بروتوكولات نايفاشا


سبتمبر/ 2004

 

 

 

الفصل العاشر

 

أمتفائل أنت؟ لا، أنا متشائل!

 

 

 

 

 

 

 

 

في الفصول التسعة الماضية حاولنا إلقاء اضاءات كاشفة على بروتوكولات نايفاشا الستة وبروتوكول ماشاكوس، الإطار الجامع لها، لنُجلي للقارئ ما توصلت إليه من حلول للمشاكل التى أغرقت السودان في الدماء منذ نصف قرن. وعبر تلك الفصول أبرزنا بقدر ما سمح المجال التراكم التاريخي لتلك المشاكل ليس فقط لتبيان عمقها، وإنما أيضاً لنوازن بين مناهج الإقبال على علاجها في الماضي وفي هذا الاتفاق. من تلك الموازنة خلصنا إلى أن هذه الاتفاقيات في مجملها تخاطب جذور تلك المشاكل التاريخية، أي جذور الأزمة السودانية، للمرة الأولى منذ الاستقلال. وهذا ما أعلن التجمع الوطني الديمقراطي في اجتماعه الأخير باسمرا (بيان هيئة القيادة يوليو 2004)، وكان في ذلك ناضجاً وأميناً. هل يعني هذا أن السودان على موعد مع مستقبل زاهي؟ هذا ما يقوله المتفائلون بعد أن رأوا للمرة الأولى تحديداً واضحاً لتضاريس الأزمة في هذه الاتفاقيات، وتحديد أبعاد الأزمة هو نصف الحل. رأوا أيضاً حكماً شمالياً مهيمناً على المركز يفعل ما لم يسبقه إليه حاكم مركزي: امتلاك الشجاعة لدفع استحقاقات السلام بالنسبة للجنوب واستحقاقات اللامركزية بالنسبة للأطراف، ولا سلام أو استقرار دون دفع كليهما. وفي ذلك أيضاً نضج وحكمة. أما المتشائمون فسيقولون "هذا أروع مما يصدق" (it is too good to be true). لِمَ التشاؤم يا تُرى؟ اغلب الظن أن الذى لا يريد أن يستبشر بنعمة من الله وفضل آتاهما الله علينا، مازال أسير تجربة خمسة عشر عاماً من الكرب والضيق لم تنمح آثارها بعد، ولسان الآثار بليغ. أنا في حيرة من الأمر بين هذين القطبين، رغم أن التفاؤل ديدني. ما أقبلت على الحياة إلا وكلي ثقة، بعد استقدار الله خيراً، في تيسر الصعاب. وفي النهاية، لا يُسر، إلا فيما يسر الله. أعجز لهذا تماماً عن إدراك أي دافع ـ مهما كان ـ يجعل أي سوداني لا يستبشر باليُسر القادم لبلاد ابتلاها الزمان بكروب بأكثر مما يستأهل أهلها، لا سيما وقد تطاولت العُسرى وتمدد ضيق الحال. هل يبعث هذا على التشاؤم ؟ تفاؤلي المَرَضي يجعلني أقول لا، ولكنه قطعاً يرمى بي في منزلة بين المنزلتين كما يقول أهل الاعتزال. تلك هي الحالة التى وصفها الكاتب الفلسطيني الراحل اميل حبيبي "التشاؤل". وموجبات التشاؤل عديدة وسأوضحها.

 

لكي ما أوضح ما أعنيه، ولإجلاء قضايا أخرى في هذا المقال، أبدأ من حيث لا يحتسب القارئ. في العام الماضي سمح الكونقرس الأمريكي لوزير الخارجية بتكوين فريق يقوم ببلورة سياسة أمريكية جديدة تجاه أفريقيا بهدف تطوير العلاقات الأمريكية- الأفريقية في كل المجالات، ومن الواضح أن الكونقرس شهد تخبطاً في سياسات الإدارة الأمريكية نحو القارة. على ذلك الفريق أُطلق اسم المجموعة الاستشارية لوزير الخارجية حول السياسات الأفريقية (Africa Policy Advisory Panel). وفي نهاية العام كلف وزير الخارجية الأمريكي، بالتعاون مع حكومة النرويج، مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية بجامعة جون هوبكنز، بما له من خبرة بالسودان، بإعداد تقرير للحكومتين يُقَدم أولاً للمجموعة الاستشارية حول ما ينبغي عمله لتمتين السلام في السودان. كان ذلك بعد الاتفاق الذى توصل له الطرفان بشأن الترتيبات الأمنية التى اعتبرت وقتها إيذاناً بان الاتفاق على الأبواب بعد تجاوز الطرفين عقبة صعبة المرتقي. الحرص على ذلك التقرير يكشف، بلا شك، عن رغبة الدولتين الراعيتين للمفاوضات وللاتفاق على المضي لآخر الشوط مع السودانيين من أجل ترسيخ السلام ودفع التنمية. هذا مبعث تفاؤل مهما ظن المصابون برُهاب التدويل.

 

فور تكليفه ابتعث المركز اثنين من خبرائه إلى السودان زارا الخرطوم والجنوب وجبال النوبا ثم عادا إلى واشنطن ليكملا التقرير، والذي رفع لوزير الخارجية في يناير 2004. وصدر التقرير تحت عنوان : "كيف يُضمن السلام، استراتيجية للعمل في سودان ما بعد الحرب." المركز، لمن لا يعرف أو يتذكر، هو صاحب التقرير الذى أوصي في عام 2001 بقيام دولة واحدة بنظامين، وهو تقرير قابله التجمع بامتعاض لأنه دعا لتركيز كل جهود الولايات المتحدة على إنهاء الحرب ووضع القضايا الأخرى (مثل التحول الديموقراطي) في المضرم الخلفي (back- burner) من الموقد. الحركة أيضاً قابلت ذلك التقرير برد فعل غاضب لأنه اغفل كليةً حق تقرير المصير، في حين استقبلته الحكومة برضى خفي، ربما بسبب دعوته إلى تطبيع العلاقة مع الخرطوم ورفع درجة التمثيل الأمريكي فيها. فما الذى جاء به التقرير الجديد؟ وما هي علاقة ذلك ببواعث التفاؤل والتشاؤم؟

 

في بدايتهقال التقرير أن أكبر تحدٍ يجابه السودان هو بناء مؤسسات قادرة على صيانة وحدة القطر وحماية حق الجنوب في الإدارة الذاتية، من ناحية، وعلى إنهاء الاختلال في الكفاءات المؤسسية والمهنية بين الشمال والجنوب، من الناحية الأخرى. وكنموذج لهذا الاختلال أشار التقرير إلى انه في الوقت الذى يمثل فيه الجنوب ثلث القطر (أرضا وسكاناً) لا يتجاوز عدد الأطباء فيه الست وثمانين طبيباً، وعدد الممرضين والممرضات الستمائة، كما لا يزيد عدد القضاة عن ثلاث وعشرين قاضياً في درجات القضاء المختلفة. هذه أمور لم تَخفَ على الطرفين، وقد أولياها اهتماماً ملحوظاً في الاتفاقيات التى وقعت بعد صدور التقرير، واستعرضنا جوانب منها في هذه المقالات.

 

أقرب لموضوعنا ما أسماه التقرير المخاطر التى تتهدد الاتفاق، وتلك أحصاها في : التخريب من الداخل ، والديون الخارجية ، وضعف الأداء الحكومي، وسوء استغلال الموارد، وتدخل الجيران. وعند مخاطبة هذه المخاطر أورد التقرير توصيات لعل المراد منها أن تكون أساساً لسياسات الإدارة والدول الراعية للاتفاق تجاه السودان. من ذلك: حث المجتمع الدولي على التعاون مع السودان لضمان عدم العودة إلى العدائيات (توطيد الإجراءات الأمنية)، وحث الأمم المتحدة والدول الكبرى على توسيع مبادراتها الاقتصادية والدبلوماسية لدعم عملية البناء ويشتمل هذا على اقتراحات لحل مشكلة الديون، والضغط على الطرفين لتوسيع نطاق المشاركة السياسية في الشمال والجنوب مع اقتراحات محددة حول متطلبات التحول الديموقراطي، وتوجيه جهود التعمير والتنمية نحو تكامل حقيقي بين المجموعات السودانية، وبناء علاقات أفضل بين الجنوب والشمال وبين الجنوبيين والشماليين لهدف ترسيخ وحدة القطر. لست بذي ولع بتقارير ذلك المعهد أولاً لدعواه الكبيرة بأنه سيد العارفين في الشأن السوداني، وثانياً لاختلافي مع النتائج التى توصل إليها في تقريره في عام 2001، والتي أثبتت الأحداث ما شابها من سوء تقدير. ولكني أعترف أن كلا الحكمين انطباعيين وواحداً منهما ذا دوافع ذاتية. إلا أنني هذه المرة لا املك إلا الاعتراف بحسن تقويم المركز للأوضاع، ولقراءاته الصائبة للمشهد السوداني، ومن ذلك توصيفه للمخاطر الداخلية التى تتهدد الاتفاق.

 

في تناوله للمخاطر الداخلية، أو احتمالات التخريب من الداخل، لم يخلُ التقرير من طرافة، خاصة عندما ذهب إلى تسمية من هم أكثر الأطراف انتفاعاً من الاتفاق، وبالتالي أكثر حرصاً على حمايته، ومن الذين سيتضررون من الاتفاق، وبالتالي هم أقل رغبة في حمايته. وضع التقرير على قائمة المنتفعين الرئيس البشير والدكتور جون قرنق، ومن بعدهما عامة الناس، فالشباب، ثم رجال الأعمال. البشير في رأي التقرير لن يضمن فقط دورة حكم كاملة في ظل سلام شامل يُحظى فيها بتأييد الشمال والجنوب، بل سيدخل التاريخ كأول حاكم يعيد للسودان الأمن والاستقرار. هذا تقويم صحيح، ولعل هذا ما عناه الرئيس البشير نفسه عندما قال، بعد أن حمد الله في خطابه في الذكرى الخامسة عشر للإنقاذ : إن السلام مكرمة غالية ادخرها الله لثورة الإنقاذ "ليتحقق على يدها أكبر حدث بعد الاستقلال". أما قرنق، فيقول التقرير انه سيحقق بالاتفاق عدة أماني: السلام، وحكم الجنوب لنفسه بنفسه، وحل قضايا المناطق المهمشة التى ظل يكافح من أجلها، ولعب دور رئيس على الساحة القومية، والعمل على نشر أفكاره حول السودان الجديد بأسلوب سلمي. عامة الناس لا خلاف في أنهم أصحاب مصلحة مباشرة في إنهاء الحرب، بل هم أصحاب المصلحة الأولى فيها بسبب ما عانوه من ويلاتها، وكذلك الشباب من الجانبين فقد كانوا دوماً وقود الحرب. أحسنهم حالاً من فر من أخيه وأمه وأبيه بحثاً عن ملجأ آمن. ولا تسألن عن المصلحة التى يترجاها رجال الأعمال في ظل السلام. للحروب تجارها، أما السلام فهو الذى يجعل من السودان بلداً مَتجْرَاً (تروج فيه التجارة) تتاح فيه لرجل الأعمال المستقيم فرص الكسب الوافر بسبب تعدد وتنوع برامج التعمير، وتوجيه عائدات النفط للإنتاج من بعد أن كان جلها يذهب للمجهود الحربي، وتحسن العلاقات مع الجيران، ورفع الحظر والعقوبات عن السودان. في كل هذا صدق التقرير، في إشارته. ما لم يشِر إليه التقرير عند رصده للمنتفعين من السلام هو الجيش في الجانبين. وقد علمتني التجارب، منذ اتفاق أديس أبابا، أن العسكريين دوماً هم الأكثر استجابة لدواعي السلام متى ما توفرت أسبابه. هذا إحساس لم يفارقني أثناء مفاوضات السلام الراهنة.

 

إلى جانب المنتفعين بالسلام رصد التقرير العناصر التى يحتمل أن تخرب السلام في الشمال والجنوب. فمن جانب الحكومة، أشار التقرير لغلاة الإسلاميين، والمستمسكين بالسلطة، بعضهم حباً فيها، والبعض الأخر للاحتماء بها من أية محاسبة مرتقبة. كما ذكر من جانب معارضي النظام الطامعين في السلطة من السياسيين القدامى الذين فاتهم "قطار المكاسب" (GRAVEY TRAIN). أما في الجنوب فقد رصد التقرير الانفصاليين الذين لا تروق لهم فكرة الانصهار الوطني الذى قد ينجم عن التطبيق الجاد للاتفاق، والمثقفين والسياسيين الطامعين في السلطة.إلى جانب هؤلاء، أضاف التقرير أن اكبر المخاطر، في حالتي الجنوب والشمال، ستجئ من الميليشيات العسكرية إما بسبب التفلت أو التحريض. هذه أيضاً قراءة صحيحة للمشهد، ولعل المرء يرى ملامحها والاتفاق لما يكتمل بعد. ومبلغ الظن أن احتمالات التخريب السياسي في الجنوب (إن استثنينا ما قد ينجم من المليشيات العسكرية) لن تستعصي على التحييد لأنها تتعلق بطموحات سياسية لأفراد أو جماعات يمكن احتواؤها مهما كانت درجة مشروعية الطموح. أما في الشمال فيُعَوص الأمر اختلاط السياسة بالأيديولوجيا من ناحية، "وبالحق التاريخي" في الحكم عند البعض، من ناحية أخرى.

 

دعنا ننظر في الشمال إلى الشق الحاكم حيث يستشف المرء من الحملات المستترة دوماً والجهيرة في بعض الأحيان ضد الذين جنحوا للسلم من قيادات النظام وثبتوا عند ما تعاهدوا عليه، ما هو أخطر من الرغبة في تقويض الاتفاق. فأخطر من الرغبة في التقويض الرغبة عن السلام نفسه. ليس كل هؤلاء ممن عناهم الأمين العام للمؤتمر الوطني الدكتور إبراهيم احمد عمر بالشموليين في التنظيم ، فالمخربون الافتراضيون فِرَق. فريق يعرف جيداً أن الصلح خير وأن للسلام ثمناً مستحقاً إلا أنه يطمع في أن لا يكون هذا الثمن على حسابه. يقول الرواة، مثلاً، أن أحد مفاوضي الحكومة قال لوفد حزب الأمة في جيبوتي (25 نوفمبر 1999) عندما أثير موضوع المحاسبة: "أتريدون منا أن نعطيكم حبلاً تشنقوننا به؟" نتيجة لذلك انتهى اتفاق جيبوتي إلى النص على ما يلي : "النظر في كافة المظالم وإنصاف المظلومين". موقف ذلك المفاوض يعكس رد فعل طبيعي وبشري، فقلما يُقبِل إنسان على الانتحار في سبيل آخر إرضاءً له إلا إن كان عاشقاً له، وبه مستهاماً. ومفاوضات السلام لا تدور بين عنتر وعبلة. هذه قضية لم تشغل بال المتفاوضين طويلاً في نايفاشا إلا في إطار الحديث عن لجنة الحقيقة والمصالحة من أجل تطهير النفوس والأجواء لأن مفاوضي الحركة كانوا يعرفون جيداً أن المفاوض الذى يجلس قبالتهم لم يجلس للتوقيع على وثيقة الاستسلام. ولكن بين النظام ومعارضيه في الشمال ثارات كليب، وفي الساحة ألف مهلهل يطلب ثأره، لا في ساحة الوغى ولكن ساحة الصلح. رغم خداع النفس هذا أمر يستلزم العلاج، وأحسب أن الرئيس البشير في خطابه في العيد الخامس عشر قد أوجد للناس مخرجاً عندما قال : "أوجه جميع أجهزة الدولة لتراجع الإجراءات الاستثنائية القائمةالتى اقتضتها الضرورة، ولما لم يكن الظلم مقصداً للدولة أو نهجاً لها فإننا نعلن براءتنا من كل ظلم أو تجاوز وقع في حق أحد ونعلن التزامنا بدفع الظلم ورد الحقوق إلى أهلها متى ما ثبت الحق لهم". فلتكن هذه نقطة البداية للحوار فيما أسماه بروتوكول اقتسام السلطة "عملية المصالحة الوطنية الشاملة". وفي ظل المصالحة لا تهدف المحاسبة لإغاظة قلوب، أو شفاء أخرى، وإنما لإحقاق الحق ورفع الظلم حتى ينصرف الناس، جميع الناس، لما ينفع البلاد والعباد.

 

الفريق الثاني هو فريق "الكنكشة" في السلطة من حيث هي سلطة. هؤلاء أمرهم عسير لأن الذين لا يهطعون إلا لداعي السلطان لن يدركوا أن رد المظالم الذى تتحدث عنه ماشاكوس، واقتسام السلطة الذى أقرته نايفاشا، سيترجمان في نهاية الأمر إلى مراكز ومواقع، ووزارات (نعم وزارات). ما يتوجب إقحامه في رؤوس هؤلاء هو أن اتفاق السلام، على المستوى الوطني، اتفاق لا خاسر فيه، ولكن للوصول إلى ذلك لا بدَّ من أن يكون على المستوى الشخصي خاسرون. الخيار، إذن، خيار بين الخسارة الشخصية والخسارة الوطنية، بين خيرات السياسة واحتياجات الوطن. هذا امتحان لوطنية الرجال، وامتحان أيضاً لحديث مجته الإسماع عن أن المواقع تكليف لا تشريف.

 

الفريق الثالث هو الأهم، أصحاب الأيديولوجيات والذين مقصدهم فيما يعتقدون هو الله. لقضية هؤلاء جانبان، جانب رؤيوي، والثاني سياسي بحت. فمن الجانب الرؤيوي نحسب أنه لم يعد في عالم اليوم من يؤمن أنه من حق أي بشر، أو في مقدوره، احتكار الحقيقة، أو قسر الآخرين على الامتثال لرؤية أحادية لها، أو التظني أن يقينيات فرد أو مجموعة يمكن أن تكون هي ثوابت الأمة كلها. ولكن يبدو أن في السودان قوماً لم يسمعوا بعد بما أصاب أهل الحتميات التاريخية الميكانيكية. من أولئك دولة هي دولة لينين كانت تملك عند سقوطها ترسانة من الأسلحة النووية تكفي لتدمير العالم ست مرات. ما من عاقل أيضا يملك أن يرتهن الوطن كله لفكرة تلبسته، ثم يُدخِل الوطن بسبب من ذلك في صراع مفتعل مع الدين. ويصبح الأمر أكثر تعقيداً إن لم يكن أهل هذا الوطن ملةً واحدة، أو إن كان أهل الملة الواحدة فيه شيعاً وطوائف. في مثل هذه الحالة لا تصبح الحتميات فكراً انغلاقياً بل تتحول إلى يقينيات عدوانية. فإن كانت هناك لازمة واحدة من لوازم ممارسة الحرية الفكرية، فتلك هي حق الاختلاف. للأستاذ الراحل خالد محمد خالد مقالة في خلافه مع الشيخ حسن الهضيبي يفيد أن نستذكرها. قال: "وُجد الوطن في التاريخ قبل أن يوجد الدين، وكل ولاء للدين لا يسبقه ولاء للوطن هو ولاء زائف وليس من روح الله ، فالوطن وعاء الدين وسناده". هل نقول من هنا نبدأ؟ نعم من حق الإنسان أن يضحي بروحه من أجل فكرته، ونعرف أن من أنصار النظام كما من مناصري خصومه من ضحوا بأرواحهم في سبيل ما يعتقدون. نعرف أيضاً في التاريخ من أقدم على التضحيه بابنه في سبيل الله (إبراهيم واسحق) وهو قرير العين. ولكن الوطن ليس ملكاً لأحد حتى يضحي به في سبيل ما يعتقد. الوطن لكل أهله، وينبغي أن يتسع لهم جميعاً. يتسع للمسلم وللمسيحي ولأهل المعتقدات التقليدية. وليس الدين وحده هو الذى يجمع بين المواطنين، فبين أهل السودان من يختزل الوطن كله في الهلال والمريخ، ولا يشغله سواهما. هذا أيضاً من حقه أن يستمتع بوطنه على الوجه الذى يراه. يتمنى المرء أن تكون الرسالة التى بعث بها النائب الأول في خطابه أمام مجلس التعايش الديني (3/8/2004) قد وصلت إلى الجميع. قال: "إن محتوى الاتفاقيات يخلق واقعاً تسقط فيه الحواجز وتنفتح المسلمات ليتقارب الناس وليكتشفوا بعضهم وليؤسسوا على ما يجمع بينهم على أساس التعايش والاحترام المتبادل. إن التسامح هو خصيصة في قلب كل السودانيين، مسلمين أو مسيحيين أو أصحاب معتقدات عرفية أو على ديانة أخرى". لو وصلت الرسالة ووعيها كل من وجهت إليهم ، قلت درجة التشاؤم.

 

من الجانب السياسي، يظن المرء أن التحولات البارزة التى طرأت على العالم بعد زلزال 11 سبتمبر قد تركت أثراً على المفاهيم، سيما وتوابع الزلزال ما زالت تتردد، وغمامتهاما فتئت تُكدر السموات. وان كان هناك خطاً فضياً واحداً تحت تلك الغمامة فهو أنها جعلت الكثيرين يعيدون حساباتهم، ولم يكن السودان بعيداً عن هؤلاء. ولئن واتت النظام الفرصة، بسبب من هذا، ليخرج من عزلته الخانقة، ثم واتت الحركة الإسلامية الفرصة لتسترد مكانها كعنصر فاعل في السياسة الوطنية على قدم المساواة مع الآخرين أولاً بسبب الاتفاق مع أكثر معارضيها لدداً، وثانياً برضى كل أهل السودان بمن فيهم من اقتلعت منهم السلطة، أو لا يرى المعاندون في هذا مكسباً للتوجه الإسلامي؟ ثم أو لم يفطنوا بعد إلى أن الاستئثار بالسلطة، أو إن شئت التمكين المطلق فيها، قد حول السلطة إلى طيلسان مسموم؟ لقد أجاد د. الطيب زين العابدين عند ما دعي لتشكيل "كتلة إسلامية مؤثرة واعية من قلب النظام تنبذ الأوهام وتعقل الحقائق الكبرى المحدقة بالوطن وتدرك أن الجبهة الداخلية لا تبني بلا استحقاقات غالية ينبغي أن تدفع". إن تفكيك الإنقاذ لا يعني نهاية الدين في السودان بل، حسب رأيه، "يصح القول أن استمرار الإنقاذ بحالتها الراهنة فيه إضعاف للدين في السودان". (الصحافة 15/8/2004). هذا رأي جدير بالاستماع، وقد خاطر من استغنى برأيه. ومقال د. الطيب فيه استلهام لأدب أهل التصوف، قال الجنيد: "اتخذ لنفسك مرآتين، أنظر في أحدهما عيب نفسك، وفي الثانية محاسن الناس".

 

نجئ على مخربي السلام من الجانب الآخر أي على الذين مَعَضتهم ثنائية الاتفاق. الامتعاض من الاتفاق الثنائي شعور طبيعي، سيما وقد ذهب الاتفاق بعيداً، ولربما أبعد بكثير مما ظن الطرفان عندما جلسا للتفاوض. فالاتفاق يمثل إعادة صياغة كاملة للسودان: سياسياً وإدارياً واقتصادياً، وبهذا هو عودة بالقطر لمنصة التأسيس (back to the drawing-board). ورغم أن في ذلك العود خير لأنه خاطب المشاكل التى ظلت تؤرق البلاد منذ الاستقلال، إلا أن اتفاقاً كهذا لن تكتب له الديمومة إن لم تشارك في صوغه كل القوى السودانية، السياسية والاجتماعية. في هذا لا خلاف بين طرفي الاتفاق كما أكدا بعد توقيعه، وها هو الحوار سيبدأ بين التجمع والحكومة غداً، وبمشاركة من الحركة الشعبية، باعتبارها عضواً أصيلا في التجمع. وبدهي أن يكون الحوار بُناءً على ما تم، لا نقضاً له، كما ينبغي أن يتسع ليشمل أطرافاً أخرى غابت عنه مثل حزب الأمة. هذا هو الطريق الأوفق، وليس الدعوة لقيام منابر جديدة للحوار، أو السعي لإغراق اتفاقيات السلام في قضايا أخرى، إلا إن كانت الغاية هي إرضاء الخيلاء الشخصية. وعلى وجه التحديد لن يكون هناك تراجع في أساسيات الاتفاق: وضع الجنوب، ووضع المناطق المهمشة، واللامركزية وسلطة الولايات، وأسس اقتسام الثروة وضرورة ضبط توزيعها، وإعلان الحقوق واستغلال القضاء وسيادة حكم القانون، والعاصمة، والدستور والقوانين إلا فيما ستتوافق عليه الأطراف في المؤتمر القومي الدستوري. ولئن قال قائل أن في هذا إجحاف بحق الآخرين يكون مخطئاً، فما إشادة التجمع بالاتفاق لأنه خاطب جذور الأزمة إلا لأنه تناول هذه القضايا بالذات وتوصل إلى حلول بشأنها. وقد بقيت تلك المشاكل إما لأنها استعصت على الحل، أو لأنها لم تكن تحتل المكان اللائق بها في هرم الأولويات، أو لأي سبب آخر. وكما يقول هيقل حتى الأحداث اللاعقلانية في التاريخ هى عقلانية، لأنها تصدر عن سبب موضوعي. ولكن إن ظن البعض، بعد كل الذى تحقق في ساحة السلام، أن لليلى المريضة بالعراق طبيباً مداوياً واحداً لا بدَّ من إخضاعها لتطبيبه حتى وان أبلت الفتاة من دائها، فذلك أمر يتعسر عقله. ولعله تعبير عن الظاهرة التى أسلفت الإشارة إليها: ظاهرة الطبيب الذى أصبح عند فئة من السودانيين أهم من المريض.

 

ما الذى ينبغي، إذن، أن يكون محط الاهتمام من جانب الذين لم يشاركوا في صوغ اتفاقيات السلام؟ الاتفاقيات، في جوهرها، هي خارطة طريق لتحول ديمقراطي يبدأ ببداية الفترة قبل الانتقالية، وينتهي بإجراء الانتخابات في بداية النصف الثاني من تلك الفترة. ومنذ ماشاكوس أقر الطرفان تكوين لجنة قومية لمراجعة الدستور خلال الفترة الانتقالية وأجبها الأساس وضع إطار دستوري وقانوني. هذا النص طور في بروتوكول اقتسام السلطة ليتحدث عن إنشاء لجنة قومية لمراجعة الدستور تتكون من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية وممثلين للقوى السياسية الأخرى ومنظمات المجتمع المدني حسبما يتفق عليه الطرفان، وعلى هذه اللجنة أن تكمل واجبها في خلال ستة أسابيع من إنشائها. لهذا، يصبح من أولى المهام التى يتوجب حسمها بين طرفي الاتفاق والقوى السياسية الأخرى في الحوار المرتقب مع التجمع التواطؤ على كيفية تشكيل هذه اللجنة. ويوجه البروتوكول أن تعتمد اللجنة في إعدادها للإطار الدستوري الجديد على اتفاقية السلام والدستور القائم مع الاستفادة من أي تجارب ووثائق متلازمة يطرحها الطرفان".

 

اعتماد الاتفاق والدستور القائم كوثيقتين أساسيين لعمل اللجنة صحبه تمحك من جانب البعض في الشمال، ربما لما فيه من مظنة الاعتراف بذلك الدستور، رغم ما يتيحه الاتفاق للجنة من فرص للاستفادة من أي وثائق أخرى. هذا محك لا معنى له ، بل هو مغالطة. فالنظام الذى يفاوض التجمع يحكم بهذا الدستور ويحتكم إليه. واتفاق السلام عندما يكتمل سيقره المجلس الوطني وهو مجلس قائم على هذا الدستور، بل أن الدستور التى ستضعه اللجنة لن يصبح دستوراً للسودان إلا بعد إقراره من جانب المجلس الوطني، والمجلس الوطني للحركة. هذا النوع من المحك يدعو للتشاؤم لما فيه من عجز عن التمييز بين الشجيرات والأكمة. أنا من الناقدين لهذا الدستور وقد أوسعته نقداً في ما كتبت، ومنه هذه الفصول. بيد أنا جميعاً، حكومة ومعارضة، نسعى للعبور لمرحلة جديدة، فبماذا يفيد شق الشعيرات.

 

التحول الديموقراطي يتطلب في البدء إجراءات لتهيئة المناخ، وللتجمع آراء في هذا الشأن سبقت التحضير للمفاوضات تحت ظل المبادرة المشتركة (المصرية- الليبية). وبلا شك ستكون تلك الآراء، وما سيلحق بها من تعديلات اقتضتها التطورات، على رأس أوراق عمل المنتدى التفاوضي. ومما يجدر ذكره أن تقرير معهد الدراسات أولى هذا الموضوع اهتماماً خاصاً إذ وردت فيه توصيات محددة بشأن تهيئة المناخ هي : إلغاء حالة الطوارئ، ووضع جدول محدد للانتخابات، وتوفير الحريات المدنية مثل حرية العقيدة، والتنظيم، والاجتماع، والتحرك، والشفافية في أداء الأجهزة العامة وضبط آليات الرقابة، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات بما فيها قانون الأمن القومي وقانون الإجراءات الجنائية 1991 وبخاصة المواد المتعلقة بالتحقيق والاعتقال والحجز التحفظي، وإعادة تنظيم أجهزة الأمن والتي أسماها التقرير الثعبان الأسطوري ذا الرؤوس المتعددة (multi-headed hydra). جميع هذه الموضوعات تناولها بروتوكول اقتسام السلطة إما بالتفصيل، أو بإقرار مبادئ موجهة للجنة مراجعة الدستور أو الحكومة الانتقالية. مع هذا تظل هي من بين القضايا الهامة التى ستعني بها الأطراف الأخرى في المفاوضات المرتقبة لأنها تدخل في صميم عملية التحول الديمقراطي.

 

توفير المناخ ليس هدفاً في حد ذاته وإنما هو ضروري لكي ما تستطيع القوى السياسية والاجتماعية أن تقوم بدورها بفعالية بحسبانها الحاضنة الاجتماعية للديموقراطية، فلا ديموقراطية بلا أوعية سياسية واجتماعية تحضنها. وبعد عقد ونصف عقد من الزمان كانت فيه الأحزاب في حالة بيات شتوي لا تستطيع الأحزاب أو المنظمات المُعارِضة أن تقول "جاهزين، جاهزين" لحماية أي شئ. الحرية والمناخ الصحي مطلوبان أولاً لتمكين الأحزاب من ترتيب بيوتها الداخلية. إن الانطباع الذى يعطيه بعض السياسيين الحزبيين في تصريحاتهم بأن القضية الأولى هي السلطة، والسلطة المركزية على وجه التحديد، مؤشر لا ينبئ بخير ويضعف من التفاؤل. لماذا؟ أولاً لأنه يكشف عن عدم استيعاب، أو انعدام الرغبة في استيعاب، دلالات التحول الذى فرضته اتفاقيات السلام. ثانياً لان الاشتهاء العارم للسلطة دون أن يصحبه سعي ملحوظ لتحديد رؤى وبرامج حول ما ستفرضه الاتفاقيات على كل السودان يوحي بأن السلطة في حد ذاتها هي الهدف، وهذا عود لما هو غير حميد في تجاربنا السابقة. فالاتفاق قد منح الولايات سلطات لم تملكها من قبل، ووفر لها موارد فوق ما كانت تطمح فيه بسبب تجاربها مع هيمنة المركز في الماضي. أو ليس من واجب الأحزاب التى درجت على اعتبار أن تلك الولايات / الأقاليم طوع بنانها أو رهن إشارتها أن يكون لها تصور حول تطوير هذه المناطق وتنميتها على المدى القريب وللمستقبل. ثالثاً ترتكب الأحزاب جناية كبرى في حق نفسها إن سلكت هذا المسلك لأن التحول الذى سيطرأ على موازين القوى بين المركز والأقاليم قد يقود إلى بروز تنظيمات سياسية إقليمية أكثر قربي بمصالح أهلها. وبالرغم من أن هذه الظاهرة معروفة في بلاد أخرى كالهند مثلاً أو حتى بريطانيا (الحزب القومي الاسكتلندي، والحزب البروتستانتي الايرلندي) إلا أن الأحزاب القومية في هذه الدول ظلت هي صمام الأمان للوحدة الوطنية، ولهذا يظل دور هذه الأحزاب في السودان هاماً وضرورياً. هذا هو الدور الذى ينبغي أن تستمر الأحزاب القومية في أدائه، ولكن فعاليتها ستضعف كثيراً إن استمرت في الظن أن دور ممثليها في الأطراف هو دور متعهد توريد للناخبين في فترات الانتخابات.

 

يقودني هذا إلى الحديث عن تشويش لا يفيد فيما يتعلق بموضوعي السلطة والثروة، وأشير إلى تعليقات لخصت الأول منهما في النسب التى حُظي بها كل من الطرفين المتفاوضين وضازا بها حق الآخرين، واختزلت الثاني في نسب توزيع البترول بين الشمال والجنوب. الأمر الأول لا مُشاحة فيه، فتلك قسمة ضيزى فرضها توازن القوى كما قلنا في أكثر من موقع، كما فرضها حرص الطرفين على الإمساك بدفة الأمور في المرحلة الأولى من الفترة الانتقالية. تلك هي فترة البناء أو الانهيار (make or break). على أن هذه الأرقام لم تُسبك من حديد ولهذا فمن حق القوى السياسية الشمالية، كما من حق القوى السياسية الجنوبية بالنسبة لحكومة الجنوب، أن تتفاوض مع الطرف المعني للوصول إلى معادلة مناسبة تمكنها من أن يكون لها وجود فاعل، كان ذلك على مستوى الحكم المركزي أو الولايات. وفي هذا الشأن، لن يفيد كثيراً الارتكان إلى معادلات ستاتيكية مثل النسب في الانتخابات السابقة كمعيار لموازين القوى، فالسياسة فعل متحرك. ولو صحت مقولة العودة إلى نسب الانتخابات الأخيرة ـ والتي كثيراً ما رددها رئيس الوزراء السابق ـ أو أمكن الارتكان إليها كمسطرة للقياس لَسُهل الحل. الحل يصبح بسيطاً: تخلي الرئيس البشير عن موقعه لرئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء السابقين. إن لم يحدث هذا، فلان هناك معطيات موضوعية يجب أن يتعامل معها الناس برشد.

 

أياً كان الأمر، الذى نتمناه هو أن لا تُحمل الأطراف على اللجوء إلى سياسات الترضية بخلق مواقع تشريفية وزارية لاستيعاب من فاتهم قطار المكاسب، كما أسماهم مركز الدراسات، لأن في هذا إجهاض للاتفاق نفسه. فالاتفاق أولاً آلية لخلق لامركزية حقيقية تتطلب، ضرورة، إنهاء هيمنة المركز على الأطراف بتقليص سلطاته وتوسيع سلطاتها. ثانياً يهدف الاتفاق إلى توزيع عادل للموارد وتوجيه رشيد لها للارتقاء بالوطن: رفع مستوى المناطق الأقل نمواً إلى أعلى متوسط نمو في بقية أنحاء القطر، وإعادة تشييد البني التحتية المادية والاجتماعية، وإزالة آثار الحرب. هذا امتحان لجدية الذين وقعوا الاتفاق في الانتقال بالسودان من دولة الرعاية للنخب إلى دولة الرعاية للمواطن. وعلى المستوى الشخصي، سأكون من أكثر الناس شقاءً لو شهدتُ في الخرطوم حكومة مركزية يتجاوز وزراؤها ورؤساؤها العشرين بالكاد. بل يكون من الخير أن لا تنشأ، بعد الاستقرار على العدد من الوزارات المركزية التى تقتضيها الحاجة، أي وزارات جديدة إلا بقانون تجيزه السلطة التشريعية.

 

فيما قرأت حول هذه النسب، من جهة أخرى، ما يوحي بخلط للأوراق، فالنسب التى أشار إليها الاتفاق تتناول البرلمان والحكومة ولا شأن لها بالخدمة العامة، أو اللجان القومية، أو الأجهزة العامة. وحيثما وردت إشارة لمثل هذه النسب في الحديث عن الخدمة العامة أو أجهزة الأمن كان ذلك بالنسبة للجنوبيين (وليس للحركة الشعبية) بهدف إعادة التوازن في هذه الأجهزة التى حُرم منها الجنوبيون زماناً. هذا جزء من رد المظالم الذى نتحدث عنه دوماً ونكاد نرفض تنزيله على أرض الواقع. أما اللجان مثل لجنة الانتخابات أو لجنة حقوق الإنسان، أو المؤسسات مثل القضاء وأجهزة الأمن فهذه، بطبيعتها، أجهزة يفترض فيها الحيدة، ولهذا يكون الاختيار لشاغلي المناصب فيها قائماً على الكفاءة والأمانة والقدارة المهنية مع مراعاة التعدد والتنوع في السودان.

 

نفس خلط الأوراق حدث في بعض الإشارات لاقتسام الثروة (بروتوكول اقتسام الثروة) والذي صُور وكأنه توزيع إهتبالي. هذه قراءة مجحفة للبروتوكول حتى فيما يتعلق بتوزيع عوائد البترول. فنحن، مثلاً، لا نستطيع الحديث عن إعادة بناء ما خربته الحرب في الجنوب دون أن نفترض أن لذلك ثمناً. ولا يمكن أن نتحدث عن الخراب الذى أوقعه إنتاج البترول بذلك الإقليم (اجتماعياً وبيئياً) دون أن نحسب أن لذلك ثمناً. ولا يمكن أن نتحدث عن الارتقاء بإقليم بحجم يوغندا ورواندا وكينيا وليس به كيلومتراً واحداً من الطرق المرصوفة ولا نحسب أن لذلك تكلفة. ينص الاتفاق أيضاً على أن يكون لأي منطقة ينتج فيها النفط نسبة محددة من عائداته وهذا ينطبق على كل إقليم ينتج نفطاً، في الشمال أو الجنوب. الذى يمكن المطالبة به، مثلاً، هو أن تتخذ حكومة الوحدة الوطنية من تلك الصيغة نموذجاً لتوزيع الموارد الأخرى غير المتجددة في مناطق إنتاجها (الذهب في شرق السودان مثلاً)، أو أن تقرر نسباً لكل ولاية من عائد النفط لأهداف التنمية حسب حاجتها. وفي المقال حول الاقتصاد أشرت للتجربة الكندية حول التكافؤ بين الولايات، وهي نموذج جدير بالاحتذاء.

 

رغم كل هذه المخاطر توفرت لاتفاق السلام هذه المرة ضمانات لم تتوفر لاتفاق أديس أبابا. فالاتفاق أولاً يتمتع بضمانات عضوية (organic guarantees) على رأسها حكم ذاتي قوي في الجنوب، وموارد مستقرة ومضمونة (أي لا تخضع لتقدير ـ إن لم نقل لأهواء ـ طرف آخر)، وقوة عسكرية للحماية الذاتية. جميع هذه الضمانات لم تتوفر لاتفاق أديس أبابا إذ كان الحكم الذاتي هشاً واعتمدت استمراريته على حسن نوايا نظام شمولي انتهى إلى نظام فرد نزوي، والموارد المالية (بما في ذلك ما حدده الاتفاق) شحت وعسرت، أما الجيش والذي تم الاتفاق على تكوينه في الجنوب بانصهار عناصر الانانيا فيه شريطة أن يقوم على معادلة محسوبة: جندي جنوبي مقابل كل جندي شمالي فقد انتهي إلى جيش يهيمن عليه الشماليون مما أدى في النهاية إلى الانفجار. الاختلاف الآخر هو أن هذا الاتفاق يتم في ظل تحول ديمقراطي تتوفر فيه وسائل الكبح والتوازن في الأجهزة (مجلس الولايات)، والصحافة الحرة، ومنظمات المجتمع المدني، وكل ذلك يجعل الخروج عن الاتفاق أمراً عسيراً على أية حكومة في الخرطوم، سيما إن كانت نتيجة الخروج هي العودة للحرب، أو كان ثمنه هو تمزق القطر وانفراط عقد وحدته. ولمجلس الولايات أهمية خاصة إذ أنه لا يُعين فقط على تقليص الهيمنة المركزية على الأطراف، وإنما أيضاً يستبدل الاستقطاب التقليدي (الشمال / الجنوب) بعلاقة متعددة الأقطاب حيث يصبح المركز في جانب، والولايات (شمالية / جنوبية) في جانب آخر. هذه العلاقة المحورية الجديدة تدعم الوحدة إلا عند الذين لا يريدونها إلا وحدة يهيمن عليها المركز.

 

توفرت للاتفاق أيضاً ضمانات خارجية لم تكن موجودة في اتفاق أديس أبابا، والذي كان الاهتمام الدولي به جد محدود. ذلك الاهتمام كان نتيجة لجهد دبلوماسي مكثف بعد توقيع الاتفاق، أولاً على المستوى الأفريقي والعربي ثم الدولي، عندما سعينا لاستصدار قرارات من مؤتمر القمة الأفريقي، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، ثم الجمعية العامة تشيد بالاتفاق وتوجه الدول بتقديم يد العون للسودان لإنفاذ برامجه التنموية في الجنوب. أما في حالة هذا الاتفاق فقد استقر الرأي منذ البروتوكول الإطاري على تكوين آلية للمراقبة والتقويم على أساس التمثيل المتساوي للطرفين إضافة إلى ممثلين لا يزيد عددهم على اثنين لكل جهة للدول الآتية: دول الإيقاد (إثيوبيا، وإرتريا، وجيبوتي، وكينيا، ويوغندا)، والرقباء (إيطاليا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، والنرويج) وأي دول أخرى أو هيئات إقليمية أو دولية يتفق عليها الطرفان. والنص الأخير قصد منه إتاحة الفرصة لبعض دول الجوار المؤثرة والمنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية للمشاركة في رعاية السلام.

 

أهم المخاطر التى نبه إليها التقرير تلك التى قد تنجم عن انفراط عقد الأمن وسط المليشيات أما بسبب التفلت، أو الخطأ العفوي، أو التحريض. وهذه قضية تناولها، من بين موضوعات أخرى، بروتوكول الترتيبات الأمنية الذى وقع في نايفاشا (25 سبتمبر 2003). ذلك البروتوكول الذى سيكون أساساً لوقف إطلاق النار الشامل والمراقب دولياً فور التوقيع على اتفاق السلام الشامل تضمن إجراءات غير مسبوقة مثل وجود قوتين نظاميتين يكَوِّنان معاً جيش السودان هذا واحد من أهم الضمانات العضوية بالنسبة للحركة، وقد أقره الطرف الآخر كواحد من إجراءات بناء الثقة، بل كأهم إجراء فيها. ينص الاتفاق في مبادئه على:

  في إطار السودان الموحد، وحتى تكون الوحدة خياراً جاذباً عند الاستفتاء وتقرير المصير، يتفق الطرفان على تشكيل الجيش السوداني الذى سيتكون من القوات المسلحة والجيش الشعبي لتحرير السودان؛

  كجزء من اتفاقية السلام، ومن أجل إنهاء الحرب تبقى القوات السودانية والجيش الشعبي منفصلين خلال الفترة الانتقالية ويتفقان على أن يتلقيا، وعلى قدم المساواة، نفس الاعتبار باعتبارهما مُقَوِّمين للقوات المسلحة القومية، آخذين في الاعتبار ضرورة التخفيض النسبي في القوات من جانب الطرفين إثر انتهاء ترتيبات وقف إطلاق النار؛

  تنشأ تحت مؤسسة الرئاسة لجنة دفاع مشترك تتكون من رئيسي الأركان للقوتين ونائبيهما وعدد من الضباط يتفق عليه للتنسيق بين القوتين وتكون قراراتها بالتراضي.

 

وتأكيداً للوحدة اتفق الطرفان على تكوين قوات خاصة من الجيشين اقترحت الحركة أن تسمى قوات موحدة (integrated) وفضلت الحكومة أن تكون مشتركة (joint) ولهذا أطلق عليها اسم القوات المشتركة / الموحدة. هذه القوات تتكون من عدد متساو من الجيشين خلال الفترة الانتقالية وتكون نواة لجيش السودان بعد الاستفتاء (إن كان الخيار هو الوحدة) توزع على الوجه التالي: 24 ألفاً في الجنوب (اتفاق أديس أبابا نص على وجود 12 ألفاً في الجنوب نصفهم من الجنوب والنصف الآخر من الشمال)، 6 آلاف في جبال النوبا، 6 آلاف جنوب النيل الأزرق، 3 آلاف في الخرطوم. وحددت لهذه القوات الواجبات التالية: أن تكون رمزاً للوحدة الوطنية خلال الفترة الانتقالية، أن تكون رمزاً للسيادة، المساهمة في الدفاع عن الوطن، المشاركة في البناء والتعمير. ومن بين أهم الأشياء التى اتفق عليها تطوير عقيدة عسكرية مشتركة لهذه القوات تصبح هي عقيدة الجيش السوداني الجديد.

 

نص الاتفاق، إلى جانب ذلك، على أن تستوعب الحركة الشعبية الجنود الجنوبيين المسرحين من القوات المسلحة في العمل في المؤسسات المختلفة لحكومة جنوب السودان جنباً إلى جنب مع المسرحين من الجيش الشعبي، وتعهد الطرفان، بمساعدة المجتمع الدولي، على إعداد برنامج مشترك لنزع السلاح والتسريح وإعادة الاستيعاب في الحياة العامة سُمي اختصاراً DDR(Demobilization, Disarmament and Reintegration).

 

كل هذه الإجراءات ضرورية لخلق قوات نظامية مؤهلة ومنضبطة وقادرة على حماية الوطن، ولكنها لا تكفي بمفردها لمعالجة موضوع الميليشيات. لهذه قرر الطرفان أيضاً أن لا يسمح لأي مجموعة مسلحة بالعمل خارج القوتين المتفق عليهما وعلى الطرفين أن يعملا على ما يلي:

أ‌.  استيعاب المؤهلين من الجماعات المسلحة في القوات النظامية لأي من الطرفين (الجيش والبوليس، والسجون)، بجانب الخدمة المدنية والمؤسسات العامة الأخرى. وهذه بلا ريب يعني إشارة للمليشيات.

ب‌.  معالجة وضع المجموعات المسلحة الأخرى في القطر بهدف تحقيق سلام واستقرار شاملين. هذه الإشارة قد تستوعب العمل المسلح في دارفور وشرق السودان وهو عمل عسكري سياسي لا ينطبق على الميليشيات، ولهذا لا بدَّ أن تنفذ معالجته إلى الجذور السياسية للمشاكل التى دفعت أهل المنطقتين لحمل السلاح ابتداءً، ولعل هذا هو الذى يدور الآن في أبوجا (دارفور) وفي منتجع مصري (قوات التجمع في الشرق).

 

قضية الميليشيات، هي الأخرى، لها جذور لا بدَّ من أن تؤخذ في الاعتبار مما يستوجب اتفاق الطرفين على مشروع متكامل لا يقتصر فقط على نزع السلاح والتسريح واستيعاب المسرحين في أنشطة مدنية، بل يتناول أيضاً شبكات العلاقات الجديدة التى خلقتها ظروف الحرب: جماعات المهربين، وسرقة الصيد (poaching)، والاعتداء على المراعي والمواشي، وثمة ارتباط بين دور الميليشيات في الحرب وفي تأجيج الصراع حول الموارد. ويجب أن لا ننسى أن تدفق السلاح، والسلاح المدمر، للقبائل الرعوية (خاصة في دارفور) قد بدأ منذ نهاية السبعينيات خلال ما كان يسمى الغزو الليبي ثم تزايد، تحت سمع وبصر النظام، خلال الحرب الليبية ـ التشادية. أما في الجنوب فيعود "الفضل" في قيام الميليشيات، من جهة، إلى انشقاق الدكتور رياك ماشار عن الحركة وما فجره من حرب قبلية بين الدينكا والنوير، ومن جهة أخرى، إلى دور المرحلين الذى أشرنا إليه في الفصل السابق.

 

المشكلة إذن ليست بالبساطة التى يوحي بها البعض، ولا أخال الطرفين يظنونها كذلك. ولعل إجراءات تثبيت السلام فرصة نادرة لعلاج ذلك المشكل المعقد علاجاً جذرياً، في الشمال كان ذلك أو الجنوب. وفي هذا للحكومة دور، وللأمم المتحدة دور، ولآليات التوسط التقليدي الدور الأهم. فمثلاً قامت الأمم المتحدة بدور رئيس في نزع الأسلحة من المحاربين في البوسنة، وانقولا، وموزمبيق، وقواتيمالا، والسلفادور، ليس فقط عبر استخدام القوة، وإنما أيضاً بالترغيب مثل استبدال السلاح بالمال أو بأدوات الإنتاج. ومن الضروري أن تهتبل الحكومة الانتقالية هذه الفرصة المواتية لسحب جميع الأسلحة الثقيلة التى ما كان ينبغي أن تكون في يد المدنيين وأي سلاح آخر باستثناء الأسلحة الشخصية المرخصة والمسجلة رسمياً. وفيما يتعلق بآليات التوسط التقليدية (زعماء القبائل ورجال الدين) فمن الضروري أن تُمَكَن، بدعم الحكومة، من ممارسة السلطات التى كانت تمارسها من قبل في الشمال والجنوب. وقد أثبتت بعض التجارب القريبة نجاعة هذه المؤسسات في الجنوب مثل نجاحها في فض النزاع بين الدينكا والنوير في مؤتمر وانليت في مارس 1999.

 

القراءة المتأنية لهذا الاتفاق، والذي أبدى العسكريون من الطرفين إدراكاً واضحاً لضروراته، تُبين أنه كان السبيل الوحيد للوصول إلى صيغة توفق بين احترام القواعد المرعية في تنظيم وقيادة الجيوش، وبين ضرورة إزالة مخاوف كل الأطراف بما في ذلك الميليشيات. كما أن البروتوكول يمهد تدريجياً لبناء جيش وطني جديد بعد تقليص القوات الحالية مع مراعاة حقوق المسرحين، على أن يدرب ويسلح ويجهز ذلك الجيش على منوال واحد وتحت إشراف قيادة مشتركة. وسيكون التدريب على أساس عقيدة عسكرية مشتركة غايتها حماية الوطن وفق المفاهيم الجديدة التى أكدها الاتفاق حول المواطنة وماهيتها. وأحسب أن النائب الأول كان واضحاً في حديثه المطول لتلفزيون السودان في 26/7/2004 عندما ذكر إن تلك العقيدة القتالية هي حماية الوطن ولا شأن لها بنوايا المقاتل الداخلية أو تدينه، وعلى ذلك بين الطرفين وفاق.

 

نجئ هنا إلى الجانب الأكثر تعقيداً، خاصة إزاء التجربة الراهنة في دارفور. ففي تقرير المركز توصيات يفيد أن نتوقف عندها. من هذه التوصيات دعوة دول الترويكا + 1 (الولايات المتحدة، وبريطانيا، والنرويج، وإيطاليا) بالتعاون مع الأمم المتحدة على تبني برنامج للـ DDR يجئ تحت الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ذلك الباب من الميثاق يتناول الاعتداءات ومهددات وانتهاكات السلام الدولي ويمنح مجلس الأمن سلطات واسعة (المواد 39- 42) تتيح له التدخل إما عسكرياً أو بإجراءات غير عسكرية مثل قطع العلاقات الدبلوماسية، والحظر، ومنع الاتصالات، والعقوبات الاقتصادية. ولحسن الحظ اتفق الطرفان على أن يكون إسهام الأمم المتحدة في حفظ السلام بموجب الباب السادس والذي يتناول الحل السلمي للنزاعات، ويشير في المادة 36 (2) منه إلى أن مجلس الأمن يمكن أن يأخذ في الاعتبار إجراءات التسوية التى اتفق عليها الطرفان. وتحت هذا الباب لا يسمح للقوات الدولية باستخدام السلاح إلا في حالات الدفاع عن النفس.

 

وعلى أي، اقترح التقرير تكوين قوة احتياطية من 500 إلى 600 تُستدعي عند الضرورة وتوفر لها وسائل النقل السريع (براً وجواً) وتستخدم ريثما تقوم بتدريب القوات السودانية المشتركة على عمليات مقاومة التمرد (counter insurgency). وفي هذا المجال هناك قائمة من الدول الأكثر استعداداً للإسهام في هذه القوات مثل أسبانيا، وفرنسا، والأرجنتين، والهند، والأردن، ونيجيريا. ولا ضير في ما اقترحه تقرير المركز على أن لا يقتصر دور الأمم المتحدة على إجراءات المراقبة والحيلولة دون تجدد الصراع بل يجب أن يشمل تدريب/ إعادة تدريب الجيش على ضوء العقيدة العسكرية الجديدة، وتقوية هياكله بالصورة التى تحقق الانصهار بين القوات وتوفر لها القدرة على التحرك السريع مع توحيد اللبس والتسليح. وكان التقرير بارعاً في إشارته إلى أن السودان بحسبانه أكبر دولة أفريقية، وقطراً تحده ثمانية دول، في حاجة إلى الدفاع عن حدوده إلا أن خط الدفاع الأول بالنسبة له ينبغي أن يكون تحسين علاقاته مع جيرانه.

 

التدخل الخارجي دالة على ظاهرة داخلية، وليس سبباً لها، إلا في حالات تدخل الدول الكبرى ذات الأطماع التوسعية. أما التدخل غير الحميد من جانب الجيران هو دوماً إما رد بالمثل، أي رد فعل على تدخل، أو حماية للنفس من تداعيات مشكل تسرب من دول الجوار، أو استجابة لإيعاز داخلي. ومتى ما تصالحت الدول في داخلها مع نفسها، والتزمت مبادئ حسن الجوار، واعتمدت التعايش السلمي والعمل المشترك منهجاً للتعامل مع جيرانها، كان وئام. فالدول التى تغرق في مستنقع الصراعات الداخلية تفتح الباب واسعاً للتدخل، خاصة إن هددت تلك الصراعات، بشكل مباشر أو غير مباشر، دول الجوار. هذه سنة الحياة منذ حروب المدن الإغريقية. كما أن الدول التى تفترض لنفسها رسالة في الحياة تتجاوز حدودها، أو تسعى لتصدير نماذجها في الحكم، أو تعمل، بطريق مباشر أو غير مباشر، على إملائه على الآخرين، عليها أن لا تدهش من ردود فعل الآخرين. من جهة أخرى، يعرف الحاكم والمعارض في السودان أنه متى ما ملأ نظام حاكم حياة مواطنيه ضيقاً حتى استحاروا في أمرهم، أضطر هؤلاء إما للاستنجاد بالآخر الأجنبي بحثاً عن المساندة أو الملجأ الآمن، ولنا في هذا تاريخ يعود للقرن التاسع عشر. العلاج لكل هذه الأدواء هو التصالح مع النفس والعيش في وئام مع بعضنا البعض، ومتى ما تحقق ذلك سددنا باب ذرائع التدخل. هذه هي الروح التى أملت على الطرفين في نايفاشا الاتفاق على مناهج للعمل الخارجي منها عدم التدخل في شئون الدول الأخرى، ورعاية علاقات حسن الجوار، والتعاون المتبادل مع كل الجيران، ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب الدولي، وتحقيق التكامل الأفريقي والعربي في إطار الخطط القائمة.

 

منذ بداية الحديث عن إرسال قوات دولية للسودان (تصريح كولن باول بإرسال ثلاثين ألف جندياً)، انبرى الكثيرون ـ كل من منطلقه ـ لإثارة المخاوف. لهذا فإن اتفاق الطرفين على طبيعة الدور الأممي أمر مشجع. فدور الأمم المتحدة في الإطار الذى سيرسمه الطرفان دور ضروري ليس فقط في المراقبة (كما هو الحال في جبال النوبا والجنوب الآن) إنما أيضاً في تقديم الخبرات في نزع السلاح، ونزع الألغام، وحشد الدعم الدولي للتدريب والتأهيل للقوات المسلحة والبوليس.

 

العناية بالبوليس لا تقل أهمية إذ أن حفظ الأمن الداخلي والطمأنينة العامة هي في النهاية مسئولية البوليس وليس الجيش. وستضاعف لامركزية الحكم من ضرورة الاعتناء بأمر البوليس لأن المطلوب ليس فقط هو تدريب/ إعادة تدريب البوليس الوطني وتأهيله، وإنما أيضاً تأهيل الشرطة في كل ولاية. فرغم الاستقلال الولائي في الإشراف على الشرطة، إلا أنها ستكون خاضعة في تدريبها وإعدادها وتقويمها لمعيار واحد ضابط. إعادة التدريب هذه، بالنسبة للجيش أو البوليس، لا بد أن تتضمن إدراج مناهج للدرس حول المفاهيم الدولية لحقوق الإنسان، واتفاق السلام وتبعاته، والقواعد الدولية المرعية من جانب أجهزة تطبيق القانون، والانعكاسات القانونية والإجرائية لمبدأ سيادة حكم القانون. وفي هذا الشأن يفيد أن نُذَكِّر أن بروتوكول اقتسام السلطة قد قصر واجبات أجهزة الأمن على جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالأمن القومي والنصح للأجهزة السياسية في كل ما يتعلق به. هذا يعني بأن المسئولية عن تنفيذ القانون (law-enforcement) ستكون مقصورة على الجهاز الوحيد المؤهل لهذا ألا وهو الشرطة. وأياً كان الأمر، فإن ثقة الناس في رجال أمنهم ستزداد كلما كانت عمليات الأمن شفافة وواضحة ومراعية لسيادة حكم القانون.

 

للأمم المتحدة تاريخ طويل في حفظ السلام بدأ في عامي 1948 و 1949 (الحالة الأولى هي مراقبة بعد الحرب العربية الإسرائيلية والثانية لمراقبة الحدود الهندية ـ الباكستانية عقب اندلاع أزمة كشمير). ومنذ ذلك التاريخ شملت جهود الأمم المتحدة لحفظ السلام كل المعمورة، فما من قارة إلا وكان لها فيها نشاط. هذا أمر تفيد الإشارة إليه لأن بعض ما يتردد حول دور المنظمة الدولية يوحي أن في السودان نفراً يفترض أن بلادنا ليست جزءاً من الكون، رغم تعرضها مرتين خلال العشر سنوات الماضية لعقوبات مجلس الأمن. وبتلخيص مفيد شملت قرارات حفظ الأمن، أو المراقبة، أو بعثات التحقيق في الوطن العربي وأفريقيا وحدهما: مصر (لجنة المراقبة 1982)، لبنان (يونيفيل منذ 1978)، الصحراء الغربية (منذ 1991)، سيراليون (1999)، إثيوبيا ـ إرتريا (منذ 1999)، ساحل العاج (2003)، الكنغو (2003)، ليبريا (2003)، اليمن (1963 - 1964)، إيران ـ العراق (1988 - 1991)، أنقولا (1989 ـ 1997)، موزمبيق (1994 ـ 1994)، رواندا (1993 ـ 1996)، تشاد ـ ليبيا (1994)، وكان عدد القوات في هذه العمليات يتراوح بين العشرات في حالة المراقبة، إلى الآلاف في حالة التدخل العسكري لحفظ السلام. وعلم الله لم أسمع عن سياسي واحد في كل هذه الدول أطل بوجهه على الناس في التلفاز كان ذلك، أو على صفحات الصحف، ليتحدث عن التدخل الأجنبي.

 

لقد حسم السودانيون أمرهم حول طبيعة التدخل الأممي، وهذا بدوره سيحسم موضوع حجم القوات المطلوبة ويضع حداً للجدل الفارغ حول التدخل الأجنبي والتدويل. فتدخل الأمم المتحدة ليس تدخلاً أجنبياً، والتدويل قد بدأ في السودان منذ اليوم الذى اضطررنا فيه للسماح لثلاثين مؤسسة أجنبية بتقديم الغذاء للجوعى في بلادنا تحت راية الأمم المتحدة. بدأ ذلك في العام 1986، ومازال مستمراً (برنامج شريان الحياة). وعلى أي، فإن حجم الوجود العسكري للأمم المتحدة أمر سيحدده الطرفان بالتشاور مع المنظمة ولن يقرر هذا فقط بحسب طبيعة الواجبات، ومساحة الرقعة من الأرض التى ستكلف البعثة بمراقبتها، إنما أيضاً حجم الأصول (Assets) التى ستسخرها المنظمة لمهمتها لأنها تحتاج، هي الأخرى، إلى فرق حماية، إلى جانب الفرق الخدمية مثل البوليس الحربي والخدمات الطبية للقوات الدولية.

 

بعيداً عن هواجس أهل الثارات، والهلع المرضي من التدويل، ويقينيات من يعيشون خارج التاريخ، بل بعيداً عن خطرات المتفائلين والمتشائمين نقول إن الفشل دوماً يحفز العقلاء على تصحيح المسار. ولئن وفق الله قوماً إلى مخرج صدق بعد أن تواتر فشلهم فاستدبروا المخرج أو لا يعد هذا ضرباً من الجنون؟