يوليو/ 2003

 

 

 

 

 

 

حقاً هي قسمة ضيزى

د. منصور خالد

 نقلاً عن سودانايل

 

 

 

 

 

 

 

 

تحت عنوان "قسمة ضيزى" كتب الدكتور الطيب زين العابدين ينعى على ما أسمى "المسودة النهائية لاتفاق تقاسم السلطة" بين الحكومة والحركة الشعبية إزراءها بحقوق أهل الشمال. ومع صحة القول أن الأفكار الواردة في تلك المسودة لا تعبر عن رأي أي من الطرفين المتفاوضين بل هي استخلاص من جانب الوسطاء والرقباء من كل الآراء التي أوردها كليهما، إلا أن تلك الأفكار، في جوهرها، مؤشر صَحَاح لما ستؤول إليه الأمور. لماذا انتهى الأمر إلى ما نعاه الكاتب على مشروع الاتفاق: تهميش الولايات الشمالية؟ ذلك سؤال لم يرد عليه الكاتب الفاضل، بل لعلّ الرد لم يكن من خطته. السؤال إذن، يستدعي جواباً قبل أن نذهب إلى تناول الاستنتاجات التي توصل إليها الدكتور الطيب، بتفريعاتها المختلفة.

 

قبيل اتفاق ماشاكوس في 20/7/2002 اقترحت الحركة، كثمن لمشاركتها في الحكم في فترة انتقالية، قيام نظام كونفدرالى قوامه دولتان متكافئتان (الشمال والجنوب) يحكمهما على المستوي الكونفدرالي ـ أي مستوي الحكم المركزي - دستور محايد في موضوع الدين. الكلمتان المفتاحيتان في ذلك الاقتراح هما الكونفدرالية والدستور المحايد في موضوع الدين، وهذان أمران لم يكن وفد النظام على ثقه من النفس بقبولهما لأسباب لا تخفى. وإزاء تدخل الوسطاء والمراقبين انتهى وفد النظام إلى قبول ما جاء به اتفاق ماشاكوس الإطاري كحل وسط. وبما أن الوضع الذي ارتضاه النظام وتبناه الوسطاء يخلق هيكلاً دستورياًَ مختلاً، نبه وفد الحركة إلى ذلك الخلل، وأبان أن عدم وجود كيان شمالي مناظر للكيان الجنوبي يجعل من الحكومة الاتحادية (المشتركة) حكومة للقطر كله وللشمال أيضاً. ذلك رأي لم يرفضه النظام فحسب، بل لم يَرُقْ كثيراً للوسطاء. قال النظام لوفد الحركة: "جئنا هنا للتوافق معكم على حل مشكلة الجنوب ولاقتسام السلطة على المستوى الوطني بالتراضي، ولا شأن لكم بكيف يحكم الشمال". من جانبهم قال الوسطاء للحركة:  "اتفاق ماشاكوس يرضي طموحات الجنوب، ويعترف بالظلامات التاريخية، ويحقق قسمة في السلطة والثروة على المستوى الاتحادي تعالج عبرها تلك الظلامات، كما يضمن حياد الدستور في قضية الدين على المستوى الاتحادي، ويفتح لحلفائكم كَوّة في الجدار السميك الذي أقامته الجبهة ينفذون عبرها معكم ومعها للمشاركة في صياغة أطر دستوريه وقانونية جديدة، ويتيح لهم المشاركة في السلطة في حكومة واسعة القاعدة، فما شأنكم باستمرار الشريعة مصدراً للسلطات في دستور الشمال، أو كيف يحكم الشمال؟"

 

هذه إبانة ضرورية حتى لا تذهب الظنون بالبعض بأن ازدراء حقوق أهل الشمال كان بسبب مشروع ابتدعته الحركة أو أطروحة أصرت عليها، أو تستبد الأوهام الفوبائية ببعض آخر لتصوير المشروع وكأنه مؤامرة أجنبية. فلو لم يصر النظام على بقاء الأوضاع في الشمال على صورتها الراهنة، لما كان في مقدور المراقبين من الولايات المتحدة، أو النرويج، أو بريطانيا العظمى الإصرار على أن يبقى هيكل الحكم في الشمال على ما هو عليه. غاية النظام، أو بالأحرى غاية أصحاب المصلحة الحقيقية فيه، كانت ـ ومازالت ـ هي الإبقاء على الهيكلية الراهنة لأنها تكرس هيمنة تلك الفئة على الشمال. غايتهم لم تكن أبداً رعاية حقوق أهل الشمال التي يندب الكاتب إهدارها في مقترحات السلام، ولعلّ هذا هو ما عناه الدكتور الطيب عندما قال: " لقد حرصت الحكومة أن تأخذ حقها كاملاً وزيادة في قسمة السلطة مع الحركة ولكنها قصرت في حق أهل الشمال". لهذا يفيد أن يتجه المصلحون إلى علاج أس الداء، بدلاً من الهروب منه إلى الأمام، أو افتعال عراك مع طواحين الهواء.

 

الوضع الذي تواطأ عليه الطرفان في ماشاكوس، مع ما فيه من هجنة ظاهرية، ليس بدعاً في المعمار الدستوري. فعلى سبيل المثال، ظلت بريطانيا منذ أن توحد طرفاها الأساسان (إنجلترا واسكتلندا) في عام 1707 تعاني من عدم التوزاي الدستوري هذا، دون أن يصيب وحدتها في مقتل. فلاسكتلندا عملتها الخاصة (الجنية الاسكتلندي)، وبنكها المركزي الخاص بها ولهذا يطلق علي البنك المركزي الأقدم اسم بنك إنجلترا وليس بنك بريطانيا (أسس كبنك خاص في عام 1694 لتمويل الحرب في الأراضي الواطئة أي هولندا، وتحول إلى resortlender of last في عام 1844). لاسكتلندا أيضاً نظامها القضائي الخاص والذي تعتبر فيه محكمتها العليا ـ لا محكمة الاستئناف العليا في لندن ـ أعلى درجات التقاضي، باستثناء رفع بعض القضايا لمجلس اللوردات. زاد الأمر بلبالاً اللامركزية التي انتهجتها حكومة بلير عندما منحت إقليمي اسكتلندا وويلز سلطة إصدار التشريعات حول القضايا التي تخص الإقليمين في حين ظل البرلمان البريطاني والحكومة البريطانية هما اللتان تشرعان لإقليم إنجلترا، بجانب التشريعات ذات الطابع القومي. هذا، على أية حال، وضع نشأ من ظروف تاريخية معينة، وليس بالضرورة وضعاً جديراً بالاحتذاء في السودان.

 

تداعياً مما ورد، تصبح أمهات القضايا التي أثارها الكاتب ذات موضوع إن تناولناها من منظور سياسي سوداني، لا من منظور المعمار الدستوري، أو السوابق الدستورية في العالم. فعندما يقول الكاتب، في معرض نقده لمشروع الاتفاق، " ليس هناك دستور خاص بالشمال يصنعه أهل الشمال من أجل حماية حقوقهم من تدخل الحكومة المركزية" هو محق كمراقب سياسي محايد، ولكن هل تمتد رغبة الكاتب في حماية حقوق أهل الشمال إلى حماية حقهم أيضاً في اختيار الدستور والقوانين التي تحكمهم ـ كما هو الحال بالنسبة لأهل الجنوب ـ. من ذلك، حقهم في قبول أو رفض النص القائل أن تكون الشريعة مصدراً للتشريع، أو إلغاء القوانين ذات الطابع الديني. نتمنى هذا، ولكن خلف بوح الكاتب كلام يدفع للقلق ولأيغَّلب الظن لمصلحته. عن ذلك ينبى قوله " نصت المسودة على وجود (لعلها وجوب) احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وكل الأديان والمعتقدات والأعراف داخل العاصمة الاتحادية. ومعلوم ما هي الأعراف المقصودة هنا، وعلى كل هي تعبير أخف على النفس من كلمة العلمانية". ورغم أن هناك ما يحملنا على الظن أن الكاتب، استناداً على الكثير مما قرأنا له، رجل نصيح لا يتمني للحركة الإسلامية إلا أن تبقى وتصارع في جو ديمقراطي حر ترضى فيه بكل ما هو " ثقيل على النفس "، طالما كان ما يثقل نفوس البعض هو ما يبتغيه أو يتغياه أهل الشمال بإرادتهم الحرة، إلا أن جملته الاعتراضية تلك تدخلنا في برزخ بين الشك واليقين.

 

الكاتب أيضاً لم يجاف الصواب عندما قال أن الجنوب، على المستوى الإقليمي، يتمتع بحقوق لا يتمتع بها الإقليم الشمالي مثل حقه في تقليص الولايات القائمة، وتقليص الولايات أمر أعلنت الحركة عزمها عليه بعد أن تطورت ولايات الجنوب من ثلاث إلى تسع في عهد الجبهة لتوسيع قاعدة الرشاء والاسترضاء، لا لأن الحكم الصالح والإدارة النجيعة يقتضيان ذلك. وطالما لم يكن للشمال حكومته الإقليمية ـكما يصر النظام ـ سيتم أي تقليص أو إعادة صياغة لولاياته عبر الحكومة الاتحادية التي يشارك فيها الجنوبيون. هذه التناقضات التي أبانها الكاتب علها تكشف لـ " أصحاب المصلحة الحقيقية" في إبقاء هيمنتهم على الشمال، المآزق السياسية والإدارية التي أدخلوا أنفسهم فيها خلال لهاثهم وراء تلك الهيمنة.

 

وحول الأجهزة التشريعية لم يجد الكاتب غضاضة في أن يكون ثلث أعضاء المجلس الأدنى من البرلمان (الجمعية الوطنية) من الجنوب حسب حجم الكثافة السكانية لتلك المنطقة، إلا أنه أثار غباراً حول المجلس الأعلى (مجلس الولايات والذي سيتكون من ممثلين اثنين لكل ولاية). وبما أن المقترحات تقول أن أي تعديل للدستور لا يصبح نافذاً إلا أن أجازه 75% من أعضاء هذا المجلس، يرى الكاتب أن هذا النص يعطي الجنوب حق الفيتو على قرارات الأغلبية العددية. نعم هو كذلك، فكبح جموح الأغلبية العددية، على وجه التحديد، هو المقصود من ذلك النص. ويفيد أن نذكر أن التمايز الذي يسمم مجلسي الكونقرس الأمريكي قد قصد منه أيضاً خلق توازن بين سلطتي المجلسين (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) حتى لا تطغى الأغلبية العددية في مجلس النواب على إرادة الولايات. فحين يتم إختيار أعضاء مجلس النواب على أساس الكثافة السكانية في كل ولاية بحيث قد يبلغ عدد ممثلي ولاية ذات كثافة سكانية عالية (كاليفورنيا أو نيويورك مثلاً) أضعاف أضعاف ممثلي ولاية كونكتكت أول ولاية انضمت للاتحاد (9يناير 1788) أو الاسكا أو هاواي آخر ولايتين انضمتا إليه (3 يناير 1959 و 21 أغسطس 1959 على التوالي)، يمثل كل ولاية، مهما كان حجم سكانها، عضوان في مجلس الشيوخ. في هذا تستوي فيرمونت الصغيرة مع كاليفورنيا مترامية الأطراف. مجلس الولايات في السودان لا يوفر فقط حماية للجنوب ضد احتمالات نكوص حكومة الشمال عن اتفاقيات السلام، بل هو أيضاً درع تتقي به كل الولايات الإقليمية في الشمال تغول الخرطوم على سلطاتها. فالعيب ليس هو في المشروع المطروح، وإنما في تغييب إرادة الولايات الشمالية بعدم منحها نفس السلطات التي منحت للولايات الجنوبية، أو السماح لها بخلق كيان دستوري يجمع بينها وتتكافأ سلطاته مع سلطات الكيان الجنوبي. تلك الإرادة لم يغيبها بروتوكول ماشاكوس، فالبروتوكول حزمة من ورق، وإنما غيبها المعبرون، بزعمهم، عن تلك الإرادة في مفاوضات ماشاكوس.

 

للكاتب أيضاً رأي حول سلطات الرئاسة أبدع فيه، حسبما نقدر. نعى على رئيس النظام قبوله شراكة رئيس الحركة في ممارسة سلطات محددة بحيث يكون هناك إجماع بين الرئيس ونائبه على تلك القرارات. من هذه القرارات: "التعيينات التي تجرى في ظل اتفاق السلام والدستور الانتقالي بما فيها تكوين مجلس الوزراء المركزي، ودعوة أو فض أو تعليق الجمعية". عاب الكاتب على الرئيس قبوله لهذا القيد وهو الذي "لم يحتمل كل هذه القيود على قراراته من داخل مجلس الوزراء.. ولم يحتمل مشاكسة رئيس المجلس الوطني السابق، الشيخ الترابي، في إطار جهازه التشريعي"؟ هذا الاقتراب من الموضوع ممعن في الخطأ إلا إن كان المراد منه هو نكأ الجراح بين الأخوين العدوين، أو الهزء منهما. ولربما كان في تعبير الكاتب ما يوحي بذلك الهُزوء عندما قال : "يبدو أن الشورى التي افتقدتها دولة الحركة الإسلامية ستأتي عبر الاتفاق مع حركة ماركسية متمردة!" أياً كان الحال، ينبئ إسراف الكثيرين في التركيز على تلك النقطة (إجماع الرئيس ونائبه على القرارات التي تمس اتفاق السلام مساً مباشراً)، ودق الطبول حولها، عن جهل بماهية السلام. فالاتفاق بين النظام الحاكم والحركة الماركسية المتمردة، أو كما قال، ليس اتفاقاً بين حزبين على المشاركة في سلطة قائمة بكل مفاهيمها ومؤسساتها وقوانينها. كما ليس هو توافقاً بين طرفين من تيار واحد تفرقت بهما الطرق ثم عادا إلى بعضهما البعض، كما تعود "العرجاء لمراحها". هو اتفاق سلام في البدء والمنتهى. والسلام يعني أن ثمة حرباً كانت تدور. والحروب لا تشتعل وتتلظى وتدوم إلا إن كانت هناك أسباب لذلك. الى معالجة تلك الأسباب، وتوفير الضمانات لكيما لا تطل برأسها من جديد، ينبري صناع السلام العادل، لا السلام المخاتل. ولئن قبل الفريق البشير تلك القسمة باعتبار أن السلام شر لا بدَّ منه، وان للسلام ثمن مستحق الدفع، فهذا أمر يحسب له لا عليه.

 

تطرق الكاتب أيضاً إلى موضوعات أُخر بأسلوب تنقصه الدقة مثل الحديث عن اعتماد اتفاقيات السلام، والخدمة المركزية العامة، والعَلَم والشعار. وحتى لا يكون في الأمر لُبس أو التباك نتناول هذه الموضوعات تناولاً مقتضياً، نبدأه بأدناها : العلم والشعار، واعتماد الاتفاق. موضوع العلم والشعار ليس موضوعاً للتلاحي، فأهل السودان أجمعين يعرفون أن العلم والشعار الوطني لا يغنيان عن الأعلام والشعارات المميزة للمحافظات والولايات والمديريات. هم يعرفون جيداً أن لمديرية الخرطوم علم يتخلله شعار هو خرطوم الفيل، وان للشمالية علم يتخلله شعار هو النخيلات الثلاث، وأن لمديرية الجزيرة علم يتخلله شعار هو طائر لا ندري ما أصله، وهلمجرا. هذه قراءة للنصوص توحي بها الوهوم بل هو استنهاك للجهد بلا غاية في شق الشعيرات.

 

وحول اعتماد الاتفاق من جانب الجهة المخول لها التصديق على الاتفاق خلط الكاتب بين أمور مختلفات ليصل إلى نتيجة استقرت في ذهنه مسبقاً. تلك النتيجة هي أن مشروع الاتفاق يمنح الجنوب حقوقاً لاتتكافأ مع حقوق الشمال، بل تبيح له الاعتراض على كل ما يقرره أهله. ومن الجلي أن الكاتب خلط بين المصادقة على الاتفاق عقب توقيعه عبر الأجهزة التشريعية القائمة، وبين التزام الجهاز التشريعي، الذي سينبثق عن دستور جديد تصنعه لجنة قومية لصياغة ذلك الدستور، باتفاق السلام. وزاد في إرباك القارئ بإيحائه أن إلزام كل الأطراف السياسية خلال الفترة الانتقالية باحترام نصوص اتفاق السلام يمثل فيتو من الحركة (وهي طرف واحد من طرفي الاتفاق) على إرادة الآخرين. قال أن الاتفاق ينص على وجوب تصديق "مجلس التحرير الوطني للحركة الشعبية" ثم "الجمعية الوطنية المرحلية" على اتفاق السلام، وكلمة ثم لا مكان لها من الإعراب لأن المشروع لا يفترض تراخياً في التصديق على الاتفاق من جانب هذا الطرف أو ذلك. ثم مضى يقول: "ولا يبدو من حق الجمعية الوطنية إحداث تغيير في المسودة التي يصدق عليها مجلس تحرير الحركة لأن المسودة تقول: يلتزم الطرفان تبني هذا النص الذي يحترم اتفاق السلام حرفياً". هنا مكمن الخطأ، لأن التصديق على الاتفاق مطلوب من جانب المجلس الوطني الحالي وليس من جانب الجمعية الوطنية المرتقبة. وفي ذلك، تنص المسودة على أن من واجب الطرفين المتعاقدين حمل المؤسسات والأفراد التابعين لهما على قبول الاتفاق حرفياً (asis)، أي إلزام مجلس التحرير والمجلس الوطني بالتصديق على الاتفاق حرفياً. هذا الإجراء لا بدَّ أن يتم حال توقيع الاتفاق وقبل، أو قبيل تكوين مؤسسات الفترة قبل الانتقالية (ستة أشهر). أما الجمعية الوطنية المرتقبة فستنشأ كواحدة من مؤسسات الفترة الانتقالية عقب إنشاء "اللجنة القومية التمثيلية" (National RepresentativeCommission) لوضع أطر قانونية ودستورية جديدة. ويفيد أن نذكر، فالذكرى تنفع المؤمنين، أن مفهوم "اللجنة القومية التمثيلية" كان محل نزاع عاصف بين الطرفين المتفاوضين. فحين أصرت الحكومة على أن يتم اتفاق بين الطرفين أولاً على مشروع دستور، ثم يقدمانه للقوى الأخرى لإقراره، أي البصم عليه، أصرت الحركة على المشاركة الفاعلة لـ "القوى السياسية والمجتمع المدني" في صياغة الدستور. ولولا مساندة الوسطاء والرقباء للرأي القائل بضرورة الإشارة الواضحة لهذه القوى لما خرج المشروع بالصورة التي خرج بها. فمع تغييب ارادة أهل الشمال بالابقاء على هيكل الحكم الراهن في الشمال، تساعى النظام أيضاً للحجر على حريتهم في تكييف الوضع الدستوري المستقبلي.

 

في معرض حرصه على حقوق أهل الشمال توقف الكاتب عند نسب التمثيل بين القوى السياسية في لجنة الدستور القومية (50% للنظام، 27% للحركة، 16% للقوى السياسية الشمالية، 7% للقوى الجنوبية الأخرى)، ثم ذهب لتصنيف هذه القوى "السياسية" جغرافياً، أي تصنيفها إلى شماليين وجنوبيين. بموجب هذا التصنيف انتهى، مرة أخرى، إلى أن المسودة تمنح الجنوب حق نقض أي قرار تتوافق عليه الأغلبية "الشمالية" العددية، باعتبار أن أي تعديل في الاتفاق لا يتم إلا باغلبية 75% من الأعضاء. إن صحت هذه الارقام التي لم يتراضى عليها الطرفان حتى الآن، يثير تساؤل الكاتب استغراباً، وتتداعى منه نتائج قد لا تتفق مع أطروحته الأساسية حول جنوبة وشمألة القضية. نستغرب، مثلاً، أن يرى الكاتب في منح الجنوبيين ـ بافتراض جنوبية الحركة في ظن الكاتب ـ 34% من مقاعد المجلس، وهو رقم يتناسب موضوعياً مع حجمهم السكاني في القطر، ولا يثير دهشته أن يحظى النظام بـ 50% من المقاعد. وإن قال أن هذا أمر تفرضه الحقائق السياسية على الأرض، فالحقائق لا تقف فقط عند حكومة الأمر الواقع في الخرطوم، بل تشمل أيضاً واقع الحرب التي استشرت في الجنوب وتمددت إلى الوسط والشرق وخلقت واقعاً سياسياً حمل النظام على التفاوض الجاد مع الحركة منفردة، من بعد تأبيه التفاوض معها كفصيل في كيان جامع لكل أهل الشمال من غير أنصارها، وأهل الشمال هم الذين يعني الكاتب أمرهم أكثر من غيرهم. 

 

حقيقة الأمر، ليست الحركة وحدها هي التي لا تريد أن تهز بجذع نخلة ماشاكوس، النظام أيضاً لا يريد ذلك الهزيز لأنه إن قبل أن يقاس حجم القوى السياسية بميزان موضوعي (نتائج الانتخابات السابقة مثلاً) لما طالب بخمسين في المائة من المقاعد. ولو تنازل عن تلك "القسمة الضيزى" لما ملك القوة التي يبقى بها على ما يريد الإبقاء عليه من اتفاق ماشاكوس مثل الحفاظ على هيكل الحكم الراهن في الشمال والقوانين التي تحكمه. ونحن على يقين تام أنه لو انتهى الأمر إلى وضع الجبهة ـ بل التيار السياسي الإسلامي كله في حجمه الحقيقي ـ لما أصبحت التحالفات داخل لجنة الدستور تحالفات اثنية ـ جغرافية، كما يتمنى الكاتب ويجهد نفسه للقول، بل تحالفات سياسية تجمع بين أغلب أهل الشمال وكل أهل الجنوب ضد بعض أهل الشمال. ولا نحسب أن ذلك الوضع يروق لرجل لا تطيق نفسه كلمة علمانية، أياً كان معنى الكلمة.

      

أتى الكاتب أيضاً على موضوع الخدمة العامة وقال إن مشروع الاتفاق يعطي الجنوب مابين 25% إلى 35% (حسب نتائج الإحصاء السكاني المرتقب) من الوظائف في الخدمة المركزية العامة، ثم أردف: " يبدو أن الإشارة هنا للخدمة الوطنية المركزية التي تعمل في الشمال، أما الذين يعملون في الجنوب فاولئك يتبعون للحكومة الاقليمية". لا ندري كيف تبدى للكاتب ذلك الظن، والنص صريح في إشارته للخدمة العامة المركزية. ومما لا خلاف عليه أن مشروع اقتسام السلطة يحدد واجبات واضحة لحكومة الكيان الجنوبي، وواجبات معلومة للحكومة الاتحادية التي ينبسط سلطانها على كل القطر. لهذا يصبح افتراض إشراف حكومة الكيان الجنوبي على موظفي السلطة الاتحادية العاملين في ذلك الإقليم، افتراضاً لا تدعمه حجة باهرة، أو دليلة واضحة. سلطات المركز التي يحتمل أن تمارس في الإقليم الجنوبي، كما في غيره من الأقاليم، تشمل واجبات اقتصادية (جبي الجمارك والمكوس)، وواجبات أمنية (الجوازات، والهجرة، المباحث الجنائية المركزية)، وواجبات تربوية (التعليم العالي والبحث العلمي)، وواجبات تنظيمية (regulatory) مثل ضبط مياه النيل، أو مسارات الطيران الدولي. فمن أين جاء الكاتب بالرأي أن العاملين في هذه المجالات سيكونون جميعاً "تابعين" للحكومة الإقليمية. بانعدام هذه الدليلة، وتلك الحجة يصبح القول تلبيساً، أو يخلق ـ إن أحسنا الظن ـ لُبساً يستحيل معه الحوار الذكي.

 

ذلك اللبس نشهده في الأسلوب الملتوي الذي يتعامل به البعض مع قضية اقتسام السلطة. يقول هذا البعض: " لقد استأثر الجنوبيون بحكم إقليمهم، فلماذا يريدون أن يشاركونا في حكم الشمال بثلث الوظائف". حرف النون الملحق بكلمة يشاركون يكشف عن عِرق الأزمة. فالحكومة الاتحادية هي حكومة كل السودان، ولهذا فأن لأهل الشمال والجنوب والشرق والغرب حق فيها. وإن تمنى ذلك البعض أن لا يشارك فيها الجنوب بحكم كونه جزءاً من الوطن الواحد، وبحجم كثافته السكانية، فما عليهم إلا أن يخطوا الخطوة الهامة التي تسبق تحقيق ذلك الهدف: فصل الجنوب. أما أن يلحوا في الصياح من سقوف المنازل: وحدة، وحدة، وحدة، دون وعي بأن لتلك الوحدة أسس ومقومات وتبعات، فذلك تخليط غير محمود، بل فجاجة لا تليق. الاستنكار، بلا شك، واجب لو طالب الجنوبيون بأن يكون لهم نصيب (أياً كان حجمه) في مواقع الخدمة العامة الولائية في الشمال، فولايات الشمال ـ تماماً مثل ولايات الجنوب ـ ينبغي أن يحكمها أهلها، وليس هذا هو حال الحكومة الاتحادية التي يتشاركها الجميع بصورة تعكس وجودهم الحقيقي في تلك السلطة. وصدق الكاتب عندما قال:" لم تترك الحركة شيئاً للصدفة أو لحسن الظن بالحكومة". وكيف لها أن تفعل ووراءها ميراث طويل من الوعود التي ما قطعتها حكومات الشمال للجنوب، إلا لتجهض، بدءاً من ديسمبر 1955 وانتهاءً باتفاق السلام من الداخل في عام 1996. هذا هو التاريخ، والتاريخ ليس خيوطاً تنسجها العناكب على حيطان دار مهجورة، بل هو وقائع تنحفر في الوجدان، ولا تسقط بالتقادم. ولعل فيما يدور اليوم في دارفور على يد فتية إسلاميين كانوا من أهل "الثوابت" ـ لا على يد "متمردي حركة ماركسية"ـ ما ينبه الغافلين عن المطالب المشروعة لأهل التخوم، في الجنوب كما في الشرق والغرب. فمع تضافر كل الكوارث التي تحدق بنا من الجنوب والشرق والغرب مازالت نفوسنا تتأبى التبصر في دواخلها، والتملي فيما حولنا. ولئن عجزنا بالأمس عن استبصار الأسباب التي حدت بالشيخ عبد القادر اوكير ومحمد احمد عواض للتكاتف مع ابيل الير وفيليب عباس غبوش ضد "إخوتهم" الشماليين المسلمين، أو لا يجدر بالكاتب المسكون بهموم أهل الشمال المسلم أن يتساءل عما الذي دفع بـ "الإسلامي" داود بولاد للواذ بحركة "ماركسية متمردة"، كما دفع بصنوه فاروق احمد آدم للاستنصار بمن مهر بيديه "اتفاقية الخيانة"، الاسم الذي أطلقته الجبهة على اتفاق الميرغني ـ قرنق (نوفمبر 1988). وخليق بمن أطلق ذلك الوصف الغليظ : "الخيانة" أن يستبرئ منه كما تستبرئ الحائض من دمها بعد محاض ماشاكوس، "قل هو أذى".

 

ومن المدهش أن يثابر النظام، في المفاوضات التي تدور اليوم، ليس فقط على استلاب إرادة أهل الشمال النيلي، بل أيضاً إرادة المهمشين. فما قولكم في تعثر المفاوضات حول المناطق المهمشة في كارين* خراج مدينة نيروبي لاستمساك النظام بأن لا يرأس نيهال دينق (الجنوبي) الوفد المفاوض والذي يضم ممثلين ومستشارين من أبناء هذه المناطق. هذا أمر قد يجيزه المنطق لو كان الذي يتولى قيادة وفود هذه المناطق هم كبشور ومجاك وعدلان، لا أمين ومطرف وهلمجرا من أبناء الشمال النيلي. يحدث هذا، رغم أن الحركة ظلت تقول أن هذه المناطق ليست جزءاً من الشمال الجغرافي، وإنما هي جزء من معادلة الحرب والسلام، وإلا فلِمَ وقع النظام إتفاق وقف إطلاق النار في جبال النوبة مع الجيش الشعبي، ولِمَ ضَمَّن تلك المناطق في اتفاق وقف العدائيات.

 

ما نخلص إليه، هو أن النظام ـ حتى في الرمزيات ـ عازم على التأكيد على أنه وحده لا شريك له هو المعبر عن أهل الشمال بمسلمه ومسيحيه، ونوبه وزنجه، وختميته وأنصاره. لو قال للحركة، مثلاً، دعونا ننسحب قليلاً حتى يتحدث أهل هذه المناطق مع بعضهم البعض ويعبروا مجتمعين عن مطالبهم المشروعة، دون أن نتنفس على رقابهم لكان ذلك أدنى إلى المنطق. فالذي ينبغي أن يعبر حقيقة عن تلك المطالب هم أهل هذه التخوم، عسكريوهم، وسياسيوهم، وأحبارهم، وكجورهم، وائمتهم المسلمون الذين لا يستطيبون شيئاً مثل لحم "الكدروك"، كحال  أهلنا الانقسنا. ولكن النظام، رغم كل هذه الحقائق التي تحيط به، يريد مهمشين على شاكلته  ووفق رؤاه.

              

المشكل السوداني في حقيقته هو نادي الخرطوم، لا نشير بذلك إلى النادى القابع في حي العمارات، والذي يتداعى إليه بعض سراة القوم، لا يبتغون سوى المسرة، وإنما نومئ به إلى ما أسماها - بحق - الأستاذ الفاتح النور (الكردفاني) قبل ثلاثة عقود: "جمهورية المدن الثلاث". في تلك الجمهورية "الأفلاطونية" مواطنون لهم كل الحقوق، ورعايا لاحق لهم بل عليهم كل الواجبات. ولسوء الحظ، لم يتصدر تلك الجمهورية منذ نشأتها حاكم فيلسوف. قلما نفكر، مثلاً، في أن استئثار أهل الشمال النيلي بكل كعكة الحكم على مستوى الاجهزية المركزية: مجلس الوزراء، المواقع القيادية في البرلمان والقضاء العالي، يثير ثائرة أقوام آخرين. هذه الغيبوبة الفكرية تستدعي إلى الذاكرة إشارة ذات دلالات كثيفة وردت في حديث للدكتور الجزولي دفع الله إبان رئاسته لمجلس الوزراء. قال : " فوجئنا بأن نصف مجلس الوزراء يجئ من منطقة واحدة في السودان". ولا شك لدي أن الجزولي قد فوجئ بتلك الحقيقة، ولهذا كان صادقاً فيما قال. هنا مربط الفرس، فلو كان إغفال أهل التخوم ناجماً عن سياسة قصدية لهان الأمر، ولربما قال من انتقصت حقوقهم عمداً من بقية أهل السودان: "الحشاش يملا شبكته"، خاصة بعد أن تعلموا من أهل الجنوب كيف تملأ الشباك. حقيقة الأمر هو أننا لا ننتبه أبداً إلى أن ثمة شيئاً متعفناً في مملكة الدنمارك*، بالرغم من أن ذلك الشئ صنعناه بأنفسنا. نحن في الشمال، دومـاً، نعيش في الطابق المسحور اسراء لشبكة العلاقات القديمة  (old-boy'snetwork)، وحبساء في مداراتها المغلقة المستحيلة. لا نرى إلا من في داخل هذه الشباك عندما نتحلق في انديتنا المهنية، ودورنا الحزبية، ومطابخ صنع القرار السياسي في دورنا الوسيعة. فلو فطن صناع الملوك عقب الانتفاضة إلى أن بين أبناء البجة معلمين، وأن بين أبناء دارفور مهندسين، وأن بين أبناء الجنوب قانونيين متمهرين، وأن جميع هؤلاء لا يقلون كفاءة أو قدارة عمن اختارهم النقابيون لاعتلاء مراقي الحكم الرفيعة، لما وجد الدكتور الجزولي نفسه في ذلك الوضع الحرج. لهذا، يحار المرء عندما يجئ كاتب حصيف من أهل الشمال ليثير الزوابع حول أول محاولة جادة لإعادة رسم الخارطة السياسية بالصورة التي ترد بها الظلامات الموروثة، وتزال بها الاحتقانات السياسية التي تورمت فتقيحت ثم انفجرت (دارفور مثلاً)، ثم لا يستذكر أبداً أن حقوق أهل الشمال قد أهدرت منذ الثلاثين من يونيو 1989 على يد فاعل سَتَره الكاتب وجوباً أو جوازاً، وهو أدرى بتقديره. ما أحرانا جميعاً أن ندرك أن القديم مات، وما بقى إلا إشهار وفاته، وأن الجديد لم يولد بعد. ولن يولد الجديد طالما ظللنا ندور في فلكنا الوهمي، وتخادعنا الظنون البائره بأن ليس في الإمكان أبدع مما نحن فيه من حال. ما ابأسه من حال. 

                                     

*  نسبة للكاتبة الدنماركية المشهورة كارين بلكسن Karin Blixenمؤلفة كتاب (Outof Africa) والتي عاشت حياتها الزاهرة في تلك المنطقة، وكانت تصدر مؤلفاتها الأولى تحت أسم ايزاك دينستين.