تعبير المناطق المهمشة


سبتمبر/ 2004

 

الفصل الرابع

 

المناطق المُهمشة : خيار بين الحيف والسيف

 

 

 

 

 

 

تعبير المناطق المهمشة الذى أشاعته الحركة في خطابها السياسي وَصفٌ علميٌ محايد لظاهرة اجتماعية/ اقتصادية/ سياسية دون أن يكون له أي بُعدٍ عرقي أو ديني. فالوصف أُطلق على مناطق في السودان ظلت تعاني، أكثر من غيرها، من آثار التنمية غير المتكافئة. وما فتئنا منذ أكتوبر 1964 نحدد الوصفات لعلاج هذه الظاهرة وعلى رأسها التنمية المتوازنة، والتي نسميها أيضاً التنمية المتوازية، وطوراً التنمية المتوازنة المتوازية. كل هذه الاصطلاحات أو التسميات شابتها سيولة بسبب العجز عن، أو عدم الاتفاق على، بلورة إطار مفهومي يستوعبها. باختصار، التعبير يعني التخلي عن النهج التنموي الموروث منذ الاستعمار. هذ أمر لم يتحقق لأنا، وفي كل عهد من عهود الحكم منذ أكتوبر 1964، ما أتينا للتطبيق حتى سرنا في صياغتنا لخطط التنمية على نفس المنهج القديم الذى ورثناه عن خالد الذكر السير جون كارمايكل، السكرتير المالي لعموم السودان.

 

تعبير الهامشية أو التهميش لم ينحته قرنق أو يُرَكِّبه، بل هو تعبير شائع في الأدب وله دلالاته المفهومية. ففي علم الاجتماع، مثلاً، يعالج الباحثون حالة يطلقون عليها "الهامشية" (Marginality) وهى دوماً مرتبطة بالسيطرة: سيطرة مركز على أطراف، أو جماعة مهيمنة على جماعات مستضعفة. وعلى الصعيد الاقتصادي يُعَبر التهميش عن نماذج للإقصاء أو الحرمان (Patterns Of Exclusion) من الرخاء النسبي في المجتمع أو الوطن المُعين. هذا التعبير يدرك معناه أي مساعد تدريس لعلم الاقتصاد في جامعاتنا، ولا ذنب لقرنق أن ضَمَّنه في خطابه السياسي السائر ربما رغبة منه في الارتقاء بذلك الخطاب عن اللغو، واللغو ما لا يُعتَد به من كلام. التهميش أصبح تعبيراً محورياً في رسالة الحركة الشعبية بحيث لم يَعُد يقف فقط عند التهميش الاقتصادي والسياسي على المستويات الإقليمية بل يشمل، إلى جانب ذلك، التهميش النوعي (المرأة)، والتهميش الجيلي (الشباب). لم نقصد السفسطة بالإشارة إلى مدلول الكلمة، ولا نبغي بها الحذلقة، وإنما هي مدخل لحوار سيجئ في آخر المقال مع الصديق الباحث محمد أبوالقاسم حاج حمد الذى روى أن ما تردده الحركة عن التهميش هو "محض ادعاء عنصري"، (البيان، 1/5/2004).

 

وراء هذا "الادعاء العنصري" المزعوم تاريخ، وتاريخ طويل سنوضح بداياته وتداعياته. لقد قضى الواقع الجغرافي في السودان أن يكون أغلب ضحايا المعاناة الأكثر حدة (فالسودان الريفي كله يعاني) من آثار التنمية غير المتكافئة، مناطق بعضها محاد للجنوب (النيل الأزرق وجبال النوبا)، أو جماعات من غير العرب (البجة، والفور، والنوبا، والانقسنا). ولئن تحالفت أو توحدت هذه الجماعات لحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية، فلا ذنب لها في التوحد رغم ما يمكن أن يتوهمه الآخرون حول طبيعة التوحد أو التحالف. ولجوزيف ستالين مقالة في أثر الجغرافيا على السياسة. حذر ستالين دولة فنلندا من اتخاذ أي موقف سياسي يضر بمصالح الاتحاد السوفيتي بما في ذلك التنسيق السياسي والعسكري مع الدول اللصيقة بها (دول سكاندناوه). قال لمحاوره الفنلندي أن خيار فنلندا الوحيد هو الحياد بين الكتلتين (الغرب والشرق)، كما قال له أيضاً: "قد يكون لكم رأي آخر ولكني لست مسئولاً عن الجغرافيا". فحوى القصة ـ حتى لا يذهب بها القارئ مذهباً قصياً ـ هو أن الجغرافيا قد تفرض واقعاً لا سبيل لتجاهله. لهذا فإن وصف التحالفات التى فرضتها أوضاع اقتصادية وسياسية معينة على أصقاع جغرافية محددة في الوطن بالتحالفات العرقية (الاثنية) لا يعين كثيراً على الوعي بجذور المشكلة. ليس هذا فقط، بل أن القراءة الخاطئة للواقع قد تحمل البعض منا على محاربة طواحين هواء، أو إلى تعميق المخاوف والشكوك بين الناس ودفعهم إلى استبطان تلك الشكوك ضد بعضهم البعض. النظرة الخاطئة لظاهرة التهميش ـ أي النظرة اليها من منظور عرقي (اثني) يتغافل عن جذورها ـ قد يقود أيضاً إلى أحكام تفتقد الفطانة مثل اتهام أبناء جنوب النيل الأزرق، ورثة مملكة سنار التى وطنت اللغة العربية في بلاط الحكم، بالعداء للعروبة. أو وصف النوبا الذين اتسعت أرضهم للإسلام بجانب الديانات الأخرى منذ قرون، أنهم أعداء للإسلام. أو نعت الفور والنوبا والبجة جميعاً بالعنصرية، لا أكثر ولا أقل متى ما ارتفع لهم صوت ضد السياسات التى لا تُفضي إلا لتعميق إقصائهم من مراكز صنع القرار.

 

وقبل أن تبرز الحركة الشعبية للوجود كان للمنعة السياسية التى تملكها الجنوبيون بحكم وزنهم في البرلمان السوداني، كما كان لحرب الجنوب نفسها، أثر في تكييف المواقف السياسية لهذه المجموعات. ولعل أول من فطن إلى ذلك التهميش وسعى لإبانة تخومه ـ حتى وإن كان ذلك بأسلوب كاريكاتيري ـ هم البجة. فعلى عهد رئيس الوزراء عبد الله خليل (1958) قدم الدكتور طه عثمان بليه مطالب أهله (مؤتمر البجة) في مذكرة تضمنت ما يلي:

1.    معاناة الإقليم من سياسات المركز غير العادلة؛

2.    رفع نمو ووعى المواطن البجاوي؛

3.    تدهور مرافق الإقليم أو غيابها أصلاً؛

4.    غياب المشاريع التنموية وإيقاف إنشاء المشاريع التى تضر بالرعي.

 

هذه شكاة واضحة تُنبى بالكثير، وتُنذر بالخطير. فالنقطة الأولى لم تترك زيادة لمستزيد حول احتجاج أحد الأطراف على سياسات المركز، أي تهميش المركز للأطراف. كما تعبر النقطتان الثانية والثالثة بوضوح عما أسميناه الإقصاء أو الحرمان. أما النقطة الرابعة فقد أثارت، بوجه خاص، اهتمامي لأنها كشفت عن وعي بالحدس الفطري عن المخاطر البيئية قبل أن يقوم للبيئة مؤتمر دولي (استوكهلم 1972)، أو ينشأ برنامج أممي لها، أو يتصدى من تصدى للتحذير من التنمية غير الصديقة للبيئة. مؤتمر البجة حوصر ثم فُكك على يد حاكم شمالي (إبراهيم عبود) نشأ في ديار البجة، ولكنه، كحالنا، أصبح يفكر بعقلية الوسط المهيمن.

 

قام أيضاً اتحاد جبال النوبا في عام 1965 عقب انتفاضة أكتوبر عندما صَدَق أبناء الجبال أنها إطلالة صبح جديد على كل السودان، أولم يتغنى الحادي: "أصبح الصبح". ما هي مطالب اتحاد الجبال؟ تركزت تلك المطالب في التمكين السياسي، ثم المعاملة الإنسانية التى هي أدنى ما يطالب به بشر سوي. كما تناولت وجوب تمثيل أبناء الجبال لأهلهم بدلاً من استيراد المرشحين البرلمانيين من الشمال، وحقهم في المشاركة في مراكز صنع القرار القومية (الحكومة والخدمة المدنية)، وتوفير الخدمات الأساسية، وإلغاء السُخرة. وسبق قيام اتحاد الجبال حركة في دارفور نبهت إلى حرمان ذلك الإقليم من الخدمات والمرافق، هي حركة سوني التى كان قوامها المسرحين من الجيش بعد حرب الجنوب الأولى. ولعل الذى لا نستذكره أبداً أن قوام الجيش السوداني كله في حروب الجنوب من الجنود وضباط الصف هم أبناء الجبال ودارفور. هؤلاء كانوا أيضاً هم العمود الفقري لكل مشروعات إنتاج القيمة في السودان الوسيط. أو يكون هؤلاء هم الذين عناهم أحمد عبد المُعطي حجازي بـ "الذين يُدعونَ للموت ويُقصون من مجالس الفتيان". هذه المجالس في بلادنا هي التى تُحل وتُعقد فيها الأمور، بما في ذلك أمور الحرب.

 

أنا الذى ما ذقت طعم الضان

أنا الذى لا حول لي أو شأن

أنا الذى أُقصيت من مجالس الفتيان

أُدعى إلى الموت

ولا أُدعى إلى المجالسة

 

هذه المجموعات كلها كانت تتآلف مع الجنوب، كما كانت الأحزاب القومية (أي الشمالية) تتحالف وتتخالف داخل البرلمانات مع الجنوب ومع بعضها البعض. في تحالفاتهم تلك تجاوز المهمشون فوراق اللغة والدين والعرق وخلقوا ترابطاً عابراً للعرقيات (للاثنيات) جمع بين محمد أحمد عواض وأبيل ألير، وبين فيليب عباس غبوش و أحمد محمد باكاش. كون ذلك التحالف ما أُسمى تجمع الأحزاب الإقليمية والذي عبر عن رأي موحد حول وضع الكيانات الإقليمية في الدستور ـ أي حول لا مركزية الحكم ـ تقدموا به إلى مؤتمر عموم الأحزاب. ذلك المشروع قوبل بالرفض من الأحزاب "القومية" بحسبانه مشروعاً "عنصرياً". ومنذ تلك اللحظة أصبح من الجلي أن الكلمات لم تعُد تعني ما ينبغي أن تعنيه.

 

إطلاق وصف العنصرية على مجموعات سياسية ذات مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية معلومة هو محاولة للاستئصال المعنوي للواقع، والاستئصال المعنوي لا يلغي الواقع. ثم ما الذى يجعل الجنوب، والفور، والبجة، والنوبا والذين يمثل مجموعهم ما يقارب ثلثي أهل السودان تكتلاً عنصرياً، ويجعل من عداهم كياناً قومياً؟ من الواضح أن الأحزاب لم تكن تريد إلا الإبقاء على نموذج الهيمنة السياسية المركزية رغم تململ الأطراف بما فيها تلك التى يفترض أنها تمثل العمق السياسي لتلك الأحزاب. الأحزاب أيضاً لم تكن تمانع في الإبقاء على النموذج الاقتصادي الاستعماري الموروث رغم مجاهرتها بالرغبة في تغييره عبر نهج تنموي متوازي. هل كانت الأحزاب حقاً تعرف ما تريد؟ أو كانت تعرفه ولكنها لا تعرف السبيل إلى تحقيقه؟ أو أنها كانت لا تبتغي غير احتكار أدوات اللعبة السياسية بصرف النظر عن الأهداف والمقاصد؟

 

هذه الاستهانة ـ بل يؤسفني أن أقول الغباء السياسي ـ هو الذى قاد لتمرد سياسي في معاقل هذه الأحزاب. ففي انتخابات 1965، مثلاً، اكتسح مؤتمر البجة كل دوائر البجة وهى على وجه التحديد: ريفي كسلا، والقاش جنوب، والقاش شمال، وأروما الشرقية، وأروما الوسطى، وأروما الغربية، وأروما الشمالية، والاوليب، وعيتباي، وسيدون، وطوكر الشمالية، وبورتسودان الغربية. ودوائر ثلاث هى التى نجحت فيها الأحزاب "القومية" : بورتسودان الشرقية (مأمون سناده، اتحادي)، وطوكر الجنوبية (موسى حسين ضرار، مستقلاً)، وكسلا (عمر عثمان نافع، حزب الأمة). نتيجة لذلك الاكتساح تداعى الدومينو إذ أعلن الناظر تِرك (القاش جنوب) ومحمد أحمد عواض (ريفي كسلا) انضمامها لمؤتمر البجة، وكان الأول قد فاز في لائحة حزب الأمة، والثاني في لائحة حزب الشعب الديموقراطي. أبلغ تعبير عن ذلك التمرد السياسي جاء على صفحات هذه الجريدة، وعلى لسان رجل هو أبعد ما يكون عن العنف. قال أبيل ألير عضو البرلمان عن دائرة بور الجنوبية، والمتحدث الرسمي باسم الجماعات الإقليمية: "إن كانت الأحوال في غرب السودان وشرقه رديئة فأن السخط والتبرم سيجتاحانهما قريباً وقد ينقلب السخط إلى تعبير أكثر عنفاً مما نراه الآن في جنوب السودان" (الرأي العام 6/1/1969). هذا ما كان ينبغي أن تسمعه الأحزاب لولا أن الآذان قد وقَرَت عن سماعه، وهذا ما رأته ببصرها ولكن خانتها البصيرة. ومن لا يرى ببصيرته فلن يهتدي.

 

للتهميش وجهان، وجه سياسي/ إداري، وآخر اقتصادي ولا علاج لكليهما إلا بالتمكين (Empowerment): التمكين السياسي والتمكين الاقتصادي. التناول التفصيلي للقضيتين يجئ في فصلين يليان، أحدهما حول نظام الحكم والثاني حول التنمية الاقتصادية، مع ذلك، يُستحب هنا أن نبين باقتضاب، لكي لا ينقطع الحديث، كيف تعاملت الأنظمة المتعاقبة مع هذه القضية بعد التمرد البرلماني في انتخابات 1965 حتى انتفاضة أبريل، وما الذى كان يتوجب عليها أن تفعل.

 

سعى نظام مايو، الذى أعقب الديموقراطية الثانية، لمعالجة قضية نظام الحكم على مستويين، مستوى الجنوب بتطبيق مقررات لجنة الإثنى عشر، ومستوى الأقاليم عبر قانونين، الأول هو قانون الحكم الشعبي المحلي 1971، والثاني قانون الحكم الإقليمي 1981. القانون الأول، في حقيقته، تطوير لنظام الحكومات المحلية الذى وضعه المستر مارشال في عهد الاستعمار ثم أقدم على إعادة صياغته الأستاذ عبد الرحمن علي طه في الفترة القصيرة التى وُلى فيها وزارة الحكومات المحلية قبل انقلاب عبود. أما الثاني (قانون الحكم الإقليمي لعام 1981) فقد مُنحت بموجبه الأقاليم الشمالية (الولايات) سلطات أوسع من تلك التى كانت تتمتع بها في الماضي دون أن تصل إلى ما طالب به اوليفر البينو في محادثات أديس أبابا بالنسبة للولايات الشمالية. كما استجاب قانون 1981 لمطلبين قُدِما لمؤتمر عموم الأحزاب: الأول مطلب أبناء الجبال بأن يستقل إقليمهم عن إقليم كردفان، والثاني مطلب البجة باستقلال إقليمهم عن كسلا. الاستجابة للمطلبين قادت إلى قيام محافظتي كسلا والبحر الأحمر. وعلى أي، ظل كعب أخيل لذلك الإصلاح هو أنه تم في إطار حكم شمولي. وإن كانت اللامركزية في الحكم هي الترجمة العملية لديموقراطية المشاركة في صنع القرار على أدنى المستويات، يصبح من غير المنطقي بناء حكم ديموقراطي لا مركزي في أطار نظام يقوم من أساسه على الهيمنة المركزية، حتى وإن أُسميت مركزية ديموقراطية.

 

على الصعيد الاقتصادي لم يكن نظام مايو أحسن حظاً ممن سبقه في تحقيق التمكين الاقتصادي، أولاً بسبب بقاء التشوهات الهيكلية في الاقتصاد رغم الشعارات التى رفعنا مثل "تحقيق التوازن في النمو بين القطاع الحديث والقطاع التقليدي وبين أقاليم السودان المختلفة" (البرنامج الاقتصادي للاتحاد الاشتراكي). السبب الثاني (وهو ذو صلة مباشرة بلامركزية الحكم) يتعلق باختلالات بيروقراطية جعلت الأقاليم دوماً تحت رحمة السلطة المركزية، خاصة فيما يتعلق بتوفير المال. وكان ذلك يحدث حتى في بعض الحالات التى خول فيها القانون لحكام الأقاليم سلطة الإنفاق والإدارة المالية.

 

وعقب سقوط نظام مايو كان من المفترض أن تتوجه الانتفاضة التى جعلت شعارها "مليون شهيد لعهد جديد"، أول ما تتوجه، لهذا التجديد. فما هو الجديد الذى أتت به؟ دعا ميثاق الانتفاضة للآتي:

 

1.    العودة لدستور السودان المؤقت 1956 المعدل 1964 مع مراعاة الالتزام بالأهداف الواردة في الميثاق ومراعاة تمثيل القوى الحديثة في المؤسسات الدستورية عن طريق تنظيماتها الديموقراطية؛

2.    كفالة كرامة وحريات المواطنين الأساسية في التنظيم والتعبير والعقيدة والعمل والتنقل وكافة الحريات الأخرى الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان؛

3.    حل قضية الجنوب في إطار حكم ذاتي إقليمي يقوم على أسس ديموقراطية؛

4.    التحرر من التبعية للإمبريالية العالمية وخلق بنية اقتصادية اجتماعية تحقق الكفاية والعدل وذلك بالتصدي الجاد والحاسم للأزمة الاقتصادية عن طريق تنمية الثروات والموارد الوطنية وتعبئة الموارد القومية لمواجهة الجفاف والمجاعة والغلاء وشح المواد التموينية؛

5.    تأكيد مبدأ الحكم اللا مركزي وتقويمه على أسس ديموقراطية.

 

دستور 1956، والذي لم يكن لنا أدنى فضل في صياغته، دستور جيد. ذلك الدستور أشرف على إعداده القاضي البريطاني ستانلي بيكر ليكون دستوراً للحكم الذاتي ولكن، في لهفتنا لإعلان الاستقلال من داخل البرلمان، اتخذناه دستوراً للسودان المستقل مع تعديلات شكلية. مشاكل السودان لم تبق فحسب، بل تَفَرعن نباتُها وأشتد عوده. لم يكن ذلك بسبب الدستور، وإنما بالرغم عنه. لهذا لا تثريب على مهندسي الانتفاضة إن نادوا بالعودة إلى ذلك الدستور، ولكن الفعل الذى يُثَربُ عليهم هو انحصار اهتمامهم ـ عند استدعائهم لذلك الدستور ـ في الأمور التى ظلت دوماً محور اهتمام النُخب السياسية الحَضَرية: الحقوق المدنية، وتمثيل القوى الحديثة، والديموقراطية الإجرائية. هذه هي الأمور التى تواصى مهندسو دستور الانتفاضة على "مراعاتها" عند إقرار الدستور وكأن ليس في السودان مشكلة أخرى تقتضي المراعاة غير "تمثيل القوى الحديثة".

 

أما التحول الاقتصادي، على الوجه الذى يحقق التمكين الاقتصادي، فمن الواضح أنه أصبح قضية مؤجلة إلى حين تحقيق قضية أهم هي تحرير الاقتصاد من "التبعية للإمبريالية العالمية". أياً كان المعنى لذلك التحرير، وأياً كان معنى الإمبريالية. والسؤال الثاني هام جداً لأن المرء لن يصدق كيف يتجه نظامٌ عمادُ سياسته الاقتصادية هو إنهاء التبعية للإمبريالية، أول ما استتب له الأمر، إلى صندوق النقد الدوليللحصول منه على شهادة صحية (أو قل هي شهادة حسن سير وسلوك). لا مشاحة، الذى يعنينا هنا هو أن قضية التهميش، ببعديها السياسي والاقتصادي، لم تحتل الموقع الذى تستحقه في أجندة التغيير كموضوع مستقل بذاته، كان ذلك على مستوى الرؤية أو مستوى التنفيذ.

 

الاهتمام بالمهمشين عقب الانتفاضة لم ينعكس حتى على المستوى المظهري الرمزي، لا لأن الرمزية تُغني عن الحل الناجع، ولكن لأنها تكشف ـ على الأقل ـ على قدر من الحساسية السياسية. ففي حديث نُسب للدكتور الجزولي دفع الله، رئيس مجلس وزراء الانتفاضة، أنه فوجئ بأن ثلثي أعضاء مجلس الوزراء ينحدرون من إقليم واحد في السودان، ولعله الإقليم الأوسط. لا ينتابني شك أن ذلك الأمر لم يكن أبداً قصدياً، أي، أن الذين قاموا بانتقاء أعضاء مجلس الوزراء من النقابيين فعلوا ذلك عن عمد ووفق معايير اتفقوا عليها بهدف إقصاء الآخرين. الأمر أسوأ من ذلك، فالإغفال كان نتاجاً لاستهانة عفوية (Taking For Granted) بقضية التهميش وبالمهمشين، ولهذا فلا عجب أن تَمَ اختيار الوزراء جميعاً من داخل شبكة علاقات الصبا (Old Boys Net). فباستثناء الجنوبيين الذين اختيروا في تلك الحكومة (لا بحكم انتماءاتهم المهنية "القومية" وإنما بحكم انتسابهم لإقليم معين)، لم يكن لأبناء المهمشين مكان في تلك الحكومة. أقول "أبناء" لأن التهميش النوعي طال حتى ولايات الشمال. أقطع أنه كان بين أبناء النوبا قانونيون، وبين أبناء دارفور زراعيون، وبين أبناء البجة أطباء، وبين أبناء الجنوب أساتذة جامعات، ولكل هؤلاء ما يؤهلهم لتولي المواقع التى ارتقى إليها رصفاؤهم من الشمال النيلي، أو على الأقل لم يكونوا أقل تأهيلاً مهنياً وحساً وطنياً من أولئك الرصفاء.

 

مرة أخرى وفر التجمع الوطني الديموقراطي، وخاصة منذ يونيو 1995، أول منبر وطني تشارك فيه التنظيمات التى ظلت تناضل من أجل قضايا أهل الأطراف على الساحة السياسية، بوجه عام، وفي داخل البرلمانات المتعاقبة بوجه خاص. ذلك المنبر أتاح أيضاً لهذه الجماعات تقديم رؤاها حول قضاياها ذات الطابع الإقليمي بحسبانها جزءاً لا يتجزأ من أزمة أشمل هي أزمة الدولة السودانية. وفي هذا الشأن استقر رأي التجمع على ما يلي:

 

التأمين على أن قضايا السودان الوطنية لا يمكن حلها إلا عبر طريق حوار صريح، جاد ومستمر بين كل المجموعات الوطنية السودانية وعلى أن طبيعة وتاريخ النزاع السوداني قد برهن على أن السلام العادل والاستقرار في البلاد لا يمكن تحقيقهما عن طريق حل عسكري (الفقرة 10 من البيان الختامي لمؤتمر القضايا المصيرية)

الهيمنة الإدارية المركزية على أقاليم السودان المختلفة قادت إلى تكريس التخلف في هذه الأقاليم وتهميش بعضها (مقدمة قرار حول شكل الحكم)

وحول المناطق المهمشة التى اشتعلت فيها الحرب (الجنوب، جنوب النيل الأزرق، جبال النوبا، أبيي) قرر التجمع:

الاعتراف بأن ممارسة حق تقرير المصير توفر حلاً لقضية إنهاء الحرب الأهلية الدائرة وتيسر استعادة الديموقراطية في السودان وتعزيزها وإتاحة فرصة تاريخية فريدة لبناء سودان جديد قائم على العدالة والديموقراطية والاختيار الحر؛

أن المناطق المتأثرة بالحرب هي جنوب السودان ومنطقة أبيي وجبال النوبا وجبال الانقسنا؛

أن شعب جنوب السودان (بحدوده القائمة في أول يناير 1956) سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية؛

أن التعرف على آراء أهل منطقة أبيي فيما يتعلق برغباتهم إما بالبقاء داخل الحدود الإدارية لإقليم جنوب كردفان وإما بالانضمام لإقليم بحر الغزال سيتم عبر استفتاء ينظم خلال الفترة الانتقالية ولكن قبل ممارسة الجنوب لحق تقرير المصير. وإذا ما أظهرت نتيجة الاستفتاء رغبة أكثرية أهل هذه المنطقة في الانضمام إلى إقليم بحر الغزال فإنهم سيمارسون حق تقرير المصير كجزء من شعب جنوب السودان. أما فيما يتعلق بجبال النوبا والانقسنا فإن الحكومة الانتقالية ستسعى للتوصل إلى حل لتصحيح الظلامات التى عانى منها أهل تلك المناطق وستنظم استفتاءً لمعرفة آرائهم حول مستقبلهم السياسي والإداري خلال الفترة الانتقالية.

 

في إطار برنامج التجمع، إذن، تلاقت الرؤى حول قضايا التهميش كما تلاقت التنظيمات الممثلة لأولئك المهمشين مع بقية القوى السياسية الوطنية وتواصت على برنامج سياسي/ اقتصادي/ اجتماعي عابر للانتماءات العرقية (الاثنية) والدينية. وفي إطار العمل لإنجاز ذلك البرنامج لم يجد الشيخ سليمان علي بيتاى الذى ظل آباؤه يوقدون نيران القرآن في همشكوريب حرجاً في التساند مع أبناء النوبا والجنوب من أجل حماية مصالح وجودية تعامى عنها، منذ الاستقلال، بعض إخوته في الدين.

 

موقف التجمع هو في حقيقته محاولة من جانب فصائله المختلفة لتُصِلح مجتمعةً الأخطاء التى ارتكبتها فرادى. ذلك الموقف ظل نظرياً لأن الفرصة لم تواتي التجمع، أو فصائله الكبرى، لكي ما تحكم. بروتوكولات نايفاشا ـ للمرة الأولى ـ أمسكت بالوعل من قرنيه، فكان اقترابها شمولياً من قضية التهميش السياسي والاقتصادي بمعالجة قضيتي الثروة والسلطة. البروتوكولان اللذان تناولا قضيتي السلطة والثروة انطلقا من حقائق هامة على رأسها أن "لا مركزية وتخويل السلطة على جميع مستويات الحكم مبادئ مقدسة لحكم عادل (ديباجة بروتوكول اقتسام السلطة)، و "الحاجة إلى أنماط ومعايير قومية وولائية وجنوبية (للحكم) حتى ينعكس ذلك على وحدة البلاد وتنوع الشعب السوداني" (الفقرة 2.4.1 من بروتوكول اقتسام السلطة)، "تكامل علاقات السلطة بين الولايات واحترامها لاستقلالية بعضها عن بعض" (الفقرة 1.5.1 من بروتوكول اقتسام السلطة)، "اقتسام الثروة القومية بين المستويات المختلفة للسلطة بحيث تتاح لكل مستوى الموارد الكافية لممارسة سلطاته الدستورية، وبناء الإقليم، بجانب مشاركته في لجان الرصد والإشراف المالي على المستوى القومي" (الفقرة 8 من بروتوكول اقتسام الثروة). ولكل هذه القضايا نعود في الموقع المناسب من الفصول اللاحقة.

 

هذا هو التهميش، وهذه هي وسائل إقبالنا على معالجته منذ أربع عقود من الزمان، أي منذ أن "التقى جيل البطولات بجيل التضحيات". وبهذه الصفة يعبر التهميش عن حَيف بالغ دفع من وقع عليهم إلى رفع السيف، وما وقع حَيف إلا وارتفع سيف.

 

لهذا عجزت تماماً عن ادارك ما ذهب اليه الأستاذ محمد أبوالقاسم حاج حمد عندما أنكر ظاهرة التهميش، ثم انتقل إلى نعت الجماعات المهمشة بالتحالف الاثني (العرقي). شق علىَّ كثيراً، مثلاً، وصفه لبروتوكول نايفاشا حول المناطق المهمشة بحصان طروادة لاختراق الجنوب لما أسماه مركزية الوسط. قال: "أولاً ما حدث في نايفاشا هو خروج على جيوبوليتيك الجنوب الجغرافي والسياسي والثقافي واختراق لجيوبوليتيك الشمال والوسط". أضاف: "هذا أمر رفضته وأرفضه منذ تحذيري من قبول الإنقاذ مباحثات سويسرا لتسوية الأوضاع في جبال النوبا حيث من هناك كان الاختراق الأول تلته تلك الاختراقات. وثانياً إدانتي للإنقاذ في هذه المسألة الوطنية المصيرية تتكافأ مع إدانتي الموجهة لكبريات الأحزاب السودانية بالذات حين أقرت في مؤتمر أسمرا في يونيو 1995 بالتفاوض على المناطق الثلاث مع حركة قرنق الجنوبية فكلهم مدانون: الإنقاذ، وحزب الأمة، والاتحادي الديموقراطي، والتوابع الحزبية والسياسية الأخرى" (الصحافة 12/6/2004). وفي مقال آخر له قال: "أن قرنق يعلن بوضوح وصراحة مخططه لاتخاذ المفاوضات وسيلة لتفكيك السودان القديم واستبداله بسودان جديد لا يقوم على الوحدة الوطنية الديموقراطية ولكن على تحالف الأعراق (الاثنيات) غير العربية وبما يماثل ما يرد في الكتب السوداء التى أصدرها الموالون للترابي". وفي ذات المقال ذكر أن التهميش ليس هو غير "مواقف عنصرية تدعي بهتاناً وزوراً تهميش الوسط للأطراف". وكان عنوان المقال "حرب الأطراف ودعاوى التهميش" (البيان 1/5/2004).

 

شق علىَّ صدور هذه المقالات من كاتب محقق في حواراته الكثير الذى يستفز العقل. بيد أن المنهج الذى اعتمد في مقالاته الأخيرة خرج بالحوار عن مجال المجادلة، أو إن شئت المخاصمة الفكرية التى تهدف للإقناع، إلى التحامل الذى ينتقص من الموضوعية. فمثلاً أسمى الكاتب المحلل الحركة الشعبية لتحرير السودان بـ "حركة قرنق الجنوبية". لا غرابة إن صدر ذلك الأسم من عامة الناس، أو خلال حديث عام، فليس الكاتب وحده هو الذى يُسمي الحركة الشعبية "حركة قرنق". التعبير شائع في الحديث العام ولا يبتغي منه قائلوه الاستحطاط من قدر الحركة. أما الباحث الذى يتهيأ للبحث فأدنى واجباته هو أن يسمى الأشياء بأسمائها. على أن القضية هنا ليست قضية نعوت وأوصاف، بل هي أعمق من ذلك. فالحركة التى يسميها الأستاذ المحلل حركة جنوبية هى حركة ما انفكت تُضفي على نفسها صفة تتجاوز الجنوب، كما هي قوة سياسية يعرف القاصي والداني أنها أصبحت عنصراً فاعلاً في السياسية الوطنية. هي أيضاً تنظيم صار له أثر ملموس على المستوى الإقليمي، وقدم لأهل السودان كله رؤية في بناء الدولة وإدارة الحكم تختلف عما ألفوه. في هذا أيدها بعض، وعارضها بعض، ومازال بعض ثالث يتحاور معها حول رؤيتها تلك. كل هذا يعني أنها أصبحت حقيقة لا يلغيها الاستوضاع الكلامي منها، أو التبخيس لها. لذلك، أخطأ محمد أبوالقاسم من حيث لم يحتسب، فالباحث الذى يبدأ بحثه بمقدمات تَرشحُتًحاملاً يُتلف قضيته.

 

من أخطاء المنهج، الأسلوب الانتقائي الذى اتبعه في تحديد ماهية السودان. فلا خلاف بيني وبين الصديق الباحث في أن مؤثرات كثيرة ثقافية ودينية واقتصادية (وأضيف بيولوجية) قامت بدور هام في إكساب وسط السودان وضعاً مميزاً جعل منه مركز إشعاع حضاري على بقية أجزاء السودان. لهذا انكفأت جموع السودانيين من كل الأطراف على هذا المركز بحثاً عن العلم أو المال أو العمل أو السلطان. وعبر التلاقح بين هؤلاء الأقوام تولدت ثقافة قومية (وأعني قومية) سودانية، والثقافة القومية هي مجموع أنساق القيم والعادات والمعاملات والعبادات التى يبتدعها شعب من الشعوب عبر تاريخه الممتد.

 

الكيان الثقافي للوسط الذى اخترع له الأستاذ الكاتب جيوبوليتكيا وهمية وصفه بما يلي: "العروبة بالنسبة لي هي جماع حضارات وثقافات وأعراق من سبأ في اليمن وإلى البابليين والآشوريين في العراق وإلى الآرامين والكنعانيين في سوريا وإلى القرطاجنيين في تونس وإلى لقاحات البانتو ... فهي ليست قومية عنصرية أُحادية متعالية". لو كان الكاتب عراقياً أو سورياً أو تونسياً لقبلنا منه هذا التعريف أما أن يكون مواطناً في بلد النوبا والبجة والنيلويين والزنج فلا شك في أنه يوصف لنا بلداً وهمياً يعيش في مخيلته. هذا الكيان الحضاري الذى وصَفَه الكاتب بما وصف لا يتسع حتى لبعض من أرسوا مقومات الجيوبوليتكيا لذلك الكيان مثل إبراهيم أحمد رئيس مؤتمر الخريجين، وعبد الله خليل رئيس الوزراء، وعلي عبد اللطيف قائد ثورة 1924. وعندما ينشد العقلاء التوافق على فكرة أو رأي ينطلقون من مقدمة مُسَلم بها لكي ما يصلوا عبر الاستدلال الذهني إلى الحقيقة. ولكن يبدو لي أن الأستاذ الباحث، ومن يشاركه الرأي من حماة العروبة في السودان (وكأن العروبة السودانية في حالة حصار أو أنها حكر على فئة دون فئة) يريدون منا أن نقبل رؤيتهم للشخصية الثقافية كُمَسلمة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، أو كحكم توقيفي، والحكم التوقيفي عند الفقهاء هو المُنَزل المتوقف بجوهره عن أي تبديل أو تعديل بشرى.

 

نعم لنا ثقافة قومية ذات لون، وشكل، ومذاق خاص. في تلك الثقافة قامت العربية والدين الإسلامي بدور محوري في تكييف ما وجدته من مواريث وعادات مازالت بعض آثارها باقية. فعندما يتحدث الأستاذ محمد أبوالقاسم، وقاه الله العثار، ويقول في رده على مقال للأستاذ كمال الجزولي أن الوسط والشمال والشرق تربط بينهم وحدة جيوبوليتكية منذ 2700 عام بكل أبعادها التاريخية يتساءل المرء عن أي وسط يتحدث؟ هل يضم ذلك الوسط قبيلة الشلك التى امتد سلطانها حتى الخرطوم وكانت الكوة واحدة من عواصم ملكهم، لا قبل ألفين وسبعمائة عام وإنما قبل أقل من ألف عام. وإن كانت العروبة والإسلام قد وفدا بشكل مكثف في القرن السادس عشر للسودان، أفهل نعتبر الفترة التى سبقت ذلك ـ في الشمال على الأخص ـ هي فترة ممحاة من تاريخ السودان الوسيط ولا أثر لها على كينونته الحضارية؟ أم أن الكوشيين والنيلويين الذين عاشوا في الشمال والشرق والوسط كانوا امتداداً لتلك العروبة التى جمعت الفينقيين مع الاشوريين والآراميين والكنعانيين وسبأ وحمير. وعلى كل، فما لم أدركه هو إقحام "اللقاحات البانتوية" على العروبة، كان المعنى بذلك العروبة بوجه عام (إذ لا نعرف أدنى أثر للبانتوية على الثقافة العربية الشرق أوسطية)، أو العروبة السودانية بوجه خاص. فإن كانت الثانية يصبح هذا التصوير للشخصية السودانية أقرب لخيالات الشاعر سيد أحمد الحردلو "جلابية وتوب، سروال ومركوب، وقرنق وأدروب" منه إلى الحقائق العلمية المثبتة. حقاً ما هو أهم من تلقيح العربية بالبانتوية، دور السودان منذ ممالك النوبة كمصدر إشعاع حضاري على القارة الأفريقية كلها. فالسودان هو مصدر أغلب اللغات النيلوية والتي تُعرف عند علماء اللغات والمؤرخين باسم اللغات السودانوية الشرقية (Eastern Sudanic)[للمزيد من المعلومات عن هذه اللغات وأصول منشأها في وادي هور بشمال دارفور أضغط هنا : أركامانى]. ثلاث من المجموعات اللغوية الأفريقية الأربع من أصل سوداني، أو خضعت لمؤثر سوداني. فباستثناء الخويسانية (لغة قبائل الخوي والسان الجنوب أفريقية)، يعود أصل المجموعات الثلاث الأخرى للسودان: النيلية- الصحراوية، والآفرو آسيوية (الحامية السامية سابقاً)، ثم النيجرية الكردفانية.

 

ما كان أغنانا عن كل ذلك التفصيل لولا محاولات اختزال الشخصية القومية السودانية في بُعد واحد، أو الظن بأنها شخصية شمعية يصوغها كل مَثَال على عينه. السودان عربي، والسودان أفريقي ليس بالمعنى الجغرافي وإنما بالمدلول الثقافي (من كوش إلى اللغات النيلو صحراوية). والسودان بلد إسلامي لم يحول إسلامه دون أن يكون فيه للمسلم النوباوي كجوراً يصنع المطر، وأن يكون لمسلمه الشمالي شيخاً يُستَطب بتُفاله. والسودانيون جميعاً ـ في الشرق والغرب والشمال والجنوب ـ تراضوا طواعية أن تكون العربية هي لغة التواصل بينهم، مع حفاظ أغلبهم على لغاتهم وثقافاتهم الأصلية واعتزازهم بها. فما الذى يضير أخ العرب في هذا. حقاً أقرب إلى اقتناص المعنى العميق للشخصية السودانية "المُسلاتي" الشاعر عالم عباس، أنسبه إلى انتمائه الأصغر حتى أُقرب الصورة لمن لا يرون في أهل الأطراف غير تجمعات عرقية (اثنية) من الخير أن تُبتر حتى تبقى هُوية أهل الوسط محصنة ضد الاختراقات. قال الشاعر

 

فإذا جاء المغيب

ذُبت كالشمس على صدر "النهود"

وصبغت الرمل وِرساً كردفانياً معصفر

وضممت التل أكثر

وتمطيت كتمساح على رمل الجزائر

وتغطيت بأدغال الجنوب

وتوسدت ذرى نخل الشمال

ثم أرخيت على دارفور أهدابي ونمت.

من حق هذا "السوداني" أن يُرخى أهدابه وينام لأنه تصالح مع نفسه، ولهذا التصالح دلالات أعمق بكثير من الجغرافيا.

 

من الأحكام الجزافية أيضاً اتهام قرنق بتدبير ما أسماه الكاتب تحالف الاثنيات، وكأن الذى كان يدور في برلمانات السودان منذ الستينات (تحالف الفور والبجة والنوبا مع الجنوبيين) ليس جزءاً من التاريخ، أو أنه لا يكفي لدحض فكرة التمييز بين ضحايا التهميش على أساس العِرق. لو كان لقائد "الحركة الجنوبية" فضل واحد في ابراز قضية التهميش فهو افلاحه في تنظيم غضب المهمشين. وكما يقول الفرنسيون: "الظلم لا يشعل ثورة وإنما يشعل الثورات الشعور بالظلم". فما أكثر المظلومين في السودان الذين رضيوا بِذُلهم وهوانهم لأنهم لم يحسوا بهما بعد. هذه أقاليم مستقلة بذاتها، لها قضاياها، ولها أهلها الذين يناضلون من أجل تلك القضايا. لهذا من الظلم تصويرها وكأنها ليست أكثر من حصون أمامية للجنوب.

 

أجئ من بعد إلى ما هو أخطر من اختلال المنهج، الاستهانة الكاملة بحيوات البشر وكأن كل الذى يدور حول الحرب والسلام هو جمباز عقلي. لم يَرَ الكاتب المحلل في الاتفاق حول وقف إطلاق النار في جبال النوبا (بيرقينستوك، سويسرا، 6- 13 ديسمبر 2001) غير مؤامرة لاختراق جيوبولتيك الشمال، رغم أن ذلك الاتفاق لم يكن اتفاقاً لاقتسام سلطة أو ثروة، أو مشروعاً لثورة ثقافية. أهداف الاتفاق هي وقف نزيف الدم وعودة الحياة إلى مجراها الطبيعي، ما الذى أتى به:

 

  وقف إطلاق النار وإنهاء حالة العداء بين الطرفين خلال 72 ساعة؛

  ضمان حرية الحركة للمدنيين والسلع والمساعدات الإنسانية؛

 إيقاف كل الهجمات وعمليات التخريب وزراعة الألغام؛

 إيقاف كل عمليات العنف، وسوء استغلال المدنيين، والإعدام بدون محاكمة، وعمليات التعذيب والتحرش والاعتقال، والتحريض على الضغائن العرقية، وتسليح المدنيين، والإبادة الجماعية؛

  تعيين لجنة عسكرية مشتركة للمراقبة.

 

لتحقيق هذه الأهداف أُعيد فتح الطرق، ونُزعت الألغام في كل المناطق التى شملتها الاتفاقية (كل جنوب كردفان ومحافظة لقاوه بغرب كردفان)، وفُتحت ممرات العمل الإنساني، وسُمح للجنة الصليب الأحمر بحرية الوصول للأشخاص المحتجزين. أفهل يريد الكاتب أن يعيش أهالي كردفان (بمن فيهم عرب الحوازمة والمسيرية الزُرق والذين نفترض أنهم في عقيدة الكاتب جزء من مركزية الوسط) في ظل الحرب والعنف والتضاغن بدلاً من العودة لحياتهم العادية الآمنة التى درجوا عليها وألفوها إرضاءً لأوهام المثقفين.

 

افتعل الكاتب أيضاً معركتين في غير معترك هما قضية هُوية "السودان الجديد"، وماهية التهميش من منظور عالمي شمولي. ولعلني أترك الموضوع الأول جانباً حتى لا أُلهي القارئ بأشاغيل تصرفه وتصرفني عن موضوع بحثي، خاصة وقد أراد الباحث أن يجعل من موضوع الهُوية، قضية أنثروبولوجية. ليس هذا فحسب، بل سأكف عن التعقيب استجابة للنداء الذى وجهه إلىَّ في معرض تناوله بالتعليق لبعض ما كتب قرنق، أو أعلن في محاضراته. قال الأستاذ محمد: "طالما أن قرنق صريح للغاية فسأكون كذلك، وأرجو أن لا يتدخل د. منصور ليطلب مني عدم استخدام الأنثروبولوجيا، أو ياسر عرمان ليحدثني عن تماثل عنصرية السود الشماليين بعنصرية البيض ضد السود في جنوب أفريقيا". للكاتب ما أراد ولن يتدخل منصور، فمنصور يغنيه ما أورد حول هذا الموضوع في منابر شتى. ولكني لا أملك إلا الرد ـ ولو عابراً ـ على تساؤل الكاتب عن قدرات قرنق في خلق سودان جديد موحد على أسس جديدة طالما أن الجنوب نفسه لم يحقق تدامجاً ثقافياً أو حضارياً باتجاه قومي، لا مع الشمال السوداني العربي المسلم ولا مع نفسه بحكم تباينات تركيبته. تباينات الجنوب لا ينكرها إلا مِغلاط، ولكن يبقى السؤال: لماذا أفلح هذا الرجل الذى ينحدر من إقليم ذي قوميات متباينة التركيب، وينتمي إلى جماعات يختلف نسيجها الاجتماعي عن ذاك الذى يميز الشمال الذى يريد التوحد معه، لماذا أفلح في توحيد الرؤى بين جماعات أشتات توحيداً تجاوز به الفوارق القبلية واللغوية والمعتقدية في الجنوب، كما تجاوز به التمايزات العِرقية والدينية في الشمال، وبين الشمال والجنوب، لدرجة خلق أرضية مشتركة لاتفاق قبله السودانيون أغلبهم، بمن فيهم من كان يحسب قرنق شيطاناً رجيماً؟ أغلب الظن أنه أفلح فيما لم يفلح فيه غيره لأنه تعامل مع الحقائق الماثلة للعيان على الأرض، لا مع التضاريس السياسية للمريخ. وفي سبيل ذلك ذهب لتقصي العوامل التى تجمع بين أهل السودان وإمكانية تكثيفها، ولاستكشاف الفروق بين شعوب السودان وابتداع الوسائللتقليصها، في حين عجز آخرون عن تحقيق الوحدة (حتى بين أهل القبلة) لأنهم لم يروا في الشخصية السودانية غير بُعد واحد، وحتى هذا البُعد الواحد لا يرضي هؤلاء إلا إن كان على عينهم.

 

أما الموضوع الثاني فهو ذو صلة مباشرة بالقضية التى نتداولها بالبحث ألا وهى التهميش. لا نرى في سعى الأستاذ محمد للربط بين التهميش كظاهرة عالمية، والتهميش السياسي/ الاقتصادي على المستوى المحلي، إلا محاولة للهروب من المشكلة للأمام . قال الأستاذ الباحث أن التهميش مصطلح أوروبي وأن "العولمة الأوروبية هي التى أوجدت البني التحتية والفوقية النسبية لهذا الوسط الكبير (يعني وسط السودان) ولعب الانتماء العربي دوره في تفعيل البني الفوقية ورفدها" (الصحافة 29/6/2004). قال أيضاً " كنت أقدر أن رجلاً كالدكتور جون قرنق نال رسالته العلمية في قضايا تختص بالتنمية هو الأقرب والأقدر على فهم دلالات هذه المعاني واستخدامها لتقييم علاقات الجنوب المهمش بالعولمة الأوروبية" (الصحافة يوليو 2004).

 

العولمة الأوروبية التى يشير إليها الكاتب هي الهيمنة الاستعمارية، وما قاله حول البني التحتية والفوقية في الوسط لا يعني أكثر مما ظلت تقوله كل القوى الراغبة في إنهاء تهميش الأطراف عن ضرورة تبديل نموذج التنمية الموروث من عهد الاستعمار. ولا نرى مبرراً للزج بدور العروبة في ارفاد البني الفوقية، وما هو مكانها من الإعراب إذ لا شأن للعروبة أو الزنوجة بتكثيف الثروة في الوسط. ولو كان الوسط هذا هو أرض البجة الذين لا يتحدثون غير البداويت، أو النوبة الذين لا يعرفون غير ما نسميه الرطانة، لقضت الاعتبارات الاقتصادية المادية بأن يصبح هو مركز الثقل. ما هي هذه الاعتبارات؟ الموقع الاستراتيجي الذى يُمكن الحاكم من إحكام سيطرته على كل القطر، والأرض المنبسطة والماء الجاري، والخطوط الحديدية التى تربط ما وراء الساحل (Hinterland) بالمنافذ على البحر التى تنقل عبرها السلع التصديرية، والمعاهد التعليمية التى تُخَرِّج الكوادر التى تحتاجها الإدارة الاستعمارية لإدارة دولاب العمل، والأيدي العاملة المدربة منذ الحكم التركي.. الخ. لهذا فإن الإصرار على الزج بالعروبة والإسلام في كل شئ، حتى فيما لا فضل لهما فيه، لا يفيد البحث ولا يضيف شيئاً للعروبة والإسلام. لماذا، إذن، يريد المحلل من قرنق، رغم تأهيل قرنق لأن يكون باحثاً ناجحاً، ورغم قدراته الذاتية لأن يكون مجادلاً لبقاً، أن ينصرف لتقصي جذور التهميش على المستوى العالمي حتى يدرك أسبابه محلياً. علم الله لو قرأ قرنق ومحمد أبوالقاسم كل كتب الأرض لما اكتشفا سبباً "عولمياً" واحداً لإصابة ما يزيد عن ثلث السكان في منطقة البجة بداء السل. ولما وجدا سبباً "عولمياً" واحداً يبرر عودة الكلازار إلى جنوب السودان بعد أن قضى عليه أطباء السودان بقيادة الدكتور محمد حمد ساتي قبيل الاستقلال. "عولمة ايه ياراجل؟"، أسهل من كل ذلك أن ننظر إلى مواطئ أقدامنا. ننظر للسياسات البلهاء، والأولويات الخاطئة.

 

تابعت الحوار الذى دار بين الأستاذ محمد والأستاذ كمال الجزولي حول قضية التهميش وسعى فيه الجزولي للنزول بهذه القضية من المريخ إلى أرض الواقع. تحدث عن "الشرائح الاجتماعية التى تمكنت منذ قرون من الاستحواذ على الثقل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي في بلادنا وعن كيف أن هذه الشرائح تنتمي إلى الجماعات المستعربة كما أشار إلى ما تولد عنها من تيار سلطوي مُستعلٍ على الآخرين. (الصحافة 17/7/2004). وسرني، بوجه خاص، اتفاق الأستاذ محمد مع هذا الرأي بل ذهابه لاستعادة التاريخ القديم والحديث لتأكيد هذه الرؤية عندما تحدث عن "مكان المهمشين كعبيد وأنصاف عبيد، رعاة وحرفيي إنتاج حرفي صغير" وعن التمكين الاقتصادي الذى وفره الاستعمار لهذه الشريحة. أكثر من ذلك، ذهب الأستاذ محمد إلى وصف الحكم الوطني منذ الاستقلال بالعجز عن معالجة الظاهرة لأنهم، على حد قوله كانوا، "حكام فهلوة وتخلف وليسوا حكام تخطيط .. ولم يقرأوا حتى أوراق مؤتمر أركويت" (الصحافة 10/7/2004). إن كان هذا هو رأي الصديق المحلل في الأوضاع السائدة فلماذا يريد أن يمنع قرنق من الحديث عن "التهميش" طالما أنه لم يُجرِ أبحاثاً حول العولمة. ثم ما الذى يغضبه في تصدي قرنق لقضية المُهَمشين، ووقوفه بجانبهم ضد المُهمِشين، إلا إن أراد القول أن التهميش على يد "حكام الفهلوة والتخلف" من أهل الوسط، خير من إزالة الحيف على يد واحد من "أبناء العبيد وأنصاف العبيد"؟ أنا لا أرمي الصديق المحلل بالتحيز العرقي، ولكن هذه هي النتيجة المنطقية الوحيدة للأحكام التى تصدر من منطلق تحيز معرفي أو مفهومي.

 

الهروب من الظاهرة إلى الأمام لن يفيد أبداً، فالتهميش الداخلي ليس بالضرورة انعكاس أو امتداد للتهميش العولمي. في جوهره، هو انعكاس لعدم المساواة الشاملة المتمثلة في نقص الخدمات الصحية، والتعليم، وفرص العمل، والطرق، ومياه الشرب، والطاقة، وحيازة أدوات الإنتاج، والنصيب من الاستهلاك والادخار. هذه الظاهرة هي دوماً نتاج لتركيز الموارد والمناشط الاقتصادية في منطقة بعينها مما يقود إلى حرمان آخرين لأن النمو غير المتكافئ يقود، بالضرورة، إلى دمج مجموعات في الاقتصاد الوطني وإقصاء مجموعات أخرى إلى هامشه. وليس ضربة لازب أن يكون ذلك التركيز نتيجة للعامل الخارجي الذى له أسبابه، ومؤثراته على الاقتصاد، وطرائق علاجها.

 

قرنق أو محمد أبوالقاسم لن يستطيعا، مهما أوتيا من بلاغة وقدرات، أن يعالجا افرازات العولمة بالكتب والمقالات دون أن يكون لهما مركز انطلاق قوي يجابها منه جموح العولمة. العلاج، مرة أخرى، هو توازن القوى، أي قدرة الدول المستضعفة على أن توحد قواها، وتستخدم كل أدوات الضغط المتوفرة لها لإنهاء تشوهات النظام الاقتصادي العالمي. وعلّ الصديق الباحث يعرف أن أكثر دول العالم الثالث التى قدرت أن تقوم بدور مؤثر في الوقوف ضد جموح العولمة هي تلك التى استطاعت أن تعالج، أو وضعت الأسس لعلاج، مشاكل الفقر الداخلي والتباينات الاقتصادية المدمرة لكياناتها القائمة. من تلك دولتان ما فتئتُ أشير إليهما هما: الهند وماليزيا، ولعلني أضيف البرازيل في عهد رئيسها الحالي لويس لولا دا سيلفا، وهو رجل انتقل إلى سدة الحكم من صفوف النقابات العمالية. يكفي قرنق، مع رفيقه في نايفاشا، نجاحهما للمرة الأولى منذ الاستقلال في التوصل لاتفاق ينتقل بنظرية التنمية المتوازنة، أو المتوازية، أو المتوازنة المتوازية من فكرة نستشعرها (نتداعى بها كشعار) في محافل السياسة إلىسياسات واضحة محددة.