بروتوكولات نايفاشا


سبتمبر/ 2004

 

 

الفصل السابع

 

 

الدين والسياسة ...  زراعة الإحَن وحصاد المحن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

احتل موضوع الدين والسياسة، أو الدين والدولة، حيزاً كبيراً في الجدل السياسي منذ الستينيات. وفي جانب منه، كان امتداداً لجدل أوسع على نطاق الأمة الإسلامية كلها حول الحفاظ على الهوية في سياق عالم تعددي. إلا أن دعاوى الحفاظ على الهوية تحولت عند البعض إلى ذريعة للالتفاف على قيم ومعايير تراضت عليها الإنسانية لضبط سلوك الأنظمة والمجموعات البشرية. ونفصل في السودان بين ثلاث حقب اختلفت فيها طبيعة الجدل ومحتواه ومناهجه التى تراوحت بين الخطاب التهييجي والقمع. الحقبة الأولى هي تلك التى شملت كل الفترة من الستينيات حتى السبعينيات، والثانية هي فترة الحكم المايوي، أما الثالثة فهي التى أعقبت ذلك الحكم وإلى نهاية القرن. هذا التحقيب لا يُسقِط دور المفاعل الخارجي في تغذية الجدل والصراع على امتداد تلك الحقب، إذ تداخلت الصراعات المحلية مع الصراع الإقليمي (فترة النهوض القومي)، والأممي (فترة الحرب الباردة) وتقاطعت المصالح للحد التى لم يعد واضحاً فيه مَن يستغل مَن. وعلنا في هذا المقال نتناول سبل الإقبال على قضية الدين والدولة في السودان طوال هذا الحقب، وما قادت إليه من ضغائن وإحن انتهت إلى كروب ومحن. وهذا حصاد مر لا تستريح له نفس ولا يستطيبه ذوق.

 

ولكن قبل تفصيل الحقب نبسط بضع حقائق قد تعين القارئ على إدراك الأسباب التى أحالت الجدل بشأن الدين والسياسة من خلاف فكري إلى فتن. أولاً كانت صراعات الستينيات جزءاً من الصراعات النخبوية (طلاب الجامعات، والنقابات المهنية) في إطار الأيديولوجيات السائدة: الأممية (الشيوعية)، والقومية (بمدارسها العروبية المختلفة)، والإسلامية. وكان الجدل حول الدين والسياسة وسط تلك الجماعات يدور بمعزل عن ذلك الذى يدور في مدارس الإسلام الشعبي، المُسَيسَّ منه (الأحزاب ذات القاعدة الدينية)، وغير المُسَيسَّ (الطرق الصوفية). بل ربما اتخذت تلك النخب موقفاً غير ودي من تلك المدارس، وإن تصالحت معها لم تكُ تفعل ذلك إلا اغتناماً لفرصة دنت. لهذا يقال أن الإسلام السياسي في السودان لم يتسم بتسامح إسلام أهل السودان.

 

هذه الأيديولوجيات المتصارعة ـ شأن كل الأفكار الجزمية ـ كانت تعاني من خصيصتين عاطبتين. الأولى هي قصورها الذاتي عن التشكك في صدقية دعاواها، بل ظنها الواثق أن دعاواها هي الحق المحض. والثانية هي جنوح أرباب العقائد، على المستوى العملياتي، إلى اختزال الحل لكل المشاكل الإنسانية في فكرة واحدة، وفي أغلب الأحيان في مصطلح واحد يسهل الارتكان إليه مثل "الإسلام هو الحل" أو "وحدة الأمة هي الحل" أو "انتصار الطبقة العاملة" هو الحل. هذه النظرة أدت إلى ترخص كبير في الإقبال على معالجة أخطر القضايا. ثانياً، ولربما بسبب من اليقين الكامل بصدق أطروحاتها إن لم يكن تنزيه ألاطروحات عن كل نقص، أصبحت هذه الجماعات النخبوية شمولية التوجه، وأخذت، على تباين توجهاتها، تستسلف من بعضها التجارب، خاصة فيما يتعلق بالتنظيم. وبسبب من نظرتها الشمولية أيضاً صار إيمانها بالديمقراطية ملتبساً، هي مع الديمقراطية متى ما وفرت لها مساحة للتنفس والحركة، وهى ضدها متى ما تمكنت من السلطان المطلق. وحينذاك "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، "ولا حرية لأعداء الحرية"، و "من تحزب خان"، ولا حزب إلا حزب الله "، "ألا أن حزب الله هم المفلحون".

 

في كل هذه الصراعات غاب أمران: الغائب الأول هو السودان: مشاكله الوجودية، وتركيبته التعددية، وقضاياه المعقدة بتعقيد تركيبته. الغياب هنا معنوي، فلا شك في أن أهل العقائد هؤلاء كانوا من أكثر أبناء جيلهم اهتماماً بقضايا وطنهم، وانهماكاً فيها، وتضحية من أجلها، كما كانوا على ثقة تامة بقدرتهم التامة على المعالجة الناجعة لها. ولكن، من طبائع الأشياء أن الطبيب الذى يَدوي من نزل به الداء، ظاهراً أو باطناً، يبدأ بتشخيص الداء ليميزه مما سواه. بهذا وحده يمكن للطبيب أن يتعهد المريض بما يشفيه. أرباب العقائد السياسية بما فيها الدين المُسَيَّس كان لهم دواء واحد لا يعرفون غيره، وليس في اعتقادهم غيره في الوجود دواء. ولتعارض الأدوية وتضاربها ـ رغم أن الداء واحد ـ تحول المريض الذى هو السودان خنزيراً غينياً لاغُرم على ما لحق به من جراح. وكما يقول الفقهاء "جُرح العجماء جُبار"، أي هَدَر.

 

الغائب الثاني هو التواضع المعرفي، والذي هو سمة المجتهد الذى يحترم مرجعيات المعرفة، لا سيما إن كان المجتهد ينتمي إلى دين يقول فقهاؤه: "من قال لا أعلم فقد أفتى". المجتهد الصادق تَحَتكُ الأمور في صدره لهذا يظل وقافاً عند الشك، أما أرباب العقائد في السودان، وعلى اختلاف مدارسهم، فلم يكن عندهم موقع للآخر المخالف لهم إلا بين قطبين: الخيانة في حالة، والكفر في الحالة الثانية، تهم الانتهازية والعمالة في حالة، والأبلسة في الحالة الأخرى. الغائب الثالث هو انسداد الأفق الإنساني نتيجة التعامل غير المعافى مع الآخر المخالف، مرة بالعنف ومرة بالإكراه، وأخرى بالاغتيال المعنوي. هذه ممارسات تلغي الحرية، وإلغاء الحرية إلغاء للإنسانية. كما هي ممارسات تفقد الأديان والنظريات البشرية الطامحة للرقي بالإنسان من أي مضمون قيمي. هذه مقدمة إدراكها ضروري حتى لا تختلط الأمور، حتى ننأى بالدين عن الخطايا التى اجترحت باسمه، كما ننأى بالأفكار الطامحة عن الجنايات التى لحقت بها.

 

أبنا في الفصول السابقة كيف أخذت الطبقة السياسية السودانية تستظل دوماً (يوم لا ظل إلا ظله) بدستور ستانلي بيكر "الاستعماري"، وكيف أن ذلك الدستور كان محايداً في موضوع الدين، لكي ما لا نقول علمانياً. المرة الأولى التى احتل فيه الدين (ونقصد الإسلام) موقعاً في الدستور كان في مشروع دستور 1968. ومن الواضح أن الذين ذهبوا إلى التنصيص على الإسلام والشريعة في ذلك المشروع كانوا ينطلقون من نظرية سيادة ثقافة أو دين الأغلبية. فما التى جاء به مشروع الدستور؟ أورد في مادته الأولى: "السودان جمهورية ديمقراطية اشتراكية تقوم على هدى الإسلام". وأورد في المادة (113): "الشريعة هي المصدر الأساسي لقوانين الدولة". كما جاء في المادة (114): "يعتبر باطلاً كل نص في أي قانون يصدر بعد إجازة هذا الدستور ويكون مخالفاً لأي حكم من أحكام الكتاب والسنة إلا إذا كانت تلك المخالفة قائمة في جوهرها قبل إجازة الدستور".

 

هذه النصوص الدستورية أوقدت نائرة سجال سياسي / ديني أثبتت التجارب اللاحقة عبثيته، خاصة بعد صدور دستور 1998 "الإسلامي" ونصوص بروتوكول ماشاكوس حول الدين والسياسة. ولعل أجواء التوجس والتحرش والتربص التى كانت سائدة عند إعداد مشروع دستور 1968(تهم الإلحاد) أضفت على الصراع بشأنه أبعاداً افتقدت أدنى حدود العقلانية. فأولاً لم يكن هناك أي وعي، أو رغبة في الوعي، بأن التعدد الديني في السودان يقتضي أن يعالج موضوع الدين والسياسة بصورة تأخذ في الاعتبار ذلك التعدد. هذا الأمر لم يكن في الحسبان إذ ذهب المشرع على التو لنقل تجارب الدول العربية ـ الإسلامية المجاورة، والتي ليس من بينها واحدة بها ما بالسودان من تعدد ديني، بل من تعددات متقاطعة. وتكاد كل دساتير الدول العربية الإسلامية تتضمن نصوصاً حول دين الدولة، وذهب بعضها إلى ما هو أبعد من ذلك. فالدستور المغربي، مثلاً، ينص في المادة 19 "الملك أمير المؤمنين والممثل الأعلى للأمة ويكفل تطبيق الإسلام". حتى الدستور التونسي (وتونس دولة كان رئيسها المؤسس، الحبيب بورقيبة يجاهر بعلمانيته) يقول في مادته الأولى: "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها". كما تنص المادة 38 من الدستور نفسه: "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ودينه الإسلام". مع ذلك، لو جاءت نصوص مشروع دستور 1968 في إطار نظام للحكم ضمن لغير المسلمين حقوقهم المدنية كما أقر دستور 1998، أو اتفاق ماشاكوس، فلربما لم تكن لهؤلاء ردة فعل عنيفة ضد تلك النصوص، بل ربما لما جاز لهم ذلك. لهذا لم يكن غريباً إن ارتفعت أصوات الجنوبيين عالية، تماماً كأصوات بعض الشماليين، ضد ذلك الدستور. عن الجنوبيين عبر ابيل الير باسمهم جميعاً بكلمات منذرات ليتنا وعيناها يوم ذاك، فلو فعلنا لما استفحل الأمر. قال أن مشكلة الجنوب لم تتخذ حتى الآن طابعاً دينياً ولكن الإشارات للدين في مشروع الدستور ستنحو بها إلى ذلك الاتجاه. أما الشماليون فقد لخص رأيهم عبد الخالق محجوب بقوله أن اعتراضه على الإشارة للدين في الدستور يقوم على اعتبارين أولهما تهديدها لوحدة البلاد، والثاني الخوف من الفتن التى قد يقود إليها اختلاف المذاهب في تفسير الدين.

 

ثم جاء نظام مايو وكان إقباله على قضية الدين والسياسة عند وضع دستور 1973 إقبالاً وسطياً. ويفيد أن نذكر أنه تماماً كما كانت قرارات لجنة الاثني عشر أساساً لاتفاق الحكم الذاتي الإقليمي لعام 1972، كان مشروع دستور 1968 هو الأساس لدستور 1973. من ذلك الدستور أُزيلت أية إشارة لدين الدولة، رغم أن البعض كان يرغب في إدخالها. ولم يكن الدافع على رفضها جحوداً بالدين وإنما للاقتناع بأن الإشارة لدين الدولة في الدستور إعلان بلا جوهر. ففي رده على المطالبين بإدراج النص قال الراحل جعفر بخيت "نحن لسنا بملحدين، ولسنا حرباً على الإسلام ولا على دعوته. إن الاقتراح المقدم مظهري إعلامي ليس في جوهره أية دلالات فعلية، فالدولة كائن معنوي يفقد صفة الانتماء الديني القائم أساساً على وجود ضمير فردي يتعبد ويتعامل". في ذات الوقت أبقى دستور 1973 النص على مصادر التشريع وجاء على النحو التالي: "الشريعة والعرف مصدران من مصادر التشريع". هذا النص أقرب إلى الواقع من ذلك التى اعتبر "الشريعة" مصدراً أساسياً "للتشريع"، إذ لو بقى ذلك النص لحق لأي قانوني مبتدئ يُلم بقوانين السودان القول أن الجزء الغالب من تلك القوانين غير دستوري لأنه لم يُستمد من المصدر الأساس.

 

وأذكر، خلال مناقشة دستور 1973، أن نائباً جنوبياً اعترض على تضمين الدستور النص التى يشير للشريعة كمصدر للتشريع، وكان الرد عليه أن تلك الإشارة تؤكد حقيقة قائمة إذ أن في السودان قوانين عديدة مستمدة من الشريعة، كما أن المحاكم السودانية استلهمت الكثير من أحكامها من الشريعة. وعلى أي، قلنا أن الذى يشرع هو البرلمان، وما الإشارة للشريعة كمصدر، محددة كانت الإشارة أو مطلقة، إلا توجيه للمشرع باستلهام مبادئ الشريعة عند وضع القوانين، وليست أمراً للمحاكم لكي ما تطبقها وفق اجتهاد القاضي. لهذا الرأي ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر (1985) التى يعتبر دستورها (المادة الثانية من دستور 1980) "مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً أساسياً"للتشريع". قررت المحكمة في دعوى رفعت لها أن النص "يستهدف توجيه الشارع إلى استلهام قواعد التشريع من مبادئ الشريعة الغراء بصفة رئيسة لكنه لا يطلب من المحاكم أن تطبق مباشرة مبادئ الشريعة وتغفل ما لا يتفق معها من نصوص تشريعية قائمة".

 

على أن أهم نص أورده دستور 1973 هو المادة 16 والتي أرست، للمرة أولى في دساتير السودان بوجه لا لُبس فيه، مبادئ هامة: الأول الاعتراف بالتعدد الديني في السودان، والثاني تعهد الدولة باحترام كل الأديان وحماية معتنقيها، والثالث تحريم استغلال الدين لإشعالالفتن. تقول المادة:

أ‌.  في جمهورية السودان الديمقراطية الدينُ الإسلام ويهتدي المجتمع بهدي الإسلام دين الغالبية وتسعى الدولة للتعبير عن قيمه؛

ب‌.  والدين المسيحية في جمهورية السودان الديمقراطية لعدد كبير من المواطنين ويهتدون بهديها وتسعى الدولة للتعبير عن قيمها؛

ج‌.  الأديان السماوية وكريم المعتقدات الروحية (noble spiritual beliefs) لا يجوز الإساءة إليها أو تحقيرها؛

د‌.  تعامل الدولة معتنقي الديانات وأصحاب كريم المعتقدات الروحية دونما تمييز بينهم فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة لهم في الدستور كمواطنين، ولا يحق للدولة فرض أية موانع على المواطنين أو على مجموعات منهم على أساس العقيدة الدينية؛

هـ.  يحرم الاستخدام المسئ للأديان وكريم المعتقدات الروحية بقصد الاستغلال السياسي وكل فعل يقصد به أو يحتمل أن يؤدي إلى تنمية مشاعر الكراهية أو العداوة أو الشقاق بين المجموعات الدينية يعتبر مخالفاً لهذا الدستور ويعاقب قانوناً.

 

أخطر ما وقع بعد ذلك أمران، الأول هو الإلغاء الفعلي لدستور 1973 في العاشر من يوليو 1984 عندما استذرع الدكتور الترابي بالمادة التاسعة من دستور 1973 (الشريعة مصدرالتشريع) لإجراء تعديلات عن ذلك الدستور. تلك كانت حيلة قانونية غير بارعة لجأ لها الدكتور، وكان يومها مساعداً لرئيس الجمهورية لأنها أغفلت المواد المتعلقة بكيفية تعديل الدستور وحددت الإجراءات اللازم إتباعها، وما وضعت مثل تلك الإجراءات إلا لحماية الدستور من التغول. والثاني هو إصدار قوانين سبتمبر 1983. الموضوعان تناولناهما بإفاضة في كتاب كامل (الفجر الكاذب: نميري وتحريف الشريعة) لهذا لنا عن العود إليهما فسحة. رغم هذا، ستكون لنا لُبثة عند أمرين مما وقع يوم ذاك لتعلقهما بهذا الفصل. الأمر الأول هو أثر التعديلات الجذرية للدستور على الأوضاع السياسية بوجه عام، وعلى الجنوب بوجه خاص. كان على رأس التعديلات، مثلاً، إلغاء المادة 8 التى تضمنت حماية اتفاقية الحكم الذاتي الإقليمي، واستبدال المادة التاسعة حول الشريعة والعرف كمصدرين رئيسين للتشريع بنص جعل الشريعة مصدراً أوحداً، وإضافة نص في المادة 14 (المسئوليات العامة للدولة) يجعل للدولة دوراً في رعاية حقوق الأقليات، وكانت تلك هي المرة الأولى التى يطلق فيها على مجموعة من المواطنين الأصليين وصف الأقليات، كما حُذفت المادة 16 حول الأديان حذفاً تاماً رغم أنها واحدة من أبرع ما ابتدعه الفقه السوداني الدستوري. تلك لم تكن ضربة قاضية على اتفاقية أديس أبابا فحسب، بل وعلى مقومات التعايش السلمي بين المسلمين وغير المسلمين في السودان.

 

الموضوع الثاني هو التأييد المطلق التى حظيت به قرارات نميري في سبتمبر 1983 من تأييد من جانب الأخوان المسلمين. نميري، فيما نُقَدر، لم يكن يبتغي من إصدار تلك القوانين غير سحب البساط من تحت أقدام كل من كان يدعو لتطبيق الشريعة، أو إقامة شرع الله، أو للصحوة الإسلامية. ولو كان الدين بغيته لما قال في لقاءه بالجالية السودانية في أبي ظبي منذ بضع سنوات: "الشريعة دي خازوق أنا غزيته وأنا براي البقدر أقلعه". تأييد الأخوان المسلمين يوم ذاك لنميري وقوانينه مفهوم من ناحية النفعية السياسية (political expediency) البحتة، ولكن الأخوان لم يكونوا يقدمون أنفسهم كسياسيين فحسب، بل قدموها أيضاً كأصحاب رسالة تتجاوز حدود الأوطان، وكمجتهدة يمتلكون أدوات المعرفة الحديثة التى تمكنهم من الخروج بالدين من المدار المغلق الذى حشره فيه تحجر الفقه. وبهاتين الصفتين كان يعنيهم أن يكون النموذج الإسلامي العملي الذى يطرحون أسمى وأرفع مما عداه حتى يُغري من لهم الخيرة في اتخاذ الإسلام ديناً، وأجدر من يكونون بالإغراء المواطنون السودانيون من غير المسلمين. ذلك أمر فطن له الدكتور الترابي جيداً قبل قوانين سبتمبر، وقبل تعديلاته للدستور التى ضيقت واسعاً في الدين.

 

فقبيل إصدار نميري لقراراته قام الترابي بوصفه نائباً عاماً بمراجعة شاملة لقوانين السودان (المجلدات التسع والتي تضمنت آنذاك 286 قانوناً) انتهى منها إلى أن ثمان وثلاثين قانوناً فقط من تلك القوانين تخالف الشريعة. وللوصول إلى ذلك الحكم استعان بلجنة ضمت نخبة من القانونيين وأهل الفكر: حسن عمر، وعون الشريف، وعلي شمو، وسيد أمين، وميرغني النصري، وعلى محمد العوض، وصديق الضرير، وعلى عبد الرحمن الأمين الضرير، ومحمد الجزولي، واميل قرنفلي، وجمال بسيوني (مصري)، ومحمد الفاتح حامد. واقترح الأخير ضم جنوبيين للجنة فاستجاب نميري للاقتراح وأصدر قراراً بإضافة فرانسيس دينق، وامبروز ريني، واكولدا امانتير، ودفع الله الحاج يوسف إلى اللجنة. وحول الحدود على وجه التدقيق كان للترابي اجتهاد أحسب أنه وفق فيه، ومن ذلك التدرج في تطبيق الحدود مثل حد الشرب (والذي ألحقه الترابي بالتعزيرات وليس الحدود) حيث ترك لحكام الولايات حرية تطبيقه بعد أمد محدد، وأباح الشرب للأجانب والبعثات الدبلوماسية (أو بالأصح قضى بعدم تجريمه)، كما وجه أن لا يطبق الجلد إلا على الشارب. ولكن ما أن أصدر نميري قراراته حتى انتهى الشيخ المجتهد إلى رأي نقيض حول تطبيق الحدود بما فيها تلك التى لم يدرجها في منظومة الحدود. مثلاً، أقر تطبيق القطع في السرقة فوراً لأنه، كما قال، "قطع لكل الارتياب والانهزام الثقافي" (الأيام 19/1/1984)، كما أيد تطبيق "حد الشرب" على غير المسلمين وعلى الأجانب الذين استثناهم في حكمه الأول مبرراً ذلك، هذه المرة، بالقول "لا استثناء للأجانب وغير المسلمين من حدود الله وخاصة الشرب فالاستثناءات تقود للتلاعب" (الأيام 3/10/1983).

 

قضيتنا ليست مع التأييد السياسي لقرارات نميري، فللسياسة أحكام. وليست حول الاتفاق أو الاختلاف معه إن كان الذى طبقه يمت بسبب إلى شرع الله أولا يمت. القضايا التى نوليها اهتماماً في هذا الفصل هي أولاً اختزال شرع الله كله في العقوبات المقدرة، خاصة وقد بقيت من هذه النظرة ظلال خلال المفاوضات الأخيرة حول تطبيق الحدود في العاصمة. ثانياً حق المجتهد الذى ينقض في الصباح ما أبرمه في العشية في أن يُضفي، أو تُضفي، أية قدسية على اجتهاداته بحيث يصبح الدين والاجتهاد البشري بشأن الدين سيان، ويصبح الاختلاف مع الاجتهاد البشري كفر وارتداد عن الدين. ثالثاً الإساءة البالغة التى لحقت بالدين ليس فقط باختزاله في الحدود بمعنى العقوبات المقدرة، وإنما أيضاً على وجهين آخرين. الوجه الأول هو الإيحاء أن تلك العقوبات هي جوهر الدين، علماً أن حدود الله ليست وحدها العقوبات التى وردت خمساً، كل واحدة منها في آية واحدة: السرقة (المائدة 38)، والقذف (النور 4)، والحرابة (المائدة 33)، والقصاص (البقرة 178)، والزنا (النور 2)، وليس من بينها ما يعرف بحد الردة أو حد الشرب. هذه الحدود هي جزء صغير من باب أكبر هو العقوبات، في حين تستوعب حدود الله ما هو أشد خطراً من العقوبات. ففي العبادات حدود (البقرة 187)، وفي الفروض حدود (النساء 13)، وفي الزواج والطلاق حدود (البقرة 229)، وفي الأخلاق حدود (التوبة 97)، وفي الوفاء بالعهود حدود (التوبة 112)، وكل ذلك يدخل في مجال تهذيب النفوس وضبط العادات والمعاملات. لا نقول هذا تقليلاً من أهميتها، وإنما تبياناً لخطل الرأي الذى يختزل حدود الله كلها في خمس آيات. الوجه الثاني هو أن الحدود لم تفرض لكي ما تصبح سلاحاً لابتزاز الخصوم. ولربما كان نميري أصدق مع النفس إن ظن هذا، بعد أن أطلق على "الشريعة" وصفاً خرج به عن الجادة، وجاوز به حدود الأدب: أسماها "القانون البطال". قال في خطابه بمناسبة الذكرى السنوية لمايو: "كل بيت ندخله ونفتشه .. من يشرب في الخفاء .. من يزني نفتشه لأن الإسلام أمرنا بذلك. أيوه سنحاكمهم بالقانون البطال ده" (الصحافة 25/5/1984). تلك زلة فرويدية أبانت ما يدور في أعماق الرجل، ولكن ما بال أهل الحجى ذوي الحِجر يَلبَسون الدين، كما قال الإمام علي، كما يُلبس الفروُ مقلوباً. لقد فرض الدين قيوداً صارمة في تطبيق الحدود (بمعنى العقوبات المقدرة) أهونها قيد الإثبات والبينة. فالحدود تدرأ، وفي قول عائشة عن رسول الله صلعم "إدرأوا الحدود عن المسلم ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فلئن يخطئ الأمام في العفو خيراً من أن يخطئ في العقوبة" (رواه الترمذي والحاكم البيهقي بسند صحيح). والحدود فيها الستر، روى مالك عن سعيد بن المسيب أن رجلاً جاء لأبي بكر وقال أن فلاناً قد زنى. قال أبو بكر "هل ذكرت هذا لأحد غيري". قال لا: قال له" "تب إلى الله واستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة من عباده". والحدود ـ وهذا هو أكثر ما يعنينا في هذا المقام ـ لا تقام بشهادة الإمام، ويروي أن عمر الفاروق شهد رجلاً يزني فشاور علياً: "ما قولك في أمير المؤمنين شهد رجلاً يزني" قال علي "عليه أن يأت بأربعة شهود أو يقام عليه الحد"، أي، يقام حد القذف على أمير المؤمنين. كما أن علم القاضي ليس بحجة فيها، أما في السودان فقد أصبحت الحدود في عهد نميري هي "القانون البطال" الذى يبث به الحاكم الرعب، وانتهت في العهود التى تلته إلى أداة الحاكم الفاعلة للابتزاز والإذلال والإساءة للخصوم.

 

على صعيد الجنوب لم يكن لقوانين سبتمبر صله مباشرة باندلاع الحرب، أولاً لأن القرارات السياسية المدمرة (الإلغاء الفعلي لقانون الحكم الذاتي الإقليمي)، والإجراءات الإدارية والعسكرية الخاطئة (نقل القوات الجنوبية للشمال) التى أشعلت الفتيل سبقت قوانين سبتمبر. ثانياً لأن تلك القوانين لم تمس الجنوب رغم انطباقها عليه نظرياً، بحسبان أن القانون لم يَعفِ أحداً من أهل السودان في الشمال والجنوب. على أن الهوس الذى صَحِب اندلاع الحرب من جديد (تصوير البيانات الرسمية للحرب بوصفها حرباً ضد الكافرين، واتخاذ الجهاد في سبيل الله شعاراً للجيش، وإضفاء طابع ديني على الجيش) أكسب الصراع، بالضرورة، بُعداً دينياً. لهذا لم يكن غريباً أن تطالب الحركة بإلغاء تلك القوانين وتجعل إلغاءها شرطاً من شروط إنهاء الحرب والمشاركة في الحكم، خاصة ولم يكن خيار الانفصال أو حتى حق تقرير المصير مطروحاً يوم ذاك بالنسبة للجنوب.

 

وعقب سقوط نظام مايو أخذت المواقف تميل للتشدد لأسباب لا علاقة لها بالدين. فمن جانب اتخذ التجمع النقابي موقفاً معادياً للأخوان المسلمين (قبل أن يصبحوا جبهة قومية إسلامية) لا بسبب تأييدهم لقوانين سبتمبر وإنما لتأييدهم لنظام مايو في مرحلته الأخيرة ومن ثَمَ تحميلهم كل أوزار النظام. هذا الموقف دفع الأخوان للاستمساك بتلك القوانين تماكراً وكيداً "إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً". لهذا أصبح من العسير على السياسة الشمالية أن تتخذ موقفاً سياسياً راشداً في قضية الدين والسياسة يأخذ في الحسبان هموم غير المسلمين، كما يكفل المطامح المشروعة للمسلمين، على أن يكون ذلك عبر القنوات الديمقراطية بحيث يكون القرار في النهاية معبراً عن إرادة الشعب تعبيراً حقيقياً.

 

وعند توسد الإسلاميين السلطة ومباشرتهم الحوار مع الحركة الشعبية تقدموا باقتراح لا يخلو من الجرأة ألا وهو استفتاء الشعب حول الشريعة، وكان ذلك رداً على قول الحركة أن تلك القوانين لم تصدر بإرادة شعبية بل أصدرها حاكم فرد. الحوار في هذا الشأن لم يقطع شوطاً بعيداً لعدم وصول الطرفين في المفاوضات الأولى التى دارت بينهما (خاصة في أديس أبابا ونيروبي في عام 1989) لاتفاق حول القضايا الأخرى المطروحة: الديمقراطية، وحكومة الوحدة الوطنية.. الخ. وبانتقال الحوار إلى منابر أخرى (أبوجا ثم الإيقاد) وطرح موضوع الانفصال خياراً (انشقاق رياك مشار وإنشائه لحركة استقلال جنوب السودان)، ثم التقاء الجنوبيين جميعاً على حق تقرير المصير حداً أدنى لأي وفاق، أصبحت قضية قوانين سبتمبر أمراً غير ذي موضوع في رأي دعاة الانفصال، إلا أنها ظلت تؤرق بال الوحدويين في الحركة. تلك هي المرحلة التى ارتفعت فيها النبرة في الحديث عن علمانية الدولة إن كان للسودان أن يبقى موحداً بصفة دائمة، أو حتى خلال الفترة الانتقالية. ومنذ المفاوضات الأولى، اتضح أن ذلك أمر دونه خرط القتاد بالنسبة لمفاوضي الحكومة، خاصة وقد أصبح تعبير العلمانية تعبيراً رجيماً.

 

الجدل حول العلمانية في السودان نموذج بليغ لغباء الحوار عندما لا يتفق المتحاورون على المصطلحات، علماً أن الناس تعلموا منذ سقراط أن الحكمة تبدأ بتحديد معاني الكلمات. فحين لم ير البعض في العلمانية غير نفي الدين عن الحياة مما لا يرضاه من يقول الإسلام دين ودولة، أو دين وحياة، كان كل ما يعنيه التعبير للبعض الآخر هو أن تبقى الدولة محايدة تجاه أصحاب الديانات المختلفة في ممارستهم لواجباتهم، واستمتاعهم بحقوقهم، وأدائهم لمسئولياتهم المدنية. فلم يكن من خطة دعاة العلمانية السودانية، فيما نعلم، أن يَهجِر المسلم نفسه وينخلع عن ثقافته، أو في وهمها أن تُلغى الأديان، الكتابي منها والتقليدي، حتى في المناطق التى يسيطر عليها "علمانيو" الجنوب. العلمانية، كالديمقراطية، ظاهرة طارئة أصبحت تمثل في المجتمع المعاصر، مجتمع أنسنة الحقوق الأساسية المدني منها والسياسي، تَحدٍ لا يمكن الهروب منه. ولعل فكرة الهروب نفسها لا تساور إلا الذين أرادوا وضع الإسلام في مجابهة مع الآخر علماً أن الإسلام دين، كما هو حضارة تاريخية. وكحضارة، أسهم الإسلام إسهاماً مشهوداً في تطور الإنسانية إلى المستويات التى بلغتها، ولهذا فإن أي رهان إسلامي استراتيجي سيكون رهاناً خاسراً إن قام على رفض مكاسب العقل الحديث ومنها العقلانية والموضوعية والإنسانية. تلك المجابهة موقف تفتعله جماعات، لم تستنفد بعد إمكانياتها للتخريب والتدمير، ولا ترى الهوية الإسلامية إلا هوية منغلقة وممتلئة بالكراهية للآخر، وكأن تلك الهوية لم تتغذَ بحكمة الهند وعرفانية الفرس وفلسفة اليونان. نقول مفتعلاً لأن ليس في العالم كله مجتمع إسلامي واحد يُحكَم بوجه مطلق اعتماداً على الدين، لا في أنظمة الحكم، ولا في السياقات القانونية، ولا في العلاقات مع الأمم، ولا في الاقتصاد والتجارة، ناهيك عن العلوم والفنون والصناعات.

 

حديثنا هذا عن الانغلاق، وقبل هنيهة تحدثنا عن التواضع المعرفي يستدعي للذاكرة كلمات للرئيس محمد خاتمي. خاتمي مفكر إسلامي مستنير قضت السياسة أن ترمي به إلى حيث ما كان يجب أن يكون فتقل سماحته. قال في مقدمة لمحاضرة له عن الدين والدولة بتواضع العَالِم والحس التاريخي للمفكر: "أرجو أن لا تنتظروا مني أطروحة ما، فأنا أعترف بعجزي الفكري والعلمي عن مثل ذلك. ناهيك أن حياة الإنسان لا يتم إصلاحها بأطروحة. فمثلاً، كانت أطروحات ماركس وانجلز هي الأكثر فاعلية ذات حين، ولكنكم وقفتم على النتيجة رغم مما للرجلين من مزايا تحمد. فماركس، للإنصاف، كان رجلاً فطناً وأحد أبرز الخبراء في اكتشاف معايب الرأسمالية. ولكن نتيجة ما فعله بارزة للعيان. فلنعترف بكل صدق أن الحياة إن هي إلا جهود ومساع عامة ومتواضعة، ولا نتقدم إلا بالتعاون وتضافر الجهود وتبادل الآراء وتلاقح الأفكار والتذكير دوماً بمحدودية ما يطرحه الإنسان من آراء وأفكار ووجهات نظر" (الدين والدولة، الدار العلمية للكتب والنشر 1998).

 

مهما يكن من أمر، فإن وجوه التعبير عن العلمانية تختلف من مكان لآخر. ففي الهند مثلاً ارتكزت العلمانية على مبادئ ثلاثة: المساواة في احترام الأديان، واعتبار سلطة الدولة في كل القضايا المدنية سلطة نهائية، واقتصار دور الدولة في واجب أساس هو تحقيق رفاهية المواطن وخيره المعنوي. ولو لم تفعل الهند هذا وتجعل من المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، أو لو طبقت مبدأ سيطرة دين الأغلبية على الأقليات الدينية لأصبح مسلموها في وضع لا يُرضي مسلم. ففي الهند 690 مليون هندوسي مقابل 120 مليون مسلم (مما يجعل الهند ثاني دولة إسلامية في العالم بعد اندونيسيا من ناحية عدد السكان). كما أنه رغم التعديل الأول للدستور الأمريكي الذى صدر في عام 1791 والذي ينص على الفصل بين الدولة والكنيسة لم يقتلع ذلك التعديل الثقافة الأمريكية الغالبة من جذورها الدينية البروتستانتية. هذه الحقيقة تصدق على كل الدول التى ذهبت إلى الفصل الدستوري بين الدين والدولة، فالمادة الثانية من الدستور الفرنسي لم تَقضِ على الكاثوليكية أو البروتستانتية في فرنسا، كما لم تُضعف المادة الثانية في الدستور التشيكي (دستور هافل) والتي تنص على "تأسيس الدولة على القيم الديمقراطية ولا يجوز ربطها بأيدلوجية خاصة أو بدين معين" (والنص كما هو جلي ردة فعل على الهيمنة الماركسية) أي أثر على الكاثوليكية في المجتمع التشيكي.

 

دستور 1998 يمثل، بلا شك، ثورة حقيقية في نظرة الإسلام السياسي لقضية الدين والسياسة. ولولا غلبة الهيجان على الخطاب السياسي، والاستمرار في استخدام العنف العاري ضد الخصوم، لصدق الناس أن ذلك الدستور يعني ما يقول. كانوا سيصدقون ما جاء به الدستور أيضاً إن لم تصبح برامج الإعلام في الراديو والتلفزيون الرسميين، وتصبح مناهج التعليم في مدارس الدولة، برامج تبشيرية لا يري المواطن غير المسلم وجهه فيها، ولا يرى وجه فيها أيضاً المواطن المسلم صاحب الرؤية المغايرة للدين. هذه هي الأسباب التى جعلت أغلب خصوم النظام يقرأون الأحرف الدقيقة (fine prints) لا النصوص الواضحة في الدستور، ويتمهلون في الإطلاع على ما بين السطور، في الوقت الذى لا يلقون فيه إلا النظرة العجلى على السطور. وعلنا لا نتوقف عند النصوص التهيمة في ذلك الدستور مثل تلك بشان الحريات، والتي ما وردت إلا وتبعها تعبير كابح. وبالقطع لا نتوقف كثيراً عند المادة 26 (1) حرية التوالي والتنظيم لأن الحرية تتألق فيها بغيابها. بخلاف ذلك، نشير إلى المادة الأولى حول طبيعة الدولة: "السودان وطن جامع تتآلف فيه الأعراق والثقافات وتتسامح الديانات. والإسلام دين غالب السكان وللمسيحية والمعتقدات العرفية أتباع كثيرون". هذا نص سليم وهو ذو قربى بالمادة 16 من دستور 1973 التى أزاحها الترابي عند تعديل ذلك الدستور في العام 1984. كما يبتعد النص عن الإشارات التقليدية في الدساتير العربية لدين الدولة. وحَسَن أن يشير الدستور إلى التسامح لأنه مقوم أساس للاستقرار في الدول متعددة الديانات، ولكن كيف يكون هناك تسامح في وجود أحكام مثل حكم الردة هي ظنينة أصل حتى في الفقه الذى يستند عليه الدستور. ذلك النص تسرب إلى قوانين السودان في قوانين سبتمبر 1983، والردة مصادرة لحق الاختلاف والمغايرة في الاجتهاد، إذ حيثما طبقت لم تطبق ضد مجاهر بالكفر، بل دوماً ضد مناقض لاجتهاد، أو مستنكر لحكم. وعندما يكون هذا الاستنكار أو المناقضة في بلد تترجرج فيه الأحكام بحيث ينقض مجتهدوه، كما قلنا، في الصباح حكماً ابرموه في المساء، لا تتقلقل الثوابت فحسب، بل يصبح الزعم بقدسية الاجتهادات جناية في حق دين أبى حتى على الرسول الكريم قهر البشر وإكراههم على رأي بعينه بمن فيهم من أعرض عنه ونأي بجانبه "وإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ". من جانب آخر فإن التسامح في فقه الحقوق الإنسانية لا يعني عدم المبالاة بالآخر، لا تعبأ به ولا تكترث، وإنما هو قبول الآخر لحد المعاناة. وأصل كلمة تسامح (tolerance) في الإنجليزية هو كلمة (tolere) اللاتينية وتعني "يَشِق على أو يُعاني".

 

وفي الباب الرابع (سلطة التشريع) حددت المادة 65 مصادر التشريع على الوجه التالي: "الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً ودستوراً وعرفاً هي مصادر التشريع، ولا يجوز التشريع تجاوزاً لتلك الأصول، ولكنه يهتدي برأي الأمة العام وباجتهاد علمائها ومفكريها ثم بقرار ولاة أمرها". الجانب الإيجابي في النص هو أنه تطور لما جاء في مشروع دستور 1968 الذى جعل الشريعة المصدر الأساس للتشريع، وهي نظرة أثبتنا بطلانها، كما هو تطور كبير للنص الذى اقترحه الترابي تعديلاً للمادة 9 من دستور 1973، في معرض تعديلاته لذلك الدستور في العام 1984. وعلى أي فإن فكرة النص على مصادر التشريع في دساتير الدول العربية بدعة لا تعرفها دساتير العالم، أدخلها الدكتور عبد الرازق السنهوري والذي أشرف على صياغة أكثرها. دساتير العالم أجمع تفترض أن الأمة هي مصدر السلطات ولهذا يصبح حكم الأمة، إما مباشرة في استفتاء أو عبر ممثليها، هو مصدر التشريع.وجميع الأمم لا تصدر أحكامها من فراغ، بل تصدرها ابتناءً على أصول تستلهمها من الأديان والعادات والتقاليد وشرائع من قبلها، كما من التجارب الإنسانية التى عَبَرت بها، أو تنامت إليها. ليس أدل على ذلك من أن المائتين وينيف من قوانين السودان السارية حتى اليوم مستمدة من التجارب الإنسانية، فلا مصدرها الدين ولا العرف.

 

ثم جاءت ماشاكوس، وتناولت بروتوكولها قضية الدين والسياسة بصورة خلقت كثيراً من الالتباس بقدر ما أرضت طرفي النزاع إلى حد. ففي البدء ظل موضوع الحقوق التى تكفلها المواطنة محل شك عند غير المسلمين رغم ما أشار إليه دستور 1998، خاصة في المادة 21 حول الحرية والحق في التساوي. قالت المادة: "جميع الناس متساوون أمام القضاء، والسودانيون متساوون في الحقوق والواجبات في وظائف الحياة العامة، ولا يجوز التمييز بينهم فقط بسبب العنصر أو الجنس أو الملة الدينية، وهم متساوون في الأهلية للوظيفة والولاية العامة ولا يتمايزون بالمال". هذا نص واضح وصريح، ولكن عندما نرى أن بعض هذه الحقوق التى كفلها الدستور بموجب هذه المادة لكل إنسان سوداني دون تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو الملة تُصادر، مثلاً، بالنسبة للنساء (حق المرأة في الشهادة) اعتماداً على نص آخر في الدستور (المادة 65 مصادر التشريع) يصبح الخوف مشروعاً. وطالما كانت المصادر التى تستنفج منها هذه الأحكام هي موروثات الفقه القديم، فلماذا لا يتخوف البعض من أن ينبري فقيه قروسطي اعتماداً على تلك الموروثات ويطالب بحرمان "الكافر"، مثلاً، من الولاية على المسلمين بموجب قوله تعالى "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا". أو ليس ذلك هو النص الذى ارتكز عليه جميع الفقهاء لحرمان الكافر من ولاية القضاء على المسلم إلا الحنفية الذين أجازوها على أهله؟ أو أسوأ من ذلك ما الذى يمنع فقيها آخر من الدعوة لحرمان العبد من الولاية انطلاقاً من أحكام الفقه العتيق مثل قولهم: "إن كان الرق مانعاً من ولاية العبد على نفسه فأحرى من ولايته على غيره"، فالعبد في عرفهم مشغول بحق سيده ولهذا لا يولي (الماوردي). في مكان غير السودان مثل هذه الحكايات قد تكون أساطير، ولكن طالما أثبتت التجارب منذ أن أصدر نميري قوانينه، وانبرى بعض الفقهاء لتسويغها فأي شيء محتمل في السودان، خاصة إن ظللنا نبتني الأحكام الراهنة على اجتهادات صيغت في قرون سحيقة، وعجزنا، بالغوص الجريء في الأصول، عن إيجاد حلول عملية لمشاكلنا المعاصرة التى لم يعرفها فقهاء الماضي. فبصرف النظر عن استغلال الدين لأغراض السياسة، ما زال هناك فقهاء يرفضون إعادة قراءة الأصول، بل يلحون على النظر إلى الأصول من حيث انتهى القدامى إلى قراءتها.

 

لهذا جاء التنصيص في الفقرة المتعلقة بالدين والدولة في اتفاق ماشاكوس واضحاً وجلياً في أمرين: الأول هو إيضاح معنى احترام التعدد الديني بما يمنع اللبس، والثاني إبانة ما نعنيه بإنشاء الحقوق على المواطنة وبصورة واضحة. وقدم البروتوكول لتلك الفقرة بالاعتراف أن السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق والاثنيات والأديان واللغات، وحض على عدم استخدام الدين كعامل للتفرقة. وتضمنت الفقرة المبادئ التالية:

 

  الاعتراف بكل الأديان والأعراف والمعتقدات كمصدر قوة روحية والهام للشعب السوداني (وهذا تأكيد لعدم نفي الدين عن الحياة)؛

  إقرار حرية المعتقد والعبادة والوجدان لأتباع كل الأديان والمعتقدات والأعراف ولا يجوز التمييز ضد أي إنسان على هذه الأسس؛

 الحق في تولي جميع المناصب بما فيها رئاسة الدولة، ووظائف الخدمة العامة والتمتع بجميع الحقوق والواجبات على أساس المواطنة وليس على أساس الدين أو المعتقدات أو الأعراف؛

  تنظيم الأحوال الشخصية ومن ضمنها الزواج والطلاق والميراث وفق القوانين السائدة بما فيها الشريعة أو القوانين الدينية الأخرى أو الأعراف الخاصة بمن يعنيهم الأمر؛

  احترم الحقوق التالية: حرية العبادة والتجمع من أجل أداء الممارسات الدينية أو تلك المتعلقة بالمعتقدات وتأسيس وحماية الأماكن التى تؤدى فيها هذه الشعائر، وإنشاء المؤسسات الخيرية والإنسانية حسب الحاجة، وصناعة وحيازة كل المواد والأدوات المتعلقة بأداء الشعائر أو العادات بصور تحقق أداء الغرض المطلوب منها، وتأليف وإصدار وتوزيع المطبوعات الخاصة بالشعائر المختلفة، وتدريس الديانات والمعتقدات في الأماكن المناسبة لهذه الأهداف، والسعي للحصول على المساهمات النقدية وغيرها من الأفراد والمؤسسات وتسلم هذه المساهمات، وتدريب وتعيين وانتخاب القيادات التى يتطلبها الدين أو المعتقد المعين، والتمتع بالعطلات والاحتفالات الدينية وفق التعاليم والمبادئ التى ينص عليها الدين الذى يدين به الشخص المعين، وإقامة العلاقات والاتصالات مع الأفراد والجماعات فيما يتعلق بالشئون المعتقدية على المستويين الداخلي والخارجي

 

وكأن كل ذلك لا يكفي أضيف نص يقول: "لإزالة أي شك حول القضية لا يسمح بالتمييز من قبل الحكومة أو الدولة أو المؤسسات القومية ضد أي فرد أو مجموعة على أساس الدين أو المعتقد".

وقد يرى البعض أن هناك مبالغة في التفصيلات وتأكيد الضمانات، ولكن أية قراءة أمينة للحدود التى وصل إليها الاستقطاب الديني في السودان يدرك دواعي ذلك التفصيل.

 

تضمن بروتوكول ماشاكوس نصوصاً أخرى تتعلق بالقوانين التى ستسود خلال الفترة الانتقالية، خاصة في الشمال، أثارت ثائرة بعض القوى الشمالية، وكان لنا تعليق على ذلك إبان صدورها. يقول البروتوكول في الفقرة حول الحكومة القومية:

 

  يتفق الطرفان على تكوين حكومة قومية تمارس السلطة وتجيز القوانين التى تجاز من قِبل سلطة عليا ذات سيادة على المستوى القومي. وستأخذ الحكومة في الاعتبار عند إجازتها للقوانين الطبيعة التعددية للشعب السوداني ديناً وثقافة؛

  التشريعات التى تُسَن على المستوي القومي وتطبق على الولايات خارج جنوب السودان يكون مصدرها التشريعي الشريعة وإجماع الشعب؛

  التشريعات التى تُسَن على المستوى القومي وتُطبق على الولايات الجنوبية (أو الإقليم الجنوبي) يكون مصدرها التشريعي الإجماع الشعبي وقيم وعادات الشعب السوداني ومن بينها تقاليده ومعتقداته الدينية مع أخذ التعددية السودانية في الاعتبار؛

  في حالة ما إذا كانت التشريعات القومية المعمول بها الآن أو المطبقة وكان مصدرها الدين أو العرف وكانت أغلبية سكان الولاية أو الإقليم لا يمارسون شعائر ذلك الدين أو يلتزمون بالأعراف المعنية يكون هناك خياران: الأول هو استبدال القوانين أو المؤسسات بما يتماشى مع الدين والأعراف المعنية أو عرض القانون على مجلس الولايات لإقراره بأغلبية الثلثين.

 

وبقدر ما ابتهج المناصرون للنظام والمعارضون له بالاختراق الذى وقع في مفاوضات السلام، بقدر ما غُم بعضُ المعارضين لتنازل الحركة الشعبية عن إصرارها على أن يكون دستور السودان كله علمانياً، بل قبولها (غير المشروع) استمرار تطبيق الشريعة على الشماليين. حقيقة الأمر، لم تك تلك هي المرة الأولى التى قبلت فيها الحركة التنازل عن الطرح العلماني من أجل الوفاق مع القوى الشمالية، فقد فعلت ذلك في اتفاق الميرغني ـ قرنق (16/11/1988) عندما قبلت مبدأ تجميد قوانين سبتمبر لحين البت في علاقة الدين بالدولة في مؤتمر قومي دستوري، وفعلته عندما اتفقت مع فصائل التجمع الشمالية في نيروبي (17/4/1993) على صيغة حول علاقة الدين بالسياسة أصبحت أساساً لقرارات التجمع في اسمرا (يونيو 1995) حول ذلك الموضوع. وتنص الصيغة على: كفالة المساواة تأسيساً على حق المواطنة، وتحريم إنشاء الأحزاب على أساس ديني، والاعتراف بتعدد الأديان وكريم المعتقدات والعمل على تحقيق التعايش والتفاعل السلمي بينهما، ومنع الإكراه، وتأسيس البرامج الإعلامية والثقافية القومية على الالتزام بمواثيق وعهود حقوق الإنسان. تلك الصيغة لا تشير بحال إلى إلغاء القوانين القائمة ذات الأصل الديني، أو تعترض على النص الذى جعل الشريعة مصدراً للتشريع. ليس هذا فقط، بل أن التنصيص على مصادر التشريع، وبخاصة النص على أن تكون الشريعة مصدراً للتشريع، والذي لم يرد مطلقاً في دستور 1956 أو دستور 1956 تعديل 1964 أضيف للمرة الأولى لذلك الدستور في دستور انتفاضة أبريل. وتقول المادة (4) من ذلك الدستور "الشريعة والعرف مصدران أساسيان للتشريع والأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم".

 

الاتهام الثاني والقائل أن الحركة لا تملك تفويضاً من الشمال لتقرر نيابة عنه القانون الذى يحتكم إليه قد يكون صحيحاً من الناحية الشكلية. نقول شكلية لأن هذه القوانين، وافقت الحركة أم لم توافق، هي القوانين التى كانت سارية عند التوقيع، وقبل التوقيع، وبعد التوقيع على بروتوكول ماشاكوس. كانت القوانين قائمة أيضاً حتى في ظل الديمقراطية والتي كان للتجمع الحزبي فيها أغلبية صريحة (حكومة الديمقراطية الثالثة)، وكان للتجمع النقابي فيها حكومة لها مطلق الحرية في النقض والإبرام (حكومة الانتفاضة 1985-1986). ثمة خيارات محلية كانت مطروحة أمام الحركة، وثمة ضغوط خارجية كانت عليها. من بين الخيارات الاستمرار في الحرب حتى تُقام الدولة العلمانية في السودان كله، ولربما كان هذا هو الخيار الذى طمع البعض أن تتخذه الحركة. الخيار الثاني هو أن تترك الحركة "ما لا يعنيها" إلى أن يصل طرفا النزاع الشماليان (الحكومة والتجمع) إلى اتفاق بشأنه، أي أن يُجمد الاتفاق إلى حينٍ لا يعرف إلا الله مداه. أما الثالث فهو أن تكون اليد العليا للتيار الانفصالي في الحركة، بل وتيار الوطنية الصغرى في الجنوب كله، والذي يقول يكفي ما حققناه لأهلنا ولنذهب مباشرة إلى ممارسة حق تقرير المصير تاركين الشمال ليسوى أموره بنفسه متى ما تيسر له ذلك. تلك كلها كانت خيارات مستحيلة، فأولاً، لا تستطيع قيادة الحركة، حتى وإن رغبت في ذلك، أن تحمل الجنوب كله على حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. ولربما كان في مقدورها أن تغامر بخيار كهذا لو كانت قوات التجمع تتأهب للانقضاض على الخرطوم، أو كانت قوى الانتفاضة تحيط بالنظام احاطة السوار بالمعصم. الخيار الثاني محكوم بقدرة المعارضة الشمالية على أن تقتسر أي شيء من النظام في الأفق المنظور، ففي النهاية كلنا ميتون. ولم يكن في الأفق المنظور ما يشير إلى أن النظام أوشك أن ينهار ويولي الأدبار، أو أن مبادرات السلام الأخرى (المبادرة المشتركة) كانت معنية بقضية الدين والسياسة لحد أكثر مما جاء في قرارات نيروبي 1993. أما الخيار الثالث فلا ينبغي أن يُسعد أي شمالي، كما أنه لم يكن بالخيار الذى تفضله الحركة.

 

من جانب آخر قامت الضغوط الخارجية بدور هام بدد أوهاماً كثيرة غلبت على عقول كل الأطراف: الحكومة، والحركة، والفصائل الشمالية المعارضة. من تلك الأوهام أن الوسطاء والرقباء ورعاة التفاوض ـ وكلهم منسوب للمسيحية أو العلمانية ـ سيمضون إلى النهاية في دعم التوجه العلماني للحركة، أو سيفعلون كلما في وسعهم ، كما تظنى بعض أهل التجمع، لإزاحة "الدولة الدينية" في الخرطوم. كما ساد عقول أغلب مناصري النظام وَهم قارب اليقين بأن ليس لأمريكا وبريطانيا من غرض تطلبه وتحتال عليه غير تدمير المشروع الحضاري وتحطيم دولته. نِذارة الوسطاء والرقباء والرعاة جميعهم للحركة كانت: "لقد حصلتم على كل ما تريدون للجنوب: السلطة والثروة والحفاظ على خصائصكم الثقافية، فما شأنكم بالشمال إن كان أهله يريدون أن يحكموا عبر الدين؟ أما للقوى السياسية الشمالية فكان قولهم عبر مبعوثيهم الكثر: "هذه القوانين ظلت معكم منذ أن كان لكم حكم ديمقراطي وبرلمان حر عجز عن إلغائها، ولم نَرَ حتى الآن ـ حتى بعد ماشاكوس ـ تظاهرة واحدة في الخرطوم تطالب بإلغائها، فما الذى نستنتج من ذلك؟ ولعل الرقباء والرعاة انتهوا إلى أن مناهضي القوانين الدينية في الشمال كانوا يتمنون اجتثاثها بسيف مستعار، فسعوا للحيلولة دون ذلك.

 

قضية الدين والدولة عادت إلى السطح مرة أخرى عند تداول موضوع العاصمة القومية والقوانين التى تحكمها. الحوار حول العاصمة لم يبدأ في نايفاشا كما يزعم البعض، بل ظل مطروحاً منذ مفاوضات ماشاكوس حيث أُطلق عدد من بالونات الاختبار للالتفاف حول الموضوع. من ذلك أن تكون للسودان عاصمتان (جوبا والخرطوم)، أو أن تنشأ عاصمة جديدة في منطقة محايدة، أو أن يُقتطع جزء من الخرطوم ليصبح عاصمة لا تسري عليها القوانين الدينية. كل تلك الخيارات سقطت لعدم معقوليتها. مع ذلك شاء البعض أن يصور القضية وكأنها أمر افتعلته الحركة، كما ذهب آخرون إلى تلقيح فتنة دينية واستثارة من تسهل استثارتهم لكي يقفوا إلباً واحداً ضد الاقتراح لما ليس فيه: الدعوة للفجور والرذيلة وإباحة الخمر والميسر في عاصمة الدولة الإسلامية. ومرة أخرى أختزل الدين من أصله ليختصر في الحدود. ومن المدهش أن الذين أثاروا ذلك النقع من الإرجاف لم يتدبروا أن الدستور الذى تحكم به الدولة "الإسلامية"  (دستور 1998) يبيح للناس ما هو أكثر من هذا، إن كانت نصوصه تعني ما تقول. ذلك الدستور يبيح (ربما نظرياً) حتى للمسلم إنكار الشعائر مع العلم بها. فالمادة 24 من الدستور حول حرية العقيدة والعبادة تنص: "لكل إنسان الحق في حرية الوجدان والعقيدة الدينية وله حق إظهار دينه أو معتقده ونشره عن طريق التعبد أو التعليم أو الممارسة أو أداء الشعائر أو الطقوس، ولا يُكره أحد على عقيدة لا يؤمن بها أو شعائر أو عبادات لا يرضاها طوعاً، وذلك دون إضرار بحرية الاختيار للدين أو إيذاء لمشاعر الآخرين أو للنظام العام، وذلك كما يفصله القانون" هذا النص، بلا مرية، لا يلزم المسلم بأداء شعائر دينه إلا طوعاً، علماً أن في الفقه الذى يستمسكون بتطبيقه انتقاءً أحكاماً صريحة حول تخلي المسلم عن أداء شعائر دينه لا فجوة فيها للتحفظ. فأداء الشعائر لا يخضع للرضي الطوعي عندهم، فمثلاً، يستتاب تارك الصلاة عمداً فإن استكبر وأنكر وجوبها قُتل ولا يدفن في مقابر المسلمين.

 

الفقرة حول العاصمة القومية في بروتوكول ماشاكوس غطت إلى حد كبير أربع قضايا: الأولى هي احترام التنوع السوداني والتأكيد على أن تكون العاصمة رمزاً للوحدة الوطنية وعاكسة لكل وجوه ذلك التنوع. والثانية احترام حقوق الإنسان والحريات كما هي موضحة في بروتوكول ماشاكوس (الحريات الدينية) وبروتوكول نايفاشا (جميع الحريات الأساسية). والثالثة هي حماية غير المسلمين من تطبيق القوانين السارية ذات الأصل الديني ووضع ضمانات كافية لتحقيق ذلك الغرض. أما الرابعة فهي عدم الإخلال بحق الأمة في إعادة النظر في التشريعات القائمة (الفقرة 2-4-5).

 

قضية الدين والسياسة، كمثيلاتها الأُخر: نظام الحكم، والحقوق الأساسية، والتمكين السياسي، وقعت ضحية تزيد تجاوزنا فيه ما ينبغي فانتهينا إلى حروب وقيدها الناس والحجارة. وإن كانت هناك دروس نتعلمها من تلك التجارب فهي، أولاً ضرورة الكف عن التزيد في الأمور أو الظن أن للحقيقة وجهاً واحداً، خاصة في شأن الدين. فما أكثر الأحكام التى أصدرنا منذ الستينيات في قضايا الدين ثم ارتددنا عنها، وكثيراً ما كان ذلك بلا حجة شافية أو بلاغ مبين في الحالتين. الأمر الثاني هو الاعتراف أن الله خلق الناس على فِطر مختلفة، ولو شاء أن يجعل منهم أمة واحدة لفعل. فالحياة كلها قائمة على الاختلاف كما أراد الله لها "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم". من يقول غير هذا يلج بالجهل. الأمر الثالث هو أنه لا يستطيع بشر أن يحمل أهل أية ملة خطم أنوفهم ليهجروا أنفسهم، أو يخالفوا عقيدتهم فإن رأي المسلمون تطبيق القوانين الدينية عليهم فذلك حقهم، شريطة أن يكون القرار بإرادتهم الحرة ، لا بالإكراه أو ادعاء الوصاية عليهم. الأمر الرابع هو ترقية أدب الخلاف بعد أن بلغ الاختلاف في أمور الدين حداً لا أناة فيه ولا تواضع. أو هل هذا حقاً هو الدين الذى أوصى الله نبيه بالحلم حتى مع المُعرضين "وإن كان كَبُر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدي فلا تكونن من الجاهلين" (الأنعام 35)، والمراد بالجهل هنا ما يضاد الحلم لا ما يضاد العلم. والأمر الخامس والأخير هو أن نخفض قليلاً من سقف مطامحنا، أي أن نسخر الدين والسياسة لإصلاح حال السودان بدلاً من أن نجعل لنا دوراً أممياً نجمع به أهل الأرض كلهم على الهدى، فهذا هو الحمق بعينه.