حوار مع السيد الصادق المهدي

 

طرابلس- الفندق الكبير الأربعاء 5/9/2001

في الوقت الذى تم فيه صدور العدد الأول من أركامانى (الإصدارة 003 من كوش الجديدة)، تصادف وجود السيد الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة ورئيس الوزراء السابق المنتخب شرعياً، في طرابلس، فرأيناها فرصة سانحة لإجراء حوار مع سيادته وفق النهج الذى اختطته أركامانى في فتح الحوار الهادئ مع التيارات السودانية بمختلف مشاربها، هادفة من وراء ذلك استحداث تفاعل كيفي بينها وصولاً إلى تشكيل رؤية تمثل الحد الأدنى للخروج بالسودان من أزمته الراهنة.

 

ولقد راعينا لحظة إجراء الحوار الغوص في المكامن الفكرية التى يستند إليها الرجل، تاركين مهمة ملاحقة الأحداث اليومية اللاهثة للإخوة من الصحفيين المحترفين. فغاية أركامانى سبر أغوار عقل السيد الصادق حفراً وتنقيباً وكشف المسكوت عنه في الفكر السياسي والثقافي السوداني، وتهيئة الجميع للقبول بالمسلمات والثوابت الواقعية. كانت الحصيلة مجمل الأسئلة التى طرحها د. أسامة عبدالرحمن النور ود. محمد حسن باشا، على مدى ساعتين وما يزيد على السيد الصادق والذي تكرم بالإجابة عليها في حوار هادئ. نأمل أن يكون هذا الحوار مفيداً عند قراءة الساحة السياسية والفكرية في السودان. فإلى الحوار:

 

أركامانى: السيد الصادق المهدي، بوصفكم أحد صناع الأحداث السياسية في السودان منذ نهاية الستينات من القرن المنصرم، وبوصفكم رئيساً لمجلس الوزراء فيه أكثر من مرة، ورئيساً لأحد أحزاب السودان الرئيسة (حزب الأمة) يكون لهذا الحوار معكم مبرراته. لذا تبادر أركامانى بإجراء هذا الحوار بهدف توضيح رؤيتكم، إحساساً منا بأن الكثير من المتعلمين والمثقفين بدأوا في تأويل مواقفكم وتفسيرها بخاصة منذ عودتكم الأخيرة إلى السودان، بما رأينا أنه قد يكون في بعضه إجحافاً بحقكم أو احتكاماً للقول المأثور "قطعت جهينة قول كل خطيب". لذا قصدنا من هذا الحوار التوضيح لا التبرير...فالسودان به في الحقيقة منذ يونيو 1989 من المتغيرات والاصطفاف ما لا يدع لأحد حجة في تبرير وقوفه في صف دون الآخر، بل يحتاج إلى تجذير موقفه.

 

إن أركامانى من اسمها تستند إلى موقف واضح من القضايا الفكرية المطروحة على الساحة، فهي تأخذ اسمها، مجلة للآثار والأنثروبولوجيا السودانية، من ملك كوش القديمة- أركامانى- الذى قام في أواخر القرن الثالث قبل الميلاد بأول عملية تغيير جذرية في المفاهيم السياسية لعصره، ليس في مملكته فحسب وإنما مقارنة بما كان عليه واقع الحال من حوله، تحدى أركامانى سلطة الكهنة والمعبد وقام بمحاصرة معبد آمون في نبتة بغية فصل سلطته الدينية عن السياسية. كانت مملكة كوش تعانى من ضعف شديد بفعل سيطرة رجالات الدين على الحياة السياسية في البلاد ومجرياتها، وفقدت كوش ليس فحسب الأمل في استعادة سيطرتها على مصر، وإنما أصبحت مهددة من الأخيرة بعد سيطرة الاسكندر المقدوني عليها، وهجر الكوشيون أراضيهم فيما بين الشلالين الأول والثاني هرباً من الخطر الداهم. حققت سياسة أركامانى بفصل الممارستين الدينية والسياسية نجاحاً فاستعادت كوش عافيتها لتقف نداً للبطالسة ولتعيد عمار النوبة السفلى الواقعة بين الشلالين الأول والثاني، بل وليسهم أركامانى في تشييد المعابد في كل من دكة وفيلة في عمل مشترك مع نظيره الإغريقي بطليموس الرابع. انعكست قوة الدولة الكوشية التى أرسى أسسها العقلانية أركامانى في قدرتها ليس فقط الدفاع عن كيانها أمام المد الإمبراطوري الرومان الجارف، بل في تهديدها المباشر للحدود الجنوبية الأقصى للإمبراطورية الرومانية التى أصبحت حينها سيدة العالم بلا منازع. هل يا ترى أن قدر السودان الحالي يتطلب منه العودة إلى ماضيه وتجاربه السابقة لتحقيق الأمل في بناء سودان موحد قوى أمة عظيمة واحدة للجميع ؟

 

من هنا سؤالنا الأول: بدأ السيد الصادق المهدي حياته السياسية بالدعوة إلى الفصل بين الممارستين الدينية والسياسية، شأنه شأن أركامانى، في محيطه العائلي والطائفي. لكنه في عام 1967 أخذ في تغيير خطابه ليتبنى الدعوة إلى نهج ديني إسلامي في الحكم. كيف تفسرون ذلك التحول ؟

 

السيد الصادق: بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً أرحب بهذا المجهود الفكري الثقافي الذى تقوم به أركامانى وأقول إنني من أكثر الناس ترحيباً بالحيوية الفكرية التى اندفع بها كثير من السودانيين وكونوا مراكز ثقافية وفكرية عديدة نشيطة داخل السودان وخارج السودان. اللافت أنها في السودان تمثل نشاطاً فكرياً وثقافياً غير حكومي مثمر. في هذا الإطار أنا أرحب جداً بهذه المجلة وبسعيها في استجلاء الحقائق حول قضايا أساسية.

 

أبدأ بأن أقول أن أية محاولة للكلام عن ماضي يلقى بظله على الحاضر شئ مستحيل. فمنذ زمان أركامانى إلى عهدنا الحالي شهدت الإنسانية أشياء جديدة جداً ومختلفة جداً. فمفهوم الدولة، مثلاً، لم يعد مفهوماً فيه ذلك النوع من أُحادية السلطة.. الدولة الآن شعب وسلطات وأجهزة ومؤسسات منفصلة بعضها عن بعض ولا يوجد، مثلما كان في الماضي، ذلك المفهوم الهرمي للسلطة أو للدولة. الدولة الآن، كما قلنا، شئ مختلف عنه في أي فترة كانت. ثانياً: الدين لم يعد هو ذلك الدين بمفهوم محلى، المسيحية دين عالمي وعندها مؤسسات عالمية، وتؤثر عبر هذه المؤسسات العالميَّة على السياسة والدولة في كل مكان. الإسلام دين عالمي. شئ بديهي عندما نتحدث عن الدين الآن مع وجود أديان عالمية مثل الإسلام والمسيحية، فإننا نتحدث عن شئ مختلف عما كان عليه الأمر في أي زمان من الماضي. هناك أيضاً الآن وعى أكبر بقضية الدين. مثلاً الأديان التقليدية المحلية في أفريقيا، هذه الأديان مهما قيل عنها لها وجود حقيقي في نفسيات وثقافات معتنقيها.

 

لقد جاءت الأنثروبولوجيا الحديثة والسوسيولوجيا الحديثة وكل هذه العلوم بوعي بدور الثقافة أكبر بكثير عنه في أي فترة سابقة. إن كتاب "تراثنا البشرى الخلاق" الذى أصدرته اليونسكو كمفهوم لدراسة آثار الثقافات الإنسانية على البشر يشدد على أهمية السلوك البشرى والمجتمعات لدرجة أن هذا التقرير الصادر في عام 1996، على ما اذكر، دعي إلى عد الحق الثقافي جزءاً لا يتجزأ من حق الإنسان كآخر حلقة من حلقات حقوق الإنسان.

 

إنني عندما دعوت في بداية عملي السياسي إلى التجديد والإصلاح في حزب الأمة تحدثت في حقيقة الأمر عن الصراع الذى دار والمنطلق من ضرورة أن تكون السلطة السياسية مساءلة، والصراع الذى دار كان حول أن الهيئة البرلمانية هي التى ينبغي أن تقوم بانتخاب ومحاسبة السلطة السياسية، وهى التى ينبغي أن تقوم باختيار المرشحين للانتخابات البرلمانية. في ذلك الوقت كان مثل هذا الكلام كلاماً ثورياً وصادف، في رأى، ظروف ثورة أكتوبر التى أعتقد، شخصياً، بأنها كانت فرصة لانتقال النفوذ السياسي من  جيل إلى جيل، من جيل الرواد إلى جيل آخر. تمثل ثورة أكتوبر، في رأى، هذه النقلة من جيل إلى جيل ومن مفاهيم إلى مفاهيم. ففي ذلك الوقت كان عطاء حزب الأمة وإسهامه في هذا التغيير. لا شك لدىَّ أنه كان هناك صراع سياسي وفكري نشأ في السودان وأثَّر على مجمل الخطاب السياسي. هذا هو ما أدى إلى بروز المفاهيم التى سألت عنها المتعلقة بالتوجه الإسلامي... كيف ؟

 

إنني كنت ولا زلت أعتقد أن الشيوعية أتت إلى السودان بمدرسة نوعية مهمة جداً، وساعدت في الاستنارة السياسية في السودان بدرجة عالية جداً. لكنني كنت ولا زلت أقول أنها ربطت نفسها بمفاهيم أيديولوجية تختلف تماماً عن البيئة التى تخاطبها، ولذلك سارعت إلى ربط التطور بأيدولوجيا غير مناسبة للبيئة التى تخاطبها وسيَّست التطور في اتجاه هذه الأيديولوجيا... نهضة المرأة شئ مطلوب جداً بحسبان ذلك شيئاً من التحديث، ولكن ربط المرأة بالتحول الشيوعي أو التراث الشيوعي كان خطأ كبيراً، وهكذا بالنسبة للشباب وبالنسبة للعمال وبالنسبة للمزارعين. كان هذا وارد كتطوير ولكن لم يكن من المصلحة أن يرتبط بأيدولوجيا غريبة على المجتمع. هذه الأيديولوجيا الغريبة على المجتمع خلقت، في رأى، مخاوف على هُويَّة هذا المجتمع مما شكل نافذة نفذ منها التيار الإسلامي الحديث. التيار الإسلامي الحديث كان ردة فعل على هذا الفكر الغريب، ولكنه كردة فعل صاغ موقفه هذا بصورة خلقت له وجود سياسي. هاهنا وجدت القوى السياسية السودانية كلها (!) نفسها أمام ضرورة تحديد موقفها من هذا الصراع بين أيديولوجيا وافدة شيوعية وأيديولوجيا إسلامية حديثة هي أيضاً وافدة، لكن الثانية كانت رد فعل على الأولى. أوجب هذا ضرورة أن يبرز المسكوت عنه، بمعنى نحن كتيار سوداني عندنا قاعدة دينية قوية وكان دور الدين في السياسة مسكوت عنه لا تعبير بارز explicit عنه. أوجب هذا الصراع أن يكون هناك تعبير بارز عن هذا الذى هو موجود في الواقع ومسكوت عنه. وهذا الذى هو موجود في الواقع السوداني مهم جداً في رأى لأن المهدية في السودان شكلت وجداناً دينياً لم يستطع حتى الإنجليز التحرر منه، الإنجليز أنفسهم كانوا مراعين جداً لمشاعر السودانيين الدينية خوفاً من انتفاضة مهدوية. ولذلك عندما نشأت الأحزاب السياسية في السودان نشأت وفيها كلها (!) تركيبة دينية مسكوت عنها. عندما نشأ هذا الاستقطاب في الحلبة السياسية الفكرية السودانية بدأ هذا المسكوت عنه يظهر. نحن في هذا الظهور عبرنا عن توجهنا الإسلامي كانعكاس لهذه الحالة. أنا أعتقد أننا في الحركة الفكرية والسياسية السودانية نشأنا وظاهر تماماً أننا منطلقين من منطلقات إسلامية دينية وعربية ثقافية. ينطبق هذا على كل القوى السياسية الشمالية (!). يزيد من هذه المسألة حقيقة أن الاستعمار كان قد ربط سياسته بتنصير كل القوى السودانية غير الإسلامية وغير العربية وأفرقتها، وتعامل مع المسيحية والأفرقة كأنهما أساسان مضادان للعروبة والإسلام بصورة جسدتها سياسة المناطق المقفولة. ولذلك عندما تناول المثقفون الخريجون السودانيون هذه الحقيقة تناولوها ليس بصفة تبيُّن الحقائق فقط ولكن بصفة ردة فعل على سياسة المستعمر. صاغ هذا موقفاً في مذكرة الخريجين عام 1942 أنهم يتطلعون لنقض هذه السياسة ونتائجها. كذلك عندما جاءت السلطة لهؤلاء القادة السياسيين كانوا يرون أنَّ واجبهم نقض هذه السياسة بحسبانها سياسة الاستعمار دون الأخذ في الحسبان أن هناك حقائق، صحيح أن الاستعمار استغلها، لكن هناك حقائق التباين الثقافي والتباين الديني. كذلك نحن من منطلقات تفعيل العامل الديني الكامن في تكويننا ومن منطلقات الوعي الوطني المضاد للاستعمار، في رأى، تعاملنا مع هذا الموضوع بصورة لم تعط الوجود الآخر أية قيمة. أدى هذا إلى أن القوى السياسية والفكرية كلها (!) في السودان سواء من المنطلق الديني أو المنطلق الوطني في الحقيقة همشت وأسقطت دور الهويات الأخرى. كان هذا ضمن عوامل أخرى أكثر عامل غذى التمرد والمقاومة المسلحة وبررها لدى الناس الذين حملوا السلاح.

 

بالنسبة لنا المنطلقات التى انطلقنا منها والتي، في رأى، كانت مفهومة في الستينات وفق الخلفيَّة التى قدمتها، طورت الجبهة القومية الإسلامية تلك المنطلقات إلى أعلى درجة ممكنة  إلى الحد الذى أدى، في رأى، إلى أقصى درجة رد فعل في الاتجاه الآخر. خلق هذا الاستقطاب الذى صحب نظام الإنقاذ والذي أبرز لنا عدم منطقية الموقف الأصلي لأن الجبهة لم تأت بموقفها هذا من فراغ ... أتت به في الواقع تطويراً للموقف من الهُويَّة العربية في السودان بوصفها السيادة النهائية end-power. كل ما نقوله هو بدلاً عن أن يكون الحد المقيد بالواقع طوروه إلى حد خيالي. شكل هذا بالنسبة لنا صدمة، وللآخرين غير المسلمين وغير العرب شكل كارثة. في ظل هذا وجدنا أنفسنا أمام الجهات المتظلمة من هذا الموضوع. نحن متظلمين إلى حد لكن هم متظلمون أكثر... وجدنا أنفسنا نبحث معاً هذه القضية، لذلك أريد أن أقول أن التوجه الحالي أصبح مرحلة ثالثة، في مرحلة أولى جاءت، كما قلنا، في الأول، ومرحلة ثانية، والآن هذه المرحلة الثالثة.

 

نحن كحزب أكثر جهة، احتمالا، ناقشت هذا الموضوع بصورة مفصلة، بمعنى أننا ناقشنا في داخل السودان أيام النظام الديمقراطي ماذا يعنى هذا الاستقطاب إذا ترك له المجال فسوف يؤدى حتماً إلى تمزيق السودان لأنه فرض على السودان هًويَّة ضيقة جداً لا تستوعب الجميع، لذلك أنا كتبت لإخوتنا في الخارج بناءً على هذا مذكرة قلت فيها ما معناه أن ضرورة عاجلة تستوجب وضع أسس للسلام العادل في السودان، وأننا يجب أن نسلم، نعم، بالتباين الديني والثقافي في السودان، ونسلم بضرورة الحرية الدينية للمسلم وغير المسلم، لكن يجب أن نعمل هذا على أساس احترام حقوق المواطنة لأنه يجب علينا أن نتخذ من حقوق المواطنة أساس من عهد تتعاهد بموجبه الأديان والثقافات والاثنيات، على أن هذا عهد يجمع بيننا جميعاً "عقد اجتماعيsocial contract " في حد عهد المواطنة وفي إطار احترام هذا العهد (حد عهد المواطنة) نعترف بالحرية الدينية والحقوق الدينية والحقوق الثقافية. كتبنا لهم، إذن، نحن محتاجون في هذه المرحلة أن نتفق على وثيقة لحقوق الإنسان السوداني sudanese bill of rights تصبح هي الأساس الذى نحترمه كلنا على اختلاف أدياننا وتلتزم الأديان المختلفة بأنه مهما كان التطبيق لأحكامها يجب ألا يتعدى على حقوق المواطنة. وقد اكتمل ذلك في مؤتمر نيروبي في أبريل 1993. وجاء يوم قبلت فيه جميع الأطراف بذلك لكنهم فقط قالوا بدلاً عن أن نعمل وثيقة لحقوق الإنسان السوداني وهو ما لا نملك صلاحية فعله فلنأخذ حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية... ونحن قبلنا هذا على اعتبار أننا مرتبطون بها أصلاً بوصفها من المسلمات المضاف إليها وثيقة حقوق الإنسان السودانيَّة فنعتبر أننا عملنا على أساس عهد مشترك بيننا وبينهم تكون المواطنة أساس التعامل معهم وأننا كمسلمين يكون مفهوم العهد قائم، ولذلك نقول أن هؤلاء الناس بيننا وبينهم عهد والعهد لا نحدد شروطه نحن، الشروط تحدد بطريقة مشتركة ذلك أن العهد أصلاً هو في الحقيقة شريعة الموقعين عليه. إذن نحن ننقل المفهوم في وقت لم يكن فيه الفكر الديني الإسلامي يتقبل فيه مثل هذا الطرح، ولذلك دخلنا في نقاش فقهي أساسي جداً. هناك من السودانيين من أسقط حقيقة الدين باعتبار أن لا وجود له في الحياة العامة وبالتالي لا يرون أهمية مناقشة القضايا الدينية. هناك فرق بين الناس الذين أصلاً همشوا الدين من الحياة العامة وبين الناس الملتزمين بالدين ومستعدين يجتهدوا في قبول التطور السياسي والتطور الديني... نشأ نقاش كبير جداً جداً. أنا أعتقد الآن أن الحجج التى استخدمناها صارت مقبولة للقواعد الأوسع من المفكرين الإسلاميين. الحجج كانت أننا نتعامل مع غير المسلم في المجتمع المسلم، هذا الغير مسلم ما هو تصنيفه ؟ هم كلامهم أننا نعترف به كأهل ذمة لأنه في ذمتنا نحن المسلمين، ولذلك نعطيه حقه كما هو حق أهل الذمة. نحن قلنا أن هذا القول ينطلق من فرضية أننا فتحناهم وأقمنا الدولة عليهم. نحن نعتقد في خطأ هذا الافتراض. الناس هؤلاء غير المسلمين الذين يعيشون معنا عندهم الحقوق نفسها والواجبات مثلهم مثل الموجودين بالصفة نفسها، لذلك لا نتعامل معهم على أنهم في ذمتنا، وإنما عهد بيننا وبينهم. بالنسبة لنا نحن كمسلمين مفهوم العهد قائم ويحدد بطريقة مشتركة. أغلبية الناس كانوا يخطئوننا لكننا نجحنا في تحويل جزء كبير من الرأي الإسلامي لتقبل المواطنة كأساس، بل وأعطينا بعداً لقبول الشرعيَّة الدولية وحق المواطنة والنظام الدولي.

هنا جاء الكلام عن ثم ماذا بعد ؟

 

كتبت في عام 1994 مذكرة ثانية تشير إلى أنه لا بدَّ من الاعتراف بأن قضية الدين والسياسة تحتاج إلى إجلاء. لا نحبذ الكلام عن مفاهيم فضفاضة، فلنتحدث عن الدولة من حيث الصلاحيات المركزية بدلاً عن مسميات مثل الفيدرالية أو الكونفدرالية، نتحدث عن التداول السلمي للسلطة بحيث يكون مكفولاً لكافة التنظيمات ومفتوحاً لكل المواطنين، وألا تنال أية مجموعة إمتيازات بسبب الانتماء الديني. فلنبدأ كتابة الواقع ومن ثم يختار الناس من التسميات ما يرونه. على هذا الأساس كتبنا مقررات أسمرا... تمثل مقررات أسمرا مرحلة متطورة. نحن مع ما حدث من خلاف داخل التجمع أعلنا أننا، مع اختلافنا مع التجمع حول قضايا معينة، والذي تجدد عام 1999 نعتبر أتفسنا ملزمين وملتزمين بكل ما وقعنا عليه في المرحلة الماضية لا سيما قرارات القضايا المصيريَّة. ونحن كقوى سياسية أكدنا، بعد عودتي إلى السودان، على هذا الالتزام، وفي آخر حلقة من حلقات التطور في هذا الموضوع نحن ناشدنا الحكومة أن توقع على مقررات أسمرا لكي نقفل باب النقاش حول هذا الموضوع وتبقى مناقشة الأشياء الأخرى.

 

النقطة التى أريد أن أصل إليها من كل هذا الحديث أننا في عمل فكرى وسياسي لا ينطلق من فراغ، وكل واحدة من المراحل المختلفة يوجد إطار واقعي حولها يوضح مقتضياتها. نعتقد أن المطروح الآن هو ضبط علاقة الدين بالدولة، وضبط علاقة الدين بالسياسة في إطار الدولة الحديثة وفي إطار الأديان العالمية. هذا الضبط يجب أن يراعى حقائق محددة جداً: الحقيقة الأولى هي حق المواطنة، والحقيقة الثانية هي الحريات العامة، والحقيقة الثالثة هي حرية الإنسان، والحقيقة الرابعة هي الشرعية الدولية. نحن نعتقد أن هذه الحقائق هي المناخ الداخلي والخارجي المطلوب الذى يكون فيه ضبط علاقة الدين بالدولة.

 

أركامانى:هناك نقطة محددة فيما يتعلق بقضية الاجتهاد الخاص بالتشريع فيما يتعلق بالجنوبيين وأهل العهد. طبعاً يلاحظ أنه من منطلق الأدب الديني الموروث ينظر للجنوبيين بوصفهم أهل ذمة، وعلى أساس أن الذين يوقعون اتفاقيات سواء في المناطق التى فتحت عنوة أو صلحاً أو ما إلى ذلك يعتبرون أهل صلح، لكن تفرض عليهم بعض الالتزامات. أو لا ترى وجود نوع من الاختلال بين هذا وحقوق المواطنة بالنسبة لإخواننا في الجنوب أو في بعض المناطق الأخرى ؟  

 

السيد الصادق: نحن نقول أن عهدنا في الأصل نفسه عهد مواطنة.

 

أركامانى: عهد مواطنة !!

 

السيد الصادق : نعم، المواطنة نفسها تصبح هى العهد.

 

أركامانى:كيف ؟ في فهمهم هم....

 

السيد الصادق:(مقاطعاً): لا، في فهمنا نحن.

 

أركامانى: لكنهم عندما يرجعون لإيليا والأدب القديم...

 

السيد الصادق(مقاطعاً): لا..لا..لا لا نتكلم عن الأدب القديم.

 

أركامانى: مجرد أن يبقوا أهل ذمة أو أهل عهد يرجعوا...

 

السيد الصادق (مقاطعاً): تمام.. تمام، متفقين أنا وأنت حول ضرورة تحديد المفاهيم. نحن نتكلم عن أننا وهم. عندما نكون في عهد فنحن متساوون في هذا العهد.. نحن أيضاً بالنسبة لهم أهل عهد.. الفكرة الأساسية أننا نحول المفهوم من كونهم في ذمتنا إلى أننا معاً.. نحن وهم.. في ذمة الوطن. أستطيع أن أفهم جيداً أن تختلط المفاهيم الإسلامية عند بعض الناس ويعتبروا أن ذلك سيلقى عليهم ظلاً، لكن عندما أقول لك الضوابط الأربعة: حقوق المواطنة، وحقوق الإنسان، والحريات العامة، والشرعية الدولية.. خلاص فإن ذلك تأكيد كافي أننا نتكلم عن عالم آخر مش العالم ده هنا.

 

أركامانى: بالنسبة لنا قد يكون مفهوم ولكن بالنسبة لهم.. دعنا نحاول فهم المعادلة، بمعنى ضرورة تأطير المفهوم تماماً: هم في ذمتنا أيضاً نحن في ذمتهم...

 

السيد الصادق: مفهوم ذمة هذا انتهى، نحن نتكلم عن عهد المواطنة بيننا وبينهم.. إنهم لا بدَّ أن يفهموا أنهم عندما يتكلمون مع سوداني غير متمسك بالأمور الدينية فيمكنه أن يتكلم " على كيفه "، لكن عندما يتكلمون مع سوداني يتمسك بالأمور الدينية لا بدَّ له أن يبرر اجتهاده في الحديث وإلا فسيكون منافقاً. على هذا الأساس هم، مثلما قلت، نحن سوف نحتكم في مثل هذه المفاهيم إلى دستور وقانون ومحاكم... الدستور والقانون والمحاكم هي التى تحدد الحقوق والواجبات. أنا أعتقد أنه من المشروع جداً أن يكون عندهم سوء الفهم لأنه ناتج خلفية فيها هذه الاعتبارات، لكننا نتكلم عن أننا نريد أن يصبح كل شئ واضح ووفق الدستور والقانون ومحمى بالمحاكم.

 

أركامانى:هناك مسألة مثارة بأن السيد الصادق المهدي عنده نزعة خفية لوجود شكل من أشكال الدولة الدينية. صحيح قد يكون مشروع "الصحوة الإسلامية" مختلف إلى حد ما عن "المشروع الحضاري"، لكن في نهاية المطاف يصل المشروعان إلى الهدف نفسه بإقامة شكل من أشكال الدولة الدينية، ومن ثم يربط البعض هذه النزعة الخفية بتمسك السيد الصادق بشخصيته الكاريزمية التى تتأسس، وفق تعريف ماكس فيبر للشخصية الكاريزمية، "على الزعامة التى تمثل نوعاً من العلاقة بين الزعيم وأتباعه والتي توجد عندما يعد الأتباع الزعيم "شخصية فوق طبيعية" ويتقبلون أقواله وأفعاله بلا تردد، يستجيبون بلا شرط لتوجيهات الزعيم ويمنحونه التزاماً عاطفياً قاطعاً".فالسيد الصادق في اللا وعى لديه يحس بأن زعامته الكاريزمية المستمدة من التراث المهدوي ستجد استمرارية فقط في حالة وجود شكل من أشكال الدولة الدينية.. ما هو تعليقكم على مثل هذه الفرضية؟

 

السيد الصادق: أيوة.. تعليقي على هذا أولاً أن أقوى الشخصيات الكاريزمية نشأت خارج الإطار الديني.. ستالين، وغاندي، وهتلر، وموسيفنى، وكاسترو نعم. وبالتالي فإن الشخصية الكاريزمية لا ترتبط دوماً بالدين.. إنها في الواقع "وضعية". وثانياً الإسلام موجود في الواقع السياسي والفكري والثقافي والاجتماعي السوداني. صحيح لدى بعض السودانيين العلمانيين سقطت هذه الحقيقة لكنها سقطت في أذهانهم هم.. وهم أقلية. في الواقع السوداني الإسلام له وضعه، كذلك في الواقع السوداني الأنصارية لها وزن. الخيار ليس هو إلغاء هذ الأشياء أو الالتزام بها، لكن الخيار هو في نوعية الالتزام. إذا لم نجتهد بمفهوم إسلامي مستنير فسيحتل المركز الإسلامي تيارات منكفئة تعمل مثل ما حدث في أفغانستان. فالإسلام إذا لم يلعب دوراً مستنيراً فسيلعب دوراً منكفئاً، والشئ نفسه في الأنصار إذا لم تجئ قيادة مستنيرة فستجئ قيادة منكفئة. نحن لا نستطيع بأية طريقة تحكمية استبعاد دور الأنصارية والإسلام، بل إذا أنكرنا هذه الأشياء سنثير ردة فعل. في رأى أن كل التيارات المتشددة في الجزائر، ومصر، وأفغانستان، حيثما كانت هناك محاولات لاستبعاد الدين، كانت هناك ردة فعل... بالتالي تكون النتائج عكسيَّة. الحقيقة الموضوعية هي أنه عندما نلغيها نستفزها بالتالي لا بدَّ من البحث عن آلية لضبطها مع الحفاظ على الحقوق الأخرى كالمواطنة والحريات العامة. حقيقة نحن نريد الحفاظ عليها لكن دون استئصال الآخر الديني. لذلك أنا أقول بخلاصة بسيطة بأننا نؤكد وجود حقائق موضوعية ل نستطيع القفز فوقها، لا بدَّ أن نحترم تلك الحقائق الموضوعية، وأنا أعد نفسي عربياً ومسلماً ولا ينتابني في ذلك شك وليس لي تردد، لكن دوري كعربي وكمسلم  يدفعني لضبط ذلك في حياتي بحيث أحترم حقوق المواطنة، وأحترم القرار الديمقراطي، وأحترم حريات الآخرين، وكذلك أحترم الثقافات الأخرى. انه من الأفضل لهم أن يتعاملوا مع مثلي بدل أن يبحثوا عن أناس معزولين يبيعوا لهم بضاعة هم عاجزون عن تسليمها، وبدل عن أن يجدوا أنفسهم يتعاملون مع أصحاب ردود الأفعال، أي المتطرفين. لديهم خيار التعامل مع الذين يعون العصر ومفاهيمه ومستعدون أن يعترفوا بالحقوق واستصحابها، أو البحث عن أقليات تعلن لهم بأنها شطبت العروبة وشطبت الإسلام وشطبت كل شئ وهم لم يشطبوه إلا في أذهانهم لكنهم لا يستطيعوا في الواقع شطبه، بالعكس لو أقاموا نظاماً سياسياً فإن هذا سيثير رد فعل قوى جداً في الاتجاه المضاد وهو ما يجلب الحرب كما كانت. فأنا أعتقد بأنه لا بدَّ أن نفسح الطريق للتفكير المعتدل الذى يؤدى إلى استصحاب الحقائق الموضوعية بصورة تسمح بفرصة للدولة الحديثة ولحقوق المواطنة والحقوق الدينية وحقوق الإنسان والشرعية الدولية وتقفل الباب أمام الذين يقومون، في رأى، باستفزاز هذه العناصر، فاستفزازها سيؤدى إلى رد فعل. على كل لا نقول للناس اتبعونا لكن نقول لهم أفهموا خلافكم معنا في ماذا.

 

أركامانى:هناك نقطة هامة جداً تختص بالواقع السوداني أو حتى الواقع العربي، ففي الطرح الذى تناولته الآن حول مسألة العروبة والإسلام والفهم الموجود قد يجعل هذا النهج من التفكير أقرب إلى الطرح القومي منه إلى الطرح الأصولي، قصدي بالأخير طرح الجبهة، بهذا الفهم أفلا يجوز تصنيفك في خانة تجعلك أبعد من الادعاء القائل بأنك أقرب إلى الجبهة أو الفكر الأصولي ذلك أنه يبدو لي أن طرحك أقرب لاطروحات الحركة القومية بكافة فصائلها سواء الناصريين أو البعثيين حول علاقة العروبة بالإسلام ؟

 

السيد الصادق: أنا أعتقد بأنني أود التحرر من التصنيفات، فنحن مثلاً إذا نظرنا إلى مسألة الأصولية فإنني أعتقد أن هذا الكلام الذى أقوله أقرب إلى صحيفة المدينة التى عملها الرسول(صلعم) في المدينة.. طيب هل هناك أصولية أكثر من الرسول؟؟ لذلك أقول بإقامة العلاقات الخارجية على أساس الشرعية الدولية. أنا أعتقد أن الأصولية التى يتكلمون عنها الآن هي ردود فعل حدثت في مرحلة من مراحل تطور الدولة الإسلامية ولذلك فإنني أتهمها بأنها تريد إحياء واقع تاريخي في العصر الحديث بدون مبررات، ولذلك أنا أعتقد أنها تكون في الحقيقة مرفوضة بوصفها تمثل مرحلة تاريخية انقرضت، وأن كلامنا هذا يمثل الفهم الإسلامي الصحيح. هذا صراع في الفكر الإسلامي نخوضه ولا نعترف لهؤلاء المتشددين الإسلاميين سوى أنهم يشكلون رد فعل مفهوم في ظروف تاريخية معينة.. الآن غير مفهوم.

 

أركامانى:في اللقاء الذى أجراه معكم الأخ ياسر عرمان "مجلة مسارات جديدة، العدد الأول 1998 "أشرت إلى تيار السودانوية بأنه "اتجاه أُحادي يرى إقامة هُويَّة سودانوية تستبعد كل الهُويات الأخرى وتقيم نظاماً علمانياً طارداً لكل الهُويات المختلفة لكي يقيم ما يمكن تسميته هُويَّة سودانوية". انطلاقا من مثل هذا المنظور أصبحتم تصفون مشروع السودان الجديد، الذى هو في الحقيقة مشروع اليسار السوداني القديم المتجدد تبنته الحركة الشعبية لتحرير السودان والتجمع الوطني الديمقراطي، بالمشروع الطارد لكل الهُويات والساعي لإقامة هُويَّة أُحادية، ومن ثم ادعاءكم المتكرر بأن قرنق يحاول إحلال هُويَّة مركزية أفريقانية محل الهُويَّة العربية الخ. أفلا تتفق معي بأن مثل هذه الفرضية التى تطرحونها تنطلق من وضع مقلوب في طرح المسألة بصورة علمية جادة... أي من الإصرار على السؤال " ما هو هدف الموضوع؟" (والذي غالباً ما يعطى إجابة تمثل فرضية تحتاج لإثبات) بدلاً عن طرح السؤال بدقة علمية "ما هي الأسباب التى أدت إلى بروز الموضوع؟" (وهو ما سوف يعطى إجابة أكثر علمية للمشكلة ومن ثم سبر أغوار الأهداف النهائية للحل المطروح).

 

السيد الصادق: طالما أننا لا نستطيع أن نتكلم عن حركة قرنق بدون أن نتكلم أيضاً عن واقعها الحالي .. إنها تتكلم، مثلاً، عن العلمانية ونحن نعلم دور الدين المسيحي فيها من كل النواحي. المسيحية هي قوة سياسية أساسية وليس معنى ذلك أننا نريد أن نكون ضدها، فقط نريد أن نتعامل مع الواقع. فالمسيحيَّة الآن لها وجود سياسي وفكري ودبلوماسي عالمي...فالكلام عن العلمانيَّة في السودان يفهم وكأنك تتكلم عن تهميش الإسلام وإبعاده... فماذا عن المسيحية طالما أن لها مال وقوة سياسية... الفاتيكان دولة دينية... ليس معنى هذا أننا لا نريد أن نتعامل معها ذلك أن علينا التعامل مع الواقع. الكثير من الناس عندما يتحدثون عن إبعاد الدين عن السياسة يعتقدون أن الكلام فقط عن الإسلام والأنصارية.. لا .. هاهنا قوة سياسية كبيرة جداً ولديها سيطرة كبيرة وقرنق غير بعيد من هذا الدور.. يعنى هو يفتتح اجتماعاتهم بالصلوات ويتكلم من منابر دينية، وفي سنة 1998 تكلم من منبر منظمة التضامن المسيحي العالمية.. وهكذا. نحن نعترف بهذا الواقع فالدين المسيحي هنا له وجود.. نضبط العلاقة بين الدين والسياسة..نعم! نضبط العلاقة بين الدين والدولة..نعم! لكن هناك علاقة وثيقة بين الدين المسيحي والقوى السياسية المسيحية وحركة جون قرنق.

 

ثانياً حركة قرنق الآن لا تستطيع أن تتحدث عن الأوضاع بدون الكيفية التى تدير بها المناطق التى تسيطر عليها في السودان... هذه المناطق تدار على أساس عسكري وواضح جداً كيف أن هناك إدارة عسكرية لا تختلف بأية صفة واضحة عن الذى نشكو منه نحن من دكتاتورية الجبهة القومية الإسلامية.. يعنى نحن أمام وضع فيه دكتاتورية وفيه دور للدين المسيحي مثلما هو موجود هنا من دكتاتورية ومن دولة إسلامية. نحن لا نتكلم عن هذا البديل الأفضل أو البديل المختلف، نريد أن نتكلم عن مقاييس نتفق عليها نطور بها الوضع في المكانين (يقصد الجنوب والشمال-أركامانى). لكن هناك بعض السياسيين الشماليين الذين يرون بأن نؤجل هذا الكلام لأننا في معركة مع الجبهة القومية الإسلامية وعلينا ألا نتحدث عن هذه الأشياء لأن ذلك خطر جداً لأن معناه أنك تريد أن تغسل الدم بالدم. لا بدَّ لنا أن نفكر ما هي المفاهيم المطلوبة لتطوير هذا الكلام كله في اتجاه ضبط المسيحية والإسلام وتثبيت الديمقراطية.. هذه هي قضيتنا مع قرنق.. ما عندنا قضية ثانية.. لا نريد إلغاء اعترافنا بالمشكلة.. لا نريد نفي اتفاقنا ونقض ما وقعنا عليه.. لكن لا نريد أن تبقى بلادنا أسيرة توجه خاطئ.

 

أركامانى:يبدو أن هناك عدم وضوح في استخدامكم لمصطلح علمانية. ففي اللغة الإنجليزية يستخدم مصطلح secular وهو ما يعنى حرفياً "دنيوي"، "غير ديني"، "مدني"،"غير منتسب إلى رهبانية" وبهذا المعنى وردت في إعلان مبادئ الإيقاد (البند6) " قيام دولة مدنية secular ديمقراطية ، فصل الدين عن الدولة، على أن تكون قوانين الأحوال الشخصية طبقاً للشرائع الدينية وكريم المعتقدات".

 

السيد الصادق (مقاطعاً): لا..لا

 

أركامانى:هذا المصطلح secular هو الذى تصر على ترجمته بالعلمانية

 

السيد الصادق: لا.. أصلاً لا يوجد كلام عن علمانية ولا دولة دينية.. هي ست نقاط... هل عندك هذه الوثيقة؟

 

 أركامانى: إلى أية وثيقة تشير؟

 

السيد الصادق: التى وقعنا عليها.

 

أركامانى:لا أشير إلى أسمرا وإنما كلمة secular الواردة في البند السادس من مبادئ إيقاد.. هل قرنق عندما يشدد على الدولة المدنية secular يقصد تحديد موقف ضد الدين.. يعنى أقصد القول...

 

السيد الصادق: لذلك نحن نقول فلنبتعد عن الكلمات .. الكلمات تقود إلى متاهات

 

أركامانى:أشرت أنت إلى أن قرنق يتعامل مع الدين

 

السيد الصادق: طبعاً اليوم نحن نقول في التعريف انك مسيحي أو مسلم. الكنيسة أكبر حزب سياسي في الغرب... من لا يعرف هذه الحقيقة لا يفهم شئ... لكن كون الدساتير في الغرب تعمل قوة ضابطة نعم، هذه حقيقة. كلنتون أتت به الكنيسة، بوش هذا أتت به الكنيسة .. فكيف إذن!

 

أركامانى:استنادا لما يحدث في الجنوب وفق ما عرضته يرد السؤال: إذا كانت الحركة الشعبيَّة تحمل السلاح، والتجمع المعارض يحمل السلاح، وكنتم في فترة من الفترات ضمن التجمع وتحملون السلاح في الوقت نفسه الذى عمل فيه حزبكم داخل السودان، وكان الدكتور حسن الترابي في قيادة النظام .. التقيتم به في جنيف وانتم كحزب لا زلتم في التجمع.. الحكومة لم تتهم هذا اللقاء. لكن عندما وقع الترابي مذكرة تفاهم مع قرنق اتهم الأول بالخيانة.. حقيقة يبدو أن هناك عدم ضبط تام...

 

السيد الصادق: أنا أفتكر هناك وضوح تام... نحن التقينا الترابي في جنيف بوصفه ممثلاً للنظام وليس بوصفه إنساناً منعزلاً.. بوصفه إنساناً يمثل النظام، والتقيته في إطار البحث عن حل سياسي.. وهكذا استمرت كل لقاءتنا إلى آخر لقاء مع قرنق في أبوجا.. لقاءات هدفها واضح .. نحن نريد حل سياسي ونبحث عن حل سياسي. لذلك الشئ الذى وفر حماية من رد فعل معاكس لهذه الاتصالات هو وضوح هدفنا ووضوح وسائلنا واقتناع كل الأطراف أن هذا ما نفعل. مذكرة التفاهم التى تمت ما بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي أولاً لم يرد فيها كلام عن حل سياسي أو سعى لحل سياسي أو تعاون من أجل حل سياسي. ثانياً ورد فيها كلام عن تفعيل عمل معارض مضاد. هنا يوجد تحالف بين قوى مدنية سياسية معارضة وقوى عسكرية معارضة من أجل هدف مشترك هذا أثار رد فعل. ثالثاً الدكتور حسن الترابي عندما أشار إلى ما تم الاتفاق عليه قال بأن هناك بنود خفيَّة. هذا معناه بنود لا شك ثورية لم يعلن عنها لذلك، في رأى, هو عرض الاتفاق لردود أفعال سالبة من النظام. صحيح أنا أعتقد أنها لا ترقى إلى المسائلة القانونية لكنها يمكن أن تشكل أساساً لرد فعل سياسي.

 

أركامانى:ما مدى جدية حسن الترابي، في رأيك، فيما وقعه؟ تكتيك سياسي أم تغير حقيقي في موقفه ؟

 

السيد الصادق: والله أنا أفتكر أن هناك حقيقتان: الحقيقة الأولى أن أجندة الترابي الأيديولوجية سقطت، وأعتقد إلى هذا الحد لا شئ إيجابي. لكن أنا أعتقد أنه في هذا الاتفاق كان الترابي يريد أن يزيد من فرص مواجهته للنظام، وأنا لا أبرئ هذا الاتفاق من أنه قصير النظر لأننا في مرحلة نحتاج فيها لنوع من التفكير أعمق من مجرد فتح جبهة جديدة تلتقي فيها أطراف متناقضة. أنا أول ما بدأ هذا اللقاء كان هذا هو تعليقي، هذا دليل على سقوط المشروع الأيديولوجي ولكن المفهوم السياسي وراءه يدل على اعتبار قصير النظر.

 

أركامانى: أثبت النظام السياسوإسلاموي القائم حالياً في السودان أن النخبة الحاكمة تعتمد بقوة على التلقين التدجينى وعلى الرمزية لضمان تقنين سلطتها الاقتصادية والسياسية وتقدم نظاماً للمكافئات يختلف عما تقدمه المجتمعات المدنية العقلانية. ففي النظام السياسوإسلاموي القائم في السودان تسيطر النخبة الحاكمة على الجماهير عبر خليط من المكافئات الروحية والمادية وسلسلة من العقوبات الروحية والاقتصادية والجسدية. الآن أنت تدعو للدخول في مصالحة مع هذه النخبة، كيف ستوفقون دعوتكم مع ما وقعتموه في أسمرا بشأن إعادة التوزيع العادل للثروة وأعلنتم مراراً التزامكم به.. علماً بأن هذه النخبة بلغ بها حد سعيها للمحافظة على مصالحها إلى تعبئة الرجال والأطفال للذهاب طوعاً أو قسراً إلى جبهات القتال ضد المعارضين لها بتشريبهم بالوعود بالجنة شهداء وبالهناء المادي إذا ما كتب الله لهم عمراً ؟

 

السيد الصادق: أولاً كل القوى المهيمنة على الوضع في الإتحاد السوفيتي، وفي جنوب أفريقيا حاولت أن تؤسس نفسها اقتصادياً، وكلها عندما اضطرت لإبرام اتفاق سياسي قبلت مراجعة المعادلة الاقتصادية. نحن بالنسبة لهذا النظام كلامنا واضح. أولاً لا بدَّ من قومية الاقتصاد الوطني ولا بدَّ من قومية مؤسسات الدولة سواء مدنية أو لا مدنية.. نحن نتفق على هذا ونتفق على كيفية تنفيذه. ثانياً لا بدَّ من منع أي نوع من أنواع سيطرة الحزب على مؤسسات الدولة، كذلك لا بدَّ من الفصل الواضح ما بين الحزب الحاكم المؤتمر الوطني ومؤسسات الدولة بحيث يصبح حزباً من الأحزاب يقبل الانتخابات الحرة ويقبل نتائج هذه الانتخابات.

 

الكلام واضح وهم، في رأى، موافقون على هذا، صحيح يمكن تكون الموافقة نظرية مع عدم استجابة عملية وهذا يتوقف على ذكائنا نحن كمفاوضين.. أن نضع اتفاق واضح ومفصل ومضبوط.. ونضع آلية لضمان التنفيذ لذلك نحن نتكلم مع القوى السياسية الأخرى ونقول لهم أننا عندما مشينا إلى الخارج ورأينا أن لا مجال إلا في الخارج كان ذلك بفعل ظروف محددة.. كان هناك منع كامل لأي تحرك في الداخل وعدم اعتراف بالتعددية.. وكان النظام في حالة حرب تقريباً مع الجيران مما يجعل الجيران يقفون معنا دون ثمن. فإذن نحن في وضع نتفق فيه جداً أن نعمل من الخارج ونستفيد أولاً من ظروف الاستبداد الداخلي وظروف الانفراج الخارجي. لكن حدث تطور في خطاب النظام، أدى هذا التطور إلى هامش حرية في الداخل وأدى إلى دخول النظام في اتفاقات ثنائية مع دول الجوار. بدأت هذه الاتفاقات الثنائية بإلغاء حالة المواجهة والبحث عن شروط التعايش معهم. نحن صرنا كرت ضغط، المعارضة السودانية صارت كرت ضغط لهذه الدول لتحقق مصالح ثنائية في التعامل مع النظام.. ليس هذا دور وطني ولذلك نحن ناشدنا الناس كلهم يعتبروا المرحلة انتهت وإذا استمرت ستكون القوى السياسية للأسف كروت ضغط من أجل تحقيق مصالح ضد النظام... طالما أن هناك هامش حرية الواجب الوطني يستدعى أن ندخل ونحاول تفعيل العمل من الداخل وأن هذا الذى حدث حقيقة سبق أن وقع للأنظمة السابقة حصل لعبود وحصل لنميرى الاثنان دخلا في مرحلة فيها هامش حرية كبير أدى لتفعيل العمل السياسي. طبعاً هذا لا يعنى ضرورة أن تتكرر التجارب الماضية لأنه وارد جداً في هذه المرحلة أن يدخل النظام مع القوى السياسية، إذا كانت جادة وواعية، في اتفاقات بضمانات إقليمية ودولية تحقق التحول الديمقراطي بدون أن يحدث ما حدث في مايو ولا في عهد عبود. إننا نقول باستمرار وعلناً هذا النظام إما أن يتحد مع الناس في تحقيق الهدف أو أن يوحد الناس ضده، وهذه مرحلة جديدة وعلى الناس أن تغسل يدها من المرحلة الماضية وتدخل في مرحلة جديدة، هذا باستثناء الحركة الشعبية فهي جيش أكثر منها حركة ولذلك نحن نقول الحركة الشعبية أو الجيش الشعبي مسموح أن يستمر إلى حين حدوث اتفاق سياسي لكن لا نطلب أن يعمل الذى عملناه نحن، نحن قوى سياسية كنا بنعمل لأنفسنا أجنحة عسكرية... أتت الآن ظروف خلاص بنخلع ملابسنا ونسبح من بر إلى البر الآخر.

 

أركامانى:الحركة الشعبية هي أيضاً قوى سياسية

 

السيد الصادق: الجيش الشعبي حقيقة أولاً وثانياً وثالثاً إلى عاشراً هو جيش.. الحركة الشعبية، في رأى أنا، هي حلقة تنظيم علاقات عامة للجيش الشعبي وسيستمر جيشاً إلى أن يأتي اتفاق سياسي... هذا كلام منطقي... أما الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي..الخ فهذه أحزاب سياسية تدخل طوالي للوطن لتفعيل العمل السياسي ولتفعيل الجبهة السياسيَّة... يمكن أن يقول أحد والله في مشاكل.. لكن الآن هناك تطورات فالقضاء صار يتخذ مواقف قوية جداً والصحافة ممتازة جداً... يوجد نشاط سياسي.. تمشى القيادات السياسية تفعله وفي النهاية هذا إما أن يؤدى إلى اتفاق سياسي أو يؤدى إلى استقطاب إذا نكص النظام.

 

أركامانى: الحقيقة أن كل القيادات الأساسية لأحزاب المعارضة موجودة أصلاً في الداخل وتمارس نشاطها علناً وخفاءً.

 

السيد الصادق: أنا أقول بضرورة الشخصيات الأساسية لأننا نريد أن نعمل تغيير.. نحن ننطلق من مواقع معينة والمواقع التى ننطلق منها نفسها متغيرة.. لماذا نفترض أنها غير ذلك.. خصوصاً الآن المعارضات داخلها كلها تجأر بنفس هذا الذى نقوله.

 

أركامانى:البحث العلمي هو أساس نهضة الشعوب. ألا تعتقدون أن تلك المقولة لم نقم بتطبيقها في السودان على الوجه المطلوب رغم توفر الكوادر المؤهلة ؟ هذا القصور أفلا ترون أنه واحد من الأسباب التى أدت إلى خلق المشكل السياسي، بمعنى أننا لو نحن أكدنا على دراسة الهُويَّة علمياً وقدمنا دراسات علمية مستندة إلى واقع الثقافات السودانية المتنوعة لكان ذلك أفضل من هذا النقاش السياسي وإطلاق الأشياء الفضفاضة حولها من دون الوصول إلى حقائق إحصائية حقيقية.. بالتالي تكون لمسألة التراث أهمية في السودان القارة، لكن التوجهات السياسية الحالية تجعلنا نتخوف من أن يحدث في السودان ما فعله طالبان مع التماثيل البوذية!! على ما نذكر عندما كنا مسئولين عن مصلحة الآثار وصلتنا بعد 1989 رسائل كانت مخيفة تقترح فتح بطون التماثيل الضخمة الموجودة بالمتحف سواء داخل قاعة العرض أو المعروضة في حديقة المتحف القومي للآثار بحيث يرى المشاهد أنه لا يوجد بداخلها مصارين وذلك تمشياً مع الشريعة...

 

السيد الصادق: طالبان ناس على مستوى متدني من الثقافة والوعي العام وهؤلاء الناس في حقيقة الأمر ارتبطوا بأجهزة استخبارات أجنبية.. ولذلك هنا حكاية مصطنعة كلها. الحركة القومية للجبهة الإسلامية حركة سودانية، وعندها قرارات ذاتية، ومكونة من قيادات واعيَّة بثقافة العصر والعمل العام .. لذلك هذا خلاف أساسي بينها وبين طالبان. ثانياً أنا أعتقد نحن الآن في مرحلة جديدة، مرحلة انحسار التعصب الأيديولوجي نفسه. هناك العديد من الناس اطلعوا على دستور 1998 سودانيين وغير سودانيين.. أقول لك كلهم بيفتكروا أن الدستور المصري أو الليبي أو العراقي إسلامي أكثر من دستور الجبهة على الأقل لأن هؤلاء ينصوا على أن دين الدولة الإسلام والشريعة هى المصدر الرئيس للأحكام. إذن نحن في حالة مختلفة والآن أصبحت هناك فرص عشان المفاهيم دي كلها تراجع. يعنى الآن في الخرطوم يوجد مركز محمد عمر بشير، ومركز عبدالكريم ميرغنى، ومركز الدراسات السودانية الذى انتقل مؤخراً من القاهرة... يعنى توجد مراكز كثيرة جداً تعمل على أساس المعاصرة والعلم والمعرفة. توجد جامعات ومؤسسات الآن كمبيوتر مان، معهد التقانة توجد أشياء كثيرة وفيها تطور كبير جداً... الأحفاد، وندوة العميد في الأحفاد. هذه كلها مؤسسات طوعية خارج الحكومة تعمل في مجال البحث والعمل الفكري والسياسي. لذلك أنا أعتقد أننا نريد أن نقوى هذا التيار لتطوير البحث العلمي والفكري والسياسي...أسامة عندما تكلم عن هذه المجلة قلت له أنني أعتقد أن الناس يجب أن يكملوا المشوار ويبحثوا عن صيغة لتشكيل جمعية أو مركز يضم ليس فقط الآثاريين والأنثروبولوجيين ولكن كل ذوى الاهتمام بالتراث بهدف تطوير مفهوم الوعي حول البحث في الآثار والثقافات ولمصارعة الأفكار المنكفئة بكل الوسائل.

 

أركامانى:هناك في الحقيقة وجهة نظر تعبر من الناحية الفقهية عن التناقض الكبير بين ما تدعى الجبهة القومية الإسلامية التمسك به من أحكام وبين الأسلوب الذى استولت به على السلطة. فقهياً ألا تعتقد أن تطبيق حد السرقة والنهب المسلح يجب أن ينطبق على من يخرج ليلاً وهو مسلح بالدبابات وينهب السلطة؟ وهل يجوز التفاوض معه شرعاً؟ حقيقة أننا لو طورنا هذا المفهوم فقهياً يمكن أن نقى المنطقة الإسلامية كلها من شرور الانقلابات العسكرية.

 

السيد الصادق: العسكري لا يأتي لأنه ليست هناك عقوبات ولكن لأسباب أخرى. أنا أعتقد أنه الآن وضعت الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية ما يشبه الميثاق يقضى بمساعدة الديمقراطيات.. هذا تطور.. ونحن محتاجون لشيئين: حكومة ديمقراطية ناجحة، ووسائل رادعة لأي انقلاب وهذا شرط ضروري

 

أركامانى:لأن الميثاق لم يقم بحماية الديمقراطية

 

السيد الصادق: الميثاق لا يحميها إنها تحتاج إلى ديمقراطية ناجحة وصحيح كذلك إجراءات. صحيح زمان أيام الحرب الباردة كانت الظروف توفر حماية للانقلابات من جانب هذا القطب أو ذاك, الآن هناك الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وهناك كلام كثير عن عدم الاعتراف بأي انقلاب عسكري.

 

أركامانى: أخيراً هناك قضيتان تشغلان الشارع العربي والدولي: القضية الفلسطينية والحصار المضروب على شعب العراق.

 

السيد الصادق: ببساطة شديدة أنا أعتقد أن التشدد الموجود في إسرائيل قد قفل باب النقاش المثمر للسلام ذلك أن هذا التشدد أدى إلى أمرين: قوى حجة الرأي المتشدد المضاد من جانب، وهزم الاعتدال في المعسكرين من جانب ثان. منذ مدة وأنا أقول لا بدَّ للأسرة الدولية أن تتبين حقيقة أن الدولة الإسرائيلية ليست نبتاً طبيعياً في المنطقة. مشكلة الصهيونية مشكلة أوربية ناتج الاضطهاد الأوربي لليهود وليست بحال مشكلة عربية إسلامية. نحن نعترف بأن اليهود اضطهدوا ونعترف بأن الحركة الصهيونية حركة سياسية..تنظيم للعمل منطلق من واقع، لكن هذا الواقع ليس عربياً وليس إسلامياً بل هو واقع أوربي، وبموجب هذا الواقع نشأت إسرائيل بدعم دولي بفعله أزيح أصحاب هذه الأرض. لا حل لهذه المشكلة إلا حل دولي، في رأى، الأسرة الدولية كما خلقت المشكلة لا بدَّ لها أن تحلها على أساس عادل طالما أن الافتراض نفسه الذى قامت على أساسه إسرائيل بحسبان هذه الأرض بلا شعب أثبت الشعب الفلسطيني بطلان هذا الافتراض . خلاص أنت عملتها على أساس افتراض بطل لذلك لا بدَّ من طريقة تتعامل مع الواقع. الأسرة الدولية مطالبة بأن تفرض حلاً عادلاً لهذه المشكلة، وإلى أن يحدث هذا ستحدث مواجهات عنيفة جداً بين التطرف الإسرائيلي ورد الفعل العربي والفلسطيني الذى سيواجه عسكرياً.

 

فيما يتعلق بالموضوع العراقي أنا أعتقد أن حصار العراق لا يحقق الأهداف الدولية من ورائه بل تحول إلى نوع من العقاب المسلط على الشعب العراقي ولم يؤثر أصلاً في اتجاه الأهداف الدولية في هذا المجال. أنا أعتقد أن الحل هو أن يوجد في الحقيقة حل عربي لكي يضمن نظام عربي فيه تأمين دول الخليج وحماية مصالحها بحسبان أن الحل الدولي، في رأى، من الآن فصاعداً لم يعد له أي دور يحقق أمن في المنطقة أو تحقيق مصلحة. غياب الحل العربي هذا يفتح الباب لأجندات دولية مضرة ولذلك يجب أن يكون الاتجاه العربي الآن موجه إلى رفع الحصار عن العراق ووجود مبادرة عربية تحقق أمن الخليج وتقفل الباب أمام المبادرات والأجندات الدولية بحسبانها أصبحت بلا دور.

 

أركامانى:الشكر الجزيل للسيد الصادق على الصراحة والأريحية الفكرية التى طبعت هذا اللقاء مع تمنياتنا له.