يوليو/ 2004

 

 

 

 

 

لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ

جِبَالُ النُّوبَا .. الإنجليزيةْ !

 كمال الجزولي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

(1/1) تقريران صحفيان، بفارق زمنى لا يتجاوز الأسبوعين، حول حدث استثنائى جار منذ حين فى جبال النوبا بهدف إحلال الإنجليزية (الإنجليزية لا اللغات النوباوية!) محل العربية فى التعليم والتخاطب، شدا تفكيرى وأثارا قلقى، طوال الفترة الماضية، حتى بتُّ أخشى، أكثر من أي وقت مضى:

 

أ/ أننا، جماعة المستعربين المسلمين فى السودان، لم نتأهل، بعدُ، للتواضع مع الأغيار على ترتيبات التساكن المتنوع فى وطن واحد كما ينبغى، كونَ مقدمات ضرورية ومطلوبة بإلحاح لم تتوفر، حتى الآن، (داخل) جماعتنا الاثنية هذه، بما يمكنها، ولو بالحد الأدنى، من حسم (صراعاتها) حول تصوراتها شديدة التبايُن (للمشروع الوطنى)، أولاً، والاستقامة على صراط التعدد المتوحد بين مكوناتها هى نفسها، قبل أن تدعى طاقة ما على تدبير مساكنتها للآخرين؛

 

ب/ وأن الأغيار، من جانبهم، ربما كانوا أعمق توحلاً مِنا فى هذا المأزق التاريخى، على الأقل لجهة ما يعانى عنصر (المكوِن الثقافي) لديهم من ضعف مزمن فى الوعي بذاته، رغم الاسهام غير المنكور لهذا (المكون)، على علاته، فى توجيه يقظتهم القومية (عبد الله على ابراهيم، 2001). 

 

ج/ بالتالي، فإن ما ينشغل به طرفا التفاوض فى (نيفاشا) حالياً ليس بالأهم ولا بالأخطر، بل إن كلاهما، فى غمرة الانهماك فى مفاصلة (التشاشة) المستعرة بينهما على (السلطة والثروة)، منذ حين، إنما يُفرط فى القضية الأساسية: (الوحدة الوطنية)، عن قصد أو عن غفلة .. سيَّان!

 

(1/2) التقريران كلاهما من (كاودا)، التى تقع ضمن المناطق التابعة لإدارة الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان:

 

أ/ الأول لـ أنتونى مورلاند، مراسل (AFP)، نشره بتاريخ 29/11/2003 تحت عنوان (اللغة كقضية سياسية فى جبال النوبا)، حيث تكتظ الآن فصول المدرسة الابتدائية وحدها بأكثر من 560 تلميذاً تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعاشرة، عدا الكبار، بمن فيهم دفعة كاملة من 60 مدرساً يجرى تدريبهم ضمن البرنامج الجديد لإحلال العربية محل الإنجليزية!

 

ب/ أما التقرير الآخر فلمراسل (الواشنطن بوست) الأمريكية، نشرته بتاريخ 16/12/2003 تحت عنوان (عائق لغوي فى طريق السلام)، يصف مشهد التلاميذ يتدفقون فى الفجر، فى ظل اتفاقية وقف إطلاق النار، من قمم التلال المُعشِبة سيراً على الاقدام، ساعة أو ساعتين، صوب مدرستهم الجديدة، حيث ينتظرهم، على سبورةٍ داخل كهف من الطين، عنوان الدرس الصباحي: Ethnicity (العلاقات الاثنية)!

 

(2)

(2/1) لم يستغرب مراسل (الواشنطن بوست) للطبيعة السياسية الصارخة للدرس المشمول بكتاب مدرسى تم وضعه بمعرفة سلطات الحركة، بقدر ما أثارت دهشته لغة الدرس نفسها: الإنجليزية(!) فعلق قائلاً: يبدو، مع اقتراب الشماليين الناطقين بالعربية والجنوبيين الأفارقة السود من توقيع اتفاق سلام نهائى بعد سنوات الحرب الأهلية المتطاولة، أن اللغة التى ستستخدم فى الوسط تمثل مشكلة ينبغى التعاطى معها بجدية. فسكان الجبال يتحدثون العربية، لغة البلاد الرسمية "عبر قرون من تجارة الرقيق والتهجير القسري"، على حد تعبيره، "ولكنهم مع ذلك يقولون إنهم أقرب اثنياً وثقافياً إلى الجنوب" الذى تسود فيه الإنجليزية منذ أيام الادارة البريطانية" (!) لذلك فإن النوبا فى المناطق التابعة للحركة، والبالغ عددهم 400,000 نسمة، صوتوا (صوتوا ؟!) قبل عامين، حسب التقرير، لكى تصبح الإنجليزية هى لغة التخاطب lingua franca بدلاً من العربية!

 

(2/2) وينقل المراسل عن سايمون كالو، مدير التعليم فى الاقليم، قوله: "ليس فى الأمر مغامرة، فنحن كما ترى أفارقة ولسنا عرباً، وسوف نبنى السودان الجديد ونقرر مصيرنا، وهذه النقلة إلى الإنجليزية تمت، فى الحقيقة، برغبة كل النوبا"! وتعضيداً لهذه الافادة يضيف المراسل شهادته الشخصية المباشرة بأن (النقلة) تحظى، بالفعل، بتأييد واسع وسط المواطنين ".. فكل الذين تحدثت إليهم هناك شددوا على أنهم يعدونها بمثابة الخطوة الأولى فى تقرير وضعهم الجديد (بانفصال!) عن الشمال". ويستشهد بما قالته له آمنة اسماعيل (18 سنة) عن تعلقها الشديد بدروس الإنجليزية ".. فالتحدث بالعربية يؤلمنى لأنها ليست لغتى" (!) وكذلك بتأكيدات عائشة محمود (24 سنة) الصارمة له قائلة: "إذا مُنِعنا من تعلم الإنجليزية، فسنعود للقتال مجدداً"!

 

(2/3) كما ينقل التقرير عن أليكس دى وول، مدير منظمة (Justice Africa ـ أفريقيا العدالة) ومؤلف كتاب (Facing Genocide: The Nuba of Sudan - نوبا السودان فى مواجهة الابادة الجماعية)، قوله: "من المفهوم تماماً أن تتم النقلة للإنجليزية فى هذا المنعطف بالذات من تاريخ هذا الشعب .. الذى يعد ضحية لمخطط لا يمكن وصفه بغير التطهير العرقى المنهجى. لقد رسبت جملة الآثار السالبة لخبرة الجهاد، والتهجير الجماعى على وجه التعيين، فى وعى هؤلاء الناس بعمق". ويعقب المراسل على هذا الحديث بأن نسبة 20% من النوبا مسلمون، غير أنهم يعارضون النموذج الإسلامى الذى سعت الحكومة لفرضه منذ تسعينات القرن المنصرم. ويعضد ذلك بطرف مما سمعه من الامام آدم عطرون عن أن الشماليين قصفوا مسجده فى كاودا، وأن قضيته موثقة لدى مختلف جماعات حقوق الإنسان، وأن ".. الشماليين يضطهدوننا لأننا سود، ولذلك فأنا الآن أريد لأطفالي أن يتعلموا الإنجليزية" .. الخ الخ!

 

(3)

(3/1) أما أنتونى مورلاند، مراسل (AFP)، فقد اهتم، من جانبه، بالطابع السياسى للقرار الذى أصدرته فى 2001 سلطات الحكم المحلى للحركة، والذى قضى بإحلال الإنجليزية محل العربية لغةً للتخاطب والتعليم فى مدارس الغابة! وأورد ما قاله سايمون كالو لمجموعة صغيرة من الصحفيين الأجانب، شارحاً خلفيات القرار بأن النظام التعليمى القديم فى الجبال كان يهدف بالأساس إلى تعريب وأسلمة النوبا، و".. لقد أسلمت أنا نفسى عندما كنت تلميذاً وغيرت اسمى لإسماعيل، وإلا لما كنت أكملت تعليمى"! ويمضى التقرير ليروى كيف أن الحرب تسببت فى قفل المدارس لسنوات طوال، وما أن أعيد فتحها فى أعقاب اتفاقية وقف إطلاق النار لسنة 2002، حتى أقبل الناس عليها صغاراً وكباراً. غير أن المشروع سرعان ما اصطدم بمشكلة عدم توفر العدد الكافى من المدرسين المحليين ".. فاضطررنا لسد هذا النقص باستقدام العشرات من المدرسين الكينيين واليوغنديين الراغبين فى المساهمة فى هذه الثورة اللغوية linguistic revolution "، على حد تعبير مسئول الحركة!

 

(3/2) وينقل مورلاند أيضاً عن دانيال كوكو ماندى، أحد مدرسى المستقبل المحليين الذين يجرى إعدادهم فى دورة تدريبية بمساعدة (اليونيسيف): "لا نريد العربية بعد اليوم. إنها لغة العرب وليست لغتنا. أما تعليم الإنجليزية فأمر طيب. إنهم يتحدثون بها فى كل العالم، يعنى تستطيع أن تتخاطب بها مع أى إنسان"!

 

(3/3) ولعل أهم ما فى تقرير مورلاند جانبه المتعلق بالمنهج الجديد لمادة (التربية الوطنية)، والهادف إلى تصحيح المفهوم الخاطئ عن السودان الذى غالباً ما يُصور من خلال أجهزة الاعلام باعتبار أن شماله يتبع للعرب المسلمين بينما يتبع جنوبه للأفارقة المسيحيين. وعندما سأل الصحفيون المعلم الذى يستخدم كتاباً مقرراً من جانب الحركة إن كان من رأيه أن مثل هذه المواضيع سياسية بمستوى لا يتناسب وتلاميذ المرحلة الابتدائية، أجاب على الفور: طبعاً سياسية، وإلا لما أسموها (تربية وطنية)!

 

 (4)

(4/1) كالعادة، سوف يصرف ذوو الفطنة والذكاء فوق المتوسط جُل جهدهم للامساك بهذين المراسلين متلبسين بالفبركة الصارخة والتزيد المفضوح والتناقض الساذج، وربما أيضاً (بالغرض) الذى هو، بلا شك، (مرض)! وسوف يجدون فى التقريرين، بالقطع، صيداً وافراً من ذلك كله، بخاصة تحشير الفبركات الواضحة فى ثنيات الحقائق الثابتة، أو التى يمكن، على الأقل، قبولها عقلاً فى ضوء معطيات مظالم الهامش المشهودة عبر التاريخ الاقتصادى السياسى والاجتماعى والثقافي لبلادنا، وكذلك بعض الألفاظ التى وُضعت وضعاً، وبتعمُّد ملحوظ، على ألسنة (النوبا)، كما فى تسميتهم للجلابة "بالشماليين"(!) علاوة على بعض النتائج التى رُتبت، بالمفارقة لمنطق السياق، على مقدمات ليست من جنسها أصلاً، كأن يلتمس الامام عطرون الذى دُمِّرَ مسجدُه رداً لمظلمته فى تعلم الإنجليزية(!)، أو تنذِر عائشة محمود، إنْ حُرمَ قومُها مِن تعلم الإنجليزية، بدخول الغابة .. عديل كده(!)

 

(4/2) ولكن ما ينبغى أن نسمعه، ونعقله، ونعيه جيداً هو أمر آخر تماماً. فالمؤسف حقاً أن كل ما يمكن رصده وتصنيفه من تناقض هنا أو فبركة هناك يظل غير كافٍ بمجرده لدحض هذين التقريرين جملة وتفصيلاً، حيث يبقى الجذر الأساسى للحقيقة العيانية فيهما قائماً فى ما آلت إليه، بالفعل، كلا العربية وحمولتها من ثقافة الجماعة المستعربة المسلمة فى البلاد، بفعل تحولهما إلى أسلحة فى يد التيار (السلطوي) داخل هذه الجماعة، والذى ما انفك يستعلى باسمها، تاريخياً، على المساكنين من الأغيار باللغة والثقافة والدين والعرق.

 

(4/3)وربما كان من أكثر مشاهد هذا المآل وضوحاً ما تعانيه لغة هذه الجماعة وثقافتها، فى راهنهما المُعاش والملموس، من اهمالٍ وضآلةِ شأن وسط الأجيال الجديدة من أهلهما أنفسهم، الذين يبدو أنهم تركوهما تماماً لهذا التيار (السلطوي) يشبعهما ركاكة وتنطعاً وسوء استخدام، حتى ليكاد الآن يُغَطِس حجرَهما نهائياً، دَعْ افتقارهما لأدنى مقومات المناعة بإزاء شتى صنوف المخططات الخارجية الرامية لجعلهما ثغراً تؤتى من قِبَلِه، لا أشواق (الوحدة الوطنية) فحسب، وإنما (وجود) الجماعة المستعربة المسلمة ذاتها، كإحدى مفردات منظومة التعدد السودانى، بصرف النظر عن درجة وضوح أو خفوت هذا الاستهداف. ودونك ما كشف عنه التقريران من نشاط لليونيسيف (حتى اليونيسيف!) فى تقديم الدعم المباشر للتعجيل بإحلال الإنجليزية محل العربية، واستقدام معلمين من كينيا ويوغندا (يعنى لا جنوبيين ولا شماليين ولا حتى نوبا!) لتعليم القراءة والرياضيات والوعي الصحى و .. التربية الوطنية(!) وذلك بعد أن تبيَّن أن أغلب المعلمين النوبا، المقبلين بحماس على هذا البرنامج التدريبى بمدرسة (كاودا)، لا يعرفون، أصلاً، أقل القليل عن الإنجليزية! فالعملية، إذن، أشبه ما تكون، فى جوهرها، إعادة إنتاج (المشهد التبشيرى) فى مطالع القرن الماضى، سوى أنه (تبشير)، هذه المرة، (باللغة)! ولعل هذا بالضبط هو ما أفصح عنه، على نحو ما، ريدينتو لاروكو، ناظر المدرسة اليوغندى المتقاعد والمنتدب حالياً للمساعدة فى تدريب الدفعة الجديدة من هؤلاء المعلمين، بقوله لمراسل (الواشنطن بوست): "كثيراً ما يعترينى إحساس (المبشر) أثناء عملي هنا فى تدريس الإنجليزية .. لكننى أعتقد، على أيَّة حال، أنه عمل جيد. إن هذا ما يريده الناس حقاً"!

 

(4/4) وحقاً ما أتعسها لغة حسبناها، لغفلتنا، رَبَتْ فى ألواح (الفقرا)، وطمحت من أخراج (الجلابة)، فتطامنت على ألسنة المُساكنين مشروع وحدة لا تطمر حقاً فى التفرد الثقافي، وأداة تواصل لا يقطع رحماً للغات الأمهات، فإذا بنا نصحو، آخر الليل، على آخر كابوس كنا ننتظره: أن ينقلب هؤلاء أنفسهم يركلونها، فى نهاية المطاف، كما تركل الحصاة فى قارعة الطريق، ويكشطونها من وجدانهم كما تكشط الشخبطة المطموسة فوق الجدار العتيق، أو يثفلونها، تماماً كما تثفل لطعة الدم من الحلقوم! فمن ذا الذى يُسائِل التاريخ عن هذا المآل: تيار الاستعلاء من سلطنة (الكَكَر) إلى سلطة (الجبهة)، يتوهم قدس الأقداس فى (أسلمة) الآخرين و(تعريبهم)؟! أم تيار الغفلة عن استحقاقات (الوحدة) كضرورة موضوعية، من (أنيانيا وَنْ) إلى (الحركة الشعبية)، يتوهم أن (استعلاء الجلابة) البغيض لن ينثلِمَ بغير (استعلاء الهامش) المضاد، حتى لو اقتضى الأمر الاستقواء بالعامل (الخارجى)، سياسة كان أم ثقافة أم .. لغة؟! ولكون الاجابة الكاملة ليست بذات السهولة التى يمكن أن ينطرح بها السؤال، بل هى مما يستلزم، دون شك، مبحثاً مستفيضاً فى الاقتصاد السياسى للعلاقات الاثنية فى السودان، فسنقتصر هنا على الاشارة لبعض ذلك بما يخدم أغراض هذه المقالة القصيرة.

                                                                             

(5)

(5/1) عند التصدى للشق الأول من السؤال فإن أهم الحقائق التى ينبغى أخذها فى الحسبان هى أن غالبية الجماعة المستعربة المسلمة تنتسب، بثقلها الاقتصادى السياسى والاجتماعى الثقافي فى بلادنا، إلى العنصر النوبي (النوبي لا النوباوي) المنتشر على امتداد الرقعة الجغرافية من أقاصى الشمال إلى مثلث الوسط الذهبي (الخرطوم ـ كوستي ـ سنار)، وهو العنصر الذى ينتمي إليه غالب (الجلابة)، أو الطبقات والشرائح الاجتماعية التى تمكنت، منذ خمسة قرون، من تركيز الجزء الأكبر من الثروة فى أيديها (ساندرا هيل ـ ضمن ب. ودوارد، 2002)، والتى تشكلَ فى رحمها، تاريخياً، التيار (السلطوي) المستعلى على الآخرين فى الوطن بعِرق (العرب!) ودين (الإسلام) وثقافته، بالاضافة إلى اللغة (العربية) بطبيعة الحال. فعلى الرغم من الأصول النوبية لأغلب المنتمين لهذه القوى الاجتماعية، إلا أنهم لم يعودوا يستبطنون الوعي بهذه (الهُويَّة) التى استحالت هى نفسها إلى (هامش)، وإنما يزعمون تشكلهم نموذجاً (قومياً) محدَّداً بالإسلام والعروبة. بعبارة أخرى، ولكى نكون أكثر وضوحاً، فإن المشكلة لا تكمن فى هذه السيرورة الهُويويَّة نفسها بقدر ما تكمن فى الأسلوب القامع الذى اتبعته هذه القوى الاجتماعية فى الاستعلاء باستعرابها وتأسلمها على كل من أضحت تتوهم أنهم (دونها)، ضربة لازب، من سائر أهل الأعراق والأديان والثقافات واللغات الأخرى. لقد ذوت الهُويَّة القديمة، إلى حد بعيد، فى وجدانها، ولم يعُد لنوبيتها أي معنى حقيقى، ولكنها انطلقت تقدم نفسها نموذجاً (قومياً) أو ثقافة (قومية) ترتكز إلى اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية والدين الإسلامى، دون أن تستوفى أشراط تشكلها نموذجاً كلياً يعبِر عن (مجموع) الثقافات السودانية، أو يعكس منظومة (التنوع) السودانى، فما تزال تعبر فقط عن محض "إدراك وفهم نيلي شمالي لهذه الهُويَّة السودانية الصاعدة" (دورنبوس، فى بارنت وكريم ـ المرجع نفسه).

 

(5/2) شكلت مراكمة الثروة فى أيدى هؤلاء (الجلابة)، إذن، الخلفية التاريخية لنشأة التيار الاستعلائى السلطوي وسطهم، (بتمكينه) من فرض نمط (تدينه) والمستوى الذى يناسبه من الثقافة العربية واللغة العربية. ولأنه ليس من أهداف هذه المقالة، بل ليس فى وسعها، تتبع السيرورة التاريخية الطويلة التى أنتجت رأسمالية المستعربين المسلمين الطفيلية الراهنة، فإننا نكتفى بالاشارة هنا إلى أهم محطاتها، كالدفعة الكبيرة التى وجدتها، مثلاً، من الإدارة البريطانية (1898م ـ 1955)، عندما احتاجت هذه الأخيرة إلى خلق (المؤسسة السودانية) الداعمة لها من شريحة كبار التجار مِمن مكنتهم خدمتهم لرأس المال الأجنبى فى السوق المحلى، وقتها، من مراكمة ثروات أعادوا استثمارها، بشكل رئيس، فى مجال الاستيراد والتصدير، أو فى بعض الصناعات التحويلية الخفيفة، فى مرحلة ما بعد الاستقلال (ت. نبلوك، 1990)، قبل أن يتفرغوا نهائياً، منذ أواخر سبعينات القرن الماضى، للمضاربة فى العقارات والعملات .. الخ، بالاضافة إلى الأرستقراطية القبلية والطائفية التى جرى تمكينها من التصرف فى الأراضى والثروات، والشرائح العليا من بواكير خريجى (الكلية) الذين لعبت دخولهم العالية دوراً مهماً فى تشكيل نزعاتهم المحافظة (ت. نبلوك، 1990).

 

(5/3) غير أنه يعنينا، مع ذلك، لفت الانتباه إلى الأهمية التاريخية الاستثنائية التى يكتسيها التكوين الأولي الباكر للفئات والشرائح الاجتماعية العليا، المنتمية، بالأساس، إلى الجماعة المستعربة المسلمة، والأوضاع الاقتصادية السياسية والاجتماعية الثقافية التى تشكلت فى عقابيل انهيار الممالك المسيحية وتأسيس (مملكة سنار)، على النحو الآتى:

 

أ/ جرى ذلك التكوين وما ترتب عليه من أوضاع فى ملابسات النشأة الأولى لنظام التجارة البسيط على نمط التشكيلة ما قبل الرأسمالية منذ مطلع القرن السادس عشر (ك. بولانى ، المرجع نفسه)، وازدهار التجارة الخارجية تحت إشراف  السلاطين ورعايتهم، على غرار قوافل التجارة الموسمية فى مكة مع بدايات الانقسام الطبقى واكتمال انحلال النظام البدائى خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين (بيلاييف، 1973)، وإلى ذلك اندغام مختلف شرائح التجار والموظفين والفقهاء وقضاة الشرع (أهل العلم الظاهرى)، أو الطبقة الوسطى قيد التكوين آنذاك، فى (السلطة الزمنية) من باب الدعم الذى كانوا يقدمونه للطبقة الأرستقراطية العليا من السلاطين والمكوك وحكام الأقاليم، والفائدة التى كانوا يجنونها من امتيازات تحلقهم حول مركز السلطة بما كانوا يحصلون عليه ويعيدون استثماره تجارياً من أنصبة صغيرة من الذهب والرقيق وخلافه (أوفاهى وسبولدنق والكرسنى والبشرى ـ ضمن ت. نبلوك، 1990).

 

ب/ ولكون المراكمة، بطبيعتها، عملية بطيئة لا تكاد تستبين نتائجها إلا وفق القوانين العامة لحركة التطور، فقد أمكن، فقط مع خواتيم القرن السابع عشر ومطالع القرن الثامن عشر، أن يفضى التراكم الكمى لتناقضات المصالح المتباينة بين مختلف شرائح التجار إلى تغير كيفى فى النظام التجارى نفسه، مما أفضى، فى المدى الطويل، إلى تفكك الدولة السنارية ذاتها وانحلالها خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر. ومن أبرز عوامل ذلك تراجع دور السلاطين فى ذلك النظام خلال القرن الثامن عشر، نتيجة تشجيع التجار الأجانب لصغار التجار المحليين على اقتحام التجارة الخارجية والتعامل بالعملات الأجنبية، كالدولار الأسبانى، للانعتاق من الذيلية لتجارة السلطان وتحكمه المطلق فى الأسعار عن طريق تحكمه فى كميات الذهب التى تصل الأسواق، وانحلال قبضة السلاطين، نتيجة ذلك، على أراضى السلطنة بحلول نظام الملكية الخاصة للأراضى محل ملكية الدولة، فحازها التجار الأثرياء وأصحاب النفوذ، وجرى تكبيل الرعاة والمزارعين العبيد وأنصاف العبيد بالمزيد من علاقات الانتاج العبودية والاقطاعية المتداخلة (ت. نبلوك، 1990)، بالاضافة إلى تعمق التناقض بين عجز السلطة السياسية المفككة، وبين النمو المتسارع للنشاط التجارى مع تزايد حاجته إلى قوة مركزية تفرض الأمن والاستقرار والسوق الموحدة والحدود الجغرافية، وتحد من عوائق النظام الضريبى المتعدد بتعدد الأنظمة السياسية فى الاقاليم (القدال، 2002). ثم جاء من فوق ذلك كله تفاقم الحركات الانفصالية، ضغثاً على إبالة، فى أجواء انقسامات السلطة وصراعات أجنحتها، مما نجم عنه انسلاخ مناطق بأكملها، مثل منطقة الشايقية، عن كيان المملكة (ت. نبلوك، 1990)، بل وانطلاق الدعوة الصريحة من مناطق أخرى لمحمد على باشا للتدخل (القدال، 2002).  

 

ج/ بالمقابل كانت هناك قوى الانتاج البدوي فى قاع المجتمع، المُكونة من العبيد ورعاة الإبل والماشية وحِرَفيىِّ الانتاج السلعى الصغير فى القرى ومزارعي الأراضى المطرية والرى الاصطناعي، الرازحين بين مطرقة السيطرة المطلقة للسلطان، وسندان النفوذ الاقتصادى للتجار، على نظام "الشيل"، حيناً، ثم على نظامَى "السُّخرة" أو "المشاركة" فى الانتاج، بحسب الحال، نتيجة لاستحواذ التجار الأثرياء وذوى النفوذ على الأراضى فى مرحلة لاحقة من صراع المصالح، كما سلفت الاشارة. وتنتسب إلى قاع المجتمع هذا، بالأساس، قبائل الجنوب، وجبال النوبا، والفونج (جنوب النيل الأزرق)، والنيل الأبيض، مِمَّن اعتبروا مورداً رئيساً للرقيق والعاج وسلع أخرى "كانت تنتزع بالقوة .. مما جعل لهذه العملية تأثيراتها السالبة على المناطق المذكورة" (ت. نبلوك، 1990).

 

د/ كان لا بدَّ لتلك التأثيرات أن تلقى بظلالها السالبة أيضاً على جبهة الثقافة واللغة. فعلى حين لم يُفض انهيار الممالك المسيحية إلى (محو) المسيحية نفسها ديانةً وثقافةً سائدتين، بضربة واحدة، كما يعتقد بعض الكتاب خطأ (مثلاً: جعفر بخيت، 1987)، دَعْ عنك الديانات الأفريقية وما يرتبط بها من ثقافات، كانت قد بدأت فى التشكل خصائص الفضاء الروحى لذلك النشاط المادى، وفق المعايير الثقافية لمؤسسة (الجلابي) السائدة اقتصادياً، المتمكنة سياسياً، مثلما بدأت فى التكون هُويًّة ما يطلق عليها (الشخصية السودانية)، من زاوية هذه الثقافة نفسها، أي شخصية (الجلابي) المنحدرة من العنصر المحلي النوبي المستعرب بتأثير العنصر العربي الذى ظل ينساب داخل الأرض السودانية منذ ما قبل الإسلام، وبتأثير الثقافة العربية الإسلامية التى ظلت تشق طريقها، منذ 641م، عبر المعاهدات، وعبر عمليات التبادل التجارى، ثم، لاحقاً، بتأثير البعثات الأزهرية، والفقهاء الذين استقدمهم سلاطين سنار من مصر، والمتصوفة ومشايخ الطرق الذين قدموا من المشرق والمغرب. ومع مرور الزمن أخذت تلك الخصائص تتمحور حول النموذج (القومي) المتوهم وفق المقايسات الهُويويَّة لذهنية ووجدان (الجلابي)، واللذين تشكلا على الخوف من العالم الميتافيزيقي الخفى للأغيار المساكنين أو المجاورين، وجُلهم من الزنج الذين يجلب إليهم ومنهم بضاعته مُلقياً بنفسه فى لجج مخاطر لم يكن لديه ما يتقيها به سوى التعويل، حدَّ التقديس، لا على الفقهاء وقضاة الشرع (أهل العلم الظاهرى)، فهؤلاء وجدهم يجوسون معه فى عرصات الأسواق وأبهاء البلاط فسقطت هيبتهم فى نفسه، وإنما للسلطة (الروحية) لدى الأولياء والصالحين وشيوخ المتصوفة (أهل العلم الباطني)، المنحدرين، بالأساس، من ذات جماعته الاثنية المستعربة المسلمة، والزاهدين فى ذهب السلاطين ونفوذهم، والقادرين وحدهم على أن (يلحقوا وينجدوا) بما يجترحون من كرامات وخوارق ومعجزات ترتبط عنده، فى الغالب، بصيغ (لغوية) تتمثل فى ما (يقرأون) و(يكتبون) و(يمحون)، فيمسُّه (بقولهم) ما يمسُّه من خير أو شر(!)الأمر الذى زاد من تشبثه (بالعلم الباطني) لتينك اللغة والثقافة، وضاعف من رهبته بإزاء الأسرار الميتافيزيقية الكامنة فيهما (راجع "الطبقات" لود ضيف الله)، كما فاقم من استهانته (برطانات) الزنج و(غرارتهم)، وأسس لاستعلائه عليهم. لقد مهَّد ذلك كله، بمرور الزمن، لحجاب كثيف بين هذين العنصرين فى الوعي الاجتماعى العام، حيث استعصم العنصر الزنجى مع لغته وثقافته بالغابة والجبل، وحدث الشئ نفسه تقريباً فى سلطنة الفور ومملكة تقلى (محمد المكى ابراهيم، 1976). ولئن كان ذلك كله محدوداً بظروف تلك الممالك المتفرقة، فقد جرى تعميم النموذج مع الحكم التركى المصرى عام 1820م، وتأسيس الدولة الموحَّدة الحديثة التى "تمتلك أدوات تنفيذ عالية الكفاءة، فبرز النهج الاستتباعى للثقافة العربية الإسلامية بشكله السافر" (أبكر آدم اسماعيل، 1999).

 

(6)

(6/1)يضئ الكثير من المؤرخين والباحثين، من أمثال ماكمايكل وترمنغهام وهاميلتون ويوسف فضل وسيد حريز وغيرهم، تلك الوضعية المقلوبة التى تنزع (للتأكيد) المتوهم على (نقاء) العِرْق العربي وكذا اللغة والثقافة، والتى استقبل بها (الجلابة) فى وقت لاحق صورة الوطن ومعنى الوطنية والمواطنة، بالمفارقة لحقائق الهجنة التى ترتبت على خمسة قرون ـ بين القرن التاسع والرابع عشر ـ من اختلاط الدماء العربية الوافدة بالدماء المحلية، النوبية منها بالأخص، دون إغفال وقوع ذلك أيضاً بالنسبة للدماء البجاوية والزنجية، وإن بشكل متفاوت. ".. فالعرب الأقحاح لم يكن عددهم كبيراً .. فى أى وقت من الأوقات، وقد اختلطوا حيث أقاموا وتزاوجوا مع السكان المحليين، سواء كانوا من النوبيين أو من البجة أو من الزنوج" (Hamilton, 1935). رغم تلك الحقيقة التاريخية، بل رغم أن "الهجين الماثل للعيان"، بمجرده، "لا يجعل منهم عربًا خلصاً" (يوسف فضل، 1988)، إلا أن سياحة عجلى فى "طبقات ود ضيف الله" أو "كاتب الشونة" أو أي من سلاسل الأنساب وأشجارها، وجُلها مختلق أو موضوع لاحقاً مثل وثائق تمليك الأرض لدى الفونج، على سبيل المثال، أو ما إلى ذلك من المصادر التاريخية للممالك والمشيخات الإسلامية فى البلاد قد تكفى للكشف عن مدى ما أهدره (الجلابة) من جهد ووقت وعاطفة فى (تنقية) أصولهم من العنصر المحلى، وإرجاعها، ليس فقط لأعرق الأنساب القرشية فى الجزيرة العربية، بل وإلى بيت النبوة نفسه! وقد حاول بعض الكتاب تفسير هذه الظاهرة من منطلقات معرفية مختلفة. فعلى سبيل المثال يحيلها يوسف فضل (1975) إلى مجرد "الخطأ عن جهل"، أو محاولة الاتكاء على سند حضاري بعد هزيمة المهدية. سوى أن من الصعب الموافقة على تفسير الذهنية الجمعية، وبخاصة حين تشكل ظاهرة ممتدة فى التاريخ، أو تنتسب إلى طبقات وشرائح اجتماعية بمثل هذا الحجم والأثر فى مجرى التطور العام لأمة بأكملها، بمجرد (الخطأ) أو (الجهل). كما وأن تاريخ الظاهرة نفسه يعود، كما قد رأينا، إلى ما قبل هزيمة كررى بمراحل تاريخية طويلة. ويسمى بعض الكتاب هذه الظاهرة (أيديولوجيا الأصالة)، ويجترح مدخلاً طريفاً لمقاربتها من بوابة علم النفس الاكلينيكى، بإحالتها إلى مجرد (عقدة نقص) تجاه الوضعية التراتبية لأصول المصادر فى الثقافة العربية الإسلامية. فعرب السودان، من هذه الزاوية، ظلوا يواجهون نظرة التشكيك فى عروبتهم التى تعتبر من الدرجة الثالثة، حيث "العرب الأصلاء فى الجزيرة العربية والشام، والعرب من الدرجة الثانية فى مصر والمغرب العربي، والبقية فى السودان وموريتانيا والصومال" (أبكر آدم اسماعيل، 1999). ويذهب الكاتب إلى أن الظاهرة مرتبطة "بظروف تاريخية معينة، حيث أن الأغلبية الساحقة للناقلين للثقافة العربية الإسلامية عبر تلك القرون الطويلة هم من الأعراب الذين يمثلون القبائل الهامشية فى الجزيرة العربية والمناطق العربية الأخرى. وهم ليسوا ذوي جاه ولا علم بالإسلام وما نتج عنه من فكر، فكان من الطبيعى أن ينقلوا معهم واقعهم مؤطراً، وبالتالى اختلاط الحقيقة بالادعاء على مستوى الفكر والأنساب" (المرجع نفسه). مهما يكن من أمر، فإننا نتفق مع ما ذهب إليه يوسف فضل (1988) من أن حقيقة الهجنة واختلاط الدماء العربية والنوبية (نركز على العنصر الذى انحدر منه غالب الجلابة) تبدو (ماثلة للعيان) بقوة لا تحتمل المغالطة. وإلى ذلك يجدر التعاطى معها كحقيقة معرفية لا ينتقص من قيمتها أن دعواها فى أصولها العرقية عند ماكمايكل وتجلياتها الثقافية عند ترمنغهام مفهومة لدى بعض المفكرين بأنها "تنطوى على فرضية انحطاط"، كما ذهب إلى ذلك مثلاُ د. عبد الله على ابراهيم (1996).

 

(6/2) لقد انطلق (الجلابي) يسقط وعيه بعِرقه المحض، الخالص والمُنتحل هذا على حاضر صورة الوطن، آنذاك، ومستقبلها، لا كما هى عليه فى الواقع، بل كما صاغها هو فى (وهمه) الفخيم، مستنداً إلى مراكمته الأولية للثروة، وبخاصة فى ظل نظام التجارة البسيط ونهب الموارد على أيام مملكة سنار، مما سلف ذكره، وفاتحاً الطريق لنشؤ وتسيُّد تيار الاستعلاء السلطوي فى السياسة والاجتماع والثقافة. ونجد صعوبة فى الاتفاق مع أبكر آدم اسماعيل الذى يرى أن هذا الاستعلاء، ويطلق عليه (الاستتباع) و(التشدد)، يرجع إلى بواكير أيام الثقافة العربية الإسلامية فى السودان، ولكنه بقى ناعماً benign طوال ذلك الوقت بسبب افتقاره لسلطة الدولة التى لم تتوفر له إلا مع نشوء الممالك الإسلامية فى شمال  السودان وأواسطه (المرجع نفسه). ومع احترامنا للكاتب، إلا أنه يعرض (للاستعلاء/ الاستتباع/ التشدد) هنا كفكرة كامنة، ناجزة بنفسها فى الثقافة العربية الإسلامية ضربة لازب، وكل ما تحتاجه لظهورها فى أي مكان هو (سلطة الدولة)، فلا جذر لها فى واقع النشاط المادى للمجتمع المعين. ووددت لو أنه سعى لتأسيس فرضيته هذه على معطى تاريخى وثيق، حيث الثابت معرفياً حتى الآن أن حركة الاستعراب والتأسلم حفرت مجراها العميق بصورة طبيعية فى بعض أجزاء البلاد، خصوصاً على الشريط النيلي من الشمال إلى الوسط، وبالذات خلال القرون التى تلت صلح البقط عام 652 م، بالتزاوج وهجنة الأعراق وسلاسة التدين السلمى وانسياب اللغة والثقافة من خلال التثاقف والتمازج بين الإسلام وبين عناصر روحية ومادية فى الموروث المحلى. إن أي تقدير سليم لحركة الاستعراب والتأسلم التاريخية فى بلادنا لا بدَّ أن يقوم على النظر إليها، ابتداءً، بحسبانها مصدر إثراء مفترض، ليس فقط للخارطة الاثنية السودانية، بل وللثقافة العربية الإسلامية فى المنطقة بأسرها. فلا الهجنة مطعن فى جدارة الانتماء لهذه الثقافة، ولا الانتماء لهذه الثقافة يلغى شيئاً من خصائص هذه الهجنة، دَع أن يحول دون الحوار السلمى مع غيرها من مكونات ما يمكن أن يطلق عليه مستقبلاً (الثقافة السودانية) و(الأمة السودانية)! إذن، فالمشكلة ليست فى الاستيعاب المعرفى لوقائع الهجنة أو حقائق الثقافة، بل، على العكس من ذلك، فى إنكارها أو تزييفها أيديولوجياً، ثم تسويقها، بهذه الصورة، فى الوعي الاجتماعى العام! لقد أفرزت الهجرات العربية الى سودان وادى النيل ".. تحولاً جذرياً اتسم بقدر من الديمومة فى التوازن الايكولوجي بين الصحراء والأرض المزروعة، وأدت .. الى إحداث تبدل رئيس فى بنية الثقافات السودانية المحلية (و) شكل التمثل الثقافي والعرقي الذى نتج عن تلك الهجرات عملية ذات جانبين: من جانب .. السودانيين المحليين، ومن جانب .. العرب الوافدين (حيث) كانت الغالبية العظمى من الوافدين العرب بدواً، (و) كان تأثيرهم .. على السكان المحليين أحادياً .. بينما أظهر السكان المحليون .. تشكيلة متنوعة من الثقافات واللغات، ومن ثم كان تأثيرهم على العرب الوافدين بالقدر نفسه من التنوع .. لقد أدت عملية التمثل الى ظهور مركب فسيفسائي من الأقوام والثقافات يتمثل القاسم المشترك الأعظم لغالبيتها فى الدين الإسلامي وأصبحت اللغة العربية مع مرور الوقت وترابط المصالح الاقتصادية هى اللغة الجامعة بين تلك الأقوام والثقافات" (أسامة عبد الرحمن النور ؛ "مشروع السودان الجديد وإعادة كتابة تاريخ السودان"، سودانايل 14/4/04). وإذن، ومن زاوية الحقيقة المعرفية، فإن من أهم عوامل تحقق هذه (الفسيفساء) وقوع الهجنة فى بعض أجزاء البلاد دون أجزاء أخرى. أما من زاوية الحقيقة الأيديولوجية، فعلى الرغم من أن تيار الاستعلاء (السلطوي/ التفكيكي) قد ظل يعتبر هذه (الفسيفساء) نقمة، إلا أن الأقسام الوطنية الديمقراطية من التيار (العقلاني/ التوحيدي)، وبالأخص بين المبدعين والمفكرين، قد اعتبرتها دائماً نعمة! ولعل هذا بالتحديد هو ما وعته، وإن بدرجات متفاوتة من السداد والثبات، وما سعت لتلمُّسه وتمثله والتعبير عنه، وإن بمستويات مختلفة من الاتساق ووضوح الرؤية، أجيال من المفكرين والأدباء والشعراء والفنانين المستعربين المسلمين، منذ دعوة حمزة الملك طمبل: "يا شعراء السودان أصدقوا وكفى!" مروراً بتيارات عديدة أشهرها (الغابة والصحراء)، و(مدرسة الخرطوم) فى التشكيل، وجماعة (أبادماك)، علاوة على الجهود الفكرية التى انطلقت، منذ ستينات القرن المنصرم، بحفز من تلك المداخل الابداعية، نحو مقاربة أشمل للاشكالية من زوايا سوسيوبوليتيكانية وسوسيوثقافية أكثر اتساعاً.

 

(6/3) فقط من خلال وقائع القرون الثلاثة التى أعقبت القرن السادس عشر، وعلى حين راحت تتبدد فى ذلك المفصل التاريخى، مع غروب شمس سنار، واحدة من بواكير الفرص النادرة لتوحد البلاد أقاليمها وتصوغ ذاتها وتنتمى لنفسها، كان (الجلابي) مشغولاً فى ملابسات صراع الثروة والسلطة:

 

أ/ بأسلاب المملكة التى كان قد نشط فى تفكيكها بالتواطؤ مع التجار الأجانب، يحصِى ما آل وما يمكن أن يؤول إليه من تركة (الككر) الضخمة: تجارة داخلية وخارجية طليقة من تحكم السلاطين، وأراض شاسعة خرجت من قبضة الدولة المرتخية فحازها بثروته ونفوذه.

 

ب/ وبتأسيس منظوره الخاص للبلاد التى لم تعُد، من أقصاها إلى أقصاها، غير كنف موطأ لامتيازه وحده بالأرض والزراعة والماشية والتجارة والعبيد، وامتيازه، تبعاً لذلك، بالعنصر واللغة ونمط التديُّن والثقافة، أما كل ما (دون) ذلك فصقعٌ خلاء، أو محض مشروع (للأسلمة) و(التعريب) يتقرب به إلى الله زلفى طمعاً فى الأجر!

 

ج/ وبتعميق رؤيته الفادحة للذات وللآخر، حيث أصله وحده الكريم ولسانه وحده الكريم، أما كل من عداه فعبيد غلفٌ، وألسنتهم كذلك! دمه وحده الحرام، وعِرضه وحده الحرام، وماله وحده الحرام، أما (الآخر) فكافر لا حرمة لدمه ولا لعِرضه ولا لماله! لون (الآخر) إما أسود أو أزرق، أما لونه هو فما أنزل الله بصفاته من سلطان: دهبى تارة، وقمحى تارة، وعسلى تارة، وتارة (خاتف لونين)، حتى إذا دَكِنَ وصار إلى سَجَم الدواك أقرب، فتلك (خدرة دُقاقة) أو (سُمرة) تتدوزن بفتنتها الأعواد فى المدن والطنابير عند السواقى! فصودُ (الآخر) على الجبين وشمُ رجرجةٍ مُعتم، أما شلوخه هو فتضئ على خديه مطارق وتى وإتش و(حلو درب الطير فى سكينة)، أو كما ظل يصدح ليلَ نهار، عبر مذياع الحكومة وتلفازها، حتى يوم الناس هذا، مغنيه الذى لا يموت ولا يفوت! يتمعن فى الكفين، يتشمم رائحة الإبط، يحدِّق ملياً فى الأنف وفى (الشلاليف)، يتقصى حتى لون باطن (الأضان) تحاشياً لِمَن فيه (عِرق) كى لا (يقع ساكت) أو يصاهر (مِن طرف)، وذاك مبلغ ما عَلِمَ من قوله (ص): "تخيَّروا لنطفكم فإن العِرق دسَّاس"، كضرب من اخضاع النص الديني لخدمة أيديولوجيا الاستعلاء! فرغم "اعتبار الدين الإسلامي لمثل هذه الاتجاهات جاهلية ممقوتة"، إلا أنه يفسر الحديث تفسيراً اثنياً، مع أنه "واضح في حث المؤمنين على تخير الزوجة من منبت صالح بمفهوم أخلاقي وديني وليس اثنياً بحال" (الصادق المهدى، "تباين الهويات فى السودان: صراع أم تكامل"، ورقة فى ندوة مركز دراسات المرأة بقاعة الشارقة بالخرطوم 23/3/2004). يفعل (الجلابي) ذلك كله دون أن يشغل نفسه، ولو للحظة، بالسؤال عمن تراه يكون (خاله)، أو عن أصل جدته الأولى يوم تزوج بها، قبل مئات السنوات، عربي مسلم وفد إلى هذه الانحاء عبر البحر أو النهر أو الصحراء! ولا عجب، فتلك سيرة لا يحبها، بل يدعها ترسب فى قاع اللاوعي، علها تذوى فى صمت .. علها!

 

د/ وبتكريس هذا كله استعلاءً جهيراً فى حمولة الوعي الاجتماعي من (حِكَم) شعبية وصياغات لغوية "تشكل حاجزاً نفسياً بين أهل السودان .. أمثال: جنس عبد منو الخير جبد ـ عبداً تكفتو بلا غبينة ـ سجم الحلة الدليلها عجمى وفصيحها رطان ـ الهملة السوت العبد فكى .. الخ" (الصادق المهدى، "المصالحة وبناء الثقة فى السودان"، ورقة فى ندوة "السلام بين الشراكة والمشاركة"، قاعة الشارقة " ـ 7 مارس 2004).

 

(6/4) ويفضل بعض الباحثين تسمية تيار الاستعلاء (السلطوي) هذا بالتيار (التفكيكي)، فى مقابل تيار آخر (توحيدى)، نسميه (العقلاني)، وسط (نخب) الجماعة المستعربة المسلمة السائدة. وإلى ذلك يلاحظون أيضاً، وبحق، تلازم التيارين فى مستوى تعبيرات (نخب الهامش) نفسها، سياسياً وثقافياً. ويشدد د. أسامة عبد الرحمن النور على أن هذه التسميات لا تعبر عن واقع (شعبي) فِعلي بقدر ما تعبِر عن واقع (نخبوي) فكري يُظهر قدراً مما يُعرف فى الأنثروبولوجيا بمصطلح (الاثنية المركزية) "التى تعكس نزعة الاحتقار وسوء التقدير داخل ثقافةٍ ما تجاه الثقافات الأخرى"(أسامة عبدالرحمن النور 2001). ومع تحفظنا عموماً على استخدام علم الاجتماع البرجوازى لمصطلح (النخبةـ elete) بدلالة الاعلاء من شأن (الصفوة الممتازة) على (العامَّة)، ونسبة الفضل فى تحريك التاريخ للكتلة الأولى، إلا أننا نستطيع أن نلمح بيُسر أن استخدامه هنا يقتصر على الاشارة لمسئولية الفئات والشرائح المزودة بمستويات عليا من المعرفة المتخصصة عن إزكاء نزعة الاستعلاء من موقع انحيازها إلى الطبقات الاجتماعية ذات المصلحة فى شيوعها واتخاذها طابعاً شعبياً، وإن كان زائفاً. ولذلك نتفق مع الباحث فى أن هذه النزعة، وإن كانت معروفة فى كل الثقافات، إلا أنها، بفعل توجهات (النخبة) السائدة حالياً فى السودان، أصبحت تتهدد، أكثر من أي وقت مضى، قضية (الوحدة) بخطر حقيقى داهم، مما يستوجب تأسيس الموقف التفاوضى (لعقلانيِّى/ توحيديِّى) الجماعة المستعربة المسلمة على نزع الأقنعة عن كل (المُغطى)، وتعرية المسكوت عنه فى تاريخنا الاثنى، باعتبار أن ذلك هو المخرج الوحيد الصائب من مأزقنا الوطنىِّ الراهن، "فما يفرِّق السودانيين هو ما لا يُقال" (فرانسيس دينق، المرجع نفسه)، الأمر الذى يلقى على عاتق الحركة الفكرية والثقافية بمهمة العمل لإزالة "التناقض الداخلى" الذى "هو مبعث حيرة أهل الجنوب والشمال، أغلبهم، حول ماهيتهم" (منصور خالد، المرجع نفسه)، كما ويلزمنا، بإزاء التحديات المستقبلية، "أن نعترف، نحن العرب المسلمين، أن ثقافتنا مارست استعلاءً ثقافياً على الآخرين (لأن) الاستعلاء الثقافي فى أوحش صوره بضاعة غربية وقد مارسته كل الثقافات المركزية فى عالم الأمس، ولكن الإنسانية أدركت مضاره وبدأ مشوار الاستقامة والعدالة" (الصادق المهدى، "المصالحة وبناء الثقة .."، 2004). بل وينبغى، حسب د. عبد الله على ابراهيم، تجاوز محض الاعتراف إلى "النفاذ القوى برقائق الروح وسهر الثقافة إلى خبايا الاستضعاف المؤسسي، الاجتماعى والتاريخى، لأقوام الهامش السودانى .. (كيلا نصبح) عبئاً على حركة المستضعفين لا إضافة لها، فبغير (ذلك) .. لا ينفذ الشمالى المدجج بامتيازاته التاريخية إلى مشاهدة قبح نفسه فى مرايا تلك الامتيازات الظالمة" (الصحافة، 17/5/2004).

    

(6/5) غير أن ما يقلقنا بوجه خاص، برغم كلِ هذه النداءات وغيرها، هو تقاصر الطاقات السياسية للتيار (العقلاني/ التوحيدي) وسط الجماعة المستعربة المسلمة حتى الآن، بهشاشته التاريخية الغالبة، وبمختلف (النخب) التى تمثله، عن النهوض بمهامه فى منازلة تيارها الآخر (السلطوي/ الاستعلائى/ التفكيكي)، بمستوى من الاقتدار المطلوب لتبرئة ذمة التيار الأول من القسط من المسئولية الذى يتحمله حتى الآن:

 

أ/ على صعيد مظالم (الهامش) التى زلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها، وولدت كل هذا البغض للجماعة المستعربة المسلمة ورموزياتها الثقافية واللغوية، لدرجة أن تياراً (استعلائياً/ تفكيكياً) مضاداً أصبح لا يعدم التعبير عنه الآن وسط حركة (الهامش) الاحتجاجية، مما أضحى يتهدد مشروع (الوحدة الوطنية) جدياً، هذه المرة، بالفناء والعدم.

 

ب/ وعلى صعيد مظالم الجماعة المستعربة المسلمة نفسها، جراء سماحها لتيارها (السلطوي/ التفكيكي) أن ينفرد، تحت سمعها وبصرها، بادعاء التعبير عمَّا يعتقد هو أنه (رسالتها) التاريخية (المقدسة) فى (تعريب وأسلمة) الآخرين، بكل ما يحمله مضمون هذه العملية من معاني القسر والقهر والجبر. وربما كان من المناسب أن نعيد إلى الأذهان هنا ما سبق أن أوردناه بعاليه مِمَّا نقل أنتونى مورلاند، مراسل (AFP)، من حديث سايمون كالو، مدير التعليم فى إدارة الحركة الشعبية فى (كاودا)، لمجموعة الصحفيين الأجانب، وهو يشرح خلفيات قرار الحركة بالتحول من العربية إلى الإنجليزية فى التعليم والتخاطب، بأن النظام التعليمى (القديم) فى الجبال كان يهدف بالأساس إلى تعريب وأسلمة النوبا و".. لقد أسلمت أنا نفسى عندما كنت تلميذاً وغيرت اسمى لإسماعيل، وإلا لما كنت أكملت تعليمى"! والحق أن هذه الافادة الحادة كالنصل جارحة بما يكفى لإدماء ضمائر كل مفكري ومثقفي التيار (العقلاني/ التوحيدي)، بمختلف أجيالهم، ولجعلهم يطأطئون رءوسهم خجلاً مِمَا كانوا يحسبونه جهداً مرموقاً بذلوه ووقتاً ثميناً صرفوه فى إنتاج ونشر الوعي الديموقراطى بقضايا الهُويَّة، والوحدة فى التنوع، وحقوق الأقليات فى التميُّز الثقافي، فإذا بالناتج قبض الريح، بل خراباً مأساوياً كاملاً!