الشروط المتغيرة لإعادة إنتاج النخبة المثقفة


يوليو/ 2004

 


 

 

التباين في أنظمة التعليم و الشتات

وإعادة إنتاج النخبة المثقفة

د. إبراهيم النور 

الأستاذ المشارك بالجامعة الأمريكية في القاهرة

 

 

 

 

 

 

  مقدمة

  جدل الإنتاج المعرفي في المنطقة

  تطور الأنظمة التعليمية

  آلية توالد الضغوط فى توسيع التعليم (السودان: دراسة حالة)

  توسع التسعينيات: القفز فوق أقدام واهية

  أزمة تعليم الأعداد الكبيرة

  من التعليم النخبوي المفتوح للتعليم النخبوي المغلق

  التدفقات البشرية واعاده انتاج النخب والمعرفة

  الأشكال الجديده لاعاده انتخاب النخب المتعلمة

  المنطقة العربية والسياق العالمي: نحو خلاصة

  هوامش

  المراجع

 

أشارد. عاطف عبيد – رئيس الوزراء في بيان أمام مجلس الشعب – إلي " أن مراكز التدريب ستتولى إعادة تأهيل 400 ألف خريج سنوياً ..."الأهرام،2003/12/29

 

 

 

مقدمة

تعنى مساهمتي بالأسس الهيكلية لمنظومة إنتاج المعرفة والبحث العلمي بما في ذلك البحوث الاجتماعية وتركز هذه المساهمة بصفة خاصة على التغيرات في البنية الأساسية للإنتاج المعرفي وأقصد بذلك النظام التعليمي وما طرأ عليه من تغيرات في تركيبته وفي سياساته أو في محتواه كماً ونوعاً. وتعنى أيضاً متغير شديد الارتباط بالبنية الأساسية للإنتاج المعرفي وهي دور التدفقات البشرية(population flows) في المنطقة على اختلاف مقاصدها. هجرة بين دول المنطقة بين دول مصدرة للعمالة وأخرى مستورده لها – وهجرة إلي المنطقة من كل المناطق وعلى الأخص المنطقة الآسيوية – وهجرة من المنطقة الى الشمال. كل هذه الهجرات تقوم بدور على قدر من الأهمية والتأثير بالنسبة لقدرات إنتاج المعرفة وتوطينها ونشرها في المنطقة سلباً وإيجاباً.

 

لقد نتج عن هذه المتغيرات الهامة في كل من البنية الأساسية للإنتاج المعرفي وتركيبته البشرية وحركتها وعوامل الفرز وسطها،  ديناميكية جديدة لعملية إعادة الإنتاج المعرفي والنخب المثقفة وهى، في تقديري، ديناميات تولد تحديات جديدة.يشكل فهم هذه الديناميات  نقطة البدء في فهم مسار البحث العلمي وسبل تجاوز نواقصه وتحدياته الحالية.   وبالرغم من جوانب الخصوصية في تطور بنية الانتاج المعرفي ودينامياتها القديمة والجديدة في المنطقة العربية فإنه لابدَّ من النظر إليها في إطار أوسع من الدائرة الإقليمية، أي، من منظور يشمل أيضاً المتغيرات الحادثة على مستوى الفضاء الجنوبي الكوني، وفي إطار العلاقات المتبادلة بين الشمال والجنوب في عالمنا وفي اطار العولمة المتزايدة وما أفرزته وتفرزه من مؤثرات.

 

جدل الإنتاج المعرفي في المنطقة

حرك تقريرا التنمية البشرية العربية الصادران في عام2002و عام 2003، ساكن الحياة في الأوساط المعنية بقضايا البحث العلمي والإنتاج المعرفي. استطاع التقرير الأول عام 2002 أن يسهم في تحريك ردود فعل صحية عندما ركز على أن تحدى التنمية في المنطقة يتمثل في تجاوز نواقص ثلاثة هي: المعرفة، والحرية، وتمكين المرأة. وعنى التقرير الثاني بتحديات إقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية: انتاجاً وتوظيفاً ونشراً مركزاً على محورين هما تحويل الثروة المعرفية إلي رأس مال معرفي، وتوظيف رأس المال المعرفي بكفاءة في إنتاج معارف جديدة بوصفهما عمليتين مجتمعتين مترابطتين محور الأولي، نشر المعرفة المتاحة، بينما تنصب الثانية على العمليات المباشرة لإنتاج معارف جديدة في مجالات المعرفة كافة: العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانيات والفنون والآداب وصنوف النشاط المجتمعي كافة، وما تقتضيه كفاءة هذين النشاطين من قيام مؤسسات مجتمعية لتحقيق أغراضهما حركة المؤسسات في الزمن، عمليات مجتمعية نشطة وفعالة تنهض في سياق قطري وإقليمي وعالمي يفُعل بها (تقريري التنمية البشرية العربية 2002،2003).

 

اتخذت من التقرير مدخلاً لمساهمتي لا بسبب النية في الدخول في حوار مع ما توصل إليه أو ما تطرق إليه بل بسبب أهمية ما لم يوليه التقرير بالعناية الكافية، ركز التقرير بصورة كبيرة على قضايا قياس المعرفة وبطبيعة الحال يلعب التعليم ونظامه ونوعيته الدور المقدم في قدرات إنتاج المعرفة وبطبيعة الحال تلعب عناصر التعليم (النظام، النوعية، السياسات) دوراً مهماً في تحديد ديناميته ووجهة إعادة إنتاج هذه القدرات المعرفية كما تعرض التقرير بشكل عابر الى عنصر أساسي مؤثر بشكل متميز على قدرات إنتاج المعرفة في المنطقة وهو الدور الخاص بالتدفقات البشرية في المنطقة.

 

تبدأ الورقة بمناقشة القضايا المتصلة بأنظمة التعليم العربية بحسبانها حجر الأساس في الإنتاج المعرفي،ثم تأتي بعد ذلك مناقشة الحجم المميز والمؤثر للتدفقات البشرية في المنطقة وأثرها البالغ في إنتاج وتوطين أو استنزاف المعرفة في المنطقة، بينما يركز القسم قبل الأخير على التأثير المتبادل لكل من العاملين الخاصين بالنظام التعليمي والتدفقات البشرية في خلق دينامية جديدة لإنتاج المعرفة ولنمط إعادة إنتاج النخب المثقفة اثرت وتؤثر هذه الدينامية على عملية إنتاج المعرفة ونشرها وتوطينها في المنطقة. ويعني القسم الأخير من الورقة بوضع قضايا الإنتاج المعرفي في المنطقة في إطار المتغيرات الحادثة في الجنوب الكوني الكلي وفي إطار علاقات الجنوب والشمال وما أفرزته وتفرزه من اتجاهات للتباين في الوضع النسبي تقارباً وتباعداً، واندماجاً وتهميشاً، فبعض مظاهر التهميش والتراجع عن مستوى الإنتاج المعرفي، كما نزعم، ترجع الى شروط عالمية أقل مؤامة للتبادل المتكافئ في مجال الإنتاج المعرفي فرضتها عوامل مرتبطة بالإرث التاريخي للتبعية المعرفية وما أفرزته العولمة من عوامل فرز جديدة. تكتسب هذه المقاربة أهميتها بسبب الافراط في تعريف أزمة الإنتاج المعرفي العربي أو "الجنوح الدائم لجلد الذات" الذى يلازم المساهمات العديدة في هذا المجال.

 

تطور الأنظمة التعليمية

هل يمكن الوصول إلى أية تعميمات معقولة ونحن نتحدث عن منطقة بالغة التعدد والتنوع مثل منطقة الدراسة؟ ربما كان هذا هو السؤال الجوهري الذى يواجه كل من يتصدى لأية تعميمات. يكفي النظر الى متغيرات مثل الدخل، والمستوى التعليمي، والمؤشرات التنموية الأخرى لنرى فداحة المخاطرة؛ وتبدو الحالة أكثر تعقيد متى أخذنا في الحسبان مثلاً التقسيمات المعتمدة على تصدير العمالة أو استيرادها، ولربما أخرى أكثر صعوبة تتعلق بالاختلاف البين في تاريخ المؤثرات الاستعمارية مصنفة حسب الأقاليم وربما البلدان كما لاحظ بحق هنرى واسبرنعبورق (Henery and Springborg, 2001:8-21). في القسم البالغ الدلالة الذى يناقش خصوصية الميراث الاستعماري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتنوعه. بالرغم من ذلك فإننا نزعم أن قدراً من التعميم المفيد، ممكن بل وضروري لرؤية الغاية بأكملها بسبب التأثيرات المتبادلة والتداخل التاريخي المعرفي والمادي على السواء. يكفي على المستوى المادي أن نرى أن الريعية (الأكثر تميزاً للاقتصاديات المنتجة للبترول) قد أفرزت مؤثرات ريعية في كل اقتصاديات الدول غير المنتجة. غنى عن القول أن التأثير المتبادل على المستوى المعرفي لا يحتاج لتدليل أكبر.

 

بالرغم من التفاوت التاريخي الواسع وباستثناءات قليلة (لبنان – فلسطين) فقد تم الانتقال من التعليم النخبوي القائم على الأعداد القليلة والمراكز القليلة للتميز وهو نمط وضعه الاستعمار في كل البلدان العربية شرقا وغرباً. كما أسلفنا تمَّ هذا الانتقال في فترات تاريخية مختلفة وكانت مصر السباقة لهذا الانتقال (عام 1952) كما كانت السباقة في مجانية التعليم (عام 1923). لكن معظم دول المنطقة التحقت بالنموذج المصري على فترات متباعدة تحت ضغوط اجتماعية هائلة من الفئات الاجتماعية ذات المصلحة في توسيع دائرة الحراك الاجتماعي، وهي الفئات الأعلى صوتاً بدليل أن التوسع، خاصة في البلدان غير الغنية، أغفل الفئات التي لا صوت لها، وإلا كيف نفسر هذا التوسع ذا الهرم الضيق القاعدة في بلدان الثقل السكاني والأمي (السودان – العراق – المغرب – مصر – اليمن). الجدول رقم (1) يعطي صورة أوضح لما نعنيه بهذا الهرم. هذه البلدان تمثل في المتوسط نحو ثلثى سكان المنطقة.

 

جدول رقم (1)الأمية والتعليم العالى في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا

الدولة

نسبة الاميين للفئة العمرية 15-24

-لسنة 2000

التعليم العالى كنسبة من الفئة العمرية 24-18

 

المجموع %

رجـــال

نســـاء

 

الجزائر

11.5

6.8

16.4

15

البحرين

1.6

1.8

10.4

 

العراق

55.4

40.7

70.9

14

الكويت

7.6

8.3

6.8

21

لبنان

4.8

2.8

7.0

42

ليبيا

5.3

0.2

7.0

 

موريتانيا

51.1

42.9

59.4

4

المغرب

38.4

0.5

.50.0

10

عمان

2.1

7.4

3.8

8

قطر

5.2

5.1

2.9

 

السعودية

7.3

17.2

9.7

22

السودان

22.8

4.6

28.5

8

سوريا

12.8

2.6

21.2

17

تونس

6.7

1.2

10.9

18

تركيا

3.5

12.6

6.0

15

الامارات

9.4

17.1

5.6

12

اليمن

35.0

23.6

53.8

9

مصر

30.3

23.3

37.8

39

المصدر: معهد اليونسكوللإحصاء: الموجز التعليمي العالمي 2003: مقارنة احصائيات التعليم عبر العالم، معهد اليونسكو للاحصاء، مونتريال 2003. http://www.uis.unesco.org

 

آلية توالد الضغوط في توسع التعليم (السودان: دراسة حالة)

ربما تصلح وتائر تطور نظام التعليم في السودان (وهي حالة متطرفة ولكنها أكثر ابانة) في توضيح طبيعة الديناميةالمولدة لوجهة التوسع في النظام التعليمي.يصعب فهم التشوهاتوعدم التوازن في النظام التعليمي السوداني بدون النظر في أنماط تطوره والتباين في معدلات النمو بين أقسامه المختلفة. لقد احتاج السودان الى ما يقرب من عقدين بعد الاستقلال ليرتفع بمعدل الاستيعاب بمرحلة الأساس من 25% الى 50% وطوال عقدين لاحقين كان معدل زيادة القبول مساوياً بالكاد لمعدل النمو السكاني، مخلفاً نصف أطفال السودان دون تعليم. يوضح الجدول رقم (2) معدلات النمو في القبول بمراحل التعليم المختلفة ونسب الاستيعاب من الفئة العمرية المقابلة لكل مرحلة في الفترة من 1970 الى 1995.

 

جدول رقم(2)معدلات النمو ونسب الاستيعاب بمراحل النظام التعليمي والصرف على التعليم

(أ) متوسط معدل النمو في القبول بمراحل التعليم (%)

المرحلة/السنوات

70-1980

80-1985

85-1990

90-1995

الأساس

5.9

3.5

3.3

2.4

الثانوي

11.2

7.7

5.6

9.1

العالي

7.2

5.4

15.0

22.9

 

(ب) النسبة المئوية للاستيعاب كنسبة من الفئة العمرية

المرحلة/السنوات

1970

1980

1985

1990

1995

الأساس

38

50

50

50

53.1

الثانوي

7.4

16

19.9

22.2

27.9

العالي

1.1

1.7

1.9

3.4

7.7

 

(ج) الإنفاق على التعليم

1970

1980

1985

1990

1995

(1) الصرف على التعليم كنسبة مئوية من الميزانية العامة

 

12.6

 

9.1

 

15.0

 

8.0

 

10.5

(2) كنسبة مئوية من الدخل القومي

3.9

4.8

4.0

1.3

0.8

المصادر:

 (1) Donors to African Education: A Statistical Profile in Sub-Sahara Africa in the 1980s

(2) الجهاز المركزي للإحصاء: الكتاب الإحصائي السنوي، الخرطوم، 1998.

(3) الجهاز المركزي للإحصاء: التعداد السكاني لسنة 1993، الخرطوم، 1996.

 

غير أن أهمية الجدول تنبع من أنه يوضح بجلاء نوع الضغوط المتولدة عن أنماط التوسع في المراحل المختلفة ومصادر الطلب الاجتماعي المتزايد على التعليم العالي. فكل دورة من التوسع غير المتوازن في مراحل التعليم فوق الأساسي تخلق طلبا متزايداً على التعليم العالي. وهو ما ئؤدي الى ما يسمى بلغة الاقتصاد "التوسع المدفوع بالعرض وليس الطلب Supply-driven" وإذا نظرنا الى دورات التوسع في التعليم الثانوي (السبعينيات والثمانينات) حيث بلغت معدلات نمو الاستيعاب تقريبا ضعف مثيلتها في مرحلة الأساس، نجد أن ضغوطاً هائلة قد نشأت بسبب هذا التنامي السريع في خريجي المدارس الثانوية مما أدى الى نمو مماثل في الاستيعاب في التعليم فوق الثانوي ولكن على وتيرة أقل.

 

وفي واقع الأمر فإن المؤسسات الحكومية للتعليم الجامعي حافظت على سياسة صارمة في الحفاظ على الطابع الانتقائي للقبول. غير أن هنالك عاملين قاما بدور هام في تنامي معدلات الالتحاق بالتعليم فوق الثانوي هما:

(1)    عامل داخلي حيث قام التعليم العالي المصري (جامعة القاهرة فرع الخرطوم) بدور كبير في رفع معدلات الالتحاق بالتعليم فوق الثانوي، ففي عام 1969/1970 مثل طلاب الفرع 44.8% من مجموع طلاب الجامعات البالغ 11.437 وفي عام 1982 وصل هذا العدد الى 55.7% من مجموع طلاب الجامعات بما في ذلك جامعتي الجزيرة وجوبا اللتين أنشئتا في عام 1978. (Ibrahim, 1999) وحتى نهاية الثمانينات كان معدل القبول بالجامعات بمصر يفوق الألفين طالب سنوياً (Forojalla, 1992). غير أن أهمية جامعة القاهرة فرع الخرطوم تتمثل أيضاً في أنها مثلت نمطاً مغايراً تماما لنظام التعليم العالي في السودان، وهو نمط الأعداد الكبيرة والتكلفة المنخفضة، وهو ما يبدو أنه النمط الذى بدأ يتجه إليه التعليم العالي في السودان منذ عام 1990

(2)  عامل خارجي قام بدور فعال أيضاً في امتصاص ضغوط الطلب الاجتماعي على التعليم العالي، وهو المنح والبعثات المقدمة من الدول الاشتراكية السابقة وبلدان عربية على مستوىالتعليم الجامعي ومن الدول الغربيةوالمنظمات الغربية على مستوى التعليم فوق الجامعي. وحتى بعد أن تراجعت أعداد هذه المنح في نهاية السبعينيات فإن زخم التعليم العالي في خارج السودان قد تمت المحافظة عليه. 

 

بصورة أو بأخرى فإن نمط "إعادة إنتاج النخبة" قد تكرر في معظم الدول النامية وهو نمط كما رأينا يولد ضغوطا متزايدة سياسية واجتماعية داخلياً غير أنه لا يمكن إغفال عوامل تغذيته الخارجية بما في ذلك سياسات المانحين من منظمات دولية أو قطرية. إذن عناصر الخلل والتشوهات موجودة أصلا في بنية النظام التعليمي ووتائر نموه منذ الاستقلال، وما حدث من إجراءات بعد 1989 هو الدفع بمعدلات النمو غير المتوازن إلي حدها الأقصى.

 

توسع التسعينيات: القفز فوق أقدام واهية

في إطار ما عرف بثورة التعليم العالي تضاعفت معدلات القبول بالجامعات الحكومية خمسة أضعاف إذا أخذنا في الاعتبار تحول طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم إلي طلاب جامعة حكومية وارتفع القبول بالتعليم الأهلي من 993 في عام 89/1990 الى 7340 طالب وطالبة في عام 95/1996 (أي أن نصيبه النسبي ارتفع من حوالي 16% من الاستيعاب السنوي الى 22%) وفي بحر أربعة سنوات فقط 1990 الى 1994 أنشئت 18 جامعة حكومية جديدة وفي الفترة نفسها نشأت 12 مؤسسة تعليم عالي بمبادرة من القطاع الخاص. 

 

قد تبدو هذه الأرقام- فوق أنها مضجرة- غير ذات دلالة لكن ربما اكتسبت بعداً حقيقياً إذا علمنا أن مضاعفة عدد طلاب الجامعات من 60 ألف في 1989 الى 130 ألف في عام 1995، ثم بلغ 201 ألف في عام 2001 الذى تم في السودان قد استغرق 45 عاماً في بلد مثل بريطانيا.

 

كتب الاقتصادي التربوي أتكنسون في معرض الحديث عن هذا التطور السريع يقول: "بالإضافة الى ذلك فقد نمت سريعاً مجالات أخرى للتعليم مكلفة للغاية، وهكذا ارتفع عدد الطلاب المنتظمين انتظاماً كلياً في الجامعات البريطانية من 46 ألف طالب الى 139 ألف طالب تقريباً في الفترة من عام 1921 الى عام 1956" (أتكنسون، 1993، ص 21).

 

أزمة تعليم الأعداد الكبيرة

لقد اتسم التوسع في معدلات الاستيعاب في التعليم العالي في السودان (1990-1996) بظاهرتين متفردتين هما المدى الزمني القصير جداً المترافق مع تدني الصرف النسبي والمطلق على التعليم العالي وهما ظاهرتان يبدو أن السودان انفرد بهما. فكما يوضح جدول رقم (2) فإن نسبة الاستيعاب في التعليم العالي قد تضاعفت بين مرتين وثلاثة في مدى لا يتجاوز العقدين من الزمان (بين 1980 و2000) مما يؤكد من جديد آلية توالد الضغوط. 

 

جدول رقم (3)معدلات القبول في التعليم العالي للفئة العمية المعادلةفي الفترة 1980-2000

الدولة أو الاقليم

1980(%)

2000 (%)

مصر

16

39

السعودية

7

22

المغرب

6

10

العراق

9

14

الكويت

11

21

السودان

2

7

الشرقالأوسط

11

22

أمريكا اللاتينية

14

21

أفريقيا جنوب الصحراء

1

4

 

ان ظاهرة تضخم أعداد الخريجين بما يفوق معدل نمو القطاع الحديث مخدماً، ظاهرة تشترك فيها معظم الدول النامية ولا يبدو ان نتائجها سوف تكون مختلفة عما حدث في البلدان الأخرى. لكنه يمكن القول ان معدل التوسع الذى حدث في منطقة الشرق الأوسط يفوق كثيراً ما حدث في مناطق أخرى مماثلة وهو أيضاً توسع يتم عن قاعدة تعليمية بالغة الضمور ودون أن تتوفر له الإمكانيات المناسبة سواء المادية أو البشرية.  ويمكن أن نقرر، دون عناء كبير، أن رد الفعل النمطي الذى وصفه دور (Dore, 1976)، سيتكرر بصورة أو بأخرى. ويمكن إعادة تركيب سيناريو دور ليتضمن المراحل التالية: ستبدأ بسبب العرض الزائد من أصحاب المؤهلات الجامعية عملية إحلال لأصحاب المؤهلات الدنيا "خريجي الثانوية" بخريجي الجامعات وبسبب "البطالة" ستكون أحد استراتيجيات البقاء هو مواصلة التعليم "فوق الجامعي" مما يكمل الحلقة الجهنمية "مؤهلات فائضة – رفع الحد الأدنى التعليمي لوظائف القطاع الحديث – زيادة التأهيل فوق الجامعي في إطار التنافس – رفع الحد الأدنى التعليمي المطلوب لوظائف القطاع الحديث وهكذا. غني عن القول أن استراتيجيات البقاء لا تقتصر على السعي لتعليم فوق الجامعي بل تشمل الانضمام للسوق غير الرسمي وربما شغل وظائف لا علاقة لها بأي تدريب منظم. وتشتمل قائمة ردود فعل الحكومات لأزمة تشغيل فائض الخريجين أشكالاً مختلفة من فترة انتظار (خمسة سنوات في مصر) الى أنظمة الخدمة الإلزامية (سنتين في المغرب) الخ، (انظر على سبيل المثال سلامي Solami, 1992).

 

من الواضح أنه ليس هناك مواءمة بين التدريب واحتياجات التنمية. فمؤسسات التعليم العالي تنتج حالياً أعداداً متزايدة بما يفوق أضعاف الطلب الفعلي، ويكتشف من يستوعبه سوق العمل منهم أن تدريبهم لا يتناسب إيجاباً مع طبيعة الأعمال التي يقومون بها.  إن القضية الأشد خطورة في السنوات القادمة لن تكون قضية الأقلية التي تستوعبها سوق العمل، فهؤلاء سيتم إعادة تدريبهم لمتطلبات وظائفهم بصورة أو بأخرى، لكنها ستكون قضية الأغلبية التى لا يمكن استيعابها في سوق العمل المحدودة ولا تملك المهارات اللازمة للعمل خارج النمط التقليدي لنظام إعادة إنتاج النخبة السابق (تعليم عالي – وظائف مضمونة – دولة متوسعة) [4]

 

لقد ترافق مع الانتقال من التعليم النخبوي الى تعليم الأعداد الكبيرة، بسبب توالد آلية الضغوط التي سبق الحديث عنها، تدهور بالغ في مستويات التعليم العالي خاصة في البلدان التى ما عادت تستيطع إعادة انتاج النخب المتميزة بسبب ضمور الموارد المخصصة للتدريب الخارجي  يلخص المسألة د. سعد الدين إبراهيم (الضغوط من أجل درجة جامعية وليس تعليم عالي) دفعت بالعديد من البلدان في العالم العربي لتوسع سريع في عدد  الكليات والجامعات وأحجامها بوتيرة أسرع من قدرتها على تزويد هذه الكليات بأساتذة أكفاء وخاصة بأولئك الذين يتم تدريبهم في الخارج. ولمقابلة هذا النقص بدأت المؤسسات المحلية للتعليم، وهي التى تعاني أصلاً من نقص المؤهلين في منح درجات الدكتوراه لأفراد ناقصي التعليم وناقصي التدريب ويكادوا لا يعرفون لا لغات أجنبية ولا مناهج بحث، ناهيك عن إجادة أي منهما. طبيعي أن يعيد مثل وضع إعادة إنتاج الرداءة: هذا الضعف الصارخ للأبحاث الاجتماعية في العالم العربي" (Ibrahim,2000:130).

 

المسألة الأساسية كما يذكرنا العالم الجليل حامد عمار (1996)، ليس في التردي في مستويات الناتج النهائي لهذ1 التوسع الكمي غير المدفوع الأجر، إن صحت العبارة بل في تغير وظيفة الجامعة أو التعليم العالي نتيجة هذا التغير في أسلوب إعادة إنتاج النخب المتعلمة، يرصد عمار الدور التاريخي للجامعة المصرية النخبوية وتوظيفها الاجتماعي في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات حيث انطلق منها فكر التنوير والتحديث والعقلانية مقارناً ذلك بما آل إليه الحال في ظل سياسات الأعداد الكبيرة والإعداد الهزيل "لا نريد أن نفصل في نتاج التعلم والتعليم في جامعاتنا، فالمعروف أنها تنتج أشخاصاً مبرمجين يؤثرون ثقافة الذاكرة بالطريقة البنكية حسب تعبير باولو فراري. والعلم عندهم مادة تحفظ وليس منهجاً للبحث والتجريب والاختبار والاستنباط، وما تزال تغطى بعض المعارف سحابات من أساطير التفكير الخرافي، دون تعمق في الوقائع والحقائق كما تختلط بها دروب من التحيزات لا تستند الى تقويم مختلف الرؤى في وجهات النظر". (عمار، 1996 ص: 63)

 

"إذا كانت جامعاتنا مقصرة في متابعة إنتاج المعرفة المتجددة ومؤكدة على مجرد العقلانية الغنية للمعرفة بوصفها موضوعية ونهائية ومطلقة وصالحة لكل زمان ومكان،  فإنها ما تزال تنظر إلي العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية بطريقة مجزأة ويندر أن ترتبط الفيزياء بالكيمياء والرياضة بادراك العلاقات والشروط مما لا يظهر معه تأثير للجامعة على قاعدتها ودروسها، بل امتد الى خارجها في مختلف مؤسسات المجتمع وسياساته مما لا يتسع المجال للتفصيل فيه" (المرجع السابق : ص. 63).

 

من التعليم النخبوي المفتوح للتعليم النخبوي المغلق

باستثناء (لبنان والأردن) بتاريخهما الخاص بالتعليم ودول النفط والبلدان التى حافظت على مستوى تعليم عام جيد (تونس وتركيا) يبدو أن رد الفعل تجاه تدهور نوعية تعليم الأعداد الكبيرة كان بلا استثناء هو خلق نظام مواز للتعليم.

 

إذا أدت أزمة تعليم العام – تعليم الأعداد الكبيرة وما رافقها في العقدين الأخيرين من انكماش الصرف على التعليم والخدمات مع مواصلة التوسع في القيد بسبب النمو السكاني وما يسمى (شرك السكان، population trap) الى نشوء نظامين متوازيين رأسياً: خاص وعام. لكنهما غير متساوين لا في عدد السنوات ولا في سنة البدء ولا بطبيعة الحال في الجودة. نظام خاص مندمج في عالم المعرفة بمستواه العالي (على تفاوت الدرجات) يبدأ بالحضانة ثم سنتين ما قبل المدرسة (Kg2 & Kg1) ثم المدرسة ذات اللغتين وأغلبية تبدأ من شروط مستحيلة للتنافس (طفل يبدأ التعليم بعد ثلاث سنوات أو أربعة من الطفل الآخر) إذا طفلان عالمان – منبتي الصلة وبطبيعة الحال لا مجال للحديث عن الحراك الاجتماعي كما كان الحال في النظام النخبوي القديم الذى أتاح الفرصة لعدد من غير الأغنياء ولا في النظام الذى تلاه.

 

ونشأت على التوازي مع نظام المدرسة الخاصة أنظمة جامعية خاصة (في مصر والمغرب والسودان واليمن والأردن) بعض هذه الجامعات (قديمها وجديدها) أصبحت المراكز الجديدة للتميز الأكاديمي. يوضح الجدول التالي نسبة التعليم الخاص في المنطقة.

 

جدول رقم (4)التعليم الخاص الابتدائى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2000-2001 

الدولة

النسبة المئوية للتعليم الخاص

الجزائر

--

السودان

4

ليبيا

2

المغرب

5

تونس

1

مصر

8

الأردن

30

الإمارات

47

البحرين

20

سوريا

4

العراق

--

الكويت

31

السعودية

7

اليمن

1

تركيا

2

لبنان

64

 

استوعبت هذه الجامعات قسماً من خريجي المدرسة الخاصة بينما التحق قسم منهم بالعليم الجامعي في الشمال الأوروبي والأمريكي أو انتقل داخل المنطقة والتحق عدد محدود منهم بالدراسات الجامعية في بعض الدول الآسيوية. لا تكتمل الصورة الخاصة للدينامية الجديدة لإعادة إنتاج النخب المتعلمة إلا بمناقشة تأثيرات التدفقات البشرية في المنطقة على هذه الدينامية وكيف أنها عمقت مظاهر التعددية في أنظمة التعليم وإعادة إنتاج النخب وسوف نناقشه لاحقاً.  

 

أغلق النظام الجديد أبواباً واسعة للحراك الاجتماعي، فهو نظام محكم الأبواب اجتماعياً يستوعب حوالي 5% وفي حده الأعلى (مصر 8%) حسب الوزن النسبي للطبقات القادرة. هذا الانقسام التعليمي الرأسي الحادث في معظم الدول العربية (صحيح أن بعضها بدأ يلحق به حديثاً: سوريا وليبيا) لكن هذا الانقسام يمكن وصفه بأنه انقسام مفقر أو مولد للفقر يكرس كل الفقر المادي والمعرفي ويعيد إنتاجه. الدراسات التى تمت في مجتمع متعدد الأعراق والديانات والتفاوت الاجتماعي مثل الولايات المتحدة توضح أن الانقسام التعليمي المبني على تفاوت الدخول يؤدي الى تعميق الفوارق العرقية والدينية والطبقية ويفقد المدرسة العامة قدرتها التوحيدية. توضح هذه الدراسات أن موقع المدرسة عامل مؤثر في نوعية التعليم فكل الطلاب (سواء كانوا منحدرين من الطبقة الوسطى أو فقراء) يتدهور أداؤهم في المدارس التي تقع في بيئات فقيرة. بينما يستطيع الطلاب الفقراء الذين يلتحقون بمدارس الطبقة الوسطى تحسين أدائهم بصورة كبيرة وبصفة عامة فإن هذه المدارس يوجد بها عدد كبير من المتحدرين من الطبقة الوسطى وطلاب ذوي تطلعات عادية، أساتذة أفضل وطلاب لديهم حافز أقوى للدراسة وتتواجد بالمدرسة إمكانية مادية أفضل، ومشاركة أكبر لأسر الطلاب في النظام المدرسي،[5](انظر Weicker & Kahlenberg, 2002). وهو ما يؤكد على صحة مقولة عالم التربية هوراس "Horace" في أواخر القرن التاسع عشر الذي نظر إلي المدرسة العامة بوصفها أداةً لتقريب الفوارق الاجتماعية ولكنه أكّد على أن المدرسة العامة ينبغي أن تكون عامة بالفعل "تعلم الفقراء والأغنياء تحت نفس السقف" (المرجع السابق). إذن نشأت دينامية جديدة لإعادة إنتاج النخبة المتعلمة ذات آثاربعيدة المدى بالنسبة لقواعد إنتاج المعرفة وشروط هذا الإنتاج ودرجة اندماجه أو انفصاله عن النسيج العام للإنتاج المعرفي. تبقي الإجابة غير كاملة عن هذه التساؤلات دون العرض للمؤثر الآخر البالغ الأهمية في المنطقة وهو الخاص بدور التدفقات البشرية في المنطقة في الإنتاج المعرفي ونشره وتوطينه.

 

التدفقات البشرية واعاده انتاج النخب والمعرفة

تتميز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقدر لا مثيل له من الحراك الاجتماعي السكانى أو التدفقات البشريةpopulation flows  ،ربما لا يماثله إلا ذلك الحادث في أمريكا الشمالية هذه التدفقات البشرية تؤثر تأثيراً "بالغا" على دينامية وآليات إنتاج النخب المتعلمة، وإنتاج المعرفة وتوطينها سلباً "وايجاباً". لم يول تقرير التنمية البشرية في عامية (2002-2003) اهتماماً "كافيا" لهذا المؤثر الهام في عملية إنتاج المعرفة في المنطقة كما أن النظر الى مجموعة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجموعةً واحدةً لا يفيد كثيراً في هذا الخصوص بسبب تعدد أشكال التدفقات السكانية ووجهتها، فنهاك دول مصدرة للعمالة داخل المنطقة وهناك دول مستورده لها وهناك تدفقات بشرية من خارج المنطقة، كما أن هناك تدفقات من المنطقة الى خارجها على الأخص في اتجاه الشمال الأوربي والأمريكي. 

 

الدخول في تفاصيل هذه الأشكال المتعددة من الهجرات يتجاوز مهام هذه الورقة لكن النقطة الجوهرية هنا هي أن هذه التدفقات البشرية تقترب في أهميتها بالنسبة لبناء القدرات المعرفية ونشرها وتوطينها بما في ذلك ديناميات إعاده إنتاج النخب المثقفة والاحتفاظ بها أو تسربها من أهمية النطام التعليمي وتطوراته تطرح هذه التدفقات قضايا بالغة الحيوية فيما يتعلق بإنتاج المعرفة وتوطينها وقدرات الدول المصدرة للمعرفة على تعويض النزيف المعرفي Knowledge Drain كما يتجاوز الحدود الضيقة للآثار الايجابية للتحويلات النقدية؛ فالتحويلات النقدية تعني بالتعويض الآني لفقدان الأشخاص المهاجرين لكنها لا تعطينا فكرة أو مؤشراً لقياس الأثر على المدى الطويل لنزيف القدرات على تطورات قدرات الإنتاج المعرفي في البلدان المصدرة، وهى قضية لم يتناولها البحث العلمي في مجال الهجرة بالتمحيص اللازم، بل ظلت هذه البحوث معنية بما هو ظاهر وآنى (التدفقات النقدية) واشارات عابرة الى (مظاهر نقص المهارات) في بعض أوجه النشاط الاقتصادي في البلدان المصدرة؛ بيد أن مثل هذا الإغفال، يرجع في الأساس الى صعوبات القياس خاصة عندما يتعلق القياس بالمدى الطويل الآني.

 

بالنسبة للدول المستوردة للمهارات والكفاءات فإن استيراد القدرات المعرفية عبر استيراد المهارات والكفاءات ينطوي على تحديات حقيقية فيما يتعلق بسياسات توطين.

 

بطبيعة الحال يمكن أن نفترض أن هذه الهجرة الكثيفة العدد والكثيفة المهارة والمعرفة سوف ينتج عنها بناء قدرات ذاتية لإنتاج المعرفة في البلدان المستقبلة لها سواء عن طريق مباشر (التعليم والتدريب للكوادر المحلية على كافة المستويات التعليمية) وغير مباشر عن طريق الاحتكاك والتدريب أثناء العمل لا توجد حتى الآن دراسات جادة في هذا المجال ولا يوجد ما يوحي بأن توطيناً لقدرات إنتاج المعرفة قد تم في البلدان المستوردة للعمالة واكتفى هذا بالدليل الأكثر وضوحاً وهو استمرار اعتماد هذه البلدان على استيراد المهارات. بطبيعة الحال (رجوعاً الى مدخل حديثي) أمام هذه الدول النموذج الأمريكي الخيار الأكثر مباشرة وهو التوطين الفعلي لتلك القدرات أي، أن يصبحوا مواطنين كاملي الحقوق، وبالتالي تحل مشكلة التوطين حلاً جذريا.ً لكن كما نعلم دون ذلك خرط القتاد ليس فقط من ناحية الهوية والنقاء الثقافي (وربما قال مزايد النقاء العرقي) ولكن أيضاً بسبب هذا التوطين قد يعني تسريعاً لتآكل العقد الاجتماعي القائم على نحو لا يمكن التحكم فيه وهو تخوف له مبرراته من جانب الطغم الحاكمة في تلك البلدان، وهي في واقع الأمر تواجه تآكل وهشاشة العقد الاجتماعي بسبب ما تم في مجال اللحاق بالحداثة في التعليم، وما يرافقه من تطورات خاصة في مجال تعليم المرأة،ونشوء طبقات وسطى أوسع كثيراً من الحال عند بدء اكتشاف البترول، ناهيك عن رياح العولمة القاسية الناتجة عن التقدم العلمي في مجالات تقنية المعلومات والاتصالات.

 

الجانب الآخر يتعلق بنزيف العقول (هجرة العقول) سواء الى داخل المنطقة أو خارجها تماماً، وأعني هنا لا الهجرة لدول البترول فحسب بل الهجرة للشمال (أوروبا وأمريكا ولأسباب اقتصادية وسياسية معاً... آثار مثل هزة الهجرة قد لا تبدو بالغة الأهمية أو البروز في اقتصاديات كبيرة نسبياً ومستقرة سياسياً مثل حالة مصر، لكنها بالتأكيد بالغة الأثر في اقتصاديات أخرى، دعنا نفكر في هجرة العقول من الجزائر العراق سوريا السودان، حيث فقدت هذه البلدان بدرجات متفاوتة قسم مهم من قواها الحية المنتجة والناشرة للمعرفة للعالم الخارجي. هذه البلدان وربما أكثرها عدم استقرار (العراق السودان) تمر الآن بما يمكن أن نسميه حقاً بالبناء السلبي لقدرات إنتاج المعرفة، وإعادة إنتاج تلك القدرات.دعوني أوضح هذه النقطة بصورة أفضل لقد تمَّ في معظم هذه البلدان استبدال الكفاءات المهاجرة بكفاءات متدنية القدرات تاركة أثراً لا يمحي لأجيال قادمة. ويكتسب مثال العراق والسودان أهمية خاصة حيث حافظ هذان البلدان على التميز الأكاديمي على مستوى التعليم الجامعي لفترة طويلة بعد الاستقلال فوق قاعدة ضيقة للتعليم. بعبارة أخرى حافظ كلا من البلدين على تعليم متميز وقادر على المنافسة عالمياً، لكن هذا هو بالتحديد ما ساعد على سرعة فقدان هذين البلدين لنخبهما المثقفة، وبسبب ضيق قاعدة هاتين النخبتين فإن أثر فقدهما يبدو فادحاً أكثر من أي بلاد أخرى في المنطقة.

 

الأشكال الجديده لاعاده انتخاب النخب المتعلمة

تضافرت عوامل عده أهمها التغيرات في السياسة التعليمية ودور الدولة والتدفقات البشرية بين دول المنطقة وإليها والى خارجها لتشكيل دينامية جديده لاعاده انتخاب النخبة المتعلمة وسرعة مفعول هذه التغيرات ووتيرتها، كذلك عمليات العولمة وما افرزتة من أشكال متعددة من الاندماج والفرز والتهميش بين دول المنطقة، وداخل كل دولة على حدة.

 

أدت هذه التغيرات الهامة الى تعدد أنماط ومراكز الإنتاج المعرفي والبحث العلمي ولكن وحين ضمرت واختفت مراكز التميز الأكاديمي السابقة ظهرت مراكز وشبكات جديده للتميز العلمي يميزها عن السابقة انفصال شبه كامل مماثل تماماً للانفصال الرأسي الحادث في النظام التعليمي عن باقى النظام التعليمي. ان مسالة نشوء جزر منعزلة (منعزلة عن الداخل ومرتبطة تماماً بالخارج) مهمة للغاية في فهم الديناميات المؤثرة على كل من الإنتاج المعرفي ونشره بما في ذلك الأبحاث الاجتماعية. تأتي الأهمية من زاوية المقارنة التاريخية بين مراكز التميز العلمي السابقة والحالية، فمراكز التميز الأكاديمي السابقة كانت مندمجة تماماً في النظام التعليمي السابق وتربض على قمته ميسرة بذلك عمليات التسرب لأسفل trickle-down effectوعلى قدر غير يسير من التفاعل المتبادل مع كل الجسم التعليمي الوطني وارتباط شبة عضوي مع العالم عن طريق اعاده تدريب نخب التميز.

 

مراكز التميز الجديدة (سواء داخل هذه البلدان في شكل مؤسسات تعليمية أو خارجها كما هو الحال في مجموعات التميز الأكاديمي في دول الشتات) لا تربطها صلة عضوية بالنظام التعليمي العام مضعفة بذلك احتمالات التسرب لأسفل وهكذا نشأت كتلة من المتعلمين (هم الغالبية) نطلق عليها أوصافاً "مثل المجموعات الأقل خطورة under-privileged بطبيعة الحال الصورة ليست بهذه القتامة التى تفرضها القيود غير المرنة للتقسيم المرحلي.

 

من جهة فإن المراحل تتداخل، حتى عندما ساد التحول نحو جامعة الأعداد الكبيرة (والإمكانيات المحدودة) فإن بعض السياسات التعليمية قد استهدفت إنشاء مراكز للتميز الأكاديمي وسط هذا الكم الهائل،  كما ان هناك إمكانية لحدوث اختراقات هامةbreak through  في مجالات محدودة وينجم ذلك عن تركيز كبير للجهود والإمكانيات في مجال بعينة. تاريخياً هذا ما حدث في التجربة السوفيتية فالاختراقات التاريخية في الاتحاد السوفيتي في مجالات تكنولوجيا الفضاء قد تمت دون أن تنتشر مثل هذه الاختراقات الهامة الى باقى الجسم المعرفي والنسيج الإنتاجي بسبب ما أسماه جولدنبيرق بالكوابح الكامنة في النظام السوفيتي (Goldman, 1983) وهناك حالات كثيرة مماثلة، مثل الاختراقات المهمة التى تمت في أبحاث القطن طويل التيلة في كل من مصر والسودان، والحالة الكورية للإنتاج النووي واذا شئت ان تضيف الحالة الليبية أيضاً<![if !supportFootnotes]> [6].

 

خلاصة الأمر أننا يمكن أن نشير الى استراتيجية قائمة لا على نهوض معرفي عام بل على تركيز شديد للقدرات فى مجال معين لتحقيق اختراق معين قد، وهو الغالب الأعم ما لا يسرى في باقى مكونات الجسد المعرفي وهى استراتيجية بحكم هذا الوصف مؤقتة لكن أن أصبحت استراتيجية طويلة الأمر فلا بد أن تؤدى إلى الجمود المعرفي أو على الأقل شيوع وكثافة واتساع فجوة الإنتاج المعرفي فيه ويمكن تصور حال الإنتاج المعرفي إذا طبقت مثل هذه الاستراتيجية في بلد أو منطقة تحاول تجاوز التهميش أو اللحاق.  

 

من هنا تأتى ملاحظات الأخيرة حول كيف ينبغي أن نقرا تجربة اللحاق الأسيوي وهى تجربة ينبغي قرأتها من ثورة الميجى التعليمية في اليابان وليس من خلال النمور الأسيوية أول خطوات اللحاق الأسيوي بنموذجية الياباني والأكثر حداثة هو أن اللحاق بدا في الأساس لحاقا"تعليميا" في 30 عاماً "استطاعت اليابان أن تتفوق على بريطانيا العظمى في التعليم الأولى العام وتحقيق إنجازات هائلة في مجالات التعليم الأعلى وهو ما فعلته النمور الآسيوية لاحقاً. وفي واقع الأمر فإن الربط بين التعليم والتنمية (التحديث بصورة أوسع) ارتبط بمحاولات المجتمعات التي لم تكن قد تصنعت بعد اللحاق. على سبيل المثال أصدرت حكومة الميجي في اليابان قانون التعليم الإجباري عام 1872 .."وركزت جهودها على بناء البنية الأولى للمجتمع وهي الطفل، فاهتمت بالتعليم الابتدائي أكثر مما اهتمت بالتعليم العالي. ومن هنا نجد أن سياسة الدولة التعليمية اختلفت كثيرا عن السياسة التي اتبعتها الدول النامية فيما بعد" (متشيو واوريتا، 1992، ص173). وفي واقع الأمر استطاعت اليابان، كما يبين الجدول رقم (2) أن تصل في فترة واحدة مع بريطانيا الى تعميم التعليم العام.

 

جدول رقم (4) تطور التعليم في بريطانيا واليابان 1870 – 1970

العام

نسبة السكان في الأنشطة غير الزراعية

 

النسبة المئوية لمعدلات الاستيعاب بالنسبة للفئة العمرية المقابلة

 

مرحلة الأساس           الثانوي العالي

 

اليابان

بريطانيا

اليابان

بريطانيا

اليابان

بريطانيا

اليابان

بريطانيا

1870

1900

1910

17

29

41

85

91

92

28

83

100

40

83

100

1

4

12

2

2

4

-

1

2

؟

1

2

المصدر:  Dore, R.1976, p. 40 

في هذا الإطار وعلى نسق مشابه لقيرشنكرون في (الأبعاد التاريخية للتخلف) يربط دور بين درجة التأخر النسبي في التصنيع والتركيز على التعليم كأولوية في هذه الشرطية الثلاثية: كلما تأخر دخول بلد ما لمجال التنمية والتحديث كلما:

1- ازداد استخدام المؤهلات الدراسية أساساً للتوظيف.

2- ازداد معدل تضخم المؤهلات.

  3- ازداد ارتباط النظم التعليمية بالامتحانات على حساب التعليم الحقيقي (التمدرس بدلاً عن التعليم).

ولقد سارت النمور الآسيوية لاحقاً على نفس المسار الياباني وعلى الأخص كوريا (انظر على سبيل المثال عبد الله، اسماعيل صبري، 1995).

 

المنطقة العربية والسياق العالمي: نحو خلاصة

لا مناص من ختام الورقة بالسؤال الاستهلالي: هل يمكن الوصول الى أي تعميمات ونحن نتحدث عن منطقة بالغة التعدد والتنوع كمنطقة الدراسة؟ لقد زاد من درجة هذا التنوع البالغ في المنطقة تعدد المسارات التى تطور بها التعليم في كل بلد على حدة، حققت كل دول المنطقة تقريباً قفزات هائلة خاصة فيما بتعلق بالتوسع الكمي في التعليم العالي، وبعضها، مثل مصر، ربما وصل الى تخوم ما يمكن تحقيقه قياساً بالقاعدة التعليمية التي تم على أساسها التوسع الكمي. ورأينا كذلك الأثر المتفاوت لما أسميناه بنزيف العقول وبقدرات استيراد الكفاءات وما تثيره من قضايا توطين المعرفة بما يغلب جوانب الخصوصية في معالجة قضايا تطوير الإنتاج المعرفي ونشره وتوطينه في داخل المنطقة نفسها. بيد أن قضية الإصلاح التعليمي بأجندتها المختلفة، بما تشمله من توسيع لقاعدته،تهدف الى معالجة القضايا المتعلقة بالجودة (بمعناها المباشر المتعلق بقدرات القراءة والكتابة والحساب ومعناها الأوسع الذى ينسجم فيه التعليم مع احتياجات الحياة والتقدم العلمي والمهارات اللازمة لحياة أفضل) يصح فيها التعميم على كل المنطقة. وفي هذا السياق فإن الانقسام الرأسي في النظام التعليمي بين أقلية صغيرة تتركز في نظام متميز يبدأ بمرحلة ما قبل المدرسة وينتهي بالجامعات المتميزة داخل أو خارج القطر المعين، وأغلبية ساحقة "غير محظوظة" تتدافع بالأنكاب في النظام التعلمي العام من مدرسته الابتدائية حتى جامعة الأعداد الكبيرة والإعداد المتدني، أمر يكرس إعادة إنتاج الفقر المادي والمعرفي. وفي السنوات المقبلة فإن مدى نجاعة أي اصلاح تعليمي سوف تعتمد على مدى النجاح في تقريب الهوة بين هذين النظامين المتعارضين رأسياً وفي بناء جسور التأثير المتبادل بينهما أو في القدرة على تطوير مراكز تميز واسعة التأثير داخل أنظمة التعليم العام المتدنية الجودة وفي كل البلدان تقريباً وإن تفاوتت الدرجات، فإن القدرة على الحفاظ على الكقاءات (Retention capacity) سوف تكون تحدياً حقيقياً، لكن هذه القدرة تمتد لما هو أبعد من الحوافز المادية لتشمل المناخ المُمَكن enabling environment بالمعنى الواسع الذى يشمل السياق السياسي والاجتماعي الملائم. وسوف تشكل قضية استعادة الكفاءات من المنافي والشتات أولوية متقدمة لعدد من الدول ذات الوزن السكاني المهم على رأسها السودان والعراق والجزائر، وفي البلدان التى تملك قدرات مالية كبيرة تظل قضية توطين الإنتاج المعرفي ودمجه في السياق المحلي (لا الاستمرار في استيراده)، هي التحدي الأكبر.

 

كل هذه المسائل المتعلقة بالبنية الأساسية للإنتاج المعرفي ونشره وتوطينه تشكل ما يمكن وصفه بأنه الشرط الضروري لتطور الإنتاج المعرفي؛ بيد أن الشرط الكافي يظل مرتبطاً بالمناخ المُمَّكن enabling environment وفي إطاره يمكن فهم أهمية النواقص الثلاث التى ذكرها تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002، ونضيف إليها عاملاً عميقاً أسهم في حيوية الإنتاج المعرفي وتشكيل أجندته وهو وجود مشروع وطني كما كان الحال في فترة النضال ضد الاستعمار وكا كان الحال مع زخم الآمال التنموية العريضة في الخمسينيات والستينيات. ربما صح القول أن رابع النواقص هو غياب مثل هذا المشروع الوطني. إذاً بالرغم من خصوصية تطور قدرات الإنتاج المعرفي في كل بلد على حدة فإن ما هو مشترك يبدو مهماً وملحاً في آن واحد.

 

بيد أن رابع النواقص الذى أشرنا إليه للتو والخاص بغياب المشروع الوطني ينبغي النظر إليه في إطار أوسع من المنطقة وتأطيره في سياق عمليات العولمة وما يرافقها من فرز وتهميش واندماج كوني بين الشمال والجنوب الكونيين.

 

إن الإطار النظري الذى ترتكز عليه المقولات الخاصة بالتبادل المعرفي غير المتكافئ ترتكز في الأساس على مقولة لا حيادية المعرفة التي تعكس بصورة أو أخرى اسهامات كل من بوردو وهابرماس حيث المعرفة فعل اجتماعي مشروط، وأداة رمزية للسلطة عند بوردو، أو الثلاثية النظرية القائمة على المصالح المعرفية عند هابرماس( Habermas, 1979 ; Bourdiew & Wacquant, 1979) (كريب،(1999وأيضاً الحوار الواسع حول تركز الإنتاج المعرفي في مراكز قليلة في الشمال بينما تقوم جامعات الهامش بدور الموزع لنظام الإنتاج المعرفي العالمي Muzrui, 1975)، انظر أيضاً ملخصاً لذلك الجدل في كل من Esteve, 1992 ; Odora, 2000 ; Persianis, 2000).

 

وفي هذا السياق فإن تراجع الوضع النسبي للإنتاج المعرفي مسالة تنطبق بصفة عامة على الجنوب الكوني (العالم الثالث إن شئت). في تحليله لما أسماه لمسار المشوه لتطور الإنتاج المعرفي في العالم الثالث، قسم أودورا (Odora, 2000) هذا التطور الى ثلاث مراحل:

(1)           المرحلة التى تلت التحرر وتميزت بإنتاج معرفي متميز غني بمعالجة الإرث الاستعماري والامبريالية واستطاعت أن تفرز انجازات متميزة في الجنوب في إطار بحث قضايا التبعية والعلاقات غير المتكافئة بين الشمال والجنوب.

 (2)مرحلة الثمانينيات التي طغت عليها أجندة بحثية مبنية على ردود الفعل Reactive Critique عنيت بمحاولة بحث أثار برامج التكيف الهيكلي واثارها السالبة.

(3)                 مرحلة التسعينيات حيث فرض تسارع عمليات العولمة وما رافقها من فرز وتهميش حيث فرضت على الانتاج المعرفي في الجنوب اجندة مفروضة ومنطلقات انصرافية "حرفت مسار الانتاج المعرفي لباحثى العالم الثالث إلي سلسة من ردرود الفعل والمحاججة بدلاً عن التنظير الشامل والمنتج المرتكز على القضايا الأساسية المتعلقة بتوطين التنمية" (المرجع السابق، ص 4).

يري أودورا أن الماركسية (بالرغم من جوانب قصورها النظري) [7]قامتبدور متقدم في تزويد علماء العالم الثالث بإطار نظري نقدي قادر، ساعد على فرض موقع متميز لهم في مجال الإنتاج المعرفي وأيضاً أفسح المجال لحوار مع قرنائهم في الشمال وهو الإطار الذى تهمش دوره مع انهيار أنظمة اشتراكية الدولة. يشترك (Alatas, 2003) مع أودورا في قدر كبير من تفسيره للتراجع العام للإنتاج المعرفي في العالم الثالث مركزاً على تحليل ما أسماه بالتقسيم العالمي للعمل في مجال البحث الاجتماعي وما يسميه بالتبعية الأكاديمية محللاً باستفاضة ركائز هذه التبعية المتمثلة في:

1- تبعية الأفكار "استهلاكاً لا انتاجاً"

2- تبعية الاعلام الفكري (النشر)

3- تبعية تقنية التعليم

4- تبعية الاعتماد على التمويل الخارجي في البحث والتدريس على السواء

5- تبعية الاستثمار في مجال التعليم

6- تبعية مولدة لنزيف العقول (هجرة للشمال أو كباحثين لحساب الشمال في الجنوب)، (من Alatas بتصرف، ص 604).

 

بيد أن تجاوز هذه التبعية دون الوقوع في هوة المحلية المفرطة والانحدار البالغ في قدرات الانتاج المعرفي يبدو تحدياً بالغ الصعوبة فالتميز الأكاديمي والانخراط في الإنتاج المعرفي المتميز مرتبطان ارتباطاً عضوياً بدرجة الانفتاح (أجندة ونشراً) على الشمال. بحيث تتعمق باستمرار الفجوة بين تنمية القدرات المعرفية (المعترف بها عالمياً) وتلبية الاحتياجات التربوية والصحية والثقافية للمجتمعات المحلية وبطبيعة الحال تصبح الكوسموبوليتانية أهم شروط الاندغام في مجتمع البحث العلمي العالمي وتتعمق الفجوة بين المحلي والعالمي كما أشار بيرسيانس ((Persians, 2000:6.

 

إذن، ان ما يبدو تحدياً اقليمياً عربياً حول فجوة الانتاج المعرفي يأخذ بعده الحقيقي متي ما تم تأطيره في سياقه العالمي ببعديه الجنوبي والشمالي وفي إطاره المشكل المتمثل في التبادل المعرفي غير المتكافئ وبدون تجاهل جوانب الخصوصية لا في هذا النقص ولا في الإطار التاريخي التى تشكلت عبره منظومة الإنتاج المعرفي في المنطقة.

 

إذن، الحوار حول أزمة الإنتاج المعرفي عامة والانتاج المعرفي في مجال العلوم الاجتماعية في المنطقة العربية، ينبغي أن يتم في الإطار العام للحوار حول تحديات الإنتاج المعرفي في الجنوب الكوني، وقضايا تطوير القدرات على الانتاج النظري، أولها وأهمها القدرة على بناء فضاءات معرفية وأخلاقية جديدة لحداثة بديلة في ظل عالم تتكثف فيه مظاهر الاشتباك والترابط، وهو بحث في الأساس عن منظومة مفاهيمية Paradigm جديدة للإنتاج المعرفي.

 

هوامش

[1] تم حساب النسب مع الأخذ في الاعتبار التغيير الذي حدث في السلم التعليمي

[2] أعداد الفئة العمرية المقابلة تم حسابها على ضوء البيانات التعداد السكاني لعام 1993 وتوقعات النمو للسنوات التالية له

[3] هذه النسبة لا تتطابق مع النسب الرسمية بسبب الأخذ في الاعتبار جامعة القاهرة -فرع الخرطوم، والتي ضمت للتعليم الحكومي في عام 1993

[4] انظر تقرير البنك الدولي:

 

World Bank (2003): Unlocking The Employment Potential in MENA: A New Social Contract, World Bank

[5] يبنغي أن نتذكر أن ثلثي الطلاب في الولايات المتحدة الأمريكية ينحدرون من الطبقة الوسطى (المرجع السابق)

[6] أقرا على سبيل المثال مقال:

Christian Science Monitor: December, 22, 2003: Carrot or stick: Which nudged Libya?

[7] بالرغم من تأكيد اودورا على تميز الاطار النظري للماركسية لكنه يرى بوضوح قصورها على فهم قضايا محورية كعنف الدولة أو في تحليل مجتمعات مثل المجتمع الأفريقي (انظر ص 5 وملاحظاته المشتقاة من (Esteva, 1992).

.

المراجع

إبراهيم النور، (1999): "التعليم العالي: من الصفوة الى الكثرة: بعض أوجه الاستدامة والموائمة"، في محمد الأمين التوم (تحرير) حاضر ومستقبل التعليم العالي في السودان، القاهرة.

أتكنسون، ج. ب.، (1993):"اقتصاديات التربية، ترجمة د. عبد الرحمن ابن أحمد صائغ"، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية.

الجهاز المركزي للإحصاء(1996): التعداد السكاني لسنة 1993، الخرطوم.

الجهاز المركزي للإحصاء(1998): الكتاب الإحصائي السنوي الخرطوم.

الجابري محمد عابد وآخرون (1995): التنمية البشرية في الوطن العربي: بحوث الندوة الفكرية التي نظمتها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية واللجنة الاقتصادية لغربي آسيا (الاسكوا) وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

برنامج الأمم المتحدة الانمائي والصندوق العربي للانماء الاجتماعي والاقتصادي (2002): تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام2002

برنامج الأمم المتحدة الانمائي والصندوق العربي للانماء الاجتماعي والاقتصادي (2003): تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة.

حامد عمار (1995): دراسات في التربية و الثقافة : من همومنا التربوية و الثقافية، مكتب الدار العربية للكتاب، القاهرة.

حامد عمار، (1996): الجامعة بين الرسالة والمؤسسة في دراسات في التربية والثقافة (4)، مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة.

حامد عمار  (1996) (أ): "وضعية التعليم الجامعي و العالي في مصر" ، "دراسات في التربية والثقافة: الجامعة بين الرسالة و المؤسسة"، مكتبة الدراسات العربية للكتاب، القاهرة.

سيد أحمد عبد السميع، (1996): "وضعية التعليم الجامعي و العالي في مصر" في عمار حامد: "دراسات في التربية و الثقافة: الجامعة بين الرسالة و المؤسسة"، مكتبة الدراسات العربية للكتاب، القاهرة.

متشيو، ن، (1992): "الثورة الاصلاحية في اليابان (ميجي آيشن"، ترجمة عادل عوض، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة.

معهد اليونسكوللإحصاء: الموجز التعليمي العالمي 2003: مقارنة احصائيات التعليم عبر العالم، معهد اليونسكو للاحصاء، مونتريال 2003.

صديق أمبدة، (1989): "اللامعقول في مجانية القبول:دراسة في حالة جامعة الخرطوم"، ورقة مقدمة لورشة عمل عن زيادة موارد الجامعة، الخرطوم.               

كريب، أيان (1999): االنظرية الاجتماعية من بارسون إلي هبرماس، ترجمة د. محمد حسين غلوم، مراجعة د. محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، رقم 244، أبريل 1999، الكويت. 

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي: تطور ميزانيات التعليم العالي و البحث العلمي 85/1986-94/1995، الخرطوم.

وزارة المالية و الاقتصاد: العرض الاقتصادي السنوي للسنوات 1990-1996، الخرطوم.

وزارة المالية و الاقتصاد: البرنامج الثلاثي الأول، المجلد الأولي، الخرطوم.

http://www.uis.unesco.org

 

 

Alatas, S. Farid (2003): Academic Dependency and the Global Division of Labor, In the Social Sciences Current Sociology, Vol. 51 (6), pp 599-613.

Beshir, M. O (1977): Educational policy and the Employment problems in Sudan, DSCR Monograph No. 3, KhartoumUniversity press, Khartoum.

Bourdieu P. & Wacquant, L.D. (1992): An Invitation to Reflexive Sociology, Policy Press, Cambridge.

Denison, E. (1962):United States Economic Growth, Journal of Business, Vol. 35, pp. 109-121, April 1962.

Dore, R. (1976): theDiploma Disease: Qualification and Development, University of California. Press, George Allen and Unwin, London.

Esteva, G. (1992): Development in W. Sachs (ed): The Development Dictionary: A Guide to Knowledge as Power, Atlantic Highlands, N.J. and Zed Books, London.

Hebermas, J. (1979): Legitimation Crisis, Heinemann, London.

Henry, Clement, M. and Springborg (2001): Globalization and the Politics of Development in the Middle East, CambridgeUniversity Press, Cambridge.

Ibrahim, Saad Eddin (2000): Arab Social Science Research in the 1990s & Beyond: Issues, Trends and Policies in (Rached & Crais Sati (eds) (2000): Research for Development in the Middle East & North Africa, IDRC, Ottawa, pp. 14-140.

Jones, P.W. (1997): The World Bank and Literacy Question: Orthodoxy, Heresy and Ideology, International Review of Education, Vol. 43, no. 3, pp. 367-375, Kluwer Academic Publishers, The Netherlands.

Mazriu, A. (1975): The African University as a Multinational Corporation: Problems ofPenetration and Dependency, Harvard Educational Review, 45, pp. 191-210.

Mustafa, M.E and Affan , K. (1977): the Sudanese labour market : An Overview of its Characteristics and Problems with Special Emphasis On Sudan Labour Market in Hassan, A.M (ed): Growth, Employment and Equity: selected Essays, ICUP, Khartoum.

Odora, H. Catherine (2000): The Center-Periphery in Knowledge Production in the Twenty-First Century, Oct. 2000, Vol. 30, Issue 39. pp283-292.

Persianins, Panayiotis (2000): Conflict between Centrality and Location and its impact on Knowledge Construction and Legitimation in Peripheral Universities: The Case of the University of Cyprus, Compare: A Journal of Comparative Education, March 2000, Vol. 30 Issue 1, pp 35-53.

Pigozzi, Mary Jay (2003): What is Quality Education?, ADEA Newsletter, October-December 2003

Solami, J. (1992): the higher Education crisis in developing countries: issues, problems, international review of Education, pp. 19-33, Unesco institute of Education and Klawer Academic publishers, Netherlands.

Weicker, Lowell P. and Kahlenberg, Richard D. (2002): The New Educational Divide, Christian Science Monitor, 10/9/2002, Vol. 94, Issue 222.

World bank (2003): Unlocking the Employment Potential in MENA: A New Social Contract, World Bank.