السلام الشامل ما هو؟ وما هي وسائل تحقيقه؟

حاولنا بقدر ما نستطيع ابانة الأسباب التي أدت لأن يكون التفاوض ثنائياً

سبتمبر/ 2004

 

الفصل الثاني

 

السلام الشامل ما هو؟ وما هي وسائل تحقيقه؟

 

 

 

 

 

 

بقدر ما نستطيع، حاولنا في الفصل السابق إبانة الأسباب التى أدت لأن يكون التفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية ثنائياً وينتهي إلى وفاق ثنائي. وقلنا أن تحقيق السلام الشامل لا يتكئ، فحسب، على صدق الإرادة السياسية للطرفين الموقعين في تنفيذ الاتفاق الذى تواصيا عليه، وإنما أيضاً على صيانة ذلك الاتفاق بسياج من التأييد الوطني. السلام الشامل، أو الحل السياسي الشامل، تعبير شاع في الخطاب السياسي منذ منتصف الثمانينات، خاصة بعد أن جاءت الحركة الشعبية بأطروحة قلبت المفاهيم هي أن مشكل الجنوب هو مشكل السودان. وكما ذكرنا في الفصل السابق استطال الحوار في كوكادام بين الحركة والتجمع الوطني حول إن كان المشكل الذى ينبغي حله هو قضية إقليم محدود (الجنوب) أو قضية الوطن كله. ولعل ذلك الإنكار من جانب الطبقة السياسية الشمالية أن الوطن كله مأزوم هو الذى حمل الأستاذ محمود محمد طه في الستينيات، حين استبد بالناس الحديث عن مشكلة الجنوب، إلى إصدار كراسة اتخذ لها عنواناً: "... وللشمال مشكلة أيضاً". حقاً، كان الخطاب السياسي يوم ذاك، في الغالب الأعم، يتمحور في مشكلة واحدة هي مشكلة الجنوب، وفي قضية واحدة هي قضية الديموقراطية. الأولى تذكرنا بها دوماً الحرب الأهلية، والثانية لا نستذكرها إلا عند وقوع الانقلابات أو سقوط الأنظمة العسكرية فنبدأ في البحث عن وسائل حمايتها.

 

أياً كان الأمر، للشمول في اعتقادنا جانبان، جانب تمثيلي وآخر موضوعي. وفي حالة الاتفاقيات موضوع البحث هناك جانب ثالث هو الشمول الأمني. ويتطلب الشمول التمثيلي إشراك القوى السياسية الفاعلة في عملية السلام، خاصة إن تجاوزت نتائج تلك العملية وقف العدائيات وبسط الأمن والاستقرار إلى إعادة صياغة الدولة. أما الجانب الموضوعي فيتناول ـ على وجه التحديد ـ شكل ومضمون إعادة الصياغة هذه: الرؤية والخطط ووسائل التطبيق.

 

نبدأ بالعنصر الثالث في الشمول: الشمول الأمني لنقول أن أي محاولة لإطفاء النار في جزء من الدار وتركها تشتعل في جزء آخر لن يحقق شمولاً أمنياً حتى وإن خمدت النار وطَفئت الفتنة في أكثر مواقع الحرب اتقاداً. هذه حقيقة لم يتعامى عنها طرفا الاتفاق، ففي المادة السابعة من بروتوكول الترتيبات الأمنية نص صريح حول وضع ما أسماه البروتوكول "المجموعات المسلحة الأخرى في القطر". الفقرة الأولى والثانية من تلك المادة تعالج أمر المجموعات المسلحة المتحالفة مع الطرفين، في حين تعالج الفقرة الثالثة أمر "المجموعات الأخرى" بهدف تحقيق سلام شامل واستقرار في كل القطر واحتواء كامل (Full Inclusiveness) في العملية الانتقالية. هذا النص يلزم طرفي الاتفاق، بل يوفر المدخل الشرعي لمعالجة حالتيَّ دارفور وشرق السودان. ولن يكون هذا إلا بمعالجة الأسباب التى قادت إلى فتنة توقدت والتهبت في الحالة الأولى، واحتقانات دائمة صحبتها انفجارات هنا وهناكفي الحالة الثانية.

 

الشمول التمثيلي في عملية التفاوض أمر لا لُبس فيه ولا اختلاط، وقديفيد أن نضيف إلى ما أوردنا في الفصل السابق شيئاً من خبر الجهود التى بذلت لتحقيق ذلك الشمول منذ زمان بعيد. إلى ما أوردنا نضيف أن التجمع الوطني الديموقراطي، رغم موافقته على مواصلة الحركة التفاوض منفردة مع النظام تحت مظلة الإيقاد، بقى على اتصال دائم مع دول الإيقاد وأصدقاء مبادرة الإيقاد، وبوجه خاص الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا. بعض هذه الاتصالات تم على أعلى المستويات (لقاءات رئيس التجمع مع رؤساء كينيا، ويوغندا، واريتريا، وإثيوبيا)، وبعضها الآخر كان في اللقاءات مع الممثلين الدبلوماسيين لهذه الدول. ثمة هدفان كانا وراء هذه الاتصالات: الأول، التأكيد على مركزية قضية التحول الديموقراطي في حل المشكل السوداني لأن إيقاف الحرب وحده لن يحقق سلاماً مستداماً كما يرى التجمع، والثاني، هو إشراك التجمع في عملية السلام الجارية. في ذات الوقت ظل الطرف الحكومي في التفاوض ثابتاً عند موقفه في أن تظل المفاوضات ثنائية لأسباب رآها، وكان أبلغ مظاهر رفضه توسيع قاعدة التفاوض في الثامن من أغسطس 2000، التاريخ الذى أوفد فيه التجمع نائب رئيسه الفريق عبد الرحمن سعيد يصحبه وفد ضم، من جانب الحركة، القائد نيهال دينق نيهال (رئيس الوفد المفاوض في نايفاشا فيما بعد) لإجراء حوار مع سكرتارية الإيقاد في نيروبي للتفاطن معها حول إشراك التجمع في مبادرة الإيقاد. الرفض البليغ لذلك المطلب جاء على لسان مبعوث خاص للحكومة (الدكتور قطبي المهدي) أوفدته الخرطوم ليبلغ سكرتارية الإيقاد (السفير امبويا) اعتراضها على إشراك التجمع في المفاوضات بأية صورة من الصور، أو كما قال قطبي : "إذا دخل التجمع من باب فسنخرج من الباب الآخر". ذلك كان هو فصل الخطاب إذ لم تلتقِ سكرتارية الإيقاد بوفد التجمع حتى للتحية.

 

دخلت من بعد مصر إلى المعمعة بكل ثقلها مع ليبيا التى ظلت تحتفظ بعلاقات حميمة مع الحركة الشعبية، فكانت المبادرة المشتركة. وكما هو معلوم لم تتقدم تلك المبادرة كثيراً لنقص عضوي في المبادئ الموجهة والضابطة للتفاوض، ألا هو افتقاد تلك المبادئ لأية إشارة لموضوع حق تقرير المصير لجنوب السودان. وبما أن مبدأ حق تقرير المصير لا يمثل فقط نقطة جوهرية في مشروع الحركة لمعالجة قضية الجنوب، بل هو أيضاً موضوع توافقت عليه كل القوى السياسية السودانية والوسطاء: الحكومة، التجمع، الإيقاد، كان إغفاله بمثابة قُبلة الموت للمبادرة المشتركة. رغم ذلك، حددت المبادرة المشتركة بشكل واضح الحد الأدنى للوفاق بين التجمع والحكومة مما يجعل من أي حديث يدور اليوم في مِعرض النقد لاتفاقيات السلام الأخيرة، عن سقف أعلى للتفاوض كان من الواجب على مفاوضي الحركة أن لا يتهبطوا عنه، تزيداً بلا معنى. ما هو هذا الحد الأدنى؟ المذكرة التى صدرت من التجمع في القاهرة في 30/6/2001 للتمهيد للمبادرة المشتركة لخصت ذلك الحد الأدنى فيما يلي:

  اعتبار المواثيق والعهود الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من الدستور، وأي قانون مرسوم أو قرار أو إجراء يصدر مخالفاً لها يعتبر باطلاً وغير دستوري

    قومية كل المؤسسات وأجهزة الدولة

    كفالة الدستور والقانون للتعددية والحريات المدنية والسياسية وسيادة حكم القانون واحترام حقوق الإنسان

    تشكيل حكومة قومية انتقالية تمثل فيها أطراف الاتفاق السياسي وتنظيم انعقاد المؤتمر الدستوري الذى يضع الدستور الدائم للبلاد

   يتعهد طرفا النزاع بالوقف الفوري والشامل للحرب فور توقيعهما على الاتفاق السياسي.

 

لهذا، فإن أي نقد بعد هذا لاتفاقيات السلام لأنها لم تحقق "تفكيك النظام" كما كانت تنادي قرارات التجمع، أو باقصاء المؤتمر الوطني عن الحكم أو حتى تحجيمه بمعنى عودته ـ أو إعادته ـ للحجم الذى كان عليه قبل انقلاب 30 يونيو 1989 في أية عملية لاقتسام السلطة يصبح إما تزيداً أو "عرضه بره الزفة". فما يتمناه التجمع، أو تبتغيه الحركة، أو يحلم به المعلقون السياسيون، أو ينادي به المناضلون الارائكيون الذين يعيشون خارج الزمان والمكان لا يحدث في موائد المفاوضات، وإنما تحكمه موازين القوى التى حملت الناس على التفاوض ابتداءً.

 

الحد الأدنى الذى أقرته المبادرة المشتركة هو، إذن، ما كان يفترض أن تستصحبه الحركة في مفاوضاتها مع النظام بعد أن قٌدر لتلك المفاوضات أن تستمر ثنائية. يفترض المرء أيضاً أن مفاوضي الحكومة لن يَزوَّروا عن الالتزام بتلك الحدود بعد أن رضيوا عنها كمبادئ موجهة للحوار مع التجمع في إطار المبادرة المشتركة. وبهذا الفهم لا يملك أي معلق منصف أن ينكر أن هذه القضايا قد عولجت بوجه أو آخر في المفاوضات.فالذي تحقق في نايفاشا ليس هو الأمثل بالنسبة لأي طرف من الأطراف بل هو الممكن تحقيقه في ظل واقع موضوعي. ولكن لا معدي من الاعتراف أن في الاتفاق خروق وفتوق وشقوق. لهذا يصبح المطلوب هو تطوير ما تم الاتفاق عليه بشأن هذه القضايا، إن كان ثمة مدعاة للتطوير، وسد الثغرات فيه حيثما كانت ثغرات، واستدراك ما هو قمين بالاستدراك باتفاق الأطراف جميعاً.

 

نقطة هامة نتطرق إليها قبل الولوج في باب الشمول الموضوعي هي قضية المحاسبة، أي محاسبة النظام على الجنايات التى يتهم بارتكابها من جانب معارضيه، أو من جانب من لحق بهم أذى أو ضرر. يدفعنا للإشارة لهذه النقطة ما جاء في بعض التعليقات على اتفاقيات السلام حول الفقرة 7.1 من بروتوكول اقتسام السلطة. يقول النص: "يتفق الطرفان على إطلاق مبادرة شاملة للمصالحة الوطنية والالتئام في كل القطر كجزء من عملية بناء السلام. وستقوم حكومة الوحدة الوطنية بوضع الآليات والوسائل لهذا الغرض". مثال ذلك إشارة للسيد الصادق المهدي تُعَيِّب تلك الفقرة لأنها تتحدث عن المصالحة دون إشارة لضرورة التقصي عن الجنايات التى ارتكبت خلال فترة حكم "الإنقاذ" وفق النمط الجنوب أفريقي الذى ربط المصالحة الوطنية باستقصاء الحقائق عما وقع من ظلم خلال حكم الابارتايد. مثال آخر هو إيماءة الدكتور الشفيع خضر في مقاله الآنف الذكر والتي جاء فيها "من الممكن أن نرمي كسياسيين وراء ظهرنا كل مرارات وخصومات الماضي. لكن هل يمكن إقناع الجماهير بالتخلي عن مطلبها العادل في مساءلة ومحاسبة من تتهمه بانتهاك حقوقها وسلب أموالها وأموال الدولة؟". الإشارتان لهما ما يبررهما ولهذا لن أقول مشاكسة أن الإشارة للمحاسبة أو البحث عن الحقيقة قد غابت عن بروتوكولات نايفاشا التى وقعت في السادس والعشرين من مايو 2004 لنفس الأسباب التى دعت لتغيبها في مشروع السلام الذى اعتمده التجمع في القاهرة في 30/6/2001، أوفي اتفاق جيبوتي الذى وقعه رئيس حزب الأمة مع الرئيس البشير في يوليو 1999، أوفي اتفاق جده الذى وقعه رئيس التجمع مع النائب الأول لرئيس الجمهورية في ديسمبر 2003. لن أقول أيضاً تزيداً أو تبرئة للحركة، أن مفاوضيها ثابروا منذ مفاوضات ماشاكوس على المطالبة بقيام لجنة للحقيقة والمصالحة على النمط الجنوب أفريقي للتنقيب عن الأسباب التى أدت منذ الاستقلال لكل الأرزاء التى عانى منها السودان وأهله، وهو نفس الموقف الذى ألحفت الحركة على تضمينه في مذكرة التفاهم التى وقعت مع المؤتمر الشعبي في جنيف في فبراير 2002. وتورد الفقرة الخامسة من تلك المذكرة ما يلي: "إدانة النهج الانقلابي لإسهام الانقلابات العسكرية في تفاقم الأزمة الوطنية وفشلها في إدارة السودان وفي إيجاد حل وطني دائم وشامل للصراع. كما ينبغي المحاسبة على كل الفساد والجرائم التى ارتُكبت بحسبانها أمراً ضرورياً لمستقبل الحياة العامة".

 

على خلاف ذلك، أقول يلزم أن يكون الاقتراب من تلك القضية على وجهتين، الوجهة الأولى تتعلق بحقوق الذين انتهكت حقوقهم من البشر، والثانية تتعلق بكشف الحقائق كلها تطهيراً وتعقيماً للجسم السياسي حتى تقوم المصالحة على أساس متين وسليم، فالجُرح الذى يُضمد على قيح لا يبرأ. وفي الحالة الأولى لا أحسب أن أي اتفاق بين طرفين أو أكثر، بل أي قانون ـ حتى القانون السماوي ـ يلغي حقوق الناس، فالله يعفو عن حقه ولكن لا يعفو عن حقوق العباد. روى سفيان الثوري عن رسول الله صلعم أنه قال: "إن لقيت الله تعالى بسبعين ذنباً فيما بينك وبين الله تعالى، أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد". وذُكر عن أبي بكر الوراق أنه قال: "أكثر ما ينزع من القلب الايمان ظلم العباد". وليس في أي نص من نصوص الاتفاق نداءً موجهاً للأفراد أو الجماهير كي ما تتخلى عن حقها في السعي لرد أموالها، أو المطالبة بمحاسبة من انتهك حقها. الوجهة الثانية هي ضرورة اجتهادنا جميعاًفي استقصاء جذور المشكل السوداني منذ الاستقلال من أجل الوصول إلى مصالحة تاريخية، فأزمة الدولة السودانية تعود إلى مطالع الاستقلال. والأزمة كما ظللنا نقول، تكمن في عجزنا عن التصالح مع النفس، ولن يفلح المرء في الاصطلاح مع الآخر ما لم يتصالح مع نفسه. هذا هو مفهوم لجان الحقيقة والمصالحة التى تعددت تجاربها في العقدين الماضيين، وكل واحدة من تلك التجارب كانت تستجيب للظروف الموضوعية التى أدت إلى خلقها. فمن تلك اللجان ما أنشئ للتحقيق في قضايا محدودة (لجنة البحث عن الحقيقة في موضوع الأشخاص المختفين في الأرجنتين في عهد الرئيس راول الفونسين وفي شيلي في عام 1990). ومنها ما أنشئ للتحقيق حول انتهاكات وقعت في فترة زمنية معينة (لجنة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة 1974-1999، تيمور الشرقية، لجنة الحقيقة والعدالة في الإكوادور في 176 حالة من حالات انتهاك حقوق الإنسان خلال 17 عاماً)، ومنها ما أُلحق باتفاقيات السلام مثل لجنة الحقيقة في السلفادور والتي أنشأتها الأمم المتحدة في عام 1992 كجزء من مشروع السلام الذى رعته.

 

لجنة الحقيقة والمصالحة التى طالبت بها الحركة، ودعونا لها قبل التوقيع على بروتوكولات نايفاشا (أهوال الحرب وطموحات السلام ص 1034ـ1035) ربما اتخذت من التجربة الجنوب أفريقية نموذجاً يحتذى. تلك التجربة كانت مبادرة من رجلين نبيلين، نلسون مانديلا ودزموند توتو، أرادا بها تطهير النفس، والسمو عن المواجع، واستشراف المستقبل بدلاً من التلبث عند الماضي. تكونت اللجنة بعد وفاق بين المؤتمر الوطني الأفريقي (حزب مانديلا) والحزب القومي (حزب ديكليرك) تضمن تبني الحزبين لقانون صدر في عام 1990 (قانون تعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية)، وكانت لجنة الحقيقة والمصالحة عنصراً هاماً من عناصره. من تلك اللجنة انبثقت لجنة قانونية مستقلة يترأسها قاض من قضاة المحكمة العليا للنظر في حالات الانتهاك الخطير لحقوق الإنسان يُقر فيها المذنب بذنبه في جلسة علنية ويعفو فيها المجني عليه عن الجاني. فالهدف من العملية كان هو إبراء الذمم وضمد الجروح، وكان القانون حكيماً إذ نص على أن تقوم الدولة، في كل الحالات التى تستدعى تعويضاً مادياً ولا يكفي فيها رد الاعتبار المعنوي، بتعويض الضحايا. هناك أيضاً تجربة أخرى جديرة بالنظر هي تجربة المغرب في عهد الملك محمد السادس، تتمثل في هيئة الإنصاف والمصالحة الملحقة بمجلس حقوق الإنسان.

 

الحركة، سواء كان في ما اقترحته على مائدة المفاوضات منذ ماشاكوس، أو ما تواصت عليه مع المؤتمر الشعبي في مذكرة التفاهم، ظلت تنادي بقيام لجنة تجتهد في التفتيش عن الحقيقة منذ الاستقلال لأن التعفية على الماضي لن تعين على مداواة أوصاب الحاضر، ناهيك عن وضع الأسس السليمة لسودان المستقبل. هذا النمط من البحث عن الحقيقة لا يتعسف طلب العدل القصاصي (Retributive)وإنما ينشد العدالة التعميرية (Restitute)، وذاك لعمري جهد يتطلب غوصاً في الذات، وصدقاً مع النفس، ونبلاً في الطبع.

 

أجئ إلى الشمول الموضوعي زاعماً، في المبتدأ، أن الأسلوب الذى أقبلت به المفاوضات الأخيرة لمعالجة مشكلة الحرب لم يَقتفِ أثر الاتفاقيات النمطية التى درجنا عليها منذ مؤتمر المائدة المستديرة، والتي لم ينجم عنها ـ حتى حيثما أفلحت إلى حين في تهدئة الأجواء ـ غير إعادة إنتاج الأزمة. ولا ريب في أن التلكؤ في، إن لم يكن الإحجام عن، الحل الشامل لمشاكل السودان المتعددة والمترابطة هو سبب الوهن الذى انتاب الجسم السياسي السوداني وأدى إلى تآكله الداخلي. وإن كان التلكؤ تعبيراً عن أن هذه القضايا لم تكن تحتل موقعاً رفيعاً في قائمة هموم الحاكمين، فإن الإحجام يعود في الأساس لهيمنة الماضي على عقول النُخبة الحاكمة وكان ذلك دوماً أمراً اختيارياً بحكم التجاهل العمدي لخيارات عديدة ممكنة، نعود إليها في الفصل الرابع. وكما يقول برنارد شو إن "تجاهل المستقبل، والإصرار على ذلك التجاهل، هو الشئ الوحيد الذى يكرس تأثير الماضي على أفكارنا". لهذا أصاب التجمع الوطني الديموقراطي المرمى عندما وصف بروتوكولات السلام بأنها "خطوة هامة في طريق إنهاء الحرب الأهلية ومعالجة جذور الأزمة السودانية المزمنة. وهى بالتالي تشكل نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة لتحقيق التحول الديموقراطي وترسيخ السلام .. وتوفر أساساً لإعادة هيكلة البناء الوطني الموحد على أسس تختلف عن الأسس القائمة منذ الاستقلال". (بيان حول موقف التجمع الوطني الديموقراطي من بروتوكولات السلام، أسمرا 21/7/2004).

 

أنا زعيم بان مثل هذا الاقتراب من الأزمة السودانية لم تعرفه أية محاولة لعلاج مشكل الحرب من قبل اتفاقيات السلام الراهنة، حتى وان اعتورها قصور. وسنتناول في الفصول التالية كيف أقبل المتفاوضون على هذه القضايا؟ وما هي الحلول التى اقترحوها؟ وكيف تناولت السياسية السودانية في الماضي نفس القضايا؟ وما هي الحلول التى توصلت إليها، إن كان ثمة حلول؟ هذا أمر ضروري لأن أي تحليل أو نقد لما اتت به بروتوكولات نايفاشا من نظم ومؤسسات وسياسات دون مقارنته مع، أو مضاهاته بالتجارب الماضية، يصبح منقوصاً منهجياً ومعيوباً فكرياً. ولعل أول محاولة للإنعتاق من الأسلوب النمطي في التعامل مع الأزمة السودانية هي مقرارات أسمرا التى تناولت قضية الوحدة الوطنية من منطلق جديد، إذ اعترفت بقضايا الهامش والأطراف، وأكدت مبدأ الوحدة الطوعية وحق تقرير المصير، وأقرت ضرورة إعادة النظر في منهج التنمية الاقتصادية الموروث منذ عهد الاستعمار بحسبانه العامل الرئيس في تكريس الفقر في الأطراف. وباعتماد هذه المفاهيم أصبح للديموقراطية ـ والتي هي موضوع مركزي في خطاب التجمع، وفي الخطاب السياسي منذ أكتوبر ـ معنى عند الجنوبي والبجاوي والنوباوي الذين لم تكن ضالتهم أبداً هي الحقوق المدنية. مواثيق أسمرا، بدون شك، تمثل خطوة متقدمة عما ورد في ميثاق الانتفاضة (أبريل 1986) والذي طغت عليه إما النمطية الموروثة منذ أكتوبر 1964 أو الثوابت الأيديولوجية، وللموضوع نعود في الفصول التالية نكشف فيها عن تراجيديا الفرص الضائعة في السياسة السودانية.

 

الاهتمام بهذه القضايا في اتفاقيات السلام هو الذى أكسبها شمولاً موضوعياً. ولو توقف البحث عن التحول الديموقراطي عند القضايا التى لا تعني الكثير لأهل الأطراف لما حُلت مشكلة الجنوب، ولا مشاكل التهميش السياسي والاقتصادي، ولا استقرار الحكم في أقاليم السودان في الشمال والشرق والغرب. أهل الأطراف لا يستخفون بهذه القضايا لعدم أهميتها ولكن لأنها لا تحتل أولوية في قائمة همومهم التى تتعلق بالوجود، ولهذا تحتل درجة أعلى من قضايا مثل التعددية الحزبية، والحقوق المدنية، والانتخابات. نعم، لو أقام المفاوضون عند القضايا التى كنا نَلبِدُ (نلزق) بها عقب الانتفاضات لما أصبح للتحول الديموقراطي معنى. فبقاء الاحتقانات السياسية في الأطراف، وعدم الاكتراث للعُطب السياسي في المركز سيقود، طال الزمن أم قصر، إلى الانفجار. لهذا يليق بالباحث أو الناقد أو المحلل، إذن، الاعتراف أولاً بأن هذه هي المرة الأولى منذ الاستقلال التى تتم فيها معالجة الأزمة السودانية معالجة شاملة تناولت نظام الحكم، وهيكل الاقتصاد، وتوزيع الثروة، وتحقيق التمكين السياسي للمستضعفين سياسياً. الباحث أو الناقد أو المحلل الذى يستبين هذه الفروق هو وحده الذى يُستحب له إبانة أوجه القصور في جملة الحل ومفرداته.

 

يتبدى لنا أيضاً من بعض ما اطلعنا عليه من نقد أو تحليل للاتفاقيات اختزال قضية الشمول في المشاركة في الحكم وقسمة السلطة. فبروتوكول اقتسام السلطة على المستوى القومي قبل الانتخابات البرلمانية يخصص النسب التالية: الحركة الشعبية 28% المؤتمر الوطني 52%، والقوى السياسية الشمالية 14% والقوى السياسية الجنوبية 6%.في حين يخصص للحركة الشعبية، على مستوى برلمان الجنوب 70%، والمؤتمر الوطني 10%، ولبقية القوى السياسية الجنوبية الأخرى 10%. ومن المفهوم أن النسبة التى حُددت للمؤتمر الوطني في الجنوب سيذهب جلها للجنوبيين المنضوين تحت لواء ذلك التنظيم.

 

بلا مماحكة، هذه قسمة ضيزى، وفي هذا الإطار نفهم النقد القارص للاتفاق من جانب السياسي الجنوبي المحنك بونا مالوال عندما كتب يقول: "حَرُصَ الطرفان على أن تكون اتفاقية السلام آلية لاقتسام السلطة بينهما أكثر منها آلية لحل النزاعات وحسم المشكلات كما توقعتها أغلبية السودانيين" (الشرق الأوسط 10/6/2004). أنا مثل بونا مواطن سوداني نال حظاً من المعرفة وقضت ظروف أن يتوغل في السياسة. من خلال تلك المعرفة وذلك التوغل أملك أن أقول أن أغلبية السودانيين في الشمال وفي الجنوب تنشد السلام، وأن المظلوم من بينهم يتمنى رد ظلامته في السلطة كان ذلك أو في الثروة، كما يطمح مجروح الكرامة إلى استرداد كرامته وضمان توقيرها، ويطمعون جميعاً ـ متى ما استردوا حقوقهم وكرامتهم ـ في العيش كبقية شعوب العالم، تتطامن نفوسهم ويُسترغدُ عيشهم. ولعلني أزعم أن اتفاقيات السلام الراهنة تمهد الطريق لتحقيق هذه الغاياتللمرة الأولى منذ الاستقلال، دون ادعاء أنها ستحسم المشكلات بشكل مطلق. أزعم أيضاً أن الاتفاق الذى يؤكد حق تقرير المصير للجنوب، ويمنح ولايات السودان عبر القطر سلطات واسعة لم تُحظَ بها منذ الاستقلال، ويقسم الثروة بصورة غير مسبوقة، ويمنح كل ولايات السودان سلطة لم تتمتع بها من قبل لمراقبة المركز عبر مجلس للولايات، فيه ما هو أكثر من التمهيد لحل النزاعات والمشكلات. فإن كان الزعم صحيحاً، أو لا يحسن بنا البحث عن وسائل الارتقاء بهذا البناء الغض الطري، بدلاً من الانتقاص منه، بله إنكاره. أما اقتسام السلطة فلعل ما يستهم فيها الصديق بونا بقدر أكبر هو استئثار الحركة الشعبية بالسلطة ـ ليس طوال الفترة الانتقالية ـ بل خلال السنوات الثلاث الأولى. ففي النصف الثاني من تلك الفترة ستقرر "أغلبية السودانيين" بمحض إرادتها من الذى يحكمها. أو كما قال الأستاذ فاروق أبو عيسى في حديث لهذه الصحيفة "في الاتفاقية عيوب لو تمت معالجتها لكان الاتفاق أكثر قوة وعدالة.. وبعد ثلاث سنوات الحشاش يملا شبكته" (الرأي العام 15/6/2004).

 

السنوات الثلاث هي التى ستقرر مصير الاتفاق. فما لم يتم تنفيذ الإجراءات الأمنية بصورة تُنهي الاحتراب، وتزيل كل بؤر الانفجار المحتملة، وتبني للسودان ـ في الشمال والجنوب ـ جيشاً عقيدته حماية الوطن، وتوفر الحل لمشكل كل جندي حمل السلاح، فلن تكون هناك ديموقراطية مستدامة أو غير مستدامة، ولن يكون هناك سلام عادل أو غير عادل. هذه أمور لا يقدر عليها إلا من يملك زمام التحكم في القوى الضاربة مما يجعل الطمع في أن يتخلى "العسكري" جون قرنق دي مابيور في الجنوب، و"العسكري" عمر حسن أحمد البشير في الشمال عن موقعيهما حال توقيع الاتفاق ليحتلهما من هم أكثر جدارة بالحكم، طمعاً في غير مطمع، بل ربما يكون وصفة لتقويض الاتفاق. أقول هذا مستنطقاً الواقع بعد استنفاد كل الاحتمالات، وخسران كل الرهانات المبنية على الوهوم لا لأنني "مارشال" يريد أن يُنَمِرَ هذا، أو يُقرنق ذاك، أو كما قال.

 

من الناقدين للقسمة الضيزى الدكتور حيدر إبراهيم، كتب في مقال لجريدة المصور يقول: "يصاب المرء بالحزن والخوف من المجهول حين يتذكر الطريقة التى اقتسم بها الطرفان السلطة والثروة". ثم يتساءل "هل هذا الذى يتم تقسيمه بالنسبة وطن أم غنيمة ذبيحة. ولكنها بالفعل شركة مساهمة وليست شراكة سياسية كما يروج لها الطرفان" (المصور 18/6/2004). مرة أخرى، الإشارة هنا لاقتسام السلطة في الجزء الأول من الفترة الانتقالية رغم أن تلك الفترة، بموجب الاتفاق، ستشهد انفتاحاً يمهد الطريق لتحول ديموقراطي واسع ظل الدكتور حيدر (كما ظللنا) يتمناه منذ أن دعا للمصالحة التاريخية مع النظام قبل بضع أعوام. لا شك أنه من حق القوى السياسية الشمالية، كما من حق القوى السياسية الجنوبية، أن ترى في تلك النسب استصغاراً لها، ومن حقها أن لا ترضى بها. وفي هذا ما ظلم السيد الصادق المهدي عندما قال "المشاركة ستكون ضمن التحول الديموقراطي وضمن ما تعطيك من فرصة للتأثير على القرار، أما الاشتراك كمردفين فهذا غير وارد" (الحياة 8/6/2004). ولكن، كما ألمحنا، فإن هذا الوضع غير الطبيعي طبيعي بلوازمه، وعلى رأس اللوازم موازين القوة.ولعلنا نعرف جميعاً من معارفنا في الرياضيات أن اللازمة نتيجة تتبع بالضرورة حقيقة ثابتة بالبرهان. كان الأمر ليصبح مدعاة للاستنكار ـ بل المجابهة ـ لو لم تُقر الاتفاقية مبدأ العودة للشعب خلال الفترة الانتقالية. كما يحق لكل القوى السياسية الإصرار على توفير الضمانات بأن تتم الانتخابات في الموعد الذى حددته الاتفاقيات، وأن توفر لها كل الضمانات الوارد ذكرها في تلك الاتفاقيات.

 

الخوف من المجهول بسبب هذه القسمة هو الذى يبعث على الحيرة في حديث د. حيدر. فلئن كان مبعث الخوف هو طراوة الاتفاق، أو اعتماد نجاحه على متحولات غير منظورة، أو لأسباب لم يحسب لها الطرفان حساب لفهمناه، أما أن يكون بسبب القسمة فتلك نتيجة لا تبيحها المقدمة. فالجميع يعرف أن السياسة السودانية قد درجت على أسلوب في اقتسام السلطة في الفترات الانتقالية منذ أكتوبر 1964 يعتمد دوماً على أوزان القوى التى أحدثت التغيير. فما هو، مثلاً، الوزن العددي مقارنة بالأحزاب، لجبهة الهيئات التى سيطرت على الحكم بعد سقوط نظام عبود؟ أوليس دورها في إسقاط النظام هو الذى فرض تحكمها في مفاتيح السلطة يوم ذاك حتى لم يَعُد للأحزاب في حكومة أكتوبر الانتقالية غير وجود رمزي. وما هو الوزن العددي للجيش والتجمع النقابي، بالنسبة للأحزاب، الذى أهلهما لتولي الحكم خلال الفترة الانتقالية بمعزل عن الأحزاب عقب سقوط نميري؟ أوليس ذلك بسبب دورهما الحاسم في إسقاط حكومة مايو؟ ثم أولم يقرر التجمع الوطني الديموقراطي فترة انتقالية تمتد لخمس سنوات (لا ثلاثة) ، إن قدر له إقامة النظام الذى كان ينتوي إقامته، يختار حكومتها وبرلمانها من بين فصائل التجمع؟ ورغم أن التجمع تنظيم شامل لأغلبية الفعاليات السياسية (بما فيها حزب الأمة بحكم ما كان)، أوليس صحيحاً أنه لا يضم أحزاباً وجماعات خرجت عن تنظيماتها ولهذا حُرمت من عضويته مما كان سيخرجها من "مولد" الفترة الانتقالية التجمعية "بدون حُمص"؟ هذه المقارنة قد تكون عسيرة على الهضم عند البعض لأن أحد أطراف الشراكة المرتقبة في الحكم هو الحزب الذى كانت الحركة تحاربه، وما انفك التجمع يعاديه. ولكن الذى نحن بصدده هو ضرورة اتخاذ عيار محدد أساساً للمقارنة وامتحان المكائيل، فعيار الاقتسام في حالات النصر ليس هو نفس العيار في حالات الهزيمة، وعيار الاقتسام في حالات التصالح من مركز قوة ليس هو نفس العيار في حالات التصالح من مركز أقل قوة، لكي لا نقول أضعف. وعلى كل، فبصرف النظر عن الأسباب الموضوعية التى قادت للقسمة الضيزى فان تخيل وجود مسطرة حاسبة (Slide Ruler) في السياسة تقاس بها الأوزان (عدا الانتخابات) خيال لا يسنده برهان أو تثبته قرينة.

أن تكون لأغلب الناقدين لُبثه عند حديث القسمة باعتباره هو المبتدأ والخبر في قضية التحول الديموقراطي أمر مؤسف، وكأن كل عناصر التحول الديموقراطي التى تضمنها الاتفاق مثل الاحتكام للشعب بعد ثلاث سنوات، واعتماد مواثيق حقوق الإنسان بصورة لم يعرفها أي دستور سابق بل تجاوزت ما أقره التجمع (وكان طرحه متقدماً على ما أوردته كل دساتير السودان السابقة)، ونقل السلطة فعلياً لا رمزياً للولايات بحيث سيصبح الحكم فيدرالياً بحق وحقيقة، وتأهيل أجهزة الأمن لتصبح أجهزة مهنية تحكمها ضوابط تتفق مع الأعراف وتخضع للدستور والقانون، كأن كل هذه أمور يستهان به في معرض تحليل عناصر الانتقال من الشمولية إلى الديموقراطية التعددية. هذه هي المبادئ التى لا تقبل القسمة والتي يجدر الاهتمام بها.

من جهة أخرى ينطلق التلبث عند قسمة السلطة، فيما هو بين، من حالة ذهنية لا صلة لها بالواقع الجديد الذى سيتولد من الاتفاقيات، مما يجعل من الجدل عراكاً في غير معترك. ففي بروتوكول اقتسام السلطة أصبحت وحدة القسمة هي الولاية لا المركز، ولهذا لن تبقى السلطة المركزية على ما كانت عليه، لا من ناحية السلطات، ولا الحجم، ولا النفوذ، ولا الموارد المتوفرة لها. الاقتراب السليم من قضية التحول الديموقراطي كان من جانب محلل سياسي نابه هو الأستاذ محمد الحسن أحمد. كتب في مقال ناقد للاتفاق يقول أن: "أكبر مكسب في مجمل هذه الاتفاقات على الصعيد السياسي هو التأكيد على أجراء انتخابات ديموقراطية في كل البلاد وبمراقبة دولية، وحتى تكون الانتخابات نزيهة وحرة ينبغي أن تكون الحريات متوفرة ومعززة والفرص متكافئة للجميع. وإذا يُسرت كل تلك المتطلبات فإنها بلا شك تجعل من نسب التوزيع في السلطة الانتقالية أمراً غير ذي بال بالنظر إلى أن برنامج الفترة الانتقالية هو برنامج تراضى عليه الجميع بل هو جماع اتفاقات السلام المفضية بعد سنوات إلى بناء السودان الجديد إذا أحسن الجميع تنفيذها. وبالتالي فان على القوى الحزبية أن تتهيأ للتنافس في الانتخابات القادمة بعد ثلاث سنوات" (الشرق الأوسط 10/6/2004).

ليت التحليل والنقد اتجه إلى كيف يطور الاتفاق إلى واقع ملموس، وكيف تُحكم الضمانات لتنفيذه، وكيف يؤطر دستورياً ميثاق الحقوق الذى ورد في البروتوكول (الفقرة 6.1)، وكيف تتم المشاركة في اللجنة القومية للدستورالتى يتحدث عنها البروتوكول (الفقرة 12.2)، وكيف تُكَّون اللجان الرقابية المستقلة مثل: لجنة الانتخابات، لجنة حقوق الإنسان، لجنة الخدمة العامة، اللجنة القومية للخدمة القضائية؟ فاتفاقيات السلام ليست حدثاً (Event) وإنما هي عملية (Process)، والعملية هي جملة أعمال تنشأ من مركز انطلاق واحد ثم تترى وتتفاعل.

في خطابه عقب التوقيع على إعلان نيروبي (5 يونيو 2004) قال رئيس الحركة: "برغم أن الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني سيصبحان الشريكان الرئيسان في المرحلة الأولى للفترة الانتقالية إلا أنا نفهم هذه الشراكة كعملية لا تُقصي أحداً، ولهذا نسعى لضم كل القوى السياسية لعملية السلام، وعلى رأس هذه القوى الأحزاب المنضوية تحت لواء التجمع الوطني الديموقراطي. لهذا السبب اقترحنا وضع عقد اجتماعي ينعقد عليه وفاق شامل ويلتزم باتفاقيات السلام، كما يوضح بجلاء محددات الحكم الصالح، وأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة الانتقالية. يتضمن العقد أيضاً التزاماً أخلاقيا بالقيم التى لا يستقيم الحكم الصالح (Good Governance) دون الالتزام بها، على أن يكون ذلك في مدونة سلوك يلتزم بها اللاعبون السياسيون". هذه النظرة للمشاركة تنشد الارتقاء بها إلى آفاق تتجاوز الصراع على السلطة (بمعنى كراسي الحكم) إلى صراع حول الأهداف من الحكم، وتحويل الامتثال الاجرائي بقواعد الحكم الصالح إلى التزام أخلاقي بهذه القواعد.

عَملٌ صالح أن تتجه القوى السياسية داخل القطر لإنشاء تحالف لتحويل الاتفاق من صفقة ثنائية إلى اتفاق قومي. وأكثر صلاحاً الاتجاه بهذا العمل إلى القضايا التى تتناول جوهر الحكم، والوسائل التى تتيح مشاركة فاعلة في صوغ السياسات، ومراقبة التحول الديموقراطي. وقد كان للتجمع، بلا مشاحة، إسهام كبير في بلورة أفكار الحركة نفسها حول التحول الديموقراطي. وإن كان أحد طرفي الاتفاق (الحركة الشعبية) والذي هو عضو أصيل في التجمع الوطني الديموقراطي قد أبان الخطوط العامة لجوهر المشاركة، فقد أعلن أيضاً الطرف الحكومي رأيه واضحاً في بيان مشترك مع التجمع خلال زيارة النائب الأول لرئيس الجمهورية للقاهرة ولقاءه مع قيادات التجمع. ذلك البيان تحدث عن "ضرورة تضافر جهود القوى السياسية كافة لترسيخ السلام وشموله وتعزيز التحول الديموقراطي والحفاظ على وحدة البلاد، وتخلي التجمع، إزاء ذلك، رسمياً عن العمل العسكري المعارض" (الحياة 11/6/2004). وجاء خطاب الفريق البشير في مساء يوم 29/6/2004 تأكيداً لذلك العزم، خاصة إعلانه السعي الجاد لإدارة حوار وطني مع كل القوى السياسية.

لقد أتاحت اجتماعات هيئة قيادة التجمع التى انعقدت في أسمرا في الفترة (14 ـ 1/7/2004) فرصة مواتية لحوار مطول حول استراتيجيات التجمع المستقبلية خاصة فيما يتعلق باتفاق السلام والتحول الديموقراطي. ولعل من أبرز ما ورد في الخطاب الافتتاحي لرئيس التجمع (الأربعاء 14/6/2004) دعوة التجمع لـ " لأمرين، الأول هو الترحيب باتفاقيات السلام "طالما أنها تفضي إلى وقف الحرب والاقتتال وتحقيق التحول الديموقراطي والتبادل السلمي للسلطة، وتخلق واقعاً جديداً لترتيب الأوضاع السياسية للتعامل معه في إطار السعي نحو الأفضل". الأمر الثاني، كما جاء في الخطاب هو، "أن الاتفاق بين الحركة الشعبية وحكومة الخرطوم يظل مفتقراً إلى الإجماع الوطني الذى يضمن له النفاذ على أرض الواقع، ولن يتسنى ذلك دون مشاركة التجمع الوطني الديموقراطي والقوى الرئيسة". هذا رأي صائب لأن أي محاولة من جانب التجمع لتحقيق أجندته القصوى، أو رفع سقف مطالبه عما حدده في مبادرات السلام، مع عدم توفر الظروف الموضوعية لذلك يصبح تخبطاً أو مغامرة، وما أودى بالسودان غير تزيد المغامرين العاجزين عن فك الاشتباك مع أوهامهم. دعا رئيس التجمع أيضاً للإبقاء على كيان التجمع مع "تطوير ميثاقه وآلياته للتوافق مع متطلبات المرحلة القادمة لتأمين الوحدة الوطنية والسلام والديموقراطية والتنمية الشاملة". هذه رغبات عملاقة، يتطلب تحقيقها جهداً عملاقاً. ونحن نبرز هذا الجانب من الخطاب لما فيه من استبصار لطبيعة المرحلة القادمة، وهى مرحلة لها رؤاها وآلياتها كما لها أخلاقياتها الخاصة التى تضبط التعامل. فلا أفكار الهيمنة والظلم العظيم من جانب، ولا نظريات الاستئصال للآخر المغاير أو توقع بناء السودان الجديد بالعنافة، من جانب آخر، تصلح في مرحلة "تأمين الوحدة الوطنية والسلام والديموقراطية"؟