في هذا المقال، وذاك الذي يليه


سبتمبر/ 2004

 

 

الفصل الثالث

 

حق تقرير المصير .. نكون أو لا نكون، ماذا تعني؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في هذا الفصل، وذلك الذى يليه ننتقل للحديث عن موضوعين اتسم الحديث حولهما بتخليط معرفي سببه استحواذ الأوهام على عقولنا دهوراً. الموضوعان هما قضية جنوب السودان بتداعياتها التى انتهت إلى المطالبة بحق تقرير المصير، وقضية المناطق المهمشة التى أدى التهوين من شأنها إلى توقد النيران في الشرق والوسط والغرب. ورغم اتساع الأمر وتفاقمه، بل رغم التجارب التى أثبتت أن ليس في الأوهام التى استعمرت عقولنا خيرٌ يُغتبط به، ما فتئت الأوهام تتناسخ،وما زلنا نتلوى على تلك القضايا ونتمارى فيها مراءً ظاهراً. نطلق على ذلك الاستعمار العقلي اسم الأوهام لأنه يتجاهل الواقع، ويتعامى عن المآسي والكروب التى تحيط بنا، ويبتني الأحكام كلها على أنصاف الحقائق، إن لم يكن علىأشباهها.

 

في هذا الفصل نقتصر الحديث على الموضوع الأول: مشكلة الجنوب وحق تقرير المصير. فمنذ مذكرة مؤتمر الخريجين في 3 أبريل 1942 قالت الحركة الوطنية (الشمالية) في مذكرة المؤتمر الشهيرة أن الجنوب جزءٌ لا يتجزأ من الشمال، ولهذا طالبت بإلغاء قانون المناطق المقفولة وتوحيد شقي القطر. مع ذلك، ظل أغلبنا في الشمال يتساءل "الجنوب داير شنو؟". السؤال يعني واحداً من شيئين، إما أن هذا الجنوب الذى هو جزء لا يتجزأ من الشمال أرض قفر (Terra Nullius) لا أهل له حتى نعرف منهم ما يريدون، أو أن هذه الرقعة من الأرض والتي تُمثل ثلث الوطن الكبير أرض مجهولة (Terra Incognita) اكتشفناها واستحوذنا عليها بحق الاكتشاف. أسوأ من ترداد هذا السؤال مواظبتنا، بعد مضي نصف قرن من الحكم الذاتي وخروج الاستعمار، على القول أن لا نصيب لنا من المسئولية عن كل الحروب الأهلية التى كادت تزهق روح الوطن، بل إصرارنا على رد المسئولية كلها عن تلك الحروب إلى الخطيئة الأولى التى ارتكبها الاستعمار. لزوم تلك الدعوى والثبات عليها يعني أن ليس لنا ما نعتذر عنه أو نندم على فعله رغم الحروب، حتى كاد أن يكون شعارنا هو الأغنية الخالدة للمطربة الفرنسية اديث بياف "لا شئ، لا شئ، لا شئ أعتذر عنه" (Rien de rien, je ne regrets rien). يفيد إذن أن نبين ما هو هذا الجنوب؟ وما هي قضيته؟ وهل كانت عناصر هذه القضية معلومة للجميع بحيث تدخل في علم الكافة، أم أن موضوع الجنوب كله أسطورة اختلقها الاستعمار وتولاها ربائبه بالرعاية.

 

الجنوب، في أي بلد من بلاد الله، هو كل ما يقع على يمينك ويقابل الشمال وأنت متجه شرقاً. بيد أن الذى نسميه جنوباً في السودان، منذ مذكرة المؤتمر، هو الوحدات الإدارية التى قرر الحكم الاستعماري في عام 1930 (مذكرة السكرتير الإداري هارولد ماكمايكل) عدها مناطق مقفولة. تلك الوحدات ضمت المديريات الثلاث: بحر الغزال، وأعالي النيل، ومنقلا (والأخيرة أصبحت تعرف فيما بعد بالاستوائية). برر ماكمايكل ذلك القرار بما يلي: "إنشاء سلسلة من الوحدات القبلية أو العرقية (أي الاثنية) القائمة بذاتها على أن يكون قوام النظام فيها مرتكزاً على العادات المحلية والتقاليد والمعتقدات بقدر ما تسمح به ظروف العدالة المحلية والتقاليد والمعتقدات والحكم الصالح". تلك كانت بلا شك هى الخطيئة الأولى التى غرست بذور التفرقة بين شقي القطر، خاصة وقد اتسم تنفيذ تلك السياسة بسخف العقل. مثال ذلك قرار الإدارة الاستعمارية أن تجعل من منطقة كافياكنجي منطقة عازلة (Buffer Zone) بين دارفور وبحر الغزال حتى تمنع، كما جاء في مذكرة ماكمايكل، "اختلاط العرب بالزنوج".

 

قانون المناطق المقفولة ليس هو الخطيئة الوحيدة التى اجترحها الاستعمار، فمن خطاياه أيضاً تبنى منهج التنمية اللا-متكافئة، واستغلال التنافس بين الطوائف الدينية، ووضع القوى التقليدية في مجابهة النُخبة الحديثة التى أخذت في البروز بعد ثورة 1924. والسياسات الأخيرة في الشمال لم تكن أقل سخفاً عن رصيفتها في الجنوب. ففي رسالته حول تنفيذ سياسة الحكم غير المباشر كتب حاكم عام السودان السير جون مافي (1926- 1934) يقول أن الحكم غير المباشر "سيكون أقل تكلفة كما سيصبح غدة واقية (Protective Gland)ضد الجرثومة المريبة (Septic Germ) للوطنية التى ستفد لا محالة من الخرطوم".

 

تلك كانت سياسات الاستعمار في الشمال والجنوب وما ابتغى منها غير خدمة مصالحه الاقتصادية والتمكين لحكمه. لهذه الأسباب نهضت الحركة الوطنية لإجلاء الاستعمار لا لتحل محله فقط وإنما أيضاً لتُبَدِل من سياساته حتى يكون السودان "حراً مستقلاً" يبنيه أبناؤه بحيث يزال الغبن، وتتحقق الوحدة الوطنية، ويُطور القطر. لهذا يصبح السؤال الأصوب هو ما الذى فعلنا لتحقيق هذه الأهداف بعد احتلالنا للفضاء السياسي الذى خلفه الاستعمار، وليس الهروب إلى الأمام من السؤال بدعوى أن الاستعمار قد أورثنا المشاكل. وعلى أي، فقبيل خروج الاستعمار طرأ واقع جديد بالنسبة للجنوب هو أولاً، التوافق المبدئي بين شقي القطر على التوحد (يونيو 1947)، وثانياً، تراجع الاستعمار عن سياساته نحو الجنوب (ديسمبر 1948).

 

ففي الحالة الأولى تراضى ممثلون للجنوب والشمال في مؤتمر جوبا (12-13 يونيو 1947) على توحيد شقي القطر "آخذين في الحسبان مخاوف أهل الجنوب" من التوحيد العاجل، أي، أن قبول التوحيد كان مبنياً على شروط. وفي الحالة الثانية أعلن السكرتير الإداري، السير جيمس روبرتسون أن "سكان الجنوب أفريقيون وزنوج خُلص ولكن العوامل الاقتصادية والجغرافية (كما يتراءى في الوقت الحاضر) تجعل صلتهم بشمال السودان العربي الذى يتصل بدوره بأقطار الشرق الأوسط وثيقة جداً. وعليه يجب التأكيد على أنه من الممكن عن طريق التقدم الثقافي والاجتماعي إعدادهم في المستقبل ليكونوا أنداداً متساويين مع الشماليين اجتماعياً واقتصادياً في سودان المستقبل". أعجب العجب أنا ما زلنا حتى اليوم نتحدث عن سودان المستقبل الذى بشر به الاستعماري العتيد. وعلى أي، فالكلمات المفتاحية في رسالة روبرتسون هي أولاً، أن العوامل الجغرافية والاقتصادية تمثل أساساً متيناً للوحدة بين الجنوب والشمال، وثانياً، أن الطريق لتمتين تلك الوحدة هو التقدم الثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذى يجعل الجنوبيين أنداداً للشماليين.

 

جميع السياسات السودانية تجاه الجنوب عقب الاستقلال اتسمت بخصيصتين متصادمتين، الأولى هي الحرص على وحدة شقي القطر بحيث أصبحت تلك الوحدة عقيدة سياسية شمالية. والثانية هي الاستهانة برؤية الجنوبيين لشرائط هذه الوحدة. هذه الاستهانة هى التى تجعل السؤال المتواتر عما يريده الجنوب سؤالاً مُشتبهاً أمره. فمنذ الاستقلال، بل منذ مؤتمر جوبا، كان بين أبناء الجنوب من تصدى لإبانة مصالح أهلهم والتعبير عن مطامحهم، تماماً كما كان المثقفون الشماليون يبلورون مصالح ومطامح أهلهم في الشمال، بل مصالح ومطامح القطر كله. وعند إيضاح ما يريده الجنوبيون بالنسبة للجنوب، لم يختلف رأي الجنوبي المسلم عبدالرحمن سولي، عن رأي الكاثوليكي ستانسلاوس بياساما، أو رأي الانجليكاني بنجامين لوكي. لا حاجة بنا لرواية فصول التاريخ السياسي المأساوي لجنوب السودان، وللعلاقة بين الجنوب والشمال. ذلك التاريخ بدأ في العهود الديموقراطية بفرض وصاية قسرية على الجنوبيين بدعوى (أو افتراض) أن ليس في كل الجنوب من هو قدير على التعبير عن رأي أهله (عدم إشراك الأحزاب الشمالية للجنوبيين في المفاوضات المصرية البريطانية التى تمت قبيل إعلان الحكم الذاتي)، وتبع ذلك التنكر لوعد كان هو شرط وجوب لقبول الجنوب إعلان الاستقلال من داخل البرلمان (الفيدرالية كأساس للحكم)، ثم العجز الكامل في الديموقراطية الثانية عن تنفيذ قرارات لجنة الاثني عشر وهى القرارات التى كانت تمثل آنذاك الحد الأدنى للمصالحة الوطنية. على أن أعلى درجات الحمق في تلك السياسات كانت هي انقضاض حاكم شمالي (نميرى) على اتفاق حقق ـ رغم هشاشته ـ سلاماً دام عشر سنوات (اتفاق أديس أبابا 1972).

 

إمعانا في خداع النفس وتضليل الآخر ظلت الطبقة السياسية الشمالية، خاصة أهل الحل والعقد من بينها، كما ظل أغلب مكيفي الرأي العام في الشمال من الباحثين والإعلاميين وبعض الأكاديميين، يبيحون لأنفسهم الوصاية على الجنوب بدعوى أن الجنوبيين لم يبلغوا بعد الدرجة من الوعي التى تؤهلهم لاحتلال المناصب الرفيعة في الدولة (السودنة) أو التعبير الرشيد عن مصالحهم. ليت هؤلاء الأوصياء بزعمهم استمعوا لنصح الناصحين. من بين أولئك الناصحين اللجنة التى كونتها أول حكومة وطنية للتحقيق في أحداث الجنوب 1955 برئاسة القاضي الفلسطيني توفيق قطران، قاضي جنايات الخرطوم يوم ذاك (ضمت اللجنة ضابط البوليس المعروف خليفة محجوب، وكان وقتها مديراً لمشروعات الاستوائية، والزعيم الجنوبي لوليك لادو من الليريا). قال التقرير: "أن السودانيين الشماليين، ومن بينهم من يتقلد وظائف كبرى في الإدارة، يصفون الطبقة المثقفة من الجنوبيين بأنهم أنصاف متعلمين. أن التعليم شئ نسبي وتختلف فيه وجهات النظر، وقد استفادت الأمم من التجارب المتكررة، بما في ذلك الدول التى لها ماض طويل في استعمار الشعوب بأن من الخير لها أن تكسب ثقة الطبقة المثقفة سواء كانوا متعلمين أو أقل درجة من ذلك. إن الإدارة الشمالية في الجنوب ليست استعمارية ولكن لسوء الحظ فإن أغلبية الجنوبيين ينظرون إليها هذه النظرة. وطالما كان الأمر كذلك فإن من المُهم كسب هذه الطبقة المثقفة". التجارب التى تلت تقديم هذا التقرير إلى وزير الداخلية الشيخ علي عبد الرحمن في 18/2/1956(أي بعد إعلان الاستقلال) أثبتت أن تلك النصائح لم تكن غير صيحة في واد.

 

الاستهانة، ونقض العهود أو التخلي عن الوفاء بها، قادا إلى ارتفاع سقف المطالب الجنوبية بعد كل مرحلة وعد فيها الشمال وأخلف الوعد. وهكذا مضى التشدُد، تداول بعد تداول؛ واشتد وطيس الحرب، حربٌ لي وعلىَّ. ثمن هذا كان هو انحدار السودان كله في المزيد من التخلف والهوان. فلو تحققت الفيدرالية في مطالع الاستقلال لما نشبت الحرب بل ولربما تطور السودان كما تطورت كوريا الجنوبية التى كانت في نفس مستوى السودان الاقتصادي عند استقلاله. كوريا الجنوبية لا تملك ما يملك السودان من موارد، ولا تزيد مساحتها عن 100 ألف كيلومتر مربع. إلا أن ناتجها القومي الإجمالي يبلغ اليوم 422 بليوناً من الدولارات، في حين لم يتجاوز في السودان 12.5 بليوناً (تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية 2003). ولو قبل الشمال حكماً إقليمياً يمنح الجنوب سلطات واسعة كما تمنى أغلب الجنوبيين في مؤتمر المائدة المستديرة 1965، أو حتى كما قررت لجنة الاثني عشر، فلربما أحرز السودان ـ على الأقل ـ ما أحرزته ماليزيا التى نالت استقلالها في عام 1963. ولا تزيد مساحة ماليزيا عن 360 كيلومتر مربع لا تحتوي على ما يحتويه السودان من موارد. وفي العام الماضي بلغ الناتج القومي الإجمالي لماليزيا 88 بليوناً من الدولارات في حين بلغ في سنغافورة الصغيرة والتي انفصلت عن ماليزيا عقب الاستقلال بقليل، 85.6 بليوناً. وفي الحالتين هو سبع أضعاف الناتج القومي الإجمالي لبلادنا. ولو لم ينقض نميري اتفاق أديس أبابا لما اشتعلت نيران الحرب من جديد في عام 1983 بصورة أشد ضراوة، ولو لم تتحول الحرب بعد استيلاء الجبهة القومية الإسلامية على الحكم إلى حرب جهادية لما تعالت نداءات الانفصال من الجنوب، وكاد الوطن كله يَغرقُ في ظُلمات بحرٍ لُجي يغشاه موج. لكل ذلك، لم تبق للسودان جارية تنقذه من اللُجة التى طغى ماؤها غير حق تقرير المصير. لو، لو، لو، كل هذه اللوات لا تفيد إلا امتناع الوجوب لامتناع الشرط.

 

ارتفع، إذن، سقف المطالب الجنوبية إلى خيارين: الانفصال الفوري، أو الوحدة الطوعية، أي الوحدة التى يقررها الجنوبيون بمحض إرادتهم لو توفرت شروطها. ولا نلومن في هذا إلا أنفسنا في الشمال إن حَملَنا الجنوبيين إلى تلك النهاية. وعلى كل، ارتضت الشرط الأخير كل القوى السياسية منذ يونيو 1995 (التجمع الوطني في مؤتمر القضايا المصيرية)، وحكومة الإنقاذ (اتفاق فرانكفورت 1992، إعلان مبادئ الإيقاد 1994، ثم اتفاقية الخرطوم للسلام من الداخل1997).

 

أمر تقرير المصير في بداية الأمر التوى به البعض على غير هدى مُستنجدين بحيل القانون. مثال ذلك الادعاء أن تقرير المصير حق تمارسه الشعوب المستعمرة، وقد مارسه السودان في 1/1/1956. وأذكر أن واحداً من الاعتراضات التى أبداها جناح الشريف زين العابدين الهندي في الحزب الاتحادي الديموقراطي على قرارات أسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) هو تبنيها لحق تقرير المصير باعتباره انتهاكاً، في تقديرهم، لما أُسموه "سلامة الأرض وصيانة العرض". هذه لغة يصعب كثيراً ترجمتها سياسياً أو قانونياً، ولعلها في حاجة إلى تُرجمان من نوع آخر. الادعاء أن حق تقرير المصير حق يكفله القانون الدولي للشعوب المستعمرة فقط له ما يسنده في القانون الدولي التقليدي. فمنذ إعلان الرئيس ويلسون لمبدأ حق تقرير المصير في نقاطه الأربع عشرة، وإقرار معاهدة فيرساي لذلك الحق بالنسبة للشعوب المستعمرة أو الواقعة قسراً تحت هيمنة دولة كبرى، ارتبط مفهوم حق المصير بالتحرر من الاستعمار. ثم جاء ميثاق الأمم المتحدة في عام 1951 ليؤكد هذا المعنى. ولكن هذا الفهم لحق تقرير المصير لم يعُد يستند على ساق في ظل التطورات التى طرأت على القانون الدولي. من ذلك ما شهدته مفاهيم حقوق الإنسان التى أصبحت أيضاً حقوقاً للشعوب وليس فقط للأفراد. كما منه استمثال القانون للواقع السياسي على الأرض رغم كل ما كان يقول به القانون الدولي العرفي حول شروط الأهلية لممارسة حق تقرير المصير. وهناك شواهد كُثر على الظاهرة الثانية أهمها ما وقع مؤخراً في دول البلقان (يوغسلافيا القديمة)، والاتحاد السوفيتي، وتشيكوسلوفاكيا. ولعل في تجربتي يوغسلافيا والاتحاد السوفيتي ما يُستطرف. ففي الحالة الأولى تمسكت الولايات المتحدة (وزير الخارجية جيمز بيكر) بمبادئ القانون الدولي ورفضت الاعتراف بأول دولتين انشقتا عن يوغسلافيا: كرواتيا وسلوفينيا، في الوقت الذى اعترفت بهما ألمانيا على الفور، ثم تلتها دول أوروبية أخرى. ولم يتبدل الموقف الأمريكي إلا بعد أن استتب الأمر لحكام الدولتين المنشقتين. أما تمزق الاتحاد السوفيتي إلى ولايات فهو أدعى للعجب رغم أن ما حدث ما كان ينبغي أن يثير الاستعجاب. فدستور الاتحاد السوفيتي (دستور لينين) يمنح حق تقرير المصير لكل دول الاتحاد متى ما أرادت أي منها ممارسته، إلا أن ممارسة هذا الحق الذى كفله الدستور السوفيتي لم تتحقق إلا بعد سقوط النظامالذى أقامه لينين.

 

أما في الحالة الثانية (التطورات التى طرأت على القانون) فهناك جسم من القوانين الدولية التى تكفل الآن حقوق الشعوب، خاصة المجموعات الأصلية (Indigenous) في تقرير مصيرها، بمعنى تحديد وضعها السياسي، وتطوير ثقافاتها، وتنمية نفسها اجتماعياً واقتصادياً على الوجه الذى ترغب. وتقرير المصير، بهذا المعنى، قد تتم ممارسته حتى في إطار الدولة الواحدة. وقد دفع الاهتمام بحقوق المجموعات الأصلية كثيراً من الدول لتعديل دساتيرها بحيث توفر الضمانات اللازمة لهذه الجماعات لكي ما تشارك مشاركة فاعلة في السلطة، وتتمتع بنصيب عادل من الثروة، في ذات الوقت الذى تصون فيه خصائصها المميزة إن أرادت ذلك. فمضمون حق تقرير المصير هو المشاركة الفاعلة في العملية الديموقراطية للحكم والقدرة على صناعة مستقبلك السياسي والثقافي والاجتماعي. وتظل الهند هى النموذج الأقرب والأمثل بالنسبة للسودان من حيث طبيعة المشاكل التى يمكن أن يتعرض لها بلد متعدد الأديان والأعراق واللغات. وعي الطبقة السياسية في الهند بضرورة معالجة هذه القضايا بالقدر الذى حال دون تفجرها هو الذى أدام الحكم الديموقراطي في الهند، وأهَلهَا للقيام بدور محوري في الاقتصاد العالمي. ومن الأمور التى وعيتها الطبقة السياسية الهندية وأدركتها على حقيقتها موضوع العدالة في اقتسام السلطة مما قاد إلى الحكم الولائي بما فيه إنشاء ولايات تتمتع بسلطات أوسع من غيرها تسمى بولايات الاتحاد (Union States)، والقضاء على الظلم الاجتماعي الموروث بتبني سياسة التمييز القصدي في التعليم والعمل للجماعات المهمشة، واحترام الخصائص الثقافية لأقوام الهند بالاعتراف باللغات والثقافات القومية الخ. من جانب آخر، أسبقت الدول التى تدرك مسئولياتها نحو شعوبها في العقدين الأخيرين، على إعادة النظر في دساتيرها وقوانينها لكي ما تقفل الطريق على الانفجارات التى قد تتولد من الظلم، كان ذلك حقيقياً أو مُدركاً بالحس (Real Or Perceived)، وأهم من ذلك، أنتجعل من الأوطان ملكاً لكل أهلها بلا تمييز لفريق، أو استحطاط لآخر. مثال ذلك تعديل الدستور الكندي (1982) لحماية حقوق ومصالح النونافوت (فرع من الاسكيمو). هذه الجماعة لا يزيد عددها عن الثلاثين ألفاً إلا أنها تحتل إقليما تبلغ مساحته 2 مليون كيلومتراً مربعاً. ودستور كولومبيا (1991) الذى وفر للأقوام الأصلية حقوقاً تراوحت بين الحكم الذاتي المحلي، وتطبيق القوانين العرفية، وحماية الملكية الجماعية للأرض. ويمثل هؤلاء في كولومبيا واحداً وثمانين مجموعة أصلية متميزة يكونون 3% من السكان، ويتحدثون 64 لغة. وعلى نفس النهج سار دستور باراقواي (1992) لتوفير حقوق نظيرة للمجموعات الأصلية التى تمثل 4% من السكان في ذلك القطر، كما طرأت تعديلات على دساتير دول أخرى مثل البرازيل (1998)، والأرجنتين (1994) لتحقيق نفس الهدف.

 

تلك الذرائع والحيل القانونية، على أية حال، لم تعد ذات معنى بعد أن استمد منح حق تقرير المصير لجنوب السودان شرعيته من تراضي كل الأطراف السودانية عليه بما في ذلك (كما اتظنى) جماعة "الأرض والعرض".

 

ما الذى جاءت به ماشاكوس في هذا الشأن؟ في البدء جاءت بما أسميناه في الفصل الأول تطابق الرؤى حول جذور المشكل حتى لا يصبح الحوار حوار طرشان. ففي ديباجة الاتفاق أكد الطرفان "حرصهما على حل النزاع السوداني بصورة عادلة ومستدامة بمخاطبة جذور المشكلة وخلق إطار للحكم يقوم على الاقتسام العادل للسلطة والثروة وضمان صيانة حقوق الإنسان". ثم نبهت الديباجة "إلى أن النزاع السوداني هو أطول النزاعات الحالية في كل أفريقيا، وأنه حصد أرواح الملايين، ودمر البنيات التحتية للبلاد، وأهدر الموارد الاقتصادية، وتسبب في معاناة تفوق الوصف خاصة بالنسبة لشعب جنوب السودان". وضعت الديباجة أيضاً في الحسبان ما أسمته "المظالم التاريخية والتنمية غير المتوازنة بين أجزاء السودان المختلفة والتي تستوجب المعالجة". قد تقول أن ليس في هذا التشخيص شئ جديد، ونقول نعم. ولكن الذى يسترجع ما كانت صحافتنا في الشمال تردده عن "الخوارج" و"المتمردين"، وما كان بعض ساساتنا يجوبون العواصم العربية لإشاعته حول الهجمة الشرسة على العروبة من "بوابة الجنوب"، وما كان التلفاز يجليه على الناس عشية كل جمعة عبر برامج (في ساحات الفداء) حتى كدنا نظن أن مشركي مكة قد رُدوا أحياءً في توريت ولافون وخور إنجليز. من حق الذى يسترجع كل هذا أن يتساءل إن كان هذا التشخيص هو تشخيص لمشكل الجنوب، أم لمشكل آخر. فخلال عقود من الزمان ظللنا نشيع بين أهلنا، ونُعلم أبناءنا، وننشر بين العالمين أن الذى يدور في الجنوب فتنة صنعتها الكنائس، وأجج أوارها ربابئهم، وتداخلت قوى الشر الكنسية والإمبريالية والصهيونية والزنجية لتُبقى عليها مشتعلة. وزاد على ذلك آخرون بوصف تلك الحرب بـ "الابتلاءات" ظناً باطلاً منهم أن في مقدورهم تحميل رب العباد المسئولية عن خيباتهم وخيباتنا. فللحرب جذور محلية، وأسباب موضوعية، وكان في مقدورنا أن نطفئ نيرانها حتى لا يستغلها ذوو الأغراض. لهذا، فإن تحديد أبعاد المشكل بهذا الوضوح هو، في تقديري، من أهم إنجازات ماشاكوس، أولاً لأن تحديد أبعاد أي مشكل هو نصف الحل، وثانياً لأنه وضع حداً للمتاجرة بقميص عثمان. 

 

أكد بروتوكول ماشاكوس، فيما بعد، المبادئ الهادية التى يجب أن يرتكز عليها حل المشكل، وأهم تلك المرتكزات:

الاعتراف بوحدة السودان القائمة على الإرادة الحرة لشعبه، وبالحكم الديموقراطي والمساءلة والمساواة والاحترام والعدل لكل مواطني السودان كأولوية بالنسبة للطرفين. وأن رفع مظالم أهل جنوب السودان والاستجابة لطموحاتهم يصبح ممكناً في هذا الإطار (الفقرة 1.1)

حق أهل جنوب السودان أن يحكموا ويقرروا شئون إقليمهم وأن يشاركوا مشاركة عادلة في الحكومة القومية (الفقرة 2.1)

ممارسة الجنوب لحق تقرير المصير عبر الاستفتاء، ضمن وسائل أخرى. (الفقرة 3.1)

اعتبار الدين والعادات والتقاليد مصادر قوة روحية والهام للشعب السوداني (الفقرة 4.1)

  الاعتراف بما لأهل السودان من إرث وتطلعات مشتركة تجعلهم ميالين للعمل سوياً (الفقرة 5.1)

إقامة نظام ديموقراطي للحكم يعطي الاعتبار للتنوع الثقافي والاثني والعرقي والديني والتعدد اللغوي والمساواة بين الجنسين في كل السودان (الفقرة 6.1)

إيجاد حل شامل يعالج التدهور الاقتصادي و الاجتماعي ويستبدل الحرب ليس فقط بالسلام وإنما أيضاً بتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية واحترام الحقوق الأساسية الإنسانية والسياسية، لكل شعب السودان (الفقرة 7.1)

 

هذه هى المبادئ التى انطلقت منها كل المداولات التى استغرقت عامين بعد ماشاكوس. ومع شمول الرؤية في تلك المبادئ إلا أنها أيضاً استهدفت، على رأس ما استهدفت، ما نصت عليه الفقرة (10.1) من بروتوكول ماشاكوس: "جعل وحدة السودان خياراً جذاباً، خاصة لأهل جنوب السودان". في التحديد الجغرافي لجنوب السودان أشار البروتوكول إلى الحدود التى كان عليها ذلك الإقليم في 1/1/1956، وهو يوم إعلان الاستقلال. وقرأنا في أكثر من تعليق إشارات توحي أن هذه هي الحدود الإقليمية وضعت منذ عهد الاستعمار وأُقرت عند الاستقلال، وأن هذا هو الأساس الذى استمدت منه الحدود مشروعيتها. هذا ليس بصحيح، فإعلان الاستقلال لم يكن يقتضي تعيين حدود للمديريات أو الولايات لأن وضع تلك الحدود قضية إدارية داخلية في حين يستلزم إعلان الاستقلال تبيان الحدود الدولية للقطر. حقيقة الأمر، حدود المديريات في الشمال والجنوب، بل تقسيم المديريات نفسها، كان يتم دوماً وفق اعتبارات إدارية قبل الاستقلال وبعده. فعلى سبيل المثال ضُم مركز الكرمك، والذي كان حتى عام 1953 جزءاً من مديرية أعالي النيل، إلى مديرية النيل الأزرق بقرار إداري قبيل الحكم الذاتي. وفي عهد عبود ـ أي بعد إعلان الاستقلال في 1/1/1956 ـ أصدر اللواء حسن بشير نصر قراراً بضم منطقة شالي الفيل بمن فيها من قبائل الاودوك إلى مديرية النيل الأزرق مما أدى إلى تقسيم تلك القبيلة بين مديريتي أعالي النيل والنيل الأزرق، وكانت الأخيرة تدار يوم ذاك من واد مدني. قرار حسن بشير لم يكن استجابة لدواعي إدارية، بل كان قراراً أمنياً أراد به نظام عبود إحكام السيطرة على تلك المنطقة خشية من اقتحام "المتمردين" لها مما يهدد أعمال التشييد في خزان الرصيرص في ذلك الوقت.

 

موضوع حدود المديريات الجنوبية أثير كقضية ذات بُعد سياسي للمرة الأولى بعد الاستقلال في مفاوضات أديس أبابا. كان علينا أن نقرر أين يبدأ وأين ينتهي الجنوب، خاصة وقد أثار المفاوضون الجنوبيون قضية أبيي في ذلك الاجتماع، كما تساءل مفاوضون شماليون عن وضع القيقر والرنك. إزاء ذلك الجدل اقترح الراحل جعفر بخيت صيغة أصبحت هي الأساس للمادة 3.3 من الباب الثاني من قانون الحكم الذاتي الاقليمي وهى المادة التى تُعَرِّف الجنوب. تقول المادة: المديريات الجنوبية هي "مديريات بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل وفق الحدود التى كانت عليها في 1/1/1956 وأي مناطق أخرى كانت جغرافياً أو ثقافياً جزءاً من الكيان الجنوبي حسبما يُقَرر عبر الاستفتاء"

 

لعل في هذا ما يرد على بعض التساؤلات والتي لم يخلُ بعضها من المزح. ففي مقال للصديق إبراهيم منعم منصور (الأيام 2/6/2004) ورد تساؤل منسوب للعميد المتقاعد محجوب عبد الفراج عن مآله بعد أن تطاول الحديث حول حدود جنوب السودان إلى جبال النوبا، والنيل الأزرق، وأبيي. سأل العميد المَزَّاح هل ستمتد تلك الحدود أيضاً إلى الموردة. السؤال، فيما أحتسب، لا يتجاوز أفاكيه العميد، ولكن بعض الأمور جَدُها جَدٌ وهَزلُها جد، خاصة وقد كان مقال إبراهيم، في جانب منه، تصويراً لسيناريو يوم الهول (Doomsday Scenario). الهول هو انفصال الجنوب، وبالطبع من باب العقل أن يأخذ الإنسان الأمور بأوثق وجوهها حتى لا يُسبق على أمر. من ذلك السؤال عما الذى ينبغي أن يفعل الشمال إن وقع الانفصال. الانفصال، بلا شك، داهية إلا عند أصحاب المنبر الذين يسعدهم أن يذهب الجنوب، بل أن يتفكك السودان كله حتى يستأثروا بالشمال ليقيموا فيه الدين كما يزعمون. وفيما نقدر، لن يقيموا في بلادنا غير دويلة صاخبة الفقر تسيطر عليها دهماوية دينية ليس لها من دين القَيِّمة نصيب. الكُساح الفكري ـ ولا أقول الخيلاء الفكرية ـ هو الذى يجعل أصحاب المنبر، ومن لف لفهم، يتمنون أن يتقوقع السودان مكانياً وينغلق زمانياً، وهذا محال.

 

أعود لمقال إبراهيم لأقول أن الإستحاطة (اسم مبالغة في الاحتياط) في الأمر تستلزم منا التفاكر في كيف نتفادى الهول، لا كيف نستقبله. ذلك لن يكون إلا بإعادة بناء السودان على أسس جديدة حتى يرى فيه الجنوبي كما يرى الشمالي وجهه، وتتعايش فيه الأديان في تسامح واحترام، وتُسخر فيه الموارد البشرية والطبيعية كلها للارتقاء بأهله جميعاً، ويصبح كل شبر من أرضه مهاداً وطيئاً لا يؤذي جنب أحد من أبنائه وبناته.

 

سؤال العميد، جداً كان أم هزلاً، يعود بي إلى نقاش لاجب دار خلال مفاوضات أديس أبابا. أقترح أحد المفاوضين الجنوبيين عند مناقشة كيفية تمويل مشروعات التنمية في الجنوب فرض ضرائب على كل الجنوبيين عبر القطر وخارج السودان. ذلك الاقتراح قابله أبيل ألير باعتراض شديد قائلاً: " أن الاقتراح سيخلق تعقيدات لا حاجة لنا بها إذ ما هو المعيار الذى نحدد به من هو الجنوبي في الشمال؟". ولعل الصورة نفسها التى أراد العميد رسمها هي التى تراءت يوم ذاك في مخيال أبيل ألير. الأمر، على أية حال، انتهى إلى الاتفاق على أن تكون الإقامة هي الأساس لفرض الضرائب في الجنوب على الجنوبي والشمالي معاً. هنا يجدر أن نضيف أن اتفاقيات السلام الراهنة تتيح في خلالالفترة الانتقالية الحرية كاملة لانتقال رأس المال والسلع والعمالة بين الشمال والجنوب.

 

من السذاجة الظن أن التوقيع على الاتفاق سيزيل لوحده عدم الثقة التى عشعشت في رؤوس الكثير من الجنوبيين بسبب السياسات الخاطئة التى ظللنا ننتهجها طوال نصف القرن الماضي. تلك العشاعش قادت لاستقطاب شمالي ـ جنوبي حاد، زادت حدته بتحويل الحرب الأهلية إلى حرب دينية. لهذا فإن الضمان الأكيد لوقوع الانفصال هو الإبطاء في تنفيذ ما نصت عليه اتفاقيات السلام، أو تخذيل الذين عزموا على إنفاذها، أو في الظن بأن نصوص الاتفاق تعني غير ما، أو أقل مما، تعنيه. ويقيني أنه رغم وجود تيار كبير بين مثقفي الجنوب لم تَعُد في قلوبهم أية مساحة للثقة في احترام الطبقة السياسية الشمالية لوعودها، إلا أن ما نسميه قوى السودان الجديد في الجنوب، والتي تمثل نوعياً كياناً جد مؤثر، لهى أشد حرصاً على وحدة السودان من بعض مثقفي الشمال الذين ما زالوا يعتقدون أن الوحدة يمكن أن تتحقق بتعبئة النبيذ القديم في قناني جديدة. هؤلاء لم يُقَدروا بعد أن للوحدة ثمناً يدفع.

 

قوى السودان الجديد هذه تنظر إلى أفق سياسي قد يتجاوز حدود بلادنا، ولا سبيل لها للعبور إلى تلك الآفاق إلا من مركز انطلاق وطني قوي. مركز الانطلاق هذا هو السودان الموحد المستقر، المُدرك لعناصر قوته المادية والروحية، العليم بتعدد وتنوع خصائصه، الواعي بما في هذا التنوع والتعددمن إثراء، القادر على تنمية موارده وإدارة نفسه وتطوير قدراته. هذه هي معالم السودان الموحد الذى تتمنى، بل تسعى قوى السودان الجديد لتأسيسه. أما تجار النبيذ القديم فأغلب الظن أنهم لا يبتغون غير استمرار الهيمنة القديمة، وفي هذا لا يعبرون إلا عن خيلاء فكرية تنبعث من موروثات عنصرية أعجزتهم عن اكتناه عناصر القوة في الشخصية السودانية المركبة. والعنصرية، في نهاية الأمر، لا تنبئ إلا عن سخافة في التفكير ودناءة في القيمة الإنسانية.

 

هذا السخف والدناءة لا يعبران، لحسن الحظ، عن إحساس السوداني العادي الذى لا يطمع إلا في السلام والأمن والاستقرار والعيش الكريم. ولعل الذى يُطمئن المرء هو قدرة عامة الناس في السودان (جنوبيين وشماليين) على التساكن الآمن، والتفاعل المثمر مع بعضهم البعض رغم كل أهوال الحرب، والعزوف الكامل عن الاستجابة لمتتاليات الانفعال المصطنع الذى تؤجج نيرانه طائفة من المثقفين، وأشباه المثقفين. لهذا لم يتحول السودان، رغم الحروب، إلى رواندا.

 

لست أيضاً من الغباء للظن أن جميع أهل السودان قد أصبحوا ملائكة خليت أنفسهم من مشاعر الاستعلاء والحَمية، فما زال بيننا من في "قلوبهم الحَمية حَميةَ الجاهلية". ولكني جد موقن أن استثارة هذه المشاعر بهدف تسعير الغيظ ضد الآخر، أو الإغراء بالحقد عليه ـ في الشمال كان ذلك أو الجنوب ـ لا تجئ دوماً إلا من نُخب تملكتها رؤى وأفكار، منها النبيل ومنها ما هو أقل نبلاً. هذه النُخب تسعى في بعض الأحيان لتسويق رؤاها وأفكارها باستثارة أدنى ما في الإنسان: الموروثات البيولوجية، وفي هذا المجال، سعدت كثيراً بتجربة مررت بها هذا العام لأنها كشفت لي عن جوهر أهل السودان. ففي افتتاح مؤتمر الحزب الاتحادي الديموقراطي في القاهرة (4/5/2004) اعترضني رجل التقيته للمرة الأولى وقدم لي نفسه: حسن نمر عمدة الجعليين. استقبلت الرجل بما يجدر أن يستقبل به مثله من ترحاب، ثم استمعت لما أراد أن يُفضي به إلىَّ. قال: "لي رسالة أرجو أن تبلغها للدكتور جون قرنق إن لم يكن قد أبلغها له ياسر عرمان الذى حَمَلته نفس الرسالة إبان زيارة وفد الحركة للخرطوم". قلت: "ما رسالتك؟ أجاب: " أبلغه أن الذين يرموننا بالعنصرية لا يعرفوننا، وأنقل له أنني سأكون على رأس مستقبليه في الخرطوم لاصطحبه معي للمتمة ليشرب القهوة مع أهلها". قصة شرب قرنق القهوة في المتمة أسطورة روجها سخفاء العقول لتأجيج الغضب الشمالي ضد قرنق بالإيحاء بأن كل الذى يبتغيه هو إذلال الشمال، ولكيما يبلغ الإذلال غايته اختاروا هدفاً له أهل الدروع والخيل.

ف المرضي الذى ينتاب هؤلاء من الاختراق الفكري الذى أحدثته الحركة في الشمال، خاصة بالنسبة للأج

 

هذه الاستثارة الغبية لعامة الناس من جانب سخفاء العقول تعود، في كثير من الأحوال، للخو

يال الجديدة. وان كانت القوى السياسية في الشمال (أياً كان موقعها) قد قبلت التفاعل مع الحركة انطلاقاً من أن ذلك التفاعل هو الذى سيقود لوحدة السودان، أي انطلقت من دوافع وطنية سياسية، وإن كان أصحاب المصالح (التجار ورجال الأعمال) سيتعاملون مع الواقع الجديد في الجنوب والجبال والشرق بشكل ايجابي طالما ضمنوا حماية مصالحهم، وتوفر لهم الاستقرار الذى تربو معه أموالهم وتتوسع أعمالهم، فإن الجيل الجديد الذى يستقبل أفكار الحركة بترحاب لا يفعل هذا إلا لكفرانه بما ظل يرى ويسمع في الساحة السياسية الشمالية. النموذج السياسي والاقتصادي والثقافي الذى تطرحه الحركة، والذي لم يُجرب من قبل، هو الذى يؤرق بال أصحاب الرؤى والأفكار لأن نجاح ذلك النموذج لن يكشف فقط على العالمين العُري الفكري لمن ظلوا يتساعون للسيطرة على ساحة الفكر السياسي لبضع عقود من الزمان، بل وسيعريهم تماماً أمام أهلهم.

 

إئتجاج نيران التباغض بين السودانيين نتيجة سوء الفهم أمر ضار، ولكن تأجيجها جريمة. أشد جرماً أن عامة أهل الشمال، بسبب تلقيح الفتن، يعاقبون مرتين: مادياً ومعنوياً. العقاب المادي يتمثل في التخلف والفقر المذل، وما رمانا الله بفقر مدقع إذ أغنانا بموارد نُحسد عليها. الفقر المذل، والذي حمل أغلب أهل الريف السوداني في الشمال على الرضى بالدون من المعيشة، نتاج للسياسات التى فرضتها النُخب الحاكمة، ومنها الحرب لفرض الوحدة قسراً، والاستهانة بمعاناة أهل الأطراف الأكثر فقراً، وسوء إدارة الاقتصاد. فلئن تأتى بعض النُخب لتسقط كل أحمالها الفكرية والنظرية التالفة على جميع أهل الشمال، وتُحَمِّلهم باسم الدين تارة، وباسم الهُوية الثقافية تارة أخرى، المسئولية المعنوية على تلك الحرب فإن هذا لأيم الحق جناية لا تغتفر. لهذا السبب يخطئ المثقف الجنوبي الذى لم يدرك ـ ولا يريد أن يدرك ـ عمق المشكل السوداني عندما يلقي بالمسئولية عن كل ما عانى منه الجنوب على أهل الشمال بلا تمييز، فالموزور الذى ركب الوزر كله شرائح اجتماعية محددة، وطبقة سياسية معينة، استحوذا على الثروة أغلبها، وهيمنا على السلطة التى تُحمي بها تلك الثروة، فوقع الإقصاء للبعض. وكان لهذا الإقصاء تداعيات دفعت بأهل الريف في الشمال نفسه، والعاطلين من أهل المَدَر إما إلى البيود أو إلى حافة الفقر.

فالسؤال نبقى أو لا نبقى، تساؤل وجودي لا صلة له بالهُوية الثقافية، ولا بالدين، ولا بحماية "الأرض والعرض"، وإنما له كل الصلة بإعادة ترتيب البيت الداخلي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً حتى نُدرك ما فاتنا ونلحق لا بكوريا، أو الهند، أو ماليزيا وإنما بسنغافورة المدينة/ الميناء التى حازت على الاستقلال بعد استقلال السودان بقرابة عقد من الزمان، ولا تملك من الموارد غير قدرات أهلها، ومع ذلك بلغ ناتجها القومي الإجمالي، كما قلنا، سبعة أضعاف ناتجنا القومي.

 

نقطة أخيرة نقف عندها لما صحبها من التباس، وتتمثل في السؤال: لماذا يستأثر الجنوبيون بحكم الجنوب ويريدون أيضاً المشاركة في حكم الشمال؟ السؤال خاطئ لأنه ينطلق من افتراض خاطئ. فالحكم الذى سيشارك فيه الجنوبيون كمجموعة إقليمية ليس هو حكم كردفان والشمالية وكسلا، بل ولا هو حكم ولاية الخرطوم (باعتبار أن العاصمة القومية شئ وولاية الخرطوم شئ آخر). الذى سيتشاركون فيه الحكم هو الحكومة القومية، حكومة كل السودان التى شاءت الظروف أن يكون مقرها في الشمال. وإن كنا نتحدث عن سودان موحد فان المظاهر السياسية والإدارية لهذه الوحدة هي البرلمان القومي، والحكومة القومية، والخدمة المدنية القومية، والقضاء القومي، وطبيعي أن يكون للجنوبيين ـ كما لغيرهم من أهالي أقاليم السودان الأخرى ـ مكان في هذه المؤسسات.

 

هناك، بلا شك، مبرر للالتباس لأن الوضع الذى خلقته ماشاكوس وضع غير طبيعي إذ يخلق ثلاثة مستويات في الحكم بصورة غير متماثلة أو متسقة (Asymmetrical). فإلى جانب الحكومة القومية التى تدير كل السودان من العاصمة القومية، هناك أيضاً حكومة مركزية جنوبية تشرف على، وتنسق، أداء الولايات الجنوبية ليس لها نظير في الشمال. غياب إدارة نظيرة تشرف على، وتنسق، أداء الولايات الشمالية يوقف ذلك الواجب على الحكومة القومية (والتي يشارك فيها الجنوبيون). وبالرغم من مطالبة مفاوضي الحركة بقيام مثل هذا النظام أصر مفاوضو الحكومة على رفضه، ربما لما فيه من شبهة الكونفدرالية. ذلك الخوف لم يكن له ما يبرره لأن الكونفدرالية لا يعبر عنها التركيب المعماري للدولة ولا النعوت، بقدر ما هي منظومة دستورية تحقق ديموقراطية المشاركة، (Participatory Democracy)، وازدواجية السـلطة (Duality Of Power)، واللامركزية (Decentralization). هذا موضوع نعود اليه عند الحديث عن الدستور في فصل يتلي.

 

الهاجس الذى دار في رأس مفاوضي الحكومة هو نفس الهاجس الذى كان يدور في رؤوسنا خلال محادثات أديس أبابا، وأعترف أننا أخطأنا يومذاك خطأً بالغاً، رغم اختلاف الظروف والملابسات وانخفاض سقف مطالب الجنوب. فعند تداولنا حول موضوع السلطات التى يجب أن تُمنح للإقليم الجنوبي بحسبانه إقليماً متفرداً ذا خصوصية أبدى أحد مفاوضي الجنوب (اوليفر البينو) خشيته من خلق نظام تصبح فيه حكومة الشمال هى نفس الحكومة القومية. لأجل ذلك اقترح البينو نظاماً فيدرالياً يتكون من ولايات الجنوب والشرق والغرب والشمال بسلطات متوازية، على أن تكون السلطة القومية مستقلة عن، وفوق، هذه الولايات جميعاً. ذلك الرأي رفضناه جميعاً بمن فينا السيد أبيل ألير، ولعلنا لو قبلناه لخلقنا أساساً أمتن لفيدرالية حقيقية.

 

مهما يكن من أمر، فإن هذا الوضع غير المتماثل ليس بدعة، فله أشباه. واحد من هذه الأشباه هو الوضع الذى نجم عن منح سلطات تقارب السلطات الولائية لإقليم اسكتلندا ومقاطعة ويلز في بريطانيا قبل بضع أعوام، وفي إطار خطة توني بلير لتوسيع لا مركزية الحكم. حسب تلك الخطة أصبح للإقليمين (اسكتلندا وويلز) برلماناهما وحكومتاهما اللتان تقرران في أمور عديدة حددها القانون، خاصة في مجالات التعليم، والصحة، والنقل، والإدارة المحلية. هذا الحق لم يمنح لإقليم انجلترا وبالتالي أصبحت جميع القوانين التى تخضع لها انجلترا، حتى وإن كانت غير ذات طابع قومي شمولي، تصدر من البرلمان البريطاني الذى يضم في عضويته أعضاء من اسكتلندا وويلز.

 

أختم قائلاً أن الإجابة على السؤال نكون أو لا نكون ستكون جد سهلة لو أسبقنا ذلك السؤال بسؤال آخر؟ كيف وصلنا للدرجة التى بدأنا فيها التشكك في قابليتنا للوجود والبقاء؟