نعم: هي ثنائية وللثنائية أسباب

اتفاقيات السلام


 

سبتمبر/ 2004

 

 

الفصل الأول

 

نعم: هي ثنائية وللثنائية أسباب

 

 

 

 

 

 

اتفاقيات السلام التى يحتدم الجدل حولها هي البرتوكولات الستة التى أُشهرت للعالم في الخامس من يونيو 2004 عبر إعلان نيروبي الذى ذيله بإمضائه عن جانب الحكومة النائب الأول الأستاذ علي عثمان محمد طه، وعن جانب الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق دي مابيور. تلك البروتوكولات استقرت على قاعدة أرسيت في ماشاكوس في العشرين من يوليو 2002، ألا وهى بروتوكول ماشاكوس الإطاري الذى وقع عليه من جانب الحكومة الدكتور غازي صلاح الدين مستشار الرئاسة للسلام، ومن جانب الحركة القائد سلفا كير مايارديت نائب رئيس الحركة الشعبية، بعد خمسة أسابيع من التفاوض. وسُمي إطارياً لأنه لا يتضمن سوى الأسس التى سينبني عليها الاتفاق، والمعايير الضابطة لمضمونه ومعناه، وقبل ذلك، تحديد عناصر الصراع الراهن وجذوره التاريخية. وكان من الضروري رسم ذلك الإطار حتى لا يكون الحوارُ بين الطرفين حوارَ طرشان.

 

بين التوقيع على الاتفاق الإطاري، وإشهار بروتوكولات السلام انقضى ما يقارب عامين، تمت خلالهما اجتماعات شارك فيها مفاوضون وخبراء من الجانبين وكان أغلبها في منتجعات كينية مثل ناكورو، ونانيوكي، وكارِن، كما تم بعضها في بعض المدن الأوروبية مثل لاهاي ولندن، أو الولايات المتحدة. على أن الحوار اكتسب قوة دفع هامة عندما تولى قيادة وفدي التفاوض النائب الأول لرئيس الجمهورية، من جانب الحكومة، ورئيس الحركة الشعبية، من جانب الحركة. ومنذ ابتداء المفاوضات على هذا المستوى الرفيع في مطلع سبتمبر 2003 بمدينة نايفاشا، حتى التوقيع على البروتوكولات الستة في السادس والعشرين من مايو 2004، تمطى الحوار على مدى تسعة أشهر. ذلك زمان طويل إن أخذنا في الحسبان أن اتفاق أديس أبابا لم يستغرق الوصول إليه إلا قرابة الأسبوعين (16 إلى 28 فبراير 1972)، وربما سبقته بضع أشهر من العمل التمهيدي. كما أن عملية صنع السلام التى أعقبت مؤتمر المائدة المستديرة (مارس 1965) وانتهت بتقديم قرارات لجنة الإثنى عشر في مارس 1966استغرقت عاماً واحداً. وكانت الفترة التى تفرغ المتفاوضون فيها للتداول في قضية الحرب والسلام داخل تلك اللجنة هي الفترة بين بداية يونيو 1965 و 25 مارس 1966، التاريخ الذى قدمت فيه اللجنة توصياتها.

 

العبرة في الجانب العملياتي من صنع السلام ليست في الشهور والسنوات التى تستنهك في التفاوض وإنما في الاهتمام السياسي والفكري الذى يُولى للقضية، والإمكانيات التى توفر لتعميق الإلمام بجذور المشكل. ومن محاسن تجربة الإيقاد أنها هيأت الفرصة للطرفين لتقصي تلك الجذور، وأهم من ذلك، أتاحت لطرفي النزاع، عبر الحوار، الوعي بالنتائج التى قد تترتب على الخيارات التى يدعوان لها. ففي خلال عامي التفاوض (منتصف يونيو 2002 وأول يونيو 2004) تمت، برعاية الإيقاد، حوارات على مستوى السياسيين والفنيين المفاوضين، ومشاورات ثنائية وجماعية مع الوسطاء والمراقبين، وورش عمل شارك فيها ممثلون للطرفين من أجل العصف الفكري (Brain Storming) حول قضايا دستورية واقتصادية، وندوات لسماع آراء الخبراء في قضايا اختلفت فيها الآراء مثل النفط والنظام المصرفي. هذه المناشط، والتي ربما كان يحسبها بعض المشاركين في التفاوض إضاعة للوقت، أضافت عمقاً للمفاوضات افتقدته كل المفاوضات السابقة. كما أن الحرص الفائق من جانب مفاوضي الحركة على أن لا يتركوا أمراً للصُدف قاد إلى امتداد فترة التفاوض. وعلى من لا يدرك سبب ذلك الحرص الإطلاع على عنوان كتاب أبيل ألير عن جنوب السودان، إن لم يملك الوقت لقراءته. تَطاولُ فَترةِ التفاوض، والسرية التى اكتنفت أعمالها، أديا إلى احتشاد أجهزة الإعلام بأخبار اختلطت فيها الحقائق بالظنون، وما آفة الأخبار إلا رواتها. فرغم الجدية التى أقبل بها أغلب الإعلاميين على تناول مفاوضات السلام، إلا أن هواة الإثارة من بينهم كثيراً ما اعتمدوا في أخبارهم على التخرص لا الاستيقان مما كان له مردود سلبي على عملية التفاوض، وتشويش على عامة الناس. وكأن رواة الأخبار هؤلاء رموا وراء ظهورهم القاعدة الذهبية للخبر الصحفي التى تقول "لا خبر دون الإجابة على أسئلة خمس: ماذا، متى، من، أين، كيف".

 

اتفاقيات السلام التى نشير إليها كتاب قرأ الناس مقدمته، وطُرح عليهم متنه، ولكن لما تدون خاتمته بعد،والأعمال بخواتيمها. ولن تَحسُن الخواتيم إلا إن أخذ كل طرف من الطرفين الموقعين التزامه نحو الاتفاق مأخذ جد، وحمل من معه من الأنصار على ذلك. هذا أمر لا توجبه على الطرفين الأخلاق فحسب، بل يفرضه عليهما الاتفاق نفسه حيث تنص الفقرة 2.12.2 من بروتوكول اقتسام السلطة على ما يلي: "عند التوقيع، يصبح الطرفان مُلَزمين بالاتفاق وعليهما القيام بكل الالتزامات التى تنشأ عنه، وبوجه خاص الالتزام بتطبيق الاتفاق وإعطاء الصيغة القانونية والدستورية للترتيبات الواردة فيه". وتضيف الفقرة 3.12.2 "عند التوقيع يتعهد الطرفان بالتأكد من (أوضمان) التزام كل الأجهزة، واللجان، والمؤسسات الواقعة تحت سلطتيهما، بما في ذلك إلزام الأعضاء المنتمين لهذه المؤسسات، بنصوص الاتفاق".

 

الاتفاق أيضاً لن يحقق غاياته إن لم يُحط بسياج من التأييد الشعبي الكامل، ولا أحسب أن طرفي الاتفاق في حاجة لمن يبادههما بهذه الحقيقة بعد أن أكداها في ديباجة بروتوكول اقتسام السلطة. فالديباجة تُعلن، من بين ما أعلنت، مبدأين أساسين: الأول هو "العزم على الدخول في عهد مسئول وعادل وشـفاف يقـوده الشعب (People- Led) ويعتمد الاستقامة "(Integrity - Based). والثاني هو "أن التطبيق الناجح للاتفاقية يعتمد لدرجة عالية على وقوف غالبية الشعب السوداني وراءها". السؤال، إذن، هو كيف يعبأ الشعب وراء الاتفاق؟

 

الرد على هذا السؤال يتطلب حواراً ذكياً وأميناً. ولا يكون الحوار ذكياً إن لم يرتكز على الحقائق الموضوعية، ولا يكون أميناً إن صحبه تزيد أو لحق به استكبار.لقد وجد كثيرون في فاتحة الكتاب ومتنه، والخاتمة لما تدون بعد، ما يصلح لتراجُعِ الآراء بشأنه. وهكذا ولجت باب الحوار كوكبة من المعلقين النابهين والمواطنين المهمومين بشأن بلادهم، ومع هؤلاء يكون حوار. طائفة أخرى من المعلقين تنكبت الطريق حين ابتنت الأحكام على ظنونَ، والظن لا يُغني عن الحق شيئاً، بل يستدعى الاستيثاق، وسنأخذ هؤلاء بالوثيقة في الأمر. ما عدا ذلك تشغيب لا يُسمى أصلاً حواراً أو يصلح مدخلاً لحوار. أسماه ـ بحق ـ الدكتور الشفيع خضر "الكلام الدائري"، وله فيه قول. كتب الشفيع للمصور :"من غير الممكن تبرير حالة الحيرة والاضطراب التى أصابت قطاعات واسعة من نُخب السياسة والثقافة بعد توقيع الاتفاقية فركنت إلى الأحاديث الدائرية (النِقْة) وراحت تطرح سؤالاً تلو الآخر يبحث عن إجابات تائهة في حين أن هذه النُخب هي التى من المفترض التوجه إليها بحثاً عن مثل هذه الإجابة حول حاضر ومستقبل الاتفاقية" (المصور 25/6/2004).

 

في مقالاتنا العشر نسعى لتحفيز عقول الذين يفترض التوجه إليهم بالحوار حول حاضر  اتفاقيات السلام ومستقبلها، وسنترك "النِقْة" لضفادع لا تحفل بسواها. و"النَقَاق" ـ اسم مبالغة من نَق ـ تطلقه العرب على الضِفدع. في هذه المقالات وصف أو تفسير أو شرح لوقائع وأحداث ورؤى وقرارات أملك بحكم قربي من صنعها أن أروي شيئاً عنها. كما فيها آراء حول الماضي والحاضر والمستقبل لا أُحَمِّل غيري مسئوليتها. وفي الحالتين لا بدَّ من التنبيه إلى أن الاتفاقيات ليست هي برنامج الحركة الشعبية، بل هي في مجملها ميثاق تعاهدت عليه الحركة مع الحكومة، والتزمت معها على تطبيقه، وعلى استحثاث القوى السياسية الأخرى للانضمام إليه لما فيه من مقومات لوفاق أشمل.

 

المقالات العشر تتناول قضايا ليس من بينها واحدة ينبغي أن تُفاجئ، ناهيك عن أن تُفِجع، من يطلع عليها. لهذا أثار دهشتي في بعض التحليلات للاتفاقيات تصويرها وكأنها داهية حلت بالبلاد وفجعت أولئك المحللين شديداً. القضايا هي الجنوب، ووحدة السودان وحق تقرير المصير، والمناطق المُهمشة، والديمقراطية، والدستور، والدين والدولة، والتنمية والاقتصاد، والهُوية السودانية، والدور الخارجي أو ما يحلو للبعض تسميته التدويل، وما يتفرع من هذه القضايا من أمور. قَدَرتُ أن إجلاء ما ورد في الاتفاقيات من نصوص لا يكفي بمفرده للكشف عن الدوافع العميقة التى قادت لاعتماد تلك النصوص، بل لا بدَّ من استرجاع الحلول التى ابتُدعت في الماضي لمعالجة نفس القضايا. قَدَرتُ أيضاً أن تَشَوف مآلات هذه الاتفاقيات لن يكتمل دون استذكار التجارب الماضية في التعامل مع قضية الحرب والسلام. العودة للماضي أمر لا مندوحة عنه إذ لن تستقيم قراءة الحاضر، أو استشراف المستقبل، دون تبصر في الماضي. بهذا المنهج تكتمل الإجابة على التساؤلات الموضوعية التى بدرت، ويكون التفاعل الفكري مع المسائل التى طرحت بين يدي القراء. وفي هذا التفاعل نستلهم من الجديد من الآراء ما يعيننا على تطوير رؤانا، ونحمد ما ارتحنا إليه من رأي صائب يثري الحوار، ونبين وجه الخطأ فيما نظن أنه جانب الحق بلا عدوان. وعبر تدافع الرأي والرأي الآخر تنجلي الحقيقة، فليس هناك ما يوهن مصداقية المعرفة أكثر من خلط أحكام القيمة بالوقائع، أو تلوين الوقائع بالأصباغ إما لتتفق مع حكم مسبق، أو لإبراء الذمة.

 

ولكن، قبل تداول القضايا النوعية التى عالجتها الاتفاقيات رأيت من الخير التصدي لموضوعين شغلا الناس، ولربما كانا من أكثر الموضوعات التى ألحف "النقاقون" في الحديث عنها، وليس للملحف إلا الرد. الموضوعات هما: ثنائية الاتفاق وشمولية الحل. وبصرف النظر عن "النِقة"، فإن التساؤل حول الموضوعين مشروع ولهذا نتناولهما بما يستلزم الأمر من جدية في الاقتراب مع التمييز بين نوعين من التساؤل فيما يتعلق بالموضوع الأول، أي، "ثنائية الاتفاق". فهناك التساؤل الاستفهامي الجدير بالرد لأنه يصدر عن عدم إلمام بما يدور في أروقة السياسة منذ أغسطس 1989. يستوجب السؤال الرد أيضاً حتى وإن كان استنكارياً طالما صدرمن صاحب عقل صحيح اختلطت عليه الأمور. فطبيعي أن يتبادر لصحيح الذهن أن استفراد طرفين سياسيين بالبت في أمر البلد كله منكر سياسي قبيح، والمنكر هو ما تحكم العقول الصحيحة بقبحه. فما الذى دفع الطرفين، وبخاصة الحركة الشعبية، على ذلك القبيح المنكر؟ سؤال نجيب عليه في هذا المقال. أما شمولية الحل فسنتناولها في المقال التالي انطلاقاً من يقيننا أن أي اتفاق لا يحيطه شمول لن يدوم، واستتباعاً لتأكيد طرفي الاتفاق على رغبتهما في أن يكون الحل شاملاً. وهنا نسأل ونجيب: ما الذى يعنيه الشمول؟ هل هو شمول تمثيلي؟ أم شمول موضوعي؟ أم الاثنان معاً؟ ثم ما هو المنفذ في الاتفاقيات الذى ننفج منه إلى تحقيق هذا أو ذاك؟ في كل هذه القضايا لن نكشف عن أسرار لأن أغلب ما سنلقي عليه الضوء، حتى وان كان فيه ما لا يسعد البعض، مبسوط للقراء أو الباحثين، يجدونه على صفحات الصحف، وبين دفات الكتب، وفي مقررات التجمع، وخلال رسائل الحركة أو بيانات النظام. كما ليس فيما نسجل في هذه المقالات ما يوجب الاستبداع، فاراؤنا حول دور التجمع والحركة في قضية السلام أوردناه في كتابٍ الحربُ والسلامُ موضوعه، ونُشر حولاً كاملاً قبل اتفاقيات نايفاشا.

 

نجئ على الموضوع فنقول أن "الثنائية" نتاج لعملية تعود إلى التاسع عشر من أغسطس 1989 حين تم أول لقاء بين الحركة ونظام "الإنقاذ"، والنظام وليد لما يتجاوز الشهر من العمر. تم ذلك اللقاء تحت رعاية الرئيس منقستو، ثم امتد إلى نيروبي في ديسمبر من العام نفسه تحت رعاية الحكومة الكينية وإدارة الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر. وكان الهدف من اللقاءين "حل مشكلة الجنوب" ببعدها التاريخي المعروف، واقتسام السلطة بين الطرفين. المفاوضات التى تمت في اللقاءين تحطمت عند صخرة استعصى صدعها يوم ذاك، وما زال عصياً على الصدع حتى اليوم، ذلك هو إصرار الحركة على توجهها القومي الذى يحتم عليها، فيما ظلت تقول، العناية بأمر السودان كله، وليس الجنوب وحده. لهذا طرح مفاوضو الحركة، كبديل لحل مشكلة الجنوب، علاج موضوع نظام الحكم في السودان كله، وكبديل لاقتسام السلطة تخلي الإنقاذ عن الحكم لمصلحة نظام ديموقراطي يقوم على أسس جديدة يرتضيها الجميع. في ذات الوقت أعلنت الحركة ـ كما فعلت مع أنظمة الحكم في الماضي ـ عن استعدادها للتفاوض مع النظام الجديد انطلاقاً من مبدأثابت هو الحوار مع الحكومة الراهنة (Government Of The Day) أياً كانت.

 

لِما أوردنا من سبب لم تُفضِ محادثات أديس أبابا ونيروبي إلى شئ، فتبعتها محاولات أُخر نَمُر علها سريعاً، وكانت إما مباشرة أو عبر الوسطاء (الرئيس الكيني دانيال آراب موي، ورجل الأعمال تايني رولاند في 1989، ومساعد وزير الخارجية الأمريكي هيرمان كوهين في مارس 1990، والرئيس النيجيري اوليسونق اوباسانجو (ولم يك رئيساً يومها) في العام نفسه، والرئيس اليوغندي يوري موسيفيني في 23 فبراير 1993). في كل هذه اللقاءات لم يتبدل موقفا الطرفين حول القضايا الجوهرية، وبخاصة حول دعوة الحركة لشمولية الحل. مع ذلك، أسفرت وساطة موسيفيني عن حدث هام هو ترتيب أول لقاء مباشر بين رئيس الحركة الشعبية وممثل شخصي عن الفريق البشير هو الدكتور علي الحاج. في ذلك الاجتماع قدم رئيس الحركة الشعبية أطروحته التقليدية حول الحل الشامل وضرورة إشراك جميع القوى السياسية في أي حل مرتقب. على ذلك الطرحرد الدكتور علي الحاج بالقول: "نحن لن نتفاوض إلا مع من يحمل السلاح". ومنذ تلك اللحظة أصبح الحوار،سواء كان من أجل حل "مشكلة الجنوب" كما كان يريد الطرف الحكومي، أو من أجل حل "مشكلة السودان" كما كانت تقول الحركة، حواراً بين بندقيتين.

 

وفي 1992 بدأت أول مفاوضات ثنائية مباشرة بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية في ابوجا، نيجيريا تحت رعاية الرئيس النيجيري إبراهيم بابنقيدا وبحضور مبعوث شخصي منه كان يتصدر طاولة المفاوضات. تلك المفاوضات انتهت بعد دورتين (الأولى في صيف 1992 والثانية في ربيع 1993) باتفاق الطرفين على ألا يتفقا. وبعد مبادرات عديدة لفتح قنوات أخرى للحوار اقترح الفريق البشير في سبتمبر 1993 على زملائه في قمة الإيقاد التى كانت مخصصة للنظر في مستقبل المنظمة، القيام بمبادرة لإحلال السلام في السودان. فمبادرة الإيقاد، على غير ما يظن الكثيرون، تمت باقتراح من حكومة السودان، بل وبطلب من الرئيس نفسه. لذلك الاقتراح استجابت الحركة واستقر الرؤساء على تكوين لجنة تضم أربعة منهم (موي، وأفورقي، وزيناوي، وموسيفيني) تبنوا فيما بعد مشروعاً يتضمن الأسس الهادية للحوار بين الطرفين عُرف بإعلان مبادئ الإيقاد، ويعود الفضل في صياغة الإعلان إلى الرئيسين زيناوي وأفورقي. وعلى أساس ذلك الإعلان بدأت مفاوضات الإيقاد في مارس 1994.

 

لربما كان للجبهة القومية الإسلامية تصور للتحالف مع الحركة الشعبية يتجاوز الاعتبارات التكتيكية الظرفية ذات الطابع الانتهازي، ربما زُين لها أن الحركة الشعبية تسعى لتغيير جذري للكيان السياسي، وأن الجبهة تعمل من أجل تحول جوهري في البلاد، وأن هذا التوافق في الرغائب قد يشكل نقطة التقاء. ليس هذا وهماً توهمته، وإنما هو استنتاج تسنده قرائن. ففي ندوة عقدت في مركز كارتر باتلانتا، أعلن، د. عبد الوهاب الأفندي أحد مفكري الجبهة ـ بل أحد ناشطيها يوم ذاك ـ أن الجبهة بحكم سعيها لإعادة صياغة المجتمع السوداني هي أقرب للحركة الشعبية التى تدعو، هي الأخرى، لخلق سودان جديد، منها لـ "القوى التقليدية". وكنت قد شاركت في ذلك الاجتماع على رأس وفد للحركة مع ممثلين لفصائل التجمع أذكر منهم مبارك المهدي (حزب الأمة)، والتجاني الطيب (الحزب الشيوعي)، والفريق الراحل فتحي أحمد علي (القيادة الشرعية).

 

ما هو موقف القوى السياسية السودانية الأخرى من كل ما كان يدور في ساحة الحل السلمي من جهد ثنائي؟ وما هو موقف القوى الاجتماعية؟ ثم ماذا كان رد فعلها على قول النظام: "لن نفاوض إلا من يحمل السلاح". في طوال الفترة التى سبقت مؤتمر أسمرا 1995 كان التجمع جسماً غير متبلور (Amorphous) وكانت رؤى فصائله شتى حتى في أمهات القضايا. مع ذلك، ورغم تفاوض الحركة مع النظام الجديد بمعزل عن القوى السياسية الأخرى من أجل الوصول إلى اتفاق يُتوج بتحالف في الحكم، تواصلت علاقاتها مع القوى السياسية الشمالية التى بدأتها منذ ربيع 1986 في كوكادام بهدف التشاور من أجل الوصول لحل نهائي شامل للمشكل السوداني. ويجدر بالذكر أن مفاوضات كوكادام نفسها استغرقت وقتاً طويلاً للاتفاق على إن كان المشكل الذى يتجه إليه الحل هو مشكل الجنوب، أو ذاك الذى تسميه الحركة "مشكلة السودان".

 

مهما كان الأمر، لم تتبلور إستراتيجية التجمع الوطني الديموقراطي بالنسبة للأهداف الكبرى التى تناضل الحركة من أجل تحقيقها، كما لم تتبلور رؤية الحركة بالنسبة لآليات النضال المشترك (بينها وبين التجمع) لمجابهة الأوضاع الجديدة، إلا في يونيو 1995، أي بعد سبع سنوات من قيام نظام "الإنقاذ". ففي ذلك التاريخ عقد التجمع ما أسمى مؤتمر القضايا المصيرية واتخذ فيه قرارات هامة. وكان لتلك القرارات شقان: الشق الأول نظري تناول الأسس التى سيقوم عليها سودان ما بعد الإنقاذ، وسيظل نظرياً ما دام "الإنقاديون يسيطرون على الحكم، والثاني عملي يتعلق بوسائل تحقيق الشق الأول، أي إسقاط النظام؛ أو كما كان يقول رئيس الحركة لرفاقه في التجمع: "تحقيق الشق الأول رهين باسترداد الفضاء السياسي الذى يسيطر عليه آخرون". على ضوء ذلك، توافقت الحركة مع بقية فصائل التجمع على مشروع متكامل لا سر فيه، ولا في الهدف الذى يبتغيه: استخدام حزمة من وسائل النضال هي العمل الجماهيري، والنضال المسلح، والعمل الدبلوماسي بهدف "اقتلاع النظام من جذوره". وكان ذلك هو الرد الطبيعي على من قال "لن نفاوض إلا من يحمل السلاح".

 

في ذات الوقت أقر التجمع استمرار الحركة في المفاوضات الثنائية تحت مظلة الإيقاد، خاصة وقد رأى أن إعلان مبادئ الإيقاد يعالج مجمل عناصر المشكل السوداني رغم أن الهدف الذى كان يترجاه الرئيس البشير من المبادرة عندما طلب من دول الإيقاد التوسط كان هو "حل مشكلة الجنوب". ويُخيل لي أن بعض فصائل التجمع، رغم موافقتها على استمرار الحركة في التفاوض، لم تكن تتوقع أن تُفضي المفاوضات إلى اتفاق طالما ظلت الحركة تتمسك بالطرح العلماني، وظل النظام يتمسك بالدولة الدينية. وعلى أي، مضت الحركة في التفاوض دون أن تتوقف لحظة عن استخدام وسائل النضال التى خبرتها ودربت عليها، كما لم يكف النظام هو الآخر، عن المُضي في الحرب في ذات الوقت الذى كان يبحث فيه عن السلام.

 

بدهي أن الحركة كانت تتوقع أن تثمر جهود التجمع في استخدام أدوات النضال المتكامل التى استقر عليها رأيه مما يؤدي إلى إنهاك نظام الإنقاذ إن لم يكن اقتلاعه من الجذور، وهذا ما لم يكن، فلماذا؟ ثمة سببان أحدهما أدائي يعترف به التجمع نفسه وهو عجز فصائله ـ لأسباب عديدة ـ عن التفاعل الديناميكي الذى يحقق تحولاً نوعياً يصبح معه ذلك الكيان الجامع لأغلب القوى السياسية السودانية شيئاً أكبر من مجموع العناصر المكونة له. لهذا القصور كانت هناكانعكاسات على الأداء، خاصة في الميادين التى يُكِسب الانتصارُ فيها التجمع قوة، ويزيده منعة إن لم يكن كمقاتل شرس، فعلى الأقل كمفاوض يأبه له الطرف الذى يفاوضه. هذا الحكم لا ينتقص بحال مما أنجز التجمع في معاركه السياسية مثل إفلاحه في توحيد القوى السياسية بما فيها الأحزاب الكبرى والحركة الشعبية والتنظيمات ذات الجذور الجهوية عبر كل الفوارق الأيديولوجية، وحفاظ هذه الكيانات على سلامة قواعدها وحمايتها ضد محاولات الاختراق الدائمة، والحملات الدبلوماسية لمحاصرة النظام (وإن كان حليف التجمع الأكبر في تلك الحملات هو النظام نفسه والذي تمتع في سنواته الأولى بمهارة فائقة في إطلاق الرصاص على قدميه)، والعمل الشعبي المعارض خاصة في أوساط الشباب والنساء دون انتقاص من المبادرات الهامة للجماعات الطوعية من المحامين والطلاب في تلك الأوساط. الذى يعنينا هنا ،إذن، هو القصور الذاتي الذى حال دون أن يصبح التجمع، رغم كل إنجازاته، قوة يأبه لها من تختصمه، والفشل دوماً يبدأ حيث ينتهي النجاح.

 

السبب الثاني في القصور عضوي، فلأسباب تاريخية ظلت القوى الشمالية تؤمن إيمانا قاطعاً أن الطريق للإطاحة بالأنظمة التى تستولي على الحكم بالعنف هو الانتفاضة، وأن للانتفاضة هذه طريق واحد لا ثاني له هو العصيان المدني والإضراب العام، ثم انحياز الجيش إلى الشعب، إما كقوة مساعدة داخل الجيش (أكتوبر 1964) أو بمشاركة مباشرة (أبريل 1985). ولكن منذ البداية كانت للحركة قراءة أخرى لما وقع في السودان في الثلاثين من يونيو 1989. ليس في هذه القراءة، هي الأخرى، سر يذاع، كما أن ليس ما سنرويه هو فصل من كتاب يدوي عن كيف تدبر الثورات. هذه القراءة أبانها زعيم الحركة في بعض رسائله، وخاطب بها الجموع في منابر عديدة منها، على سبيل المثال، اللقاء مع السودانيين في القاهرة في ديسمبر 1997. تلك القراءة تقول: "لا غنى للعمل العسكري عن العمل الجماهيري في المعارضة، فكلاهما يكمل بعضه البعض، إلا أن الظن بإمكانية قيام انتفاضة ضد حكومة البشير على النهج المعروف ظن ليس في محله". في تسبيبه لذلك الرأي قال قائد الحركة.. أولاً الفريق البشير لم يقم بانقلاب عسكري وإنما قاد انقلاباً لمصلحة تيار سياسي له رؤاه وتنظيماته ومراكز ارتكازه الداخلية والخارجية. ثانياً أن البشير، كعسكري قاد انقلاباً ناجحاً وشارك في تدبير انقلابات لم تنجح، يعرف أين مكمن الخطر عليه في الجيش. ثالثاً أن التيار الذى يمثله جزء من الحركة السياسية السودانية الشمالية وكان له دور في الانتفاضات السابقة. لكل هذه الأسباب، انتهى قائد الحركة إلى أن النظام سيتجه أول ما يتجه إلى إفراغ الجيش والدولة ومنظمات المجتمع المدني من كل عناصر الخطر عليه فيها، أو على الأقل شل فاعليتها. أضاف أن الانتفاضات حسب التجارب السابقة كانت تتسم بالعفوية، ولهذا فبدون أن تكون الانتفاضة انتفاضة منظمة محمية فلن تقدر على الصمود أمام قوة جماهيرية أكثر تنظيماً مهما كان حجم تلك القوة. وذكر على سبيل المثال أنه لو افترضنا أن الجبهة لا تمثل إلا خمسة بالمائة من أهل السودان فأن وجود 50 شخصاً قادراً ومنظماً ومسلحاً وسط مظاهرة عفوية تضم ألفاً لكفيل بإثارة الفزع بين هؤلاء الألف. لم يلقَ ذلك الرأي اهتماماً، إما للثقة بأن الانتفاضة آتية لا ريب فيها، أو للظن أن الرأي المطروح جاء من رجل عديم خبرة بدروب السياسية في الشمال، أو للقصور الأدائي عن التسخير الأمثل للطاقات التى كانت تهتف في أبريل "مليون شهيد لعهد جديد"، أو لمجمل هذه الأسباب.

 

لقد كان التجمع محظوظاً في أن ارتكازه ـ منذ الوهلة الأولى ـ كان على الحزبين الكبيرين، أياً كان اختلاف الرأي معهما أو حولهما، فلا جدال أنهما أعطياه قيمة إضافية سياسياً ومعنوياً، ليس في الداخل فحسب حيث يواجه التجمع نظاماً يتوسل للسياسة بالدين، وإنما أيضاً في دول الجوار القريب. لهذا السبب قضت ظروف موضوعية بتولي الميرغني رئاسة التجمع، إلا أن الظن بأن تلك القيادة التى تكيف إحساسها وتشكل وجدانها بـ "صلاة في سلام في سلام" يمكن أن تتحول إلى قيادة عسكرية ميدانية، أو راعية لعمل عسكري ظن لا يثبت عند الفحص عنه. فلا عجب إن لم تصبح كسلا "مزار شريف" أو تصير جبال التاكا "بورا بورا" السودان.أياً كان السبب، أدائياً أو رؤيوياً فالنتيجة واحدة: لم يولد نشاط التجمع الكتلة الحرجة التى تمكنه من الانطلاق لإجبار النظام على قبوله مفاوضاً من موقع الندية، دعك عن القدرة على "الاقتلاع من الجذور". ومن المُدهش حقاً أن ميثاق الدفاع عن الديموقراطية الذى أُعد في 17/11/1985 ما صدر إلا تحسباً لاحتمال انقلاب تقوم به الجبهة. فالميثاق الذى مهره ممثلو 18 حزباً واتحاداً بالإضافة إلى المجلس العسكري يتحدث في ديباجته عن الدفاع عن الديموقراطية "في مواجهة بقايا مايو ممثلة في الجبهة القومية الإسلامية". لأجل ذلك دعا الميثاق للآتي: "نرفض رفضاً مطلقاً أي توجه لإقامة دكتاتورية عسكرية" (الفقرة 2)، "نتعهد باتخاذ التدابير اللازمة والعاجلة لمقاومة أي اعتداء على الديموقراطية" (الفقرة 4)، "إعلان الإضراب السياسي العام والعصيان المدني فور الاعتداء على النظام الديموقراطي" (الفقرة 5)، "نتعهد بأن يتحول التجمع الوطني إلى جبهة مقاومة شعبية فور أي اعتداء على الديموقراطية" (فقرة 9). هذا ما قرره التجمع قبل انضمام الحركة لصفوفه، والتي يفترض أن تكون قد أضافت إلى منعته.

 

يعسر علينا، إزاء هذه الحقائق، إدراك ما عناه الدكتور الشفيع خضر في مقاله الذى أشرنا إليه في مطلع المقال، والذي استهله برأي صائب هو أن "التفاوض، ثم الاتفاق، جاءا نتاج حالة توازن الضعف والإرهاق التى تمكنت من الصراع السياسي في البلاد. والضعف الملحوظ في نشاط الحركة السياسية والجماهيرية داخل السودان رغم استمراريته وتصاعده". الذى يعسر إدراكه هو ما أضاف: "التفاوض بدأ ثنائياً وسينتهي ثنائياً رغم أنف كل الأصوات التى ظلت تنادي بتعديل هذا الوضع الشائه. وهذه هي إرادة القوى الدولية التى تولت قيادة قطار التفاوض حتى محطته الأخيرة، وهذه الإرادة صادفت هوى عند أهل الحكومة، كما لم تجابه بموقف قاطع من الحركة الشعبية التى لا أعتقد أنه كان يمكنها فعل أكثر من مجرد المطالبة بإشراك الآخرين". صحيح أن الحركة لم يكن في مقدورها أكثر من المطالبة بإشراك التجمع، وقد فعلته. وصحيح الافتراض أن النظام سُيقرُ عيناً أن اقتصرت مفاوضات الإيقاد على طرفين، فهذا هو ما نادى به وحرص عليه منذ 1989. كما هو صحيح أيضاً أن التفاوض بدأ ثنائياً، ومن الممكن أن ينتهي ثنائياً، وليت د. الشفيع استبدل حرفاً بحرف، استبدل سين التنفيس في "سينتهي" لأنها تخلص بالفعل لاستقبال حدث لا شك في وقوعه، بحرف يفيد الاحتمال هو "قد". لا أقول هذا تقعراً وإنما لأن وقوع النهاية المحتملة مرتبط بأمر آخر في يدنا نحن، لا في يد غيرنا. هذا الأمر بالقطع ليس هو المناداة بتعديل "الوضع الشائه"، وإنما تحويل موازين القوى بالقدر الذى يفرض به التجمع نفسه على طاولة المفاوضات. وفي السياسة تثقل الموازين وتخف بالإرادة. الأستاذ كمال الجزولي كان أقرب للحقيقة عندما كتب يقول: "التجمع ليس لديه ذات المنعة المادية التى للحكومة والحركة أو حتى ما يقاربها. ولكن لديه السند الشعبي الذى يشكل عنصراً يمكن أن يكافئ تلك المنعة ويستطيع في هذه الحالة إرغام اللاعبين الرئيسين على مراجعة حساباتهما" (الصحافة 29/6/2004). ودقَّ كمال المسمار على الرأس عندما قال "دور التجمع ليس هو ترداد المطالبة: "أشركونا" وإنما تأكيد وجوده "نحن هنا".

 

النقطة الثانية هي الإيماء لإرادة "القوى الدولية التى تولت قيادة قطار التفاوض حتى محطته الأخيرة" ثم فرضت الاتفاق على الطرفين. لا سبيل للمماراة في أن العنصر الخارجي قام بدور هام في تحقيق السلام، وسيقوم بدور أهم في ضمان تنفيذه، خاصة فيما يتعلق بدعم الموارد اللازمة للانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة البناء. ويخطئ من يظن أن اتفاقيات السلام ستبلغ غاياتها، حتى وان حظيت بموافقة ودعم كل القوى السياسية، إن لم تتوفر لها الأسباب لحل مشاكل النازحين واللاجئين، وتشييد البُنى التحتية المادية والاجتماعية التى دمرتها الحرب، وإعادة تأهيل الجيشين وتوفير فرص العمل المنتج للمسرحين منهم، وقبل هذا وذاك إلغاء الديون التى تثقل كاهل السودان. فالمخاطر الحقيقية من الانتكاس قد لا تكون سياسية كما قال، بحق، الدكتور حسن مكي (الرأي العام 6/6/2004). طرفا التفاوض أدركا هذه الحقيقة ولهذا لم يكتفيا بتوجيه نداء للمجتمع الدولي ينشدان فيه العون، وإنما تعهدا بإنشاء صندوق للتعمير تودع فيه المعونات متعددة الأطراف (Multi-donor Trust Fund)، حسب نص الفقرة 5.15 من بروتوكول اقتسام الثروة.

 

كنت سأكتفي بالقول أن الدور الذى لعبته ـ وقد تلعبه القوى الدولية بشأن السلام السوداني ـ لا يختلف كثيراً عن الدور الذى تلعبه نفس الدول لحل المشكل الفلسطيني، ولمعالجة تداعيات الحرب الإثيوبية ـ الاريترية، ولفض النزاعات في دول البلقان، ولمراقبة الموقف في منطقة البحيرات الكبرى، ولترتيب الأوضاع في قبرص وكشمير. ولن يلقمنا حجراً من يقول أن أمريكا أو الاتحاد الأوروبي، أو أن المنظمات الطوعية الغربية تفعل هذا من أجل مصالحها، فهذا صحيح مائة بالمائة. فكما لدولة جُزر القَمر مصالح لأمريكا مصالح، وكما لقبرص اليونانية أهداف استراتيجية فللاتحاد الأوروبي أهدافه، وكما لمنظمة الإغاثة الإسلامية غايات تبتغيها من وراء ما تقدم من خدمات فلمنظمة كاريتاس الكاثوليكية واتحاد الكنائس اللوثرية غايات.

 

نعم كنت سأكتفي بهذا القدر لولا أن إشارة الدكتور الشفيع استدعت إلى الذاكرة مقالات أخرى وتعليقات وبيانات وتحليلات لآخرين حول نتائج المفاوضات. جاءت التعليقات في مقالات لأشتات، فيهم المثقف صاحب القلم، وفيهم الأكاديمي المحلل، وفيهم السياسي المعارض، وفيهم الإسلامي الذى ثبت عنده يقين أن الغرب كله نذر نفسه في هذه الحياة الدنيا لمهمة واحدة هى تقويض المشروع الحضاري وما ماشاكوس نايفاشا إلا معاول. بين كل سطر وآخر من تلك المقالات تطل عليك كلمات مثل "الحلول المفروضة"،"الحل الأمريكي" "غياب الإرادة الوطنية"، وجميعها إشارات توحي أن الاتفاق لم يتم إلا رضوخاً لإرادة خارجية. يدعو للاستعجاب في أغلب هذه الأحكام طابعها الاستكباري، ومن مظاهر الاستكبار الامتناع عن قبول الحقيقة معاندة. فالقوى الدولية المشار إليها، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، تقوم بدور مباشر في السياسة الداخلية السودانية بسبب الحرب في الشمال والجنوب معاً. ففي الجنوب وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان تتولى أمر الغذاء والدواء والخدمات الإنسانية الضرورية منظمات طوعية خارجية، لا التجمع الوطني الديموقراطي ولا الحركة الشعبية ولا الحكومة في المناطق التى تسيطر عليها، وهى جزء من السودان. هذه المنظمات جميعها تنتمي إما للولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي. وفي الجنوب، تتولى الأمم المتحدة، منذ عهد الديموقراطية الثالثة، توفير الخدمات الضرورية، بما فيها الغذاء، عبر برنامج شريان الحياة لمنطقة تبلغ مساحتها مساحة ثلاث دول.

 

وعلى الصعيد السياسي كانت أمريكا هي الضيف الدائم على موائد صنع السلام: جيمي كارتر نيروبي 1989، وهيرمان كوهين مارس 1990، وديفيد شين صاحب نظرية سياسة الهبوط الناعم (Soft Landing Policy) 1966، وهاري جونستون ديسمبر 1999، وجون دانفورث مايو 2001. بعض هذه المحاولات سبق الإيقاد، والبعض الآخر تقاطع معها، ولكن في كل الحالات حظي هذا التدخل بقبول من القوى السياسية المختلفة، لا ندري إن كان ذلك رِضي عن الحال، أم استكانة له. فلا أذكر اعتراضاً واحداً على كل هذه المبادرات من جانب أي معارض للحكم أو مؤيد، وإنما أذكر بوضوح كيف كانت زعامات الأحزاب، وقيادات المنظمات المجتمع المدني، والرؤساء السابقون، والأكاديميون الباحثون، يحرصون على اللقاء مع هؤلاء المبعوثين والحفاوة بهم. أقول الحفاوة لأنني لا أذكر حالة واحدة تسلم فيها أي من هؤلاء المبعوثين إنذارا (شديد اللهجة أو ضعيفها) ضد التدخل الأجنبي في الشأن السوداني.

 

التدخل "الحميد" ـ والتعبير من نحت السيد الصادق المهدي ـ لم يقتصر، فيما نملك من أدلة، على المعونات الإنسانية، كما لم يقف الرضى بالتدخل (حميداً كان أو غير حميد) عند حد الاستكانة السلبية لقدر واقع. فقد ظللنا في المعارضة، مثلاً، ومنذ استيلاء الجبهة القومية الإسلامية على الحكم نستعين بهذه القوى، منظمات وحكومات، في حملاتنا الدبلوماسية لمحاصرة حكومة الإنقاذ في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي لجنة حقوق الإنسان، وفي المؤتمرات الدولية لحقوق الإنسان، وفي الندوات العلمية. ولم نكن نحس في أية لحظة أننا نخدم مصلحة خارجية، بل كنا نسعى لتحقيق مصالحنا وإن تقاطعت مع مصالح غيرنا. وبالقدر نفسه لا نحتسب أن الذين ينددون اليوم بالاتفاق من أنصار النظام، جهاراً أو على استحياء، ويهرفون بالقول السخيف نفسه عن توغل الخارج في شئون الداخل، لا يعرفون جيداً أن الخارج لم يكن أبداً بعيداً عن صنع السلام، وعن محاربة الإرهاب الدولي (والذي هو الوجه الآخر للتطرف بالداخل)، وعن تقويم مسار الاقتصاد. الوعي بهذه الحقائق ضروري حتى يكون التقويم صائباً، ولا يستصاب حكم ابتنى على الذهول عن الواقع ـ إن أحسنا الظن ـ أو التنكر له، إن أسأناه.

 

الدعم الأساس الذى تقدمت به دول الترويكا+1 (الولايات المتحدة، وبريطانيا، والنرويج + إيطاليا) للمفاوضين هو "التيسير" ثم السعي لتقريب وجهات النظر متى ما اشتد الخلاف وحَدِمت حرارته. ما هي مصالح هذه الدول بالذات في السودان حتى يستهمها أمره إلى هذه الدرجة؟ وكما قلنا ينبغي أن نفترض أن لأمريكا والنرويج وبريطانيا وإيطاليا مصالح تماماً كما لبوركينا فاسو وجُزر القَمر مصالح عليا تقرر سياساتها على ضوئها. هذه المصالح ليست بالضرورة اقتصادية، فالنرويج، مثلاً، لم تدفعها المصالح الاقتصادية لتبني القضية الفلسطينية حتى انتهت بها إلى مقررات اوسلو، أو تبني قضية التاميل في سيري لانكا، وصراعات أمريكا الوسطى (قواتيمالا ونيكاراجوا). دافعها هو رؤية تتشاركها مع دول اسكاندناوه تتمثل في اقتصار هذه الدول لدورها الأممي في أمرين: المعونات الإنسانية وصنع السلام، خاصة عبر الأمم المتحدة. وإيطاليا، منذ عهد رئيس وزرائها السابق بيتينو كراكسي جعلت مركز الكثافة في تعاونها التنموي هو دول الإيقاد لعلاقات تاريخية، خاصة مع إثيوبيا واريتريا، وأضافت السودان لهاتين الدولتين بحكم تكامله الاقتصادي ومتاخمته الجغرافية لهما. ولعل هذا هو الذى جعلها تتولى رئاسة اللجنة الإنسانية لشركاء الإيقاد، وهى اللجنة التى تشرف على المعونات الإنسانية في ذلك المنبر. أما الولايات المتحدة فتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الهموم الأمنية والضغوط السياسية الداخلية والاعتبارات الإنسانية في تكييف سياساتها نحو السودان.

 

التيسير (Facilitation) يبدأ بتوفير الموارد اللازمة للسفر والإقامة والاتصالات والاجتماعات، ويشمل أيضاً استجلاب الخبراء وتنظيم المحاضرات وورش العمل. ولكن، رغم ذلك التيسير لم يستنكف الطرفان أن يقولا لا للضغوط الأمريكية متى ما تجاوزتما حسباه خطوطاً حمراء، وكان لهما من المنطق ما يدعم الرفض. فعلى سبيل المثال نصح المشروع الأول لإنهاء الحرب الذى تقدم به السناتور دانفورث الحركة بالتخلي عن طرح قضية تقرير المصير لاحتمال رفضها من جانب الحكومة. الرد على ذلك النصح كان غليظاً إذ أبلغ أحد ممثلي الحركة (اليجا مالوك) السناتور خلال لقاءه مع قائد الحركة في رمبيك وهو قادم لتوه من الخرطوم: "إن كان هذا رأيك فلماذا لم تعلنه في الخرطوم وتعود إلى بلادك". مثال آخر هو دعوة الرئيس بوش الطرفين للفراغ من التفاوض قبل بداية الأسبوع الثالث من يناير 2004 حتى يتم إشهار الاتفاق في الكونقرس خلال إدلاء الرئيس بخطابه عن حالة الاتحاد (State Of Union). وكانت الجزرة التى لوح بها الرئيس للمفاوضين هي أنه سيطالب الكونقرس خلال ذلك الاجتماع، والذي وجهت الدعوة لحضوره للبشير وقرنق، باعتماد مليارات الدولارات لبناء السودان. وبالرغم من أن الرئيس بعث طائرة خاصة أقلت مبعوثه الشخصي دانفورث لاصطحاب الوفد فإن ذلك لم يحدث. لم يكن السبب هو الاستهانة بالدعوة، ولا عدم التقدير لمن صدرت منه، وإنما لأن المفاوضات لم تكن قد نضجت بعد في تقدير الطرفين. هاتان القصتان أرويهما لأبين أنه كان لكل من الطرفين حدود دنيا في مواقفهما لم يقبلا التنازل عنها مهما كانت الضغوط. لهذا لم يجانف الأستاذ علي عثمان الحقيقة عندما قال لإحدى الصحف المصرية في معرض رده على سؤال حول دور الضغوط الأجنبية في "فرض" الوفاق: "ليس هناك ضغوط بمعنى فرض مواقف لم يقتنع بها الطرفان. حتى الحادثة الوحيدة التى استشهد بها الناس وهى الموقف الأمريكي الذى قدم حلاً لقضية أبيي بعد تعـذر اتفاق الطرفين حـولها كان مبنياً على عناصر توفيقية بين موقفي الطرفين" (الأهرام 14/6/2004).

 

في حالة الولايات المتحدة كان الأساس القانوني للاتفاق هو برنامج سلام السودان، فلا اتفاق في أمريكا أو أي بلد تحكمه مؤسسات دون سند قانوني يتمثل في اعتماد يقره البرلمان (الكونقرس) بقانون. قانون سلام السودان وثيقة مطروحة على الملأ، كما أن أوجه الإنفاق التى حددها معلومة، وفي مقدور أي شخص يعرف سبل الوصول إلى قاعدة المعلومات لمجلس النواب الأمريكي أن يصل إليها. أشير على وجه الخصوص لذلك القانون لأنه يورد في مادته الخامسة نصاً حول دعم المناطق التى لا تقع تحت سيطرة الحكومة لإعداد أهلها للسلام والحكم الديموقراطي بما في ذلك دعم الإدارة والتعليم والصحة والزراعة والبنية التحتية. تلك كانت إشارة للمناطق التى تخضع لسلطة التجمع، فالإشارة للجنوب وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق وردت في نصوص أخرى من القانون. وبالرغم من صدور هذا القانون في عهد الإدارة الجمهورية الحالية، إلا أن جذوره تعود للإدارة الديموقراطية السابقة. فمثلاً، التقت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين اولبرايت في العاشر من ديسمبر 1997 بوفد من التجمع في مدينة كمبالا، وكان ذلك أول اجتماع لمسئول أمريكي، على ذلك المستوى الرفيع، مع التجمع. ولعل من أبرز ما جاء في خطاب البرايت الافتتاحي أن أمريكا ستواصل الضغط على النظام لتحقيق تحول سلمي وأساسي يفضي إلى وضع ديموقراطي، وأنها ستقدم للتجمع دعماً سياسياً ودبلوماسياً إلى جانب دعم مادي غير عسكري، وأن درجة هذا الدعم تعتمد على قدرة التجمع على أن يكون بديلاً فاعلاً (Viable) للنظام لأن التجمع (في رأيها) مازال يعاني ضعفاً في وحدته، وأن على التجمع تعميق احترام حقوق الإنسان ومراعاة الديموقراطية في المناطق الواقعة تحت سيطرته. هذا كان هو موقف القوى الكبرى من التجمع سبع سنوات قبل نايفاشا، فإن لم نستطع في التجمع، رغم تأييد شعبنا، ورغم المساندة المعنوية والمادية من القوى الدولية أن نحقق ما ترجاه شعبنا، وما كنا نبتغيه لأنفسنا منذ البداية، فإن المسئولية تقع على عاتقنا أولاً وأخيراً.

 

يبقى السؤال، لماذا تم الاتفاق الآن وليس في مرحلة سابقة؟ السياسة، كما قلنا في المبتدأ، لعبة توازن بين عناصر القوة، ولا ينتصر في الصراع السياسي إلا الأقوى. وان كان الصراع في ظل الديموقراطية يدار عبر قوة العدد كما تحددها آلية الانتخاب، فإن الصراع السياسي العنيف لا تحسمه إلا القوة المادية، ولهذا حق للإمام الصادق المهدي أن يقول في وصفه للاتفاق أنه انتصار البندقية الأطول. اللهم لا حيرة ولا دهشة، فهذا هو حال السودان منذ أن وحده الباشا محمد علي، فعبر ذلك التاريخ كان الذى يحسم الصراع السياسي العنيف فيه، إما البندقية الأقوى أو الحربة الأطول. على أن امتداد الحرب وتمطيها، ثم تصاعد الأعباء المترتبة عليها أدى إلى إنهاك الطرفين المتحاربين وخلق ما يمكن تسميته بتوازن الضعف المؤلم. كما أن تزايد المشقة الناجمة عن الحرب بشكل لا يطيقه أهل السودان، ولم يعد محتملاً من جانب القوى الكبرى التى ظلت تحمل العبء الإنساني عنهم، خاصة في مناطق الصراع جعل المجتمع الدولي يولي قضية السلام اهتماماً فائقاً. وسواء كان الدافع للاهتمام هو ضغوط المنظمات الطوعية على حكوماتها، أو الوهن الذى اعترى المانحين (Aid Fatigue)، فقد احتل إنهاء الحرب الأولوية القصوى في سياسات هذه الدول نحو السودان. وكان من أبرز مظاهر هذا الاهتمام تحول اللجنة الإنسانية في مجموعة أصدقاء الإيقاد (تضم اللجنة دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا وروسيا واليابان) إلى لجنة سلام.

 

ثم جاء عامل آخر قلب الموازين هو أحداث 11 سبتمبر 2001، ليس في السودان فحسب، بل وفي العالم أجمع. ذلك حدث أفلح النظام أكثر مما أفلح معارضيه في استقلاله بالقدر الذى أخرج به نفسه من العُزلة، وخلق له منبراً دائماً للتواصل مع الولايات المتحدة هو المنبر الأمني. ولئن استطاع النظام أن ينتقل إلى تلك المرحلة من مرحلة "أمريكا قد دنا عذابها" فهذا يكشف عن قدرته في اختيار السلاح المناسب في المعركة المتغيرة. مع ذلك، أشك كثيراً في أن أي من الطرفين المتحاربين كان سيتخلى عن أجندته القصوى لو دار بخلده أنه يمتلك القوة لتحقيق تلك الأجندة. فلو انتهت، مثلاً، حملة النظام العسكرية والمسماة مسك الختام (وللاسم دلالاته) إلى الغاية المرجوة منها، أو ظن أن استقواءه بالبترول سيمكنه من المُضي إلى آخر الشوط في ظل الأوضاع المتغيرة، لما كانت ماشاكوس. ولو استطاعت قوات التجمع التى بلغت "مزار شريف" في وقت كانت تُحظى فيه بدعم سياسي مقدر على الصعيدين الإقليمي والدولي بما في ذلك دعم "القوى الكبرى"، أن تتصاعد بحملاتها إلى مشارف الخرطوم، أو كانت قوى الانتفاضة تتحفز للانقضاض على النظام في مدن السودان الكبرى، لما كانت نايفاشا. وفي الحالتين ما كان أي من الطرفين (إن توقع نصراً قريباً أو فتحاً من الله) ليرضخ لضغوط القوى الكبرى، لا استهانة بها وإنما لتوهمه أن واقعاً جديداً سيفرض نفسه، وسَتُحمل تلك القوى على التعامل معه.

 

لعل في الذى وقع خير، قال الدكتور قرنق في خطابه عقب التوقيع على إعلان نيروبي (5/6/2004): "أن الذى يجعل هذا السلام سلاماً مُبشراً أنه جاء نتيجة لتوازن العجز العسكري بعد إنهاك الطرفين. تلك هي الحالة التى يستبين فيها أي طرفين متحاربين أن كُلفة السلام أقل من كُلفة الحرب مما يحملهما على البحث عن حل لا خاسر فيه. لقد أصبح السلام ممكناً لأن الطرفين أدركا أن القطر كله قد أخذ في التحلل، وأن الدولة كادت تذوي وتختفي (وأضاف ساخراً) دون المرور بمرحلة التحول التاريخي الذى بشر به ماركس". قال أيضاً: "بدأ السودان القديم الذى عرفناه في الانحدار إلى لُج تشظى لا عودة منه". ومن جانبه قال الأستاذ علي عثمان : "لم ننته إلى الحق المطلق ولكن بلا شك انتهينا إلى واقع متقدم يوفر لأول مرة فرصة حقيقية للدخول في تجربة يمكن أن تُفضي إلى استقرار أفضل يؤدي إلى تأمين وحدة السودان، فالسودان كان ممزقاً بالفعل" (الأهرام 14/6/2004).

 

لقد أدرك الطرفان، إذن، أن السودان كله ينحدر نحو التمزق، بل يشرف على الموتبسبب الحرب. أدركا أيضاً أن ثمن هذه الحرب هو المزيد من الضحايا بين المقاتلين وبين عامة الناس، والانهيار التام للموارد، والقضاء على القليل المتبقي من فرص التنمية. إزاء هذا الواقع يصبح الإصرار على تحقيق أية أجندة قصوى، سياسية كانت أم أيديولوجية، بمثل هذا الثمن الباهظ عملاً عبثياً. فمثل هذه الأجندات ـ أسميتها المشروع الحضاري أو السودان الجديد ـ لا تهدف، بزعمها، إلا للارتقاء بالإنسان لوضع أفضل، ولن يتحقق للإنسان وضع أفضل بتدميره. تدمير الإنسان جريمة أخلاقية، مهما كان الظن بشرف المقاصد. الموقف الذى انتهى إليه الطرفان فيه من الحكمة بقدر ما فيه من النبل، ولن يُغضب إلا من يريد لأهل السودان أن يتضاغنوا إلى الأبد. كما هو موقف لا تجدر فيه الشماتة بصانعيه لما يحسبه البعض خيبة ويظنه بعض آخر بلوى، أو حسدهم من جانب آخرين على نصر فات الآخرون هؤلاء تحقيقه، فليس في الشماتة نباهةً ولا في الحسد شرف. "ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق". قال الميرغني عند إعلان الاتفاق ومباركته له ودعوته لشمول الحل: "أؤيد الاتفاق لأنه بلا شك، سينقلنا، إلى وضع أفضل من الوضع الذى نحن عليه الآن". من هنا ينبغي أن نبدأ جميعاً.