولدت عن هذه التوجهات غير الرشيدة تيارات مناهضة للثقافة العربية ككل بوصفها واحدة من أدوات هيمنة الشمال المستعرب على الجنوب غير العربي بحيث أصبحت اللغة والثقافة العربية مدانتين بالتداعي وتوقفت السيرورة الطبيعية للغة العربية. هذه الحقيقة البسيطة افتطن إليها البريطانيون بعد أن أعيتهم الحيل لمحو اللغة العربية في الجنوب. فمثلاً، كتب حاكم عام السودان، السير جون مافي في تقرير له يقول "أينما ذهبت، سواء في أعالي الايماتونق أو عند حدود الكنغو البلجيكية، أجد الجميع يتحدث اللغة العربية بمن فيهم الناطقون الرسميون باسم القبائل. إزاء هذه الحقيقة أو لا يجب أن نتملى جيداً فيما نبذله من جهد ومال لقمع اللغة العربية. وبالفعل، أو لا يجب أن نتفكر كيف يمكن أن تصبح هي الأداة الفعالة لتنفيذ سياستنا". (تقرير الحاكم العام 12/7/1927). وعبر السنين لم تنتشر اللغة والثقافة العربية في جميع أرجاء السودان عن طريق الأوامر والنواهي والنصوص الدستورية وإنما تم عبر التنافذ أو التناضح (osmosis) الاجتماعي والذي كان من أدواته التساكن، والمتاجرة، والتزاوج، والتعليم، والفن، والموسيقى. أو ليس من المدهش أن يكون السوداني الوحيد الذى وجه له زعيم الحركة الشعبية الدعوة عبر النائب الأول للمشاركة في توقيع بروتوكول السلام في نايفاشا هو الأستاذ محمد وردي، نوبي من أقصى الشمال جاء ليغني لأهل الجنوب بلغة لا هي لغته الأم ولا لغتهم: "أنت يا أكتوبر الأخضر". هذه هي ظلال الصورة التى لا يبصرها ولن يبصرها الشوفينيون الذين أغشى الله أبصارهم.

 

اللغة في حد ذاتها ليست مشكلة بالضرورة، فهناك بلاد كثيرة لا ينص دستورها على لغة رسمية مثل كينيا ويوغندا اللتين تستخدمان الإنجليزية والسواحيلية حسب الحاجة والضرورة إليهما، في حين اعتمدت جارتهما تنزانيا السواحيلية لغة رسمية. وفي نيجيريا لا ترد إشارة للغة الرسمية للدولة في الدستور النيجيري باستثناء الإشارة في المادة 55 من لغة العمل في البرلمان، وتقرأ: "أعمال الجمعية الوطنية تتم باللغات الإنجليزية، والهوسا، والايبو، واليوروبا وعلى الدولة توفير الإمكانيات اللازمة لتحقيق هذا". أيضاً، رغم اعتماد اللغة الإنجليزية عُرفاً لغةً رسمية للولايات المتحدة لا يتضمن دستورها أي نص حول لغة الدولة. المشكلة تبدأ دوماً عند ما تصبح اللغة، كما قلنا، تعبيراً عن وطنية عرقية (اثنية). ونعرف من التاريخ إلى ماذا قادت رحلة الوطنية الاثنية، من خطاب يوهان فيخته (رسالة إلى الأمة الألمانية) في 1807 إلى خطب النقاش البافاري ادولف هتلر في مدينة ميونخ. ولحسن الحظ لم تبلغ الشوفينية التى عمقت من مشاعر الجفوة عند بعض الجنوبيين نحو اللغة العربية، وحملت آخرين منهم على الاستدعاء القسري لثقافاتهم المحلية ذلك الحد من الفُحش. بل أضيف أنه رغم كل مآسي الحرب الأخيرة فإن الدور الذى قامت به الحركة الشعبية في توسيع نطاق التعامل باللغة العربية، لم تقم به أي حركة ذات منشأ جنوبي من قبل، ولأسباب عملية وظروف موضوعية بحتة. فالحركة تضم عناصر تنتمي لأقوام وجماعات تتواصل فيما بينها باللغة العربية، لسان التخاطب المشترك الوحيد. كما تسعى لأن تقوم بدور سياسي في كل أرجاء القطر، بما في ذلك الشمال. والحركة على مستوى قياداتها بنت، ومازالت تبني جسوراً عديدة للتفاعل مع القوى السياسية والاجتماعية في شمال السودان، ومع دول عربية خارج السودان.

 

نعود على بدء لنقول أن اتخاذ الأغلبية والأقلية معياراً عند تأسيس الحقوق التى ترتكز على المواطنة مثل حق الأقوام التى يجمعها وطن واحد في الاحتفاظ بخصائصها الثقافية وتطويرها إن أرادت، ينسف فكرة المواطنة من أساسها. فالمواطنة تعني أن يكون الوطن دوماً هو نقطة التوجه الأساس (primary point of orientation) عند إقرار الحقوق والواجبات، لا العرق ولا الدين ولا النوع. هذا ما ذهبت إليه الدول التى كان في مقدورنا الاستئناس بتجاربها. من ذلك تجربتان جديرتان بالتملي لتناقضهما، الأولى تجربة سيريلانكا، والثانية تجربة الهند. سيريلانكا دولة صغيرة لكنها تتمتع بما لا تتمتع به جاراتها: التجانس بين أهلها، وفرة مواردها، علاقاتها الطيبة مع كل جاراتها، انعدام الفوارق الدينية الحادة بين مواطنيها، مستوى التعليم العالي الذى حظي به مواطنوها (90% من الرجال و80% من الإناث). رغم هذا أشعل قرار واحد أصدرته رئيسة الوزراء باندرنايكه في عام 1956 بعد اثني عشر عاماً من استقلال جزيرة سيلان (الاسم القديم لسيريلانكا) ناراً لم تخمد بعد. فلدوافع وطنية مقدرة قررت باندرنايكه أن تصبح اللغة السينهالية (Sinhalese) اللغة الرسمية للدولة الجديدة وعلى كل المستويات بعد أن ظلت الإنجليزية لغة رسمية لسيلان طوال مائتي عام، مع الاعتراف للغة التاميل (لا يزيد عدد التاميل عن ربع سكان الجزيرة) بالموقع الثاني. ذلك القرار الوطني لم يُرض التاميل الذين يفاخرون، هم الآخرون، بلغتهم، فكانت الحرب التى ظلت مشتعلة طوال أربع عقود من الزمان. ومن الطريف أن دولة النرويج التى ترعى مفاوضات الإيقاد هى نفسها التى ترعى أيضاً المفاوضات لإنهاء الاحتراب في سيريلانكا.

 

التجربة الثانية هي تجربة الهند، وليس للهند مثيل في التنوع اللغوي والديني. ورغبة من آباء الاستقلال في الحفاظ على وحدة الهند السياسية، ومراعاة الخصائص الثقافية لشعوبها المختلفة، وتحقيق التفاعل الخلاق بين ثقافاتها، ابتدعوا صيغاً دستورية رائعة لتحقيق هذه الأغراض. مثلاً، نصت المادة 343 من الدستور الهندي على أن اللغة الهندية (Hindi) هي اللغة الرسمية للهند مع السماح باستخدام اللغة الإنجليزية لمدة 15 عاماً بعد الاستقلال. كما نصت المادة 345 على حق الولايات في استخدام الهندية أو أية لغة أو أكثر كلغات رسمية حسبما يقرر برلمان الولاية. ووجهت المادة 350 (أ) بتوفير التعليم الأولي باللغة الأم لأبناء وبنات الولايات المختلفة، والمادة 350؛ (ب) بتعيين معتمد خاص لشئون الأقليات اللغوية لدراسة المشاكل الناجمة عن التعدد اللغوي في الهند وتقديم النصح للحكومة الاتحادية عن وسائل معالجتها. أما المادة 351 فقد نصت على مسئولية حكومة الاتحاد في تطوير استخدام اللغة الهندية حتى تصبح وسيطاً للتواصل بين أهل الهند جميعا على أن تُثرى بأساليب وأنواع التعبير الموجودة في اللغات الهندية الأخرى حتى تعكس عبقرية اللغات وتنوع الثقافات الهندية. وفي جميع هذه النصوص لم يستخدم الدستور تعبير الأقليات في وصفه لشعوب وأقوام الهند.

 

بتوقيع اتفاقيات نايفاشا ترك السودان بشكل قاطع هذه القضايا وراء ظهره، فتماماً كما حُسمت قضية نظام الحكم، تم حسم قضايا اللغة والثقافة، والحقوق الأساسية وطرائق حمايتها. فحول اللغة وردت الإشارات التالية:

  جميع اللغات المحلية لغات قومية يجب احترامها؛

  اللغة العربية هي اللغة الأوسع انتشاراً في السودان (إشارة وتنبيه إلى أنها لغة التواصل)؛

اللغة العربية لغة رئيسة على المستوى القومي وستكون، مع الإنجليزية، اللغتان الرسميتان في الحكومة القومية ولغتا التدريس في التعليم العالي؛

بالإضافة إلى العربية والإنجليزية للمشرع في أي مستوى فرعي من الحكم استخدام أي لغة أو لغات أخرى على نطاق مستواه؛

لا يجوز التمييز ضد استخدام أي من اللغتين على أي مستوى حكومي أو تعليمي.

 

عند مضاهاة هذا النص بما ورد في مشروعات الدساتير أو الدساتير السابقة نجد فروقاً عديدة. فمشروع دستور 1968، مثلاً، كان واضحاً عندما حدد للدولة لغة رسمية واحدة هي العربية (المادة 3). ورغم كفالة ذلك الدستور حرية استعمال اللغات وتطوير الثقافات بالنسبة إلى ما أسماه "الأقليات" (المادة 39)، أخضع التمتع بتلك الحرية لشرط قامع هو "دون المساس بحق الدولة في فرض استعمال لغة البلاد الرسمية في معاهد الدولة ودواوين الحكومة". وحين ضمنت اتفاقية أديس أبابا للجنوبيين حق تطوير لغاتهم وثقافاتهم واستخدام اللغة الإنجليزية متى ما كان ذلك ضرورياً لأداء عمل تنفيذي أو إداري (المادة 6 من الباب الثالث في الاتفاقية) أزال نميري في تعديلاته الهوجاء للاتفاق ذلك النص. أما دستور 1998 فقد أورد في المادة الثالثة من الدستور ما يلي حول اللغة: "اللغة العربية هي اللغة الرسمية في جمهورية السودان وتسمح الدولة بتطوير اللغات المحلية والعالمية الأخرى"، وما هكذا تكفل الحقوق الأساسية، فهي ليست حقوقاً تسمح (أو لا تسمح) بها الدولة، وإنما هي حقوق تُلزم الدول باحترامها.

 

الاعتراف باللغات المحلية كلغات قومية يتماشى مع الاتجاه السائد اليوم في كل بلاد العالم بما في ذلك البلاد العربية التى ينطق بعض أهلها بلغات غير العربية. مثال ذلك الأمازيغ في الجزائر والتي اعترف بها الدستور الجزائري مؤخراً (أبريل 2002) كلغة قومية، واللغة الكردية في العراق. وحول الأخيرة تناول الدستور العراقي الجديد (قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية) هذا الموضوع في المادة التاسعة التى جاء فيها: "اللغتان الرسميتان للعراق هما العربية والكردية" مع الاعتراف بحق التركمان، والسريان، والأرمن في التعليم بلغتهم الأم في المؤسسات الحكومية. كما أباحت الفقرة السادسة من المادة نفسها للمؤسسات والأجهزة الاتحادية في إقليم كردستان استخدام اللغتين.

 

من بعد الحديث عن الحقوق الثقافية نجئ إلى حقوق الإنسان بوجه عام. وبما أن هذه الحقوق تحكمها الآن قواعد عالمية ثابتة تتضمنها عهود دولية تعلو في حجيتها على القوانين المحلية كان من الضروري أن يستلهم المتفاوضون في نايفاشا هذه القواعد والأحكام. لهذا، استناداً على، واستلهاماً للإعلان الدولي والعهود الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، أقر بروتوكول نايفاشا حول السلطة ما يلي:

  تفي حكومة السودان تماماً على كل مستويات الحكم، وفي كل أنحاء القطر بالتزاماتها وفق العهود الدولية لحقوق الإنسان التى هى، أو ستكون، طرفاً فيها. وتشمل هذه العهود العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966، والعهد الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، والعهد الدولي لإزالة كافة أشكال التمييز العنصري 1965، وإعلان حقوق الطفل 1959، والاتفاقية الخاصة بالرق 1929 وتعديلاتها، والميثاق الأفريقي حول حقوق الإنسان والشعوب؛ وعلى حكومة السودان المصادقة على العهود الأخرى لحقوق الإنسان التى وقعت عليها.

 

ولمزيد من التفصيل ذهب البروتوكول إلى تحديد بعض هذه الحقوق بدءاً بحق الحياة (كل إنسان له الحق في الحياة ويحمي هذا الحق بالقانون، ولا يُحرم أي إنسان قسراً من حياته أو حريته الشخصية)، والحق في الحرية والأمن الشخصي، وتحريم العبودية والاتجار بالبشر والاسترقاق بجميع أنواعه، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية، والمحاكمة العادلة والعلنية، وبراءة المتهم حتى تثبت إدانته أمام محكمة ذات كفاءة، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو المعتقد السياسي أو الأصل العرقي أو الوضع الاجتماعي، وحرية التنقل واختيار السكن، والمساواة بين الرجال والنساء حسبما هو مبين في العهد الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية. لضمان احترام هذه الحقوق اتفق الطرفان على النص عليها كاملة في الدستور، كما اتفقا على إنشاء مفوضية لحقوق الإنسان لتتابع التزام الدولة بهذه العهود والمواثيق والتي ستصبح جزءاً لا يتجزأ من القوانين الوطنية. ولعله سيكون من بين واجبات هذه اللجنة مراقبة أداء العدالة الجنائية في كل ما يمس حقوق الإنسان، خاصة حماية المحتجزين، والانتصاف والجبر لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. ولربما لا نعود لدساتير الستينيات والسبعينيات لأنا لن نجد فيها إضاة حول الالتزام بهذه الحقوق على هذا الوجه التفصيلي، ولكن ما باله دستور 1985 توقف عند الجيل الأول من قوانين حقوق الإنسان؟ حتى في هذه الحالة، ما باله توقف عند الحقوق المدنية والسياسية التى لا تعني، بصورة مباشرة، غير أهل الحاضرة؟

 

بروتوكول اقتسام السلطة أيضاً أفرد مكانا خاصاً لدور القضاء في حماية الدستور. ولقد حُظي السودان منذ استقلاله بخدمة قضائية متميزة أرسى قواعدها رجال أفذاذ. وستظل أسماء رجال مثل محمد أحمد أبو رنات، واحمد متولي العتباني، ومحمد إبراهيم النور، وعبدالرحمن النور، وبابكر عوض الله، وعبد المجيد إمام، وعثمان الطيب، ومحمد يوسف مضوي تماماً مثل أحمد خير، ومحمد أحمد محجوب، وعابدين إسماعيل، ومبارك زروق، وإميل قرنفلي من رجالات القضاء الواقف، درراً مضيئة في تاج العدالة والفكر القانوني السوداني. ولكن القضاء، مثل غيره من المؤسسات، تعرض لهزتين. الأولى كانت بسبب الاستهانة التى لقيها في ظل الديمقراطية نتيجة الفهم الخاطئ لمبدأ الفصل بين السلطات، والذي ربما زين للحكام يوم ذاك أنه طالما جاءوا بإرادة جموع الناخبين فلا حق لموظف غير منتخب أن يحول دون ممارستهم للسلطة الأميرية، حتى وإن بلغت تلك الممارسة حد الإخلال بالدستور نفسه. أبلغ مثال عن ذلك كان هو موقف رئاسة الدولة من القضاء في عام 1986. والثاني هو تدجين القضاء في مراحل الحكم الشمولي، وذلك إفراز لنظرية مدمرة هي نظرية الشرعية الثورية والتي نشأت على يد المدعي العام الروسي فشنسكي في العهد الاستاليني، وامتدت عدواها إلينا عبر النظام الناصري. إقتداءً بتلك النظرية لم يجد النظام الناصري أدنى غضاضة في تحقير القضاء بالإساءة إلى أكبر رموزه (الاعتداء على رئيس مجلس الدولة، عبد الرازق السنهوري)، كما لم يستحي بعض كباره من وصف نظرية استقلال القضاء بأنها شعار منقول ومستورد (خطاب علي صبري في مارس 1961). مع هذا، لم يبلغ التدجين للقضاء، أو قل الاستيلاف له، في الأنظمة الشمولية السودانية ما بلغه في ظل نظام "الإنقاذ".

 

هذا زمان ولى، فكما أصبحت لحقوق الإنسان عهود تجاوزت الإعلانات، أصبحت أيضاً هناك قواعد دولية ملزمة لحماية المؤسسات العدلية. من ذلك الإعلان العالمي حول استقلال القضاء، مونتريال (1983)، وقرارات المؤتمر السابع للأمم المتحدة لمنع الجريمة ومعاملة المذنبين، ميلانو 1985. الإعلان العالمي كان واضحاً في تأكيده على مبدأ حرية القضاة في الفصل في الدعاوى دون خضوع لأي ضغوط، واستقلالهم تجاه زملائهم ورؤسائهم، واستقلالهم عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وولايتهم القضاء في كافة المنازعات، وحظر إنشاء المحاكم الاستثنائية، وحصر صلاحيات المحاكم العسكرية في الجرائم التى تقترفها عناصر القوات المسلحة، وتحريم انتساب القضاة للأحزاب السياسية الخ ..

 

وبما أن الذى يعنينا هنا هو سلطة القضاة في الأمور المتعلقة بالحقوق الأساسية وصيانة الدستور نكتفي بالإشارة لما أورده البروتوكول حول المحكمة الدستورية. ينص البروتوكول على قيام محكمة دستورية مستقلة عن السلطة القضائية يرأسها رئيس تعينه رئاسة الجمهورية (الرئيس بموافقة النائب الأول)، وتتمتع المحكمة بسلطات لفض النزاعات التى تنشأ حول، أو بموجب، الدستور القومي ودساتير الولايات الشمالية بطلب من الأفراد أو الأجهزة الرسمية. أما حول القضايا المتعلقة بدستور الجنوب فيكون لها حق النقض أو الإبرام لقرارات المحكمة العليا لجنوب السودان عند رفع الأمر إليها استئنافاً. تصدر المحكمة أيضاً الأحكام حول دستورية القوانين وتوجه بإلغاء أية قوانين تتعارض مع الدستور القومي، دستور الجنوب، أو دساتير الولايات، كما تنظر في النزاعات الدستورية بين الأجهزة والمستويات الحكومية المختلفة، وفي جميع القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان. وفي كل هذه الحالات تعد قراراتها قاطعة ونهائية وملزمة. ولعل هذا يُنهي التعابث بأحكام القضاء الذى عرفناه في الماضي مثل الجدل حول إن كانت أحكامه تقديريه (declaratory) أو ملزمة، فحكم القضاء بموجب الدستور الجديد سيكون بلا مرية، هو عين الحقيقة.

 

وينص البروتوكول على أن يمثل الجنوب تمثيلاً كافياً في المحكمة الدستورية والمحكمة القومية العليا وبقية محاكم الاستئناف القومية بقانونيين أكفاء. ولضمان سلامة عملية تعيين وعزل القضاة تنشأ هيئة للخدمة القضائية (National Judicial Commission) تتولى تعيين القضاة كما توصي بفصلهم في حالات سوء السلوك الفاضح أو عدم الكفاءة. وتضم اللجنة، إلى جانب رئيسها (رئيس القضاة)، وزير العدل وأكاديميين وقانونيين ضالعين.

 

نقطة أخيرة جديرة بالاهتمام هي نسف الوهم الذى أشعناه، وربما أيضاً اقتفينا فيه أثر التجارب الشمولية العربية، ألا وهو دور القوات المسلحة في حماية الدستور أو النظام السياسي. فالمادة 15 من دستور 1985 (دستور الديمقراطية الثالثة) تنص على ما يلي : "قوات الشعب المسلحة جزء لا يتجزأ من الشعب ومهمتها حماية البلاد وسلامة أراضيه وأمنها وحماية أهداف ومكتسبات ثورة رجب الشعبية". كما نص ميثاق الدفاع عن الديمقراطية (17/11/1985) على الاعتراف بدور القوات المسلحة في "حماية الديمقراطية". النصان، بلا ريب، مستوردان من دستور مايو 1973 الذى كلف قوات الشعب المسلحة بحماية "مكتسبات ثورة مايو الاشتراكية". القوات المسلحة مؤسسة قومية وهكذا ينبغي أن تكون وأن تظل. واجبها الأسمى والأوحد هو الدفاع عن سيادة الوطن وسلامة أراضيه تحت إمرة السلطة المدنية الشرعية. وما ايكال أمر حماية "المكاسب الثورية" أو "الدستور" أو "الديمقراطية" لها إلا بدعة دستورية تفتح الباب للمغامرات لأنها تفتح الباب للاجتهادات، ولكل مجتهد نصيب. وعلنا نعرف جيداً وبعد تجارب مُرة إلى أين يمكن أن تقود هذه الاجتهادات.  

 

الجوانب التى تطرقنا إليها في البروتوكول في هذا المقال والمقال السابق تمثل في مجملها أهم عناصر الدستور، فما هو السبيل لوضع هذا الدستور؟. تقول بروتوكولات السلام انه حال التوقيع على اتفاق السلام النهائي يُرفع الاتفاق إلى المجلس الوطني والمجلس الوطني للحركة الشعبية لاعتماده دون تعديل. ومتى ما تم ذلك تُدعى اللجنة القومية للدستور لوضع إطار قانوني دستوري لحمته وسداه اتفاقيات السلام. هذه اللجنة تتكون من ممثلين من الطرفين إلى جانب "ممثلين للقوى السياسية الأخرى ومنظمات المجتمع المدني" حسبما أورد البروتوكول. ويكلف البروتوكول لجنة الدستور أيضاً بوضع دساتير نموذجية للولايات تتماشى مع الدستور القومي ومتى ما اكتمل إعداد تلك الدساتير (أي دساتير الولايات) واقتنع وزير العدل بملاءمتها للاتفاقية وللدستور القومي تُعلن كقوانين. وقد يكون موضوع تكوين لجنة الدستور واللجان القومية على رأس الموضوعات التى تعالج في المفاوضات التى ستدور بين التجمع الوطني والحكومة من جانب، وبين طرفي الاتفاق من جانب، ثم بين الأطراف الثلاثة وأي طرف آخر في منبر يتفق عليه إن رأت الأطراف ذلك. على أن الذى يجب أن يكون واضحاً للجميع هو أن نصوص الاتفاق تُقدم ـ للمرة الأولى ـ حلاً شاملاً لداء السودان السياسي المتوطن وأساساً لدستور يضمن الوحدة والسلام والاستقرار بعد نصف قرن من عدم الاستقرار. هذا لا يعني أنها لم تترك زيادة لمستزيد، وإنما يعني أن أي محاولة للإخلال بنص الاتفاق أو روحه بدافع التزيد أو المكايدة أو التشاطر سيكون، أولاً، جهداً بلا طائل، وثانياً عملاً ضاراً. وعندما أقول ضاراً، أعني الضرر والأذى الذى يصيب السودان في الخاصرة وقد يمزقه إرباً. فهل هذه هي الغاية التى يبتغيها المتزيدون؟