ماذا وراء الأفق؟

محمد عشري الصديق

من العدد 818 من جريدة "حضارة السودان" الصادرة في 30 أكتوبر 1929

- نقلاً عن سلسلة كتابات أدبية قام بجمعها ونشرها الدكتور الراحل على المك في عام 1980-

 

 

 

يقف الإنسان الشاعر في كل مرحلة من مراحل عمره متسائلاً عن غايته في الحياة، وعن عمله فيها، وعن وسائله ومؤهلاته، وما هي الآمال التى حققها أو التجارب التى اكتسبها، وهل اقترب من المثل الأعلى الذى كان يؤثره بالفطرة وينير له الواقع والظروف والكفاءة والسعي : طرائقه وأساليبه وهل ربح صفقة الحياة، أم عاد منها خاسراً مغبوناً؟

 

وهو قد يحاسب نفسه حساباً شديداً دقيقاً، وقد يستعرض أمام خياله مواكب أعماله وآماله وآلامه الماضية، وساعات أفراحه الفارطة فيبتسم ابتسامة تنم عن الرضى والارتياح، وقد يمازجها شئ من الطرب الكريم والإعجاب البرئ، لحياة قضيت على الوجه الطيب، ولماذا لا يطرب لنفسه ويعجب يها وهو يرى تلك الساعات بقعاً من النور ترقص فيها عرائس الفوز والتوفيق، وتمرح فيها وتغني جنيات الجهد الفاضل؟

 

وقد يعروه من الوجوم والانقباض والتقزز إذا ما رأى فترات الظلام الدامس تصيح فيها شياطين العمل الضائع هباءً، وتصرخ فيها أبالسة الفرص التى انتهبت اللذات، وفيما لا يفيد، أو يعود بالخسران الأكيد، وقد تغلب الظلمة على النور، أو يطغى النور على الظلام، ولا بدَّ أن يحكم الإنسان بعد هذه المراجعة والمحاسبة حكماً على الحياة ولا بدَّ أن ينطق آلاءه أو نعمه، أو يظل في حالة من التردد، والشك العقلي، والحيرة النفسية، ينظر مرة إلى الوراء ومرة إلى الأمام، يغلب اليأس على الرجاء فيغوص إلى الأعماق حيث الزوابع والأعاصير، وحيث المخاوف والأهوال، وحيث الظلام والموت.

 

وينتصر الرجاء فيعلو باليأس إلى الأعالي حيث الحرية والقوة والحكمة وحيث العلاقة والإيناس والثقة والطمأنينة.

 

وهذا المتردد الشاك الحائر ما دام لا يهلك نفسه، يقول نعم للحياة ضمناً ولا مشاحة في أن كل الناس يقولون نعمهم للحياة عملاً. إلا المنتحرين فأولئك الذين لا يستطيعون غير ذلك.

 

وبعد هذه النتيجة ينظر الإنسان في عدده وأدواته وعقله وعضلاته، وظروفه وأوقاته فيصلح منها ما يتطلب الإصلاح، ويبني منها ما تهدم ويسن منها ما تآكل وصدئ وينزل من جديد إلى معترك الحياة أكثر قوة، وأكثر معرفة ، وأكثر ثقة.

 

ولكن الأمم أقوى من الأفراد، فليس هناك أمة تخسر تجارة الحياة تفكر في أن تنتحر دفعة، وقد تلم بها كل صنوف المحن وأنواع الآفات، من حروب ومجاعات وأوبئة، ولكن لها من القوة والمرونة والصبر ما يجعلها تخرج ظافرة كثيرات إن لم يكن إلى النهاية.

 

والحياة جبارة قاسية لا تعرف للرحمة سبيلاً في أكثر الأحيان. فمن لم يأخذ بسنتها، ويجري على منهاجها، خلعته وداسته تحت قدميها، فرداً كان أو أمة، نباتاً كان أو حيواناً. وهى أحيان تقدم للأحياء فرصاً فريدة للسمو والرفعة، فمن تنبه لها، وتنهض إليها قادته إلى أعلى. ومن أحسن استثمارها دلته على مواطن النجاح والرقي. ومن غفل عنها أو تغافلها، تركته حيث يندم ولا ينفعه ندمه شيئاً.

 

وكما الطفل في سنينه الأولى، وعند تفتحه للحياة، كالزهر في مطلع الربيع، يكون أصلح للتربية والتقويم، وأسمع للإرشاد وأعمل به. كذلك الأمم في بدء تكوينها تتمخض بأجمل الاحتمالات وأينع الآمال، فإذا قام فيها من يرشدها ويقودها بحزم وبصيرة وتعقل، تبعته ونالت الرفعة والمجد.

 

والآن يتمخض العالم، وخصوصاً الشرق بانقلاب خطير عميق في كل المساعي والجهود، فهو ينظر إلى مخلفات الماضي بعين الريبة والشك ويحار في حاضره، ويندفع إلى المستقبل. إن أكثر تجاربه الماضية أبانت عن فشل رائع، فنظمه السياسية، وتقاليده الاجتماعية، وعاداته الأدبية اليوم في قدر يغلي، وسيتبخر الفاسد، ويرسب المفيد.

 

هو الآن في شغل أكثر من ذي قبل بالمسائل العالمية، وقضيته الحياة الكبرى، فبينما يصل الغربيون إلى فتوحات واكتشافات في عالم المادة تكاد لا تحصى، ويوشك أن يقبضوا على ناصية الطبيعة، إذ بهم يرون عالم الروح تسوده فوضى شديدة، وتناقض عجيب، وكساد ماحق، وحيرة سحيقة. فتشتد الحرب بين العقل وبين تلك القوى التى تسيطر على عمل الإنسان ومصيره، والتي نسميها بالنواميس الأزلية، ولا ندرك لها غرضاً، أو نحكم لها تسييراً، وبين المادة الناطقة، وذلك الإحساس الروحي الذى يتخلل العالم، وبين العقلية القديمة والعقلية الحديثة، وبين الأدب القديم والأدب الحديث، وبين النظام العتيق والنظام الحديث.

 

وهناك آسيا، تقف أولاً أمام نفوذ الغرب وحضارته وثقافته، موقف الحيرة والتوجس والاحتقار، فترى أنها لا شكَّ فاشلة، فتلبس له سلاحه، وتنازله مدججة، متوعدة، متهددة، وتنافسه في اقتصادياته وصناعياته.

 

وهذه اليابان والصين والهند والأفغان وتركيا ومصر تتطور تطوراً عميقاً، ولا بدَّ أن تصل إلى ما تطمع إليه من رقي وعظمة. وهى جميعها ذات غرض واحد، ولكنها ذات وسائل مختلفة : فبعضها يدخل الأساليب الحديثة برفق وحذر، وبعضها بشدة وصرامة، وبعضها باعتدال وفهم.

 

والشرق شرقان : شرق متطور متجدد، وشرق جامد لا يتطور. ولا شك أن السودان لا يحسب بحال من الأحوال في الشرق الناهض. فنحن لا نزال نعبد القدماء، ونحترم التقاليد البالية، ولا تزال أساليب السلوك عندنا هي أساليب القرون المظلمة، وقيم أكثر الأشياء عندنا هي قيم تلك القرون، وطريقة كتابتنا وتفكيرنا طريقة عتيقة لا تتلاءم وتطور العالم السريع، ولا تتمشى وتنازع البقاء الذى يزداد كل يوم احتداماً، وأدبنا على قلته وتخلفه مبالغ فيه متملق، معقد، صعب.

 

فنحن في حاجة إلى الأدب الصادق الجرئ، البسيط، المعقول. ونحن في حاجة إلى نظر جديد ننظر به إلى الشرائع والآداب والفلسفة والأديان والى كافة الشئون، ونحن إلى الآن لم نكن أمة كما يقول لنا الكثيرون من الغربيين ولا تزال بلادنا مجهولة لدى العالم، ولا نزال فقراء في الروح مهازيل مسنين عجافاً جائعين ضائعين بلا مال أو كيان. ولا تاريخ لنا ولا فنون ولا آداب ولا علوم ولا صناعات ولا حرف. ولا يزال عظماؤنا هم عظماء الفتك والحروب والتدمير، فلا شاعر ولا فيلسوف ولا كاتب ولا فنان ولا مصلح يلاقيك في تاريخ هذه البلاد، وليس بيننا من يعد من رجال العلم أو من رجال العمل، وليس للسلم عندنا انتصارات كما للحرب وأرضنا سهلة واسعة جدباء ليس عليها من آثار العبقرية والنبوغ إلا النزر اليسير (*).

 

ولقد كانت بلادنا منذ ثلاثين سنة ميداناً واسعاً تدور فيه رحى الحرب الضروس، ليلاً ونهاراً، ينهب الآمن، ويشنق البرئ، ويقتل الأطفال والنساء، ويشرد الرجال في القفار، وتهدم الدور، ويبلغ الكساد والبؤس درجة ما دونها درجة، ولا تزال ذكريات تلك الأيام عالقة بالأذهان ولا تزال بقايا زرائب تجار الرقيق تدل على العدد العديد من أولئك الأبرياء، الذين كانوا يساقون إلى الشقاء والموت.

 

قد يقول لنا قائل : إنكم الآن متقدمون. وهو محق ومخطئ! محق إذا قارنا السودان بماضيه، مخطئ إذا قارناه بالأمم التى كانت تقرب من حالته في ماضيها القريب، ولكنها نهضت في فترة وجيزة، فصارت عزيزة الجانب، موقرة السمعة، محترمة الشخصية.

 

ولكن الوطن هو بيتنا القديم، وهو مهد آبائنا وأجدادنا، وهو قبرهم الذى يضم عظامهم، صحبوه في أيام الرخاء وفى أيام البؤس، وحين كان عظيماً، وحين حاقت به الضعة والهوان، وقد ورثناه عنهم. كما ورثنا عاداتهم وآمالهم وآلامهم، وقضينا فيه شطراً من الحياة، وألفنا تذكاراته، وانطبعنا بطباعه، وخفق قلبنا لخفوق قلبه، وهو الذكريات المشتركة : العظيمة منها وغير العظيمة، والمشجية المبكية، والسارة المفرحة.

 

أليس من الواجب علينا أن نحب هذا البيت العتيق؟ ونحترم ماضيه على ما فيه من عيوب؟ إن الابن البار لا يكره أباه لأنه ليس كاملاً، بل يحترمه لذلك. إن الحيوان ليحن إلى وطنه الذى نشأ فيه وترعرع وان الطير ليهفو قلبه إلى سكنه، ولا يهدأ له بال حتى يرجع إليه.

 

وهذا وطننا الذى ننعم بالعيش فوق أرضه وتحت سمائه، ونشرب ماء نيله القديم كقدمه، ونأكل نبت أرضه، ونشقى بما يشقي ضميره، ويكرب نفسه الحزينة. أليس من عرفان الجميل أن نحترم هذا الوطن المقدس؟ هذا الوطن الجاثي طوال خمس آلاف سنة، يرمق شمس سعادته ولما ينشق عنها الشرق؟ ودموعه تنحدر على خدوده الكئيبة، وآلامه تقرح كبده الحرى، يطلبنا في توسل وبكاء أن نزيل ما به من ضير، وان نقيمه على قدميه، انه عظيم في بؤسه العظيم لأنه غالب كمرور الأيام والعصور، يحتضن أمله الخالد في بنيه الفانين!

 

إن الإنجليزي ليقول "أحبك يا إنكلترا ولا زلت أحبك بالرغم من كل أخطائك" وان الألماني ليقول "ألمانيا فوق الجميع" وان الأرجنتيني ليقول "إلى الشعب الأرجنتيني الكريم تحية وسلاما" ألا يحق للسوداني ان يقول : "الى بلادي البائسة مني الفداء"؟

 

لا يزال كثير مما يجب أن يعمل لم يبدأ فيه للآن، فعلى من تقع تبعة هذا التكاسل؟ تقع على الشباب الذين يدعونهم ناهضين، وعلى الشيوخ الذين يسمونهم حكماء.

 

إني الآن لأتصور هذا السودان طفلاً جباراً يغالب النعاس ويتمطى ويحاول التيقظ. ومن قال لنا أنه ليس بأمة فليس ذلك بمانع أن يكون كذلك في وقت قريب.

 

فلا اختلاف أديانه، ولا اختلاف عاداته، ولا اختلاف شعوبه، ولا اختلاف أجوائه وظروف المعاش فيه، بحائلة دون تحقيق هذه الأمنية العذراء، وليس يمكن أن تكون الأمم في بدء تكونها غير ذلك : فالمصالح المشتركة، والتفاهم المتبادل، وأحداث التاريخ، تقرب شقة الاختلاف، وتصل الأبعدين برباط متين.

 

وليعلم أبناؤه انه قد آذنت شمس نهوضه ورقيه بالبزوغ. وإن لها لفجراً رائعاً، فإذا ما تكاتفوا، واتبعوا غرائزهم العاقلة، ووحي ضمائرهم وعملوا في سبيل إصلاحه أدبياً ومادياً، أوصلوه إلى الذروة العالية من العظمة والمجد. وليعلموا أنهم في زمن فريد، وتحت تجربة صارمة، يختلط الأوائل فيها بالأواخر، وينال كل ما تؤهله له قدرته وسعيه.

 

فمن ذا يعاهدني باستخدام فكره وقلمه؟ ومن ينزل إلى ميدان الإصلاح مضحياً براحته وملذاته ومصلحته فى سبيل السودان؟

 

فلنعمل إذاً، ويجب أن تكون خطة العاملين، وضع الأشياء في مواضعها فإن الظواهر خداعة، وكثيراً ما تزيغ البصر عن النظر إلى الأشياء نظراً صحيحاً. ويجب أن يقال للمصيب أصبت وللمخطئ أخطأت. والحق حق ولو ثوى بين الأكواخ. والباطل باطل ولو نشأ بين القصور، وان الباطل قد يعلو الحق حيناً، ولكنه لن يعلوه على توالي العصور. وليعلموا انه في الفوضى يكثر المستبدون ويخبط الخابطون فما يفلحون.

 

وان النظام يوفر علينا كثيراً من الجهد والوقت، وانه لا شئ كالعمل الصامت، فالأرض تدور حول محورها مرة كل أربع وعشرين ساعة، وحول الشمس مرة كل سنة، وليس لهذا الدوران من جلبة ولا ضوضاء ولم نسمع أن الأرض تعلن عن نفسها، أو تفتخر بإتيان شيئين في وقت واحد وليعلموا أن محا المشاعل والرايات وحرق البخور وقرع الأجراس ودق الطبول ولبس الثياب الحمراء والإيمان الغليظة، لا غرض وراءها غير الشعوذة والتدجيل. ولن تكون سبيلاً إلى عمل أصيل، أو نتيجة معقولة، أو مطلب نبيل.

 

فإلى الأمام يا أبناء "سودان الفتاة".

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أعتقد بأن هذا النقد الموجه للخطط التعليمية في عام 1929 لا يزال يحتفظ بموضوعيته، وعلينا إن أردنا بناء سودان جديد "فتاة" أن نأخذ هذا النقد مأخذ الجد ونبدأ مسيرة إعادة كتابة تاريخ ثقافات أمتنا السودانية وفق منظور عبر عنه كاتب المقال ينطلق من "وضع الأشياء في مواضعها"